دولة السلاجقة من البناء إلى الهدم
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: دولة السلاجقة من البناء إلى الهدم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,395

    افتراضي دولة السلاجقة من البناء إلى الهدم

    دولة السلاجقة من البناء إلى الهدم
    أحمد الشجاع

    هناك تساؤل دائماً ما يُطرح ويُدرس عند النظر في ظروف بناء الأمم ونهوضها وازدهارها، وكيف ولماذا تسقط وتنهار وتندثر. وهل تتكرر تجارب الأمم السابقة في اللاحقة.. ويأتي الجواب دائماً من داخل كل أمة، وبقدر ما يكون النظر في حياة الأمم دقيقاً وشاملاً يكون الجواب واضحاً وجلياً.
    ويدور هذا التقرير حول ذلك التساؤل بحثاً عن جوانب البناء والهدم التي مرت بها دولة السلاجقة التي نشأت على يد أسرة صغيرة ثم هُدمت بنفس اليد.
    قيام الدولة السلجوقية
    ينحدر السلاجقة من قبيلة قنق التركمانية، وتمثل مع ثلاث وعشرين قبيلة أخرى مجموعة القبائل التركمانية المعروفة بالغز.
    وفي منطقة ما وراء النهر (تركستان حالياً) استوطنت عشائر الغز وقبائلها الكبرى تلك المناطق، وعرفوا بالترك أو الأتراك، ثم تحركت هذه القبائل في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي بالانتقال من موطنها الأصلي نحو آسيا الصغرى.
    يقول ابن كثير: "ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، فيها عظم شأن السلجوقية وارتفع شان ملكهم طغرل بك وأخيه داود وهما ابنا ميكائيل بن سلجوق بن بغاق. وقد كان جدهم بغلق هذا من مشايخ الترك القدماء الذين لهم رأي ومكيدة ومكانة عند ملكهم الأعظم. ونشأ ولده سلجوق نجيباً شهماً فقدمه الملك ولقبه شباسي، فأطاعته الجيوش وانقاد له الناس بحيث تخوف منه الملك، وأراد قتله فهرب منه إلى بلاد المسلمين فأسلم فازداد عزاً وعلواً".
    وبين خراسان وبخارى وأصبهان تراوحت إقامة السلاجقة حتى استقرت بمرو، حيث هاجمها السلطان الغزنوي مسعود ولكنه هزم أمامها، وأصبحت الخطبة تلقى بمرو باسم داود السلجوقي ابن سلجوق الكبير، وكان هذا في سنة 433هـ.
    ومن مرو انتشر سلطان السلاجقة إلى الري وإلى خوارزم، وبدأ تاريخهم يظهر كقوة لها كيانها المستقل في العالم الإسلامي خلال القرن الخامس للهجرة.
    كان لظهور السلاجقة على مسرح الأحداث في المشرق العربي الإسلامي أثر كبير في تغير الأوضاع السياسية في تلك المنطقة التي كانت تتنازعها الخلافة العباسية من جهة، والخلافة الفاطمية الشيعية من جهة ثانية.
    وقد أسس السلاجقة دولة تركية كبرى ظهرت في القرن الخامس للهجرة (الحادي عشر الميلادي)، لتشمل خراسان وما وراء النهر وإيران والعراق وبلاد الشام وآسيا الصغرى.
    ففي سنة 429هـ/ 1037م استولى طغرل بك على مرو حاضرة خراسان وذكر اسمه في خطبة الجمعة بلقب ملك الملوك. وفي شهر شعبان سنة 429هـ التقى جيش طغرل بك بجيش الغزنويين عند باب مدينة سرخس وانتصر عليهم انتصارًا حاسمًا وشتت شملهم وطاردهم في كل مكان وغنم أموالهم. فكانت هذه الموقعة كما يقول ابن الأثير: "هي التي ملك السلجوقيون بعدها خراسان ودخلوا قصبات البلاد". وفي هذا الشهر استولى طغرل بك على نيسابور وأقيمت له الخطبة على منابرها وذكر اسمه مقرونًا بلقب السلطان الأعظم، واستقر بدار الإمارة وجلس للمظالم يومين في الأسبوع على ما جرت به العادة في هذه البلاد.
    وفي سنة 433هـ / 1041-1042م استولى السلاجقة بقيادة طغرل بك على بلاد الديلم وكرمان. وانتقل السلاجقة في فتوحهم من نصر إلى نصر حتى جاءت سنة 438هـ التي حاصر فيها طغرل بك مدينة أصبهان وصالحه صاحبه على مال يؤديه إليه، وعلى أن يقيم له الخطبة بأصبهان، وفي السنة التالية عقد الصلح بين أبي كاليجار البويهي والسلطان طغرل بك السلجوقي وحدث بينهم مصاهره.
    هكذا قامت دولة السلاجقة العظام في خراسان وفارس، وأضحت جيوشهم على أهبة الاستعداد لدخول العراق وذلك لإنقاذ الخلافة العباسية من سيطرة البويهين الشيعة.
    وكانت (الري) في إيران ثم بغداد في العراق مقر السلطنة السلجوقية، بينما قامت دويلات سلجوقية في خراسان وما رواء النهر (كرمان)، وبلاد الشام (سلاجقة الشام)، وآسيا الصغرى (سلاجقة الروم)، وكانت تتبع السلطان السلجوقي في إيران والعراق.
    إسقاط البويهيين
    كانت الأسرة البويهية الشيعية تسيطر على العراق قبل قدوم السلاجقة، حيث أسس البويهيون في فارس والعراق والأهواز وكرمان والري وهمذان وأصفهان إمارات وراثية أدت إلى إيجاد نوع من الاستقرار السياسي في دولة الخلافة العباسية. وقد سيطر البويهيون على مقاليد الأمور، وتصرفوا بشكل مطلق. لكن هذا الاستقرار كانت تشوبه بعض الاضطرابات الناتجة عن النزاعات المذهبية بفعل تشيع الأسرة البويهية.
    وكان الوضع الداخلي في بغداد مزعزعاً تشوبه حالة من الفوضى وعدم الاستقرار؛ مما ساعد على تعبيد الطريق أمام مهمة دخول السلاجقة إليها وضم العراق إلى دولتهم التي أسسوها في خراسان وإيران، وذلك بفعل الخلافات الأسرية داخل البيت البويهي، إذ قامت النزاعات والتنافسات بين الأمراء البويهيين من جهة وبينهم وبين الجند من جهة أخرى. كما انتشرت الفتن بين الجند، بالإضافة إلى رغبة السلاجقة في إنقاذ الدولة العباسية السنية.
    حين شارف السلاجقة على العراق، كان أبو الحارث أرسلان البساسيري - أحد قادة بني بويه الأتراك المتشيعين - يسيطر على بغداد وما جاورها، ويتمتع بنفوذ كبير لدرجة أنه أضحى يخطب له على المنابر في العراق والأهواز، ولم يعد بإمكان أي من الخليفة العباسي أو الملك البويهي اتخاذ أي قرار يتعلق بأمور الدولة إلا بعد موافقته، وقد شكل هذا القائد خطراً حقيقياً على الخلافة العباسية والدولة البويهية.
    أما خطره على الخلافة العباسية فقد تجلى في عام 446هـ/ 1054م، حين نشب الخلاف بينه وبين الخليفة القائم؛ مما دفعه للاتجاه نحو الفاطميين. أما خطره على الدولة البويهية فقد تجلى في الخلاف الذي نشأ بينه وبين الملك الرحيم البويهي؛ مما هدد النفوذ البويهي في العراق بعد ضياع أملاك البويهيين في إيران على يد السلاجقة.
    في هذا الجو المضطرب استنجد الخليفة بالسلطان السلجوقي طغرل بك طالباً مساعدته ضد البساسيري. انتهز السلطان هذه الفرصة، وسار بجيوشه إلى بغداد، ودخلها في عام 447هـ/ 1055م.
    هكذا ساند السلاجقة الخلافة العباسية في بغداد ونصروا مذهبها السنّي بعد أن أوشكت على الانهيار بين النفوذ البويهي الشيعي في إيران والعراق، والنفوذ العبيدي (الفاطمي) في مصر والشام.
    واستطاع طغرل بك أن يسقط الدولة البويهية في بغداد، وأن يقضي على الفتن وأزال من على أبواب المساجد سب الصحابة، وقتل شيخ الروافض أبي عبدالله الجلاب لغلوه في الرفض.
    بعد أن أزال السلاجقة الدولة البويهية من بغداد ودخل سلطانهم طغرل بك إلى عاصمة الخلافة العباسية استقبله الخليفة العباسي القائم بأمر الله استقبالاً عظيماً، وخلع عليه خلعة سنية، وأجلسه إلى جواره، وأغدق عليه ألقاب التعظيم، ومن جملتها أنه لقبه بالسلطان ركن الدين طغرل بك. كما أصدر الخليفة العباسي أمره بأن ينقش اسم السلطان طغرل بك على العملة، ويذكر اسمه في الخطبة في مساجد بغداد وغيرها؛ مما زاد من شأن السلاجقة. ومنذ ذلك الحين حل السلاجقة محل البويهيين في السيطرة على الأمر في بغداد، وتسيير الخليفة العباسي حسب إرادتهم.
    وكان حُكم السلاجقة يمثل سلطة فاعلة إلى جوار سلطة رمزية للخليفة العباسي، بينما الحاكم الفعلي هو السلطان السلجوقي، بحسب دراسة للدكتور عبد الرحمن الشجاع الأستاذ في جامعة صنعاء.
    وتوطيداً للروابط بين الخليفة العباسي القائم بأمر الله، وبين زعيم الدولة السلجوقية طغرل بك، تزوج الخليفة من ابنة جفري بك الأخ الأكبر لطغرل بك، وذلك في عام 448هـ/1059م. ثم في شعبان عام 454هـ/1062م تزوج طغرل بك من ابنة الخليفة العباسي القائم بالله.
    لكن طغرل بك لم يعش طويلاً بعد ذلك، حيث توفى ليلة الجمعة لليوم الثامن من شهر رمضان عام 455هـ/ 1062م، وكان عمره إذ ذاك سبعين عاماً، بعد أن تمت على يده الغلبة للسلاجقة في مناطق خراسان وإيران وشمال وشرق العراق.
    كان طغرل بك يتمتع بشخصية قوية وذكاء حاد وشجاعة فائقة، كما كان متديناً ورعاً عادلاً؛ ولذلك وجد تأييداً كبيراً ومناصرة عظيمة من شعبه، وقد أعد جيشاً قوياً، وسعى لتوحيد كلمة السلاجقة الأتراك في دولة قوية.
    وبحسب دراسة للدكتور عبد الحليم عويس فقد امتاز السلاجقة الأتراك في معاملاتهم بالتدين، وكانوا مظهراً للإنسان الفطري الذي هذبه الإسلام.. وباستثناء صور قليلة تحتمها الطبيعة البشرية التي لا تخلو من بعض القصور، فإن هؤلاء السادة كانوا نموذجاً طيباً حتى في معاملتهم للخليفة العباسي الذي حفظوا له عرشه.
    إنهم لم يكونوا كالذين انتصر بهم المعتصم، ولم يكونوا كالبويهيين حينما سيطروا على الخلافة وأذلوا كبرياء الخلفاء، بل كان لهم دور كبير في رفع راية الإسلام، وفي مد عمر الخلافة العباسية أكثر من قرنين من الزمان.
    وكان من مآثر السلاجقة تمسكهم الشديد بالإسلام، وميلهم القويّ إلى أهل السُّنة والجماعة. ووصل المسلمون في عهدهم إلى درجة عظيمة من التقدم في كثير من علوم الحضارة، وازدهرت في عهدهم الفنون بجميع أنواعها.
    كما أنهم بدأوا مرحلة جديدة من التوسع الإسلامي في اتجاه آسيا الصغرى، ويقال إن هذا التوسع كان أحد أسباب قيام الحروب الصليبية.
    ومن الظواهر المتعلقة بسياسة هؤلاء القوم الاجتماعية والفكرية – كما جاء في دراسة عويس - إلغاء أشهر ملوكهم (ألب أرسلان) لنظام المخابرات، ولجوء أحد ملوكهم (نظام الملك) إلى نظام الإقطاع بإعطاء الشخصيات السلجوقية والشخصيات الأخرى الكبرى إقطاعات أو "أتابكيات" لحسابها الخاص.
    ومن الظواهر كذلك الحملات الجهادية شبه المنتظمة التي كانت خير علاج للفوضى الداخلية. كذلك من الظواهر صراع السلاجقة المستمر ضد حركات الإسماعيلية، ونجاحهم في تقليم أظفارهم.
    وجاء في دراسة الدكتور الشجاع أن السلاجقة أحدثوا تغييرات كثيرة تأثرت بها دار الإسلام في مشرقها ومغربها وشمالها وجنوبها، منها آثار إيجابية مهمة وأخرى سلبية خطيرة.
    ومن أبرز تلكالتغييرات الإيجابية:
    - إعادة هيبة الخلافة بعد أن كانت قد أهينت في عهد بني بويه.
    - إنشاء جيش نظامي لا مهمة له إلا القتال؛ مما أدى إلى اقتداء الدول بعدهم بهذا النهج.
    - إيجاد نظام إداري دقيق كان له أثره في مؤسسات الدولة، بل حتى في الدول التي لا ترتبط بالسلاجقة ولا تتبعهم.
    فالوزير نظام الملك أسس نظاماً إدارياً مكتوباً، حيث كان كتابه المعروف بـ(سياسة نامة) متضمناً آراءً ونظريات وإجراءات تعد أساساً لنظام الحكم وإدارة الدولة والممالك.
    - الاهتمام بالمنشآت المدنية والعسكرية التي أصبحت مرآة ينقل مثلها إلى بلدان دار الإسلام.
    - إقامة المدارس العلمية النظامية التي صارت أنموذجاً يحتذى.
    - الاهتمام بالعلم والعلماء حتى أصبح الحكام يتنافسون في هذا الأمر.
    - إحياء الجهاد في سبيل الله.. مما كان له دور في إحياء روح الجهاد في أيام الدولة الزنكية ثم الأيوبية ثم المماليك ثم العثمانيين.
    أما التغييرات السلبية فمنها:
    - احتضان الصوفية.. وكان هذا في بداية الأمر مأموناً، ولكنه تحول – فيما بعد – إلى وسيلة للحكام لاحتضان وتبني المتصوفة الذين لا يحركون ساكناً أمام سياسة الدولة ومظالمها؛ ومن ثم يضمن الحكام ولاء الناس لهم ما داموا يرعون للمشايخ مكانتهم وحضور احتفالاتهم.
    - تدخل النساء في تدبير الحكم من وراء أبنائهم أو إخوانهم القُصّر.. وهذا كان له أثره فيما بعد سواء في الشام أو مصر أو اليمن.
    - النزاع والصراع الشديد بين أبناء الأسرة الواحدة، ومن غلب يكون هو السلطان. وهذا صار ظاهرة واضحة في كل أنظمة الحكم.
    بدوره ذكر الدكتور الصلابي بعض الأعمال جليلة التي قامت بها الدولة السلجوقية، منها:
    كان لهم دور في تأخير زوال الخلافة العباسية حوالي قرنين من الزمان؛ حيث أوشكت قبل مجيئهم على الانقراض في ظل سيطرة البويهيين الشيعة الروافض.
    منعت الدولة السلجوقية الدولة العبيدية في مصر من تحقيق أغراضها الهادفة إلى توحيد المشرق العربي الإسلامي تحت الراية الباطنية العبيدية الرافضية.
    رفعوا من شأن المذهب السني وعلمائه في تلك المناطق.
    كانت الجهود التي بذلتها الدولة السلجوقية تمهيداً لتوحيد المشرق الإسلامي على يد صلاح الدين الأيوبي وتحت راية الخلافة العباسية السنيّة.
    السلطان محمد الملقب بـ(ألب أرسلان) أي الأسد الشجاع
    تولى ألب أرسلان زمام السلطة في البلاد بعد وفاة عمه طغرل بك، وكانت قد حدثت بعض المنازعات حول تولي السلطة في البلاد، لكن ألب أرسلان استطاع أن يتغلب عليها.
    وكان ألب أرسلان - كعمه طغرل بك - قائداً ماهراً مقداماً، وقد اتخذ سياسة خاصة تعتمد على تثبيت أركان حكمه في البلاد الخاضعة لنفوذ السلاجقة، قبل التطلع إلى إخضاع أقاليم جديدة، وضمها إلى دولته.
    كما كان متلهفاً للجهاد في سبيل الله، ونشر دعوة الإسلام في داخل الدولة المسيحية المجاورة له، كبلاد الأرمن وبلاد الروم. وكانت روح الجهاد الإسلامي هي المحركة لحركات الفتوحات التي قام بها ألب أرسلان وأكسبتها صبغة دينية، وأصبح قائد السلاجقة زعيماً للجهاد، وحريصاً على نصرة الإسلام ونشره في تلك الديار، ورفع راية الإسلام خفاقة على مناطق كثيرة من أراضي الدولة البيزنطية.
    لقد بقي سبع سنوات يتفقد أجزاء دولته المترامية الأطراف، قبل أن يقوم بأي توسع خارجي. وعندما أطمئن على استتباب الأمن، وتمكن حكم السلاجقة في جميع الأقاليم والبلدان الخاضعة له، أخذ يخطط لتحقيق أهدافه البعيدة، وهي فتح البلاد المسيحية المجاورة لدولته، وإسقاط الدولة الفاطمية (العبيدية) في مصر، وتوحيد العالم الإسلامي تحت راية الخلافة العباسية السنيّة ونفوذ السلاجقة، فأعد جيشاً كبيراً اتجه به نحو بلاد الأرمن وجورجيا، فافتتحها وضمها إلى مملكته، كما عمل على نشر الإسلام في تلك المناطق.
    وأغار ألب أرسلان على شمال الشام وحاصر الدولة المرداسية في حلب، والتي أسسها صالح بن مرداس على المذهب الشيعي سنة 414هـ/1023م. وأجبر أميرها محمود بن صالح بن مرداس على إقامة الدعوة للخليفة العباسي بدلاً من السلطان الفاطمي العبيدي سنة 462هـ/1070م.
    ثم أرسل قائده الترك أتنسز بن أوق الخوارزمي في حملة إلى جنوب الشام فانتزع الرملة وبيت المقدس من يد العبيديين ولم يستطيع الاستيلاء على عسقلان التي تعتبر بوابة الدخول إلى مصر.
    وفي سنة 462هـ ورد رسول صاحب مكة محمد بن أبي هاشم إلى السلطان يخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم وللسلطان، وإسقاط خطبة صاحب مصر (العبيدي) وترك الأذان بـ (حي على العمل) فأعطاه السطان ثلاثين ألف دينار، وقال له: إذا فعل أمير المدينة كذلك أعطيناه عشرين ألف دينار.
    معركة ملاذ كرد

    لقد أغضبت فتوحات ألبُ أرسلان دومانوسَ ديوجينس إمبراطور الروم؛ فصمم على القيام بحركة مضادة للدفاع عن إمبراطوريته. ودخلت قواته في مناوشات ومعارك عديدة مع قوات السلاجقة، وكان أهمها معركة (ملاذكرد) في عام 463هـ الموافق أغسطس عام 1070م.
    وينقل الصلابي عن ابن كثير قوله: "وفيها أقبل ملك الروم أرمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم والرخ والفرنج، وعدد عظيم وعُدد، ومعه خمسة وثلاثون ألفاً من البطارقة، مع كل بطريق مائتا ألف فارس، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفاً، ومن الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية خمسة عشر ألفاً، ومعه مائة ألف نقّاب وخفار، وألف روزجاري، ومعه أربعمائة عجلة تحمل النعال والمسامير، وألفا عجلة تحمل السلاح والسروج والغرادات والمناجيق، منها منجنيق عدة ألف ومائتي رجل. ومن عزمه قبحه الله أن يبيد الإسلام وأهله، وقد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد، واستوصى نائبها بالخليفة خيراً، فقال له: أرفق بذلك الشيخ فإنه صاحبنا، ثم إذا استوثقت ممالك العراق وخراسان لهم مالوا على الشام وأهله ميلة واحدة، فاستعادوه من أيدي المسلمين، والقدر يقول: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} (سورة الحج: الآية : 72). فالتقاه السلطان ألب أرسلان في جيشه - وهم قريب من عشرين ألفاً - بمكان يقال له الزهوة، في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وخاف السلطان من كثرة جند الروم، فأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبدالملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين. فلما كان ذلك الوقت وتواقف الفريقان وتواجه الفئتان، نزل السلطان عن فرسه وسجد لله عز وجل، ومرغ وجهه في التراب ودعا الله واستنصره، فأنزل نصره على المسلمين ومنحهم أكنافهم فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وأسر ملكهم ارمانوس، أسره غلام رومي، فلما أوقف بين يدي الملك ألب أرسلان ضربه بيده ثلاثة مقارع، وقال: لو كُنت أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل؟، قال: كل قبيح، قال فما ظنك بي؟، فقال: إما أن تقتل وتشهرني في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني. قال: ما عزمت على غير العفو والفداء. فأفتدى منه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار. فقام بين يدي الملك وسقاه شربة من ماء وقبل الأرض بين يديه، وقبل الأرض إلى جهة الخليفة إجلالاً وإكراماً، وأطلق له الملك عشرة آلاف دينار ليتجهز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة وشيعه فرسخاً، وأرسل معه جيشاً يحفظونه إلى بلاده، ومعهم راية مكتوب عليها (لا إله إلا الله محمد رسول الله)".
    لقد كان نصر ألب أرسلان بجيشه الذي لم يتجاوز خمسة عشر ألف محارب على جيش الإمبراطور دومانوس الذي بلغ مائتي ألف، حدثاً كبيراً، ونقطة تحول في التاريخ الإسلامي؛ لأنها سهلت على إضعاف نفوذ الروم في معظم أقاليم آسيا الصغرى، وهي المناطق المهمة التي كانت من ركائز وأعمدة الإمبراطورية البيزنطية. وهذا ساعد تدريجياً للقضاء على الدولة البيزنطية على يد العثمانيين.
    من أخلاق السلطان ألب أرسلان
    لقد كان ألب أرسلان رجلاً صالحاً أخذ بأسباب النصر المعنوية والمادية، فكان يقرب العلماء ويأخذ بنصحهم، وما أروع نصيحة العالم الرباني أبي نصر محمد بن عبدالملك البخاري الحنفي، في معركة ملاذكرد عندما قال للسلطان ألب أرسلان: إنك تقاتل عن دينٍ وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان. وأرجو أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح فالقهم يوم الجمعة في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين.
    فلما كان تلك الساعة صلى بهم، وبكى السلطان فبكى الناس لبكائه، ودعا فأمنوا. فقال لهم من أراد الانصراف فلينصرف، فما هُنا سلطان يأمر ولا ينهى. وألقى القوس والنشاب وأخذ السيف وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض وتحنط وقال: إن قتلت فهذا كفني، الله أكبر على مثل هؤلاء ينزل نصر الله.
    كان رحيم القلب، رفيقاً بالفقراء وكثير الدعاء بدوام ما أنعم الله عليه، اجتاز يوماً بمرو على فقراء الخرائسين، فبكى وسأل الله تعالى أن يغنيه من فضله. وكان يكثر الصدقة، فيتصدق في رمضان بخمسة عشر ألف دينار، وكان في ديوانه أسماء خلق كثير من الفقراء في جميع ممالكه، عليهم الإدرارات والصلات، ولم يكن في جميع بلاده جناية ولا مصادرة، قد قنع من الرعايا بالخراج الأصلي يؤخذ منهم كل سنة دفعتين رفقاً بهم.
    وكتب إليه بعض السعاة سعاية في وزيره نظام الملك، وذكر ما له في ممالكه من الرسوم والأموال، وتركت على مصلاه، فأخذها فقرأها، ثم سلمها إلى نظام الملك وقال له: خذ هذا الكتاب، فإن صدقوا في الذي كتبوه فهذب أخلاقك، وأصلح أحوالك، وإن كذبوا فاغفر لهم زلتهم، وأشغلهم بما يشتغلون به عن السعاية بالناس.
    وكان كثيراً ما يُقرأ عليه تواريخ الملوك وآدابهم، وأحكام الشريعة. ولمّا اشتهر بين الملوك حُسن سيرته، ومحافظته على عهوده، أذعنوا له بالطاعة والموافقة بعد الامتناع، وحضروا عنده من أقاصي ما وراء النهر إلى أقاصي الشام.
    وكان شديد العناية بكف الجند عن أموال الرعية، بلغه أن بعض خواص مماليكه سلب من بعض الرستاقية إزاراً، فأخذ المملوك وصلبه، فارتدع الناس عن التعرض إلى مال غيرهم.
    قتل هذا السلطان العظيم على يد أحد الثائرين واسمه يوسف الخوارزمي، وذلك يوم العاشر من ربيع الأول عام 465هـ الموافق 1072م، ودفن في مدينة مرو بجوار قبر أبيه فخلفه ابنه ملكشاه.
    يتبع


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,395

    افتراضي رد: دولة السلاجقة من البناء إلى الهدم

    دولة السلاجقة من البناء إلى الهدم
    أحمد الشجاع

    السلطان ملكشاه
    تولى السلطنة بعد ألب أرسلان ابنه ملكشاه وعارضه عمه قاورد بن جفري حاكم سلاجقة كرمان وطالب بالسلطنة ووقع الصدام بينهما قرب همذان حيث انهزم قارود وقتل، وبذلك سيطر ملكشاه على دولة سلاجقة كرمان، وعين عليها سلطان شاه بن ألب أرسلان سنة 465هـ/1073م.
    واتسعت الدولة السلجوقية في عهد السلطان ملكشاه لتبلغ أقصى امتداد لها من أفغانستان شرقاً إلى آسيا الصغرى غرباً وبلاد الشام جنوباً، وذلك بعد أن سقطت دمشق على يد قائده أتسز سنة 468هـ/1075م، وأقيمت الدعوة للخليفة العباسي.
    وأسند ملكشاه المناطق التي سيطر عليها في بلاد الشام لأخيه تاج الدولة تتمش سنة 470هـ/1077م؛ وذلك من أجل متابعة الفتح.
    فأسس هذا الأخير دولة سلاجقة الشام كما عين ملكشاه أحد أقاربه ويدعى سليمان بن قتلمش بن إسرائيل والياً على آسيا الصغرى التي كانت تتبع بلاد الروم؛ لمتابعة الفتح سنة 470هـ/1077م.
    فأسس هذا أيضاً دولة سلاجقة الروم، وقد استمرت هذه الدولة 224 عاماً، ليتعاقب على حكمها أربعة عشر من سليلة أبي الفوارس قتلمش بن اسرائيل. وكان أولهم سليمان بن قتلمش الذي يعتبر مؤسس هذه الدولة، وقد تمكن من فتح أنطاكية سنة 477هـ/1084م، كما تمكن ابنه داود من السيطرة على قونية سنة 480هـ/1087م ليتخذها عاصمة له.
    وكانت قونية من أغنى وأجمل المدن البيزنطية في آسيا الصغرى، وقد حولها السلاجقة من مدينة بيزنطية مسيحية إلى مدينة إسلامية. وقد سقطت هذه الدولة على يد المغول سنة 700هـ/1300م، وأصبحت فيما بعد من أملاك الدولة العثمانية.
    لقد كان سلاجقة الروم حريصين على تتريك آسيا الصغرى ونشر الإسلام فيها على المذهب السنّي، وكانوا سبباً في نقل الحضارة الإسلامية إلى تلك الأقاليم، واسقطوا الخط الدفاعي الذي كان يحمي المسيحية من أوروبا ضد الإسلام في الشرق.
    ورغم هذه السلطنة القوية زمن ملكشاه، لم يفلح قائده أتسز في توحيد بلاد الشام ومصر، بعد أن شكل السلاجقة تهديداً فعلياً للدولة العبيدية (الفاطمية) داخل مصر.
    وعندما أراد أتسز غزو مصر حلت به الهزيمة على يد قوة من العرب، قبل مواجهة الجيش الكبير الذي أعده الوزير بدر الجمالي في رجب 469هـ/1076م. وقد أدى فشل أتسز إلى مزيد من التشرذم والتمزق السياسي والصراع الدامي، لينتهي الأمر بمقتله سنة 471هـ/1078م.
    كذلك لم يفلح ملكشاه في جعل الخلافة العباسية تتحول إلى أسرته السلجوقية، عندما زوج ابنته إلى الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله سنة 480هـ/1087م، فرزقت منه بولد، كما زوج ابنته الأخرى إلى المستظهر العباسي. ولم يتمكن من حصر الخلافة والسلطنة في شخص حفيده.
    وتوفى السلطان ملكشاه وانتهى دور القوة والمجد (447-485هـ/1055-1092م) الذي عرفته الدولة السلجوقية في عهد السلاطين الثلاثة (طغرل بك، وألب أرسلان، وملكشاه)، لتبدأ مرحلة الضعف والصراع.
    الوزير نظامالملك
    قال عنه الذهبي: الوزير الكبير نظام الملك، قوام الدين أبو علي الحسن بن علي ابن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير، سعيد، متدين، محتشم، عامر المجلس بالقرّاء والفقهاء. أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغب في العلم، وأدرّ على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبعد صيته.
    تنقلت به الأحوال إلى أن أصبح وزيراً للسلطان ألب أرسلان، ثم لابنه ملكشاه، فدبر ممالكه على أتم ما ينبغي، وخفف المظالم، ورفق بالرعايا، وبني الوقوف، وهاجرت الكبار إلى جانبه.
    وأشار على ملكشاه بتعيين القواد والأمراء الذين فيهم خلق ودين وشجاعة، وظهرت آثار تلك السياسة فيما بعد ومن هؤلاء القواد الذين وقع عليهم الاختيار آق سنقر جد نور الدين محمود، الذي ولي على حلب وديار بكر والجزيرة.
    قال عنه ابن كثير: "من أحسن الملوك سيرة وأجودهم سريرة". وقام ولده عماد الدين زنكي ببداية الجهاد ضد الصليبيين، ثم قام من بعده نور الدين محمود، هذه الأسرة هي التي وضعت الأساس لانتصارات صلاح الدين والظاهر بيبرس وقلاوون ضد الصليبيين، وافتتحت عهد التوحيد والوحدة في العالم الإسلامي، حسب ما ذكره الصلابي.
    وكذلك كان آق سنقر البرسقي من قواد السلطان محمود السلجوقي، وكان أميراً للموصل، واشتغل بجهاد الصليبيين، وفي سنة 520هـ قتله الباطنيون وهو يصلي في الجامع الكبير في الموصل. قال عنه ابن الأثير: "وكان مملوكاً تركياً خيراً، يحب أهل العلم والصالحين ويرى العدل ويفعله، وكان خير الولاة، يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجداً".
    ضبطه لأمور الدولة
    لما تولى ملكشاه أمور الدولة انفلت أمر العسكر وبسطوا أيديهم في أموال النَّاس، وقالوا ما يمنع السلطان أن يعطينا الأموال إلا نظام الملك، وتعرض الناس لأذى شديد، فذكر ذلك نظام الملك للسلطان، فبين له ما في هذا الفعل من الضعف، وسقوط الهيبة والوهن، ودمار البلاد، وذهاب السياسة. فقال له: افعل في هذا ما تراه مصلحة. فقال له نظام الملك: ما يمكنني أن أفعل إلا بأمرك فقال السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد، وحلف له، وأقطعه إقطاعاً زائداً على ما كان، وخلع عليه، ولقبه ألقاباً من جملتها: أتابك، ومعناه الأمير الوالد، فظهرت من كفايته وشجاعته وحسن سيرته ما أثلج صدور الناس. فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت به، فوقف يكلمها وتكلمه، فدفعها بعض حجّابه، فأنكر ذلك عليه وقال: إنما استخدمتك لأمثال هذه، فإن الأمراء والأعيان لا حاجة لهم إليك، ثم صرفه عن حجابته.
    حبه للعلم واحترامه للعلماء وتواضعه
    كان يحب العلم وخصوصاً الحديث، شغوفاً به وكان يقول: إني أعلم بأني لست أهلاً للرواية، ولكني أحب أن أربط في قطار نقلة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمع من القشيري، وأبي مسلم بن مهر، وأبي حامد الأزهري.
    وكان حريصاً على أن تؤدي المدارس - التي بناها - رسالتها المنوطة بها، فعندما أرسل إليه أبو الحسن محمد بن علي الواسطي الفقيه الشافعي أبياتٍ من الشعر يستحثه على المسارعة للقضاء على الفتن التي حدثت بين الحنابلة والأشاعرة، قام نظام الملك وقضى على الفتنة.
    ومما قاله أبو الحسن الواسطي من الشعر:

    يا نظام الملك قـد حـلّ ببغـداد iiالنظـام
    وابنك القاطن فيها مستهان مستضام
    وبهـا أودى لـه قتلـى غـلام، iiوغـلام
    والذي منهم تبقـي سالمـاً فيـه سهـام
    يا قـوام الديـن لـم يبـق ببغـداد iiمقـام
    عظُم الخطبُ وللحـرب اتصـال ودوام
    فمتى لم تحسم الـداء أياديـك الحسـام
    ويكف القوم فـي بغـداد قتـل iiوانتقـام
    فعلى مدرسة فيها ومن فيهـا iiالسـلام
    واعتصام بحَريم لـك مـن بعـدُ iiحـرام

    لقد كان مجلسه عامراً بالفقهاء والعلماء، حيث يقضي معهم جُلّ نهاره، فقيل له: إن هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح. فقال: هؤلاء جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلستهم على رأسي لما استكثرت ذلك، وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني قام لهما وأجلسهما معه في المقعد. فإن دخل أبو علي الفارندي قام وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه. فعوتب في ذلك فقال: إنهما إذا دخلا عليّ قالا: أنت وأنت، يطروني ويعظموني، ويقولوا فيّ مالا فيّ، فأزداد بهما ما هو مركوز في نفس البشر. وإذا دخل عليّ أبو علي الفارندي ذكرني عيوبي وظلمي، فأنكسر فأرجع عن كثير مما أنا فيه.
    قال عنه ابن الأثير: "وأما أخباره، فإنه كان عالماً، ديناً، جواداً، عادلاً، حليماً، كثير الصفح عن المذنبين، طويل الصمت، كان مجلسه عامراً بالقرّاء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح".
    كان من حفظة القرآن، وختمه وله إحدى عشرة، واشتغل بمذهب الشافعي، وكان لا يجلس إلا على وضوء، وما توضأ إلا تنفَّل.
    وإذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وتجنبه. فإذا فرغ لا يبدأ بشيء قبل الصلاة وكان، إذا غفل المؤذن ودخل الوقت فأمره بالأذان، وهذا قمة حال المنقطعين للعبادة في حفظ الأوقات، ولزوم الصلوات.
    وكانت له صلة بالله عظيمة وقال ذات مرة: رأيت ليلة في المنام إبليس فقلت له: ويحك خلقك الله وأمرك بالسجود له مشافهة فأبيت، وأنا لم يأمرني بالسجود له مشافهة وأنا أسجد له في كل يوم مرات، وأنشأ يقول:
    من لم يكن للوصال أهلاً فكلُّ إحسانه ذنوب
    وكان يتمنى أن يكون له مسجد يعبد الله فيه، ومكفول الرزق، وقال في هذا المعنى: كنت أتمنى أن يكون لي قرية خالصة، ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي، ثم تمنيت بعد ذلك أن يكون لي رغيف كل يوم، ومسجد أعبد الله فيه.
    ومن تواضعه أنه كان ذات ليلة يأكل الطعام، وبجانبه أخوه أبو القاسم، وبالجانب الآخر عميد خُراسان، وإلى جانب العميد إنسان فقير، مقطوع اليد، فنظر نظام الملك فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع، فأمره بالانتقال إلى الجانب الآخر، وقرّب المقطوع إليه فأكل معه.
    وكانت عادته أن يحضر الفقراء طعامه ويقربهم إليه، ويدنيهم.
    ومن شعره:
    بـعـد الثمانـيـن لـيــس iiقُـــوة
    قــد ذهـبـت شـهـوة الصُّـبـوة
    كـأنـنــي والـعــصــا بـكّــفــي
    مـوسـى ولـكــن بـــلا iiنُـبُــوَّة
    ويـنـســب إلــيـــه iiأيــضـــاً:
    تقوس بعد طول العُمر ظهري
    وداستـنـي الليـالـي أيَّ iiدَوْسِ
    فأمسي والعصا تمشي iiأمامـي
    كــأن قوامـهـا وتــر بـقــوسِ

    وكان يتأثر بسماع الشعر، ومن ذلك أن أبا علي القومَسَاني دخل عليه يعوده في مرضه فأنشأ يقول:

    إذا مرضنا نوَينا كـل iiصالحـةٍ
    فإن شفينا فمنا الزيغ iiوالزَّلَـلُ
    نرجو الإله إذا خفنا ونسخطه
    إذا أمنـا فمـا يزكـو لنـا iiعمـل
    فبكى نظام الملك، وقال: هو كما يقول.
    وفي عام 485هـ يوم الخميس العاشر من شهر رمضان، وحان وقت الإفطار، صلىّ نظام الملك المغرب وجلس على السماط، وعنده خلق كثير من الفقهاء والقرّاء، وأصحاب الحوائج، فجعل يذكر شرف المكان الذي نزلوه من أراضي نهاوند، وأخبار الوقعة التي كانت بين الفرس والمسلمين، في زمان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ومن استشهد هناك من الأعيان، ويقول: طوبى لمن لحق بهم.
    فلما فرغ من إفطاره خرج من مكانه قاصداً مَضْرِب حَرَمه فبدر إليه صبي ديلميّ، كأنه مُستميح أو مستغيث، فعلق به وضربه، وحمل إلى مضرب الحرم.. وكان قاتله قد تعثر بأطناب الخيمة، فلحقه مماليك نظام الملك وقتلوه.
    ويقال إنه أول مقتول قتلته الإسماعيلية (الباطنية)، فانبث الخبر في الجيش، وصاحت الأصوات، وجاء السلطان ملكشاه حين بلغه الخبر، مظهراً الحزن والنحيب والبكاء، وجلس عند نظام الملك ساعة، وهو يجُود بنفسه حتى مات، فعاش سعيداً ومات شهيداً فقيداً حميداً بإذن الله.
    وقال بعض خدامه: كان آخر كلام نظام الملك أن قال: لا تقتلوا قاتلي، فإني قد عفوت عنه وتشهد ومات.
    ولما بلغ أهل بغداد موت نظام الملك حزنوا عليه، وجلس الوزير والرؤساء للعزاء ثلاثة أيام ورثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطية حيث قال:

    كـان الوزيـر نظـامُ الملـكِ iiلؤلـؤة
    يتيمة صاغها الرحمن من شرفٍ
    عـزَّت فلـم تعـرفِ الأيـامُ iiقيمتهـا
    فرَّدهـا غيـره منـه إلـى iiالصـدف
    عجز السلاجقة أمـام iiالصليبييـن
    كان من الطبيعي أن يقوم السلاجقة بالتصدي للحروب الصليبية وحماية العالم الإسلامي من أخطارها، ولكن ذلك لم يحدث بسبب تمزق دولتهم بعد ملكشاه، واشتعال الصراع فيما بينهم للسيطرة على الشام مما أدى إلى إتاحة الفرصة لنجاح الحملة الصليبية الأولى.
    فقد اكتسح الصليبيون قوات سلاجقة الروم في آسيا الصغرى فاتجهوا إلى نيقية للاستيلاء عليها، وكان قلج أرسلان متغيباً عن المدينة، وفرض الصليبيون الحصار على المدينة واضطرت الحامية إلى الاستسلام بعد أن عقدت صلحاً سرياً مع البيزنطيين المشتركين مع الصليبيين في الحصار على أن تسليم المدينة مقابل ألا يتعرض أحد للسلب والنهب وذلك في 491هـ/ 1097م.
    بعد ذلك استطاع الصليبيون الانتصار على السلاجقة في موقعة دوريليوم تلك الموقعة التي كان لها أثارًا بالغة؛ لأن تلك الهزيمة جعلت السلاجقة يخسرون بعض ما كسبوه خلال أكثر من عشرين عاماً، ورغم هذه الهزيمة إلا أن السلاجقة اكتسبوا احترام الصليبيين بما تحلوا به من شجاعة، وبما اتبعوه من أساليب علمية في فنون الحرب.
    بعد ذلك تقدم الصليبون إلى أنطاكية وحاصروها حتى استسلمت وفر أميرها السلجوقي باغي سيان، ثم ساروا إلى معرة النعمان فحاصروها حتى استسلم أهلها فقتلوا منهم الكثير، ثم حدثت مذبحة بيت المقدس التي راح ضحيتها سبعون ألفًا من سكان المدينة.
    وقد وقف السلاجقة عاجزين أمام طوفان الصليبيين، فقد كانت أوضاع دولتهم تنتقل من سيء إلى أسوأ، وكانت الخلافة العباسية جسماً بلا روح.
    وظل الأمر كذلك حتى ولى السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، عماد الدين زنكي إمارة الموصل والبلاد التابعة لها، فكان ذلك فاتحة خير للمسلمين، حيث استطاع عماد الدين مد نفوذه إلى الجزيرة والشام، وكان أعظم إنجاز حققه هو استرداد مدينة الرها من أيدي الصليبيين 539هـ/ 1114م.
    نهاية الدولة السلجوقية
    بعد وفاة السلطان ملكشاه تفككت الدولة السلجوقية وبدأت عوامل الضعف والانهيار تدب في أوصالها بين أبنائه وإخوته وأحفاده؛ فضعفت بالتالي سيطرة الدولة على مختلف أقاليمها.
    كان للسلطان ملكشاه عند وفاته أربعة أبناء هم بركيارق ومحمد وسنجر ومحمود. وكان محمود، والذي عرف فيما بعد بناصر الدين محمود، طفلاً فبايعوه على تولي السلطة؛ لأن أمه تركان خاتون، كانت ذات شأن كبير أيام ملكشاه. وقد استمر حكمه حوالي العامين من 485هـ/1092م والى عام 487هـ/1094م، حيث توفي هو وأمه.
    ثم جاء من بعده ركن الدين أبو المظفر بركيارق بن ملكشاه، واستمر حكمه حتى عام 498هـ/1105م، ثم تلاه ركن الدين مكلشاه الثاني. وفي نفس العام تولى السلطة غياث الدين أبو شجاع محمد، واستمر حكمه حتى عام 511هـ/1128م. وكان آخر حكام الدولة السلجوقية فيما وراء النهر والتي كانت لها السيطرة على خراسان وإيران والعراق. وقد انقرضت دولتهم عام 522هـ/1128م وذلك على يد شاهنات خوارزم.
    وبسقوط الدولة السلجوقية العظمى فيما وراء النهر انفرط عقد السلاجقة وتمزقت وحدتهم، وضعفت قوتهم، حتى أصبح السلاجقة شيعاً وأحزاباً ومعسكرات متباينة، تتصارع فيما بينها حول الظفر بالعرش.
    وانقسمت على ضوء ذلك الدولة السلجوقية العظمى – كما يصفها الدكتور الصلابي - إلى عدة دول وإمارات صغيرة. ولم تكن هذه الدولة والإمارات الصغيرة تخضع لحكم سلطان واحد كما كان الحال في عهد كل من السلطان طغرل بك والسلطان ألب أرسلان والسلطان ملكشاه وأسلافهم. بل كان كل جزء من أجزاء الدولة السلجوقية مستقلاً تحت قيادة منفصلة، لا يوجد بينها أي تعاون يذكر.
    ونتيجة لذلك خرجت الدولة الخوارزمية فيما وراء النهر وهي تلك الدولة التي وقفت ردحاً من الزمن أمام الهجمات المغولية وقد قامت معها إمارات سلجوقية في شمال العراق والشام عرفت بالأتابكيات، وأثناء ذلك برزت سلطنة سلاجقة الروم، وهي السلطنة التي قاومت الحملات الصليبية، واستطاعت أن تحصرها في الركن الشمالي الغربي من آسيا الصغرى. أما سلطنة سلاجقة الروم فقد دمرتها الغارات المغولية المتلاحقة.
    أسباب وعوامل السقوط
    هناك أسباب عوامل كثيرة أدت إلى سقوط الدولة السلجوقية، ذكر المؤرخون والباحثون جملة منها تضافرت في سقوط السلطنة السلجوقية التي مهدت بدورها لسقوط الخلافة العباسية.
    ومن هذه العوامل:
    - إذكاء نار الفتنة بين الحكام السلاجقة من قبل بعض الأمراء والوزراء والأتابك.. والانقسام الداخلي بين السلاجقة والذي وصل إلى حد المواجهة العسكرية المستمرة، وهذا ما أنهك قوة السلاجقة حتى انهارت سلطنتهم في العراق.
    ومن أسباب هذه الفتنة لجوء السلاجقة إلى نظام الإقطاعات حيث أسندوا معظمها إلى شخصيات سلجوقية، وقد حسبوا أن هذا من شأنه أن يشغل السلاجقة عن التفكير في الحكم، وأن يرضيهم بالبعد عن السلطة، لكن الإقطاعيين السلاجقة سرعان ما حاول كل منهم أن يكون لنفسه من إقطاعاته إمارة صغيرة حاولت كل منها الانفصال عن السلطة، وهو عكس ما كان يهدف إليه السلاجقة الحكام؛ وقد أدى هذا إلى تفكك وحدة السلاجقة وإلى إجهاد السلطة السياسية الحاكمة، وإلى توزع الدول بين الأمراء.
    كما أن هذا الخطأ أدى إلى عدول السلاجقة عن طريقة اختيار زعمائهم القديمة التي كانت تعتمد على الكفاءة إلى طريقة جعل الزعامة ووراثية؛ نظراً لكثرة تنازع أمراء الإقطاعات عليها.
    ومن المضاعفات كذلك تهاون السلاجقة - في ظل تفككهم - أمام حركات التمرد الباطنية لاسيما الحركة الإسماعيلية بزعامة قائدها الحسن الصباح.
    وقد قدر لهذه الحركة أن تستنفذ طاقة كبرى من طاقات السلاجقة التي كان في الإمكان استخدامها في القضاء على حركات التفكك التي أصيبت بها الدولة أو الزعامة السلجوقية للخلافة العباسية.
    - ضعف الخلفاء العباسيين الذين تميزوا بالضعف أمام القوة العسكرية السلجوقية، فلم يتورعوا عن الاعتراف بشرعية كل من يجلس على عرش السلطنة السلجوقية والخطبة لكل منتصر قوي.
    - عجز الدولة السلجوقية عن توحيد بلاد الشام ومصر والعراق تحت راية الخلافة العباسية.
    - المكر الباطني الخبيث بالدولة السلجوقية وتمثل ذلك في حملة التصفيات والمحاولات المستمرة لاغتيال سلاطين السلاجقة وزعمائهم وقاداتهم.
    - الغزو الصليبي القادم من وراء البحار وصراع الدولة السلجوقية مع جحافل الغزو الوحشية القادمة من أوروبا.
    الخلاصة
    نلاحظ أن هناك عوامل مشتركة في قيام الدول والخلافات الإسلامية وبناء قوتها ثم سقوطها, ومن أهم عوامل القوة والبناء صلاح الحكام وعدلهم وتقواهم، واجتهادهم في بناء دولهم على أسس صحيحة، إلى جانب وحدة الصف داخل مؤسسات الدولة وهذا ينعكس إيجاباً على المجتمع.
    مع العلم أن عوامل وأسباب القوة كلما كانت مجتمعة أكثر تصبح فاعلة أكثر، والعكس صحيح.
    نقيض هذه العوامل أو غيابها يؤدي إلى الضعف ثم التفكك ثم السقوط.. فلا يكفي صلاح الحاكم في أمور دينه – مثلاً - بدون تدبير سليم في شؤون دنياه أو ضعف في إدارة دولته.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــ
    المصادر
    - (البداية والنهاية)، ابن كثير.
    - (الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط)، الدكتور علي محمد الصلابي.
    - (الأثر السلجوقي على اليمن حتى منتصف القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي)، الدكتور عبد الرحمن عبد الواحد الشجاع - مجلة (الإكليل) العددان (37 و38) يوليو – ديسمبر 2010م.
    - (دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية)، الدكتور عبد الحليم عويس.
    - موقع (قصة الإسلام).
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •