"النوال في تحرير ما للمفسرين من أقوال" (39)

اكتب في (قوقل) (النوال. وأول الآية) التي تريد معرفة ملخص آراء المفسرين فيها.

قال الرازي رحمه الله في من يفهم آيات القرآن على الآراء الضعيفة: "أقول حقاً: إن الذين يتبعون أمثال ذلك قد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً".

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد.
قال الله تعالى في سورة "النمل": (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)
اختلف المفسرون من المراد بالذي عنده علم من الكتاب على ثلاثة أقوال كلها قوية وأقربها الأول ومثله في القرب القول الثاني.

القول الأول: أنه رجل من الصالحين من بني إسرائيل (اقتصر عليه ابن جرير*, والماتريدي*, وابن كثير*, وابن عاشور*) (وذكره البغوي*, والزمخشري*, وابن عطية*, والرازي*)
وهذا القول هو قول الأكثرين, وهو الأقرب.

القول الثاني أنه جبريل عليه السلام. (ذكره البغوي*, والزمخشري*, وابن عطية*, والرازي*, والقرطبي*)
وهذا أيضاً قول فيه قوة.

القول الثالث: أنه سليمان نفسه. (ذكره البغوي*, والزمخشري*, وابن عطية*, والقرطبي*) (ورجحه الرازي*)

وقال صاحب الظلال*: "لم يذكر اسمه، إنما نفهم أنه رجل مؤمن على اتصال بالله، موهوب سراً من الله, وقد ذكر بعض المفسرين أنه هو سليمان نفسه عليه السلام ونحن نرجح أنه غيره".

قال الرازي مرجحاً أنه سليمان نفسه: "وقيل: بل هو سليمان نفسه, والمخاطب هو العفريت الذي كلمه، وأراد سليمان عليه السلام إظهار معجزة فتحداهم أولاً، ثم بين للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت، وهذا القول أقرب لوجوه:
أحدها: أن لفظة (الذي) موضوعة في اللغة للإشارة إلى شخص معين عند محاولة تعريفه بقصة معلومة, والشخص المعروف بأنه عنده علم الكتاب هو سليمان عليه السلام فوجب انصرافه إليه، أقصى ما في الباب أن يقال: كان آصف كذلك أيضاً, لكنا نقول: إن سليمان عليه السلام كان أعرف بالكتاب منه لأنه هو النبي، فكان صرف هذا اللفظ إلى سليمان عليه السلام أولى.

الثاني: أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية، فلو حصلت لآصف دون سليمان لاقتضى ذلك تفضيل آصف على سليمان عليه السلام، وأنه غير جائز.

الثالث: أن سليمان عليه السلام لو افتقر في ذلك إلى آصف لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق.

الرابع: أن سليمان قال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر, وظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان"اهـ

وقال ابن عطية: "وقالت فرقة: بل هو سليمان عليه السلام, والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال هو: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك}، كأن سليمان عليه السلام استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}"

قال القرطبي: "ما ذكره ابن عطية قاله النحاس في معاني القرآن له، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى".

قلت: هذا القول الثالث قول جيد جداً, ولكن يشكل عليه أمور:
أولاً: أن سليمان خاطب جماعة فقال: أيكم, ثم قال: (قال عفريت من الجن), ثم قال: (قال الذي عنده علم من الكتاب) وظاهره أن هذا القائل من الجماعة المخاطبين, وليس سليمان نفسه.

ثانياً: قوله: (أنا آتيك به) ظاهر أنه خطاب لسليمان, ولو كان من كلام سليمان نفسه لقال: (أنا آتي به).
وحتى لو كان الخطاب للعفريت فلا محل لقوله: (آتيك به), لأن الطالب للعرش سليمان لا العفريت.

ثالثاً: أنه لم يقل: (فلما أتى به) وإنما قال: (فلما رآه مستقراً عنده) وهذا يدل على أن الآتي به ليس سليمان, فإنه لو كان الآتي به سليمان لناسب أن يقول: (فلما أتى به).
فالأقرب والله أعلم قول الجمهور وهو أنه رجل صالح من بني إسرائيل.
ويوازيه في القوة القول بأنه جبريل عليه السلام والله أعلم.

قال ابن عاشور: "ولما كان هذان الرجلان مسخرين لسليمان كان ما اختصا به من المعرفة مزية لهما ترجع إلى فضل سليمان وكرامته أن سخر الله له مثل هذه القوى, ومقام نبوته يترفع عن أن يباشر بنفسه الإتيان بعرش بلقيس".

وقال صاحب الظلال: لا يذكر اسمه، ولا الكتاب الذي عنده علم منه, إنما نفهم أنه رجل مؤمن على اتصال بالله، موهوب سراً من الله يستمد به من القوة الكبرى التي لا تقف لها الحواجز والأبعاد...
وقيل في المراد بالذي عنده علم الكتاب أقوال وليس فيما قيل تفسير ولا تعليل مستيقن, والأمر أيسر من هذا كله حين ننظر إليه بمنظار الواقع، فكم في هذا الكون من أسرار لا نعلمها، وكم فيه من قوى لا نستخدمها, وكم في النفس البشرية من أسرار كذلك وقوى لا نهتدي إليها...
وقد ذكر بعض المفسرين أنه هو سليمان نفسه عليه السلام ونحن نرجح أنه غيره. فلو كان هو لأظهره السياق باسمه ولما أخفاه, والقصة عنه ولا داعي لإخفاء اسمه فيها عند هذا الموقف الباهر".

وقوله تعالى: (الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ)
قال الرازي: اختلفوا في الكتاب:
فقيل: اللوح المحفوظ، والذي عنده علم منه جبريل عليه السلام.
وقيل: كتاب سليمان، أو كتاب بعض الأنبياء، ومعلوم في الجملة أن ذلك مدح، وأن لهذا الوصف تأثيراً في نقل ذلك العرش، فلذلك قالوا: إنه الاسم الأعظم وإن عنده وقعت الإجابة من الله تعالى في أسرع الأوقات.
والله تعالى أعلم.

للاطلاع على مقدمة سلسلة (النوال)
انظر هنا
https://majles.alukah.net/t188624/