كيف تنمي ملكتك الفقهية ؟
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: كيف تنمي ملكتك الفقهية ؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي كيف تنمي ملكتك الفقهية ؟

    كيف تنمي ملكتك الفقهية ؟
    أحمد ولد محمد ذو النورين



    الفقه في الدين من أجلِّ الفضائل وأعظمها، وأعلى المقاصد في الدارين وأكرمها، فلا يطلبه إلا من علَتْ همته، ولا يتشـوق إليـه إلا مـن استقامت فطرته، وتسامت عن الدنيا طلبته.
    لقد حث الإسلام على التفقه في الدين، وأجلَّ فضله ورفـع ذكـره، وجـعل الخيـرية فـيه، كما جاء في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
    «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»(1).
    فقد حث الوحي أتباع هذا الدين على بذل الجهد في الازدياد الدائم من الفقه، وعلى ذلك دأب الرعيل الأول من هذه الأمة في تعظيمهم شأن الفقه في الدين، فنجد أن الإمام الزهري يقول: «ما عُبد الله بمثل الفقه»(2).
    قال ابن الجوزي: «بضاعة الفقه أربح البضائع، والفقهاء يفهمون مراد الشارع، ويفهمون الحكمة في كل واقع، وفتاويهم تميز العاصي من الطائع»، وأضاف: «الفقه عليه مدار العلوم؛ فإن اتسع الزمان للتزيد فليكن في التفقه فإنه الأنفع»(3).

    فالحرص على استغلال فرص العمر، في ملئها بالازدياد من الفقه في الدين والارتواء من معِينه الثر، من أساليب أجلة العلماء ومناهج أغلب العقلاء. وفي خضم المستجدات الحياتية المتسارعة، وتشعب الفتوى، وجرأة وتطاول غير أهل الشأن على التصدر والتعالم والتقول على الله بغير علم؛ مما أدى إلى اضطراب عظيم وضرب صارخ لمحكمات النصوص بعضها ببعض، ورد بعضها تحت طائلة التخرص وتحكـيم الهوى على النـص، أو زعـم موافقـة روح الشريعة..، في خضم هذا التهارج دعت الحاجة أكثر من ذي قبـل إلى إشـاعة تنـمية الملـكة الفـقهية بـين الدارسـين، حتى يـتأتى تخـريـج طلبة علم فقهاء، يملكون سلطان المواءمة بين نصوص الشرع واستيعاب الواقع؛ لسد حاجة المسلمين في تغطية مستجدات الحياة ذات التعقيد البالغ بالفقه الحي الذي أساسه ومبناه على الوحي..وفي إطار ذلك لا بد لطالب العلم أن يكون منضبطاً في رؤيته، وأن يضع لنفسه غاية نبيلة يسعى إلى تحقيقها، فتكون جهوده هادفـة وعلمـه لمقـصد.يقول الإمام الشاطبي: «كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح، من حيث هو مطلوب شرعاً. والدليل على ذلك استقراء الشريعة، فإنا رأينا الشارع يعرض عما لا يفيد عملاً مكلفاً به»(4).

    وهـنا يلزم التأكـيد قـبل كل الشـروط والوسـائـل التي لا مناص منها لتنمية ملكة الفقه على ضرورة إخلاص النية لله - عز وجل -، وإلا محقت بركة هذا التفقه وكان وبالاً على صاحبه، كما لا بد من التقوى التي هي خَلَف من كل شيء ولا خلف منها، والتي هي وصية الله - تعالى - للأولين والآخرين.

    قال - تعالى -: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء: 131]، ثم هو سبب لتحصيل كل علم نافع، قال - تعالى -: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّـمُكُم ُ اللَّهُ [البقرة: 282]

    والحديث عن تنمية الملكة الفقهية يمر عبر عدة وقفات:
    أولها: تعريف هذا المركب لغة واصطلاحاً:
    1 ـ التنمية والنماء: ومعناها: الزيادة والعزو والكثرة والعلو والرفع.
    ونَمَيْتُه: رفعتُه على وجه الإصلاح.
    ومنه حديث أم كلثوم بنت أبي معيط - رضي الله عنها -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيراً وينمي خيراً»(5).
    ونمَّاه: زاده وكثًّره، ومنه قول الأعور الشني:
    لقد علمت عميرة أن جاري
    إذا ضن المنمي من عيال
    وكل شيء رفعته فقد نميته، ومنه قول النابغة:
    فعدِّ عما ترى إذ لا ارتجاع له
    وانمِ القُتُود على عيرانة أُجُدِ(6)
    وأما التنمية اصطلاحاً: فتعني الترقية والتطوير والتقوية ومضاعفة القدرات.
    2 ـ الملكة: ملك يملك ملكاً وملكوتاً وملكة: إذا قوي في الشيء. والملكة بمعنى الملك، ومن ذلك قوله - تعالى -: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4] ومنها قوله جل ذكره: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْـمُلْكِ تُؤْتِي الْـمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْـمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ [آل عمران: 26]، وتأتي ملك بمعنى نفع، ومنه قوله - تعالى -: وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [المائدة: 41].
    وتأتي بمعنى الطاقة، ومنه قوله - تعالى -: مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا.. [طه: 87]، وتأتي بمعنى القهر والسلطان والعظمة، ومنه قوله - تعالى -: الْـمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْـحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان: 26].
    والملكة في الاصطلاح: صفة راسخة في النفس تكتسب عن طريق التكرار(7).
    3 ـ الفقـهيـة: وهي نسبة إلى الفقه الذي هو لغة: الفهم، ومـنـه قولـه - تعالى -: قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ [هـود: 91]، وقــولــه جـل ذكـره: فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء: 78]، وقولـه جلت عـظـمـتـه: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه: 27 ـ 28]، والفـقه في الدين يعني معرفة الأحكام الشرعية العمـليـة التـي بعــث بها محــمـد - صلى الله عليه وسلم -، وهـو المقصود بقوله - تعالى -: فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُو ا فِي الدِّينِ [التوبة: 122].
    وقد ذهب المتأخرون من العلماء إلى حصر الفقه في دائرة العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من الأدلة التفصيلية. يقول الإمام البيضاوي: «الفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية»(8).
    وتأسيساً على ما تقدم فإن الملكة الفقهية إذاً هي: (اكتساب الفقه الشرعي تنظيراً وممارسة، حتى يصير سجية تمكِّن صاحبها من فهم المسائل المعروضة عليه، وتقوده إلى امتلاك آلية تسعفه بتنزيل النصوص على الوقائع واستنباط الأحكام الشرعية في ظلها، ترجيحاً بين الآراء، وتخريجاً على مذاهب الفقهاء، وموازنة بين المصالح والمفاسد). ولتحصيل ملكة علمية راسخة لا بد من أخذ العلم على يد العلماء الراسخين فيه، يقول الإمام الشاطبي: «من أنفع طرق العلم الموصلة إلى عناية التحقيق به أخذه عن أهله المحققين به على الكمال والتمام»(9)، ويضيف الإمام الشاطبي مبيناً صفة العلماء الذين هم أهل لأنْ يؤخذ عنهم: «وللعالم المحقق بالعلم أمارات وعلامات... إحداها العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقاً لفعله، فإن كان مخالفاً له فليس بأهل لأن يؤخذ عنه ولا أن يقتدى به في علم،... والثـانية أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم، لأخذه عنهم وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا كان شأن السلف الصالح،... والثالثة الاقتداء بمن أخذ عنه والتأدب بأدبه كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واقتداء التابعين بالصحابة وهكذا في كل قرن.. »(10). وكذلك لا بد للعامل على تنمية الملكة الفقهية من تنويع المشايخ الذين يأخذ عنهم، يقول ابن خلدون: «على كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها»(11). وقال السختياني: «إنك لا تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره»(12).
    ثانياً: أسس بناء الملكة الفقهية:
    ولكي ينمي طالب العلم ملكته الفقهية لا بد له من التركيز على أسس يقيم تشييد بنيان طلبه عليها:
    1 ـ الإخلاص:
    يقول ابن فارس: الخاء واللام والصاد أصل واحد مطرد، وهو تنقية الشيء وتهذيبه(13). والإخلاص هو ترك الرياء في العمل.
    يقول الله - تعالى -: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: 36]، فالعمل حتى يكون مقبولاً عند الله ـ جل ذكره ـ لا بد أن يتصف بصفتين، أولاهما الإخلاص، والثانية الاتبـاع، قال الله جلت عظمته: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِـحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110]، وقـال - تعالى -: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْـخَالِصُ [الزمر: 3]، وقال جل ذكره: إنَّا أَنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْـحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين [الزمر: 2] وقال - تعالى -: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف: 29]، ذلك أن الشـرك محبط للعمل مؤذن بالخسارة، يقول - تعالى -: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْـخَاسِرِينَ [الزمر: 65]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه» قال: «... ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرّفه الله - تعالى - نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ؛ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار... »(14).
    قال ابن عبد البر: «وهذا الحديث فيمن لم يُرد بعمله وعلمه وجه الله تعالى»(15).
    ولما سمع معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - هـذا الحـديـث بكـى ثـم قـال: «صـدق الله ورسـوله: مَن كَانَ يُرِيدُ الْـحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود: 15 ـ 16](16). وعن ابـن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من طلـب العلم لغير الله ـ أو أراد به غير الله ـ فليتبوأ مقعده من النار»(17).
    ذلك أن العلم الشرعي إنما يعد من أجل القرب إلى الله، والله - تعالى - لا يُتقرَّب إليه إلا بما شرع بعد الإخلاص له فيه، يقول الإمام الشاطبي: «كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يـكون مـن حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله - تعالى -، لا من جهة أخرى؛ فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى فبالتبع والقصد الثاني لا بالقصد الأول»(18).
    وعـن أبـي هـريـرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مـن تعلّـم علـماً مما يبتـغى بـه وجـه الله لا يتـعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»(19).
    فيجب على طالب العلم أن يتقي الله في نفسه ويخلص العمـل لله - تعالى -، ويبادر بالتوبة والإنابة وتصحيح المسار في العـمل والطلـب، ويجعل همه بعلمه ابتغاء وجه الله والدار الآخـرة، بعـيداً عــن الريـاء والتسـمع والإخـلاد إلى قلـيل المتـاع من الدنيا، ولا شيء أعظم في ذلك دلالة من قول النـبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمـال بالنـيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»(20). وفي هذا الإطار لا بد لمتطلب العلم من التطابق بين القـول والعـمل؛ فـقـد نعى الله - تعالى - على أهل الكتاب من قبلـنا التنـاقض بين القـول والعمل، فقال: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة: 44]، كما نعاه على هذه الأمة، وعده من أسباب مقـته جـل شأنه، قال - تعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف: 2 ـ 3]، وقـد كان منهـج الأنـبياء قائـماً على التطابق بين القول والعمل، وفي ذلك يقول ـ جل ذكره ـ نقلاً عن شعـيب: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود: 88]. يقول الإمام الشاطبي: «العلم الذي هو العلم المعتبر شرعاً ـ أعني الذي مـدح الله ورسـوله أهـله على الإطلاق ـ هو العلم الباعث على العمل، الذي لا يخلي صـاحـبه جـارياً مـع هـواه كيفما كان، بل هو المقـيد لصــاحـبـه بمقـتــضاه، الحـامـل لـه على قوانـيـنه طـوعاً أو كرهاً»(21).
    2 ـ معـرفة الأحكام الشرعية الفرعية، سواء أكانت عيـنـية أو كفـائـيـة، وسـواء أكــانـت مــن العــبـادات أو المعاملات:
    وهنا يطيب لي التنبيه على الأولويات التي ينبغي أن يهتم لها طالب العلم، فليس كل علم حري بالدراسة، وما كل علم قَمِن بالاهـتمام، يقـول الإمام الشاطبي: «من العلم ما هو مـن صلب العلم، ومنه ما هو ملح العلم لا من صلبه، ومنه ما ليس من صلبه ولا ملحه»(22).
    وتحصيل الأحكام الشرعية إنما يتم عبر منهجين:
    1) معرفة هذه الأحكام عن طريق النصوص من الكتاب والسنة، استقراءً ودراسة وفهماً واستخلاصاً.
    فلتحصيل المسائل المتعلقة بالأحكام لا بد من دراسة هذا الكتاب العزيز والعكوف عليه، وتحصيل دلالته بعد حيازته حفظاً وتفسيراً وأحكاماً وفهماً، حتى يفقه طالب العلم ناسخه ومنسوخه، وعامه وخاصه، وراجحه ومرجوحه، ونصه ومؤوله.
    ثم يسلك الطريق نفسه مع السنة النبوية بوصفها الرافد الثاني لشريعة الله المحكمة، المبينة للقرآن ومعانيه، والمخصصة له والمرجحة لأحكامه، فلا بد من قراءة صحاحها وسننها وجوامعها ومصنفاتها.
    وفي سبيل ذلك لا بد أن يكون طالب الفقه مستعداً لتحمـل أصـعب المـشاق وأعظم المتاعب؛ إذ الفقه في الدين لا ينسجم مع اتباع الهوى والركون إلى الراحة والدعة. يقول يحيى بن أبي كثير: «لا يستطاع العلم براحة الجسم» (23)، فلا بد من الصبر والجلد وطول النفس، يقول خالد بن صفوان: «مفتاح نجح الحاجة الصبر على طول المدة، ومغلاقها اعتراض الكسل دونها» (24).
    ويقول ابن حنبل البوحسني الشنقيطي:
    جرع النفس على تحصيله *** مضض المرين ذل وسغب
    2) معرفة الفقه عبر مذهب من المذاهب المتبوعة.
    هذه المذاهب التي لم تقم إلا للارتواء من الفقه والازدياد من معارفه، فعن طريقها يتمكن طالب العلم من تشقيق مسائل الفقه وتفريع دلائلها، وحصر جزئياتها تحت أبواب واضحة المعالم، وترتيبها ترتيباً يسهل عليه خوض غمارها وكشف دثارها وجمع صغارها وكبارها.. ؛ فقد بلغ أئمة هذه المذاهب أبعد الشأن في علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية القصوى في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى، وصار الناس كلهم يعولون في الفتوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم، وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم، حتى ضُبِط مذهب كل إمام منهم؛ أصولُه وقواعدُه وفصوله، فانضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام، وكان ذلك من لطف الله على عباده المؤمنين، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين.
    إن هذا المسلك الثاني للتفقه في الدين يراد به التزام طالب العلم في بداية الطلب أحد هذه المذاهب تخرجاً وتفهماً وتفقهاً، حتى تتضح له الرؤية الفقهية وتنضبط عنده المسائل، وتستقيم له الدلائل، ويجتمع لديه الفقه بعيداً عن التعصب المذموم والتقليد المقيت، في إطار من التعلق بالدليل والركون إليه.
    هذه المذاهب إن اجتمعت على حكم شرعي واتفقت عليه سبل أربابها كان هو الحكم المعبر عنه بالإجماع والاتفاق في كتب الفقه ومسائله وأبوابه، وهذا النوع لا يعد خصوصية لأي من المذاهب، بل هو مما أطبق عليه أئمة الإسلام. بعكس الحكم الشرعي المختلف فيه، فإنه يعد من خصوصيات المذهب الذي أخذ به أهله بل قد يكون من مفرداتهم؛ فهو قول لإمام ذلك المذهب، والمنتسبون إلى المذهب ينتسبون إليه من هذا الوجه، ويوصفون تبعاً لذلك بحنفيتهم أو مالكيتهم أو شافعيتهم أو حنبليتهم.
    والفقـه الذي نحـن بصـدد تحصـيله وتنمـية المـلكة فيه لا يخرج عن أمور خمسة، بيّنها الإمام القرافي بقوله: «المذهب الذي يقلد فيه الإمام خمسة أمور لا سادس لها: أولها: الأحكام: كوجوب الوتر، والأسباب: كالمعاطاة، والشروط: كالنية في الوضوء، والموانع: كالدَّين في الزكاة، والحِجاج: كشهادة الصبيان والشاهد واليمين، فهذه الخمسة إن اتفق على شيء منها فليس مذهباً لأحد»(25).
    فأول هذه الخمسة ـ كما سبق ـ الأحكام الشرعية الفروعـية الاجـتهـاديـة، سـواء أكـان تعـلـقـها بالعـبـادات أو المعاملات؛ كوجوب الفاتحة في الصلاة وركنية الطواف في الحج.
    ثانياً: أسباب تلك الأحكام، والتي إما أن يكون متفقاً عليها بين المذاهب؛ ككون رؤية الهلال سبباً لثبوت دخول الشهر، أو تكون تلك الأسباب مختلفاً فيها؛ كما هو شأن الرضعات المحرمة في عددها وصفتها، فهذه قد وقع الخلاف فيها.
    وثالثها: شروط تلك الأحكام، التي منها المتفق عليه؛ كاشتراط حولان الحول لوجوب الزكاة، ومنها المختلف فيه؛ كاشتراط الولي والشهود في النكاح.
    ورابعها: موانع تلك الأحكام، والتي منها المتفق عليه؛ كمانع الحيض للصلاة والصوم، ومنها المختلف فيه؛ كمانع الدَّين من وجوب الزكاة.
    وخامسها: الحِجاج التي تثبت بها تلك الأحكام، سواء أكان تعلقها بالأسباب أوالشروط أو الموانع، هذه الحجاج التي منها المثبت المتفق عليه؛ كثبوت الأموال بشاهدي عدل في باب الدعاوى، ومنها المختلف فيه؛ كشهادة الصبيان في القتل والجراحات.
    فهذه الخمسة المذكورة هي المقصودة بالتفقه والتخرج على أحد المذاهب فهماً ومعرفة ودراسة. ولهذه الطريقة من المحاسن الشيء الكثير؛ فالدارس عندما يتعلم الفقه عبر أحد المذاهب فإنه يتعرف على المسائل المنصوص عليها في الكتاب والسنة، كما يحوز إليها المسائل التي تثبت بالإجماع أو القياس أو قول الصحابي، أو التي تثبت بفتيا السلف وعملهم. ينضاف إلى ذلك أن دارس الفقه عبر أحد المذاهب المتبوعة تخرجاً وتفقهاً يجد مسائل الفقه مرتبة مجموعة في كتب وأبواب مقرونة بأحكامها، مع أن المبتـدئ بالفـقه المذهـبي يحوز ملكة استعمال لغة الفقهاء، ويتعرف على مصطلحاتهم، كما في قول أهل مذهب ما: (قال الإمام: وعليه الأصحاب، وفي رواية: وجزم به المتأخرون، وهو ظاهر الرواية... )، فلا بد لطالب الفقه من معرفة هذه اللغة وتلك المصطلحات حتى يتسنى له الانضمام إلى قافلة الفقهاء.
    إن كل العلماء والمجتهدين الذين كان لهم ذكر وريادة، بعد اشـتهار المذاهـب الأربعة، لم يخل أحد منهم من التخرج على أحد هذه المذاهب؛ فابن حزم ـ مثلاً ـ تخرج على مذهب الشافعية، وابن تيمية تخرج على الفقه الحنبلي، والشاطبي تخرج على المذهب المالكي.. ؛ فهي طريقة عامة المتفقهين الذين كانت لهم إمامة في الدين، غير أننا نعود فنكرر: هذا التمذهب ينبغي أن يتم بعيداً عن التعصب والجمود وضيق الرؤية؛ إذ المؤمن متعبَّد بالوحي لا بأقوال الرجال، ومن المذموم المقيت حصر طالب العلم لأدلة المسائل الفقهية في قول إمام معين؛ يستشهد بقوله ولا يستشهد له ولو استبان له الدليل واتضح له التعليل؛ في دائرة من ضـيق الأفـق تجعله لا يرى قولاً صحيحاً إلا في المذهب الذي انتهـجـه، ولا علـماً حـقاً إلا في إطـار ذلك المذهب، وقد انطبع كثير من المتأخرين ـ بكل أسف ـ بهذا التعصب الأصلع والتقليد الأعمى، فجاء النكير شديداً لذلك من جماعات كثيرة من الأئمة الأعلام؛ كابن عبد البر في الجامع، وابن القيم في إعلام الموقعين، والشاطبي في الاعتصام والموافقات.
    يقول ابن القيم: «اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول سواه، بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت منصوص قوله ـ فهذا والله هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله - تعالى - ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة»(26).
    وقـد قـرر أهميةَ إعمال أقوال الأئمة الفقهاء عند النظر في النصوص، دون استقلال لها عن النص أو به، أئمةُ الإسلام، ومن ذلك ما قاله الشاطبي: «فبانطماس هذا النور عنهم ضلوا، فاقتدوا بجهالٍ أمثالهم، وأخذوا يقرؤون الأحاديث النبـوية والآيـات القـرآنيـة فيـنزلونها على آرائهم لا على ما قال أهل العلم فيها، فخرجوا عن الصراط المستقيم»(27).
    فينبغي لطالب العلم عند النظر في نصوص الشارع كتاباً وسنة أن يطالع أقوال الصحابة ـ - رضي الله عنهم - ـ فمن بعـدهم مـن التابعـين وأتبـاعهم، ثـم يقـرأ أقـوال وفـهوم أصحاب المذاهب المتبوعة لتلك النصوص، ويختار قولاً من بينها إن كانت له أهلية اجتهاد، ولو جزئية، بناء على قوة دليله.
    فالنظر إلى النصوص يستلزم استظهار أقوال الفقهاء؛ حتى لا يأتي المتفقه بقول لا سلف له فيه.
    وهنا تنبغي الإشارة إلى ضرورة تطبيق المنهج النبوي التربوي في التعليم، ذلك المنهج القائم على التدرب والاستنباط وعرض المسائل، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من الشـجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي؟ » قـال: فوقـع في نفسي أنها النخلة، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: «هي النخلة»(28). فالفقهاء يحتاجون إلى استلهام هذا المنهج وتطبيقه، يقول ابن القيم: «كثرة المزاولات تعطي الملكات، فتبقي للنفس هيئة راسخة وملكة ثابتة»(29).
    وكان العلامة السعدي يعقد المناظرات بين طلابه لإحياء التـنافـس في الطلـب وترسـيخ المسـائل في الأذهـان، ويطرح عليهم المسائل ليستخرج منهم الجواب، وأحياناً يتعمد تغليط نفسه ليعرف المنتبه والفاهم من بين الحضور، وقد يصور المسألة الخلافية بين الطالبين كل واحد يتبنى قولاً ويدافع عنه، ثم يرجِّح الشيخ القول الصحيح بالدليل(30).
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: كيف تنمي ملكتك الفقهية ؟

    كيف تنمي ملكتك الفقهية ؟
    أحمد ولد محمد ذو النورين


    3 ـ معرفة أصول الفقه:
    لا بد لطالب الفقه من دراسة أصوله ومعرفتها حتى يكتسب تأصيلاً فقهياً، عن طريق معرفة الكليات والقواعد الكبرى التي تقوده إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فأهمية هذه الأصول للمتفقه عظيمة، يقول ابن قدامة المقدسي، معرفاً هذه الأصول: «أصول الفقه أدلته الدالة عليه من حيث الجملة، لا مـن حيث التفصيل»(31)، ويقول ابن بدران: «واعلم أنه لا يمكن للطالب أن يصير متفقهاً ما لم تكن له دراية بالأصول ولو قرأ الفقه سنين وأعواماً، ومن ادعى غير ذلك كان كلامه إما جهلاً وإما مكابرة»(32).
    فلا بـد مـن العناية بأصول الفقه ودراسة كتبه السالمة مـن اصـطلاحات المتكلمين وتفيقههم؛ ككتاب الرسالة للإمام الشافعي، والموافقات للإمام الشاطبي، وإعلام الموقعين للإمام ابن القيم.
    4 ـ دراسة القواعد الفقهية التي تجمع للدارس شتات المسائل:
    تلك القواعد التي لا بد للمتفقه منها حتى يتسنى له النظر الفقهي؛ إذ هي عظيمة النفع، جامعة لما تشتت من المسائل الفقهية، وقد رفع العلماء على مر التاريخ من شأن هذه القواعد، واعتبروها من أجل العلوم، يقول القرافي: «وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويُعرف، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قصب السبق مَنْ فيها بَرَع»(33).
    والقواعد نوعان: نوع مجمع عليه؛ كالأمهات التي تندرج تحتها معظم أبواب الفقه، مثل: (الأمور بمقاصدها، اليقين لا يزول بالشك، المشقة تجلب التيسير، الضرر يزال، العادة محكمة، إعمال الكلام أولى من إهماله)، فهذه ليست خاصة بمذهب معين.
    ونوع آخر مختلف فيه باعتباره أقل شمولية من القواعد السابقة، وهو قواعد كثيرة، منها: (الضرورات تبيح المحظورات، الحدود تسقط بالشبهات، لا يجمع بين معاوضة وتبرع، الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، التصرف على الرعية منوط بالمصلحة).
    وقد اختـص كل مذهـب مـن المذاهـب الأربعة بمؤلفات فـي القـواعـد الفقهـية؛ ففـي المذهب الحـنفي يُـعـدّ (الأشباه والنظائر) لابن نجيم من أحسن ما عندهم، وفي المذهب المالكي يُعدّ كتاب (القواعد الفقهية) للمقري وكتاب (الفروق) للقرافي من أحسن وأشهر ما ألف في القواعد على مذهب مالك، أما الشافعية فمن أجمل المؤلفات لديهم في القواعد الفقهية كتاب (الأشباه والنظائر) للإمام السيوطي، وأما الحنابلة فمن أحسن مؤلفاتهم (القواعد الفقهية) لابن رجب الحنبلي.
    5 ـ ضرورة دراسة المتفقه علم مقاصد الشريعة:
    تلك المقاصد التي يفهم من خلالها الدارس الغايات الكبرى المقصودة من الشارع، والتي راعاها أثناء التشريع ووقت نزول الأحكام، وجعل أساسها حفظ الضروريات الخمس: (حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ المال، وحفظ النسل).
    وقد اعتبر العلماء علم المقاصد شرطاً من شروط الفقه والاجتهاد والفتوى. ومن أهم الكتب المؤلفة في علم المقاصد كتاب الإمام أبي إسحاق الشاطبي المسمى (الموافقات)، ذلك الكتاب الذي يعد بحق أماً وأصلاً للمؤلفات في المقاصد، وقد رتب الإمام الشاطبي في هذا الكتاب علم المقاصد وأصله وحققه وهذبه، كذلك يُعدّ كتاب الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور التونسي (مقاصد الشريعة الإسلامية) من أهم ما ألفه المتأخرون في هذا العلم؛ فهذان الكتابان من أجل المصنفات في علم المقاصد.
    6 ـ دراسة علم الفروق:
    الذي يتمكن الدارس به من التفريق بين المسائل الفقهية المتشابهة؛ فيفرق مثلاً بين أنواع الربا المحرمة والبيوع المباحة، ويستلهم عللها التي قد يتبين بها تحوُّل البيع من الإباحة إلى التحريم..، إلى غير ذلك؛ فعلم الفروق شرط لاكتمال ملكة الفقه، وقد عد كثير من العلماء علم الفروق واجباً لتحصيل درجة الفتيا والاجتهاد وكمال المستوى الفقهي لدى الدارس، يقول الإمام السيوطي: «اعلـم أن فـن الأشباه والنظائر فن عظيم؛ به يُطّلَع على حقيـقة الفـقه ومـدارسـه ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمـه واستحـضاره، ويقتـدر على الإلحاق والتخريج ومعرفة الأحكام التـي ليسـت بمسـطورة، والحوادث والوقائع الـتي لا تنقضي على مر الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر»(34).
    وقد خصه جمع غفير من العلماء بالتصانيف والمؤلفات، من ذلك: كتاب (الفروق) للإمام القرافي المالكي الذي شمل، إلى جانب القواعد الفقهية، فروقاً وافرة كما يشهد بذلك عـنوانه، كذلك كتاب عبد الرحيم بن عبد الله الحنبلي المسمى (إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل)، وقد جمع كتاب (القواعد الجامعة والفروق والتقاسيم النافعة) للشيخ عبد الرحمن السعدي فروقاً كثيرة غاية في الأهمية.
    معارف إضافية للفقيه:
    إلى هذه الأسس الستة المتقدمة تنضاف معارف لا بد منها للمهتم بتنمية ملكته الفقهية، فالفقيه كلما ازدادت معارفه توسعت مداركه، ولهذا قال ابن الجوزي: «للفقيه أن يطالع من كل فن طرفاً، من تاريخ وحديث ولغة وغير ذلك، فإن الفقه يحتاج إلى جميع العلوم، فليأخذ من كل شيء منها مهماً».. ثم قال: «فينبغي لكل ذي علم أن يلمّ بباقي العلوم فيطالع فيها طرفاً؛ إذ لكل علم بعلم تعلق»(35).
    ومن أهم المعارف التي ينبغي للفقيه أن يعتني بها:
    1) معرفة تاريخ التشريع الإسلامي ونشأته وتطوره، وتتبع مراحله وأهم المحطات التي مر بها، إضافة إلى أهمية معرفة الفرق والمناهج والمدارس الفكرية وأصولها وطرقها في الاستدلال.
    2) معرفة عادات العرب وقت نزول الوحي، يقول الإمام الشاطبي: «ومن ذلك معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن ثم سـبب خـاص لا بـد لمن أراد الخـوض في علم القرآن منه وإلا وقع ـ أيْ: المتفقه ـ في الشبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة»(36)، وكذلك ضرورة معرفة الواقع الذي ستنزل عليه الفتوى، والذي هو الساحة الميدانية للفقيه.
    3) معرفة أسباب النزول، والوقائع التي صاحبت نزول الوحي، والسؤالات التي نزلت آيات وأحاديث الأحكام إجابةً عليها، ويترتب على ذلك معرفة الناسخ والمنسوخ.
    4) معرفة اللغة العربية، فأهمية معرفة علوم اللغة العربيـة للدارس لا يدانيها شيء، يقول ابن تيمية ـ - رحمه الله - ـ: «ونفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لايتم الواجب إلا به فهو واجب»(37).
    5) طلب المتفقه ما له صلة بالفقه؛ كعلم الحساب الذي يعتمد عليه في كثير من أمور الترِكة ومسائل الفرائض، يقول ابن القيم: «ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبياً عن باقي العلوم؛ فإنه لا يكون فقيهاً إلا إذا أخذ من كل علم بحظ، ثم يتوفر على الفقه وينجمع عليه فإنه عز الدنيا والآخرة»(38).
    وهذه الملكة الفقهية الناشئة لدى طالب العلم تحتاج إلى رعاية وتعهد وحماية ووقاية لحفظها من الآفات والمعوقات، وذلك بالارتباط بالأدلة الأصلية، يقول وهبة الزحيلي:
    «أدلة الأحكام هي روح الفقه، ودراستها رياضة للعقل وتربية له، وتكوين للملكة الفقهية لدى كل متفقه»(39).
    آفات في طريق المتفقه:
    هذا إضافة إلى أن المتفقه لا بد له من أخذ جميع إجراءات الحيطة؛ حتى لا تدركه بعض آفات التفقه التي قد تعتور طريقه فتوقف سيره أو تؤدي به إلى التخاذل والخور، ومن تلك الآفات:
    1) عدم التدرج في طلبه للفقه في الدين، ذلك الفقه الذي لا بد فيه من انتقاء المدرس والتدرج أثناء التحصيل والفهم، وقد أجاد عتبة بن أبي سفيان في قوله لمؤدب ولده: «لتكن أول ما تبدأ به من إصلاح بَنيَّ إصلاح نفسك؛ فإنَّ أعينهم معقودة بعينك؛ فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روِّهم من الحديث أشوقه، ومن الشعر أعمقه، ولا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يحكموه؛ فإنَّ ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعلم موضع الداء»(40).
    يقول ابن خلدون في مقدمة تاريخه: «اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدرج شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً، يلقي عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يَرِد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفن»(41). كذلك ينبغي الترتيب في دراسة العلوم حسب الأولوية؛ فدراسة العقيدة أولى من دراسة النحو.. ؛ إذ العقيدة أهم المهمات وأولى المعارف، والأحكام العينية أولى بالتقديم من الأحكام الكفائية، والتي يكون المسلم أكثر عرضة لها أولى من تلك التي احتمالات تعرضه لها أضأل.. وهكذا.
    2) الإكثار من المذاهب والأقوال، والاختلاف وتتبع الأغلوطات وغرائب المسائل، مما يجعله في بداية مشواره الطلبي عرضة لمحبة اللجاج والخصومة من غير طائل، فيخرج عن جادة الصواب، ويكون همه ومبتغاه تحقيق النصر على الخصوم والأعداء، وليس تحصيل الحق واتباعه.
    قال ابن القيم: «أخس همم طلاب العلم مَنْ قصر همته على تتبع شواذ المسائل وما لم ينزَّل ولا هو واقع، أو كانت همته معرفة الاختلاف وتتبع أقوال الناس، وليس له همة إلى معرفة الصحيح من تلك الأقوال، وقلًّ أن ينتفع واحد من هؤلاء بعلمه»(42).
    3) ومن العوائق أن يدرس الدارس الأصول على مذهب والقواعد الفقهية على مذهب آخر، ثم يأخذ الفروق على مذهب مغاير؛ فهذا يربك الدارس ويذبذبه، فالأولى له دراسة هذه العلوم على مذهب واحد وبمنهجية مستقيمة، تقوده إلى سلك الطريق الأمثل.
    4) التقصير في المذاكرة مع العلماء وطلاب العلم، قال الإمام النووي: «مذاكرةُ حاذق في الفن ساعةً أنفع من المطالعة والحفظ ساعات؛ بل أياماً»(43). وذكر الخطيب البغدادي شروط المفتي، ثم قال: «فمن شرط المفتي النظر في جميع ما ذكرناه، ولن يدرك ذلك إلا بملاقاة الرجال، والاجتماع مع أهل النحل والمقالات المختلفة ومساءلتهم، وكثرة المذاكرة لهم، وجمع الكتب ودرسها ودوام مطالعتها»(44).
    5) العـنايـة بالحفـظ دون الفـهم، وهذا يجسد قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «رب حامل فقه غير فقيه»(45)؛ لأن مجرد الحفظ دون الفهم لا يفيد فقهاً ولا علماً؛ إذ الفقه والعلم إنما يكونان بالحفظ والفهم والاستيعاب والتصور، قالت الحكماء: «حياة العلم الفهم»(46)، والفهم هو أقل وأعظم ما يتوفر لدى طلبة العلم، يقول ابن الجوزي: «أقل موجود في الناس الفهم والغوص على دقائق المعاني»(47).
    6) ومن العوائـق: النسيان، ومن أسبابه مقارفة المعاصي، ذلك أن هـذا العلم نـور، كما قال - تعالى -: وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشـَـاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: 52]، ونـور الله لا يجتمع مع ظلمة المعصية، يقول الإمام الشـافـعـي:
    شكوت إلى وكيع سوءَ حفظي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي
    وأخبرني بأن العلم نورٌ *** ونورُ الله لا يهدى لعاصي
    وما أجمل ما نقله البيهقي بسنده عن ذي النون قال: «ثلاثة من أعلام الخير في العالم: التقى [بـ] قمع الطمع عن القلب في الخلق، وتقريب الفقير والرفق به في التعليم والجواب، والتباعد من السلطان. وثلاثة من أعلام الخير في المتعلم: تعظيم العلماء بحسن التواضع لهم، والعمى عن عيوب الناس بالنظر في عيب نفسه، وبذل المال في طلب العلم إيثاراً له على متاع الدنيا. وثلاثة من أعلام الفهم: تلقُّف معاني الأقوال، وإنجاز الجواب في المقال، وكفاية الخصم مؤونة التكرار. وثلاثة من أعلام الأدب: الصمت حتى يفرغ المتكلم من كلامه، ورد الجواب إذا (انتظر) منه الجواب، وإعطاء الجليس حظهُ من المؤانسة والمكاثرة في وجهه حتى يقوم»(48).
    يقـول محمـد بن عبـد العظيم الزرقاني: «وعلم الموهبة؛ وهو علـم يـورثه الله - تعالى - لمـن عمل بما علم، ولا يناله من في قلبه بدعة أو كبر أو حب دنيا أو ميل إلى المعاصي، قال - تعالى -: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْـحَقِّ [الأعراف: 146](49).
    ومن أسباب ضياع العلم كذلك عدم التكرار؛ إذ إن مَنْ ترك التكرار لا بد أن ينسى.
    وخلاصة القول: إن تنمية الملكة الفقهية إذا شُيِّدت على أسسها فإنها تقود إلى فهم الفقه بشكل يجعل الفقيه قادراً على تنزيل أحكامه طبقاً لمقتضيات الواقع، دون تعسف مع النصوص أو ليٍّ لأعناقها.
    فأهمية تنمية الملكة الفقهية عند استكمالها لشروطها تتجلى في دورها الفعال في صياغتها العقلَ الفقهي الذي يحرك الآسن من الفقه ليواكب الزمن المتغير بالاجتهاد المثمر؛ الذي هو من زاوية النصوص حركة تؤكد شمولية الشريعة وصلاحيتها الأبدية، ومن زاوية الأفراد يعتبر تجسيداً لملكة تؤهل حامليها لاستنباط الأحكام الشرعية من الأدلة الفرعية التي منطلقها الوحي، وهذا هو ما قاد الفقهاء الأقدمين بما رسخ لديهم من الملكة الفقهية في الاستنباط والترجيح، وحسن الاختيار، وإنزال النصوص على الوقائع إلى مستوى فقهي استطاعوا به أن يغطوا حياة الناس فقهاً وفتوى.
    أسأل الله - تعالى - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا الفقه في الدين، مع الإخلاص واليقين، واتباع الصراط القويم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
    -----------------------------
    (1) البخاري، كتاب العلم، باب: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، الحديث رقم (71)؛ ومسلم، كتاب الزكاة، باب: النهي عن المسألة، الحديث رقم (1037).
    (2) أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه رقم (20479).
    (3) انظر: الإنصاف (3/162)؛ وزاد المعاد (4/379)؛ وصيد الخاطر، ص (171).
    (4) الموافقات (1/43).
    (5) البخاري، كتاب الصلح، باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، الحديث رقم (2692)؛ ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الكذب والمباح منه، الحديث رقم (2605).
    (6) انظر: اللسان: مادة (نمى)، (14/296 ـ 697).
    (7) انظر: التعريفات للجرجاني، مادة (ملك).
    (8) انظر: الإبهاج للسبكي (1/28).
    (9) الموافقات (1/139).
    (10) المصدر نفسه (1/141 ـ 144).
    (11) المقدمة، ص (541).
    (12) جامع بيان العلم وفضله (1/418) رقم (613).
    (13) معحم مقاييس اللغة، مادة (خلص).
    (14) مسلم، كتاب الإمارة، باب: من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، الحديث رقم (1905).
    (15) انظر: الجامع لأحكام القرآن (1/17 ـ 18).
    (16) انظر: تفسير الطبري (7/12).
    (17) سنن ابن ماجة (1/95)، قال الألباني: «ضعيف»، انظر: ضعيف الجامع (5687).
    (18) الموافقات (1/73).
    (19) سنن أبي داود (3664)؛ وسنن ابن ماجة (1/92)، وصححه الألباني. انظر: صحيح ابن ماجة (1/47).
    (20) البخاري، كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الحديث رقم (1)؛ ومسلم، كتاب الإمارة، باب: إنما الأعمال بالنية وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال، رقم (7091).
    (21) الموافقات (1/89).
    (22) المصدر نفسه (1/107).
    (23) مسلم، كتاب المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس، رقم (612).
    (24) العقد الفريد (1/205).
    (25) انظر: أنوار البروق في أنواء الفروق (6/446، 459).
    (26) انظر: إعلام الموقعين (2/236).
    (27) الاعتصام (1/201).
    (28) البخاري، كتاب العلم، باب: طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم، رقم (62)؛ ومسلم، كتاب الجنة والنار، باب: مثل المؤمن مثل النخلة، رقم (2811).
    (29) مفتاح دار السعادة (284).
    (30) مقدمة منهج السالكين لمحمد الخضيري، ص (15). وقد عقد الخطيب البغدادي في كتابه: (الفقيه والمتفقه) فصلاً بعنوان: إلقاء الفقيه المسائل على أصحابه، (2/131).
    (31) روضة الناظر، ص (7).
    (32) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، ص (489).
    (33) أنوار البروق في أنواء الفروق، مقدمة الكتاب (1/2).
    (34) الأشباه والنظائر، مقدمة الكتاب (1/6).
    (35) صيد الخاطر، ص (438 ـ 439).
    (36) الموافقات (3/351).
    (37) انظر: فيض القدير (6/38).
    (38) صيد الخاطر (1/166).
    (39) الفقه الإسلامي وأدلته (1/22).
    (40) العيال لابن أبي الدنيا (1/517).
    (41) تاريخ ابن خلدون (1/734).
    (42) الفوائد، ص (70 ـ 71).
    (43) شرح مسلم للنووي (1/48).
    (44) الفقيه والمتفقه (2/334).
    (45) انظر: مسند الإمام أحمد، الحديث رقم (13374)، وقد علق عليه شعيب الأرنؤوط بقوله: «صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن».
    (46) المجالسة وجواهر العلم (4/332).
    (47) صيد الخاطر، ص (476).
    (48) شعب الإيمان (2/316).
    (49) مناهل العرفان (2/38).


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •