"النوال في تحرير ما للمفسرين من أقوال" (37)

اكتب في (قوقل) (النوال. وأول الآية) التي تريد معرفة ملخص آراء المفسرين فيها.

قال الرازي رحمه الله في من يفهم آيات القرآن على الآراء الضعيفة: "أقول حقاً: إن الذين يتبعون أمثال ذلك قد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً".

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد.
قال الله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)
القول الأقرب أن المراد بقوله: (أَسْفَلَ سَافِلِينَ) أرذل العمر كما قال تعالى: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ).

والآن إلى ذكر أقوال المفسرين في الآية.
اختلف المفسرون في المراد بقوله: (أَسْفَلَ سَافِلِينَ) على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن المراد أرذل العمر (رجحه ابن جرير*, ومكمل أضواء البيان*) (وحسنه ابن عطية*) (وضعفه ابن كثير*)

والمراد أن الإنسان بعد أن خلقه الله أحسن خلق باطناً وظاهراً وأعطاه جمال الهيأة وبديع التركيب والقوة والقدرة والإرادة والتدبير والعلم يُرَدُّ بعد ذلك في آخر العمر إلى الضعف وتغير الصورة والشكل والهرم وذهول العقل وتفلت الفكر وربما الخرف وذهاب العقل حتى لا يعلم من بعد علم شيئاً.
قال تعالى: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ).
وهذا القول هو أقرب الأقوال والله أعلم.

وتأمل قول الله تعالى في سورة "النحل" وفي سورة "الحج": (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا)

فهناك قال: (يُرَدُّ) وهنا قال: (رَدَدْنَاهُ) فالاشتقاق من لفظ واحد.
وتأمل أيضاً التناسب في المعنى بين (رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ) فإن من نُكِّس فقد رد إلى أسفل.

قال ابن عطية: "وهذا قول حسن, وليس المعنى أن كل إنسان يعتريه هذا, بل في الجنس من يعتريه ذلك وهذه عبرة منصوبة"اهـ
قلت: كما أن قوله تعالى: (ومن نعمره ننكسه في الخلق) لا يلزم منه أن يكون ذلك لكل أحد, فقد يعمر بعض الناس دون أن ينكس في الخلق بل يكون في عافية وسلامة من ذلك.

قال ابن جرير: "وإنما قلنا: هذا القول أولى بالصواب في ذلك لأن الله تعالى أخبر عن خلقه ابن آدم وتصريفه في الأحوال احتجاجاً بذلك على منكري قدرته على البعث بعد الموت، ألا ترى أنه يقول:(فما يكذبك بعد بالدين) يعني: بعد هذه الحجج.
ومحال أن يحتج على قوم كانوا منكرين معنى من المعاني بما كانوا له منكرين. وإنما الحجة على كل قوم بما لا يقدرون على دفعه، مما يعاينونه ويحسونه، أو يقرون به"

وقال أيضاً: "وإذ كان القوم للنار التي كان الله يتوعدهم بها منكرين، وكانوا لأهل الهرم والخرف من بعد الشباب والجلد شاهدين، عُلِم أنه إنما احتج عليهم بما كانوا له معاينين، من تصريفه خلقه، ونقله إياهم من حال التقويم الحسن والشباب والجلد إلى الهرم والضعف وفناء العمر وحدوث الخرف".

والاستثناء على هذا القول منقطع. أي: لكن الذين آمنوا لهم أجر غير ممنون.
وقد اختلف في المراد بالاستثناء على هذا القول:
فقيل: المراد أنه يكتب لهم من العمل في حال أرذل العمر مثل ما كانوا يعملون حال السلامة والصحة (اقتصر عليه ابن جرير*, و الماتريدي*, والبغوي*, والقرطبي*)

وقيل: المراد أنه يكتب لهم الأجر على صبرهم على ابتلاء الله بالشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق (اقتصر عليه الزمخشري*, والرازي*)

وقيل: المراد أن لهم أجراً غير ممنون في الآخرة بعد مماتهم.(انفرد به ابن عطية* واقتصر عليه)
وقول ابن عطية هذا هو القول الراجح.
فالمعنى والله أعلم أن المؤمنين وإن أصابهم الهرم وأرذل العمر فإنه ينتظرهم بعد ذلك قريباً الحياة الطيبة والنعيم المقيم وأجر غير ممنون.

وأما القول بأن المراد بالاستثناء أن الذين آمنوا لا يصلون إلى حالة الخرف وأرذل العمر فهو قول ضعيف مخالف للواقع والمعلوم والمشاهد.
(وقد ذكر ابن جرير* رواية عن عكرمة فيها هذا المعنى) (وذكر هذا القول أيضاً البغوي*, والقرطبي*) (واقتصر عليه مكمل أضواء البيان*) (وذكره الرازي* في تفسير سورة "النحل" عند قوله تعالى: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ).

القول الثاني: أن المراد بأسفل سافلين النار.
فهي كقوله تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) (مال إلى هذا القول الماتريدي*) (ورجحه ابن كثير*) (وذكره ابن عاشور*, ومكمل أضواء البيان*)
(وذكر القولين دون ترجيح البغوي*, والزمخشري*, والرازي*, والقرطبي*)
(ورجح ابن القيم هذا القول من عشرة وجوه سيأتي في آخر الموضوع ذكر المهم منها والجواب عليه)

قال ابن كثير*: "ولو كان أرذل العمر هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك, لأن الهرم قد يصيب بعضهم"اهـ

ويجاب عن ذلك بأنه على القول بأن المراد أرذل العمر فالاستثناء منقطع على القول الصحيح, فليس المراد أن الذين آمنوا لا يصيبهم الهرم.

القول الثالث: أن المراد بأسفل سافلين الضلال عن الهدى. (ذكره الماتريدي*, والقرطبي*) (ومال إليه ابن عاشور*) (واقتصر عليه صاحب الظلال*)

قال ابن عاشور: "فالمراد: أسفل سافلين في الاعتقاد بخالقه بقرينة قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا}
وحقيقة السفالة: انخفاض المكان، وتطلق مجازاً شائعاً على الخسة والحقارة في النفس، فالأسفل الأشد سفالة من غيره في نوعه.
والسافلون: هم سفلة الاعتقاد، والإشراك أسفل الاعتقاد.
والمعنى: أن الإنسان أخذ يغير ما فطر عليه من التقويم وهو الإيمان بالله واحد وما يقتضيه ذلك من تقواه ومراقبته فصار أسفل سافلين"

وقال صاحب الظلال: "هذا الإنسان مهيأ - حين ينتكس - لأن يهوي إلى الدرك الذي لا يبلغ إليه مخلوق قط: «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» .. حيث تصبح البهائم أرفع منه وأقوم، لاستقامتها على فطرتها، وإلهامها تسبيح ربها، وأداء وظيفتها في الأرض على هدى. بينما هو المخلوق في أحسن تقويم يجحد ربه، ويرتكس مع هواه، إلى درك لا تملك البهيمة أن ترتكس إليه.
«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» .. فطرة واستعدادا .. «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» .. حين ينحرف بهذه الفطرة عن الخط الذي هداه الله إليه ، وبينه له".

وكما أشرت آنفاً فقد رجح ابن القيم القول الثاني في كتابه "التبيان في أقسام القرآن", وهو أن المراد بأسفل سافلين النار, وضعف القول الآخر وهو أن المراد أرذل العمر من عشرة وجوه.
والمهم من هذه الوجوه أربعة سأذكرها وأجيب عنها.
الأول: أن المردودين إلى أسفل العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جداً فأكثرهم يموت ولا يرد إلى أرذل العمر.

وجوابه هو قول ابن عطية رحمه الله: "ليس المعنى أن كل إنسان يعتريه هذا بل في الجنس من يعتريه ذلك وهذه عبرة منصوبة"اهـ

وقلت كما سبق: كما أن قوله تعالى: (ومن نعمره ننكسه في الخلق) لا يلزم منه أن يكون ذلك لكل أحد, فقد يعمر بعض الناس دون أن ينكس في الخلق بل يكون في عافية وسلامة من ذلك.

الثاني: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رد من طال عمره منهم إلى أرذل العمر فليس ذلك مختصاً بالكفار حتى يستثنى منهم المؤمنين.

وجواب هذا مر في الإجابة على قول ابن كثير, وأن الاستثناء منقطع, فليس المراد أن المؤمنين لا يصيبهم الهرم.

الثالث: أنه لا تحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين, وهو سبحانه قابل بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان, فجعل جزاء الكفار أسفل سافلين وجزاء المؤمنين أجراً غير ممنون.

وجوابه: أنه ليس المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين, وإنما المقابلة والله أعلم بين النهايتين:
فنهاية الكفار أرذل العمر الذي يعقبه ما هو أشد وهو سوء العاقبة المصير.
ونهاية المؤمنين أرذل العمر الذي يعقبه الحياة الخالدة الكريمة والأجر الغير ممنون.

الرابع: أن قول من فسره بأرذل العمر يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم, ويستلزم تفسيرها بأمر محسوس, فيكون قد ترك الإخبار عن المقصود الأهم وأخبر عن أمر يعرف بالحس والمشاهدة, وفي ذلك هضم لمعنى الآية وتقصيره بها عن المعنى اللائق بها.

وجوابه: أنه لم تخل الآية من ذكر جزاء الكفار, بل يفهم منها ذكر جزائهم بشكل واضح, فإنه لما ذكر أن المؤمنين لهم الجنة وأجر غير ممنون علم أن الكافرين مصيرهم بئس المصير.
والله تعالى أعلم.

للاطلاع على مقدمة سلسلة (النوال)
انظر هنا
https://majles.alukah.net/t188624/