"النوال في تحرير ما للمفسرين من أقوال" (35)

اكتب في (قوقل) (النوال. وأول الآية) التي تريد معرفة ملخص آراء المفسرين فيها.

قال الرازي رحمه الله في من يفهم آيات القرآن على الآراء الضعيفة: "أقول حقاً: إن الذين يتبعون أمثال ذلك قد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً".

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد.
قال الله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)
اختُلِف في المراد بهذه الآية على أقوال كثيرة لا يصح منها إلا واحد, وبقية الأقوال ضعيفة.
وسأذكر القول الصحيح ثم أذكر من الأقوال الضعيفة سبعة عشر قولاً.

أما القول الصحيح فالمراد وجدك ضالاً عن معالم النبوة والقرآن والشريعة غافلاً عنها فـ (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)
(ذكره الماتريدي*, والبغوي*, والزمخشري* والرازي*, والقرطبي*, وابن كثير*) (وصوبه ابن عطية*) (واقتصر عليه ابن عاشور*, وصاحب الظلال*) (واقتصر عليه الشنقيطي* في مواضع من الأضواء ورجحه)
(وذكره ابن جرير*) لكنه اكتفى بقوله: "ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم".

فليس المراد بالضلال هنا ارتكاب الخطأ, ولكن المراد عدم العلم, أي: لم تكن تعلم عن هداية القرآن ومعالم الشريعة, ولم تكن تجد لك طريقاً واضحاً فهداك الله بالأمر الذي أوحى به إليك.

قال الماتريدي: "وجدك ضالاً ضلال الخلقة التي أنشئ عليها الخلق، والضلال بمعنى الجهل, لأن الخلق في ابتداء أحوالهم يكونون جهالاً، لا جهل كسب يذمون عليه ولكن جهل خلقة وضلال خلقة, لما ليس معهم آلة درك العلم.
فعلى هذا يكون قوله تعالى: (ووجدك ضالاً فهدى) أي: وجدك جاهلاً على ما يكون في أصل الخلقة وحالة الصغر فهداك، أي: علمك، وهو كقوله تعالى: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان)، وقوله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب)".

قال الزمخشري: "معناه الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع فهداك: فعرفك القرآن والشرائع".

وقال الرازي: "المراد من الضال الخالي عن العلم لا الموصوف بالاعتقاد الخطأ".

وقال ابن عاشور: "المراد الوقوف حائراً لا يعرف أي طريق يسلك، لأن المعنى: أنك كنت في حيرة من حال أهل الشرك من قومك, فأراكه الله غير محمود وكرهه إليك ولا تدري ماذا تتبع من الحق".

وقال صاحب الظلال: "ثم لقد نشأت في جاهلية مضطربة التصورات والعقائد، منحرفة السلوك والأوضاع، فلم تطمئن روحك إليها. ولكنك لم تكن تجد لك طريقاً واضحاً مطمئناً. لا فيما عند الجاهلية, ولا فيما عند أتباع موسى وعيسى الذين حرفوا وبدلوا وانحرفوا وتاهوا.. ثم هداك الله بالأمر الذي أوحى به إليك، وبالمنهج الذي يصلك به".

وفي الآية أقوال عجيبة غريبة سأذكر منها سبعة عشر قولاً.

الأول: لولا أن الله تعالى هداك لدينه وإلا وجدك ضالاً, إذ كان نشوؤك بين قوم ضلال، ولكنه هداك وأرشدك فلم يجدك ضالاً, أي: وجدك ضالاً لو لم يهدك. (ذكره الماتريدي*)
وهو قول ضعيف جداً, بل باطل, ففيه نفي لما أثبتته الآية.
فالآية تقول: (ووجدك ضالاً) وصاحب القول يقول: لم يجدك ضالاً.

الثاني: وجدك ضالاً حقيقة الضلال، فهداك للتوحيد.
قال ابن عطية: "قال السدي: أقام على أمر قومه أربعين سنة".

وقال الرازي: "اعلم أن بعض الناس ذهب إلى أنه كان كافراً في أول الأمر، ثم هداه الله وجعله نبياً، قال الكلبي: {وَوَجَدَكَ ضَآلا} يعني كافراً في قوم ضلال فهداك للتوحيد"اهـ

قلت: هذا قول باطل.

وقد (ضعفه الماتريدي*) وقال: "لكن هذا وخش من القول, إذ لا يليق به أن ينسب إلى ذلك". (الوخش: الرديء)

(وضعفه الزمخشري*) فقال: "من قال: كان على أمر قومه أربعين سنة إن أراد أنه كان على دينهم وكفرهم فمعاذ الله، والأنبياء يجب أن يكونوا معصومين قبل النبوة وبعدها من الكبائر والصغائر الشائنة، فما بال الكفر والجهل بالصانع (ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء) وكفى بالنبي نقيصة عند الكفار أن يسبق له كفر".

وقال القرطبي: وقد مضى هذا القول والرد عليه في سورة" الشورى" عند تفسير آية (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان)

ومما قاله القرطبي هناك: "قال القاضي: وأنا أقول إن قريشاً قد رمت نبينا عليه السلام بكل ما افترته، ولم نجد في شيء من ذلك تعييراً له برفضه آلهتهم وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه. ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، ويتلونه في معبوده محتجين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركه آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل، ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلاً إليه".

وقال ابن عاشور: "ولم يزل علماؤنا يجعلون ما تواتر من حال استقامته ونزاهته عن الرذائل قبل نبوءته دليلاً من جملة الأدلة على رسالته، بل قد شافه القرآن به المشركين بقوله: (فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون), وقوله: (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون)، ولأنه لم يؤثر أن المشركين أفحموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما أنكر عليهم من مساوي أعمالهم بأن يقولوا: فقد كنت تفعل ذلك معنا".

الثالث: وجدك ضالاً في شعاب مكة فهداك إلى جدك عبد المطلب. (ذكره الماتريدي*, والبغوي*, والزمخشري*, وابن عطية*, والرازي*, والقرطبي*, وابن كثير*)

الرابع: خامل الذكر لا يعرفك الناس مغموراً بأهل الشرك, فميزك الله, وهداهم ربك إليك. (ذكره ابن عطية*, والرازي*, والقرطبي*)

قال الرازي: "يقال: ضل الماء في اللبن إذا صار مغموراً، فمعنى الآية كنت مغموراً بين الكفار بمكة فقواك الله تعالى حتى أظهرت دينه".

الخامس: (ضالاً) أي: فريداً لا يحمل ثمر الإيمان بالله ومعرفته إلا أنت (ذكره الرازي*, والقرطبي*)

قال الرازي: "العرب تسمي الشجرة الفريدة في الفلاة ضالة، كأنه تعالى يقول: كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله ومعرفته إلا أنت، فأنت شجرة فريدة في مفازة الجهل فوجدتك ضالاً فهديت بك الخلق".

وقال القرطبي: "قال بعض المتكلمين: إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة من الأرض لا شجر معها سموها ضالة، فيهتدى بها إلى الطريق، فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ووجدك ضالاً أي: لا أحد على دينك، وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إلي".

السادس: وجدك ضالاً عن الضالين منفرداً عنهم مجانباً لدينهم، فهداك إلى أن اختلطت بهم ودعوتهم (ذكره الرازي*)

السابع: وجدك ضالاً عن الهجرة (ذكره الرازي*, والقرطبي*)

الثامن: ضالاًّ عن القبلة، فإنه كان يتمنى أن تجعل الكعبة قبلة له وما كان يعرف أن ذلك هل يحصل له أم لا، فهداه الله بقوله: (فلنولينك قبلة ترضاها) فكأنه سمي ذلك التحير بالضلال (ذكره الرازي*, والقرطبي*)

التاسع: أنه حين ظهر له جبريل عليه السلام في أول أمره ما كان يعرف أنه جبريل، وكان يخافه خوفاً شديداً، فهداه الله حتى عرف أنه جبريل (ذكره الرازي*)

العاشر: ضالاً عن أمور الدنيا لا تعرف التجارة ونحوها، ثم هديتك حتى ربحت تجارتك، حتى رغبت خديجة فيك، والمعنى أنه ما كان لك وقوف على الدنيا، وما كنت تعرف سوى الدين، فهديتك إلى مصالح الدنيا بعد ذلك (ذكره الرازي*)

الحادي عشر: ضائعاً في قومك, وكانوا يؤذونك، فقوي أمرك وهداك إلى أن صرت آمراً والياً عليهم (ذكره الرازي*)

الثاني عشر: ضالاً أي: تنسب إلى الضلال (ذكره ابن عطية*)

الثالث عشر: ووجدك في قوم ضلال فكأنك واحد منهم. (ذكره ابن عطية*)

الرابع عشر: وجدك في قوم ضلال فهداك. (ذكره ابن جرير*, والماتريدي*)

الخامس عشر: المراد وجد قومك ضلالاً، فهداهم بك (ذكره الرازي*, والقرطبي*)
قال الرازي: "من الوجوه أنه قد يخاطب السيد، ويكون المراد قومه فقوله: {وَوَجَدَكَ ضَآلا} أي: وجد قومك ضلالاً، فهداهم بك وبشرعك".

السادس عشر: وجد قومك ضلالاً، فهداك إلى إرشادهم. (ذكره القرطبي*)

السابع عشر: وجدك متحيراً في بيان الكتاب، فعلمك البيان (ذكره القرطبي*)
والله تعالى أعلم.

للاطلاع على مقدمة سلسلة (النوال)
انظر هنا
https://majles.alukah.net/t188624/