دروس وعبر في قيام وسقوط الدولة العثمانية ( تقرير )
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: دروس وعبر في قيام وسقوط الدولة العثمانية ( تقرير )

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,359

    افتراضي دروس وعبر في قيام وسقوط الدولة العثمانية ( تقرير )

    دروس وعبر في قيام وسقوط الدولة العثمانية ( تقرير )
    احمد الشجاع
    تمهيد
    تقف الدولة العثمانية وسط تاريخ البشرية شامخةً؛ إذ حملت لواء الإسلام طوال ما يزيد على ستة قرون، وفتحت به أرجاء أوروبا وآسيا، وأقامت للإسلام دولة عظيمة، ظلَّت أوروبا الصليبية تخشاها وترهبها قروناً عدة، وظلت أوروبا كذلك تُعد العدة للقضاء عليها، وتتحين الفرصة تلو الفرصة، لكن الدولة العثمانية وقادتها كانوا يكيلون لهم الضربات تلو الضربات حتى إذا أخلد العثمانيون إلى الأرض، وتخلوا عن الحكم الإسلامي الصحيح، والأخذ بأسباب القوة؛ انقضت عليهم أوروبا الصليبية فمزقتها، وأشاعت الماسونية بين شبابها وقادتها، حتى سقطت الخلافة التركية، وأُلغِيَت على يد مصطفى كمال أتاتورك.
    تشويه التاريخ
    يقول الدكتور علي الصلابي إن المؤرخين الأوروبيين واليهود والنصارى والعلمانيين الحاقدين أساؤوا إلى تاريخ الدولة العثمانية، فاستخدموا أساليب الطعن والتشويه والتشكيك فيما قام به العثمانيون من خدمة للعقيدة والإسلام، وسار على هذا النهج الباطل أغلب المؤرخين العرب بشتى انتماءاتهم واتجاهاتهم القومية والعلمانية، وكذلك المؤرخون الأتراك الذين تأثروا بالتوجه العلماني الذي تزعمه مصطفى كمال، فكان من الطبيعي أن يقوموا بإدانة فترة الخلافة العثمانية، فوجدوا فيما كتبه النصارى واليهود ثروة ضخمة لدعم تحولهم القومي العلماني في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى.
    كان الموقف من التاريخ العثماني بالنسبة للمؤرخ الأوروبي ناتجاً بسبب تأثره بالفتوحات العظيمة التي حققها العثمانيون، وخصوصاً بعد أن سقطت عاصمة الدولة البيزنطية (القسطنطينية) وحولها العثمانيون دار إسلام وأطلقوا عليها إسلام بول (أي دار الإسلام)؛ فتأثرت نفوس الأوروبيين بنزعة الحقد والمرارة المورثة ضد الإسلام فانعكست تلك الأحقاد في كلامهم وأفعالهم وكتابتهم وحاول العثمانيون مواصلة السير لضم روما إلى الدولة الإسلامية ومواصلة الجهاد حتى يخترقوا وسط أوروبا ويصلوا إلى الأندلس لإنقاذ المسلمين فيها، وعاشت أوروبا في خوف وفزع وهلع ولم تهدأ قلوبهم إلا بوفاة السلطان محمد الفاتح.
    وكان زعماء الدين المسيحي من قساوسة ورهبان وملوك يغذون الشارع الأوروبي بالأحقاد والضغائن ضد الإسلام والمسلمين، وعمل رجال الدين المسيحي على حشد الأموال والمتطوعين لمهاجمة المسلمين (الكفرة على حد زعمهم) البرابرة، وكلما انتصر العثمانيون على هذه الحشود ازدادت موجة الكره والحقد على الإسلام وأهله، فاتهم زعماءُ المسيحيين العثمانيين بالقرصنة، والوحشية والهمجية، وعلقت تلك التهم في ذاكرة الأوروبيين.
    قيام الدولة العثمانية وفتوحاتها

    ينتسب العثمانيون إلى قبيلة تُركمانية كانت عند بداية القرن السابع الهجري الموافق الثالث عشر الميلادي تعيش في كردستان، وتزاول حرفة الرعي، ونتيجة للغزو المغولي بقيادة جنكيزخان على العراق ومناطق شرق آسيا الصغرى، فإن سليمان - جد عثمان- هاجر في عام 617هـ الموافق 1220م مع قبيلته من كردستان إلى بلاد الأناضول فاستقر في مدينة (أخلاط) ثم بعد وفاته في عام 628هـ الموافق 1230م خلفه ابنه الأوسط أرطغرل، والذي واصل تحركه نحو الشمال الغربي من الأناضول، وكان معه حوالي مائة أسرة وأكثر من أربعمائة فارس.
    وحين كان ارطغرل والد عثمان فاراً بعشيرته - التي لم يتجاوز تعدادها أربعمائة عائلة - من ويلات الهجمة المغولية، فإذا به يسمع عن بُعد جلبة وضوضاء، فلما دنا منها وجد قتالاً حامياً بين مسلمين ونصارى، وكانت كفة الغلبة للجيش البيزنطي، فما كان من أرطغرل إلا أن تقدم بكل حماس وثبات لنجدة إخوانه في الدين والعقيدة؛ فكان ذلك التقدم سبباً في نصر المسلمين على النصارى وبعد انتهاء المعركة قدر قائد الجيش الإسلامي السلجوقي هذا الموقف لأرطغرل ومجموعته، فأقطعهم أرضاً في الحدود الغربية للأناضول بجوار الثغور في الروم، وأتاحوا لهم بذلك فرصة توسيعها على حساب الروم، وحقق السلاجقة بذلك حليفاً قوياً ومشاركاً في الجهاد ضد الروم.
    وشرع أرطغرل يهاجم باسم السلطان السلجوقي علاء الدين ممتلكات الدولة البيزنطية في الأناضول، وضم إلى المدينة التي يحكمها مدينة "أسكي شهر".
    وقد قامت بين هذه الدولة الناشئة وبين سلاجقة الروم علاقة حميمة نتيجة وجود عدو مشترك لهم في العقيدة والدين، وقد استمرت هذه العلاقة طيلة حياة أرطغرل، حتى إذا توفي سنة 699هـ - 1299م خلفه من بعده في الحكم ابنه عثمان الذي سار على سياسة أبيه السابقة في التوسع في أراضي الروم، وسميت الدولة الجديدة باسمه.
    بروزالعثمانيين
    ولِد عثمان بن أرطغرل عام (656 هـ/ 1258م)، وهو العام الذي هجم فيه التتار على العالم الإسلامي، وقد تولَّى الإمارة بعد وفاة والده "أرطغرل"، وصحب السلطان السلجوقي علاء الدين، وساعده في فتح مدن منيعة، وقلاع حصينة، ولما قُتِل السلطان السلجوقي، وسقطت دولته على أيدي التتار، التفَّ الناس حول "عثمان"، وبايعوه حاكماً عليهم، وذلك عام (699 هـ/ 1300م)، وقد حكم بين الناس بالعدل، وحقَّق انتصارات متتالية على البيزنطيين، وأصبحت الدولة العثمانية في عهده مستقلة استقلالاً تاماً.
    وكانت حياته جهادًا ودعوةً في سبيل الله، وكان علماء الدين يحيطون به، ويشيرون عليه، ولقد حفظ لنا التاريخ وصية عثمان لابنه "أورخان" وهو على فراش الموت، وكانت تلك الوصية فيها دلالة حضارية، ومنهجية شرعية سارت عليها الدولة العثمانية فيما بعد؛ إذ فيها حثٌّ على تقريب أهل الشريعة من العلماء المخلصين، والعدل التام بين الرعية، وعدم الغرور بالجاه أو السلطان، والحرص على رضا الله، والحثِّ على الجهاد لرفع راية الإسلام، وأيضًا الزهد في الدنيا، والاستعداد للقاء الله تعالى.
    وكانت تلك الوصايا الرائعة دستوراً سار عليه العثمانيون في سياستهم في استكمال التأسيس والبناء للدولة العثمانية، ثم الانتشار والتوسع.
    مرحلة الانطلاق
    يعتبر عهد أرطغرل وابنه عثمان عصر ظهور وبداية للدولة العثمانية، على أن وَضْعَ الأسس لهذا البنيان الشاهق، الذي امتد زماناً ومكاناً، كان في عهد السلطان أورخان غازي بن عثمان والذي استمر عهده خمساً وثلاثين سنة (726 – 762هـ) استطاع خلالها وبمساعدة خيرة القادة والأعوان أن يضع القوانين ويسنَّ الأنظمةَ التي سارت عليها الدولة بعد ذلك، كما قام بتقوية الجيش وترتيبه وإعادة بنائه، وجعله دائماً وليس استثنائياً أو وقت الحرب فحسب، كما كان قبل ذلك.
    وقد كانت النشأة وما تلاها لمدة ثلاثة قرون تمثل عصر القوة في الدولة العثمانية، ويمتد عصر القوة من هذا السلطان حتى نهاية حكم سليمان القانوني سنة (974هـ/1566م).
    وقد امتاز هذا العصر بإنجازات رائعة حققها العثمانيون، ومن أهم هذه الإنجازات التوسع في الفتوحات الإسلامية ورفع راية الجهاد مرة أخرى، وتنظيم الدولة وتقويتها والانتقال بها من مرحلة الدولة إلى مرحلة الخلافة، وقد ساعد على هذا مجموعة من العوامل التي بدونها لم يكن ليتحقق شيء من هذا كله، وهذه العوامل هي:

    أولاً: قوة الإيمان
    من السمات المميزة لمؤسسي الدولة العثمانية وولاتها في عهد قوتها، قوة الإيمان بالله تعالى، والحرص على طاعته، وتنفيذ أوامره، ويظهر هذا الأمر واضحًا جليًّا في سلوكهم وتصرفاتهم، بل ويوصون به أبناءهم وشعوبهم، فهذا عثمان بن أرطغرل المؤسس للدولة يقول في وصيته الشهيرة لابنه: "غايتنا هي إرضاء الله رب العالمين". وفي موضع آخر من الوصية: "إياك أن تفعل أمرًا لا يُرضِي الله"، ويقول: "واعلم يا بُني أنَّ طريقنا الوحيد هو طريق الله".
    وهذا السلطان مراد الأول (761 - 791هـ/1360 - 1389م) يقول في دعائه قبل معركة (قوصوه) مناجياً ربه سائلاً إياه الشهادة في سبيله – وقد نالها –: "يا إلهي، إنني أقسم بعزتك وجلالك أنني لا أبتغي من جهادي هذه الدنيا الفانية، ولكنني أبتغي رضاك، ولا شيء غير رضاك يا إلهي، إنني أقسم بعزتك وجلالك أنني في سبيلك فزدني تشريفًا بالموت في سبيلك".
    وهذا مراد الثاني (824 - 855هـ/ 1421- 1451م) كان معروفًا لدى جميع رعيته بالتقوى، والعدالة والشفقة، ومن أقواله: "تعالوا نذكر الله؛ لأننا لسنا بدائمين في الدنيا". وقال عنه يوسف آصاف: "كان تقيًّا صالحًا وبطلاً صنديدًا محبًّا للخير، ميَّالاً للرأفة والإحسان".
    أما ابنه محمد الملقب بالفاتح، فقد كان من الإيمان بمكان، ولقد أسهمت في تربيته تلك البيئة الإيمانية التي وفَّرها له والده السلطان مراد الثاني، ومن ثَمَّ نشأ على حب الإسلام، والعمل بالقرآن وسنة النبي، وقد اتصف بالتُّقى والورع، وممن أشرف على تلك التربية الإيمانية للفاتح العلامة أحمد بن إسماعيل الكوراني والشيخ آق شمس الدين، وهما ممن شُهد لهم بالفضيلة التامَّة.
    وهذه التربية الإيمانية كانت عاملاً أساسيًّا من عوامل فتح القسطنطينية، فقد أصَّل الشيخ آق شمس الدين عن فتح القسطنطينية "لَتفتحن الْقُسْطَنْطِين ِيَّةُ، وَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ"، وقد رافق الشيخ آق شمس الدين السلطان الفاتح في أرض المعركة، وكان معه كالوقود الإيماني الذي يغذي السلطان والجيش حتى تحقق وعد الله، وتم فتح المدينة.
    وكان هذا قوة إيمانية دفعت هذا الجيش المؤمن لتحقيق النصر ونيل هذه الصفة التي وصفهم بها الرسول في تلميذه السلطان محمد الفاتح أنه المعني بحديث رسول الله..ويظهر كذلك إيمان "الفاتح" وحرصه على رعيته، وتحمُّله للمسؤولية، من خلال تلك الوصية الرائعة التي أوصى بها ولده، والسلطان من بعده (بايزيد الثاني)، ومما جاء في هذه الوصية قوله: "قدِّم الاهتمام بأمر الدين على كل شيء، ولا تفتر في المواظبة عليه".
    وقوله أيضًا: "وإياك أن تميل إلى أي عمل يخالف أحكام الشريعة؛ فإن الدين غايتنا، والهداية منهجنا". وأيضًا أوصاه بقوله: "واعمل على تعزيز هذا الدين وتوقير أهله".
    وإذا نظرنا إلى السلطان بايزيد الثاني (856 - 918هـ/ 1452 - 1512م) وجدنا من صفاته أنه كان ورعًا تقيًّا، يقضي العشر الأخيرة من شهر رمضان في العبادة والذكر والطاعة، وكان يتصف بعمق الإحساس بعظمة الله تعالى..ومما أُثِر عنه أيضًا أنه كان يجمع في كل منزل حلَّ فيه من غزواته ما على ثيابه من الغبار ويحفظه، ولما دنا أجله، أمر بذلك الغبار فضُرِب منه لبنة صغيرة، وأمر أن تُوضع معه في القبر تحت خده الأيمن.
    إن هذه السمة (قوة الإيمان) والتي تكاد تنطبق على أكثر ولاة الدولة العثمانية في عهد قوتها، كانت سببًا رئيسيًّا في علو شأن هذه الدولة، وعظمة مكانتها، فإن الإيمان بالله تعالى طاقة عظيمة تدفع إلى الرقي والتقدُّم في كافة مجالات الحياة، ومما لا شك فيه أن الشعوب الإسلامية في تلك الآونة كانت قوية الإيمان بالله تعالى، عظيمة التعلُّق به؛ وذلك لاهتمام الولاة بهذا الأمر، ولأن استقامة الحاكم سبب أساسي في استقامة المحكومين.
    ثانيًا: الاهتمام بالجهاد وفتح البلدان

    إذا نظرنا إلى تأسيس الدولة العثمانية وجدنا أنها قد نشأت نشأة جهادية صحيحة وسليمة، بل إن حِرْص مؤسسي هذه الدولة على الجهاد هو أحد الأسباب الرئيسية لنشأتها، فلا ننسى وقوفهم بجانب سلطان السلاجقة المسلم ضد أعدائه، مما كان سببًا في انتصاره، وحينها منحهم أرضًا، كانت تلك الأرض هي بؤرة المملكة الشاسعة التي امتدت شرقًا وغربًا، وشمالاً وجنوبًا.
    وقد ساعد هذا المكان الذي نشأت فيه الدولة العثمانية على تَبَنِّي سياسة الجهاد في سبيل الله، فقد كانت في الشمال الغربي للأناضول، على حافَّة العالم المسيحي، وعلى حافة العالم الإسلامي؛ مما جعلها مقدمة الجهات التي يطمع العالم المسيحي في احتلالها عند الحرب مع المسلمين، وقد استطاع الأمير عثمان أن يحرز انتصاراتٍ عسكريةً على البيزنطيين، وكانت التحرُّكات الحربية التي قام بها العثمانيون في هذه المرحلة الأولى من تاريخهم نتاج عدة عوامل أهمها الروح الدينية الجياشة، والطبيعة العسكرية الصارمة، والموقع الجغرافي للإمارة العثمانية، ثم الأوضاع السياسية في المنطقة المحيطة بالأتراك العثمانيين.
    ومنذ بداية تأسيس الدولة العثمانية أُطلق على زعيمها لقب الغازي – أي المجاهد في سبيل الله – وظل هذا اللقب الرفيع يتقدم كل الألقاب والنعوت بالنسبة للسلاطين العظماء، وكانت غاية الدولة العثمانية الدفاع عن الإسلام ورفع رايته على الأنام.
    لقد كان اهتمام السلاطين العثمانيين بالجهاد أمرًا واضحًا للغاية، فقد كانت حياتهم كلها جهادًا في سبيل الله، وتوسيعًا لرقعة الدولة الإسلامية، وقد بدأت هذه الدولة بداية حقيقية بهذا الرجل العظيم عثمان بن أرطغرل، والذي ورث أباه في صفة الجهاد هذه، وقد اتَّسم بوضوح الهدف والغاية، فلم تكن فتوحاته من أجل مصالح اقتصادية أو عسكرية، أو غير ذلك، بل كانت فرصة لتبليغ دعوة الله ونشر دينه، ولذلك وصفه المؤرخ أحمد رفيق في موسوعته (التاريخ العام الكبير) بأنه كان متدينًا للغاية، وكان يعلم أن نشر الإسلام وتعليمه واجب مقدَّس، وكان مالكًا لفكر سياسي واسع متين، ولم يؤسس عثمان دولته حبًّا في السلطة، وإنما حبًّا في نشر الإسلام.
    ويقول مصر أوغلو: لقد كان عثمان بن أرطغرل يؤمن إيمانًا عميقًا بأن وظيفته الوحيدة في الحياة هي الجهاد لإعلاء كلمة الله، وقد كان مندفعًا بكل حواسه وقواه نحو تحقيق هذا الهدف..وقد ترك عثمان الأول الدول العثمانية ومساحتها تبلغ 16000 كم2، واستطاع أن يجد لدولته الناشئة منفذًا على بحر مرمرة، واستطاع بجيشه أن يهدد أهم مدينتين بيزنطيتين في ذلك الزمان وهي أزنيق وبورصة.
    أمّا أورخان بن عثمان فقد كان حب الجهاد لا يفارقه على الإطلاق، وقد حاول تحقيق بشرى رسول الله بفتح القسطنطينية، واتخذ في ذلك خطوات عملية، وذلك من خلال وضع خطة إستراتيجية تستهدف محاصرة العاصمة البيزنطية من الغرب والشرق في آنٍ واحد، وأرسل ابنه سليمان لعبور مضيق الدردنيل والاستيلاء على بعض المواقع في الناحية الغربية، وقد استفاد من جاء بعده بهذه الإنجازات في فتح القسطنطينية.
    تأسيس الجيش العثماني الإسلامي
    كان من أهم أعمال أورخان تأسيسه للجيش الإسلامي، وقد حرص على إدخال نظام جديد للجيش وتطويره وتحديثه حتى يؤدي دوره على أحس وجه؛ فقام بتقسيم الجيش إلى وحدات، كل وحدة تتكون من عشرة أشخاص، أو مائة، أو ألف، وخَصَّصَ خُمُسَ الغنائم للإنفاق منها على الجيش، وجعله جيشًا دائمًا وليس استثنائيًّا، فقد كان قبلُ لا يجتمع إلا وقت الحرب، كما أنشأ كذلك مراكز خاصة يتم فيها تدريب الجيش والارتقاء بالجنود، وتعليمهم مهارات القتال.
    لقد احتلَّ الجيش مكانة بالغة الأهمية في حياة الدولة العثمانية، فهو أداة للحكم والحرب معًا، إذ كانت الحكومة العثمانية جيشًا قبل أي شيء آخر، وكان كبار موظفي الدولة هم في نفس الوقت قادة الجيش، ومن هنا جاء القول الشائع بأن الحكومة العثمانية والجيش العثماني وجهان لعملة واحدة.

    لقد استطاع أورخان أن يؤسس جيشًا إسلاميًّا نظاميًّا دائم الاستعداد للجهاد، وقد كان هذا الجيش يتكون من فرسان عشيرته، ومن مجاهدي النفير الذين كانوا يسارعون لإجابة داعي الجهاد، ومن أمراء الروم وعساكرهم الذين دخل الإسلام في قلوبهم، وحسن إسلامهم.
    وقد عمل أورخان كذلك على زيادة عدد جيشه الجديد بعد أن ازدادت تبعات الجهاد ومناجزة البيزنطيين، فاختار عددًا من شباب الأتراك، وعددًا من شباب البيزنطيين الذين أسلموا وحسن إسلامهم، فضمهم إلى الجيش واهتم بهم اهتمامًا كبيرًا، وربّاهم تربية إسلامية جهادية، ولم يلبث الجيش الجديد أن تزايد عدده، وأصبح يضم آلافًا من المجاهدين في سبيل الله...لقد كان هذا الجيش الذي أسسه ونظَّمه وطوَّره أورخان بن عثمان أول جيش نظامي في تاريخ العالم..وقد اتسعت رقعة الدولة العثمانية في نهاية عهده إلى 95.000 كم2، وكان قد تسلمها من والده وهي لا تزيد على 16.000 كم2، كما ذكرنا سابقًا.
    أمَّا السلطان مراد الأول (726 - 791هـ/ 1326 - 1389م) فقد كان محاربًا قديرًا، شغوفًا بالجهاد، وقد جمع إلى جواره مجموعة من خيرة القادة والخبراء العسكريين، واستطاع أن يمضي في عملياته الحربية في أوروبا وآسيا الصغرى في وقت واحد.
    ففي أوروبا هاجم الجيش العثماني أملاك الدولة البيزنطية، ثمَّ استولى عام (762 هـ/ 1360م) على مدينة أدرنة ذات الأهمية الإستراتيجية في البلقان، وكانت ثاني مدينة في الإمبراطورية البيزنطية بعد القسطنطينية، وقد اتخذها السلطان مراد عاصمة للدولة العثمانية منذ عام (768 هـ/ 1366م)، وبذلك انتقلت عاصمة الدولة من آسيا إلى أوروبا، وسرعان ما تركزت في هذه العاصمة الجديدة جميع المقومات اللازمة للنهوض بالدولة وأصول الحكم، فتكوَّنت فيها فئات من الموظفين وفرق الجيش، وطوائف رجال القانون، وعلماء الدين، وأقيمت دور المحاكم، كما تَمَّ تشييد المعاهد المدنية والعسكرية، وقد ظلت "أدرنة" على هذا الوضع السياسي والعسكري والإداري والثقافي والديني، حتى تم فتح القسطنطينية بعد ذلك، فاتخذوها عاصمة لدولتهم.
    لقد قاد السلطان مراد الشعب العثماني ثلاثين سنة بكل حكمة ومهارة لا يضاهيه فيها أحد من ساسة عصره؛ قال المؤرخ البيزنطي "هالكونديلاس" عن مراد الأول: قام مراد بأعمال مهمة كثيرة، دخل سبعًا وثلاثين معركة، سواءً في الأناضول أو في البلقان، وخرج منها جميعًا ظافرًا.
    الإنكشاريون
    في عهد أورخان ظهرت فرقة الإنكشارية، وكانوا فرقة من المشاة المحترفين، لها امتيازاتها الخاصة، وقد تلقوا تدريبًا وتعليمًا خاصًّا، حتى أصبحوا من أهم فرق الجيش العثماني، وكانوا يقومون بخدمة السلطان بغيرة وحماس..وقد اكتسبت هذه الفرقة صفة الدوام والاستمرار في عهد السلطان مراد الأول سنة (761هـ/ 1360م)، وكانت قبل ذلك تُسرَّح بمجرد الانتهاء من عملها.
    وامتاز الجنود الإنكشاريون بالشجاعة الفائقة، والصبر في القتال، والولاء التام للسلطان العثماني باعتباره إمام المسلمين، وكان هؤلاء الجنود يُختارون في سن صغيرة من أبناء المسلمين الذين تربوا تربية إسلامية، أو من أولاد الذين أُسِروا في الحروب أوِ اشْتُرُوا بالمال.
    وكان هؤلاء الصغار يُرَبَّون في معسكرات خاصة بهم، يتعلمون اللغة والعادات والتقاليد التركية، ومبادئ الدين الإسلامي، وفي أثناء تعليمهم يُقسَّمون إلى ثلاث مجموعات: الأولى تُعَد للعمل في القصور السلطانية، والثانية تُعد لشغل الوظائف المدنية الكبرى في الدولة، والثالثة تعد لتشكيل فرق المشاة في الجيش العثماني، ويطلق على أفرادها الإنكشارية، أي الجنود الجدد، وكانت هذه المجموعة هي أكبر المجموعات الثلاث وأكثرها عددًا.
    وقد ازدادت مكانة الإنكشاريين في عهد السلطان محمد الفاتح، فقد جعل لقائدها حق التقدم على بقية القواد، فهو يتلقَّى أوامره من الصدر الأعظم، الذي جعل له السلطان القيادة العليا للجيش.
    وقد تميز عصر السلطان محمد الفاتح – بجانب قوة الجيش البشرية وتفوقه العددي – بإنشاءات عسكرية كثيرة ومتنوعة، فأقام دور الصناعة العسكرية لسدِّ احتياجات الجيش من الملابس والسروج والدروع ومصانع الذخيرة والأسلحة، وأقام القلاع والحصون في المواقع ذات الأهمية العسكرية، وكانت هناك تشكيلات عسكرية متنوعة في تمام الدقة وحسن التنظيم من فرسان ومشاة ومدفعية وفرق مساعدة، تمد القوات المحاربة بما تحتاجه من وقود وغذاء وعلف للحيوان وإعداد صناديق الذخيرة حتى ميدان القتال، وكان هناك صنف من الجنود يُسمَّى لغمجية وظيفته الحفر للألغام، وحفر الأنفاق تحت الأرض أثناء محاصرة القلعة المراد فتحها، وكذلك السقاءون كان عليهم تزويد الجنود بالماء، ولقد تطورت الجامعة العسكرية في زمن الفاتح، وأصبحت تخرَّج الدفعات المتتالية من المهندسين والأطباء والبيطريين وعلماء الطبيعيات والمساحات، وكانت تمد الجيش بالفنيين المتخصصين، وقد أكسب هؤلاء العثمانيين شهرة عريضة في الدقة والنظام.
    كما اهتم العثمانيون كذلك بالمدفعية منذ أيامهم الأولى، وأنشئوا فرقة خاصة بالمدفعية (طوبجي) بلغ عددها ألف رجل في عهد بايزيد الثاني (886- 918هـ/ 1481- 1512م)، وفي عهد سليمان القانوني (926- 974هـ/1520- 1566م) تشكلت فرقة أخرى من المدفعية الثقيلة، كما اهتم العثمانيون أيضًا ببناء أسطول قوي بعد توسُّعِ دولتهم، بحيث يستطيع التصدِّي لأسطول البنادقة، ووصل عدد سفنه إلى 300 سفينة في عهد سليمان القانوني، واستطاع قائده خير الدين بربروسا أن ينشر الفزع والرعب في نفوس الأوروبيين.
    ثالثًا: الاهتمام بالعلم وتقريب العلماء
    كان من عوامل قوة الدولة العثمانية كذلك اهتمامها بالعلم والعلماء، ومعرفتهم بأهمية العلم في نهضة الدولة والارتقاء بها بشكل دائم، فكانوا أشدَّ ما يكونون حرصًا على احترام العلماء؛ فهذا عثمان مؤسس الدولة يقول في وصيته لابنه أورخان: "يا بُني أوصك بعلماء الأمة، أدم رعايتهم، وأكثر من تبجيلهم، وانزل على مشورتهم، فإنهم لا يأمرون إلا بخير". وقد عمل أورخان بن عثمان بوصية والده فكان أول من أقام جامعة إسلامية في الدولة العثمانية.
    وهكذا كان ولاة وسلاطين العثمانيين حال قوة دولتهم، بل كانوا هم أنفسُهم حريصين على تعلُّم العلم، وتربية أبنائهم وشعبهم على العلم؛ وذلك من خلال إنشاء المعاهد المتخصصة في العلوم المختلفة، وقد ذكرنا منها سلفًا المعاهد المتخصصة في الجوانب العسكرية، فقد كان إلى جوارها معاهد أخرى متخصصة في العلوم الشرعية والحياتية، مما أضفى على الدولة في تلك الآونة المكانة العلمية الكبيرة.
    وكلَّما ازداد الاهتمام بالعلم وتوقير العلماء حققت الدولة مزيدًا من التقدُّم والرقي في كافة مجالات الحياة، فهذا محمد الفاتح كان للعلماء عنده مكانة خاصة، فرفع قدرهم، وشجعهم على العمل والإنتاج، وبذل لهم الأموال، ووسَّع لهم في العطايا والمنح والهدايا؛ ليتفرغوا للعلم والتعلُّم، وكان يكرمهم غاية الإكرام، ولو كانوا من خصومه، فبعد أن ضمَّ إمارة القرمان إلى الدولة، أمر بنقل العمال والصُنَّاع إلى القسطنطينية غير أن وزيره روم محمد باشا ظلم الناس، ومن بينهم بعض العلماء وأهل الفضل، ومن بينهم العالم أحمد جلبي ابن السلطان أمير علي، فلما علم السلطان محمد الفاتح بأمره اعتذر إليه، وأعاده إلى وطنه مع رفقائه معزَّزًا مكرمًا.
    وكان كذلك لا يسمع عن عالم في مكانه أصابه عوز وإملاق إلا بادر إلى مساعدته، وبَذَلَ له ما يستعين به على أمور دنياه..وكان من عادته في شهر رمضان أن يأتي إلى قصره بعد صلاة الظهر بجماعة من العلماء المتبحرين في تفسير القرآن الكريم، يقوم في كل مرة واحد منهم بتفسير آيات من القرآن الكريم، ثم تبدأ النقاشات حولها، وكان يشارك في هذه النقاشات بنفسه، كما كان يشجعهم بالعطايا والهدايا والمكافآت المالية الجزيلة.
    رابعًا: العدل بين الرعية
    من أهم مقوِّمات قيام الدولة العثمانية وقوتها واستمرارها لمدة طويلة، توفُّرُ العدل فيها، وحِرْصُ حكامها على إرساء مبادئه بين الشعوب التي حكموها، يظهر ذلك جليًّا واضحًا من المواقف العملية التي اتخذها هؤلاء الحكام في عهد قوة الدولة، كما يظهر كذلك واضحًا من خلال وصية الولاة والسلاطين لأبنائهم بالعدل بين الرعية.
    ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وقد قال النبي: "لَيْسَ ذَنْبٌ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنَ البَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ".
    وتروي معظم المراجع التركية التي أرَّخت للعثمانيين أن أرطغرل عَهِدَ لابنه عثمان مؤسس الدولة العثمانية بولاية القضاء في مدينة (قره جه حصار) بعد الاستيلاء عليها من البيزنطيين في عام (684 هـ/ 1285م)، وأن عثمان حَكَمَ لبيزنطي نصراني ضد مسلم تركي، فاستغرب البيزنطي وسأل عثمان: كيف تحكم لصالحي وأنا على غير دينك؟! فأجابه عثمان: بل كيف لا أحكم لصالحك، والله الذي نعبده يقول لنا: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا". وكان هذا العدل الكريم سببًا في اهتداء الرجل وقومه إلى الإسلام.
    ثم هو أيضًا يقول لابنه أورخان في وصية طويلة: "اعدل في جميع شئونك". وكذلك من جاء بعده من الولاة والسلاطين كانوا يأمرون بالعدل ويحثُّون عليه، وينهون عن الظلم، ويعاقبون من يرتكبه؛ وهذا مما ساعد على استقرار دولتهم وتعاون شعوبهم معهم في أمور الجهاد، وكذلك في الارتقاء بالدولة الإسلامية وتوسيع رقعتها، وعدم وجود انشقاقات أو خلافات حول الحكام طوال فترة قوة الدولة العثمانية.
    تلك كانت أهم عوامل قوة الدولة العثمانية، وهذه العوامل كفيلة إن وُجدت في أي أمة من الأمم أن ترتقي وتسمو على ما حولها من الأمم، إنها قوة الإيمان، والحرص على الجهاد، والاهتمام بالعلم والعلماء، والعدل بين الرعية، ويندرج تحت هذه العوامل كل ما فيه خير للأمة في دينها ودنياها.
    يتبع


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,359

    افتراضي رد: دروس وعبر في قيام وسقوط الدولة العثمانية ( تقرير )

    دروس وعبر في قيام وسقوط الدولة العثمانية ( تقرير )
    احمد الشجاع

    نشرالإسلام
    ثم كان التوسع السريع في البلقان والأناضول معاً، وذلك في معركة نيكوبوليس (791هـ/ 1389م)، إلا أنهم مُنُوا بهزيمة أمام قوات تيمور لنك في أنقرة سنة (804هـ/ 1402م) إذ كانت هناك عوامل وأسباب أسهمت في إيجاد صراع بين تيمورلنك وبايزيد، منها أن أمراء العراق لجئوا إلى بايزيد بعد أن استولى تيمورلنك على بلادهم، كما لجأ إلى تيمور بعض أمراء آسيا الوسطى يستنصرون به على بايزيد، وكذلك شجع النصارى تيمورلنك ودفعوه للقضاء على بايزيد، وكانت هناك رسائل نارية بين الطرفين (بايزيد - تيمورلنك)، وقد كان كلا الزعيمين يسعى لتوسيع دولته، وتقدمت جيوش تيمورلنك، والتقت بجيوش بايزيد قرب أنقرة في عام (804هـ/ 1402م)، وكانت جيوش بايزيد تبلغ 120 ألفًا من المجاهدين، وكان مع تيمورلنك قوات جرارة لا تقل عن 800 ألف، ونظراً لاندفاع بايزيد وعجلته، وعدم اختياره لمكان جيد ينزل فيه بجيشه، مات الكثير من جنوده عطشاً، بينما فرَّ كثيرون أيضاً – خاصة من الجنود التتار والإمارات الآسيوية المفتوحة حديثًا - وانضموا إلى جيش تيمورلنك، وكانت الهزيمة الساحقة، وتمَّ أسر بايزيد وظل يرسف في أغلاله حتى وافاه الأجل في السنة التالية. وتلت هذه الهزيمة فترة اضطرابات وقلاقل سياسية.
    الضعف المؤقت
    مرَّت الدولة العثمانية في تلك الآونة بفترة ضعف شديدة، حتى استطاع أحد أبناء بايزيد الأول وهو السلطان محمد الأول أو محمد جلبي (781- 824هـ/ 1379- 1421م) النهوض بالدولة من جديد، ليظل عهد القوة مستمرًّا بعد ذلك ما يزيد على مائة عام.
    وبعد أن استعادت الدولة توازنها، تواصلت سياسة التوسع في عهد مراد الثاني ثم محمد الفاتح، وبهذا التوسع أصبح العثمانيون القوة الرائدة في العالم الإسلامي، وحاولوا فتح جنوب إيطاليا سنوات (885، 886هـ/ 1480، 1481م)، وقد تمكن السلطان سليم الأول من فتح العراق سنة (920هـ/ 1514م)، وكل بلاد الشام وفلسطين (922هـ/ 1516م)، ومصر (923هـ/ 1517م)، ثم جزيرة العرب وأخيرًا الحجاز، وقد انتصر على الصفويين في معركة "جالديران" واستولى على أذربيجان، ثم بلغت الدولة أوجها في عهد ابنه سليمان القانوني، والذي واصل فتوح البلقان ثم حصار فيينا، وفتح اليمن عام (938هـ/ 1532م)، واستولى بعدها على الساحل الصومالي من البحر الأحمر، واستطاع بناء أسطول بحري ليبسط سيطرته على البحر المتوسط بمساعدة "خير الدين بربروسا"، ثم تمَّ بعد ذلك إخضاع دول المغرب الثلاث: الجزائر، وتونس، ثم ليبيا، فأصبحت الدولة العثمانية تمتدُّ على معظم ما يشكل اليوم العالم العربي باستثناء وسط الجزيرة ومراكش وعُمان، إضافةً إلى امتدادها في وسط آسيا وجنوب شرق أوروبا.
    لقد قضى السلطان سليمان القانوني مدة ثماني وأربعين سنةً في الجهاد بعد أن نظَّم السلطنة، وقسَّم جيش الإنكشارية إلى ثلاث فرق حسب سني الخدمة، تاركًا جيشًا نظاميًّا عدده خمسون ألف جندي نظامي، وقوى مساندة تزيد على 250 ألف جندي، ومَدَافع برية تُقدَّر بـ 300 مدفع، وسفنًا حربية تُقدَّر بـ 300 سفينة مزودة بـ 800 مدفع بحري.
    لقد كان عهد السلطان سليمان القانوني يمثل رأس الهرم بالنسبة لقوة الدولة العثمانية ومكانتها بين دول العالم آنذاك، وهو العصر الذهبي للدولة العثمانية؛ إذ شهدت سنوات حكمه توسعًا عظيمًا لم يسبق له مثيل، وأصبحت أقاليم الدولة العثمانية منتشرة في ثلاث قارات عالمية.
    وكان هذا التوسع الضخم للدولة مؤهلاً لها أن تنتقل من مرحلة الدولة إلى مرحلة الخلافة، ومسألة انتقال الخلافة إلى العثمانيين لها ارتباط وثيق بفتحهم لمصر، ويقال: إن آخر خلفاء بني العباس في مصر قد تنازل للسلطان سليم عن الخلافة، على أن ذلك لم يثبت تاريخيًّا، ولم يُشِرْ إليه المؤرِّخ ابن إياس والذي عاصر ضمَّ مصر لدولة العثمانيين، كما لم ترد أية إشارة في رسائل السلطان سليم لابنه سليمان بهذا الشأن، وقد كان السلطان سليم يطلق على نفسه لقب "خليفة الله في طول الأرض وعرضها" منذ عام (920هـ/ 1514م) أي قُبَيل فتحه للشام ومصر وإعلان الحجاز خضوعه لآل عثمان، وقد أحرز السلطان سليم وأجداده نظرًا لجهادهم وفتوحاتهم مكانة عظيمة لدى المسلمين جميعًا، يستحقون بها لقب الخلافة، بينما كان الخليفة العباسي في مصر لا يُعْتَد به.
    مرحلة السقوط
    إن أسباب سقوط الدولة العثمانية كثيرة جامعها هو الابتعاد عن تحكيم شرع الله تعالى الذي جلب للأفراد والأمة تعاسة وضنكاً في الدنيا، وإن آثار الابتعاد عن شرع الله لتبدوا على الحياة في وجهتها الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية..وإن الفتن تظل تتوالى وتترى على الناس حتى تمس جميع شؤون حياتهم..قال تعالى : {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (سورة النور: الآية 63).
    لقد كان في ابتعاد أواخر سلاطين الدولة العثمانية عن شرع الله تعالى آثاره على الأمة الإسلامية؛ فتجد الإنسان المنغمس في حياة المادة والجاهلية مصاب بالقلق والحيرة والخوف والجبن يحسب كل صيحة عليه، يخشى من النصارى ولا يستطيع أن يقف أمامهم وقفة عز وشموخ واستعلاء، وإذا تشجع في معركة من المعارك ضعف قلبه أمام الأعداء من أثر المعاصي في قلبه، وأصبح في ضنك من العيش: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً} (سورة طه: آية 124).
    وينقل الصلابي "اتفاق" المؤرخين على أن عظمة الدولة العثمانية قد انتهت بوفاة السلطان العثماني سليمان القانوني عام (974هـ/ 1566م). وقد ظهر ضعف الدولة العثمانية في كل مرافقها، حتى سُمِّيت رجل أوروبا المريض.
    وكان من أهم العوامل التي أدت إلى هذا الضعف:
    ضعف نظام الحكم العثماني، نتيجة لوجود سلاطين ضعفاء انغمسوا في اللهو وتركوا أمر الحكم لغيرهم، فتسلَّط الأمراء والقواد والحريم..كذلك ضعف الإدارة في الأقاليم التابعة للدولة العثمانية، فكان منصب الوالي يُمنح لمن يدفع مالاً أكثر. وجعل هذا الوالي يجمع الأموال من الناس بشتى الأساليب ليفي بالمطلوب منه، فتعطلت كافة المشروعات الإصلاحية في الولايات لقلة المال.
    وكانت مقدمات ضعف الدولة قد اتضحت في عهد السلطان سليمان، إذ وقع السلطان تحت تأثير زوجته روكسلانا التي تدخلت للتآمر ضد الأمير مصطفى ليتولى ابنها سليم الثاني الخلافة بعد أبيه وكان مصطفى قائداً عظيماً ومحبوباً من الضباط؛ مما أدى إلى سخط الانكشارية ونشوب ثورة كبرى ضد السلطان وأخمدها السلطان سليمان، وبذلك تم القضاء على مصطفى وابنه الرضيع وكذلك قتل السلطان ابنه بايزيد وأبناءه الأربعة بدسيسة من أحد الوزراء.
    ومن مظاهر الضعف في عهد سليمان بدء انسحاب السلطان من جلسات الديوان، وبروز سطوة الحريم والعجز عن مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى نشوب القلاقل الشعبية في الروميلي والأناضول.
    عهد السلطان سليم الثاني
    تولى الحكم في 9 ربيع الأول سنة 974هـ، ولم يكن مؤهلاً لحفظ فتوحات والده السلطان سليمان ولولا وجود الوزير الفذ والمجاهد الكبير والسياسي القدير محمد باشا الصقللي لانهارت الدولة، إذ قام بإعادة هيبتها وزرع الرهبة في قلوب أعدائها وعقد صلحاً مع النمسا وأتم توقيع معاهدة في عام 975هـ الموافق 1967م احتفظت بموجبها النمسا بأملاكها في بلاد المجر ودفعت الجزية السنوية المقررة سابقاً للدولة، كما اعترف أمراء تراسلفانيا والأفلاق والبغدان.
    اتفاقيات سيئة
    تجددت الهدنة مع ملك بولونيا وشارل التاسع ملك فرنسا في عام 980هـ الموافق 1569م كما زادت الامتيازات القنصلية الفرنسية وجرى تعيين هنري دي فالوا - وهو أخو ملك فرنسا - ملكاً على بولونيا باتفاق مع فرنسا التي أصبحت بذلك ملكة التجارة في البحر المتوسط.
    وطبقاً للمعاهدات السابقة فقد قامت تلك الدولة - أي فرنسا - بإرسال البعثات الدينية النصرانية إلى كافة أرجاء البلاد العثمانية التي يسكنها نصارى وخاصة بلاد الشام وقامت بزرع محبة فرنسا في نفوس نصارى الشام؛ مما كان له أثر يذكر في ضعف الدولة، إذ امتد النفوذ الفرنسي بين النصارى وبالتالي ازداد العصيان وتشجعوا على الثورات فكان من أهم نتائج ذلك التدخل الاحتفاظ بجنسية ولغة الأقليات النصرانية حتى إذا ضعفت الدولة العثمانية ثارت تلك الشعوب مطالبة بالاستقلال بدعم وتأييد من دول أوروبا النصرانية.
    عهد السلطان مراد الثالث (982 - 1003هـ/ 1574-1594م)
    تولى العرش بعد وفاة والده، اهتم بفنون العلم والأدب والشعر وكان يتقن اللغات الثلاثة التركية، والعربية والفارسية وكان يميل إلى علم التصوف اشتهر بالتقوى واهتم بالعلماء.
    منعه للخمور.. ولكن
    وكان من أول أعماله أن أصدر أمراً بمنع شرب الخمور بعد ما شاعت بين الناس وأفرط فيها الجنود وخصوصاً الانكشارية، فثار الانكشاريون واضطروه لرفع أمره بالمنع, وهذا يدل على ظهور علامات ضعف الدولة بحيث السلطان لا يستطيع منع الخمور وإقامة أحكام الشرع عليهم, وكذلك يدل على انحراف الانكشارية عن خطها الإسلامي الأصيل من التربية الرفيعة، وحبها للجهاد وشوقها للشهادة.
    جذور الحملة الفرنسية
    لاشك أن هؤلاء المستعمرين كانوا عالمين بطبيعة وأحوال المسلمين في مصر من خلال وسائلهم المتعددة، منها ما قام به الرحالة الفرنسي (الجواسيس) الذي أكثروا من رحلاتهم خلال القرنيين السابع عشر والثامن عشر، وكانوا على صلة بالعناصر القبطية المسيحية واليهودية وبعض عناصر المماليك في مصر، ودرسوا كافة الجوانب السياسية، والاقتصادية والفكرية والعسكرية بأدق التفاصيل.
    ومما يدل على ذلك حرصهم الشديد في ترويج أفكارهم فترة بقاء الحملة، وحتى بعد رحيلها وزرعهم للمحافل الماسونية اليهودية في مصر التي أصبحت على صلة وثيقة بمحمد علي باشا فيما بعد، لقد كانت خطوات الحملة الفرنسية مدروسة بعناية شديدة قبل القدوم ولم تكن مفاجئة وحتى اكتشاف حجر الرشيد الأثري وفك رموز اللغة الهيروغليفية للمصريين القدماء فإنه إذا كان مفاجئة -وهو أمر مازال يحتاج إلى بحث- فإن العناية لهذا الحدث والترويج له وما تبعه من فك رموز لغة الفراعنة واستخدامه كان أمراً مدروساً بعناية كذلك، وكان يدور في إطار الأهداف الكلية لهذه الحملة المعلن منها وغير المعلن.
    ويشير المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي الذي عاصر هذه الحملة إلى هذه الأمور في معرض حديثه عن المعهد العلمي الذي أنشأه الفرنسيون في حارة (الناصرية) فيقول: "وإذا حضر إليهم بعض المسلمين ممن يريدوا الفرجة لا يمنعونه الدخول إلى أعز أماكنهم ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور بمجيئه إليهم خصوصاً إذا رأوا فيه قابلية أو معرفة أو تطلعاً للنظر في المعارف والأقاليم والحيوانات والطيور والنباتات وتواريخ القدماء وسير الأمم وقصص الأنبياء وبتصاويرهم وآياتهم ومعجزاتهم وحوادث أممهم مما يحير الأفكار".
    الجامعة الإسلامية وعوائق الوحدة

    لم تظهر فكرة الجامعة الإسلامية، في معترك السياسة الدولية إلا في عهد السلطان عبد الحميد، وبالضبط بعد ارتقاء السلطان عبد الحميد عرش الدولة العثمانية عام 1876م.
    فبعد أن ألتقط السلطان عبد الحميد أنفاسه وجرد المتأثرين بالفكر الأوروبي من سلطاتهم، وتولى هو قيادة البلاد، قيادة حازمة اهتم السلطان عبد الحميد بفكرة الجامعة الإسلامية وقد تكلم في مذكراته عن ضرورة العمل على تدعيم أواصر الأخوة الإسلامية بين كل مسلمي العالم في الصين والهند وأواسط أفريقيا وغيرها.
    وتحدث عن علاقة الدولة العثمانية بإنجلترا التي تضع العراقيل أمام الوحدة العثمانية يقول عبد الحميد الثاني: (الإسلام والمسيحية نظرتان مختلفتان ولا يمكن الجمع بينهما في حضارة واحدة) لذلك يرى أن (الإنجليز قد أفسدوا عقول المصريين، لأن البعض أصبح يقدم القومية على الدين. ويظن أنه يمكن مزج حضارة مصر بالحضارة الأوروبية، وإنجلترا تهدف من نشر الفكر القومي في البلاد الإسلامية إلى هز عرشي.. وأن الفكر القومي قد تقدم تقدماً ملموساً في مصر. والمثقفون المصريون أصبحوا من حيث لا يشعرون ألعوبة في يد الانجليز إنهم بذلك يهزون اقتدار الدولة الإسلامية ويهزون معها اعتبار الخلافة)(2).
    جمعيةالاتحاد والترقي
    كان الشباب العثماني المثقف في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد تأثر بأفكار الثورة الفرنسية، التي حققت حكماً ديمقراطياً في فرنسا وأتت بأفكار القومية والعلمانية والتحرر من حكم الفرد، وكذلك تأثر بالحركة القومية الايطالية التي قادها (ماتزيني) بنظمها وخلاياها، وكانت الدولة العثمانية قد تعرضت لحملات عسكرية وإعلامية؛ غرضها إضعاف الدولة ومن ثم العمل على تفتيتها وكانت الدول الأوروبية تتخذ من أوضاع النصارى في الدولة حجة للتدخل، وفي هذه الظروف وبالضبط في عام 1865م، كان ستة من الشباب العثمانيين المثقفين يُسرُّون عن أنفسهم في حديقة في ضواحي استانبول تسمى (غابة بلغراد).
    تحدث هؤلاء الشباب في موضوعات سياسية، وخرجوا بفكرة تكوين جمعية سرية، على نمط جمعية (إيطاليا الفتاة) التي أسسها الزعيم الايطالي (ماتزين) عام 1831م، بهدف الوحدة الايطالية تحت راية الجمهورية.
    أطلق هؤلاء الشباب على جمعيتهم هذه اسم (اتفاق الحميّة) ومن ضمن هؤلاء الشبان الشاعر الذي أصبح فيما بعد واسع الشهرة: نامق كمال. ورأوا أن العمل لابد أن يكون في شكل تعريف الشعب بحقوقه السياسية، وحصوله عليها، وبالتالي فإن رغبة الشعوب النصرانية في الاستقلال بمناطقها عن الدولة، لن تجد لها ما يبررها من تدخل أجنبي بحجة مساندة الأقليات الدينية، وكانوا يرون أن إنقاذ الدولة من حالة التردي التي وصلت إليها يكون، بإيجاد نظام سياسي ديمقراطي. وكان في فرنسا في تلك الفترة مصطفى باشا الأمير المصري الذي نازع فؤاد باشا رغبة في تولي عرش مصر وفي فرنسا أعلن الأمير أنه ضمن التيار المنادي بالدستور في الدولة العثمانية، وقدم نفسه بعبارة ممثل حزب (تركيا الفتاة) وأعجب هذا الاسم المجتمعات الأوروبية المعنية فشاع اسم "حزب تركيا الفتاة" في أوروبا.
    وكان السلطان عبد الحميد الثاني شديد الحذر من جمعية الاتحاد والترقي المدعومة باليهود والمحافل الماسونية، والدول الغربية واستطاع جهاز مخابرات السلطان عبد الحميد أن يتعرف على هذه الحركة ويجمع المعلومات عنها؛ إلا أن هذه الحركة كانت قوية، وقد جاءت مراقبة عبد الحميد لأعضاء هذه الحركة في وقت متأخر، حيث دفعوا الأهالي إلى مظاهرات صاخبة في سلانيك ومناستر واسكوب وسوسن مطالبين بإعادة الدستور، بالإضافة إلى أن المتظاهرين هددوا بالزحف على القسطنطينية. الأمر الذي أدى بالسلطان إلى الرضوخ لمطالب المتظاهرين حيث قام بإعلان الدستور وإحياء البرلمان وذلك في 24 تموز 1908م، وكانت هناك عدة أسباب جعلت من جمعية الاتحاد والترقي أن تبقي السلطان عبد الحميد الثاني في تلك الفترة على العرش منها:
    1- لم تكن في حوزة الاتحاد والترقي القوة الكافية بعزله في عام 1908م.
    2- اتباع عبد الحميد الثاني سياسة المرونة معهم، وذلك بتنفيذ رغباتهم بإعادة الدستور.
    3- ولاء العثمانيين لشخص السلطان عبد الحميد. وهذه النقطة واضحة، حيث أن لجنة الاتحاد والترقي لم تكن لها الجرأة الكافية على نشر دعايتها ضد السلطان عبد الحميد الثاني بين الجنود؛ لأن هؤلاء كانوا يبجلون السلطان.
    إن الصهيونية العالمية لم تقتصر على الانقلاب الدستوري لعام 1908م، بل تعاونت مع جمعية الاتحاد والترقي لتحقيق مكاسب أخرى في فلسطين، وعليه كان لابد من التخلص من السلطان عبد الحميد الثاني نهائياً؛ ولذلك دبرت أحداث في 31 أبريل 1909م في استانبول وترتب على أثرها اضطراب كبير قتل فيه بعض عسكر جمعية الاتحاد والترقي؛ عرف الحادث في التاريخ باسم حادث "31 مارت".
    وتولى السلطنة والخلافة بعد السلطان عبد الحميد الثاني أخوه محمد رشاد إلا أنه في الحقيقة لا يملك أي سلطة فعلية وإنما السلطة أصبحت بيد جمعية الاتحاد والترقي وغدت الحكومة العثمانية تركية في مضمونها، قومية في عصبيتها، بينما كانت من قبل عثمانية في مضمونها وإسلامية في رابطتها.
    فقد تأثرت هذه الجمعية بقوة الأفكار القومية الطورانية التي تدعو إلى تحرير كافة الأتراك. مدعين أن الشعوب الإسلامية في الأناضول وآسيا الوسطى تشكل أمة واحدة، وهي الأفكار التي تطورت أخيراً بمجهودات بعض كتاب الجمعية وعلى رأسها موئيز كوهين اليهودي، والكاتب التركي الشهير ضيا كوك آلب؛ فاتبعت سياسة التتريك وذلك بجعل اللغة التركية هي اللغة الرسمية الوحيدة أن كانت تقف اللغة العربية إلى جانبها. فتأججت حركة الدعوة إلى القومية العربية، في مواجهة حركة التتريك.
    كوّن العرب حزب اللامركزية وتعني أن تأخذ الولايات غير التركية استقلالاً ذاتياً وتبقي خاضعة خارجياً لاستانبول. كما كونوا جمعيات سرية مثل الجمعية القحطانية برئاسة عبدالكريم الخليل والضابط عزيز علي المصري، والجمعية العربية الفتاة التي تشكلت في باريس عام 1329هـ على منهج جمعية تركيا الفتاة ومن قبل طلاب يدرسون هناك تشبعوا بالأفكار الغربية وخاصة مبادئ العصبية القومية واستعمل بعضهم المصطلحات الماسونية وكان قصدهم: استقلال العرب التام، وقد نقلوا مقرهم من باريس إلى بيروت ثم إلى دمشق حيث ازداد عدد الأعضاء وخاصة من النصارى العرب.
    النفوذ الزائد للإنكشارية وتسلطهم على السلاطين
    من النتائج الطبيعية لضعف الولاة ظهور بؤر قوة تحاول استغلال نفوذها، وبسط سيطرتها، وكان من مراكز القوة في الدولة العثمانية فرقة الإنكشارية العسكرية، والتي هي أحد أهم أقسام الجيش العثماني، وقد سبق الإشارة إليها بإيجاز، حيث كانت أحد الدعائم التي تمَّ الاعتماد عليها في الجهاد والتوسع في مرحلة قوة الدولة العثمانية، وكانت لهم صلاحيات واسعة، وفي حين كانت كل فرقة من الجيش تابعةً للوالي الذي يحكم الإمارة الموجودين فيها، وتأخذ أوامرها منه، كان اتصال قيادات الإنكشارية بالصدر الأعظم بشكل مباشر.
    ولما كانت الإنكشارية هم عماد الجيش، فقد أحرزوا انتصارات عظيمة، وأُعطيت لهم امتيازات، وقدِّمت لهم إقطاعات، فمالوا إلى حياة الدعة والراحة، وبدأت علامات الضعف تظهر على الجيش، وأصبح الإنكشاريون لا يخرجون للقتال إلا إذا خرج السلطان معهم، وهذه بداية التذمر، وأصبحوا يتدخلون في اختيار السلطان وفي شؤون الحكم؛ وقد أدَّى ذلك إلى تحوُّل الإنكشارية إلى عنصر شغب وفوضى، بعد أن توقفت الفتوحات، واقتصر دورهم على أعمال التمرد والعصيان، والاعتداء على الأموال والأرواح، وزاد الأمر سوءًا أن الجيش الإنكشاري أصبح يتدخل في السياسة وشؤون الحكم.
    عدم الاهتمام بالعلم وضعف العلماء
    سبق أن ذكرنا أن من مقومات قيام الدولة العثمانية ونهضتها وقوتها قيامها بواجبها نحو العلم والعلماء واحترامهم وتقديرهم، بل كان كل سلطان يختار لأبنائه من يعلمهم ويربيهم على الربانية، وكانوا يهتمون ببناء المعاهد العلمية التي تخرِّج العلماء والقادة والمتخصصين في كافة مجالات الحياة؛ لذا فعندما زهد الحكام في العلم، ولم يعرفوه له مكانته، ولا لحامليه قدرهم، وضعف الاهتمام بمعاهد العلم، وأصبح الشغل الشاغل هو السلطة والشهوات والملذات، قاد ذلك كله إلى ضعف الدولة وتفكك أواصرها، والإذن بسقوطها.
    لقد أخلد العلماء في آخر الدولة العثمانية إلى الأرض، واتبعوا أهواءهم، وضعفوا عن القيام بواجباتهم، فكانوا بذلك قدوة سيئة للجماهير التي ترمقهم وترقبهم عن قرب، ولقد غرق الكثير منهم في متاع الدنيا وأترفوا فيها، وكُمِّمت أفواهُهم بدون سيف أو سوط، ولكن بإغداق العطايا عليهم من قبل الباشوات والحكام.
    وتوفرت عدة عوامل أُصيبت بسببها العلوم الدينية خاصة بالجمود والتحجر، من هذه العوامل الاهتمام بحفظ المختصرات فحسب، وذلك دون الرجوع إلى أمهات الكتب؛ مما أضعف ملكة الاستنباط والفهم، وأصبح الفقهاء منهم ينقلون أقوال من سبقهم، ويختصرون مؤلفاتهم في متون موجزة، ويأخذون هذه الأقوال مجردة عن أدلتها من الكتاب والسنة، مكتفين بنسبتها إلى أصحابها.
    ومن العوامل التي ساعدت على التأخر العلمي أيضًا كثرة الحواشي والتقريرات؛ فقد كانت تلك من الأغلال التي كبلت العقول، وأدَّت إلى جمود العلوم عبر قرون عديدة، وكانت توجد بعض الحواشي والشروح المفيدة، ولكنها لا تكاد تُذكر، وكانت مناهج التعليم في تلك الفترة بعيدة كل البعد عن ذلك المنهج الإسلامي الأصيل.
    كما كان من عوامل تدهور العلوم الشرعية في تلك الفترة أيضًا التساهل في منح الإجازات، فكانت تُعطى في العصر المتأخر للدولة العثمانية جزافًا، إذ كان يكفي أن يقرأ الطالب أوائل كتاب أو كتابين مما يدرسه الأستاذ حتى ينال إجازة بجميع مروياته، وكان ذلك التساهل من الأمور التي شغلت المسلمين عن تحصيل العلوم كما ينبغي، وأضحى الهدف الكبير عند كثير من المنتسبين إلى العلم حيازة أكبر عدد من هذه الإجازات الصورية التي لم يكن لها في كثير من الأحيان أي رصيد علمي في الواقع..كما أصبحت المناصب العلمية في أواخر الدولة تؤخذ بالوراثة، مثلها مثل الدور والضياع والأموال.
    الامتيازات الأجنبية
    لقد منحت الاتفاقات الأجنبية الدولَ الأوروبية امتيازاتٍ وحقوقًا للتدخل في شؤون الدولة عن طريق رعايا من النصارى، وأصبحت هذه الاتفاقيات ملزمة للحكام، ونجم عنها خروج الرعايا الأجانب عن طاعة أوامر الدولة مما سبَّبَ ضعفًا للدولة، وأحيانًا قيام حركات تمرد وثورات.
    وفي أواخر أيام الدولة العثمانية صارت دول أوروبا النصرانية تتدخل في شؤونها تحت زعم حماية الامتيازات، وللدفاع عن نصارى الدولة الذين كانوا يُعَدُّون رعايا للدولة الأجنبية، وخاصة في بلاد الشام..وعندما تحصَّلت هولندا على الامتيازات، استغلت ذلك في نشر الدخان داخل ديار المسلمين، وبدأ تعاطيه من قبل الجنود، فأصدر المفتي فتوى بمنعه، فهاج الجند، وأيدهم الموظفون، فاضطر العلماء إلى السكوت عنه.
    تداعيالدول الأوروبية على الخلافة العثمانية
    كان الضعف الذي أصاب الدولة العثمانية هو أحد أهم الأسباب التي أغرت الدول الأوروبية بالتآمر ثم الانقضاض بعد ذلك على دولة الخلافة، وقد كانت هناك محاولات من هذا التآمر في عصر قوة الدولة، عندما أحس الأوروبيون بأن الدولة ضعيفة – مع أنها كانت في أوج القوة والنشاط والحيوية. ففي عهد السلطان مراد الثاني، وبعد أن عقد هدنة مع الأوروبيين، عاد إلى الأناضول فَفُجِعَ بموت ابنه الأمير علاء، فاشتدَّ حزنه، وزهد في الدنيا والملك، واتخذ مكانًا للعبادة والذكر في "مغنيسيا" في آسيا الصغرى، وتنازل عن السلطنة لابنه محمد "الفاتح"، وكان إذ ذاك في الرابعة عشرة من عمره، وقد دفع هذا الأمر الأوروبيين – رغم الهدنة والعهود والمواثيق – إلى نقض عهودهم مع العثمانيين، واقتنع البابا "أوجين الرابع" بهذه الفكرة الشيطانية (فكرة نقض العهد ومحاربة العثمانيين)، وتم حشد الجيوش لمحاربة المسلمين، وعندها بعث رجال الدولة على الفور إلى الأسد القابع في عرينه: السلطان مراد الثاني لمواجهة هذا الخطر، وكانت معركة حامية الوطيس بين الجيش العثماني المسلم والجيش الأوروبي النصراني في سهول "قوصوه" (852هـ/ 1448م) استمرت ثلاثة أيام، وكتب الله فيها النصر للمسلمين وقد أخرجت هذه المعركة بلاد المجر لعشر سنوات على الأقل من عداد الدول التي تستطيع النهوض بعمليات حربية هجومية ضد العثمانيين.
    ولما تداعت أركان القوة في الدولة، وبدأت بالميل إلى السَّلم في غير محله، والتقوقع على نفسها، وحدَّت من سياسة الجهاد والتوسُّع، وأكثرت من المعاهدات، ومَنَحَت الامتيازات، كان ذلك سببًا في طمع الدول الأوروبية التي آلمتها المعارك من ذي قبل مع أجداد هؤلاء المسلمين، وكانت أولى التحالفات في مستهل عصر الضعف تحالف إسبانيا والبندقية والبابوية، وضرب الأسطول البحري العثماني في معركة "ليبانتو" (جمادى الأولى 979هـ/ أكتوبر 1571م).
    أيضًا من دواعي تداعي الدول الأوروبية على الدولة العثمانية كثرة الثورات، وبروز حركات الانفصال، وظهور أمراء الأطراف، فقد ساعدت سياسة الدولة المذهبية والعصبية على نمو العصبيات الحاكمة الأمر الذي حفظ للقوميات طابعها القومي؛ ذلك لأن العثمانيين لم يتبعوا سياسة هضم القوميات، بل وضعوا كل مِلة أو عصبية تحت حكم زعيم لها هو المسؤول عنها أمام السلطات، ولهذا ظلت الأسس القومية سليمة، وعندما تطلعت هذه القوميات إلى الانفصال عن جسم الدولة وجدت في قوميتها متانة كافية للصمود أمام القوات العثمانية، وكان هذا التفكك مشجعاً للدول الأوروبية على الانقضاض على الدولة العثمانية.
    وإجمالاً فإن عوامل الضعف التي سبق ذكرها تفصيلاً هي في الواقع الأسباب التي دعت الدول الأوروبية إلى الإجهاز على الدولة العثمانية.
    مصطفىكمال أتاتورك

    ولد مصطفى كمال سنة (1299هـ/ 1880م) بمدينة "سالونيك" التي كانت خاضعة للدولة العثمانية، أما أبوه فهو "علي رضا أفندي" الذي كان يعمل حارساً في الجمرك، وقد كثرت الشكوك حول نسب مصطفى، وقيل: إنه ابن غير شرعي لأب صربي.
    أما لقب "كمال" الذي لحق باسمه فقد أطلقه عليه أستاذه للرياضيات في المدرسة الثانية، ويذكر الكاتب الإنجليزي "هـ.س. أرمسترونج" في كتابه "الذئب الأغبر" أن أجداد مصطفى كمال من اليهود الذين نزحوا من إسبانيا إلى سالونيك، وكان يطلق عليهم يهود الدونمة، الذين ادعوا الدخول في الإسلام.
    وبعد تخرجه في الكلية العسكرية في استانبول عُين ضابطًا في الجيش الثالث في "سالونيك" وبدأت أفكاره تأخذ منحنى معادياً للخلافة وللإسلام، وما لبث أن انضم إلى جمعية "الاتحاد والترقي"، واشتهر بعد نشوب الحرب العالمية الأولى حين عين قائداً للفرقة 19، وهُزم أمامه البريطانيون مرتين في شبه جزيرة "غاليبولي" بالبلقان بالاتفاق بينهم، رغم قدرتهم على هزيمته، وبهذا النصر المزيف رُقّي إلى رتبة عقيد ثم عميد.
    وفي سنة (1337هـ/ 1918م) تولَّى قيادة أحد الجيوش في فلسطين، فقام بإنهاء القتال مع الإنجليز – أعداء الدولة العثمانية – وسمح لهم بالتقدم شمالاً دون مقاومة، وأصدر أوامره بالكفِّ عن الاصطدام مع الإنجليز.
    وبعدما صنع الإنجليز منه بطلاً مزيفًا أمام الشعوب الإسلامية، قام ذلك الخائن بخلع الخليفة العثماني المسلم، وإلغاء الخلافة الإسلامية لأول مرة منذ إقامة الدولة الإسلامية في عهد رسول الله، وقام بما ذكرناه من جهود حثيثة لاستئصال الإسلام من تركيا، ومن نفوس المسلمين، وغرس نبت العلمانية الفاسد في أراضي الإسلام.
    وقد لخص محمود شاكر – رحمه الله- أوضاع عصر الانحطاط والتراجع في عدة نقاط، منها:
    1- التحالف النصراني ضد الدولة العثمانية.
    2- ظهور عدد من الخلفاء الأقوياء ولكن لم تفد قوتهم كثيراً بسبب ضعف دولتهم.
    3- بقي أثر من سيطرة العقلية العسكرية، وهو أن قائد الجيش إذا فشل في المعركة أو لم يحرز النصر ثار عليه من ثار وطالبوا بقتله، وغالباً ما يكون مصيره القتل؛ بحجة أن يكون عبرة لمن بعده.. وفي هذا تعسف وظلم؛ فإن على القائد أن يسعى ويبذل الجهد ويثبت في الميدان، والنصر بيد الله يؤتيه من يشاء.
    4- ظهرت الهزيمة النفسية بوضوح، وأصبح تقليد أوروبا والسير على منهجها أمراً محموداً يُسعى إليه.. كما ظهر الفكرة القومية التي مزقت الدولة ثم قضت عليها نهائياً.
    5- زاد الأثر اليهودي سواء أكان يهود الدونمة الذين اختفوا وسط المجتمع الإسلامي بأسماء إسلامية أم اليهود الذين على دينهم.
    وقد بذلوا جهدهم وأموالهم، واستخدموا النصارى للوصول إلى أهدافهم وتحقيق غاياتهم. وقد أزاحوا من وقف أمامهم وفي مقدمتهم الخليفة عبد الحميد الثاني، وفي النهاية قضوا على الخلافة.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــ
    المصادر
    - (الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط)- الدكتور علي الصلابي.
    - (التاريخ الإسلامي)- المجلد الثامن- محمود شاكر.
    - (الموسوعة العربية).
    - موقع (قصة الإسلام).
    - موقع (إسلام أون لاين).


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •