فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين عن البركة (1)


فهد بن عبد العزيز الشويرخ



معنى البركة:

قال الشيخ رحمه الله: البركة: هي الخير الكثير الثابت؛ لأن أصلها من البِركة، والبِركةُ واسعة، وفيها ماء قار ثابت؛ فلذلك صار معناها: الخير الكثير الثابت.
من أسباب البركة:
قال الشيخ رحمه الله: للبركة أسباب كثيرة؛ منها: المنحة من الله عز وجل، أن يبارك للإنسان في علمه وعمره وجميع أحواله، ومنها في المعاملات: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار، فإن صدقا وبينا بُورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» ، ومنها: امتثال آداب الأكل والشرب؛ مثل: لعق الصحفة، ولعق الأصابع، والاجتماع على الطعام، وألَّا يأكل من أعلاه.
ومنها: ألَّا يكيل الإنسان طعام البيت، فمثلًا إذا أتى بكيس رز إلى بيته فلا يكيله؛ لأنه إذا كاله نزعت منه البركة، وإذا تركه أنزل الله فيه البركة، فيأخذ كل يوم ما يحتاجه بدون أن يكيله، هكذا جاءت به السنة.
ومنها: أن الإنسان إذا بورك له في شيء فيلزمه، ولا يبقي كل ساعة له رأي.
فأسباب البركة كثيرة ودعاء الإنسان ربَّه عز وجل بالبركة ليس معناه أن يمسك عن فعل الأسباب فإذا كنت تريد البركة أو أي شيء تريده فعليك بفعل الأسباب.
وقال: الله تعالى قد ينزل البركة للإنسان في وقته, بحيث يفعل في الوقت القصير ما لا يفعل في الوقت الكثير ومن أعظم ما يعينك على هذا أن تستعين بالله عز وجل في جميع أفعالك وإن أعانك الله فلا تسأل عما يحصل لك من العمل والبركة فيه.
بركة الله عز وجل لا حد ولا نهاية لها:
قال الشيخ:رحمه الله ذكر لنا من نثق به من كبرائنا في السِّنِّ أن شخصين تقاسما تمرَ بستان لهما وأن أحدهما خيَّر الآخر قال له: اختر فقال الآخر أختار هذا الجانب الشرقي لأنه رأى أنه أحسن وأكثر فقال الثاني: وأنا أختار الغربي والملك بينهما أنصافًا فقال أحدهما: سأجُذُّه في نهار رمضان لأجل ألَّا يأكل الفقير فواعد الذين يجذُّون في النهار فجذُّوه وأدخل التمر وأمَّا الثاني فقال: لن أجذَّه حتى يفطر الناس فلما أفطروا قال لأهل حيِّه-وكان الناس في ذلك الوقت في فقر شديد- قال لهم: إني سأجذُّ النخل في اليوم الفلاني بعد العيد, فمن شاء منكم أن يحضر فليحضر, فحضر الفقراء وامتلأ البستان وصاروا يأكلون حتى أن الزنابيل امتلأت من النوى، ولكن مع ذلك أنزل الله عز وجل فيه البركة، فجاء شريكه وقال له: إننا قد أخطأنا في القسمة وأنا أدَّعي أنني مغبون وكيف يأكل الناس منك هذا الأكل الكثير, وتُدخل من التمر أكثر مما أدخلت أنا؟! قال الآخر: نحن قسمنا جميعًا، وخيَّرتُك، واخترت نصيبك معتقدًا أنه أكثر ولكن بركة الله لا حدَّ لها, قال: بل غلبتني, ورُفع الأمر إلى القاضي وحضرا فقال يا أيُّها القاضي اقتسمنا التمر نصفين وأدخلت تمري وبلغ من الزنابيل كذا وكذا، وهو تأخَّر حتى أفطر الناس، وجاؤوا يأكلون، وملؤوا الزنابيل نوى وأدخل من التمر أكثر مما أدخلت وهذا يعني أنني مغبون, فكان القاضي ذكيًّا فقال له أقرأ {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ}﴾[القلم: 17]وكأنه يقول له: احمد ربَّكَ أنك حصلت على هذا التمر؛ لأن أصحاب الجنة لم يحصلوا على شيء وأنت قلت أجذُّها في نهار رمضان لئلا يدخلنَّها اليوم عليك مسكين فهذا جزاؤك وهذا أنزل الله عز وجل له البركة وبركة الله لا نهاية لها
بركة أسماء الله تعالى:
قال الشيخ رحمه الله: أسماء الله تعالى كلها خير وبركة، وقال رحمه الله: البركة تكون باسم الله؛ أي: أن اسم الله إذا صاحب شيئًا، صارت فيه البركة؛ ولهذا جاء في الحديث: «كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه باسم الله، فهو أبْتَرُ» أي: ناقص البركة.
بل إن التسمية تفيد حلَّ الشيء الذي يُحرَّم بدونها، فإنه إذا سمَّى الله على الذبيحة، صارت حلالًا، وإذا لم يسمِّ صارت حرامًا وميتةً، وهناك فرق بين الحلال الطيب الطاهر، والميتة النجسة الخبيثة.
وإذا سمى الإنسان على طهارة الحدث، صحَّت، وإذا لم يسم لم تصح على أحد القولين.
وإذا سمى الإنسان على جِمَاعِه، وقال: ((اللهم جنِّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رزقتنا))، ثم قدر بينهما ولد، لم يضرَّه الشيطان أبدًا، وإن لم يفعل، فالولد عرضة لضرر الشيطان.
بركة الإسلام ورسالة النبي عليه الصلاة والسلام:
قال الشيخ رحمه الله: رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، أعظم الرسالات بركةً وأعمها وأشملها، وملايين الملايين من البشر كلهم انتفعوا بها، وبركاتها كثيرة معروفة لمن تتبع التاريخ.
وقال رحمه الله: الله تعالى بارك في دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام بركةً لا نظير لها؛ ولذلك كان أتباعه يمثِّلون ثلثي أهل الجنة، وهو رسول واحد، والرسل عددهم كثير، ولا شك أن هذا من بركة دعوته؛ ولذلك وصلت إلى مشارق الأرض ومغاربها، ومن بركة دعوته ما يحصل لتابعه من الطمأنينة، والاستقرار، والسعادة، والثبات وغير ذلك.
وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: قلتُ: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنتُ أتحنَّث بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقةٍ، وصلة رحم، فهل فيها من أجرٍ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أسلمت على ما سلف من خير))؛ [متفق عليه].
قال رحمه الله: إذا أسلم الكافر فأعماله السيئة يمحوها الإسلام كما قال الله عز وجل: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]، وأما أعماله الصالحة المتعدية من صدقة أو عنق أو صلة رحم، فإنها تُكتب له، ولا تضيع، لقوله: ((أسلمت على ما سلف من خير))، وفي لفظ: ((على ما أسلفت لك من الخير))، وهذا مقتضى قوله تبارك وتعالى: ((إن رحمتي سبقت غضبي))، ولولا هذا لكان الكافر إذا أسلم يُؤاخذ على عمله السَّيئ إلا أنه لا يخلد في النار ولا يُحاسب على عمله الصالح؛ لكن الرحمة سبقت الغضب، وهذه نعمة، والإسلام كله بركة.
بركة حلق القرآن الكريم:
قال الشيخ رحمه الله: ينبغي أن نعتني بالصبيان، وأن ننشئهم نشأة صالحة على عبادة الله، وعلى محبَّة الصلاة والمساجد والخير وغير ذلك، ومن هذا أن نحُثَّهم على الالتحاق بحلق تحفيظ القرآن، إنها حلق مباركة نافعة.
بركة شهر رمضان:

قال الشيخ رحمه الله: في شهر رمضان الكثير من البركات، وبركات هذا الشهر الكريم منها ما هو سابق، ومنها ما هو لاحق، ولنستعرض البركات التي جاءت في هذا الشهر اللاحقة والسابقة: