"النوال في تحرير ما للمفسرين من أقوال" (33)

اكتب في (قوقل) (النوال. وأول الآية) التي تريد معرفة ملخص آراء المفسرين فيها.

قال الرازي رحمه الله في من يفهم آيات القرآن على الآراء الضعيفة: "أقول حقاً: إن الذين يتبعون أمثال ذلك قد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً".

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد.
قال الله تعالى في سورة "البقرة": (كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا)
القول الراجح أن المراد (رزقنا من قبل) أي: في الجنة، فيشبه بعضه بعضاً في الشكل واللون ويختلف في الطعم.

والآن إلى ذكر أقوال المفسرين في الآية.
اختلف في المراد بقوله: (هذا الذي رزقنا من قبل) على قولين:
القول الأول: أن المراد (رزقنا من قبل) أي: في الدنيا (رجح هذا القول ابن جرير*, والزمخشري*, والرازي*) (ومال إلى تضعيفه ابن عطية*) (وضعفه ابن عاشور*)

قال ابن عطية: "قول ابن عباس: (ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء) يرد على هذا القول بعض الرد".

القول الثاني: أن المراد (رزقنا من قبل) أي: في الجنة، فيشبه بعضه بعضاً في الشكل واللون ويختلف في الطعم (ذكره ابن عطية*) (وضعفه ابن جرير*) (وجوزه الزمخشري*) (ورجحه ابن عاشور*)
وهذا القول هو الراجح كما سيأتي.
(وذكر القولين دون ترجيح الماتريدي*, والبغوي*, والقرطبي*, وابن كثير*, وصاحب الظلال*)

واحتج ابن جرير على ضعفه بأن الله أخبر أنهم يقولون ذلك كلما رزقوا منها, وهذا يصدق على أول مرة يرزقون منها, فمحال أن يقولوا في أول مرة: (هذا الذي رزقنا من قبل) ولم يتقدمه قبله في الجنة رزق غيره.
ورجح في قوله: (وأتوا به متشابهاً) أن المراد أتوا به يشبه ما في الدنيا.

وهذه الحجة التي احتج بها ابن جرير رحمه الله فيها ضعف, فإن المراد غير المرة الأولى وهذا أمر معلوم.

فمعلوم أنهم لن يقولوا ذلك إلا وقد تقدمه قبله في الجنة رزق.
فقوله: (كلما) إنما يصدق على الوقت الذي يمكن أن يقولوا ذلك فيه, وهو الوقت الذي تقدمه قبله رزق في الجنة.

ثم هل المراد أنهم يضلون يرددون قولهم: (هذا الذي رزقنا من قبل) أبد الدهور والأزمان ولا يدَعُون هذا القول مدة خلودهم في الجنة الذي لا نهاية له!
أم المراد إبراز هذا المعنى العظيم وهو كمال النعيم والتفكه بألوان الملذات والمفاجآت.

وقال الزمخشري: الضمير في قوله: (وأتوا به) يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً.
وقول الزمخشري هذا غير صواب.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)
وهذا يقتضي أن يكون ما في الجنة لا يشبه ما في الدنيا وإن كانت الأسماء واحدة.

وقوله تعالى: (وأتوا به متشابهاً) جاءت بعد قوله: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) فواضح إذاً أن المراد التشابه بين ثمار الجنة نفسها.
خاصة أنه قال: (أتوا به) فالتشابه بين ما أتوا (به) فحسب, لا بينه وبين غيره.

فالقول الثاني إذاً هو الراجح, لقوله تعالى: (وأتوا به متشابهاً), فإنه ظاهر جداً في أن التشابه بين ما يؤتوا به في الجنة من الثمار.
وللحديث السابق.
ولقول ابن عباس: (ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء)
وهذا يعني أنه لا يمكن أن تشبه ثمار الجنة ثمار الدنيا.

قال ابن عاشور: قوله: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً} ظاهر في أن التشابه بين المأتي به لا بينه وبين ثمار الدنيا.

قال صاحب الظلال: "فربما كان في هذا التشابه الظاهري والتنوع الداخلي مزية المفاجأة في كل مرة .. وهي ترسم جواً من الدعابة الحلوة، والرضى السابغ، والتفكه الجميل، بتقديم المفاجأة بعد المفاجأة، وفي كل مرة ينكشف التشابه الظاهري عن شيء جديد! وهذا التشابه في الشكل والتنوع في المزية، سمة واضحة في صنعة البارئ تعالى، تجعل الوجود أكبر في حقيقته من مظهره"
والله تعالى أعلم.

للاطلاع على مقدمة سلسلة (النوال)
انظر هنا
https://majles.alukah.net/t188624/