"النوال في تحرير ما للمفسرين من أقوال" (32)

اكتب في (قوقل) (النوال. وأول الآية) التي تريد معرفة ملخص آراء المفسرين فيها.

قال الرازي رحمه الله في من يفهم آيات القرآن على الآراء الضعيفة: "أقول حقاً: إن الذين يتبعون أمثال ذلك قد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً".

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد.
قال الله تعالى في سورة "البقرة": (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)
وقال في سورة "التحريم": (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)
القول الأقرب أن المراد بالحجارة جميع الحجارة.

والآن إلى ذكر أقوال المفسرين في الآية.
اختلف المفسرون في المراد بقوله: (والحجارة) على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها حجارة الكبريت، وهي أشد الحجارة حراً والتهاباً. (اقتصر عليه ابن جرير*, وابن عطية*) (وذكره الماتريدي*, والبغوي*, والقرطبي*, وابن عاشور*, والشنقيطي*) (ورجحه ابن كثير*) (وضعفه الزمخشري*, والرازي*)

قال الزمخشري: "وهو تخصيص بغير دليل وذهاب عما هو المعنى الصحيح الواقع المشهود له بمعاني التنزيل".

وقال الرازي: "وهو تخصيص بغير دليل، بل فيه ما يدل على فساده، وذلك لأن الغرض هاهنا تعظيم صفة هذه النار, والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد فلا يدل الإيقاد بها على قوة النار"

قال ابن كثير: "وهذا الذي قاله الرازي ليس بقوي، وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها".

القول الثاني: أنها جميع الحجارة. (ذكره الماتريدي*, والبغوي*) (ورجحه الزمخشري*, والرزاي*) (واقتصر عليه صاحب الظلال*) (وذكره ابن عطية* عند تفسير آية التحريم).
وهذا القول هو الأقرب, والله أعلم.

قال الزمخشري: "لإفراط حرها وشدة ذكائها إذا اتصلت بما لا تشتعل به نار اشتعلت وارتفع لهبها".

وقال الزمخشري أيضاً: "فإن قلت: لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقوداً؟
قلت: لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا، حيث نحتوها أصناماً وجعلوها لله أنداداً أو عبدوها من دونه قال الله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) وهذه الآية مفسرة لما نحن فيه.
فقوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله) في معنى الناس والحجارة، و(حصب جهنم) في معنى وقودها.
ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم بمكانهم جعلها الله عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم، إبلاغاً في إيلامهم وإغراقاً في تحسيرهم، ونحوهم ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم".

القول الثالث: أن المراد بها الأصنام كما قال: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) (ذكره البغوي*, والقرطبي*, وابن كثير*) (وذكره الماتريدي* عند تفسير آية التحريم) (ورجحه الشنقيطي*)

(ورجح ابن عاشور* أنها جميع الحجارة وأن من الحجارة أصنامهم).
قال رحمه الله: "ومعنى وقودها الحجارة أن الحجر جعل لها مكان الحطب لأنه إذا اشتعل صار أشد إحراقاً وأبطأ انطفاء, ومن الحجارة أصنامهم فإنها أحجار, وقد جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}, وفي هذه الآية تعريض بتهديد المخاطبين والمعنى المعرض به فاحذروا أن تكونوا أنتم وما عبدتم وقود النار.
وحكمة إلقاء حجارة الأصنام في النار مع أنها لا تظهر فيها حكمة الجزاء أن ذلك تحقير لها وزيادة إظهار خطأ عبدتها فيما عبدوا، وتكرر لحسرتهم على إهانتها، وحسرتهم أيضاً على أن كان ما أعدوه سببا لعزهم وفخرهم سبباً لعذابهم، وما أعدوه لنجاتهم سببا لعذابهم".
والله تعالى أعلم.

للاطلاع على مقدمة سلسلة (النوال)
انظر هنا
https://majles.alukah.net/t188624/