لو " تستعمل على عدة أوجه
عيد فطر مبارك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: لو " تستعمل على عدة أوجه

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,644

    افتراضي لو " تستعمل على عدة أوجه

    قال الشيخ الامام سليمان بن عبدالله ابن الامام محمد ابن عبد الوهاب فى تيسيرالعزيز الحميد
    اعْلَمْ أنَّ منْ كمالِ التوحيدِ الاستسلامَ للقضاءِ والقدرِ رضًا باللهِ رَبًّا؛ فإنَّ هذا منْ جنسِ المصائبِ، والعبدُ مأمورٌ عندَ المصائبِ بالصبرِ والإرجاعِ والتوبةِ.
    وقولُ: (لوْ) لا يُجْدِي عليهِ إلاَّ الحزنَ والتحَسُّرَ، مَعَ ما يُخَالِطُ تَوْحيدَهُ منْ نوعِ المعاندةِ للقدرِ الذي لا يكادُ يَسْلَمُ منها مَنْ وَقَعَ منهُ هذا إلاَّ ما شاءَ اللهُ.
    فـهذا وجهُ إيرادِهِ هذا البابَ في التوحيدِ.
    قالَ ابنُ كثيرٍ: (فسَّرَ ما أَخْفَوْهُ في أنْفُسِهم بقولِهِ: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} أيْ: يُسِرُّونَ هذهِ المقالةَ عنْ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
    قالَ ابنُ إسحاقَ: (حدَّثَنِي يحيى بنُ عبَّادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ، عنْ أبيهِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ قالَ: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اشْتَدَّ الخَوْفُ عَلَيْنَا، أَرْسَلَ اللهُ عَلَيْنَا النَّوْمَ، فَمَا مِنَّا رَجُلٌ إِلاَّ ذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، فَوَاللهِ إِنِّي لأَسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ ما أَسْمَعُهُ إلاَّ كالْحُلْمِ: {لَوْ كَانَ لَنَا مِن الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} فحَفِظْتُهَا منهُ، وفي ذلكَ أَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} لقولِ مُعَتِّب) رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ.
    قالَ اللهُ تَعالى: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} أيْ: هذا قدرٌ مُقَدَّرٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ، وحُكْمٌ حَتْمٌ لازمٌ لا مَحِيدَ عنهُ ولا مَنَاصَ منهُ.
    قُلْتُ: فَتَبَيَّنَ وجهُ إيرادِ المصِّنفِ الآيَةَ على الترجمةِ؛ لأنَّ قولَ: (لَوْ) في الأمورِ المُقَدَّرَةِ منْ كلامِ المنافقينَ؛ ولهذا ردَّ اللهُ عليهم ذلكَ بأَنَّ هذا قَدَرٌ، فمَنْ كُتِبَ عليهِ شيءٌ فلا بُدَّ أَنْ ينالَهُ، فماذا يُغْنِي عنكم قولُ (لَوْ) و(لَيْتَ) إلاَّ الحسرةَ والندامةَ؟ فالواجبُ عليكُم في هذهِ الحالةِ الإيمانُ باللهِ والتعزِّي بقَدَرِهِ معَ ما تَرْجُونَ منْ حُسْنِ ثوابِهِ، وفي ذلكَ عينُ الفلاحِ لكم في الدُّنيا والآخرةِ، بلْ يَصِلُ الأمرُ إلى أَنْ تَنْقَلِبَ المخاوفُ أمانًا، والأحزانُ سُرورًا وفرحًا، كما قالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: (أَصْبَحْتُ وما لي سُرُورٌ إلاَّ في مواقعِ القضاءِ والقدر).
    روى ابنُ جريرٍ عن السُدِّيِّ قَالَ: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَقَدْ وَعَدَهُم الفَتْحَ إِنْ صَبَرُوا.
    فَلَمَّا خَرَجُوا رَجَعَ عَبْدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ فِي ثَلاثِمِائَةٍ، فَتَبِعَهُمْ أَبُو جَابِرٍ السُّلَمِيُّ يَدْعُوهُمْ، فَلَمَّا غَلَبُوهُ وَقَالُوا لَهُ: مَا نَعْلَمُ قِتَالاً، وَلَئِنْ أَطَعْتَنَا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنَا، فَنَزَلَ: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا}[آل عمران: 168]).
    وعن ابنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: (هوَ عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ {الَّذِينَ قَعَدُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ } الذينَ خرجُوا معَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومَ أُحدٍ) رواهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ.
    فَعَلَى هذا؛ إخوانُهم هم المسلمونَ المجاهدونَ، وسُمُّوا إخوانَهُم؛ لموافقتِهم في الظَّاهِرِ.
    وقِيلَ: إخوانُهُم في النَّسَبِ لا في الدِّينِ.
    {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} قالَ ابنُ كثيرٍ: (لوْ سَمِعُوا مَشُورَتَنا عليهم في القعودِ وعدمِ الخروجِ ما قُتِلُوا معَ مَنْ قُتِلَ، قالَ اللهُ تعالى: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أيْ: إنْ كانَ القعودُ يَسْلَمُ بهِ الشخصُ من القتلِ والموتِ، فينبغي أنَّكم لا تموتُونَ، والموتُ لا بُدَّ آتٍ إليكم ولوْ كنْتُم في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ، فادْفَعُوا عنْ أنفسِكُم الموتَ إنْ كنتم صادقينَ).
    قالَ مجاهدٌ: (عنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: (نزَلَتْ هذهِ الآيَةُ في عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ).
    قُلْتُ: وكانَ أشارَ على رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومَ أُحُدٍ بعدمِ الخروجِ.
    فلَمَّا قدَّرَ اللهُ الأمرَ قالَ ذلكَ تصويبًا لرَأْيِهِ، ورفعًا لشأنِهِ، فردَّ اللهُ عليهِ وعلى أمثالِهِ: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، فلا تُعذَرُونَ عنْ ذلكَ.
    فعُلِمَ أنَّ ذلكَ بقضاءِ اللهِ وقدَرِهِ؛ أيْ: يَسْتَوِي الذي في وَسَطِ الصفوفِ والذي في البروجِ المشَيَّدةِ في القتلِ والموتِ، بلْ {لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ}[آل عمران:154] فلا يُنجِّي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ.
    وفي ضِمْنِ ذلكَ قولُ (لوْ) ونحْوِهِ في مثلِ هذا المَقَامِ؛ لأنَّ ذلكَ لا يُجْدِي شيئًا، إذ المُقَدَّرُ قدْ وقعَ فلا سبيلَ إلى دَفْعِهِ أبدًا، {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}[الطور:48].
    قولُهُ: (في الصحيحِ) أيْ: صحيحِ مسلمٍ.
    قولُهُ: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ)) إلخ، هذا الحديثُ اختصرَهُ المصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ.
    ولفظُهُ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ)) إلى آخرِهِ.
    فقولُهُ عليهِ السلامُ: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ)) فيهِ أنَّ اللهَ سبحانَهُ موصوفٌ بالمَحَبَّةِ، وأنَّهُ يُحِبُّ على الحقيقةِ كما قالَ: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}[المائدة:57].
    وفيهِ أَنَّهُ سبحانَهُ يُحِبُّ مُقْتَضَى أسمائِهِ وصفاتِهِ، وما يُوَافِقُها فهوَ القَوِيُّ، ويُحِبُّ المؤمنَ القَوِيَّ، وهوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِترَ، وجميلٌ يُحِبُّ الجمالَ، وعليمٌ يُحِبُّ العلماءَ، ومحسِنٌ يُحِبُّ المحسنينَ، وصَبورٌ يُحِبُّ الصابرينَ، وشكورٌ يُحِبُّ الشاكرينَ.
    قُلْتُ: الظاهرُ أَنَّ المرادَ القُوَّةُ في أَمْرِ اللهِ وتنفيذِهِ، والمسابقةُ بالخيرِ، والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ، والصبرُ على ما يُصِيبُ في ذاتِ اللهِ، ونحوُ ذلكَ، لا قُوَّةُ البدنِ؛ ولهذا مَدَحَ اللهُ الأنبياءَ بذلكَ في قولِهِ: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ}[ص:45]، فالأيْدِي: القُوَّةُ والعزائمُ في تنفيذِ أَمْرِ اللهِ، وقولِهِ: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}[ص:17].
    وقولُهُ: ((وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ)) أيْ: كُلٍّ من المؤمنِ القويِّ والمؤمنِ الضعيفِ على خيرٍ وعافيَةٍ؛ لاشتراكِهما في الإيمانِ والعملِ الصالحِ، ولكنَّ القَوِيَّ في إيمانِهِ ودينِهِ أحبُّ إلى اللهِ.
    وفيهِأَنَّ محبَّةَ المؤمنينَ تَتَفَاضَلُ، فَيُحِبُّ بعْضَهم أكثرَ منْ بعضٍ.
    وقولُهُ: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ)) هوَ بفَتْحِ الراءِ وكسْرِها.
    قالَ ابنُ القيِّمِ: (سعادةُ الإنسانِ في حِرْصِهِ على ما ينفعُهُ في معاشِهِ ومعادِهِ، والْحِرْصُ: هوَ بَذْلُ الْجَهْدِ واستفراغُ الْوُسْعِ؛ فإذا صادفَ ما ينتفِعُ بهِ الحريصُ كانَ حرصُهُ محمودًا، وكمالُهُ كُلُّهُ في مجموعِ هذيْنِ الأمرَيْنِ:
    - أَنْ يكونَ حريصًا.
    - وأَنْ يكونَ حِرْصُهُ على ما ينتفعُ بهِ.
    فإنْ حَرَصَ على ما لا ينفعُهُ، أوْ فعلَ ما ينفعُهُ بغيرِ حرصٍ فَاتَهُ من الكمالِ بحَسَبِ ما فاتَهُ منْ ذلكَ، فالخيرُ كُلُّهُ في الحرصِ على ما ينْفَعُ).
    قولُهُ: (وَاسْتَعِنْ بِاللهِ) قالَ ابنُ القيِّمِ: (لمَّا كانَ حرصُ الإنسانِ وفعلُهُ إنَّما هوَ بمعونةِ اللهِ ومشيئتِهِ وتوفيقِهِ، أمرَهُ أَنْ يستعينَ بهِ لِيَجْتَمِعَ لهُ مَقَامُ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ فإنَّ حرصَهُ على ما ينفعُهُ عبادةٌ للهِ، ولا تَتِمُّ إلاَّ بمعونتِه، فَأَمَرَهُ بأَنْ يعْبُدَهُ ويستعينَ بهِ).
    وقالَ غيرُهُ: (اسْتَعِنْ بِاللهِ) أي: اطْلُب الإعانةَ في جميعِ أُمُورِكَ مِن اللهِ لا مِنْ غيرِهِ، كما قالَ تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة:4] فإنَّ العبدَ عاجزٌ لا يَقْدِرُ على شيءٍ إنْ لمْ يُعِنْهُ اللهُ عليهِ، فلا مُعِينَ لهُ على مصالحِ دينِهِ ودُنْيَاهُ إلاَّ اللهُ عزَّ وجلَّ.
    فمَنْ أعانَهُ اللهُ فهوَ المُعانُ، ومَنْ خَذَلَهُ فهوَ المخذولُ، وقدْ كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ في خُطْبَتِهِ ويُعَلِّمُ أصحابَهُ أَنْ يقُولُوا: ((الْحَمْدُ للهِ، نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ)) ومنْ دُعَاءِ الْقُنُوتِ: ((اللهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ)) وأمرَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ أَنْ لا يَدَعَ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ أنْ يقولَ: ((اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) وكانَ ذلكَ منْ دُعَائِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنهُ أيضًا: ((اللهُمَّ أَعِنِّي، وَلاَ تُعِنْ عَلَيَّ)).
    وإذا حقَّقَ العبدُ مَقَامَ الاستعانةِ وعملَ بهِ كانَ مُستعينًا باللهِ عزَّ وجلَّ، مُتَوَكِّلاً عليهِ، راغبًا وراهبًا إليهِ؛ فَيُسْتَحَقُّ لهُ مَقَامُ التوحيدِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
    قولُهُ: ((وَلاَ تَعْجَزْ))وهوَ بكسرِ الجيمِ وفتحِها: اسْتَعْمِل الحرصَ والاجتهادَ في تحصيلِ ما ينفعُكَ منْ أَمْرِ دينِكَ ودُنْيَاكَ التي تستعينُ بها على صيانَةِ دينِكَ، وصيانَةِ عيالِكَ، ومكارمِ أخلاقِكَ، ولا تُفَرِّطْ في طَلَبِ ذلكَ، ولا تَتَعَاجَزْ عنهُ مُتَّكِلاً على القَدَرِ، أوْ مُتَهَاوِنًا بالأمرِ؛ فَتُنْسَبَ للتقصيرِ، وتُلامَ على التفريطِ شرعًا وعقلا، معَ إنهاءِ الاجتهادِ نهايتَهُ، وبلاغِ الحرصِ غايتَهُ، فلا بُدَّ من الاستعانةِ باللهِ والتوكُّلِ عليهِ والالتجاءِ في كلِّ الأمورِ إليه، فمَنْ ملكَ هذَيْنِ الطريقَيْنِ حَصَلَ على خيرِ الدارَيْنِ.
    وقالَ ابنُ القيِّمِ: (العجزُ يُنَافِي حِرْصَهُ على ما ينفعُهُ، ويُنَافِي استعانتَهُ باللهِ، فالحريصُ على ما ينْفَعُهُ المستعينُ باللهِ ضدُّ العاجزِ، فهذا إرشادٌ لهُ قبلَ رجوعِ المقدورِ إلى ما هوَ مِنْ أعظمِ أسبابِ حُصُولِهِ، وهوَ الحَرِيصُ عليهِ معَ الاستعانةِ بِمَنْ أَزِمَّةُ الأمورِ بيَدِهِ، ومصدرُها منهُ، وَمَرَدُّها إليهِ).
    قولُهُ: (فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ) إلى آخرِه، العبدُ إذا فاتَهُ ما لمْ يُقَدَّرْ لهُ؛ فلهُ حالتانِ:
    - حالةُ عَجْزٍ، وهيَ مِفْتَاحُ عملِ الشيطانِ، فَيُلْقِيهِ العجزُ إلى (لَوْ)، ولا فائدَة في (لوْ) هَا هُنَا، بلْ هيَ مِفْتَاحُ اللَّوْمِ والجَزَعِ والسَّخَطِ والأسفِ والحزنِ، وذلكَ كلُّهُ منْ عملِ الشيطانِ، فنهاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن افتتاحِ عملِهِ بهذا المفتاحِ.
    - وأمرَهُ بالحالةِ الثانيَةِ، وهيَ النظرُ إلى القدرِ ومُلاحَظَتُهُ، وأنَّهُ لوْ قُدِّرَ لهُ لمْ يَفُتْهُ، ولمْ يَغْلِبْهُ عليهِ أحدٌ، فلمْ يَبْقَ لهُ ها هنا أَنْفَعُ منْ شهودِ القَدَرِ، ومشيئةِ الرَّبِّ النافذةِ، التي تُوجِبُ وُجُودَ المقدورِ، وإذا انْتَفَت امتنعَ وُجُودُهُ؛ فلهذا قالَ: (وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ)؛ أيْ: غَلَبَكَ الأمرُ ولمْ يَحْصُل المقصودُ بعدَ بَذْلِ جَهْدِهِ والاستعانةِ باللهِ، فلا تَقُلْ: (لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ) فأرشدَهُ إلى مَا ينفعُهُ في الحالتَيْنِ؛ حالةِ حصولِ مطلوبِهِ، وحالةِ فواتِهِ.
    فلهذَا كانَ هذا الحديثُ ممَّا لا يَسْتَغْنِي عنهُ العبدُ أبدًا، بلْ هوَ أشدُّ شَيءٍ إليهِ ضرورةً، وهوَ يتضَمَّنُ إثباتَ القَدَرِ والْكَسْبِ والاختيارِ والقيامِ بالعُبُوديَّةِ باطنًا وظاهرًا في حالَتَيْ حُصُولِ المطلوبِ وعدمِهِ، هذا معنى كلامِ ابنِ القيِّمِ.
    وقالَ القاضي: (قالَ بعضُ العلماءِ: هذا النهيُ إنَّما هوَ لِمَنْ قالَهُ مُعْتَقِدًا ذلكَ حَتْمًا، وأنَّهُ لوْ فعلَ ذلكَ لمْ يُصِبْهُ قَطْعًا.
    فأمَّا مَنْ ردَّ ذلكَ إلى مشيئةِ اللهِ تعالى، وأنَّهُ لنْ يُصِيبَهُ إلاَّ ما شاءَ اللهُ، فليسَ مِنْ هذا) واستدَلَّ بقولِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ في الغارِ: (لوْ أَنَّ أحَدَهُم رفعَ رأسَهُ لَرَآنَا).
    قالَ القاضي: (وهذا ما لا حُجَّةَ فيهِ؛ لأنَّهُ أخبرَ عنْ مُسْتَقْبَلٍ، وليسَ فيهِ دَعْوَى لردِّ الْقَدَرِ بعدَ وقوعِهِ).
    قالَ: (وكذا جميعُ ما ذكرَهُ البخاريُّ فيما يجوزُ مِن الـ(لَوْ)، كحديثِ: ((لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لأََتْمَمْتُ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ)).
    و ((لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ)).
    و ((لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأََمَرْتُهُمْ باِلسِّوَاكِ)) وشِبْهِ ذلكَ.
    وكلّهُ مُسْتَقْبَلٌ لا اعتراضَ فيهِ على قدرٍ ولا كراهةَ فيهِ؛ لأنَّهُ إنَّما أخبرَ عن اعتقادِهِ فيمَا كانَ يفعلُ لَوْلا المانعُ، وعمَّا هوَ في قدرتِه، فأَمَّا ما ذهبَ فلَيْسَ في قُدْرَتِهِ).
    (فإنْ قيلَ: ما تصنعونَ بقولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    ((لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً))؟
    قِيلَ: هذا كقولِهِ: ((لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ))ونحْوِهِ ممَّا هوَ خَبَرٌ عنْ مستقبلٍ لا اعتراضَ فيهِ على قَدَرٍ، بلْ هوَ إخبارٌ لهم أَنَّهُ لو استقبلَ الإحرامَ بالحجِّ ما ساقَ الهَدْيَ ولا أَحْرَمَ بالعمرةِ بقولِهِ لهم لمَّا أمرَهُم بفَسْخِ الحجِّ إلى العمرةِ؛ حثًّا لهُمْ وتَطْيِيبًا لقلوبِهِم لمَّا رآهُم تَوَقَّفُوا في أمرِهِ، فليسَ من المنهيِّ عنهُ، بلْ هوَ إخبارٌ لهمْ عمَّا كانَ يفعلُ في المستقبلِ لوْ حَصَلَ، ولا خلافَ في جوازِ ذلكَ، وإنَّما يُنْهَى عنْ ذلكَ في معارضةِ القَدَرِ معَ اعتقادِ أَنَّ ذلكَ المانعَ لوْ يَقَعُ لَوَقَعَ خلافُ المقدورِ.
    قولُهُ: ((فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)) أيْ: من الجزعِ والعجزِ واللَّوْمِ والسَّخَطِ من القضاءِ والقدرِ ونحوِ ذلكَ، ولهذا مَنْ قَالَهَا على وجهِ النهيِ عنهُ فإنْ سَلِمَ من التكذيبِ بالقضاءِ والقدرِ لم يَسْلَمْ من المعاندةِ لهُ، واعتقادِ أنَّهُ لوْ فعلَ ما زعمَ لمْ يقَع المقدورُ، ونحوِ ذلكَ. وهذا منْ عملِ الشيطانِ.
    فإنْ قِيلَ: ليسَ في هذا رَدٌّ للقدرِ ولا تكذيبٌ بهِ؛ إذْ تلكَ الأسبابُ التي تمَنَّاها من القدرِ، فهوَ يقولُ: لوْ أنِّي وُفِّقْتُ لهذا القَدَرِ لاَنْدَفَعَ بهِ عنِّي ذلكَ الْقَدَرُ، فإنَّ القدرَ يُدفَعُ بعضُهُ ببَعْضٍ.
    قيلَ: هذا حقٌّ، ولكنْ ينفعُ قبلَ وقوعِ القدرِ المكروهِ، فأمَّا إذا ما وقعَ فلا سبيلَ إلى دفعِهِ، وإنْ كانَ لهُ سببٌ إلى دفْعِهِ أوْ تخفيفِهِ بقَدَرٍ آخَرَ فهوَ أوْلَى بهِ منْ قولِ: لوْ كُنْتُ فَعَلْتُ.
    بلْ وحقيقَتُهُ في هذهِ الحالِ أنْ يستقبلَ فِعْلَهُ الذي يدفعُ بهِ المكروهَ، ولا يتمَنَّى ما لا مَطْمَعَ في وقوعِهِ؛ فإنَّهُ عَجْزٌ مَحْضٌ، واللهُ يلومُ على العجزِ، ويُحِبُّ الكَيْسَ ويأمرُ بهِ، والكَيْسُ مباشرةُ الأسبابِ التي رَبَطَ اللهُ بها بمُسَبَّبَاتِها النافعةِ للعبدِ في معاشِهِ ومعادِهِ).
    انتهى ملخَّصًا منْ كلامِ ابنِ القيِّمِ.
    [ تيسير العزيز الحميد ]


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,644

    افتراضي رد: بَابُ مَا جَاءَ فِي اللَّوْ

    قال الشيخ صالح آل الشيخ فى كفاية المستزيد
    ذكرنا أنَّ قول: (لَوْ) في الماضي أنّ هذا لا يجوز، وأنه محرم؛ ودليل ذلك من الآيتين.
    ومناسبة الآيتين للباب ظاهرة؛ وهو: أنّ التحسر على الماضي بالإتيان بلفظ لو، إنما كان من خصال المنافقين؛ قال -جل وعلا- عن المنافقين: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} وقال: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا}.
    وهذا في قصة غزوة أُحد كما هو معروف؛ فهذا من كلام المنافقين؛ فيكون إذاً استعمال (لو) من خصال النفاق، وهذا يَدُلُّ على حُرْمتها.
    قال: في (الصحيح) عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزنّ؛ وإنْ أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكنْ قُل قدّر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان)).
    وجه مناسبة هذا الحديث
    قوله: ((وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا))(لو) هنا كانت على الماضي، ((إن أصابك شيء فلاَ تقل)) وهذا النهي للتحريم((لو أني فعلت لكان كذا)) وهذا لأنه سوء ظن، ولأنه فتحُ عمل الشيطان.
    فالشيطان يأتي المصاب فيغريه بـ ((لو)) حتى إذا استعملها ضَعُف قلبه، وعَجِزَ، وظنّ أنه سيغير من قدر الله شيئا؛ وهو لا يستطيع أنْ يغير من قدر الله شيئاً، بل قدر الله ماضٍ؛ ولهذا أرشده -عليه الصلاة والسلام- أن يقول: ((قدّر الله وما شاء فعل))لأن ذلك راجع إلى قَدَرِه وإلى مشيئته.
    هذا كله من النهي والتحريم، راجع إلى ما كان من استعمال ((لو))، أو ((ليت)) وما شابههما من الألفاظ في التحسر على الماضي، وتمنّي أن لو فعل كذا حتى لا يحصل له ما سبق، كل ذلك في ما يتصل بالماضي.
    أما المستقبل أن يقول:
    (لو يحصل لي، لو فعلت كذا وكذا) في المستقبل فإنه لا يدخل في النهي؛ وذلك لاستعمال النبي -عليه الصلاة والسلام- لذلك، حيث قال مثلاً: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سُقْتُ الهدي ولجعلتها عمرة)) ونحو ذلك من الأدلة.
    فاستعمال (لو) في المستقبل الأصل فيه الجواز؛ إلاّ إن اقترن به، إلاّ إن اقترن بقول القائل (لو) يريد المستقبل اعتقاد أنّ فعله سيكون حاكماً على القدر؛ كاعتقاد بعض الجاهليين: (لو حصل لي كذا لفعلت كذا) تكبّراً، وأنفة، واستعظاماً لفعلهم وقدرتهم؛ فإن هذا يكون من المنهي؛ لأن فيه تجبراً، وفيه تعاظماً.
    والواجب على العبد أن يكون ذليلاً؛ لأن القضاء والقدر ماضٍ، وقد يحصل له الفعل ولكن ينقلب على عقبيه، كحال الذي قال الله -جل وعلا- فيه: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}فإنهم قالوا: (لو كان لنا كذا وكذا؛ لفعلنا كذا وكذا) فلما أعطاهم الله
    -جل وعلا- المال، بخلو به وتولوا وهم معرضون؛ فهذا فيه نوع تحكّم على القدر وتعاظم.
    فاستعمال (لو) في المستقبل إذا كانت في الخير مع رجاء ما عند الله بالإعانة على أسباب الخير، فهذا جائز.
    أما إذا كان على وجه التجبر، والاستعظام، فإنه لا يجوز؛ لأن فيه نوع تحكم على القدر.
    [كفاية المستزيد]


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,644

    افتراضي رد: بَابُ مَا جَاءَ فِي اللَّوْ

    قال ابن عثيمين رحمه الله
    " لو " تستعمل على عدة أوجه :
    • - ‏الوجه الأول : أن تستعمل في الاعتراض على الشرع ، وهذا محرم .
    • - ‏الثاني : أن تستعمل في الاعتراض على القدر ، وهذا محرم .
    • - ‏الثالث : أن تستعمل للندم والتحسر ، وهذا محرم أيضا ؛ لأن كل شيء يفتح الندم عليك ، فإنه منهي عنه ، قال صلى الله عليه وسلم : ( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء ، فلا تقل : لو أني فعلت كذا لكان كذا ؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان ) .
    • - ‏الرابع : أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية، كقول المشركين : ( لو شاء الله ما أشركنا) ، وهذا باطل .
    • - ‏الخامس : أن تستعمل في التمني ، وحكمه حسب المتمني : إن كان خيرا فخير ، وإن كان شرا فشر ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة النفر الأربعة قال أحدهم : ( لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان ) ، فهذا تمنى خيرا ، وقال الثاني : ( لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان ) ، فهذا تمنى شرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في الأول : (فهو بنيته ، فأجرهما سواء ) ، وقال في الثاني : ( فهو بنيته ، فوزرهما سواء ) .
    • - ‏السادس : أن تستعمل في الخبر المحض ، وهذا جائز ، مثل : لو حضرت الدرس لاستفدت ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم ) .
    【مجموع الفتاوى (١٠ / ٩٤٨ ) 】

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •