"النوال في تحرير ما للمفسرين من أقوال" (23)

اكتب في (قوقل) (النوال. وأول الآية) التي تريد معرفة ملخص آراء المفسرين فيها.

قال الرازي رحمه الله في من يفهم آيات القرآن على الآراء الضعيفة: "أقول حقاً: إن الذين يتبعون أمثال ذلك قد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً".

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد.
قال الله تعالى في سورة "الرعد": (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)
أم الكتاب هو اللوح المحفوظ.

والقول الراجح في المراد بقوله: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) يشمل محو كل ما يشاء من الموجودات والمخلوقات والأحوال وإبقاء ما يشاء منها, فالله تبارك وتعالى المتصرف في خلقه كما يشاء. (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)

وعنده أم الكتاب قد كتب فيه كل ما هو كائن من محو أو إثبات.
ويدخل في ذلك محو ما يشاء الله من الشرائع والأحكام فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه.

والآن إلى ذكر أقوال المفسرين في الآية.
اختلف المفسرون في المراد بقوله: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) على خمسة أقوال:
وقبل أن أذكر الخلاف أشير إلى أنه ينبغي أن يكون واضحاً عند كل مؤمن أن القدر المكتوب في الأزل لا يمكن أن يتغير فهو مكتوب في اللوح المحفوظ وفق علم الله, فليس معنى الآية قطعاً أن الله يمحو من أم الكتاب شيئاً مما قدره في الأزل.
وقد نسب هذا إلى بعض السلف وبعض أهل العلم وهو قول غير صواب البتة.

فقوله: (وعنده أم الكتاب) ليس المراد أنه يمحو منه ويغير, بل المراد أن عنده أم الكتاب الذي قد كتب فيه كل شيء من مقادير الخلائق, وفيه كتب كل ما سيمحى أو يثبت.


قال الماتريدي: "المحو هاهنا أن أنشأه في الابتداء بمحو, ليس على أن كان مثبتاً فمحاه، ولكن أنشأه هكذا ممحواً, وهو كقوله: (فمحونا آية الليل) ليس أنه كان منشأ كذا ثم محي, ولكن أنشأه في الابتداء ممحواً، وكقوله: (رفع السماوات) ليس أنها كانت موضوعة ثم رفعها, ولكن أنشأها مرتفعة كما هي، فعلى ذلك هذا".


وقال ابن عطية: "تخبط الناس في معنى هذه الألفاظ، والذي يتخلص به مشكلها أن نعتقد أن الأشياء التي قدرها الله تعالى في الأزل وعلِمها بحال ما لا يصح فيها محو ولا تبديل، وهي التي ثبتت في {أم الكتاب} وسبق بها القضاء...
وجاءت العبارة مستقلة بمجيء الحوادث، وهذه الأمور فيما يستأنف من الزمان فينتظر البشر ما يمحو أو ما يثبت وبحسب ذلك خوفهم ورجاؤهم ودعاؤهم"اهـ

أما قول النبي: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) فليس المراد أن ما قدر له من الرزق والأجل يغير, فإن الأرزاق والآجال مقدرة ومفروغ منها قبل وصول الإنسان إلى هذه الأرض.
ولكن قد علم الله وقدر أن هذا المسلم يصل رحمه فقدر له بسط الرزق وطول العمر, وقدر أن فلاناً لا يصل رحمه فلم يقدر له بسط الرزق وطول العمر.

وهذا مثل الدعاء تماماً.

فقد علم الله وقدر أن هذا المريض يدعو الله فقدر له الشفاء, فالمرض والدعاء والشفاء كله مقدر مكتوب, وليس المراد أنه في اللوح المحفوظ مقدر أن يطول المرض ويستمر فلما دعا غُيِّرَ ما في اللوح المحفوظ إلى الشفاء.

وكذلك يقال في (لا يرد القضاء إلا الدعاء) على افتراض صحته وإلا فهو حديث ضعيف.

وقد ذكرت تخريج الحديث والكلام على المراد به على افتراض صحته في كتاب "الرياض النضرة في الأحاديث المشتهرة" يسر الله طباعته.

أما الأقوال في الآية فهي كالتالي:

القول الأول: أن المراد بالمحو التغيير والتبديل, فالمراد يمحو ما يشاء من القدر ويثبت ما يشاء.
وقد روي عن بعض السلف قولهم: اللهم إن كنت كتبتني سعيداً فأثبتني، وإن كنت كتبت علي شقياً فامحني واكتبني سعيداً ونحو ذلك.
(ذكر هذا القول ابن جرير*, والبغوي*, وابن عطية*, والرازي*, والقرطبي*, وابن كثير*)

قال ابن عطية موجهاً ما ورد عن بعض السلف من هذا القول: "وروي عن عمر بن الخطاب وعن عبد الله بن مسعود أنهما كانا يقولان في دعائهما: اللهم إن كنت كتبتنا في ديوان الشقاوة فامحنا وأثبتنا في ديوان السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت.
وهذا دعاء في غفران الذنوب وعلى جهة انجزع منها . أي: اللهم إن كنا شقينا بمعصيتك وكتب علينا ذنوب وشقاوة بها فامحها عنا بالمغفرة، وفي لفظ عمر في بعض الروايات بعض من هذا، ولم يكن دعاؤهما البتة في تبديل سابق القضاء ولا يتأول عليهما ذلك".

القول الثاني: أن المراد يمحو الله ما يشاء من الشرائع والأحكام فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه. (ذكره ابن جرير*, والماتريدي*, والبغوي*, والزمخشري*, والرازي*, والقرطبي*, وابن كثير*) (واقتصر عليه صاحب الظلال*)

القول الثالث: أن المراد أعم من نسخ الشرائع والأحكام, فيشمل أيضاً محو ما يشاء من الموجودات والمخلوقات والأحوال وإبقاء ما يشاء منها. (ذكره الزمخشري*, والرازي*) (ورجحه ابن عطية*) (واقتصر عليه ابن عاشور*).
وهذا القول هو الراجح.
فالله تبارك وتعالى المتصرف في خلقه كما يشاء. (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)
وعنده أم الكتاب قد كتب فيه كل ما هو كائن من محو أو إثبات.

قال ابن عطية: "وإنما يحسن من الأقوال هنا ما كان عاماً في جميع الأشياء، فمن ذلك أن يكون معنى الآية أن الله تعالى يغير الأمور على أحوالها، أعني ما من شأنه أن يغير على ما قدمناه فيمحوه من تلك الحالة ويثبته في التي نقله إليها".

وقال ابن عاشور: "فيندرج في ما تحتمله الآية عدة معان: منها أنه يعدم ما يشاء من الموجودات ويبقي ما يشاء منها، ويعفو عما يشاء من الوعيد ويقرر، وينسخ ما يشاء من التكاليف ويبقي ما يشاء.
وكل ذلك مظاهر لتصرف حكمته وعلمه وقدرته. وإذ قد كانت تعلقات القدرة الإلهية جارية على وفق علم الله تعالى كان ما في علمه لا يتغير فإنه إذا أوجد شيئاً كان عالماً أنه سيوجده، وإذا أزال شيئاً كان عالماً أنه سيزيله وعالماً بوقت ذلك.
وأبهم الممحو والمثبت بقوله: {مَا يَشَاءُ} لتتوجه الأفهام إلى تعرف ذلك والتدبر فيه, لأن تحت هذا الموصول صوراً لا تحصى، وأسباب المشيئة لا تحصى".

وقال الزمخشري: "قيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضاً من الأناسي وسائر الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها، والكلام في نحو هذا واسع المجال".

وقال الرازي: "قيل: تغير أحوال العبد, فما مضى منها فهو المحو وما حصل وحضر فهو الإثبات... وهو المستقل بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار".

القول الرابع: أن المراد محو الذنوب وغفرانها أو إثباتها وعدم غفرانها.
(ذكره ابن جرير*, والماتريدي*, والبغوي*, والزمخشري*, والرازي*, والقرطبي*)

القول الخامس: يمحو الله من جاء أجله فيذهب به ويثبت من لم يجئ أجله. (رجحه ابن جرير*) (وذكره البغوي*, والرازي*, والقرطبي*, وابن كثير*) (وضعفه ابن عطية*)
قال ابن عطية: "وهذا التخصيص في الآجال أو غيرها لا معنى له".
والله تعالى أعلم.

للاطلاع على مقدمة سلسلة (النوال)
https://majles.alukah.net/t188624/