ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﺒﺪﻥ
عيد فطر مبارك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4
4اعجابات
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By أم علي طويلبة علم
  • 1 Post By محمدعبداللطيف

الموضوع: ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﺒﺪﻥ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,644

    افتراضي ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﺒﺪﻥ

    يقول شيخ الإسلام ﺍﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ -ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ- :”
    وكل من عَلَّق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه لهم ; وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك ; وإن كان في الظاهر أميرًا لهم مدبرًا لهم متصرفا بهم ; فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر
    فالرجل ﺍﺫﺍ ﺗﻌﻠﻖ ﻗﻠﺒﻪ ﺑﺎﻣﺮﺃﺓ ، ﻭﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺒﺎﺣﺔ ﻟﻪ ، ﻳﺒﻘﻰ ﻗﻠﺒﻪ ﺃﺳﻴﺮﺍ ﻟﻬﺎ ، ﺗﺤﻜﻢ ﻓﻴﻪ ﻭﺗﺘﺼﺮﻑ ﺑﻤﺎ ﺗﺮﻳﺪ ، ﻭﻫﻮ ﻓﻰ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ ﺳﻴﺪﻫﺎ ، ﻷﻧﻪ ﺯﻭﺟﻬﺎ ، ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻫﻮ ﺃﺳﻴﺮﻫﺎ ﻭﻣﻤﻠﻮﻛﻬﺎ ، ﻻ ﺳﻴﻤﺎ ﺇﺫﺍ ﺩَﺭَﺕ ﺑﻔﻘﺮﻩ ﺇﻟﻴﻬﺎ ، ﻭﻋﺸﻘﻪ ﻟﻬﺎ ، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺣﻴﻨﺌﺬ ﺗﺤﻜﻢ ﻓﻴﻪ ﺑﺤﻜﻢ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮ ﺍﻟﻈﺎﻟﻢ ﻓﻲ ﻋﺒﺪﻩ ﺍﻟﻤﻘﻬﻮﺭ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺍﻟﺨﻼﺹ ﻣﻨﻪ ، ﺑﻞ ﺃﻋﻈﻢ ، ﻓﺈﻥ ﺃﺳﺮ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺃﺳﺮ ﺍﻟﺒﺪﻥ ، ﻭﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﺒﺪﻥ .
    فإن من إستُعْبِدَ بدنُه واستُرِقَ لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا بل يمكنه الاحتيال في الخلاص .

    وأما إذا كان القلب – الذي هو المَلِكُ – رقيقا مستعبدا متيَّما لغير الله فهذا هو الذُّلُ والأَسْرُ المحض …

    ولو كان في الظاهر ملك الناس
    ” ﺍﻧﺘﻬﻰ. 》[ ﻣﺠﻤﻮﻉ ﺍﻟﻔﺘﺎﻭﻯ ‏(١٠١٨٥) ]

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم علي طويلبة علم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,644

    افتراضي رد: ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﺒﺪﻥ

    ويقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله
    فإن أسر القلب اعظم من أسر البدن، واستعباد القلب اعظم من استعباد البدن، فان من استُعبِد بدنه واسترق لا يبالى اذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا، بل يمكنه الاحتيال فى الخلاص وأما اذا كان القلب الذي هو الملك رقيقا مستَعبَدا متيما لغير الله هذا هو الذل والاسر المحض والعبودية لما استعبد القلب.


    وعبودية القلب وأسره هي التى يترتب عليها الثواب والعقاب، إن المسلم لو أسره كافر أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك، اذا كان قائما بما يقدر علي من الواجبات ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه له أجران.

    ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالايمان لم يضره ذلك، وأما من استعبد قلبه صار عبدا لغير الله فهذا يضره ذلك ولو كان فى الظاهر ملك الناس.

    فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب كما ان الغنى غنى النفس قال النبى صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس) وهذا لعمري اذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة فاما من استعبد قلبه صورةمحرمة أمرأة أوصبى، فهذا هو العذاب الذي لا يدان فيه.

    وهؤلاء من أعظم الناس عذابا وأقلهم ثوابا، فإن العاشق لصورة اذا بقى قلبه متعلقا بها مستعبدا لها، اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه الا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررا عليه ممن يفعل ذنبا ثم يتوب منه ويزول اثره من قلبه، وهؤلاء يُشَبَّهون بالسكارى والمجانين كما قيل:

    سكران سكر هوى وسكر مدامة،،،،،،،،وم تى افاقة من به سكران.

    وقيل قالوا:

    جَنِنْتَ بمن تهوى فقلت لهم،،،،،،،،،،،، ،العشق أعظم مما بالمجانين

    العشق لا يستفيق الدهر صاحبه،،،،،،وانم ا يصرع المجنون فى الحين

    ومن أعظم اسباب هذا البلاء اعراض القلب عن الله، فان القلب اذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له، لم يكن عنده شىء قط أحلى من ذلك ولا ألذ ولا اطيب، والإنسان لا يترك محبوبا إلا بمحبوب آخر يكون أحب اليه منه، أو خوفا من مكروه.

    فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح او بالخوف من الضرر، قال تعالى في حق يوسف {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} فالله يصرف عن عبده ما يسوءه من الميل إلى الصورة والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء باخلاصه لله.

    ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والاخلاص له، تغلبه نفسه على اتباع هواها، فاذا ذاق طعم الاخلاص وقوى فى قلبه، انقهر له هواه بلا علاج، قال تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر} فان الصلاة فيها دفع للمكروه وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل المحبوب وهو ذكر الله، وحصول هذا المحبوب اكبر من من دفع المكروه، فان ذكر الله عبادة لله وعبادة القلب لله مقصودة لذاتها، وأما اندفاع الشر عنه فهو مقصود لغيره على سبيل التبع.

    والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك، فانه يفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل، ولهذا قال تعالى: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} وقال تعالى: {قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} وقال {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم} وقال تعالى: {ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد ابدا}

    فجعل سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو ازكى للنفس، وبين ان ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك.

    وكذلك طالب الرئاسة والعلو فى الأرض، قلبه رقيق لمن يعينه عليها ولو كان فى الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو فى الحقيقة يرجوهم ويخافهم فيبذل لهم الأموال والولايات ويعفو عنهم ليطيعوه ويعينوه، فهو فى الظاهر رئيس مطاع، وفى الحقيقة عبد مطيع لهم.

    والتحقيق أن كلاهما فيه عبودية للآخر، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله، واذا كان تعاونهما على العلو فى الأرض بغير الحق كانا بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق، فكل واحد من الشخصين لهواه الذي استعبده واسترقه يستعبده الآخر، وهكذا أيضا طالب المال فإن ذلك يستعبده ويسترقه وهذه الأمور نوعان.

    منها ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج اليه من طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ونحو ذلك، هذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه يكون المال عنده يستعمله فى حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه وبساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضى فيه حاجته من غير أن يستعبده، فيكون هلوعا اذا مسه الشر جزوعا واذا مسه الخير منوعا.

    و منها ما لا يحتاج العبد إليه، فهذه لا ينبغى له أن يعلق قلبه بها، فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدا لها، وربما صار معتمدا على غير الله فلا يبقى معه حقيقة العبادة لله ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله صعليه الصلاة والسلام: (تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة)

    وهذا هو عبد هذه الأمور، فلو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، واذا منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضى الله ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله ويعادى أعداء الله تعالى، وهذا هو الذى استكمل الايمان كما فى الحديث: (من احب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الايمان) وقال: (أوثق عرى الايمان الحب فى الله والبغض فى الله...)
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم علي طويلبة علم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,279

    افتراضي رد: ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﺒﺪﻥ

    بارك الله فيكم، علينا معرفة فقه القلوب بمعرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته ومعرفة شرعه، ونحن نجد الفتن بنوعيها الشبهات والشهوات قد زادت وظهرت، لا حول ولا قوة إلا بالله.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,644

    افتراضي رد: ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﺒﺪﻥ

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    فقه القلوب بمعرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته
    بارك الله فيك وجزاك الله خيرا
    إن للتعبد بالأسماء والصفات آثارا كثيرة على قلب العبد وعمله،
    قال العز بن عبد السلام: (اعلم أن معرفة الذات والصفات مثمرة لجميع الخيرات العاجلة والآجلة،
    ومعرفة كل صفة من الصفات تثمر حالا علية، وأقوالا سنية، وأفعالا رضية، ومراتب دنيوية، ودرجات أخروية،
    فمثل معرفة الذات والصفات كشجرة طيبة أصلها – وهو معرفة الذات – ثابت بالحجة والبرهان،
    وفرعها – وهو معرفة الصفات – في السماء مجدا وشرفا
    تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ من الأحوال والأقوال والأعمال بِإِذْنِ رَبِّهَا
    وهو خالقها إذ لا يحصل شيء من ثمارها إلا بإذنه وتوفيقه،
    منبت هذه الشجرة القلب الذي إن صلح بالمعرفة والأحوال صلح الجسد كله)
    .
    من تأمل أسماء الله وصفاته وتعلق قلبه بها طرحه ذلك على باب المحبة،
    وفتح له من المعارف والعلوم أمورا لا يعبر عنها

    وإن من عرف الله أورثه ذلك المحبة له سبحانه وتعالى،
    قال ابن الجوزي: (فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجد في الخدمة لعل ذلك يورث المحبة... ذلك الغنى الأكبر، ووافقراه)

    ومراده أن من عرف الله أحبه، ومن أحب الله أحبه الله، وذلك والله هو الفوز العظيم والجنة والنعيم، والمحبة هي المنزلة التي (فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبوب وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون،
    وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات،
    والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام
    واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام،
    وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، والتي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه)
    .
    قال ابن القيم: (فإذا انضم داعي الإحسان والإنعام إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها وأشدها نقصاً وأبعدها من كل خير، فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أوصافه وأخلاقه، وإذا كانت هذه فطرة الله التي فطر عليها قلوب عباده،
    فمن المعلوم أنه لا أحد أعظم إحساناً منه سبحانه وتعالى، ولا شيء أكمل منه ولا أجمل،
    فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعه سبحانه وتعالى،
    وهو الذي لا يحد كماله ولا يوصف جلاله وجماله، ولا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه بجميل صفاته وعظيم إحسانه وبديع أفعاله،
    بل هو كما أثنى على نفسه وإذا كان الكمال محبوباً لذاته ونفسه وجب أن يكون الله هو المحبوب لذاته وصفاته؛ إذ لا شيء أكمل منه، وكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته وأفعاله دالة عليها، فهو المحبوب المحمود على كل ما فعل وعلى كل ما أمر؛ إذ ليس في أفعاله عبث ولا في أوامره سفه، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة، وكل واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناء والمحبة عليه، وكلامه كله صدق وعدل، وجزاؤه كله فضل وعدل، فإنه إن أعطى فبفضله ورحمته ونعمته، وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته

    وقال ابن تيمية: (وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله)

    ولذا كانت محبة الله مقتضية لعدم التشريك بينه وبين غيره فهي باعث التوحيد، ألا ترى أن القلب له وجه واحد: مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ[الأحزاب: 4]، فإذا مال إلى جهة لم يمل إلى غيرها، وليس لأحد قلبان يوحد بأحدهما ويشرك بالآخر

    من تحقق بمعاني الأسماء والصفات شهد قلبه عظمة الله تعالى فأفاض على قلبه الذل والانكسار بين يدي العزيز الجبار.

    قال ابن القيم: (كلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه، كما قال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ[فاطر: 28] أي العلماء به، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية))
    وقال ابن كثير: (إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر)
    وكيف لا يخشع القلب ويهاب إذا امتلأ بالحب والتعظيم والمعرفة بالخالق العظيم، فإن من عرف الله صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله وحده.
    من عبد الله بأسمائه وصفاته وتحقق من معرفة خالقه جل وعلا، وعظمه حق تعظيمه فإنه ولا شك يصل إلى درجة اليقين.
    قال ابن القيم: (فاليقين هو الوقوف على ما قام بالحق من أسمائه وصفاته ونعوت كماله وتوحيده)

    إن من أجل ما يثمره التعبد بالأسماء والصفات أن يعتمد القلب على الله ويخلص في تفويض أمره إليه، وذلك حقيقة التوكل على الله.

    إن إدراك معاني الأسماء والصفات على التحقيق يحمل العبد على إفراد الله بالقصد والابتعاد عن صرف شيء من العبادة لغيره تعالى، ولذا كان من أعظم ما يخلص العبد من دنس الرياء ملاحظة أسماء الله وصفاته، فمن لاحظ من أسماء الله الغني دفعه ذلك إلى الإخلاص لغنى الله تعالى عن عمله وفقره هو إلى الله عز وجل قال الله تبارك وتعالى: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه))
    ومن تأمل اسم الله العليم فإنه يعلم أن ما أخفاه عن أعين الناس من ملاحظة الخلق لا يخفى على الله لعلمه التام بكل شيء، ومن تأمل اسم الله الحفيظ حمله ذلك على ترك الرياء؛ لأن كل ما يفعله العبد محفوظ عليه سيوافى به يوم القيامة.
    وإذا صنع ذلك كان عمله كله لله، فحبه لله، وبغضه لله، وقوله لله، ولحظه لله، وعطاؤه لله، ومنعه لله، فلا يريد من الناس جزاء أو شكورا، ولسان حاله: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
    إن من أعظم المنح الربانية منحة التلذذ بالعبادة، فإذا قام العبد بالعبادة وجد لها من اللذة كما يجد المتذوق طعم الحلاوة في فمه ووجد في قلبه من الأنس والانشراح والسعادة ما لا يجده في وقت آخر، وحينئذ تكون العبادة راحة نفسه وطرب قلبه فيكون لسان حاله أرحنا بالعبادة يا بلال، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الصلاة: ((قم يا بلال فأرحنا بالصلاة))، فتكون الصلاة لما فيها من القرب لله والمناجاة له والتلذذ بكلامه والتذلل له والتعبد بأسمائه قرة العين وسلوة الفؤاد، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)).
    قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده والإيمان به وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول فيها إن كان أهل الجنة في هذه الحال إنهم لفي عيش طيب، وقال آخر: لتمر على القلب أوقات يرقص فيها طربا، وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أرحنا بالصلاة يا بلال))، ولا يقول أرحنا منها كما يقوله من تثقل عليه الصلاة كما قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ[البقرة: 45]، والخشوع: الخضوع لله تعالى والسكون والطمأنينة إليه بالقلب والجوارح)
    خفة العبادة بسبب لذتها:
    وبتحصيل هذه اللذة يخف ثقل العبادة على القلب، بل قد تزول تلك المشقة فتكون العبادة بردا وسلاما على القلب، من أعظم ما يحصل به لذة العبادة هو تأمل الأسماء والصفات وتعبد الله بها ومراعاتها في كل عبادة يأتي بها العبد أو يتركها.
    فإذا تصدق العبد بالقليل مستشعرا أن الله شكور لا يضيع عمله، بل يبارك له فيه ولو كان قليلا كان ذلك مدخلا على قلبه الفرح والسرور بربه ووجد في قلبه حلاوة عظيمة لعمله.
    ومن صلى لله تعالى متذكرا حينما قام لله صافا قدميه قيومية الله تعالى وأن الله قائم بذاته وعباده لا يقومون إلا به سبحانه وتعالى، ثم إذا كبر ورفع يديه استشعر أن الله أكبر من كل شيء، وشاهد كبرياء الله وعظمته وجلاله، ثم إذا قرأ دعاء الاستفتاح استشعر ما فيه من تنزيه الرب عن كل نقص، وإذا استعاذ وبسمل التجأ بقلبه إلى الركن الركين وتبرأ من كل حول واعتصم بالله من عدوه واستعان به لا بغيره، ثم إذا قرأ الفاتحة استشعر ما فيها من استحقاق الله لكل المحامد وألوهيته وربوبيته ورحمته بخلقه وملكه لكل شيء، واستحضر أنه يناجي ربه وأن ربه يجيبه على مناجاته كما في الصحيح: ((قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل))
    ثم تذكر عظمة الله وعلوه، وتذكر خضوعه وتذللـه بين يدي ربه بركوعه وسجوده وانكساره، وتأمل ذلك وهو يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، إذا صنع ذلك في صلاته كيف لا يصلي صلاة مودع، وكيف لا يتلذذ بصلاته وعبادته...
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم علي طويلبة علم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •