"النوال في تحرير ما للمفسرين من أقوال" (21)

اكتب في (قوقل) (النوال. وأول الآية) التي تريد معرفة ملخص آراء المفسرين فيها.

قال الرازي رحمه الله في من يفهم آيات القرآن على الآراء الضعيفة: "أقول حقاً: إن الذين يتبعون أمثال ذلك قد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً".

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد.
قال الله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)
القول الراجح أن الكوثر نهر في الجنة أعطاه الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم.
هكذا فسره النبي بنفسه كما سيأتي.

والآن إلى ذكر أقوال المفسرين في الآية.
اختلف في المراد بالكوثر على قولين:
القول الأول: أنه نهر في الجنة أعطاه الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم.
(رجح هذا القول ابن جرير*, والماتريدي*, والبغوي*, والقرطبي*).
وهو القول الراجح كما سيأتي.

القول الثاني: أن المراد بالكوثر الخير الكثير والعلم والقرآن والنبوة وغير ذلك وجميع نعم الله على محمد صلى الله عليه وسلم.
قال الزمخشري: الكوثر: فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة.
(رجح هذا القول ابن عطية*, وصاحب الظلال*, ومكمل أضواء البيان*) (واقتصر عليه ابن عاشور*)
(وذكر القولين دون ترجيح الزمخشري*, والرازي*, وابن كثير*)

وقد ورد أنه الخير الكثير عن ابن عباس وغيره.
فقد أخرج البخاري (6207) من طريق: سعيد بن جبير, عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه.
قال أبو بشر: قلت لسعيد: إن أناسا يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه)

قال ابن كثير: "وهذا التفسير يعم النهر وغيره, لأن الكوثر من الكثرة، وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر كما قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحارب بن دثار، والحسن بن أبي الحسن البصري. حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة.
وقال عكرمة: هو النبوة والقرآن، وثواب الآخرة".
قال ابن كثير: "وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضاً".

والقول الراجح من القولين أنه نهر في الجنة, فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

قال الرازي: "المشهور والمستفيض عند السلف والخلف أنه نهر في الجنة".

فقد أخرج البخاري (6210) من حديث أنس بن مالك
, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر)

وأخرج مسلم (400) من حديث أنس أيضاً قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما فقلنا ما أضحكك يا رسول الله قال أنزلت علي آنفا سورة فقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر} ثم قال أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا الله ورسوله أعلم قال فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير وحوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي فيقول ما تدري ما أحدثت بعدك)

والنص في هذين الحديثين صريح في أنه هو المراد بعينه فيضْعُف القول بأن المراد به الخير الكثير.
ولا شك أن الله تبارك وتعالى قد أعطى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم الخير الكثير في الدنيا والآخرة, ولكن المراد بالآية هنا هو الكوثر فحسب.
هكذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ صريحة فيقدم تفسيره على تفسير غيره.
فقوله: (هذا الكوثر) (أتدرون ما الكوثر) واضح صريح.
فلم يقل: (هذا من الكوثر)

قال ابن جرير:
"وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال: هو اسم النهر الذي أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، وصفه الله بالكثرة لعظم قدره.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك لتتابع الأخبار عن رسول الله بأن ذلك كذلك"اهـ
وصدق رحمه الله.

وقال الماتريدي:
"وعلى ذلك جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نهر في الجنة), فإن ثبتت الأخبار فهو ذاك كفينا عن ذكره، وإن لم تثبت الأخبار فالوجه الأول أقرب عندنا".
قلت: قد صحة الأخبار بحمد الله بلا مرية.
والله تعالى أعلم.

للاطلاع على مقدمة سلسلة (النوال)
انظر هنا
https://majles.alukah.net/t188624/