مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 27
1اعجابات

الموضوع: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    دوي الليالي الرمضانية
    ابراهيم السكران
    (1)

    الحمدلله وبعد،،
    من الذكريات التي تنتاب خاطري بشكل عشوائي صورة تتراءى لي كثيراً من أحد مساءات رمضان.. فمن المشاهد في ليالي رمضان، وخصوصاً في هذا العِقد الأخير، أن المساجد صارت تتفاوت كثيراً في توقيت صلو
    ات التراويح والتهجد بحسب ما يرتاح له أهل كل حي ويتوافقون عليه.. ولذلك فكثيراً ما تكون في منزلك قد انتهيت من الصلاة بينما تسمع بعض المساجد المجاورة لا زالوا في جوف صلاتهم .. وهذا ما وقع لي ذات ليلةٍتكاد ذكراها تتهدج في نفسي..
    كنت في غرفتي الخاصة أعِدّ بعض الأوراق، وأمامي طبق أتت به الوالدة مما تبقى من معجنات الإفطار ودسته فوق مكتبي بلطف حتى أتناوله دون مفاوضات، يارزقني الله وإخواني القراء بر والدينا أحياءً وأمواتاً، وفي ثنايا انهماكي في هذه المهام .. تسرب من خلال النافذة صوت مسجد الشيخ القارئ خالد الشارخ، وهو مسجد تتلبد عليه وفود الشباب والفتيان من الأحياء المجاورة في شرق الرياض.. توقفت عن العمل .. وفتحت النافذة وكانت ليلة عليلة .. وكادت أذني أن تنخلع تجا
    ه مصدر الصوت .. أظنها كانت آيات من سورة المائدة إن لم أكن واهماً .. والله إنني أكاد ألمس السكينة تتطامن فوق كل ذرةٍ حولي.. شعرت أن الهواء ليس كالهواء.. وأن السماء ليست السماء.. هناك شئٌ ما أفلست قواميس الدنيا أن تمدني بعبارة أصف بها ذلك الإحساس..
    رباه .. أي شئ يفعله القرآن يا إلهي في النفوس البشرية ..

    ومما يعبُر في بحر هذه الذكرى أنني أتذكر وأنا صغير أن أحد قريباتي المسنّات كانت إذا عادت من صلاة التراويح اتجهت إلى التلفاز تشاهد نقل صلاة التراويح من المسجد الحرام.. ولا أحصي كم شهدت دم
    عاتها تتلامع في محاجرها حين تتسمر أمام تلك الصفوف المهيبة المطرقة حول كعبة الله المشرفة والقرآن تتجاوب به منارات الحرم وسواريه..
    هذه الأيام التي لا يفصلنا فيها عن رمضان إلا مسيرة ثلاثة أيام، يكثر فيها تبادل التهاني والدعوات، بلغنا الله وإياك رمضان، وفقنا الله وإياك لصيام رمضان وقيامه، أحببت أن أبارك لك قدوم الشهر الكريم، الخ .. حين رأيت بعض هذه التهاني دار في بالي أن أنظر كيف عرض الله لنا (رمضان) ؟ في أي إطار وضع الله (شهر رمضان) ؟ أو بمعنى آخر: ما هي (هوية رمضان) بحسب الصورة التي يقدمها الله لنا؟
    حين أخذت أتأمل الآيات القرآنية التي تعرضت لرمضان في القرآن، وجدته جاء في صيغتين، صيغة الشهر الكامل (رمضان)، وجاء في صيغة جزئية أي بعض أيامه فقط، و
    هي (ليلة القدر).
    في الصيغة التي جاء فيها بذكر الشهر الكامل (رمضان) قال الله عنه (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة، 185] فعرّفه الله لنا بأنه الظرف الزماني للقرآن.

    وفي الصيغة التي أشير فيها لرمضان بصورة جزئية، وهي أحد لياليه، جاءت في موضعين، مرةً باسم (ليلة القدر) ومرةً باسم (الليلة المباركة)، فأما باسم ليلة القدر فيقول تعالى في مطلع سورة القدر (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر، 1] ، وأما باسم الليلة المباركة فيقول تعالى في مطلع سورة الدخان (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) [الدخان، 3].
    وفي كلا الموضعين ذكر الله هذه الليلة عبر علاقتها بالقرآن!
    يا لربنا العجب .. في المواضع التي ذكر الله فيها رمضان، بصيغة الشهر الكامل وبصيغة الليالي الجزئية، تم تقديمه في إطار علاقته بالقرآن .. أي إشارة لخصوصية القرآن في رمضان أكثر من ذلك.. استعرض كل شهور السنة الفاضلة.. شهور الحج.. الأشهر الحرم.. لن تجد كثافة في الإشارة للقرآن كما تجده في علاقة القرآن برمضان..
    بل ثمة أمر قد يكون أشد لفتاً للانتباه من ذلك، أنه ليس فقط إنزال القرآن
    اختار الله له رمضان، بل حتى (مراجعة القرآن) مع النبي -صلى الله عليه وسلم- اختار الله لها رمضان! فكان جبرائيل عليه السلام –وهو أعظم الملائكة لأنه اختص بنقل كلام الله- يعقد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- مجالس مسائية في كل ليلة من رمضان لمراجعة القرآن، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال (كان جبريل يلقى النبي في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن) [البخاري، 4997]
    لماذا اختار الله تحديداً هذا الشهر –أيضاً- لمراجعة القرآن؟ أليس في هذا إلماحاً إلى أن الساعات الرمضانية هي أشرف الأزمان وأليقها بالقرآن؟ هل هناك لفت للانتباه لخصوصية القرآن في رمضان أكثر من هذه الإشارات في اختيار توقيت نزول القرآن، واختيار توقيت مراجعته؟
    والحقيقة أن هذه المدارسة إذا أخذ يتخيلها الإنسان تستحوذ عليه المهابة .. من يتصور؟ مجلس ليلي رمضاني لمراجعة القرآن، طرفاه أعظم إنسان (محمد بن عبدالله) وأعظم ملَك (جبرائيل) وموضوع الدرس أعظم الكلام (كلام ملك الملوك) .. يا ألله .. أي هيبة تقبض على النفوس بمجرد تخيل ذلك..
    ولذلك فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- نفسه يتأثر كثيراً بهذه المدارس
    ة القرآنية الرمضانية مع جبرائيل، وكان الصحابة يرون أثرها أمامهم على شخصية رسول الله –صلى الله عليه وسلم- حتى كان يقول ابن عباس كما في البخاري (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) [البخاري، 3220].

    انظر كيف كان جود رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يزداد بمدارسته القرآن مع جبريل، إذا كان هذا رسول الله الذي نزل عليه القرآن ومع ذلك ينتفع بمدارسته، فكيف بالله عليكم ستكون حاجتنا نحن أصحاب القلوب التي أمرضتها الشهوات والشبهات..؟! أي حرمان أوقع فيه بعض المتثيقفة أنفسَهم حين أوهموا أنفسهم أنهم يعرفون القرآن وقرؤوه ولا حاجة لهم إلى إستمرار تلاوته وتدبره ومدارسته، فكل ما في القرآن سبق أن اطلعوا عليه!
    أشهر فعالية اجتماعية في شهر رمضان هي طبعاً (صلاة التراويح).. هل
    سألت نفسك يوماً ماهي الحكمة من صلاة التروايح؟ دعني أكون شفافاً معك فالحقيقة أنه لم يسبق لي أصلاً أن تساءلت هذا السؤال، ولكن كنت مرةً أطالع فتاوى محقق العلوم ابوالعباس ابن تيمية فرأيته يقول رحمه الله (بل من أجلِّ مقصود التراويح قراءة القرآن فيها، ليسمع المسلمون كلام الله) [الفتاوى 23/122]
    سبحان من فتح على ذلك العقل الحراني في فهم أسرار الشريعة..
    وإذا تأمل المرء النسبة بين رمضان الذي هو وقت الصوم ووقت نزول القرآن، أدرك شيئاً من النسبة بين يوم الاثنين واستحباب صيام النفل فيه، وهو ما أشار له النبي –صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم (سئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن صوم يوم الاثنين قال "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو أنزل علي فيه"). [مسلم، 2804]
    فلاحظ بالله عليك هذا الخيط الرفيع بين كون شهر رمضان الذي يجب صومه هو شهر نزول القرآن، ويوم الاثنين الذي يستحب صومه هو يوم نزول القرآ
    ن.
    هل من المعقول أن تكون هذه التوقيتات الزمنية لا تحمل دلالات شرعية ورسائل تضمينية؟
    بل ومن الموافقات التاريخية العجيبة أن أشهر جهاد للسلف في القرآن كان فتنة الإمام الاحمد المعروفة في مسألة القرآن، وهذه الحادثة العقدية القرآنية وقعت في رمضان كما ذكر المؤرخون! قال الذهبي (وفي رمضان كانت محنة الإمام أحمد في القرآن، وضرب بالسياط حتى زال عقله) [النبلاء، 10/292].

    فسبحان من أنزل القرآن في رمضان، وابتلى أئمة السلف بالجهاد للقرآن في رمضان! وهذا مجرد توافق تاريخي لكن فيه شئ لطيف مما تستطرفه النفوس..
    وإذا حاول المرء أن يتأمل في سر العلاقة بين رمضان والقرآن، أو أزمان الصيام والقرآن، فإنه يمكن أن تكون العلاقة أن الصيام يهذب النفس البشرية فتتهيأ لاستقبال القرآن، ففي أيام الصيام تكون النفس هادئة ساكنة بسبب ترك فضول الطعام .. وهذا يعني أن من أعظم ما يعين على تدبر القرآن وفهمه التقلل من الفضول.. مثل فضول الطعام، وفضول
    الخلطة مع الناس، وفضول النظر، وفضول السماع، وفضول تصفح الانترنت.. فكلما زالت حواجز الفضول تهاوت الحجب بين القلب والقرآن..
    وبعض الناس يتساءل ويقول: ماذا أتدبر بالضبط في القرآن؟ والحقيقة أن القرآن فيه حقائق وإشارات كثيرة تحتاج إلى التدبر، ثمة مفاتيح كثيرة لفهم القرآن..
    أعظم وجوه ومفاتيح الانتفاع بالقرآن تدبر ما عرضه القرآن من (حقائق العلم بالله) فما في القرآن من تصورات عن الملأ الأعلى هي من أعظم ما يزكي النفوس، وكثيراً من المنتسبين للفكر المعاصر يظن الأهم في القرآن هو التشريعات العملية، وأما باب العلم الإلهي فهو قضية ثانوية، ولا يعرف أن هذا هو المقصود الأجل والأعظم، ولذلك قال الإمام ابن تيمية (فإن الخطاب العلمي في القرآن أشرف من الخطاب العملي قدراً وصفة) [درء التعارض، 5/358].
    وأنا شخصياً إذا التقيت بشخصية غربية متميزة في الفكر أو القانون أو غيرها من العلوم أجاهد نفسي مجاهدة على احترام تميزه، لأنني كلما رأيتهم في غاية الجهل بالله سبحانه وتعالى، امتلأت نفسي إزرا
    ءً بهم، ما فائدة أن تعرف تفاصيل جزء معين من العلوم وأنت جاهل بأعظم مطلوب للإنسان.. إنه لا يختلف عن سائق مركبة يتقن تفاصيل بعض الطرق الفرعية ويجهل الطرق الرئيسية في المدينة.. فهل مثل هذا يصل؟! أي تخلف وانحطاط معرفي يعيشه هؤلاء الجهلة بالعلم الإلهي.. ويؤلمني القول بأن كثيراً من المنتسبين للفكر العربي المعاصر يجهلون دقائق العلم بالله التي عرضها القرآن.. وأما من تأمل رسالة الإمام أحمد في الرد على الزنادقة، ورسالة الدارمي في النقض على المريسي، فستسحوذ عليه الدهشة من عمق علمهم بالقرآن ومافيه من أسرار المعرفة الإلهية، وشدة استحضار الآيات وربط ما بينها..
    ومن وجوه الانتفاع بالقرآن –أيضاً- تدبر أخبار الأنبياء التي ساقها القرآن وكررها في مواضع متعددة، وبدهي أن هذه الأخبار عن الأنبياء ليست قصصاً للتسلية، بل هي (نماذج) يريد القرآن أن يوصل من خلالها رسائل تضمينية، فيتدبر قارئ القرآن ماذا أراد الله بهذه الأخبار؟ مثل التفطن لعبودية الأنبياء وطريقتهم في التعامل مع الله كما قال الإمام ابن تيمية (والقرآن قد أخبر بأدعية الأنبياء، وتوباتهم، واستغفارهم) [الرد على البكري].
    وتلاحظ أن الله يثنّي ويعيد قصص القرآن في مواطن متفرقة، وليس هذا تك
    راراً محضاً، بل في كل موضع يريد الله تعالى أن يوصل رسالةً ما، وأحياناً أخرى يكون في كل موضع إشارة لجزء من الأحداث لايذكره الموضع الآخر، كما قال الإمام ابن تيمية مثلاً (وقد ذكر الله قصة قوم لوط في مواضع من القران في سورة هود والحجر والعنكبوت، وفي كل موضع يذكر نوعاً مما جرى) [الرد على المنطقيين].
    والمهم هاهنا أن تدبر أخبار الأنبياء، وأخبار الطغاة، وأخبار الصالحين، في القرآن، ومحاولة تفهم وتحليل الرسالة الضمنية فيها؛ من أعظم مفاتيح الانتفاع بالقرآن.

    ومن أعظم وجوه الانتفاع بالقرآن –أيضاً- أن يضع الإنسان أمامه على طاولة التدبر كل الخطابات الفكرية المعاصرة عن النهضة والحضارة والتقدم والرقي والاصلاح والاستنارة الخ.. ويضع كل القضايا التي يرون أنها
    هي معيار التقدم والرقي .. ثم يتدبر قارئ القرآن أعمال الإيمان التي عرضها القرآن كمعيار للتقدم والرقي .. تأمل فقط بالله عليك كيف ذكر الله الانقياد والتوكل واليقين والاخلاص والاستغفار والتسبيح والصبر والصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الخ في عشرات المواضع .. بل بعض هذه الأعمال بعينها ذكرت في سبعين موضعاً .. ثم قارن حضور هذه القضايا في الخطابات الفكرية لتجده حضوراً شاحباً خجولاً .. أي إفلاس فكري أن تكون الأعمال التي يحبها الله ويثنيّ بها ويجعلها مقياس الرقي والتقدم والتنوير هي في ذيل القائمة لدى الخطابات الفكرية المعاصرة المخالفة لأهل السنة .. يا خيبة الأعمار ..
    حين يتدبر قارئ القرآن كيف وصف الله القرآن بأنه هدى وبينات ونور فإنه يستنتج من ذلك مباشرة بأن مراد الله من عباده في القرآن ليس لغزاً .. هل يمكن أن يكون الله تعالى يعظم ويمنح الأولوية لتلك القضايا التي ترددها الخطابات الفكرية ثم يكرر في القرآن غير ذلك؟! هل القرآن يضلل الناس عن مراد الله؟! شرّف الله القرآن عن ذلك، ولذلك كان الامام ابن تيمية يقول (وما قصد به هدى عاماً كالقرآن، الذي أنزله الله بياناً للناس، يذكر فيه من الادلة ما ينتفع به الناس عامة). [الفتاوى، 9/211]
    وهذا لا يعني أن الأئمة الربانيين لا يختصهم الله بمزيد فهم للقرآن، وتتكشف لهم دلالات وأسرار لا تنكشف لغيرهم من الناس، فالقلب المعمور بالتقوى يبصر ما لا يبصره من أغطشت عينه النزوات، نسأل الله أن ي
    سبل علينا ستر عفوه، وقد أشار الإمام ابن تيمية لذلك في مواضع كثيرة من كتبه، كقوله (ومن المعلوم أنه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل الناس فيه تفاضلاً لا ينضبط لنا، والقرآن الذي يقرأه الناس بالليل والنهار يتفاضلون في فهمه تفاضلاً عظيماً، وقد رفع الله بعض الناس على بعض درجات) [درء التعارض].
    ومن أعظم مفاتيح الانتفاع بالقرآن –أيضاً- أن يستحضر متدبر القرآن أن جمهور قرارات القرآن وأحكامه على الأعيان والأشياء إنما هي (أمثال)، ومعنى كونها أمثال أي (يعتبر بها ما كان من جنسها) بمعنى أن القرآن يقدم في الأصل نماذج لا خصوصيات أعيان، وقد أشار القرآن لذلك كثيراً كقوله تعالى في سورة الحشر (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ، وقوله في سورة الروم (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ).

    فماذا يريد الله في مطاوي هذه الأمثلة القرآنية؟ هذا أفق واسع للتدبر..
    لا شك أن تنبيهات القرآن على مركزية (تدبر القرآن) في صحة المنه
    ج والطريق أنها دافع عظيم للتدبر .. لكن ثمة أمراً آخر على الوجه المقابل لهذه القضية .. معنى منذ أن يتأمله الإنسان يرتفع لديه منسوب القلق قطعاً .. وهو أن من أعرض عن تدبر القرآن فإن الله قدر عليه أصلاً ذلك الانصراف لأن الله تعالى سبق في علمه أن هذا الإنسان لا خير فيه، ولو كان في هذا المعرض خير لوفقه الله للتدبر والانتفاع بالقرآن، وقد شرح القرآن هذا المعنى في قوله تعالى (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) [الأنفال، 23].
    كلما رأى الإنسان نفسه معرضاً عن تدبر القرآن، أومعرضاًَ ع
    ن بعض معاني القرآن، ثم تذكر قوله تعالى (ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم) يجف ريقه من الهلع لا محالة..
    على أية حال .. رمضان على الأبواب .. وهذا موسم القرآن ولكل شئ موسم.. (والقرآن مورد يرده الخلق كلهم، وكل ينال منه على مقدار ما قسم الله له) [درء التعارض].

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    " من مناطق التدبر "

    ابراهيم السكران
    (2)


    كثير من الناس يتساءل ويقول: ماذا أتدبر بالضبط في القرآن؟ والحقيقة أن القرآن فيه حقائق وإشارات كثيرة تحتاج إلى التدبر، ثمة مفاتيح كثيرة لفهم القرآن..أعظم وجوه ومفاتيح الانتفاع بالقرآن تدبر ما عرضه القرآن من (حقائق العلم بالله) فما في القرآن من تصورات عن الملأ الأعلى هي من أعظم ما يزكي النفوس، وكثيراً من المنتسبين للفكر المعاصر يظن الأهم في القرآن هو التشريعات العملية، وأما باب العلم الإلهي فهو قضية ثانوية، ولا يعرف أن هذا هو المقصود الأجل والأعظم، ولذلك قال الإمام ابن تيمية: "فإن الخطاب العلمي في القرآن أشرف من الخطاب العملي قدراً وصفة" [درء التعارض، 5/358].

    وأنا شخصياً إذا التقيت بشخصية غربية متميزة في الفكر أو الق
    انون أو غيرها من العلوم أجاهد نفسي مجاهدة على احترام تميزه، لأنني كلما رأيتهم في غاية الجهل بالله سبحانه وتعالى، امتلأت نفسي إزراءً بهم، ما فائدة أن تعرف تفاصيل جزء معين من العلوم وأنت جاهل بأعظم مطلوب للإنسان.. إنه لا يختلف عن سائق مركبة يتقن تفاصيل بعض الطرق الفرعية ويجهل الطرق الرئيسية في المدينة.. فهل مثل هذا يصل؟! أي تخلف وانحطاط معرفي يعيشه هؤلاء الجهلة بالعلم الإلهي..ويؤلمني القول بأن كثيراً من المنتسبين للفكر العربي المعاصر يجهلون دقائق العلم بالله التي عرضها القرآن.. وأما أئمة السلف الذين ورثنا عنهم علوم الشريعة فقد كانوا في ذروة التبحر في دقائق القرآن، فمن تأمل - مثلاً - رسالة الإمام أحمد في الرد على الزنادقة، أو رسالة الدارمي في النقض على المريسي، فستستحوذ عليه الدهشة من عمق علمهم بالقرآن وما فيه من أسرار المعرفة الإلهية، وشدة استحضار الآيات وربط ما بينها، ليست معرفة آحاد وأفراد الألفاظ فقط، بل معرفة السلف بالقرآن مركبة، فتجدهم يلاحظون منظومة لوازم معاني القرآن، ويستخلصون قي تقريراتهم حصيلة توازنات هذه المعاني القرآنية..ومن وجوه الانتفاع بالقرآن - أيضاً- تدبر أخبار الأنبياء التي ساقها القرآن وكررها في مواضع متعددة وبدهي أن هذه الأخبار عن الأنبياء ليست قصصاً للتسلية ، بل هي (نماذج) يريد القرآن أن يوصل من خلالها رسائل تضمينية، فيتدبر قارئ القرآن ماذا أراد الله بهذه الأخبار؟ مثل التفطن لعبودية الأنبياء وطريقتهم في التعامل مع الله كما قال الإمام ابن تيمية :"والقرآن قد أخبر بأدعية الأنبياء، وتوباتهم، واستغفارهم" [تلخيص الاستغاثة:1/161].
    وتلاحظ أن الله يثنّي ويعيد قصص القرآن في مواطن متفرقة، وليس ه
    ذا تكراراً محضاً، بل في كل موضع يريد الله تعالى أن يوصل رسالةً ما، وأحياناً أخرى يكون في كل موضع إشارة لجزء من الأحداث لا يذكره الموضع الآخر، كما قال الإمام ابن تيمية مثلاً: "وقد ذكر الله قصة قوم لوط في مواضع من القران في سورة هود والحجر والعنكبوت، وفي كل موضع يذكر نوعاً مما جرى" [الرد على المنطقيين:494].
    والمهم هاهنا أن تدبر أخبار الأنبياء، وأخبار الطغاة، وأخبار الصالحين، في القرآن، ومحاولة تفهم وتحليل الرسالة الضمنية فيها؛ من أعظم مفاتيح الانتفاع بالقرآن.

    ومن أعظم وجوه الانتفاع بالقرآن - أيضاً - أن يضع الإنسان أمامه على طاولة التدبر كل الخطابات الفكرية المعاصرة عن النهضة والحضارة والتقدم والرقي والإصلاح والاستنارة الخ.. ويضع كل القضايا التي يرون أنها هي معيار التقدم والرقي ..ثم يتدبر قارئ القرآن أعمال الإيمان التي عرضها القرآن كمعيار للتقدم والرقي ..تأمل فقط بالله عليك كيف ذكر الله الانقياد والتوكل واليقين والإخلاص والاستغفار والتسبيح والصبر والصدق وا
    لأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... الخ في عشرات المواضع ..بل بعض هذه الأعمال بعينها ذكرت في سبعين موضعاً ..ثم قارن حضور هذه القضايا في الخطابات الفكرية لتجده حضوراً شاحباً خجولاً ..أي إفلاس فكري أن تكون الأعمال التي يحبها الله ويثنيّ بها ويجعلها مقياس الرقي والتقدم والتنوير هي في ذيل القائمة لدى الخطابات الفكرية المعاصرة المخالفة لأهل السنة ..يا خيبة الأعمار ..حين يتدبر قارئ القرآن كيف وصف الله القرآن بأنه هدى وبينات ونور فإنه يستنتج من ذلك مباشرة بأن مراد الله من عباده في القرآن ليس لغزاً .. هل يمكن أن يكون الله تعالى يعظم ويمنح الأولوية لتلك القضايا التي ترددها الخطابات الفكرية ثم يكرر في القرآن غير ذلك؟! هل القرآن يضلل الناس عن مراد الله؟! شرّف الله القرآن عن ذلك، ولذلك كان الإمام ابن تيمية يقول : "وما قُصِد به هدى عاماً كالقرآن، الذي أنزله الله بياناً للناس، يذكر فيه من الأدلة ما ينتفع به الناسعامة". [الفتاوى: 9/211] وهذا لا يعني أن الأئمة الربانيين لا يختصهم الله بمزيد فهم للقرآن، وتتكشف لهم دلالات وأسرار لا تنكشف لغيرهم من الناس، فالقلب المعمور بالتقوى يبصر ما لا يبصره من أغطشت عينه النزوات، نسأل الله أن يسبل علينا ستر عفوه، وقد أشار الإمام ابن تيمية لذلك في مواضع كثيرة من كتبه، كقوله :" ومن المعلوم أنه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل الناس فيه تفاضلاً لا ينضبط لنا، والقرآن الذي يقرأه الناس بالليل والنهار يتفاضلون في فهمه تفاضلاً عظيماً، وقد رفع الله بعض الناس على بعض درجات" [درء التعارض:7/427].

    ومن أعظم مفاتيح الانتفاع بالقرآن - أيضاً - أن يستحضر متدبر القرآن أن جمهور قرارات القرآن وأحكامه على الأعيان والأشياء إنما هي (أمثال)، ومعنى كونها أمثال أي (يعتبر بها ما كان من جنسها) بمعنى أن القرآن يقدم
    في الأصل نماذج لا خصوصيات أعيان، وقد أشار القرآن لذلك كثيراً كقوله تعالى في سورة الحشر ï´؟وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَï ´¾[الحشر:21]، وقوله في سورة الروم ï´؟وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ï´¾ [الروم:58]. فماذا يريد الله في مطاوي هذه الأمثلة القرآنية؟ هذا أفق واسع للتدبر..لا شك أن تنبيهات القرآن على مركزية (تدبر القرآن) في صحة المنهج والطريق أنها دافع عظيم للتدبر .. لكن ثمة أمراً آخر على الوجه المقابل لهذه القضية .. معنى منذ أن يتأمله الإنسان يرتفع لديه منسوب القلق قطعاً .. وهو أن من أعرض عن تدبر القرآن فإن الله قدر عليه أصلاً ذلك الانصراف لأن الله تعالى سبق في علمه أن هذا الإنسان لا خير فيه، ولو كان في هذا المعرض خير لوفقه الله للتدبر والانتفاع بالقرآن، وقد شرح القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: ï´؟وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 23].
    كلما رأى الإنسان نفسه معرضاً عن تدبر القرآن، أو معرضاً عن بعض معاني القرآن، ثم تذكر قوله تعالى: ï´؟وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْï ´¾ يجف ريقه من الهلع لا محالة..على أي
    ة حال .. هذا القرآن ينبوع يتنافس الناس في الارتشاف منه بقدر منازلهم، كما قال الإمام ابن تيمية :"والقرآن مورد يرده الخلق كلهم، وكل ينال منه على مقدار ما قسم الله له" [درء التعارض : 7/427] .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    " كل المنهج في أم الكتاب "

    ابراهيم السكران
    (3)


    حين يقول لك نبي الله إن أعظم سورة في القرآن هي سورة الفاتحة ، كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد المعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته [البخا
    ري،4474] .
    فهل هذه المنزلة لسورة الفاتحة منزلة اعتباطية ؟ هل الله جل وعلا يختار أن تكون سورة الفاتحة أعظم وحي أوحاه سبحانه وتعالى طوال تاريخ النبوات هكذا دون حيثيات موضوعية أعطت هذه السورة العظيمة مرتبتها الأولوية؟ كم من الوقت منحناه لتدبر هذه السورة العظيمة والتساؤل عن مغزى هذا التعظيم الإلهي لها ؟ حين يتدبر القارئ مضامين هذه السورة فإنه لا يستطيع أن يكف عن نفسه الذهول كيف تاهت التيارات الفكرية المخالفة لأهل السنة في قضايا وجزئيات ومسائل جعلوها أعظم مطالبهم، وزهدوا في مطالب أخرى جاءت هذه السورة العظيمة بتقريرها ، تأ
    مل كيف بدأت هذه السورة بثلاث آيات كلها ثناء على الله ، تعظيمه جل وعلا بربوبيته للعالمين، ثم تعظيمه جل وعلا بكمال رحمته ، ثم تعظيمه جل وعلا بملكه لليوم الآخر .

    القارئ يحمد الله بربوبيته للعالمين ، ورب العالمين يجيبه فيقول : (حمدني عبدي) ، ثم يواصل القارئ فيثني على الله بكمال رحمته ، ورب العالمين يقول : (أثنى علي عبدي) ، فإذا بلغ القارئ الآية الثالثة فأثنى على الله بملكه لليوم الآخر قال الله: (مجدني عبدي) [صحيح مسلم،904]..كثيراً ما أتساءل هل نحن حين نقرأ الفاتحة ونمر بهذه الآيات نستشعر أن رب الأرض والسماوات يقول لنا ذلك، إنه الله ، يتحدث عنا ونحن نقرأ الفاتحة.. هل تت
    صور ؟! فبالله عليك تأمل في هذه الآيات الثلاث التي ذكر الله تعالى في الحديث القدسي في صحيح مسلم أنها نصف الفاتحة ، حين قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين).. هذه الآيات الثلاث التي هي نصف الفاتحة، أي أنها نصف أعظم سورة في القرآن ، كلها حمد لله وثناء على الله وتمجيد لله ..بالله عليك تأمل في هذه الآيات الثلاث، ثم انتقل بذهنك وتذكر جدل المذاهب الفكرية المعاصرة حول قضية (ترتيب الأولويات) ..سألتك بالله هل رأيت واحداً منهم يتحدث عن الثناء على الله وتوقير الله وتعظيم الله باعتباره أولوية من أولويات الإصلاح؟ بالله عليك هل رأيت أحداً منهم يتحدث عن عمارة النفوس بتمجيد الباري باعتبارها أولوية من أولويات النهضة والتقدم ؟ حين أتأمل في النصف الأول من الفاتحة وأقارن دعاة أهل السنة بكلام المذاهب الفكرية يدركني الرثاء الحزين لأحوال هذه المذاهب الفكرية، كيف تحيروا في أعظم المطالب، وبعضهم فيه ذكاء واطلاع، ولكن هذه الأمور بابها التوفيق الإلهي، وكم تردت نفوس كثيرة حين تسرب إليها شيء من كبرياء الثقافة وزهو الذكاء.. فإذا تجاوزت هذه الآيات الثلاث وبلغت جوهرة السورة كلها إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.. فتقديم المعمول (إياك) على العامل (نعبد) يفيد الحصر ، فلا يعبد إلا الله ، والعبادة لفظ شامل ، فإذا نطقت بهاته الجملة التي لا تتجاوز كلمتين إِيَّاكَ نَعْبُدُ .. تهاوت أمام ناظريك كل المألوهات من دون الله..تذكرت طوائف تنتسب للقبلة وتستغيث بالحسين، وهذه الآية تقول لا يستغاث بالحسين من دون الله..تذكرت مذاهب تمنح حق التشريع للبرلمان، وهذه الآية تقول لا يملك حق التشريع إلا الله..تذكرت من يطاوع هواه حتى كأنه إلهاً له كما قال تعالى : ï´؟أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُï´¾ [الجاثية : 23]، وهذه الآية تقول لا يؤله إلا الله..تذكرت شخصيات تعبد المنصب والمال، كما قال صلى الله عليه وسلم : (تعس عبد الدينار) . وهذه الآية تقول لا يعبد إلا الله.. تذكرت من يذعن للشيطان حتى كأنه يعبده كما قال تعالى: ï´؟يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَï´¾ [يس :

    60] وكما قال الله عن الخليل: ï´؟يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَï´¾ [مريم : 44] وهذه الآية تقول لا يذعن إلا لله..تذكرت حالات يلتفت فيها القلب إلى ثناء الناس ومديحهم، وهذه الآية تقول لك لا يراد بالعمل إلا وجه الله..تذكرت نيات عزبت عن الله إلى دنيا تصيبها، وهذه الآية تقول لا ينوى العمل إلا لله وتذكرت وتذكرت وتذكرتوهذه الآية العظيمة تسقط كل مطاع أو متبوع أو مألوه إلا الله إِيَّاكَ نَعْبُدُ .. هي جوهر مشروع الإصلاح، وهي قاعدة النهضة، وهي
    مختبر الحضارة، وهي معيار التقدم، وهي خطة التنمية.. إِيَّاكَ نَعْبُدُ .. هي قلب سورة الفاتحة، قلب أعظم سورة في كتاب الله، ومع ذلك، كم تاهت عن هذه السورة ، بل عن هاتين الكلمتين فقط أمم من الخلق آية نكررها في اليوم عشرات المرات في كل ركعة من الفرائض والنوافل لماذا ؟ لأنها "منهج حياة".
    تأمل فقط في أحد تطبيقات هذه الآية كيف يحكّمها أئمة الدين في تفاصيل المسائل، يقول ابن تيمية : "والمقصود أن صاحب الزيارة الشرعية إذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ كان صادقاً؛ لأنه لم يعبد إلا الله ولم يستعن إلا به وأما صاحب الزيارة البدعية فإنه عبد غير الله واستعان بغيره، فهذا بعض ما يبين أن "الفاتحة" أم القرآن)[الفتاوى:6/264].
    وأما الاستعانة في قوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُï´¾ف هي عبادة مشمولة بقوله : ؟إِيَّاكَ نَعْبُدُ ولكن الله أفردها بالذكر في هذا الموضع من فاتحة الكتاب ليكون تنبيهاً مستمراً يسمعه المؤمن يذكّره بأ
    ن المطلوب الأكبر وهو (العبادة) لا يكون إلا بـ(الاستعانة)، وهذا الموضع في تعقيب العبادة بالاستعانة موضع أسهب فيه أئمة التأله والسلوك وفقهاء الطريق إلى الله في تأملاتهم الإيمانية .
    ثم تنتقل السورة إلى النصف الثاني الذي ذكره الله في الحديث القدسي السابق، ويبدأ بعد الثناء والتوحيد، حالة الدعاء، فإن الله قال: (هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).
    حسناً ..ما الدعاء الذي اختاره الله لنا بأن ندعو به؟ مطلوبات كثيرة، وهانحن الآن في أعظم سورة، وقد بلغنا الموضع الذي اختار الله أن يكون موضع دعاء، والله سبحانه هو الذي
    اختار لنا هذا الدعاء.
    أتدري ما الذي اختاره الله ؟إنه ( الدعاء بالهداية ) ..لو قيل لشخص : ادع الله كثيراً أن يهديك ، لاستغرب ، وشعر أن هذا أمر ثانوي ، والله تعالى يختار لنا أن يكون دعاء الفاتحة هو سؤال الهداية ! إذا كان الله سبحانه اختار أن يكون دعاء أعظم سورة في القرآن هو " سؤال الهداية " فهذا يعني أن الضلال وشيك خطير مخوف ، وإلا لم يفرد الله سؤال بهذه الخصوصية ، لو كان الضلال أمراً مستبعداً ، أو مما يجب أن لا ننشغل بالخوف منه ، أو يجب أن لا نكون سوداويين ، لما كان الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين والذي يريد لنا الخير أكثر مما نريده لأنفسنا ؛ يختار أن يكون دعاء الفاتحة هو طلب الهداية .. ولاحظ المقام الذي يدعو فيه المرء بالهداية ؟ إنه ليس مقام معصية .. ولا مقام ضلال .. بل يلح الإنسان على الله في طلب الهداية وهو في أجل لحظات الهداية ! قائم بين يدي الله ويسأله الهداية ! فكيف بالسادر عن الله
    ؟ فكيف بالغافل اللاهي ؟ ومع ذلك يستعظم أن يسأل الله الهداية ! في المواضع العظيمة ، لا يُختار من الدعاء إلا أعظمه ، وأعظم الدعاء ما خاف الإنسان من ضده.. فإذا كان الله اختار لنا "تكرار طلب الهداية" في قلب أعظم سورة تكلم بها سبحانه وتعالى، دل هذا على أن ضد الهداية وهو الضلال أمرٌ أقرب إلى أحدنا من عمامته التي تحيط برأسه..دل هذا على أننا نسير في حقل ألغام من الانحرافات ..دل هذا على أن هذه الحياة الدنيا محفوفة بكلاليب الباطل تلتقط الناس يمنة ويسرة .. ولذلك اختار أرحم الراحمين لنا أن نسأله الهداية في كل ركعة من صلاتنا..إذا رأيت كيف خص الله الهداية هاهنا بطريقة تثير القلق من الضلال، فقارنها بالبرود الفكري المعاصر تجاه قضية الهداية والضلال ، وتعاملنا معها بمنطق سيبيري جامد، ليس فيه خوف ووجل وحرص على الحق..قال الإمام ابن تيمية : "وإنما فرض عليه من الدعاء الراتب الذي يتكرر بتكرر الصلوات، بل الركعات فرضها ونفلها، هو الدعاء الذي تتضمنه أم القرآن وهو قوله تعالى : ï´؟اهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم ، لأن كل عبد فهو مضطر دائماً إلى مقصود هذا الدعاء وهو هداية الصراط المستقيم"[الفتاوى:22/399] .

    وما إن يتجاوز القارئ لفظ الهداية .. إلا وتبدأ أولى محطات الإشارة إلى "الصراع" ..ذكر الله بعد ذلك مباشرة الإشارة إلى محل الهداية وهو "الصراط" وهذا يعني أنه صراط واحد، وليس متعدداً..هل اكتفى بذلك؟ لا .. بل وصفه بأنه "مستقيم" أيضاً ..فهو صراط لا يحتمل المنعطفات، فمن خرج عن هذا الصراط فقد خرج عن الإسلام.. ومن د
    خل في هذا الصراط لكن لم يراع استقامته فهو من منحرفي أهل القبلة ..فالصراط وصف للإسلام ..والمستقيم وصف للسير على السنة..فالاستقام ة وصف أضيق من الصراط .
    حسناً.. وصف الله محل الهداية وصفاً نظرياً بأنه "صراط مستقيم" ..هل اكتفى بهذا القدر؟ لا ..بل زاد بأن ربطه بتجربة بشرية معروفة فقال تعالى: ï´؟صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْï´¾..ق ارن هذا الربط بأولئك الذين يقولون طريقة الصحابة ومن تبعهم لا تلزمنا! الله تعالى يوضح لنا الصراط بأنه صراط الذين أنعم عليهم، ومن أعظم من يدخل هذا الوصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهؤلاء يقولون طريقة الصحابة لا تلزمنا ! ثم تختتم هذه السورة برسم أسباب الافتراق الكبرى وآثارها، حيث يقع الصراط المستقيم بين طريقين، طريق المغضوب عليهم، وهم الذين حصلوا العلم وأه
    ملوا العمل ، وطريق الضالين ، وهم الذين اجتهدوا في العمل بلا علم .. وأهل الصراط المستقيم جمعوا العلم والعمل ..
    فانظر كيف تصوغ هذه الفاتحة العظيمة حياة المسلم وهو يكررها كل يوم..


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    " الحبل الناظم في كتاب الله "

    ابراهيم السكران
    (4)


    هذه ليست ورقة بحثية، ولا مقالة منظمة، ولا حتى خاطرة أدبية، كلا، ليست شيئاً من ذلك كله، وإنما هي (هم نفسي شخصي) قررت أن أبوح به لأحبائي وإخواني، فهذه التي بين يديك هي أشبه بورقة "اعتراف" تطوى في سجلات الحزانى.. هذا الإحباط النفسي الذي يجرفني ليس وليد هذه الأيام، وإنما استولى علي منذ سنوات، لكن نفوذه مازال يتعاظم في داخلي.. صحيح أنني أحياناً كثيرة أنسى في اكتظاظ مهام الحياة اليومية هذه
    القضية، لكن كلما خيّم الليل، وحانت ساعة الإخلاد إلى الفراش، ووضعت رأسي على الوسادة، وأخذت أسترجع شريط اليوم ينبعث لهيب الألم من جديد.. ويضطرم جمر الإحباط حياً جذعاً..ثمة قضية كبرى وأولوية قصوى يجب أن أقوم بها ومع ذلك لازالت ساعات يومي تتصرم دون تنفيذ هذه المهمة.. لماذا تذهب السنون تلو السنون ولازلت أفشل في التنفيذ ؟ لماذا تكون المهمة أمام عيني في غاية الوضوح ومع ذلك أفلس في القيام بها؟ ويزداد الألم حين أتأمل في كثير من الناس من حولي فلا أرى فيهم إلا بعداً عن هذه القضية، إلا من رحم الله.. مجالس اجتماعية أحضرها تذهب كلها بعيداً عن "الأولوية القصوى"..وأتصفح منتديات إنترنتية وصفحات تواصل اجتماعي (فيسبوك وتويتر) تمتلئ بآلاف التعليقات يومياً.. وكثيرٌ منهم منهمك في أمور بعيدة عن "الأولوية القصوى" إلا من رحم الله..وأطالع كتباً فكرية تقذف بها دور النشر وتفرشها أمامك معارض الكتب وغالبها معصوب العينين عن "الأولوية القصوى"..فإذا أعدت كل مساء استحضار واقعي اليومي، وواقع كثير من الناس من حولي؛ تنفست الحسرات وأخذت أتجرع مرارتها ..وأتساءل: لِم؟ لِم هذا كله؟ متى تنتهي هذه المأساة؟ دعني ألخص لك كل الحكاية..في كل مرةٍ أتأمل فيها القرآن أشعر أنني لازلت بعيداً عن جوهر مراد الله ..مركز القرآن الذي تدور حوله قضاياه لازلت أشعر بالمسافة الكبيرة بيني وبينه يذكر الله في القرآن أموراً كثيرة ..يذكر تعالى ذاته المقدسة بأوصاف الجلال الإلهية، ويذكر الله في القرآن مشاهد القيامة من جنة ونار ومحشر ونحوها، ويذكر أخبار الأنبياء وأخبار الطغاة وأخبار الصالحين وأخبار الأمم ولا سيما بني إسرائيل وتصرفاتهم، ويذكر تشريعات عملية في العبادات والمعاملات... الخ وفي كل هذه القضايا ثمة خيط ناظم يربط كل هذه القضايا .. تتعدد الموضوعات في القرآن لكن هذا الخيط الناظم هو هو .. هذه القضية التي يدور حولها القرآن ويربط كل شيء بها هي "عمارة النفوس بالله" .

    كنت أتأمل - مثلاً - في أوائل المصحف، في سورة البقرة، كيف حكى الله تعجب الملائكة أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [البقرة: 30] ثم يربي الله فيهم تعظيم الله ورد العلم إليه ï´؟قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 30].
    وكنت أتأمل بعد ذلك في سورة البقرة نفسها كيف يعدد الله نعمه على بني إسرائيل في ست آيات، فيها أنه فضلهم على العالمين، وأنه نجاهم من آل فرعون، وأنه فرق بهم البحر فأغرق آل فرعون، وأنه عفى ع
    نهم بعد اتخاذهم العجل، ثم بعد هذا التعديد العجيب لقائمة النعم يختم بوظيفة ذلك كله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[البقرة: 52] كل هذا السياق يراد به عمارة النفوس بالله بأن تلهج الألسنة والقلوب بتذكره وشكره تعالى..بل يذكر الله تعالى في البقرة - وأعاده في مواضع أخرى أيضاً - كيف اقتلع تعالى جبلاً من الجبال ورفعه حتى صار فوق رؤوس بني إسرائيل، لماذا؟ ليربي فيهم شدة التدين والتعلق بالله، يقول تعالى في البقرة: وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة: 63]. وقال في الأعراف ï´؟وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [الأعراف: 171]..كل هذا لتعمر النفوس بالتشبث بكلام الله تعالى ï´؟خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ .
    وكنت أتأمل كيف يصف القرآن حالة القلوب التي غارت ينابيع الإيمان فيها وأمحلت من التعلق بالله، حتى قارنها الله بأكثر الجمادات يبوسة في موازنة لا تخفي الأسى والرثاء.. يقول تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: 74] ثم يكمل في تلك المقارنة المحرجة وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ حتى الحجارة تلين وتخضع وتتفجر وتتشقق وتهبط.. وما المراد من هذا المثل؟ هو عمارة النفوس بالله وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ .

    وكنت أتأمل كيف ابتلى الله العباد بأمور توافق هواهم، وبأمور أخرى تعارضها، فآمن بعض الناس بما يوافق هواه وترك غيره، فلم يقل القرآن إن الله يشكر لهم ما آمنوا به ويتغاضى عما تركوا.. لا .. الله يريد أن تعمر النفوس بالله فتنقاد وتخضع وتنصاع لله في كل شيء.. يقول تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ
    [البقرة: 85] ثم يقول بعدها بآيات معدودة ï´؟أفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ [البقرة: 87]. لماذا شنع عليهم ربنا جل وعلا؟ لأن المراد شيء آخر ..شيء آخر يختلف كثيراً عما يتصور كثير ممن تضررت عقولهم بالثقافة الغربية المادية ..المراد عمارة النفوس بتعظيم الله والاستسلام المطلق له..وكنت أتأمل كيف يذكر الله النسخ في القرآن، وهو مسألة مشتركة بين أصول الفقه وعلوم القرآن، ثم يختم ذلك ببيان دلالة هذه الظاهرة التشريعية، وهي عمارة النفوس بتعظيم القدرة الإلهية: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌï´¾[البقرة: 106].. يا سبحان الله .. مسألة أصولية بحتة وتربط فيها القلوب بتعظيم الله وقدرة الله وكنت أتأمل كيف ذكر الله مسألة من مسائل شروط الصلاة وهي (استقبال القبلة)، ثم تغييرها من بيت المقدس إلى الكعبة، وبرغم كونها مسألة فقهية بحتة، إلا أن القرآن ينبهنا أن وظيفة هذه الحادثة التاريخية كلها هي "اختبار" النفوس في مدى تعظيمها واستسلامها لله؟ هذا جوهر القضية! ï´؟وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة: 143]..وآيات القصاص تختم بـ"تقوى الله" كما يقول تعالى: ï´؟وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَï´¾[البقرة: 179] وآيات الصيام تلحق أيضاً بالتقوى في قوله تعالى: ï´؟كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183] وآيات الوصية تختم كذلك بالتقوى في قوله تعالى: ï´؟إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين َ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة: 180] ..ولما ذكر الله مناسك الحج وأعمالها وشعائرها .. ووصل للحظة اختتام هذه المناسك وانقضائها، أعاد الأمر مجدداً لربط النفوس بالله وإحياء حضور الله في القلوب ï´؟فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَï´¾[البقرة: 200] ..واعجباه ..تنقضي المناسك وما يعتري المرء فيها من النصب، لتربط النفوس مجدداً بالله.. برغم أن الحج أصلاً مبناه على ذكر الله بالتلبية والتكبير ونحوها، فالقلب في القرآن من الله .. وإلى الله .. سبحانه وتعالى .. وأخذت أتأمل لما ذكر الله تعالى حكم (الإيلاء) في القرآن ، وذكر الله للرجال خيارين : إما أن يتربصوا أربعة أشهر، أو أن يعزموا الطلاق، وأدركني العجب كيف يختم كل خيار فقهي بأوصاف العظمة الإلهية، يقول تعالى في آيتين متتابعتين: ï´؟لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌï´¾[البقرة: 226-227].. والله شيء عجيب أن تربط النفوس بالله بمثل هذه الكثافة في تفاصيل الأحكام الفقهية.
    وكنت أتأمل كيف ذكر الله حالة "الخوف" من الأعداء ونحوها، فلم يسقط الصلاة، بل أمر الله بها حتى في تلك الأحوال الصعبةï´؟حَافِظ ُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ
    قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًاï´¾[البقرة : 238- 239] حسناً هذا في حال الخوف فماذا سيكون في حال الأمن؟ تكمل الآية ï´؟فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَï´¾[البقرة، 239] .
    رجعت مرةً أخرى إلى بداية الآية وأخذت أتأمل المحصلة، وإذا بها في حال الأمن والخوف يجب أن يكون القلب معلقاً بالله.. بالله عليك أعد قراءة الآية متصلة ï´؟فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَï´¾[البقرة: 239].
    القرآن يريد النفس البشرية مشدودة الارتباط بالله جل وعلا في جميع الأحوال.. يريد من المسلم أن يكون الله حاضراً في كل سكنة وحركة.
    وكنت أتأمل كيف يذكر الله النصر العسكري ليربط النفوس بالله ï´؟وَلَقَدْ نَ
    صَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: 123].
    وحتى حين ذكر الله المعاصي والخطايا إذ يقارفها ابن آدم فإن القرآن يفتح باب ذكر الله أيضاً ï´؟وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ [آل عمران: 135] وذكر الله تبدلات موازين القوى عبر التاريخ، وربط الأمر - أيضاً - بأن المراد اختبار عمق الإيمان والارتباط بالله ï´؟وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَï´¾ [آل عمران: 140].
    وقص الله في القرآن قصة قومٍ قاتلوا مع نبيهم .. وحكى القرآن ثباتهم.. ومن ألطف ما في ذلك السياق أنه أخبرنا بمقالتهم التي قالوها في ثنايا معركتهم.. فإذا بها كلها مناجاة وتعلق بالله وكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146
    ) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 146-147]..شيء مدهش والله من حال ذلك القوم الذين عرضهم الله في سياق الثناء.

    في قلب المعركة .. وتراهم يستغفرون الله من خطاياهم، ويبتهلون إليه، ويظهرون الافتقار والتقصير وأنهم مسرفون .. يا لتلك القلوب الموصولة بالله..ولما ذكر الله الجهاد شرح وظيفته وأنها اختبار ما في النفوس من تعلق بالله وإيمان به قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [آل عمران: 154].. وقال وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 166] ولما ذكر الله حب النفس البشرية للنصر على الأعداء لفت الانتباه إلى المصدر الرئيسي للنصر ..تأمل بالله عليك كيف يضخ القرآن في النفوس التعلق المستمر بالله إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران: 160] ويقول تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْï´ ¾[محمد، 7]..وكنت أنظر كيف يصوّر القرآن أوضاع الجلوس والقيام والاسترخاء.. وكيف تكون النفس في كل هذه الأحوال لاهجة بذكر الله ï´؟الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: 191]. يذكر الله وهو وا
    قف ..يذكر الله وهو جالس يذكر الله وهو مضطجع..
    أي تعلق بالله .. وأي نفوس معمورة بربها أكثر من هذه الصورة المشرقة.. سألتك بالله وأنت تقرأ هذه الآية ألا تتذكر بعض العبّاد المخبتين من كبار السن الذين لا تكف ألسنتهم عن تسبيح وتحميد وتكبير ..هل ترى الله حكى لنا هذه الصورة عبثاً؟ أم أن الله تعالى يريد منا أن نكون هكذا ..نفوساً مملوءة بربها ومولاها لا تغفل عن استحضار عظمته وتألهه لحظة واحدة..




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    " الشــاردون "

    ابراهيم السكران
    (5)


    حالات الانحراف عن التدين حالات تذيب القلب مرارةً وخصوصاً إذا كان المنحرف صديقاً قريباً عشت معه أيام العلم والإيمانوحالات الانحراف بينها تفاوت كبير..فبعضهم مشكلته (علمية) بسبب رهبة عقول ثقافية كبيرة انهزم أمامها .
    وبعضهم مشكلته (سلوكية) بسبب ضعفه أمام لذائذ اللهو والترفيه.. وإن كان الأمر دوماً يكون مركباً من هوى وشبهة لكنه يكون أغلب لأحدهما بحسب الحال، فإما تعتريه شبهة تقوده للتمرغ في الشهوات، وإما تغلبه شهوة فيتطلب لها الشبهات والمخارج والحيل.

    وأنا إلى هذه الساعة على كثرة ما تعاملت مع هذه الحالات لا أعرف علاجاً أنفع من (تدبر القرآن) فإن القرآن يجمع نوعي العلاج (الإيماني والعلمي) وهذا لا يكاد يوجد في غير القرآن، فالقرآن له سر عجيب
    في صناعة الإخبات في النفس البشرية وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ[الحج : 54] وإذا تهيأ المحل بالإيمان لان لقبول الحق والإذعان له كما قال تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًامُتَشَا بِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ[الزمر : 23].
    وفي القرآن من بيان العلم والحق في مثل هذه القضايا المنهجية ما لايوجد في غيره، ومفتاح الهداية مقارنة هدي القرآن بسلوكيات التيارات الفكرية.
    أعني أنه إذا رأى متدبر القرآن تفريق القرآن بين المعترف بتقصيره حيث جعله قريباً من العفو وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة : 102] وبين تغطية وتبرير التقصير بحيل التأويل الذي جعله الله سببا للمسخ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْ
    نَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة : 65] . ومجرد المعصية بالصيد في اليوم المحرم لا تستحق المسخ فقد جرى من بني إسرائيل ما هو أكثر من ذلك ولم يمسخهم الله ، ولكن الاحتيال على النص بالتأويل ضاعف شناعتها عند الله جل وعلا .
    وإذا رأى متدبر القرآن - أيضاً - تعظيم القرآن لمرجعية الصحابة في فهم الإسلام، وربطه فهم الإسلام بتجربة بشرية، كقوله تعالى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ[البقرة : 137] ، وقوله تعالى : وَالَّذِ
    ينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ[التوبة : 100] ، وقوله تعالى : ï´؟صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وقوله تعالى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [سبأ : 24]، وقوله تعالى : أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [البقرة : 75] ، وقوله تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ هُ مِنْهُمْ [النساء : 83] ففي مثل هذه الآيات البينات يكشف تعالى أن الوحي ليس نصاً مفتوحاً، بل هو مرتبط بالاهتداء بتجربة بشرية سابقة، فيأمرنا صريحا أن نؤمن كما آمن الصحابة، وأن نتبع الصحابة بإحسان، ويأمرنا بكل وضوح أن نرد الأمر إلى أولي العلم الذين يستنبطونه، وهذا كله يبين أن الإسلام ليس فكرة مجردة مفتوحة الدلالات يذهب الناس في تفسيرها كل مذهب .. ويتاح الفهم لكل شخص كما يميل .. بل هناك (نموذج سابق) حاكم للتفسيرات اللاحقة للنص .
    وإذا رأى متدبر القرآن - أيضاً - بيان القرآن لتفاهة الدنيا، وكثرة ما ضرب الله لذلك من ا
    لأمثال كنهيه نبيه عن الالتفات إلى الدنيا وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه : 131]. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنّ َ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب : 28 ، 29].فانظر منزلة الدنيا في معيار القرآن.
    وإذا رأى متدبر القرآن - أيضاً - ما في القرآن من بيان الله لحقارة الكافر وانحطاطه حيث جعله القرآن في مرتبة الأنعام والدواب والحمير والكلاب والنجاسة والرجس والجهل واللاعقل والعمى والصمم والبَكم والضلال والحيرة.. وغيره من الأوصاف القرآنية المذهلة التي تملأ قلب قارئ القرآن بأقصى ما يمكن من معاني ومرادفات الم
    هانة والحقارة، كقوله تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ [محمد : 12] وقوله: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان : 44] وقوله: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة : 5] . وقوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ[الأعراف : 176] وقوله: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنفال : 55] وقوله: كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنعام : 125]. وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة : 28] وأمثالها كثير .

    وإذا رأى متدبر القرآن - أيضاً- ما في القرآن من عناية شديدة بالتحفظ في العلاقة بين الجنسين، كوضع السواتر بين الجنسين كما في قوله وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ َ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب : 53] وحثه المؤمنات على الجلوس في البيت وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأ
    حزاب : 33] ونهيه عن تلطف المرأة في العبارة فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [الأحزاب : 32] ونهيه عن أي حركة ينبني عليها إحساس الرجل بشئ من زينة المرأة ï´؟وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور : 31]) ونحو ذلك .
    وإذا رأى متدبر القرآن - أيضاً - عظمة تصوير القرآن للعبودية كتصويره المؤمنين في ذك
    رهم لله على كل الأحوال الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران : 191] وحينما أراد أن يصف الصحابة بأخص صفاتهم قال مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا [الفتح : 29] وكيف وصف الله ليلهم الذي يذهب أغلبه في الصلاة إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ [المزمل : 20].

    والمراد أنه إذا رأى متدبر القرآن هدي القرآن في هذه القضايا وأمثالها، ثم قارنها بأحوال التيارات الفكرية المعاصرة، ورأى ما في كلام هؤلاء من تأويلات للنصوص لتوافق الذوق الغربي،
    والإزراء باتباع السلف في فهم الإسلام، وملء القلوب بحب الدنيا، واللهج بتعظيم الكفار، وتهتيك الحواجز بين الجنسين، والارتخاء العبادي الظاهر...الخ. إذا قارن بين القرآن وبين أحوال هؤلاء انفتح له باب معرفة الحق .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    " تأمل .. كيف انبهروا ! "

    ابراهيم السكران
    (6)


    تأمل كيف تنفعل (الجمادات الصماء) بسكينة القرآن لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِï´¾[الحشر : 21] الجبال الرواسي التي يضرب المثل في صلابتها تتصدع وتتشقق من هيبة كلام الله..وتأمل كيف انبهر (نساء المشركين وأطفالهم) بسكينة القرآن، ففي صحيح البخاري : (أن أبا بكر ابتنى مسجدا بفناء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين)[البخاري: 2297].والتقصف هو الازدحام والاكتظاظ ..وتأمل كيف انبهر (صناديد المشركين) بسكينة القرآن، ففي البخاري أن جبير بن مطعم أتى
    النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يفاوضه في أسارى بدر، فلما وصل إلى النبي وإذا بالمسلمين في صلاة المغرب، وكان النبي إمامهم، فسمع جبير قراءة النبي، ووصف كيف خلبت أحاسيسه سكينة القرآن، كما يقول جبير بن مطعم: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب

    بالطور، فلما بلغ هذه الآية ï´؟أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون َ ï´¾[الطور : 35 - 37] كاد قلبي أن يطير)[البخاري : 4854]. لله در العرب ما أبلغ عباراتهم..هكذا يصور جبير أحاسيسه حين سمع قوارع سورة الطور، حيث يقول: (كاد قلبي أن يطير)، هذا وهو مشرك، وفي لحظة عداوة تستعر إثر إعياء القتال، وقد جاء يريد تس
    ليمه أسرى الحرب، ففي خضم هذه الحالة يبعد أن يتأثر المرء بكلام خصمه، لكن سكينة القرآن هزّته حتى كاد قلبه أن يطير..وتأمل كيف انبهرت تلك المخلوقات الخفية (الجن) بسكينة القرآن، ذلك أنه لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في موضع يقال له (بطن نخلة) وكان يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فهيأ الله له مجموعة من الجن يسمون (جن أهل نصيبين)، فاقتربوا من رسول الله وأصحابه، فلما سمعوا قراءة النبي في الصلاة انبهروا بسكينة القرآن، وأصبحوا يوصون بعضهم بالإنصات، كما يقول تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا[الأحقاف : 29]. وأخبر الله في موضع آخر عن ما استحوذ على هؤلاء الجن من التعجب

    فقال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًاï´¾[الجن : 1]وتأمل كيف انبهر (صالحوا البشر) بسكينة القرآن، فلم تقتصر آثار الهيبة القرآنية على قلوبهم فقط، بل امتدت إلى الجلود فصارت تتقبّض من آثار القرآن، كما قال تعالى: ï´؟اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْï´¾[الزمر : 23]. وتأمل كيف انبه
    ر (صالحوا أهل الكتاب) بسكينة القرآن، فكانوا إذا سمعوا تالياً للقرآن ابتدرتهم دموعهم يراها الناظر تتلامع في محاجرهم كما صورها القرآن في قوله تعالى: ï´؟وَلَتَجِدَنّ َ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِï´¾[المائدة : 82-83]. وتأمل كيف انبهرت (الملائكة الكرام) بسكينة القرآن، فصارت تتهادى من السماء مقتربةً إلى الأرض حين سمعت أحد قراء الصحابة يتغنى بالقرآن في جوف الليل، كما في صحيح البخاري عن أسيد بن حضير قال: (بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال رسول الله "وتدري ما ذاك؟" قال: لا. قال رسول الله " تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم " ) [البخاري : 5018].وتأمل كيف انبهر (الأنبياء) عليهم أزكى الصلاة والسلام بسكينة الوحي، كما يصور القرآن تأثرهم بكلام الله، وخرورهم إلى الأرض، وبكاءهم؛ كما في قوله تعالى ï´؟أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّاï´¾[مريم : 58].

    وأخيراً .. تأمل كيف انبهر أشرف الخلق على الإطلاق، وسيد ولد آدم (محمد) صلى الله عليه وسلم ؛ بسكينة القرآن، ففي البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه قال (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرأ علي"، فقلت: أقرأ عليك يا رسول الله وعليك أنزل؟ فقال رسول الله: " إني أشتهي أن أسمعه من غيري"، فقرأت النساء حتى إذا بلغت "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا"، قال لي رسول الله: " كف، أو أمسك"، فرأيت عينيه تذرفان)[البخاري : 5055].يا لأسرار القرآن ..ويا لعجائب هذه الهيبة القرآنية التي تتطامن على ال
    نفوس فتخبت لكلام الله، وتتسلل الدمعات والمرء يداريها ويتنحنح، ويشعر المسلم فعلاً أن نفسه ترفرف من بعد ما كانت تتثاقل إلى الأرض .. هكذا إذن .. الجمادات الرواسي تتصدع، ونساء المشركين وأطفالهم يتهافتون سراً لسماع القرآن، وصنديد جاء يفاوض في حالة حرب ومع ذلك "كاد قلبه يطير" مع سورة الطور، والجن استنصت بعضهم بعضاً وتعجبوا وولوا إلى قومهم منذرين، والمؤمنون الذين يخشون ربهم ظهر الاقشعرار في جلودهم، والقساوسة الصادقون فاضت عيونهم بالدمع، والملائكة الكرام دنت من السماء تتلألأ تقترب من قارئ في حرّات الحجاز يتغنى في جوف الليل بالبقرة، والأنبياء من لدن آدم إذا سمعوا كلام الله خروا إلى الأرض ساجدين باكين،

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع الآية تصور عرصات القيامة ولحظة الشهادة على الناس استوقف صاحبه ابن مسعود من شدة ما غلبه من البكاء..رباه ..ما أعظم كلامك ..وما أحسن كتابك..كتابٌ هذا منزلته، وهذا أثره؛ هل يليق بنا يا أخي الكريم أن نهمله؟ وهل يليق بنا أن نتصفح يومياً عشرات التعليقات والأخبار والإيميلات والمقالات، ومع ذلك ليس لـ(كتاب الله) نصيبٌ من يومنا؟ فهل كتب الناس أعظم من كتاب الله؟ وهل
    كلام المخلوقين أعظم من كلام الخالق؟! وهل روايات الساردين أعظم من قصص القرآن؟!! لقد اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كفار قومه حين وقعوا في صفةٍ بشعة، فواحسرتاه إن شابهنا هؤلاء الكفار في هذه الصفة التي تذمر منها رسول الله، وجأر بالشكوى إلى الله منها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في شكواه: ï´؟وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان : 30].أي خسارة..وأي حرمان..أن يتجارى الكسل والخمول بالمرء حتى يتدهور في منحدرات (هجر القرآن).. إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حبيبنا الذي نفديه بأنفسنا وأهلينا وما نملك يشتكي إلى ربه الكفار بسبب (هجر القرآن) ..فهل نرضى لأنفسنا أن نخالف مراد حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل نرضى لأنفسنا أن ننزل في المربع الذي يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأين توقير نبينا صلى الله عليه وسلم؟.
    أخي الذي أحب له ما أحب لنفسي ..القضية لن تكلفنا الكثير، إنما هي دقائق معدودة من يومنا نجعلها حقاً حصرياً لكتاب الله .. نتقلب بين مواعظه وأحكامه وأخباره، فنتزكى بما يسيل في آياته العظ
    يمة من نبض إيماني، ومعدن أخلاقي، والتزامات حقوقية، ورسالة عالمية إلى الناس كافة .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    رمضان شهر مدارسة القرآن

    د. بدر عبد الحميد هميسه
    (7)





    ربط الله تعالى في كتابه الكريم بين صوم رمضان , والقرآن الكريم , فقال : (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) [البقرة: 185] ، وقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) [القدر:1].وقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) [الدخان: 3].
    وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبو
    ر لثمان عشر خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان". رواه الطبراني في "الكبير" عن واثلة، وأحمد في "مسنده"، وابن عساكر، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (1509).
    فأهل الصيام هم أهل القرآن الذين مدحهم الله تعالى بقوله : " إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور "سورة فاطر، آية 30،29 .
    قال رسول صلى الله عليه وسلم : إن لله آهلين قالوا من هم يا رسول الله قال " أهل القرآن وخاصته". ( رواه ابن ماجه وصححه الألباني) .

    وقال " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم). روضوا على منهج القرآن أنفسكم * *
    * يمدد لكم ربكم عزا وسلطانا
    وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:الصِّيام وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ الصِّيَامُ : أَيْ رَبِّ ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ : مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ . قَالَ : فَيُشَفَّعَانِ.
    أخرجه أحمد 2/174(6626).
    وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار " رواه البخاري و مسلم.
    عن أبى موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان
    المقسط ) . (حسن) (صحيح الجامع 2199) .
    وعن أبى هريرة رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يجيء صاحب القرآن يوم القيامة ، فيقول : يا رب حله ، فيلبس تاج الكرامة . ثم يقول : يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ، ثم يقول : يا رب ارض عنه ، فيقال اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة ) .(حسن) (صحيح الجامع8030) .
    كان النبي صلى الله عليه و سلم يعرض القرآن في رمضان على جبريل عليه السلام، فكان يدارسه القرآن.
    عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِى كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.
    أخرجه أحمد 1/230(2042) و"البُخَارِي" 1/4(6)
    و4/229(3554) .
    قال ابن رجب : " كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها".و كان قتادة يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة " ( الحلية 2/338و لطائف المعارف ص 191

    وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة ، وفي بقية الشهر في ثلاث" ( لطائف المعارف ص 191 ).
    والشافعي رحمه الله قال عنه ربيع بن سليمان : "كان محمد بن أدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة ، ما منها شيء إلا في صلاة " قال ابن عبد الحكم : كان مالك إذا دخل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف ، وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضا
    ن ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن.
    قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن. وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت .
    ولقد كان سلفنا الصالح يتخذون من شهر رمضان فرصة لمدارسة القرآن ومعرفة أخلاقه وأحكامه , ولم يقتصر الأمر على التلاوة فقط , كما يفعل كثير من الناس اليوم .
    وينبغي ألا يهجر القرآن طوال وقته؛ لأن الله تعالى ذمّ الذين يجهرونه، قال تعالى: ((وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً))
    (الفرقان:17).
    * و من هجران القرآن ألا يكون الإنسان مهتماً به طوال العام إلا قليلاً.
    * و من هجرانه كذلك أنه إذا قرأه لم يتدبره، و لم يتعقله.
    * و من هجرانه أن القارئ يقرأه لكنه لا يطبقه، و
    لا يعمل بتعاليمه.
    و أما الذين يقرؤون القرآن طوال عامهم، فهم أهل القرآن، الذين هم أهل الله و خاصته.
    منع القرآن بوعـــده ووعيــده * * * مـقـل العيون بليلها لا تهجــع
    فهمـوا عن الملك العظيـم كلامـه * * * فهماً تذل له الرقــاب وتخضـع
    وقال عمرو بن العاص كل آية في القرآن درجة في الحنة ومصباح في بيوتكم وقال أيضا من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه وقال أبو هريرة إن البيت الذي يتلى فيه الق
    رآن اتسع بأهله وكثر خيره وحضرته الملائكة وخرجت منه الشياطين وإن البيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله عز وجل ضاق بأهله وقل خيره وخرجت منه الملائكة وحضرته الشياطين.
    طوبى لمن حفظ الكتابَ بصدره * * فبدا وضيئاً كالنجوم تألَّقا
    الله أكبر ! يا لها من نعمة * * لما يقال " اقرأ ! " فرتل وارتقا
    وتمثلَ القرآنَ في أخلاقه * * وفعاله فبه الفؤادُ تعلقا


    وتلاه في جنح الدجى متدبِّراً * * والدمعُ من بين الجفون ترَقرَقَا
    هذي صفاتُ الحافظين كتابه * * حقاً فكن بصفاتهم متخلِّقَاً
    يا حافظ القرآن لست بحافظٍ * * حتى تكون لما حفظتَ مُطبِّقَاً
    ماذا يفيدُكَ أن تسمَّى حافظاً * * وكتابُ ربك في الفؤاد تمزَّقَا
    يا أمتي القرآنُ حبلُ نجاتنا * * فتمسك
    ي بعراهُ كي لا نغرقا
    يقول ابن رجب : ( يا من ضيع عمره في غير الطاعة ، يا من فرط في شهره بل في دهره وأضاعه ، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان ، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة ؟).
    فعلينا في شهر القرآن أن نحسن التعامل مع القرآن الكريم تلاوة وحفظا وتدبرا وعملا , وأن نشجع أولادنا على حفظه وتلاوته , وأن نجعل من رمضان فرصة لتكريم حفظة القرآن الكريم , وإعطاء الفرصة للأ
    صوات الندية للقراءة في صلاة القيام والتهجد , حتى يصعد القرآن للخالق ويدعوا لنا , فيقول اللهم احفظهم كما حفظوني , وأكرمهم كما أكرموني , وشرفهم كما شرفوني , وشفعني فيهم يوم القيامة .
    أَكْـرِمْ بقـومٍ أَكْرَمُـوا القُرآنـا * * * وَهَبُـوا لَـهُ الأرواحَ والأَبْـدَانـا
    قومٌ قد اختـارَ الإلـهُ قلوبَهُـمْ * * * لِتَصِيرَ مِنْ غَرْسِ الهُـدى بُسْتَانـا
    زُرِعَتْ حُروفُ النورِ بينَ شِفَاهِهِمْ * * * فَتَضَوَّعَتْ مِسْكـاً يَفِيـضُ بَيَانَـا
    رَفَعُوا كِتابَ اللهِ فـوقَ رُؤوسِهِـمْ * * * لِيَكُونَ نُوراً في الظـلامِ... فَكَانـا
    سُبحانَ مَنْ وَهَبَ الأُجورَ لأهْلِهَـا * * * وَهَدى القُلُوبَ وَعَلَّـمَ الإنسانـا
    *يَا رَبِّ أَكْرِمْ مَـنْ يَعيـشُ حَيَاتَـهُ * * * لِ
    كِتَابِـكَ الوَضَّـاءِ لا يَتَـوَانـى
    *واجْعِلْ كِتَابَـكَ بَيْنَنَـا نُـوراً لنـ* * * أَصْلِحْ بِهِ مَـا سَـاءَ مِـنْ دُنْيَانـا
    اللهم اجعلنا من أهل القرآن وخاصته , وتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    هل تلاوة القرآن مخصوصة بنهار رمضان؟

    إبراهيم بن عمر السكران
    (8)


    الحمد لله وبعد،، حين تصلي الفجر في رمضان فإنك تجد بعض الموفقين ينشرون مصاحفهم ويتلون كتاب الله بقدر ما ييسر الله لهم، وهكذا حين تصلي الظهر تجد فئاماً يقرؤون شيئاً من القرآن، وهكذا –أيضاً-بعد صلاة العصر يدوّي المسجد في جمال أخاذ بأصوات الناس متنافسين في ختمات القرآن.
    لكن ما إن يخيم مساء رمضان إلا وتجد المصاحف قد طويت، وأصوات القرآن قد انطفأت، حتى ظن كثير من الناس أن فضيلة تلاوة القرآن مخصوصة بـ(نهار رمضان) فقط، بل أعرف بعض الأخيار يجع
    ل التلاوة في ليل رمضان لقضاء ما فاته من ورده بالنهار فقط، فكأنه يجعل ليل رمضان وقت (قضاء التلاوة الفائتة) لا وقت (أداء)! ولا يخطر بباله أن ليالي رمضان "وقت فاضل" لتلاوة القرآن!

    وما تفسير هذه الظاهرة؟ يبدو لي أن هناك ارتباطاً ذهنياً وقع بشكل خاطئ، فنحن نسمع عن فضل تلاوة القرآن في رمضان، وأشهر خصائص رمضان هو الصيام، فارتبط في ذهن البعض أن تلاوة القرآن تكون في نهار رمضان أثناء الصيام فقط!
    وهذا الارتباط الذهني ارتباط غير دقيق، فإن ليالي رمضان أشرف من نهاره، والنصوص التي ظهر فيها اختصاص رمضان بالقرآن كان ظرفها الزمني هو ليالي رمضان، لا نهار رمضان، وسأذكر شيئاً من هذه الشواهد.
    أخبرنا الله سبحانه بالوقت المحدد الذي نزل فيه القرآن، أي نزل إلى السماء الدنيا ثم نزل على رسول الله منجّما بحسب الوقائع كما في الأثر المشهور عن ابن عباس، وقد جاء هذا الخبر عن الساعات المحددة لنزول القرآن في آيتين من كتاب الله، حيث يقول الله (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر، 1]. ويقول سبحانه (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) [الدخان، 3].

    وليلة القدر هي الليلة المباركة وهي من ليالي رمضان، لا من نهاره، وإذا تساءل المتدبر: لماذا اختار الله (ليل) رمضان ظرفاً زمانياً لنزول القرآن، ولم يختر (النهار) ؟ أدرك شرف ليل رمضان، وأن ثمة ارتباطاً بين القرآن وليالي رمضان، وأن ليالي رمضان أليق بالقرآن وأنسب له من النهار، ولذا اختار الله ليل رمضان لنزول القرآن.
    ومن أعظم أعمال النبي –صلى الله عليه وسلم- في رمضان كل سنة هو أن يدارس القرآن مع جبريل عليه السلام، فما هو الوقت الذي اختاره الله لهما ليتدارسا القرآن؟
    هذا الوقت لمدارسة القرآن بين النبي –صلى الله عليه وسلم- وجبريل لم يكن نهار رمضان، بل كان ليل رمضان، كما روى البخاري عن ابن عباس (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود النا
    س، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن)[البخاري:3220]
    لاحظ هاهنا أن الوقت الذي اختاره الله لهما لمدارسة القرآن هو كل "ليلة رمضانية"، فلم يكن في بعض الأيام بالنهار مثلاً، بل الوقت محدد كل ليلة! (وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن).
    ولاحظ أيضاً أن هذا الوقت اختاره الله سبحانه وتعالى، وليس مجرد توافق بين النبي –صلى الله عليه وسلم- وجبريل، ولا يختار الله سبحانه زمناً معيناً إلا طبقاً لحكمته العظيمة سبحانه وتعالى.

    وقد يتساءل البعض: قد يكون هذا الوقت مجرد توافق بين النبي –صلى الله عليه وسلم- وجبريل، وليس توقيفاً إلهياً؟ وهذا احتمال غير دقيق، لأن الله تعالى قال عن الملائكة (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ
    رَبِّكَ)[مريم:64] فبيّن تعالى أن وقت تنزّل الملائكة إنما يكون بتوجيه إلهي، كما روى البخاري عن ابن عباس قال:
    ( قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لجبريل: "ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟" ، قال فنزلت "وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا")[البخاري:3218].
    والمراد أن هذا الوقت الذي يتدارس فيه جبريل مع النبي –صلى الله عليه وسلم- القرآن كل (ليلة) إنما هو اختيار إلهي للوقت، وهذا يحفز المتدبر لتأمل أسرار الاختيار الإلهي لهذا الوقت، وكون الليل أشرف أوقات اليوم لتدارس القرآن.
    وهذه الدلالة العظيمة على شرف الليل للقرآن في حديث مدارسة النبي –صلى الله عليه وسلم- مع جبريل نبّه عليها عدد من أهل العلم، ومنهم عابد المحدثين
    الإمام ابن رجب حيث يقول:
    (وفي حديث ابن عباس "أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلاً" فدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً، فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً})[ابن رجب، لطائف المعارف، دار ابن كثير، تحقيق السواس، ص315].
    وتلاحظ أن ابن رجب في هذا النص استنبط من كون المدارسة النبوية/الجبرائيلية في ليل رمضان على " استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً" كما يقول رحمه الله.

    وقريب من هذا المعنى لكن باستنباط فيه قدر زائد على ما سبق يقول ابن حجر عن هذا الحديث:
    (وفيه أن ليل رمضان أفضل من نهاره..، ويحتمل أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان أجزاءً، فيقرأ كل ليلة جزءاً في جزء من الليلة، والسبب في ذلك ما كان يشتغل به في كل ليلة من سوى ذلك من تهجد بالصلاة، ومن راحة بدن، ومن تعاهد أهل)[اب
    ن حجر، فتح الباري:9/45].
    واضح أن ابن حجر هاهنا يؤكد معنى أكثر عمومية، وهو أن "ليل رمضان أفضل من نهاره" كما يقول رحمه الله.
    وفي رسالة مطبوعة للإمام ابن باز –تغمده الله برحمته- بعنوان (الجواب الصحيح من أحكام صلاة الليل والتراويح) تحدث فيها عن فوائد حديث ابن عباس في المدارسة النبوية/الجبرائيلية فكان مما ذكره:
    (وفيه فائدة أخرى: وهي أن المدارسة في الليل أفضل من النهار، لأن هذه المدارسة كانت في الليل، ومعلوم أن الليل أقرب إلى اجتماع القلب وحضوره والاستفادة أكثر من المدارسة نهارا)[ابن باز، الجواب الصحيح من أحكام صلاة الليل والتراويح،ص13]

    ومن الشواهد على شرف ليل رمضان ومناسبته للقرآن أن أهل العلم ذكروا أن من غايات تشريع التراويح كما يقول الإمام ابن تيمية (وأما قراءة القرآن في التراويح فمستحب باتفاق أئمة المسل
    مين، بل من أجل مقصود التراويح قراءة القرآن فيها ليسمع المسلمون كلام الله)[ابن تيمية، الفتاوى:23/122].
    فإذا لاحظ المتأمل أن صلاة التراويح من مقاصدها سماع المسلمين للقرآن، واستحضر أن صلاة التراويح صلاة ليلية أصلاً؛ استبان له تزامن جديد بين ليل رمضان والقرآن.
    وربما يتساءل البعض: وهل هناك وقت في الليل لتلاوة القرآن؟ والحقيقة أن هناك أوقاتاً كثيرةً، منها التقدم للمسجد مبكراً في صلوات الفريضة الليلية وتلاوة القرآن لتحقيق هذا
    الفضل وهو تلاوة القرآن في ليالي رمضان.
    ومنها: الوقت الذي يلي تناول وجبة العشاء وحتى إقامة صلا
    ة العشاء، فإنه وقت مهدور عند كثير من الناس، أو يصرفه البعض في مشاهدة المسلسلات المشينة التي تقدح في روحانية الشهر، فلو تقدم إلى المسجد وصرف هذا الوقت في تلاوة القرآن لحقق مكتسبات عظيمة من أهمها استثمار شرف الليالي القرآنية بتلاوة القرآن فيها.
    ومن أهم الأوقات لحظات الأسحار، إما قبل وجبة السحور أو بعدها، وللقرآن في الأسحار هيبة وسكون لا يوصف..
    ولا يفوت القارئ الكريم أن المقصود من هذه المقالة ليس التزهيد
    في تلاوة القرآن في نهار رمضان، معاذ الله، ولكن التنبيه إلى وقت شريف للقرآن وهو ليالي رمضان يفوتنا استثماره إلا من وفّق الله، فالهدف أن نزيد تلاوتنا في الليل والنهار، وليس المقصود أن نستبدل زمناً بآخر.
    والله أعلم
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان



    رمضان والقرآن
    عادل باناعمة
    (9)
    تنزل كريم

    في ليلة السابع عشر من رمضان و النبي صلى الله عليه وسلم في الأربعين من عمره أذن الله عز وجل للنور أن يتنزل ، فإذا جبريل عليه السلام آخذ بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له : اقرأ ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية
    حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم } فرجع بها رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يرجف فؤاده )) [ البخاري 3 ]
    وهكذا نزلت أول آية من هذا الكتاب العظيم على النبي الرؤوف الرحيم في هذا الشهر العظيم .
    وهكذا شهدت أيامه المباركة اتصال الأرض بالسماء ، و تنزل الوحي بالنور و الضياء ، فأشرقت الأرض بنور ربها وانقشعت ظلمات الجاهلية الجهلاء .

    و من قبل ذلك شهد هذا الشهر الكريم نزولا آخر ، إنه نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، وكان ذلك في ليلة القدر … { إنا أنزلناه في ليلة القدر } { إنا أنزلنا في ليلة مباركة } ، قال
    ابن عباس : أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة [ النسائي و الحاكم ] ، وقال ابن جرير : نزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان ثم أنزل إلى محمد صلى الله عليه و سلم على ما أراد الله إنزاله إليه .
    إنها تلك " الليلة الموعودة التي سجلها الوجود كله في فرح و غبطة و ابتهال ، ليلة الاتصال بين الأرض و الملأ الأعلى … ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته و في دلالته و في آثاره في حياة الب
    شرية جميعا ، العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري ... والنصوص القرآنية التي تذكر هذا الحدث تكاد ترف و تنير بل هي تفيض بالنور الهادئ الساري الرائق الودود نور الله المشرق في قرآنه { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ، و نور الملائكة و الروح و هم في غدوهم ورواحهم طوال الليلة بين الأرض و الملأ الأعلى { تنزل الملائكة و الروح فيها } و نور الفجــر الذي تعرضهالنصوص متناسقا مع نور الوحي و نور الملائكة … { سلام هي حتى مطلع الفجر } " [ الظلال 6/3944 ]
    و أي نعمة أعظم من نعمة نزول القرآن ؟ نعمة لا يسعها حمد البشر فحمد الله نفسه على هذه النعمة { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عوجا } .
    وهكذا إذن ، شهد شهر رمضان هذا النزول الفريد لكتاب الله ، و من يومذاك ارتبط القرآن بشهر رمضان { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان }
    ومن يوم ذاك أصبح شهر رمضان هو شهر القرآن .
    إكثار و اجتهاد

    عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يك
    ون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة [ البخاري 6 مسلم 2308 ].
    قال الإمام ابن رجب : دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك ، و عرض القرآن على من هو أحفظ له … و فيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان ، وفي حديث فاطمة عليها السلام عن أبيها أنه أخبرها أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن كل عام مرة و أنه عارضه في عام وفاته مرتـــين [ البخاري 3624 و مسلم 2450 ] [ لطائف المعارف 354،355 ].
    قال رحمه الله : و في حديث ابن عباس أن المدارسة بينه و بين جبريل كانت ليلا يدل
    على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلا فإن الليل تنقطع فيه الشواغل و يجتمع فيه الهم ، و يتواطأ فيه القلب و اللسان على التدبر كما قال تعـالى { إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا } [ لطائف المعارف 355 ]
    وقد كان للسلف رحمهم الله اجتهاد عجيب في قراءة القرآن في رمضان بل لم يكونوا يشتغلون فيه بغيره .
    كان الزهري إذا دخل رمضان يقول : إنما هو قراءة القرآن و إطعام الطعام .
    قال ابن الحكم : كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث و مجالسة أهل العلم .
    قال عبد الرزاق : كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة و أقبل على قراءة القرآن .
    وقال سفيان : كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف و جمع
    إليه أصحابه .[ انظر اللطائف359،360 ]
    وكانت لهم مجاهدات من كثرة الختمات رواها الأئمة الثقات الأثبات رحمهم الله .
    كان الأسود يختم القرآن في رمضان كل ليلتين ، وكان قتادة إذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة ، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة ، وقال ربيع بن سليمان : كان محمد بن إدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة ما منها شيء إلا في صلاة ، وروى ابن أبي داود بسند صحيح أن مجاهدا رحمه الله كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب و العشاء ، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل ، وكان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب و العشاء في كل ليلة من رمضان ، قال مالك : و لقد أخبرني من كان يصلي إلى جنب عمر بن حسين في رمضان قال : كنت أسمعه يستفتح القرآن في كل ليلة . [ البيهقي في الشعب] قال النووي : وأما الذي يختم القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم فمن المتقدمين عثمان بن عفان ، و تميم الداري ، و سعيد بن جبير رضي الله ختمة في كل ركعة في الكعبة [ التبيان 48 ][وانظر اللطائف
    358-360 و صلاح الأمة 3/5-85 ]
    قال القاسم عن أبيه الحافظ ابن عساكر : كان مواظبا على صلاة الجماعة و تلاوة القرآن ، يختم كل جمعة و يختم في رمضان كل يوم [ سير أعلام النبلاء20/562 ]

    تساؤلات
    فإن قلت أي أفضل ؟ أن يكثر الإنسان التلاوة أم يقللها مع التدبر و التفكر ؟ قلت لك : اسمع ما قاله النووي .
    قال النووي رحمه الله : و الاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الهم و تدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر و استخراج المعاني و كذا من كان له شغل بالعلم و غيره من مهمات الدين و مصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه ، و من لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ، و لا يقرؤه هذرمة . [ نقله عه ابن حجر في الفتح 9/97 ]
    و أما حديث ابن عمرو قال قال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث * [أبو داود 1394و الترمذي 2949وقال حديث حسن صحيح ]فقد أجاب عنه الأئمة
    رضي الله عنهم .
    قال ابن رجب : إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداوة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان ، خصوصا في الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان و المكان ، و هو قول أحمد و إسحاق و غيرهما من ا
    لأئمة و عليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره [ لطائف المعارف 360 ]
    وقال ابن حجر تعليقا على هذا الحديث :وثبت عن كثير من السلف أنهم قرؤوا القرآن في دون ذلك … وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم ، كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب و عرف ذلك من قرائن الحال ا
    لتي أرشد إليها السياق … وقال النووي : أكثر العلماء أنه لا تقدير في ذلك و إنما هو بحسب النشاط و القوة فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال و الأشخاص . و الله أعلم . [ الفتح 9/97 ]
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    رمضان والقرآن
    عادل باناعمة


    (10)
    تساؤلات

    و إن قال قائل بعض هذا الذي ذكر لا يقبله عقل و لا يقره منطق ، فإنني أقول له ما قاله الإمام اللكنوي رحمه الله . قال : فإن قلت بعض المجاهدات مما لا يعقل وقوعها قلت : وقوع مثل هذا و إن استبعد من العوام فلا يستبعد من أهل الله تعالى ، فإهم أعطوا من ربهم قوة وصلوا بها إلى هذه الصفات ، و لا ينكر هذا إلا من ينكر صدور الكرامات و خوارق العادات .
    وإن الذاكرين لهذه المناقب ليسوا ممن لا يعتمد عليه أو ممن لا يكون حجة في
    النقل بل هم أئمة الإسلام و عمد الأنام … كأبي نعيم و ابن كثير و السمعاني و ابن حجر المكي و ابن حجر العسقلاني و السيوطي و النووي و الذهبي و من يحذو حذوهم [ إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس ببدعة 101 ]
    وقد سبق أن ذكرت كلمة الإمام ابن رجب التي قرر فيها أن مثل هذا الاجتهاد سائغ في الأزمنة المفضلة و الأماكن المفضلة و أما طوال العام فالأولى للمؤمن ألا يختمه في أقل من ثلاث و إن لم يكن ذلك ممنوعا ، قال الذهبي رحمه الله : و لو تلا و رتل في أسبوع و لا زم ذلك لكان عملا فاضلا ، فالدين يسر ، فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الرابتة و الضحى و تحية المسجد مع الأذكار المأثورة الثابتة و القول عند النوم و اليقظة و دبر المكتوبة والسحر ، مع النظر في العلم النافع و الاشتغال به مخلصا لله مع الأمر بالمعروف و رشاد الجاهل و تفهي
    مه و زجر الفاسق ونحو ذلك … لشغل عظيم جسيم و لمقام أصحاب اليمين و أولياء الله المتقين ، فإن سائر ذلك مطلوب فمتى تشاغل العبد بختمة في كل يوم فقد خالف الحنيفية السمحة و لم ينهض بأكثر ما ذكرناه [ السير 3/84-86 ]
    (4-5) صور أخرى

    وفي رمضان يجتمع الصوم و القرآن ، وهذه صورة أخرى من صور ارتباط رمضان بالقرآن ، فتدرك المؤمن الصادق شفاعتان ، يشفع له القرآن لقيامه ، و يشفع له الصيام لصيامه ، قال صلى الله عليه وسل
    م : (( الصيام و القرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام : أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ، و يقول القرآن : رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان )) [ أحمد ] و عند ابن ماجه عن ابن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول : أنا الذي أسهرت ليلك و أظمأت نهارك )) .
    " واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه جهاد بالنهار على الصيام و جهاد بالليل على القيام فمن جمع بين هذين الجهادين و وفيى بحقوقهما و صبر عليهما وقي أجره
    بغير حساب " [ لطائف المعارف 360 ]
    و من صور اختصاص شهر رمضان بالقرآن الكريم صلاة التراويح ، فهذه الصلاة أكثر ما فيها قراءة القرآن ، وكأنها شرعت ليسمع الناس كتاب الله مجودا مرتلا ، و لذلك استحب للإمام أن يختم فيها ختمة كاملة .
    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره [ لطائف المعارف 356 ] ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة قال أتيت النبي صلى اللهم عليه وسلم في ليلة من رمضان فقام يصلي فلما كبر قال الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة ثم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف عندها ثم ركع يقول سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد مثل ما كان قائما ثم سجد يقول سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقال رب اغفر لي مثل ما كان قائما ثم سجد يقول سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقام فما صلى إلا ركعتين حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة [ أحمد ، باقي مسند الأنصار ، رقم 22309]

    وكان عمر قد أمر أبي بن كعب و تميما الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام و ما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر ، و في رواية أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها [ لطائف المعارف 356 ] وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان
    في كل ثلاث ليال و بعضهم في كل سبع منهم قتادة و بعضهم في كل عشرة منهم أبو رجاء العطاردي [ لطائف المعارف 358 ]
    كل هذا التطويل و القيام من أجل تلاوة القرآن و تعطير ليالي شهر القرآن بآيات القرآن .
    (5-5) مسارات ثلاثة
    وإذا كان هذا شأن القرآن في رمضان فما أجدر العبد المؤمن أن يقبل عليه ، و يديم النظر فيه ، و إني أقترح على الأخ المؤمن الصادق أن يجعل له مع القرآن في هذا الشهر ثلاثة مسارات : المسار الأول : مسار الإكثار من التلاوة و تكرار الختمات ، فيجعل الإنسان لنفسه جدولا ينضبط به ، بحيث يتمكن من ختم القرآن مرات عديدة ينال خيراتها و ينعم ببركاتها .المسار الثاني : مسار التأمل و التدبر ، فيستفتح الإنسان في هذا الشهر الكريم ختمة طويلة المدى يأخذ منها في اليوم صفحة أو نحوها مع مراجعة تفسيرها وتأمل معانيها ، و التبصر في دلالاتها و استخراج أوامرها و نواهيها ثم
    العزم على تطبيق ذلك و محاسبة النفس عليه ، و لا مانع أن تطول مدة هذه الختمة إلى سنة أو نحوها شريطة أن ينتظم القارئ فيها و يكثر التأمل و يأخذ نفسه بالعمل ، و لعل في هذا بعض من معنى قول الصحابي الجليل : كنا نتعلم العشر آيات فلا نجاوزهن حتى نعلم ما فيهن من العلم و العمل .المسار الثالث : مسار الحفظ و المراجعة ، فيجعل لنفسه مقدارا يوميا من الحفظ و مثله من المراجعة ، و إن كان قد حفظ و نسي فهي فرصة عظمى لتثبيت الحفظ و استرجاع ما ذهب ، و لست بحاجة إلى التذكير بجلالة منزلة الحافظ لكتاب الله و رفيع مكانته ، و حسبه أنه قد استدرج النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى له .

    أخي الكريم … هاقد عرفت من فضل القرآن ما قد عرفت ، و علمت من ارتباط هذا الشهر الكريم بالقرآن العظيم ما قد علمت ، فلم يبق إلا أن تشمر عن ساعد الجد ، و تأخذ نفسك بالعزم ، و تدرع الصبر ، و تكون مع القرآن كما قال القائل :
    أسرى مع القرآن في أفق فذ تبارك ذلك الأفق
    وسرى به في رحلة عجب من واحة الإيمان تنطلق
    وارتاد منه عوالما ملئت سحرا به الأرواح تنعتق
    يامن يريد العيش في دعة نبع السعادة منه ينبثق
    " عباد الله هذا شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، و في بقيته
    للعابدين مستمتع ، و هذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم و يسمع ، و هو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا يتصدع ، و مع هذا فلا قلب يخشع و لاعين تدمع ولا صيام يصان عن الحرام فينفع ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع .[ لطائف المعارف 364ا/365 ]
    فهل للنفس إقبال ؟ و هل للقلب اشتياق ؟ و هل نملأ شهر القرآن بتلاوة القرآن ؟






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان



    إمكانيات فهم القرآن

    إبراهيم بن عمر السكران
    (11)


    الحمد لله وبعد،،
    أخبرنا الله في كتابه بأن هذا القرآن كتاب هداية للناس، كما قال تعالى (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ)[البقرة:185].
    لكن هل هذا كل شيء؟ يعني هل يتفاوت الناس في فهم القرآن بحسب
    المعايير المادية المحسوسة فقط: الاستعدادات العقلية، المعرفة المسبقة باللغة، الخ؟ أم أن الناس يمكن أن يتفاوتوا –أيضاً- في فهم القرآن بحسب (المؤهلات الإيمانية)؟
    الحقيقة أنه جاءت إشارات في كتاب الله تؤكد أن المؤمن التقي ينكشف له من معاني القرآن ما لا ينكشف لغيره، كما قال تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)[البقرة:2]..
    فبالله عليك قارن بين قوله عن القرآن في أواخر البقرة (هدى للناس) وقوله عن القرآن في أول البقرة (هدى للمتقين) يستبين لك أن هداية القرآن على مراتب، وأن هداية القرآن العامة
    تكون للناس جميعاً، ولكن يتشرف أهل التقوى بهداية خاصة، فيها قدر زائد من العلم والمعرفة..

    ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن المعاصي حجاب يحول بين القلب ودقائق القرآن .. فأي حرمان تسببت فيه خطايانا ..
    غُمّت علينا معاني القرآن الخاصة بسبب غيوم الذنوب.. وهل وراء ذلك من شؤم؟!
    أَقرأُ القرآن .. وتمر بي الآية .. وأتأملها.. وأشعر أن فيها معانٍ خاصة كلّ بصري أن يراها بسبب ما اقترفته الجوارح .. فيصيبني من الحسرة والألم ما الل
    ه به عليم ..
    أَقرأُ الآية .. وأعلم أنه قد تصفحتها عيون الأتقياء قبلنا في عصور مضت، وتنعمت بمعانٍ، وتجلت لها معارف، وتفتحت لها تصورات.. لأنها قلوب تستحق.. فتزداد حسرتي.. وأردد (هدى للمتقين)..
    وأتذكر قصص السلف التي رويت في تراجمهم، وما ذكر عن تهجدهم بالأسحار، وقيام بعضهم الليل كله بآية يرددها من كتاب الله، وجاء هذا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث أبي ذر عند النسائي أيضاً..
    أتذكر هذه المشاهد من قيام بعض السلف ليلة كاملة بآية واحدة وأقول في نفسي: يا ترى كم هي المعاني التي فتحت لهذا المتهجد في قيام الليل حتى أصبحت قراءة الآية لا تزيده إلا شغفاً بإعادتها!
    أتخيله وهو يتلوا، ثم يعيدها مرةً أخرى، وكأنما لم يرتوِ منها بعد، فيعيد
    تلاوتها ويغوص عقله في معانيها.. وتنسكب عليه من معاني الآية ما يحجب عن القلوب المنهكة بخطاياها..
    أتخيل هذا المتهجد وهو يغص بعبراته، وتضطرب لحيته، في زاوية قصية قد اضطجع الليل على جوانبها.. لا تسمع فيها إلا صوت آية واحدة، لا تنتهي حتى تعود مرةً أخرى ..
    الآية واحدة والمواجيد أصناف..
    بل إن الله تعالى جعل في نفس كل مسلم برهاناً على هذه المسألة، وعلى سبيل المثال: تجد المسلم حين يقرأ القرآن وهو في صفاء الصوم، أو خلوة الاعتكاف: ينفتح له من المعاني والتأثر والاهتداء، ما لا ينفتح له وهو يصلي بلا خشوع –مثلاً- ويهذّ قصار السور بهذرمة المستعجلين!
    بل إن الآية الواحدة ذاتها تقرؤها مرة فتطير بها في أفلاك الإيمان، وتتمنى أن تجد أحداً تحدثه عن معانيها بانبهار.. وتستغرب كيف فاتت على الناس هذه الآية؟! ثم تقرؤها ف
    ي حالٍ أخرى ولا تسترعي منك أي انتباه!
    الآية واحدة .. لكن القلب استيقظ مرة .. وتغشّاه النعاس أخرى!
    فإذا كانت النفس الواحدة يتفاوت فهمها بحسب أحوال زكائها، فكيف بالنفوس المتعددة المتباينة في مدارج السلوك إلى الله؟!
    القلوب الحية تجري في مضمار المعاني القرآنية .. والقلوب المكبلة بالخطايا ما زالت تزحف في الخطوط الأولى!
    ويظن بعض المنتسبين للثقافة الليبرالية ممن يقحم نفسه في تفسير النصوص الشرعية أن قدرته على فهم النصوص تساوي أو تزيد على (أهل التقوى) .. ولا يستطيع عقله المصنّع خارجياً أن يستوعب أن أئمة الدين الذين لهم (لسان صدق عام) في الأمة؛ قد منحهم الله قدراً زائداً في
    فهم القرآن والاهتداء به..
    ويدفعهم إلى هذا التصور محركات مختلفة، منها تشربهم التام للمعايير المادية الحسية، وجهلهم بالمعايير الإيمانية الغيبية ..
    وأحياناً يكون هذا الأمر مدفوعاً بما يمكن تسميته (الغرور الثقافي) فهو يشعر أن اعترافه بأن (أهل التقوى) يتمتعون بقدر زائد في فهم القرآن أن هذا يقدح في كبريائه المعرفي، ويخلق تراتبية إيمانية في نطاق العلم ترتطم بأوهام المساواة الأرضية..
    مثل هؤلاء يحتاجون أن يتدبروا قول الله (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى)[فصلت:44] فانظر كيف أن القرآن واحد، والأثر في الاهتداء به متفاوت، فهو لأهل الإيمان (هدى وشفاء) وهو لمسلوبي الإيمان (وقر وعمى)!

    ومثل هؤلاء يحتاجون أن يتدبروا قول الله (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا)[الإسراء:82] فالقرآن لأهل الإيمان (شفاء ورحمة) ولم
    ن ظلموا أنفسهم (خسارة).
    وكما أن أهل الإيمان يتفاوتون في إيمانهم، فالهدى والشفاء والرحمة يتفاوت بحسب ما في القلوب من الإيمان.
    وكما أن مسلوبي الإيمان يتفاوتون في فجورهم، فالوقر والعمى والخسارة تتفاوت بحسب ما في القلوب من الفجور.
    وإذا تأملت ظاهرة العلم في كتاب الله، وبشكل أدق مصادر وينابيع العلم؛ وجدت إشارات القرآن لما يؤكد هذا المعنى، فالقرآن في مواضع كثيرة يوضح أن (العلم) ليس بفضل المتعلم، وإنما بفضل الله، تأمل قول الله مثلاً (وَيُعلمكم اللَّهُ)[البقرة:282] وقول الله (تُعَلمونهن مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ)[المائدة:4] وقول الله (كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)[البقرة:239]، ولاحظ فيها نسبة الأمر إلى معلم آدم ومفهم سليمان سبحانه..
    بل لاحظ كيف يشير بالفعل المبني للمجهول (أوتوا) إلى المصدر الخارجي للعلم (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)[العنكبوت:49] وقول الله (قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)[النحل:2
    7] واستعمال التعبير (أوتوا) إذا أتى ذكر العلم جاء في مواضع متعددة في كتاب الله.

    هذه الظاهرة التي نبّه عليها القرآن، ودلّت عليها وقائع الأحوال؛ يمكن استثمار دلالاتها في عدة نطاقات، فمن ذلك:
    أن المرء إذا مرت به حالٌ إيمانية وشعر بزكاء نفسه وصفاء إيمانه فلينتهز الفرصة وينشر مصحفه ويقرأ كتاب الله ويتدبره، ويتمعن في مضامينه ودلالاته وهداياته، ويستجلي ما وراء الدلالات المباشرة، فكما أن الطالب يختار أصفى الأوقات للمذاكرة، فكذلك المؤمن يختار أزكى لحظاته للتدبر، بل وليدوّن في مثل هذه الحال سوانح المعاني التي تمر به..
    ومن ذلك أن المحب للعلم والمعرفة الشرعية يضع نصب عينيه أ
    ن منزلته في تحقيق العلوم الشرعية وحسن الاستدلال من النصوص مربوط بتقواه لله، وأنه كلما ازداد تقوى وورعاً فإن الله يفتح عليه في تحرير المسائل الشرعية والاستدلال عليها.
    ومن ذلك أن طالب العلم يراعي في اختيار الشيخ الذي يدرس عليه، أو يعتني بترجيحاته؛ ديانة الشيخ وتقواه ونسكه وورعه، فإن الشيخ التقي العابد يوفق للحق، كما قيل لإمام أهل السنة الإمام أحمد رحمه الله: من نسأل بعدك؟ فقال (سلوا عبد الوهاب الوراق، مثله يوفق لإصابه الحق)[بحر الدم لابن عبد الهادي، 103]
    فرشح الإمام أحمدُ عبدَ الوهاب الوراق برغم أنه أقل علماً من بعض أقرانه بسبب أنه أكثر صلاحاً وتقوى منهم، حتى أن الإمام أحمد قال مرة (من يقوى على ما يقوى عليه عبد الوهاب)..
    وفي هذه المسائل تفاصيل إضافية أخرى تستحق أن تبسط في غير هذا الموضع، كمسألة مصدرية (الإلهام) في مبحث مصادر المعرفة، ومسألة (القلب المعمور بالتقوى إذا تكافأت عنده الأدلة أو انعدمت، فرجح بمجرد رأيه؛ فهو ترجيح شرعي في حقه) ونحو هذه الم
    سائل.
    والمراد فقط الإشارة إلى دور (الإيمان) في (العلم)، وأن الإيمان ليس مطلباً مستقلاً عن العلم لا صلة له به، وأن وسائل العلم ليست محصورة في الوسائل والبرامج الحسية المادية.
    ولذلك كله قال الله عن القرآن تارة (هُدًى لِلنَّاسِ) وقال عنه تارة (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)
    ، فالأولى هداية قرآنية عامة يشترك فيها الناس، والثانية هداية قرآنية خاصة يختص بها أهل التقوى.
    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    رمضان شهر القرآن

    أحمد بلوافي
    (12)


    بسم الله الرحمن الرحيم
    خص الله جل ذكره شهر رمضان بفضائل عديدة وخصائل كثيرة تجعل منه محطة هامة، ومعلماً بارزاً في سنة المسلم، مما يجعله ينتظر قدومه، بل يسأل الله أن يبلغه ذلك، بكل شغف ويستعد له قبل مقدمه بمدة كما كان يفعل أسلافنا - رحمهم الله - رحمة واسعة. وما ذلك إلا لاغتنام النفحات الربانية والتخفيضات الموس
    مية التي ترافق حلول هذا الضيف العزيز.
    ففي هذا الشهر تُصفَّد الشياطين، وتفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وفيه ليلة خير من ألف شهر، وغيرها من الأمور التي وردت في ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث وهدي. ولاشك أن أعظم تلك النعم وأجلها على الإطلاق هي اختيار الله لليلة المباركة من بين لياليه لإنزال القرآن الكريم. القرآن كتاب الهداية والنور والخير الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من عمل بمقتضى أوامره ونواهيه حقق الفوز والنجاة في هذه الدار ويوم يقوم الناس لرب الأرباب، ومن ولاه ظهرياً خسر الدنيا والآخرة ونكص على عقبيه وعاش حياة ضنكاً وسار في هذه الدنيا من غير نور ولا هدى ولا كتاب منير. فوكل إلى شهواته وأهوائه وما يوحيه إليه شياطين الإنس والجن فيعيش منكوس الفطرة لا ينكر منكراً ولا يعرف معروفاً إلا ما أشرب من هواه.
    يقول - سبحانه وتعالى- في معرض حديثه عن الصيام في سورة البقرة:
    [شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان]، ويقول جل ثناؤه في سورة القدر: [إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر]، ويقول في مطلع سورة الدخان: [إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم].

    ونحن نستقبل هذا الشهر الكريم علينا أن نستشعر هذه المنة العظيمة، والنعمة الجليلة التي خص الله بـها هذا الشهر من بين سائر الشهور، ألا وهي نعمة إنزال القرآن الكريم، ويكون استشعار تلك النعمة بتأدية ما أوجبه الله علينا حيال هذا القرآن وهو فهمه وتدبره وتلاوته والعمل بمقتضى أحكامه: [قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون]، وقال - تعالى -: [إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور، ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور]، ويقول عز من قائل: [اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ول
    ا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون][الأعراف: 2].
    إن استعراض هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان والعودة إلى الأحاديث الصحيحة التي حفظت عنه نجد أنه كان يخص رمضان بأعمال ويكثر من بعضها أكثر من غيره من الشهور، يقول ابن قيم الجوزية - رحمه الله - في زاد المعاد[1]:
    "… [وكان من هديه في هذا الشهر] الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل - عليه السلام - يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان، وتلاوة القرآن والصلاة والذكر، والاعتكاف، وكان يخص رمضان بما لا يخص غيره به من الشهور…" ا.هـ.
    وهكذا يتضح من هديه - عليه السلام - في رمضان أنه كان يكثر فيه من تلاوة القرآن. وهنا بيت القصيد، كما يقولون، وهو أننا إذا أردنا أن نـقتدي بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأن نستشعر نعمة إنزال القرآن في هذا الشهر علينا أن نكثر من التلاوة فيه. والتلاوة على ضربين [2]آ؛ تلاوة حكمية وهي تصديق أخباره وتنفيذ أحكامه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والنوع الثاني: تلاوة لفظية، وهي قراءته. وكلا الأمرين مطالب المسلم بإتيانه وخاصة الأمر الأول، ولكن الشارع رغبه في الأمر ال
    ثاني وحضه على ذلك، ولاشك أنه من دون التلاوة اللفظية المتكررة بتدبر وإمعان فإنه يصعب تحقيق النوع الأول والله أعلم.
    وفي ما يلي نذكر بعض النصوص التي جاءت مرغبة المسلم بتلاوة القرآن وأن الله أعد له الأجر والثواب العظيم عند قيامه بذلك [3]:
    قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، رواه البخاري في صحيحه، عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
    وقال أيضاً: "أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله - عز وجل - خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل"، رواه مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.
    وقال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار"، رواه البخاري ومسلم في صحيحهما، عن عبد الله بن
    عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -.
    وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها: لا أقوال]ألم[حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"، رواه الترمذي والدارمي وغيرهما، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.
    وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه"، رواه مسلم في صحيحه عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه -.
    وقال أيضاً: "يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين يعملون به، تقدمه[4] سورة البقرة وآل عمران، تحاجان عن صاحبهما"، رواه مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان رضي الله عنه.
    وقال - صلى الله عليه وسلم -: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده، له أشد تفلتاً[5] من الإبل في عقلها"، رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي موسى الأشعري -
    رضي الله عنه -.
    وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يرفع بـهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين"، رواه مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.

    وقال أيضاً: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طمعها طيب، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطمعها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر، ولا ريح لها" رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -.
    قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق[6] ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منـزلتك عند آخر آية تقرؤها"، رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله
    عنهما -، وهو حديث صحيح.
    فلنجتهد في كثرة قراءة القرآن المبارك لا سيما في هذا الشهر الذي أنزل فيه فإن لكثرة القراءة فيه مزية خاصة. كان جبريل يعارض النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن في رمضان كل سنة مرة فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيداً وتثبيتاً، وكان السلف الصالح - رضي الله عنهم - يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها، كان الزهري - رحمه الله - إذا دخل رمضان يقول: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. وكان مالك - رحمه الله - إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم وأقبل على قراءة القرآن من المصحف. وكان قتادة - رحمه الله - يختم القرآن في كل سبع ليال دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأخير منه في كل ليلة. وكان إبراهيم النخعي - رحمه الله - يختم القرآن في رمضان في كل ثلاث ليال، وفي العشر الأواخر في كل ليلتين. وكان الأسود - رحمه الله - يقرأ القرآن كله في ليلتين في جميع الشهر[7].
    وإذا كان ذلك حال النبي - صلى الله عليه وسلم - مع قراءة القرآن وكذلك السلف، فإن حال
    هم مع التأثر بكتاب الله أشد، لأنـهم أدركوا أن القراءة لوحدها، دون تحقيق الأمر المرجو منها قد تكون وزراً على صاحبها، كما أن قلوبـهم النقية ونفوسهم الزكية كانت تتعامل بكل رقة وإخبات مع كتاب الله - عز وجل -.
    فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اقرأ علي القرآن، قلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية]فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً"، قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان"[8]. وهكذا كان حال الصحابة ومن سار على نـهجهم، والأخبار في ذلك لا يتسع لها المقام، فمن أراد التعرف على ذلك فعليه العودة إلى مظانه، وحس
    بنا في ذلك كمعيار لمدى تفاعلنا مع القرآن قول المولى - جل وعلا -: [لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله].
    يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -[9]: "وهذا النوع [التلاوة الحكمية] هو الغاية الكبرى من إنزال القرآن كما قال - تعالى -: [كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب]، ولهذا درج السلف الصالح - رضي الله عنهم - على ذلك يتعلمون القرآن، ويصدقون به، ويطبقون أحكامه تطبيقاً إيجابياً عن عقيدة راسخة، قال أبو عبد الرحمن السٌّلميٌّ - رحمه الله -: حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن، عثمان ابن عفان وعبد الله مسعود، وغيرهما، أنـهم كانوا إذا تعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً، وهذا النوع من التلاوة هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة، قال الله - تعالى -: ]فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى، وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى]".

    ومن الأمور المعينة على تحقيق الغاية من تلاوة القرآن ما يلي:
    إخلاص النية لله - عز وجل - في ذلك.
    القراءة بقلب حاضر، متدبر ومتفهم لما
    يتلو.
    عدم التلاوة في الأماكن المستقذرة أو في مكان لا ينصت فيه لقراءة القرآن.
    الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم مع الطهارة.
    تحسين الصوت بالقرآن وترتيله ترتيلاً جيداً، بحيث يراعي أحكام التلاوة ويسجد إذا مر بالسجدة وغير ذلك مما هو مبين في كتب التجويد.
    إن أقل ما نفعله في هذا الشهر الكريم هو أن نعود أنفسنا على الإكثار من تلاوة القرآن، والالتصاق به، وذلك حتى يتسنى لنا عرض حالنا وأعمالنا على هذا النبع الصافي والصراط المستقيم والمحجة البيضاء،
    وحتى لا يشملنا قول الباري - جل وعلا -: [وقال الرسول: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً]، وحتى يكون فوق ذلك هذا القرآن شافعاً لنا لا شاهداً علينا.
    اللهم اجعلنا من أهل القرآن، ووفقنا إلى إنزاله المكانة التي تقربنا به إليك، اللهم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...
    ----------------------------------------
    [1] المجلد الثالث، ص [30-32].
    [2] مجالس شهر رمضان، الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، ص21.
    [3] مقتبس من مقدمة الشيخ عبد القادر الأرناووط لتفسير بن كثير، طبعة دار الفيحاء ودار السلام.
    [4] أي تتقدمه.
    [5] عند البخاري: أشد تقصياً،
    والمعنى واحد.
    [6] أي في درجة الجنة بقدر ما حفظته من آي القرآن وعملت به.
    [7] مجالس شهر رمضان، ص 24.
    [8] متفق عليه.
    [9] مجالس شهر رمضان، ص54-55.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان



    جوابات القرآن

    إبراهيم بن عمر السكران

    (13)


    -كلما عظم شأن الرسالة عظم شأن ناقلها، فأي رسالة أعظم من أن يكون المتكلم بها رب العالمين، ونزل بها من السماء سيد الملائكة، واستقبلها على الأرض قلب سيد البشر: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَىظ° قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) [الشعراء:192-194]

    ولذلك فإن كل من نقل هذه الرسالة القرآنية وبثها في الناس فقد تشرف بارتباطه بهذه السلسله، ألا ترى النبي في الصحيح يقول (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). -إذا كان الله نهى نبيه عن مقاطعة القرآن بالقرآن، فكيف بمن يقاطع القرآن بأمر الدنيا،
    (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىظ° إِلَيْكَ وَحْيُهُ) [طه:114] -تختلف طرائق الدعاة في تذكير الناس، فبعضهم يستعمل القصص والأمثال، وبعضهم بذكر الأهوال، وبعضهم بالأصوات الزاجرة،
    وأشرف من ذلك كله إيقاظ القلوب بالقرآن، ألا ترى الله يقول عن نبيه
    (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) [الأنبياء: 45] -ما قرأت هذه الآية إلا شعرت بالخجل من جنس بني آدم، كيف عبر عن غيرنا بالعموم وعبر عنا بالجزء :
    ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِوَكَثِي رٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ غڑ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [الحج: 18] -حين يكون مع المبدأ شئ من حظ النفس يُقبِل الكثيرون، وحين يكون مع المبدأ شئ
    من الكلفة يكثر التعلل والتنصل، ألا ترى الله تعالى يقول
    (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَظ°كِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ) [التوبة:42] وهذا مايفسر للمراقب: لماذا في وقت نفوذ الدعوات ينتسب لها الرسالي والنفعي، وفي فترات الضعف يتساقط النفعيون؟! -إذا عمر القلب بإرادة وجه الله والدار الآخرة استكثر أدنى تقدير يبديه من حوله تجاهه، فتراه ممتناً لأبسط اهتمام تبذله زوجته له، وخجولاً من أقل توقير يبديه أقرانه تجاهه، ألا ترى الله يقول عن هذا الصنف

    (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لانُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاشُكُورًا) [الإنسان: 9]
    وإذا شحن القلب بحظوظ النفس استقل كل حشمة يحيطه من حوله بها، ويتطلب فيمن حوله أن لاتنقطع إشادتهم وتنويههم بما قام به، لذا تراه دائم التذمر والنقمة ولمز من حوله بجحد فضائله، وينسى أنه يعمل العمل لنفع نفسه أصلاً، ألا ترى الله يقول عن هذا الصنف (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاتَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ
    اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ) [الحجرات: 17] -لو فتشت في خفايا كثير من النفوس لوجدت تصورات مطمورة بأن هذه الأمم الغربية قوة لاتقهر، بل لقد صرح بذلك كثير من "أهل الأهواء الفكرية" فرددوا في كتاباتهم مصطلح "المعجزة الغربية" بما يحمله من إيحاءات الاستسلام وتأبيد الهزيمة .. ولأن العليم الخبير سبحانه يعلم مايتسرب إلى النفوس من هذه التصورات فقد نبه سبحانه لذلك مسبقاً فقال
    (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ) [النور: 57] -في سورة النور ذكر الله ثمان آيات متصلة كلها في تعظيم "الانقياد للوحي" (الآيات 47-54) ، ثم أعقبها بآية عن "الاستخلاف والتمكين" (55) ، فكأ
    ن هذا –والله أعلم- إشارة إلى أن التمكين ثمرة الانقياد.

    -يكثر في كتابات أهل الأهواء الفكرية أنهم حين يستعرضون أصحاب المكتشفات العلمية أو الأعمال الإنسانية أن يجزموا بأن هذه الشخصيات في الجنة حتى وإن لم يؤمنوا بنبوة محمد، وتراهم يقولون "كيف يكون هؤلاء في النار وقد نفعوا البشرية جمعاء؟!" ، فلست أدري كيف يتجرأ هؤلاء على تحدي حكم الله الذي اشترط الإيمان بنبوة محمد
    (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) [ال
    توبة:54] -مروجوا الشهوات لايقتصر ضررهم على أنفسهم كما يتصور البعض، بل يورطون أقوامهم معهم إذا أتاحوا الفرصة لهم، ألا ترى الله يقول
    (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) [إبراهيم:28] -مارأيت أحداً من المجادلين في دين الله بلامخزون علمي إلا وأدهشني كيف يلوي عنقه استكباراً إذا واجهته الأدلة التي تحرج جدله، وقد أشار القرآن لهذه العلاقة فقال:
    (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِير، ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [الحج: 8-9] -لايحصل العلم بلقاء عابر، وإنما بملازمة ومتابعة العلماء، ألا ترى موسى يقول للخضر
    (قَالَ لَهُ مُوسَىظ° هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىظ° أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف:66]
    -أي بشاعة للتقصير في بر الوالدين أكثر من كون الله جعله جريمة "جبروت" فقال عن عيسى
    (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) وقال عن يحي (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) [مريم: 32، 14]
    والله أعلم،،




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    فضل ختمة القرآن وأحكامها

    خالد بن سعود البليهد
    (14)


    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:
    فإن ختم القرآن من الأعمال الجليلة التي يثاب عليها العبد وينال بها الدرجات ال
    على، فيستحب للمسلم أن يختم القرآن مرة بعد مرة ويواظب على ذلك، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر:29].
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ (الم) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ» (رواه الترمذي؛ برقم: [2910]).
    وتلاوة القرآن فيها فضائل حسنة ومزايا عظيمة كما ورد في النصوص، من شفاعة في الآخرة وكثرة الحسنات، ورفعة الدرجات، وزيادة اليقين، وانشراح الصدر، وشفاء من الأسقام، واطمئنان الروح، وجلاء الهموم والأحزان في الدنيا، وبصيرة في الدين، وفرقان في المشتبهات، ورفعة في الدنيا، وغير ذلك من الشمائل التي لا ي
    حصيها القلم ولا يحدها الوصف.
    وفي الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ» (صحيح البخاري؛ برقم: [5427]، صحيح مسلم؛ برقم: [797]).
    أما مدة ختم القرآن فلم يرد حدٌّ مؤقتٌ في السنة في أكثرها، وإن كان ورد ذم في
    السنة وعن السلف هجر القرآن وإطالة المدة في ختمها، وقد حدها بعضهم بالأربعين لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه المدة لعبد الله بن عمرو لختم القرآن لما أخرج أبو داود عن عبد الله بن عمرو: "أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في كم ‏يُقرأ القرآن؟ قال: «فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا»، ثُمَّ قَالَ: «فِي شَهْرٍ» (سنن أبي داود؛ برقم: [1395]). وعنه في رواية البخاري قال له: «اقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ» قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، حَتَّى قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» (صحيح البخاري؛ برقم: [5054]).

    وقد كره بعض الفقهاء تجاوز هذه المدة من غير ختم القرآن، والصحيح أنه لا يكره ذلك لأن هذه الأحاديث خرجت مخرج الأفضلية والاستحباب، ولذلك اختلفت الروايات في تحديد المدة، والمقصود أنه ينبغي للمؤمن أن يتعاهد القرآن، ويكون كثير المدارسة له، ولا يهجره ويكون بعيد العهد به، ولذلك روى أبو ‏داود عن بعض السلف أنهم كانوا
    يختمون في شهرين ختمة واحدة.‏
    أما أقل المدة فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ختمه بأقل من ثلاث ليال لحديث عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا أَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ" (مسند الدارمي؛ برقم: [3530])، وفي سنن أبي داود: «لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» (سنن أبي داود؛ برقم: [1390])، وهذا النهي على سبيل الكراهة.
    واختلف أهل العلم هل هذا النهي عام في جميع الأحوال أم خاص؟ وذهب كثير من فقهاء السلف وعبادهم إلى حمل هذا النهي على معنى خاص كالمداومة على ذلك، أو في أيام السنة التي لا مزية فيها، أما في الأزمان الفاضلة كشهر رمضان وغيره فلا حرج على المسلم في ختم القرآن بأقل من ثلاث، لأن الأفضل في الزمان الفاضل والمكان الفاضل الإكثار من العبادة مع إقبال النفس وانشراحها لعمل الخيرات، وقالوا إن المقصود من النهي عدم عقل القرآن وفقه معانيه أو خشية السآمة والملل في العبادة، والذي يظهر أن هذا المسلك وجيه يتحقق في
    ه مصالح كثيرة.
    قال ابن رجب في اللطائف: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة كمكة شرفها الله لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان، وهذا قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة".
    قال إبراهيم النخعي: "كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين"، وكان قتادة يختم القرآن في سبع، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة، وعن مجاهد أنه كان يختم القرآن في رمضان في كل ليلة، وعن مجاهد قال: "كان علي الأزدي يختم القرآن في رمضان كل ليلة"، وقال الربيع بن سليمان: "كان الشافعي يختم القرآن في رمضان ستين ختمة"، وقال القاسم ابن الحافظ ابن عساكر: "كان أبي مواظبًا على صلاة الجماعة وتلاوة
    القرآن، يختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم".
    والحاصل أن الأفضل للإنسان أن يختم في كل سبع كما كان كثير من الصحابة يسبع، واختاره كثير من أهل العلم، فإن لم يتيسر له ففي عشر، وإن رغب في الخير في الأوقات الفاضلة فختم بأقل من ثلاث من غير مفسدة فلا حرج عليه.
    وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختم في كل سبع ولا يصح.
    والصحيح أنه ليس هناك وقت محدد في الشرع لوقت الختمة في ساعة من الليل أو النهار أو ليلة معينة في الأسبوع كليلة الجمعة، فيفعل العبد ما هو أيسر له، وأجمع لقلبه، وأشرح للعبادة، وأفرغ ل
    وقته، فلا فضل في وقت معين، وما ورد من آثار بعض الصحابة والتابعين لا يدل على التحديد في هذا الباب، لأن هذا اجتهاد منهم ليس عليه دليل من الشرع والأمر في ذلك واسع.
    وكذلك جميع ما روي من استغفار ستين ألف ملك عند ختمة القرآن، أو استغفار عدد معين عند ختمة القرآن أول الليل فمنكر لا يصح منه شيء في هذا الباب، كحديث: "إذا ختم العبد القرآن صلى عليه عند ختمه ستون ألف ملك"، وحديث: "من ختم القرآن أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، ومن ختمه آخر النهار صلت عليه الملائكة حتى يصبح". فلا يجوز للمسلم أن يعتقد للختمة ثوابًا خاصًّا لم ترد في الشرع، وإن كان فيها فضل عظيم، وموطن دعاء وتعرض لعطايا الرب لأنه ختام عمل صالح تلاوة أشرف كلام.
    وينبغي للمسلم أن يجعل له ورد من القرآن من ليل أو نهار، سواء كان ذلك داخل صلاة النفل أو خارجها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا» (صحيح م
    سلم؛ برقم: [791])، وقد كان الصحابة يواظبون على قراءة حزب معين كل ليلة، وآثارهم كثيرة في هذا الباب، ولم يرد في الشرع قدر محدد من السور أو الآيات يقرؤها كل ليلة أو يوم، ومن حدد شيئا في هذا فقد أخطأ، وما يُروى في هذا الباب لا يصح منه شيء، وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل لم تكن مؤقتة في القدر، وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة البقرة، ثم افتتح النساء، ثم افتتح آل عمران.
    وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم الحزب ولم يقيده بقدر فقال: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ» (صحيح مسلم؛ برقم:[747])، والصحابة رضي الله عنهم كانت تختلف مسالكهم في هذا الباب، فمنهم من كان يختم في ليلة، ومنهم في ثلاث، ومنهم في سبع، ومنهم في عشر، ومنهم في شهر، ومنهم في شهرين.
    ولكن لا بأس للإنسان أن يحدد ورده من باب التنظيم والاجتهاد في الختم، وإن
    نشط في بعض الليالي طول القراءة، وإن كسل قصرها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، والأمر في ذلك واسع، لكن لا يُشرع له أن يعتقد أفضلية لقدر معين من الآيات وينسب ذلك للسنة.

    واستحب بعض الفقهاء لمن ختم القرآن أن يقرأ الفاتحة وأول البقرة إلى قوله: {أُولَـظ°ئِكَ عَلَىظ° هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ غ– وَأُولَـظ°ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة:5]، ويجعل ذلك ختام قراءته لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "أن رجلًا قال يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: «الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ». قَالَ: وَمَا الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ، كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ» (رواه الترمذي واستغربه؛ برقم: [2948])، لكن هذا الخبر لا يصح فلا يُعمل به، فعلى هذا لا يستحب ذلك على الصحيح والعمل على تركه.

    وإذا ختم القرآن استحب الفقهاء أن يدعو بعد ذلك، ويجمع أهله على ذلك إن تيسر،
    لأن الدعاء يُرجى قبوله بعد الفراغ من العمل الصالح، ولأنه ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أنه كان إذا ختم القرآن جمع ولده وأهل بيته فدعا لهم" (رواه الدارمي؛ برقم: [3517])، وعن مجاهد قال: "كانوا يجتمعون عند ختم القرآن يقولون: إن الرحمة تنزل عند القرآن"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "أنه كان يجعل رجلًا يراقب رجلًا يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس رضي الله عنهما فيشهد ذلك" (رواه الدارمي).
    ولا يُشرع الاجتماع عند الختمة وصنع الطعام لذلك وتوزيعه قصد الثواب للحي أو الميت يوم الخميس أو غيره، بل ذلك من البدع والمحدثات التي ليس لها أصل في الشرع بهذه الكيفية.
    ولا يُسن تخصيص الصوم ليوم الختمة أو عبادة أخرى، واعتقاد أن ذلك له مزية في الشرع.
    أما الدعاء لختم القرآن في صلاة القيام في رمضان قبل الركوع فقد استحبه طائفة من الفقهاء، وهو عمل أهل مكة اشتُهر عنهم، وأخذ به الإمام أحمد ومتأخرو المذاهب الثلاثة، ويغلب على الظن أنهم تلقوا
    ذلك عن الصحابة، والذي يظهر أنه لا بأس بعمله لمناسبة المحل بعد ختم القرآن، ولأنه يجوز الدعاء في الصلاة كدعاء الوتر وهذا من جنسه، ولأنه يُشرع للمصلي السؤال والاستعاذة عند ذكر ما يقتضي ذلك من الآيات كما ثبت في السنة، ولأن أبا بكر رضي الله عنه لما أنابه النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة لمرضه، ثم دخل في الصلاة فتأخر أبو بكر وتقدم النبي رفع يديه ودعا وأقره النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على جواز الدعاء العارض أثناء الصلاة لأنه ذكر مشروع من جنس أذكار الصلاة، ولأن الصحابة رضي الله عنهم توسعوا في دعاء القنوت، وزادوا عليه فأدخلوا فيها الصلاة وغيره، مما يدل على أن الأمر واسع في هذا الباب.
    والحاصل أن الإمام إذا كان يرى مشروعية ذلك، ويقتدي بقول عالم، فينبغي متابعته وعدم مخالفته أو الإنكار عليه كما كان كثير من أئمة السلف من الفقهاء والمحدثين لا ينكرون هذه المسائل، ويرون أن الخلاف سائغ لا يقتضي الإنكار والتدابر وترك الاجتماع على القيام لأجل ذلك، وهو أدب وفقه يَعزُب عن بعض الصالح
    ين اليوم.
    والصحيح أنه ليس هناك دعاء خاص لختمة القرآن ينبغي التزامه في جميع الأحوال لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه شيء مؤقت، وما يُنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية من دعاء الختمة مطعون فيه أنكره العلماء.
    فيدعو الإنسان بما تيسر له من الدعاء، ويختار الأدعية الجامعة والمناسبة لفضل القرآن ومنزلته، والثناء على الله المتكلِّم به، ونحو ذلك، والأمر في هذا الباب واسع، لكن لا ينبغي له التزام ألفاظ وعبارات معينة في دعاء الختمة، واعتقاد نسبتها إلى الشرع والمحافظة عليها كالأذكار الشرعية الراتبة.

    وقد كان الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم يُكثرون من ختم القرآن آناء الليل وأطراف النهار، ولهم في ذلك أحوال عجيبة وإن كانوا في هذا الباب على مراتب، منهم المقل ومنهم المستكثر، لكن يجمعهم العناية بتلاوة القرآن، وامتلاء صدورهم بتعظيم القرآن وعلو منزلته، حتى كان الفقيه الناسك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يترك صوم النفل لأنه يشغله عن تلاوة القرآن، وهذا من الفقه الدقيق الذي لا يُوفق إليه إلا من أوتي الحك
    مة ورُزق البصيرة في الدين.
    وما عليه السلف الصالح من التنسك والاجتهاد مخالف لما عليه كثير من الناس في هذا الزمن من هجر القرآن وجفائه، والاعتياض عنه بالصحف والمجلات والروايات، حتى صار يأتي على الرجل سنون كثيرة وهو لم يختم القرآن ولا مرة، وكثير من الناس لا يختم إلا في رمضان والله المستعان.
    ولا يليق بالمنتسبين للعلم والدعوة أن يزهدوا في تلاوة القرآن وختمه ويقصروا في هذا الباب العظيم الذي يُعد نورًا وهداية وزكاة وفرقانًا لطريقهم وسبيلهم، ولا يُقبل لهم عذر في هذا التفريط، ومن كان زاهدًا في القرآن والسنة كان أمره في سفال ودعوته في ريبة.
    ويُستحب للإمام أن يعتني بختم القرآن في صلاة التراويح في رمضان، ويحرص على ذلك إن تيسر له، لأن رمضان شهر القرآن وقد ثبت في البخاري عن أبو هريرة أن جبريل "كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ" (صحيح البخاري؛ برقم: [4998])، فينبغي أن يُسمعهم جميع القر
    آن، يحرك قلوبهم ويبصرهم في الشرع لا سيما وإن كثيرًا من الناس هاجرٌ لكتاب الله مقصرٌ في معرفة أحكام التلاوة، لا يعرف القرآن إلا في هذا الشهر والله المستعان.
    ويُشترط لصحة الختمة اتصال القراءة في الحكم، بأن يقصد القارئ حال قراءته الختمة، وبناء قراءته على القراءة السابقة سواء كانت القراءة داخل الصلاة أو خارجها، أو من المصحف أو عن ظهر قلب، أما إذا قر
    أ سورة منفردة، أو كررها للرقية أو التدبر أو تعلم التجويد أو الحفظ فلا تدخل قراءته هذه في الختمة، ولا تُعتبر منها كمن كرر سورة الإخلاص لنيل ثوابها الخاص، أو قرأ سورة الكهف يوم الجمعة ونحو ذلك.
    ويجوز أن تكون له ختمتان في الليل والنهار لأن باب التطوع واسع، لكن الأولى أن لا يشرع في ختمة إلا بعد الفراغ من الختمة الأولى.
    ويُستحب للمسلم الحرص على الختمة في الأزمان الفاضلة والأماكن الفاضلة، واغتنام مواسم الخيرات بذلك، لأن العمل يتفاضل، وتلاوة القرآن من أَجَلّ الأعمال، وقد كان السلف يحرصون على ذلك إذا نزلوا مكة والمدينة.
    والتحقيق أن ما يسمى بالختمة الجماعية بأن: يجتمع قوم كل واحد يقرأ جزءًا من الق
    رآن في نفس الوقت أو متعاقبين إلى أن ينهوا القرآن ليس ذلك داخلًا في حُكم الختمة الواردة في الشرع، لأن التلاوة عبادة متصلة الأجزاء، يُشترط أن تصدر من مكلف معين لا من أكثر من واحد كالأذان والإقامة وغيرها من العبادات القولية، فلا يُشرع هذا العمل لأنه مخالف للسنة إلا إذا كان على سبيل التعليم والمذاكرة لا قصد ثواب الختمة.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    كيف تقضي نهارك في رمضان؟ قرآنك

    عصام حسنين
    (15)


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    ومن ذكر الله تعالى تلاوة القرآن، كلام الله تعالى، فهو أفضل الذكر وأشرفه،
    قال الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23].
    - وهو كلام الله تعالى، ووصفه الله تعالى بصفات جليلة عظيمة، وحقـًا هو كذلك؛ لأنه كلام الله جلَّ وعلا.
    وصفه الله تعالى بأنه نور وبرهان، وموعظة، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، وروح تحيا به النف?س، وكفاية لمن اكتفى به، وأحسن الحديث، وتقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله، وحبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، وإمام يقود إلى حياة السعادة والجنة.
    - والقرآن سبب من أسباب محبة الله تعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
    «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ فَلْيَقْرَأ فِي الْمُصْحَفِ» [رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي، وحسنه الألباني].
    - وشفيع لأصحابه يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ» [رواه مسلم].
    - وبركة للمكان الذي يُتلى فيه، وحياة له، وعصمة من الشيطان، قال صلى
    الله عليه وسلم: «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» [رواه مسلم].

    - وسبب عظيم للحسنات، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلكَنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلاَمٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرفٌ» [رواه الترمذي، وصححه الألباني].
    - وهو حجة للعبد يوم القيامة يحاجج عن صاحبه الذي عمل به؛ قال صلى الله عليه وسلم: «وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ» [رواه مسلم].
    - وظلة له من حر الشمس التي تدنو فوق الرؤوس مقدار ميل يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْن ِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَ
    تَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» [رواه مسلم].
    قال أهل اللغة: "الغمامة والغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغبرة، وغيرهما"، قال العلماء: "المراد أن ثوابها يأتي كغمامتين، والفِرقان: قطيعان وجماعتان" [انتهى م? شرح مسلم للنووي 6/90].
    و"«الصواف»: المصطفة المتضامة، و«البطلة»: السحرة، و«الزهروان»: المنيران، ومعنى «لا يستطيعها البطلة»: لا يمكنهم حفظها، وقيل: لا تستطيع النفوذ في قارئها، والله أعلم" [تفسير ابن كثير1/34].
    - هذا القرآن العظيم أنزله الله تعالى في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة
    من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك مفرقـًا على مدار ثلاث وعشرين سنة كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].
    وكان جبريل عليه السلام يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» [متفق عليه].
    وهذا يدل على وظيفة عظيمة للمؤمن في شهر رمضان، وهي: تلاوة كتاب الله تعالى، خاصة بالليل، وأن يغتنم فيه الختمات؛ لأنه زمان شريف تضاعف فيه الحسنات.

    ولقد ورد عن سلفنا رضي الله عنهم في اغتنامهم تلاوة القرآن في شهر رمضان الأعاجيب:
    - كان مجاهد رحمه الله تلميذ ابن عباس رضي الله عنهما يختم ختمة فيما بين ا
    لمغرب والعشاء في رمضان، وكانوا يؤخرون العشاء إلى أن يمضي ربع الليل!
    - وكان الشافعي رحمه الله يختم في رمضان ستين ختمة، ما منها شيء إلا في صلاة!
    - وكان أبو حنيفة رحمه الله يختم كل يوم ختمة!
    - وكان الأسود وكان من العلماء العباد رحمه الله يختم في رمضان في كل ليلتين، وكان يختم في غير رمضان في كل ست ليال!
    - وكان الزهري، ومالك، والثوري، وابن الأعرابي رحمهم الله إذا جاء رمضان فروا من مجالس الحديث والعلم إلى مجالس القرآن.
    - وكان قتادة رحمه الله يختم في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة!
    - وهل هذا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ» [رواه أبو داود، وصححه الألباني]؟
    قال ابن رجب رحمه الله: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلا
    ث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة: كشهر رمضان خصوصًا في الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن؛ اغتنامًا للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، ويدل عليه عمل غيرهم كما سبق ذكره" [انتهى من لطائف المعارف].
    وقد وردت آثار عن السلف في فضل ختمة القرآن؛ من ذلك ما رواه الدارمي وقال: حسن عن سعد رضي الله عنه قال: "إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن وافق ختمه آخر الليل صلت عليه الملائكة حتى يمسي".
    وروى ابن أبي داود بإسنادين صحيحين عن قتادة التابعي الجليل الإمام صاحب أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان أنس رضي الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا".
    - وروي بأسانيد صحيحة عن الحكم بن عتيبة التابعي الجليل الإمام قال: "أر
    سل إليَّ مجاهد وعبادة بن أبي لبابة فقالا: إنا أرسلنا إليك لأنا أردنا أن نختم القرآن، والدعاء يستجاب عند ختم القرآن"، وفي بعض رواياته الصحيحة: "وأنه كان يقال: إن الرحمة تنزل عند خاتمة القرآن".
    وروي بإسناده الصحيح عن مجاهد قال: "كانوا يجتمعون عند ختم القرآن يقولون: تنزل الرحمة".
    - ويستحب حضور مجلس الختم لمن يقرأ، ولمن لا يحسن القراءة؛ لما رواه الديلمي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أنه كان يجعل رجلاً يراقب رجلاً يقرأ القرآن فإذا أراد أن يختم أعلم ا
    بن عباس رضي الله عنهما فيشهد ذلك".
    - وينبغي أن يُلح في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة، والكلمات الجامعة، وأن يكون معظم ذلك وكله في أمور الآخرة، وأمور المسلمين" [انتهى بتصرف من الأذكار للنووي ص 108-109].
    وتلاوة كتاب الله تعالى هي قراءته واتباع أحكامه، فالتلاوة لغة هي: الاتباع، فتدخل فيها القراءة؛ لأن القارئ متبع للنص كما يدخل فيها اتباع الأحكام.

    وعلى هذا فهي على نوعين:
    الأول: تلاوة حكمية، بتصديق أخباره واتباع أحكامه، وفعلاً للمأمورات وتركًا للمنهيات، وهذا هو الغاية الكبرى من إنزال القرآن كما قال الله تعالى كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَ
    كَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ[ص: 29].
    وعلى هذا درج السلف؛ كانوا يتعلمون القرآن ويصدقون به، ويطبقون أحكامه تطبيقـًا إيجابيًا عن عقيدة راسخة.
    قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله: "حدثنا الذين كانوا يقرؤننا القرآن: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا".
    وهذا النوع من التلاوة عليه مدار السعادة في الدنيا والآخرة، كما قال الله ت
    عالى: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى . وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 123-127].
    والثاني: تلاوته.. وقد بيناه، وبينا فضله، واجتهاد السلف فيه.
    فاقتدوا رحمكم الله بهؤلاء الأخيار، واتبعوا طريقهم تلحقوا بالبررة والأطهار، واغتنموا ساعات الليل والنهار بما يقربكم إلى العزيز الجبار، فإن الأعمار تـُطوى سريعًا، والأوقات تمضي جميعًا، وكأنها ساعة من نهار [انتهى بتصر
    ف من مجالس شهر رمضان لابن عثيمين رحمه الله، ص3، وص63].
    فالله المستعان وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا رب العالمين.. آمين.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان



    حال السَّلف الصالح مع القرآن في شهر رمضان

    عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.

    (16)



    الحمد لله الذي علَّم القرآن، خلَق الإنسان، علَّمه البيان، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، أعلمِ الخلق بالله ودينه وشرعه، وأنصحهم للناس وأنفعهم، وعلى آله وأصحابه أولي الفضائل والكرامات، ومَن تبعَهم إلى يوم الحشر والجزاء.
    أمَّا بعد، أيُّها الإخوة النُّبلاء ــ سدَّدكم الله وقوَّاكم على طاعته ــ:

    فإنَّ مِن أعظم ساعات المسلم هي تلك الساعات التي يَقضيها مع كتاب ربِّه القرآن، فيتلوا، ويتدبَّر، ويتعلَّم الأحكام، ويأخذ العِظَة والعِبرة.

    فأكثِروا مِن الإقبال على القرآن في هذا الشَّهر الطيِّب الْمُطيَّب رمضان، والزَّمَن الفاضل الجليل، وحُثُّوا أهليكم رجالًا ونساءً، صغارًا وكِبارًا، على تلاوته والإكثار مِنه، واجعلوا بيوتكم ومراكبكم عامرةً بِه، فإنَّ أجْر العمل يُضاعف بسبب شرَف الزَّمان الذي عُمِل فيه.
    وقد كان نبيِّكم صلى الله عليه وسلم يُقبِل على القرآن في هذا الشهر إقبالًا خاصًّا، فكان يَتدارسه مع جبريل ــ عليه السلام ــ كلَّ ليلة، إذ قال عبد الله بن عباس ــ رضي الله عنهما ــ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَ
    اهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ )).
    رواه البخاري (6) واللفظ له، ومسلم (2308).
    وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في
    كتابه «لطائف المعارف» (ص:242-243):
    دلَّ الحديثُ على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعَرْضِ القرآن على مَن هو أحفظ مِنه.
    وفيه دليلٌ على استحباب الإكثار مِن تلاوة القرآن في شهر رمضان.اهـ
    وقال الحافظ ابن كثير الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه «فضائل القرآن» (ص:37):
    ولهذا يُستحبُّ إكثار تلاوة القرآن فى شهر رمضان، لأنَّه ابتدئ بنزوله، ولهذا كان جبريل يُعارِض بِه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في كلِّ سَنَة في شهر رمضان، ولَمَّا كانت السَّنة التي تُوفي فيها عارضه بِه مرتين تأكيدًا وتثبيتًا.اهـ
    ولقد كان لِسلفِكم الصالح ــ رحمهم الله ــ مع القرآن في هذ
    ا الشهر الجليل شأنًا عظيمًا، وحالاً عَجَبًا، فقد كانوا يُقبِلون عليه إقبالًا كبيرًا، ويهتمُّون بِه اهتمامًا متزايدًا، ويتزوَّدُون مِن قراءته كثيرًا.
    فقد صحَّ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه ــ رضي الله عنه ــ: (( أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فِي ثَلَاثٍ )).

    رواه أبو عُبيد (234)، والفِريابي (132)، في كتابيهما «فضائل القرآن»، وسعيد بن منصور في «سُننه» (150 ــ قِسمُ التفسير).
    وصحَّ عن إبراهيم النَّخعي التابعي ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( كَانَ الْأَسْوَدُ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ )).
    رواه أبو عُبيد (235)، والفِريابي (141)، في كتابيهما «فضائل القرآن»، وسعيد بن منصور في «سُننه» (151 ــ قِسمُ التفسير).
    وأخرج عبد الرزاق في «مصنَّفه» (5955)، عن الثوري، عن مُغيرة،
    عن عِمران، عن إبراهيم النَّخعي التابعي ــ رحمه الله ــ: (( أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، فَإِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ قَرَأَهُ فِي لَيْلَتَيْنِ، وَاغْتَسَلَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ )).
    وكان الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ يَقرأ في كلِّ يومٍ وليلة مِن رمضان خَتمةً واحدة.
    وكان الإمام الشافعي ــ رحمه الله ــ يَختِمه في كلِّ يومٍ وليلة مِن شهر رمضان مرتين.
    وكيف لا يكون هذا هو حال السَّلف الصالح ــ رحمهم الله ــ مع القرآن العزيز، ورمضان هو شهر نُزوله، وشهر مدارسة جبريل ــ عليه السلام ــ له مع سيِّد الناس صلى الله عليه وسلم،
    وزمَنه أفضل الأزمان، والحسنات فيه مُضاعفة متزايدة.
    وقد صحَّ عن عبد الله بن مسعود ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَيُكَفَّرُ بِهِ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ: ï´؟ الم ï´¾ وَلَكِنْ أَقُولُ: أَلِفٌ عَشْرٌ، وَلَامٌ عَشْرٌ، وَمِيمٌ عَشْرٌ )).
    رواه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (29932)، وأحمد في «الزُّهد» (1825)، وأبو عُبيد (21)، والفِريابي (57)، في كتابيهما «فضائل القرآن».
    وثبت عن عبد الله بن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: (( مَا يَمْنَعُ أَ
    حَدَكُمْ إِذَا رَجَعَ مِنْ سُوقِهِ أَوْ مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فَيَكُونَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ )).
    رواه ابن المبارك في «الزُّهد» ( 807).

    وحتى لا يُشكِل على البعض خَتْمُ كثيرٍ مِن السَّلف الصالح ــ رحمهم الله ــ للقرآن في أقلِّ مِن ثلاث.
    فقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه «لطائف المعارف» (ص:246) في دَفعِه وتوجيهه بعد أنْ سَاق جملةً مِن الآثار الواردة عن السَّلف في خَتم القرآن مرَّات كثيرة في شهر رمضان:
    وإنّما وَرَدَ النَّهي عن قراءة القرآن في أقلِّ مَن
    ثلاث على المُداومة على ذلك.
    فأمَّا في الأوقات المُفضَّلة كشهر رمضان، خصوصًا الليالي التي يُطلَب فيها ليلة القدْر، أو في الأماكن المُفضَّلة كمكَّة لِمَن دخلها مِن غير أهلها، فيُستحبُّ الإكثار فيها مِن تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان، وهو قول أحمد، وإسحاق، وغيرهما مِن الأئمة، وعليه يَدُلُّ عمل غيرهم كما سَبق ذِكره.اهـ



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    سطـوة القـرآن

    إبراهيم السكران
    (17)

    من أعجب أسرار القرآن وأكثرها لفتاً للانتباه تلك السطوة الغريبة التي تخضع لها النفوس عند سماعه (سطوة القرآن) ظاهرة حارت فيها العقول حين يسري صوت القارئ في الغرفة يغشى المكان سكينة ملموسة تهبط على أرجاء ما حولك تشعر أن ثمة توتراً يغادر المكان كأن الجمادات من حولك أطبقت على الصمتكأن الحركة توقفت

    هناك شيء ما تشعر به لكنك لا تستطيع أن تعبر عنه..حين تكون في غرفتك - مثلاً - ويصدح صوت القارئ من جهازك المحمول، أوحين تكون في سيارتك في لحظات انتظار ويتحول صوت الإذاعة إلى عرض آيات مسجلة من الحرم الشريف .. تشعر أن سكوناً غريباً يتهادى رويداً رويداً فيما حولك..كأنما كنت في مصنع يرتطم دوي عجلاته ومحركاته ثم توقف كل شيء مرة واحدة..كأنما توقف التيار الكهربائي عن هذا المصنع مرة واحدة فخيم الصمت وخفتت الأنوار وساد الهدوء المكان..هذه ظاهرة ملموسة يصنعها (القرآن العظيم) في النفوس تحدث عنها الكثير من الناس بلغة مليئة بالحيرة والعجب..يخاطبك أحياناً شاب مراهق يتذمر من والده أو أمه ..فتحاول أن تصوغ له عبارات تربوية جذابة لتقنعه بضرورة احترامهما مهما فعلا له ..وتلاحظ أن هذا المراهق يزداد مناقشة ومجادلة لك ..فإذا استعضت عن ذلك كله وقلت له كلمة واحدة فقط: يا أخي الكريم يقول تعالى ï´؟وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًاï´¾ [الإسراء:24] رأيت موقف هذا الفتى يختلف كلياً..شاهدت هذا بأم عيني ومن شدة انفعالي بالموقف نسيت هذا الفتى ومشكلته ..وعدت أفكر في هذه السطوة المدهشة للقرآن..كيف صمت هذا الشاب وأطرق لمجرد سماع قوله تعالى ï´؟وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًاï´¾ ..حتى نغمات صوته تغيرت ..يا ألله كيف هزته هذه الآية هزاً ..حين قدمت للمجتمع الغربي أول مرة قبل ثلاث سنوات للدراسة؛ اعتنيت عناية بالغة بتتبع قصص وأخبار (حديثي العهد بالإسلام) ..كنت أحاول أن أستكشف سؤالاً واحداً فقط : ما هو أكثر مؤثر يدفع الإنسان الغربي لاعتناق الإسلام؟ (حتى يمكن الاستفادة منه في دعوة البقية)

    , كنت أتوقع أنني يمكن أن أصل إلى (نظرية معقدة) حول الموضوع، أو تفاصيل دقيقة حول هذه القضية لا يعرفها كثير من الناس، وقرأت لأجل ذلك الكثير من التجارب الذاتية لشخصيات غربية أسلمت، وشاهدت الكثير من المقاطع المسجلة يروي فيها غربيون قصة إسلامهم، وكم كنت مأخوذاً بأكثر عامل تردد في قصصهم، ألا وهو أنهم (سمعوا القرآن وشعروا بشعور غريب استحوذ عليهم) هذا السيناريو يتكرر تقريباً في أكثر قصص الذين أسلموا، وهم لا يعرفون اللغة العربية أصلاً! إنها سطوة القرآن.. والله يقول ï´؟لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِï´¾ [الحشر : 21] هذا تأثر الجمادات فكيف بالبشر؟!ومن أعجب أخبار سطوة ال
    قرآن قصة شهيرة رواها البخاري في صحيحه وقد وقعت قبل الهجرة النبوية وذلك حين اشتد أذى المشركين لما حصروا بني هاشم والمطلب في شعب أبي طالب، فحينذاك أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة، فخرج أبو بكر يريد الهجرة للحبشة فلقيه مالك بن الحارث (ابن الدغنّة) وهو سيد قبيلة القارَة، وهي قبيلة لها حلف مع قريش، وتعهد أن يجير أبا بكر ويحميه لكي يعبد ربه في مكة، يقول الراويفطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين).

    [البخاري: 2297] هذه الكلمة (فيتقصّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم) من العبارات التي تطرق ذهني كثيراً حين أسمع تالياً للقرآن يأخذ الناس بتلابيبهم ..ومعنى يتقصّف أي يزدحمون ويكتظون حوله مأخوذين بجمال القرآن..فانظر كيف كان أبو بكر لا يحتمل نفسه إذا قرأ القرآن فتغلبه دموعه ..وانظر لعوائل قريش كيف لم يستطع عتاة وصناديد الكفار الحيلولة بينهم وبين الهرب ل
    سماع القرآن..ومن أكثر الأمور إدهاشاً أن الله - جل وعلا - عرض هذه الظاهرة البشرية أمام القرآن على أنها دليل وحجة، فالله سبحانه وتعالى نبهنا إلى أن نلاحظ سطوة القرآن في النفوس باعتبارها من أعظم أدلة هذا القرآن ومن ينابيع اليقين بهذا الكتاب العظيم، ولم يشر القرآن إلى مجرد تأثر يسير، بل يصل الأمر إلى الخرور إلى الأرض ..هل هناك انفعال وتأثر وجداني أشد من السقوط إلى الأرض؟تأمل معي هذا المشهد المدهش الذي يرويه ربنا جل وعلا عن سطوة القرآن في النفوس : ï´؟قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًاï´¾ [الإسراء:107] , بالله عليك أعد قراءة هذه الآية وأنت تتخيل هذا المشهد الذي ترسم هذه الآية تفاصيله: قوم ممن أوتو حظاً من العلم حين يتلى عليهم شيء من آيات القرآن لا يملكون أنفسهم فيخرون إلى الأرض ساجدين لله تأثراً وإخباتاً ..يا ألله ما أعظم هذا القرآن..بل تأمل في أحوال قوم خير ممن سبق أن ذكرهم الله في الآية السابقة ..استمع إلى انفعال وتأثر قوم آخرين بآيات الوحي، يقول تعالى : ï´؟أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّاï´¾ [مريم:57] هذه الآية تصور جنس الأنبياء ..ليس رجلاً صالحاً فقط ولا قوم ممن أوتوا العلم ولا نبيّاً واحداً أو نبيين بل تصور الآية (جنس الأنبياء) وليست الآية تخبر عن مجرد أدب عند سماع الوحي وتأثر يسير بهبل الآية تصور الأنبياء كيف يخرون إلى الأرض يبكونالأنبياء جنس الأنبياء .. يخرون للأرض يبكون حين يسمعون الوحي

    ..ماذا صنع في نفوسهم هذا الوحي العجيب؟وقوم آخرون في عصر الرسالة ذكر الله خبرهم في معرض المدح والتثمين الضمني في صورة أخاذة مبهرة يقول تعالى: ï´؟وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِï´¾ [ المائدة:83] أي شخص يقرأ الآية السابقة يعلم أن هذا الذي فاض في عيونهم من الدموع حين سمعوا القرآن أنه شيء فاق قدرتهم على الاحتمال ..هذا السر الذي في القرآن هو الذي استثار تلك الدمعات التي أراقوها من عيونهم حين سمعوا كلام الله ..لماذا تساقطت دمعاتهم؟ إنها أسرار القرآن..هذه الظاهرة البشرية التي تعتري بني الإنسان حين يسمعون القرآن ليست مجرد استنتاج علمي أو ملاحظات نفسانية..بل هي شيء أخبرن
    ا الله أنه أودعه في هذا القرآن ..ليس تأثير القرآن في النفوس والقلوب فقط ..بل - أيضاً - تأثيره الخارجي على الجوارح ..الجوارح ذاتها تهتز وتضطرب حين سماع القرآن..قشعريرة عجيبة تسري في أوصال الإنسان حين يسمع القرآن ..يقول تعالى: ï´؟اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِï´¾ [الزمر : 23] لاحظ كيف يرسم القرآن مراحل التأثر ، تقشعر الجلود، ثم تلين، إنها لحظة الصدمة بالآيات التي يعقبها الاستسلام الإيماني، بل والاستعداد المفتوح للانقياد لمضامين الآيات..ولذلك مهما استعملت من (المحسّنات الخطابية) في أساليب مخاطبة الناس وإقناعهم فلا يمكن أن تصل لمستوى أن يقشعر الجلد في رهبة المواجهة الأولى بالآيات، ثم يلين الجلد والقلب لربه ومولاه، فيستسلم وينقاد بخضوع غير مشروط .. هذا شيء يراه المرء في تصرفات الناس أمامه..جرب مثلاً أن تقول لشخص يستفتيك: هذه معاملة بنكية ربوية محرمة بالإجماع، وفي موقف آخر: قدم بآيات القرآن في تحريم الربا، ثم اذكر الحكم الشرعي، وسترى فارق الاستجابة بين الموقفين؛ بسبب ما تصنعه الآيات القرآنية من ترويض النفوس والقلوب لخالقها ومولاها، تماماً كما قال تعالى ï´؟تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِï´¾..وفي مقابل ذلك كله .. حين ترى بعض أهل الأهواء يسمع آيات القرآن ولا يتأثر بها، ولا يخضع لمضامينها، ولا ينفعل وجدانه بها، بل ربما استمتع بالكتب الفكرية والحوارات الفكرية وتلذذ بها وقضى فيها غالب عمره، وهو هاجر لكتاب الله يمر به الشهر والشهران والثلاثة وهو لم يجلس مع كتاب ربه يتأمله ويتدبره ويبحث عن مراد الله من عباده، إذا رأيت ذلك كله؛ فاحمد الله يا أخي الكريم على

    العافية، وتذكر قول الله سبحانه ï´؟فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِï´¾ [الزمر: 22] وحين يوفقك ربك فيكون لك حزب يومي من كتاب الله (كما كان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحزاب يومية من القرآن) فحين تنهي تلاوة وردك اليومي فاحذر يا أخي الكريم أن تشعر بأي إدلال على الله أنك تقرأ القرآن، بل بمجرد أن تنتهي فاحمل نفسك على مقام إيماني آخر؛ وهو استشعار منة الله وفضله عليك أن أكرمك بهذه السويعة مع كتاب الله، فلولا فضل الله عليك لكانت تلك الدقائق ذهبت في الفضول كما ذهب غيرها، إذا التفتت النفس لذاتها بعد العمل الصالح نقص مسيرها إلى الله، فإذا التفتت إلى الله لتشكره على إعانته على العبادة ارتفعت في مدارج العبودية إلى ربها ومولاها، وقد نبهنا الله على ذلك بقوله تعالى ï´؟وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًاï´¾ [النور: 21] وقول الله ï´؟وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُï´¾ [الأعراف : 43] ,فتزكية النفوس فضل ورحمة من الله يتفضل بها على عبده، فهو بعد العبادة يحتاج إلى عبادة أخرى وهي الشكر والحمد، وبصورة أدق فالمرء يحتاج لعبادة قبل العبادة، وعبادة بعد العبادة، فهو يحتاج لعبادة الاستعانة قبل العبادة، وي
    حتاج لعبادة الشكر بعد العبادة..وكثير من الناس إذا عزم على العبادة يجعل غاية عزمه التخطيط والتصميم الجازم ..وينسى أن كل هذه وسائل ثانوية ..وإنما الوسيلة الحقيقية هي (الاستعانة) ..ولذلك وبرغم أن الاستعانة في ذاتها عبادة إلا أن الله أفردها بالذكر بعد العبادة فقال ï´؟إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُï´¾ [الفاتحة :5] , وهذه الاستعانة بالله عامة في كل شيء، في الشعائر، وفي المشروعات الإصلاحية، وفي مقاومة الانحرافات الشرعية، وفي الخطاب الدعوي، فمن استعان بالله ولجأ إليه فتح الله له أبواب توفيقه بألطف الأسباب التي لا يتصورها.. على أية حال، لا يمكن أن يفوت القارئ ملاحظة هذه الانفعالات التي يحدثها القرآن في النفوس، والتي هي (سطوة القرآن) فعلاً، والسطوة أصل معناها كما يقول ابن فارس (أصل يدل على القهر والعلو)، فالقرآن له قهر وعلو ملموس على النفوس، وهذا المعنى نظير وصف الله للقرآن بالإزهاق ï´؟وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُï´¾[الإسراء : 81]، ونظير وصف الله للقرآن بالدمغ ï´؟بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ ï´¾[الأنبياء : 18]، ونظير وصف الله لقرآن بتصديع الكائنات ï´؟لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِï´¾[الحشر : 21] ونظير تشبيه الله للقرآن بالبرق ï´؟يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْï´ ¾[البقرة : 20] كما نبّه على هذا التشبيه ابن عباس رضي الله عنه. ولصحة هذا المعنى فإنك تجد في كتب الآثار أوصافاً للقرآن تدور حول أثره في النفوس، كعبارة (زواجر القرآن) وعبارة (قوارع القرآن)، ونحوها مما هو متداول في كتب الآثار.

    والسطوة بمعنى العقوبة فعلٌ لائق بالله كما جاء في بعض الآثار عند ابن حبان وغيره (إن الله إذا أنزل سطوته)، ويكثر في كتب التفسير بالمأثور كالطبري وابن كثير ونحوهم قوله (يحذرهم الله سطوته).
    اللهم اجعلنا من أهل القرآن، اللهم أحي قلوبنا بكتابك، اللهم اجعلنا ممن إذا استمع للقرآن اقشعر جلده ثم لان جلده وقلبه لكلامك، اللهم اجعلنا ممن إذا سمع ما أنزل إلى رسولك تفيض عيوننا بالدمع، اللهم اجعلنا ممن إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً، اللهم إنا نعوذ بك ونلتجئ إليك ونعتصم بجنابك أن لا تجعلنا من القاسية قلوبهم من ذكر الله.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    قراءة القرآن في رمضان

    محمود مصطفى الحاج
    (18)

    في رمضانَ يُقبل كثيرٌ من الناس على كتاب الله تعالى: قراءة، وحفظًا، وأحيانًا تفسيرًا وتدبُّرًا؛ وما ذاك إلا لأن رمضان مَوسم للخيرات، تتنوَّع فيه الطاعات، ويَنشَط فيه العباد بعد أن سُلسِلت الشياطين، وفتحت أبواب الجِنان، وغُلِّقت أبواب النيران.
    والارتباط بين شهر رمضان والقرآن العظيم ارتباطٌ مُحكَم وثيق؛ ففي أيَّامه المباركة ولياليه الجليلة نزل الروحُ الأمين بالقرآن العظيم؛ ليكونَ هدًى للناس وفرقانًا، قال تعالى: ï´؟ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّا
    سِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ï´¾ [البقرة: 185].
    وفي رمضان كان جبريلُ يُدارس رسولَ الله القرآنَ؛ فالحديث عن القرآنِ في رمضان له مناسبتُه، وله خصوصيته، لا سيما مع إقبال الناس عليه.

    إن القرآن شفاءٌ ورحمةٌ، وطمأنينة وأمان، وشفاء من الحيرة والقلق، والحزن والنَّكد والوسوسة؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ï´¾ [فاطر: 29، 30].
    ويأخذنا الحديث عن بدايات نزول القرآن على خير البشرِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ففي ليلة السابع عشر من رمضان، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم في الأربعين من عمره، أَذِن الله عز وجل للنور أن يتنزَّل، فإذا ج
    بريل عليه السلام آخذٌ بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: اقرأ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أنا بقارئٍ، قال: فأخذني فغطَّني، حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني فقال: اقرَأْ! قلت: ما أنا بقارئ! فأخذني، فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ! فقلت: ما أنا بقارئٍ! فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ï´؟ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ï´¾ [العلق: 1 - 3]، فرجع بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يرجفُ فؤادُه!))؛ البخاري.
    وهكذا نزلت أول آية من هذا الكتاب العظيم، على النبيِّ الرؤوف الرحيم، في شهر رمضان العظيم.
    وهكذا شهدت أيامُه المباركة اتصالَ الأرض بالسماء، وتنزل الوحي بالنور والضياء، فأشرقت الأرضُ بنور ربِّها وانقشعت ظلماتُ الجاهليَّة الجَهْلاء.
    ولقد ورد في الحديث بأن شهرَ رمضان هو الشهر الذي كانت الكتبُ الإلهيَّة تتنزَّل فيه على الأنبياء، ففي المسندِ للإمام أحمد، والمعجم الكبير للطبراني؛ من حديث واثلةَ بن الأسقعِ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أُنزِلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التَّوراة لستٍّ مضَيْنَ من رمضان، والإنجيل لثلاثَ عشرةَ خلَتْ من رمضان، وأنزل الفرقان لأربعٍ وعشرين خلَت من رمضان))؛ مسند أحمد (28/ 191).
    أولًا: وجه الارتباط بين شهر رمضان والقرآن العظيم:

    في رمضان يجتمع الصوم والقرآنُ، وهذه صورة أخرى من صور ارتباط رمضان بالقرآن، فتدركُ المؤمنَ الصادقَ شفاعتان؛ يشفع له القرآن لقيامِه، ويشفع له الصيام لصيامه؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((الصيامُ والقرآن يشفعان للعبد يومَ القيامة، يقول الصيام: أَيْ ربِّ، منعتُه الطعام والشهوات بالنهار؛ فشَفِّعني فيه، ويقول القرآنُ: ربِّ، منعتُه النومَ
    بالليل؛ فشَفِّعني فيه؛ فيشفعان))؛ أحمد.
    وعند ابن ماجه عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يجيءُ القرآن يومَ القيامة كالرجلِ الشاحب، يقول: أنا الذي أسهرتُ ليلَك، وأظمَأْتُ نهارك)).
    "واعلم أن المؤمنَ يجتمعُ له في شهر رمضان جِهادان لنفسِه: جهادٌ بالنهار على الصيام، وجهادٌ بالليل على القيام، فمن جمع بينَ هذَيْنِ الجهادَيْنِ، ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما، وُفِّي أجرَه بغير حساب"؛ لطائف المعارف: 360.
    ومن صور اختصاص شهر رمضانَ بالقرآن الكريم صلاةُ التراويح، فهذه الصلاة أكثر ما فيها قراءةُ القرآن، وكأنها شُرعت ليسمع الناس كتابَ الله مجوَّدًا مرتَّلًا؛ ولذلك استُحبَّ للإمام أن يختم فيها ختمة كاملة.
    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القراءةَ في قيام رمضان
    بالليل أكثرَ من غيره؛ لطائف المعارف: 356.
    ومما يؤيِّد ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة قال: "أتيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم في ليلة من رمضان، فقام يصلي، فلما كبَّر قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروتِ والكبرياءِ والعَظَمة، ثم قرأ البقرةَ، ثم النساء، ثم آل عمران، لا يمرُّ بآية تخويفٍ إلا وقف عندها، ثم ركع، يقول: سبحان ربي العظيم، مثل ما كان قائمًا، ثم رفع رأسه فقال: سمع اللهُ لمن حَمِدَه، ربَّنا لك الحمد، مثل ما كان قائمًا، ثم سجد يقول: سبحان ربي الأعلى، مثل: ما كان قائمًا، ثم رفع رأسَه فقال: ربِّ اغفر لي، مثل ما كان قائمًا، ثم سجَد يقول: سبحان ربي الأعلى، مثل ما كان قائمًا، ثم رفع رأسَه فقام، فما صلى إلا ركعتين حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة"؛ أحمد، باقي مسند الأنصار، رقم 22309.

    وكان عمرُ قد أمر أُبَيَّ بنَ كعب وتميمًا الداريَّ أن يقوما بالناس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمائتَيْنِ في ركعة، حتى كانوا يعتمدون على العصيِّ من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجرِ، وفي روايةٍ: أنهم كانوا يربطون الحبالَ بين السواري، ثم يتعلَّقون بها؛ لطائف المعارف: 356.

    وكان بعضُ السلف يختمُ في قيام رمضان في كل ثلاثِ ليالٍ، وبعضهم في كلِّ سبعٍ؛ منهم قتادةُ، وبعضهم في كل عشر؛ منهم أبو رجاء العطاردي؛ لطائف المعارف: 358.
    كل هذا التطويل والقيام من أجل تلاوة القرآن، وتعطيرِ ليالي شهر القرآن بآيات القرآن.
    ثانيًا: آداب قراءة القرآن الكريم:
    1- يجب على القارئ الإخلاصُ.
    2- مراعاةُ الأدب مع القرآن، فينبغي أن يستحضرَ في نف
    سه أنه يناجي الله تعالى.
    3- يقرأ على حال مَن يرى اللهَ سبحانه، فإنه إن لم يكن يراه، فإن الله تعالى يراه.
    4- ينبغي إذا أرادَ القراءة أن ينظِّف فاه بالسِّواك وغيره، والاختيارُ في السواك أن يكون بعودٍ من أراكٍ، ويجوز بسائرِ العيدان.
    5- يستحبُّ أن يقرأ وهو على طهارةٍ، فإن قرأ مُحدِثًا جاز، ولا يقال: ارتكب مكروهًا، بل هو تارك للأفضل.
    6- ويستحبُّ أن تكون القراءة في مكان نظيفٍ مختار؛ ولهذا استحبَّ جماعة من العلماء القراءةَ في المسجد؛ لكونه جامعًا للنظافة وشرف البقعة.
    7- يستحب للقارئ في غير الصلاة أن يستقبلَ القبلة، ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار، مطرقًا رأسه، ويكون جلوسُه وحدَه في تحسين أدبه وخضوعه كجلوسه بين يدي معلِّمه، فهذا هو الأكمل.
    8- فإن أراد الشروع في القراءة، استعاذ، فقال: أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو يزيد: من هَمْزِه ونَفْخِه ونفثه.
    9- وينبغي أن يحافظ على قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول كلِّ سورة، س
    وى سورة براءة؛ فإن أكثر العلماء قالوا: إنها آية؛ حيث كُتِبت في المصحف.
    10- فإذا شرع في القراءةِ، فليكن شأنُه الخشوعَ والتدبر عند القراءة.
    11- استحباب ترديد الآية للتدبر.
    12- البكاءُ حالَ القراءة حالُ العارفين، وشعار عباد الله الصال
    حين، وهو مستحبٌّ مع القراءة وعندها.
    13- ينبغي أن يرتِّل قراءته، قال تعالى: ï´؟ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ï´¾ [المزمل: 4]؛ لأن ذلك أقربُ إلى التوقير والاحترام، وأشد تأثيرًا في القلب، وقد نُهِي عن الإفراط في الإسراع.
    14- ويستحبُّ إذا مرَّ بآية عذاب أن يستعيذَ بالله من الشر ومن العذاب، أو يقول: اللهم إني أسألك العافية، أو أسألك المعافاةَ من كل مكروه، وإذا مرَّ بآية تنزيهٍ لله تعالى نزَّه، فقال: سبحانه وتعالى، أو تبارك وتعالى، أو جلَّت عظمة ربنا.
    15- احترام القرآن وتعظيمه وتوقيرُه، والحذر من أمور قد يتساهلُ فيها بعض الغافلين؛ مثل: (اجتناب الضحك والمِزاح، وجوب ترك الحديث أثناء قراءة القرآن واستماعه، الحذر من النظر إلى ما يلهي ويبدِّد الذهن)... وغير ذلك.
    16- يستحبُّ إذا قرأ سورةً أن يقرأ بعدها التي تليها، وإذا بدأ من وسط سورة، أو وقف على غير آخرِها أن يراعيَ ارتباط الكلام.
    17- قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر القلب؛ لأن
    النظر في المصحف عبادة مطلوبة، فتجتمع القراءة والنظر.
    18- عدم ترقيق الصوت بالقراءة؛ كترقيقِ النساء أصواتهن.
    19- الإمساك عن القراءة عند التثاؤب حتى يزولَ.
    20- عدم قطع القراءة بالحديث مع الناس إلا لضرورة؛ كردِّ السلام، ونحو ذلك.
    يتبع



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    قراءة القرآن في رمضان

    محمود مصطفى الحاج
    (19)


    ثالثًا: وهنا يحضرنا سؤال مهم: لماذا نقرأُ القرآن؟ وما هي النيَّات التي علينا استحضارُها عند قراءة القرآن؟
    الجواب يأتي على النحو التالي:
    1- أَقْرأُ القرآن؛ لأنه شفاء:
    قال تعالى: ï´؟ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ï´¾ [الإسراء: 82].
    2- أَقْرأُ القرآن؛ لأن الله تعالى يُفرِّج به ا
    لهم، ويُذْهِب به الغموم:
    أخرج الإمام أحمد، وابن حبَّان بسند صحيحٍ صحَّحه الألباني أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أصاب أحدًا قط همٌّ ولا حزنٌ، فقال: اللهم إني عبدُك، وابنُ عبدِك، وابنُ أمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمَّيت به نفسك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك - أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حزني، وذَهابَ همِّي؛ إلا أذهب الله همَّه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا))، فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلَّمُها؟ فقال: ((بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلَّمها)).
    3- أَقْرأُ القرآن؛ لأنه سبب لنزول السكينة وغشيان الرحمة:
    فقد أخرج الإمام مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت اللهِ يَتلون كتابَ الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلَتْ عليهم السكينة، وغَشِيتهم الرحمةُ، وحفَّتهم الملائكة، وذكرَهم الله فيمَن عنده)).

    4- أَقْرأُ القرآنَ؛ حتى يكون نورًا لي في الدنيا، وذخرًا لي في الآخرة:
    فقد أخرج ابن حبَّان بسندٍ حسن عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسولَ اللهِ، أوصِني، قال: ((عليك بتقوى اللهِ؛ فإنه رأسُ الأمر كلِّه))، قلت: يا رسولَ الله، زِدْني، قال: ((عليك بتلاوة الق
    رآن؛ فإنه نورٌ لك في الأرض، وذخرٌ لك في السماء)).
    5- أَقْرأُ القرآن؛ حتى يُزاد لي في الإيمان:
    فمَن أراد زيادة الإيمان يومًا بعد يوم، فعليه بكتاب الله؛ فقد قال تعالى: ï´؟ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ï´¾ [الأنفال: 2]، وقال تعالى: ï´؟ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ï´¾ [التوبة: 124].
    6- أَقْرأُ القرآن؛ حتى لا أُكْتَب من الغافلين:
    فقد أخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن قرأ عشرَ آيات في ليلة، لم يُكتب من الغافلين، ومن قرأ مائةَ آية، كُتِبَ من القانتين)).
    7- أَقْرأُ القرآنَ؛ حتى أتحصَّل على جبال من الحسنات:
    فقد أخرج الترمذي عن عبدِالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبيَّ ص
    لى الله عليه وسلم قال: ((مَن قرأ حرفًا من كتاب الله، فله به حسنة، والحسنةُ بعشرِ أمثالها، لا أقولُ: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)).
    8- أَقْرأُ القرآن؛ لأنه خيرٌ من الدنيا وما فيها:

    إذا فرح أهل الدنيا بدنياهم، وأهل المناصب بمناصبهم، وأهل الأموال بأموالهم، فجدير أن يفرح حامل القرآن بكلام الله الذي لا توازيه الدنيا بكل ما فيها من متاع زائل.
    9- أَقْرأُ القرآن؛ حتى يفتح عليَّ أبواب الخير الكثيرة:
    فقد أخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قرأ ï´؟ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ï´¾ [الكافرون: 1]، عدَلت له رُبعَ القرآن، ومَن قرأ ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾ [الإخلاص: 1]، عدَلت له ثلثَ القرآن)).
    10- أَقْرأُ القرآن؛ حتى يُحِبَّني الله عز وجل، وأكونَ من أهله:
    فقد أخرج الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله صلى الل
    ه عليه وسلم بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾ [الإخلاص: 1]، فلما رجعوا ذُكِر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سَلُوه لأيِّ شيء يصنع ذلك؟ فسألوه فقال: لأنها صفةُ الرحمن؛ فأنا أحبُّ أن أَقْرأَ بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أخبِروه أن اللهَ يُحبُّه)).
    11- أَقْرأُ وأتعلَّم القرآن؛ حتى أكون من خير الناس:
    فقد أخرج البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خيرُكم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمَه)).
    12- أَقْرأُ القرآنَ، وأحافظ على قراءته؛ حتى لا أردَّ إلى أرذلِ العمر:
    فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما: "مَن قرأ القرآن، لم يُردَّ إلى أرْذَلِ العمر".
    13- أَقْرأُ القرآن وأَحفظُه؛ حتى أُحفظَ من فتنة الدجَّال:
    فقد أخرج الإمام مسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن حَفِظ عشرَ آيات من أول سورة الكهف، عُصِمَ من ا
    لدجال)).
    14- أَقْرأُ القرآن؛ حتى أكون سببًا في رحمة والديَّ:
    فقد أخرج الحاكم عن بريدة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن قرأ القرآن وتعلَّمه، وعمِل به، أُلْبِس والداه يوم القيامة تاجًا من نور، ضوءُه مثل ضوء الشمس، ويُكسى والداه حُلَّتَينِ لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بما كُسِينا هذا؟ فيقال: بأخذِ ولدِكما القرآنَ)).
    15- أَقْرأُ القرآن؛ حتى أُحفَظ من الزيغ والضلال:

    فقد أخرج الحاكم والترمذي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجَّة الوداع، فقال: ((إن الشيطان قد يَئِس أن يُعْبَد في أرضكم، ولكن يرضى أن يُطاع فيما سوى ذلك ممَّا تحقرون من أعمالكم؛ فاحذروا، إني تركتُ فيكم ما إن تمسَّكتم به فلن تضلوا أبدًا: كتابَ الله، وسنةَ نبيِّه)).
    16- أَقْرأُ القرآن؛ حتى أنجوَ من فتنة القبر:
    فقد أخرج ابن مردَوَيْه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((سورةُ تبارك هي المانعة من عذاب القبر)).
    17- أَقْرأُ القرآن وأحفظُه؛ حتى أنجو من
    عذاب النار:
    فقد أخرج البيهقي عن عصمةَ بنِ مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو جُمِع القرآن في إهابٍ، ما أحرقَه اللهُ بالنار)).
    18- أَقْرأُ القرآن وأحافظُ على قراءته؛ حتى يشفعَ لي يوم القيامة:
    أخرج ابن حبان عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((القرآن شافعٌ مُشفَّعٌ، وماحلٌ مُصَدَّقٌ، مَن جعله أمامَه، قاده إلى الجنة، ومَن جعله خلفَ ظهرِه، ساقه إلى النار)).
    • ماحلٌ: ساعٍ، وقيل: خَصمٌ مُجادل.
    19- أَقْرأُ القرآن وأحفظُه؛ حتى يكون سبيلًا لدخول الجنة إن شاء الله تعالى:
    أخرج الطبرانيُّ في "الأوسط" عن أنس رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((سورة من القرآن ما هي إلا ثلاثون آيةً خاصمت عن صاحبِها حتى أد
    خلَتْه الجنةَ؛ وهي تبارك)).
    20- أَقْرأُ القرآن وأحفظه؛ حتى أرتقيَ في أعلى الدرجات في الجنة؛ بل يرتقي الإنسانُ في الجنة بقَدْرِ حفظه للقرآن:
    فقد أخرج أبو داودَ والترمذيُّ عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((يُقال لصاحب القرآن: اقرَأْ وارقَ ورتِّل كما كنت تُرتِّل في الدنيا، فإن منزلتَك عند آخرِ آية تقرأُ بها)).
    21- أَقْرأُ القرآنَ؛ حتى أكون في أعلى الجنات مع السَّفَرة الكرام:
    فحينَ يفتخر أهلُ الدنيا بانتسابِهم إلى العظماء والوُجهاء والأغنياء، فإن حافظَ القرآن يفتخرُ بأنه سيكون مع السَّفَرة الكرام البرَرَة الذين اختارهم الله عز وجل، وشرَّفَهم بأن تكون بأيديهم الصُّحف المطهرة، كما قال ربُّ العالمين في كتابه الكريم: ï´؟ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ï´¾ [عبس: 13 - 15].
    رابعًا: ثلاثة مسارات لقراءة القرآ
    ن في رمضان:
    وإذا كان هذا شأنَ القرآن في رمضان، فما أجدر العبد المؤمن أن يُقبِل عليه، ويديم النظر فيه، وإني أقترح على الأخ المؤمن الصادق أن يجعلَ له مع القرآن في هذا الشهر ثلاثة مسارات:
    المسار الأول: مسار الإكثارِ من التلاوة، وتَكْرار الخَتَمات، فيجعلُ الإ
    نسان لنفسه جدولًا ينضبط به، بحيث يتمكَّن من ختم القرآن مرَّات عديدة ينال خيراتها، وينعمُ ببركاتِها.

    المسار الثاني: مسارُ التأمُّل والتدبُّر، فيستفتحُ الإنسان في هذا الشهر الكريم ختمةً طويلة المدى، يأخذ منها في اليوم صفحة أو نحوها، مع مراجعة تفسيرها، وتأمل معانيها، والتبصُّر في دلالاتها، واستخراج أوامرِها ونواهيها، ثم العزمُ على تطبيق ذلك، ومحاسبة النفسِ عليه، ولا مانعَ أن تطول مدةُ هذه الختمة إلى سنةٍ أو نحوها، شريطةَ أن ينتظم القارئ فيها، ويكثر التأمُّل، ويأخذ نفسَه بالعمل، ولعلَّ في هذا بعضًا من معنى قولِ الصحابيِّ الجليلِ: كنا نتعلَّم عشر آيات، فلا نجاوزهن حتى نعلمَ ما فيهن من العلم والعملِ.
    المسار الثالث: مسارُ الحفظ والمراجعة، فيجعلُ لنفسه مقدارًا يوميًّا من الحفظ ومثله من المراجعة، وإن كان قد حفظ ونَسِي، فهي فرصة عظمى لتثبيت الحفظ، واسترجاع ما ذهَب، ولستَ بحاجةٍ إلى التذكير بجلالة منزلة الحافظِ لكتاب الله ورفيع مكانته، وحسبُه أنه قد استدرَجَ النبوَّة بين جنبَيْه، إلا أنه لا يوحى إليه.
    خامسًا: من الأخطاء في رمضان
    : قراءة القرآن بلا تدبُّر:
    فتجدُ أحدهم يقرأُ القرآن في رمضان، ويكثرُ من قراءتِه، والغرض من ذلك هو أن يختم القرآنَ أكثر من ختمة، وهذا خيرٌ كبير، وأجرُه عظيم، ولكن تجد أن البعض يختمُ أكثرَ من ختمة، ولا يتدبر في آية من آيات المصحف، وهذا خطأ كبير مخالف لقول رب العالمين: ï´؟ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ï´¾ [ص: 29].
    يقول الإمام القرطبيُّ رحمه الله: قال العلماء:
    يجب على القارئ إحضارُ قلبه، والتفكُّر عند قراءتِه؛ لأنه يقرأُ خطابَ الله الذي خاطب به عبادَه، فمَن قرأ ولم يتفكَّر فيه - وهو من أهل أن يدركَه بالتذكر والتفكر - كان كمن لم يقرأه، ولم يَصِل إلى غرض القراءةِ من قراءتِه، فإن القرآن يشتمل على آيات مختلفةِ الحقوق، فإذا ترك التفكُّر والتدبر فيما يقرؤه استوت الآيا
    ت كلُّها عنده، فلم يَرْعَ لواحدة منها حقَّها، فثبت أن التفكر شرطٌ في القراءة، يتوصَّل به إلى إدراك أغراضه ومعانيه، وما يحتوى عليه من عجائبه؛ (التذكار في أفضل الأذكار ص: 195).
    ويقول الحافظ جلال الدين السيوطي في كتاب "الإتقان في علوم القرآن" (1/ 106): "وتُسنُّ القراءة بالتدبر والتفهُّم، فهو المقصود الأعظم، والمطلوب الأهم، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب... وصفة ذلك أن يشغلَ قلبَه بالتفكر في معنى ما يلفظُه به، فيعرف معنى كلِّ آية، ويتأمل الأوامرَ والنواهي، ويعتقد قَبول ذلك، فإن كان قصَّر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مرَّ بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذابٍ أشفق وتعوَّذ، أو تنزيهٍ نزَّه وعظَّم، أو دعاءٍ تضرَّع وطلب" اهـ.
    ويقول محمد بن كعب القرظي رحمه الله:
    "مَن بلغَه القرآن فكأنما كلَّمه الله، وإذا قدَّر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن عمله، بل يقرؤه كما يقرأ العبدُ كتاب مولاه الذي كتبه إليه ليتأمَّله، ويعمل بمقتضاه"؛ (إحياء علوم الدين: 1 /516).
    وذكر الغزالي رحمه الله عن بعض العلماء أنه قال:
    "هذا القرآن رسائلُ أتَتْنا من قِبل ربنا عز وجل بعهوده، نتدبَّرها في الصلو
    ات، ونقف عليها في الخلوات، وننفِّذها في الطاعات والسنن المتَّبَعات"؛ (نفس المصدر).

    سادسًا: حال السلف مع القرآن في رمضان:
    البعض منا حين يقرأُ أو يسمع القرآنَ فلا يجد لذَّة، ويزداد الأمر خطورةً وسوءًا عندما نجد هذا أيضًا في شهر رمضان الذي أُنزِل فيه القرآن، فهناك مَن لا يفتحُ المصحفَ فيه، وإذا أطال الإمامُ في
    الصلاة يضيقُ صدرُه، ويصيبُه الضَّجَر والقلق، ويقيم الدنيا ولا يُقعِدُها، وهذا هو حالُنا، ولا يخفى على أحدٍ.
    أما حال السلف مع القرآن في رمضان، فكان لهم شأن آخر؛ فها هو الإمام مالك رحمه الله إذا دخل رمضانُ ترك قراءةَ الحديث ومجالس العلم، وأقبل على قراءةِ القرآن في المصحف.
    وكان
    الزهريُّ رحمه الله إذا دخل رمضانَ يقول: إنما هو تلاوةُ القرآن، وإطعامُ الطعامِ.
    وكان
    سفيان الثوري رحمه الله إذا دخل رمضان يتركُ جميع العبادات، ويُقبِل على قراءة القرآن.
    وكان قتادة رحمه الله يختمُ القرآن في كلِّ سبعِ ليالٍ دائمًا، وفي رمضان في كلِّ ثلاث، وفى العشر الأخيرة منه في كلِّ ليلة.
    وكان الشافعيُّ رحمه الله يختمُ القرآنَ في شهر رمضان ستين ختمةً.
    وصدق والله
    عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث قال: "لو طهُرت قلوبُكم، ما شَبِعت من كلام ربِّكم".
    • وهكذا كان حال السلف مع القرآن في رمضانَ وفي غيره، أما نحن فقد هجَر البعض منَّا القرآن، ف
    لا وقتَ لسماعِه، ولا قراءتِه، ولا حفظه، وإذا قرأناه أو سمعناه لم نتدبَّره ونفهمه، وإذا فهمناه أو تدبَّرناه لم نعمَلْ به، بل اكتفينا أن نقرَأَه على الأموات، ونزيِّن به الجدران، وصدق فينا قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ï´؟ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ï´¾ [الفرقان: 30].
    الخلاصة:
    ونحن في شهر رمضان الكريم ينبغي علينا أن نعتنيَ بالقرآن، وأن نقبل على قراءتِه، والمقصود هو الاجتهادُ بذلك عن بقية الشهور، وإلا فالواجبُ أن نعتني بالقرآن طَوَال العام، ولكن يسنُّ في رمضان أن نجتهد في قراءة القرآن؛ ولهذا كان جبريل يدارس النبيَّ صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، وفي السَّنة التي تُوفِّي فيها النبي صلى الله عليه وسلم دارَسَه مرتين، وهذا حال السلف الصالح في رمضان فكانوا يوقفون الدروسَ العلمية في رمضان، ويُقبلون على قراءة القرآن.
    لذا؛ فاحرصوا على تدبُّر القرآن وفهمه وحفظه، واحذروا هجره بتَرْك قراءته وتدبره، فهو سبب للحياة السعيدة في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ï´؟ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ï´¾ [المائدة: 15، 16].



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,660

    افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


    من فضائل القرآن في رمضان
    عبدالرحمن بن أحمد بن رجب ( ابن رجب الحنبلي )
    (20)

    وَدَلَّ الحديث[1] أيضًا على استحبابِ دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعَرْض القرآن على مَن هو أحفظ له، وفيه دليلٌ على استحبابِ الإكثار مِن تلاوة القرآن في شهر رمضان.
    وفي حديثِ فاطمة - رضي الله عنها - عن أبيها - صلى الله عليه وسلم - أنه أخْبَرَهَا أنَّ جبريل - عليه السلام - كان يعارضُه القرآن كل عام مَرَّة، وأنه عارَضَه في سنة وفاتِه مَرَّتين.
    وفي حديثِ ابن عباس: أنَّ المُدَارَسة بينه وبين جبريل - عليهما الصلاة السلام - كانتْ ليلاً، فدَلَّ على استحباب الإكثار منَ التلاوة في رمضان ليلاً، فإنَّ اللَّيل تنقطع فيه الشَّواغل وتجتمع فيه الهِمم
    ، وَيَتَوَاطأ فيه القلب واللسان على التَّدَبُّر، كما قال - تعالى -: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً}[2].

    وشهر رمضان له خصوصيَّة بالقرآن، كما قال - تعالى -: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ}[3]، وقد قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إنه أُنْزِل جملةً واحدة منَ اللوح المحفوظ، إلى بيت العِزَّة في ليلة القدر، ويشهد لذلك قوله - تعالى -: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}[4]، وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}[5]، وقد سَبَق عن عبيد بن عمير أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -: بدئ بالوحي ونزول القرآن عليه في شهر رمضان.
    وفي "المسند" عن وَاثِلة بن الأسقع، عنِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التَّوراة لستٍّ مضينَ من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خَلَت من رمضان)).
    وكان النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يُطيل القراءة في قيام رمضان باللَّيل، أكثر من غيره.
    وقد صَلَّى معه حُذَيفة ليلة في رمضان، قال: فقرأ بـ"البقرة"، ثمَّ "النِّس
    اء"، ثم "آل عمران"، لا يمرُّ بآيةِ تخويفٍ إلاَّ وقف وسَأَل، قال: فما صَلَّى الرَّكعتينِ حتى جاءَه بلال فآذنه بالصَّلاة؛ خرجه الإمام أحمد؛ وخَرَّجه النَّسائي، وعنده: أنه ما صلى إلاَّ أربع ركعات[6].
    وكان عمر قد أَمَر أُبَي بن كعب، وَتَمِيمًا الدَّاري، أن يقوما بالنَّاس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمائتينِ في ركعة، حتى كانوا يعتمدونَ على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلاَّ عند الفجر[7]. وفي رواية: أنَّهم كانوا يربطونَ الحبال بين السواري، ثمَّ يَتَعَلَّقُون بها.

    ورُويَ أنَّ عمر جمع ثلاثة قُرَّاء، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأَ بالناس ثلاثين، وأوسط
    هم بخمس وعشرين، وأبطأهم بعشرينَ.
    ثم كان في زمن التابعين يَقْرَؤُون بـ"البقرة" في قيام رمضان في ثماني ركعاتٍ، فإن قرأ بها في اثنتي عشرة ركعة، رأوا أنه قد خَفَّف.
    قال ابن منصور: سُئِل إسحاق بن راهويه: كم يقرأ في شهر رمضان؟ فلم يرخص في دون عشر آيات، فقيلَ له: إنهم لا يرضون، فقال: لا رضوا، فلا تؤمنهم إذا لم يرضوا بعشر آيات من (البقرة)؛ يعني في كل ركعة.

    وكذلك كَرِه مالك أن يقرأ دون عشر آيات.
    وسُئِل الإمام أحمد عَمَّا رُوي عن عمر؛ كما تقدم ذكره في السَّريع القراءة، والبطيء، فقال: في هذا مَشَقَّة على الناس، ولا سِيَّما في هذه اللَّيالي القصار، وإنَّما الأمر على ما يحتمله النَّاس.
    وقال أحمد لِبَعْض أصحابه، وكان يُصَلِّي بهم في رمضان: هؤلاءِ قومٌ ضُعَفاء، اقرأ خمسًا، ستًّا، سبعًا، قال: فقرأت، فَخَتَمْتُ ليلة سبع وعشرين.
    وَقَد رَوَى الحَسَن: أنَّ الذي أَمَره عمر أن يُصَلِّي بالناس، كان يقرأ خمس آيات، ست آيا
    ت، وكلام الإمام أحمد يدل على أنَّه يُرَاعى في القراءة حال المَأْمومينَ، فلا يشقّ عليهم.
    وقاله أيضًا غيره منَ الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة، وغيرهم.
    وقد روي عن أبي ذر: أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قام بهم ليلة ثلاث وعشرين، إلى ثلث الليل، وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، فقالوا له: لو نَفَّلْتَنَا بَقِيَّة ليلتنا، فقال: ((إنَّ الرَّجل إذا صَلَّى مع الإمام حتى ينصرفَ، كُتِبَ له بقيَّة ليلته))؛ خرجه أهل "السُّنن"، وحسنه الترمذي.
    وهذا يدل على أنَّ قيام ثلث الليل يكتب
    به قيام ليلة؛ لكن مع الإمام.
    وكان الإمام أحمد يأخذ بهذا الحديث، ويُصَلِّي مع الإمام حتى ينصرفَ، ولا ينصرفُ حتى ينصرفَ الإمام.
    وقال بعض السَّلَف: مَن قام نصف الليل، فقد قامَ اللَّيل.

    وفي "سُنَن أبي داود"، عن عبدالله بن عمرو عنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن قام بعشر آيات لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافلين، ومَن قام بمائة آية كُتِبَ منَ القانتين، ومَن قام بألف آية كتب منَ المقنطرين))؛ يعني: أن يكتبَ له قنطار منَ الأجر.
    ويُرْوَى من حديث تميم وأنس مرفوعًا: "مَن قرأ بمائة آية في ليلة، كتب له قيام ليلة"، وفي إسنادهما ضَعف، وروي حديثُ تميم موقوفًا عليه، وهو أصح.
    وعن ابن مسعود قال: مَن قرأ في ليلة خمسين آية لَمْ يكتبْ مِنَ الغافلينَ، ومَن قَرَأَ مائة آية كُتِب منَ القانتينَ، ومَن قرأ ثلاثمائة آية كتب له قنطار، ومن أراد أن يزيدَ في القراءة ويطيل - وكان يُصَلِّي لنفسه - فليطول ما شاء؛ كما قاله النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك مَن صَلَّى بِجَ
    ماعة يرضون بِصَلاته.
    وكان بعضُ السَّلَف يختم في قيام رمضان في كُلِّ ثلاث ليال، وبعضهم في كلِّ سبع، منهم قتادة، وبعضهم في كلِّ عشرة، منهم أبو رجاء العطاردي.
    وكان السَّلَف يَتْلُون القرآن في شهر رمضان في الصلاة، وغيرها، كان الأسود يقرأ القرآنَ في كلِّ لَيْلَتينِ في رمضان، وكان النَّخَعِي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصَّة، وفي ب
    قيَّة الشهر في ثلاث.
    وكان قتادة يَخْتِم في كل سَبْع دائمًا، وفي رمضان في كلِّ ثلاث، وفي العَشْر الأواخر كل ليلة.
    وكان للشَّافعي في رمضان سِتُّون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وعن أبي حنيفة نحوه، وكان قتادة يَدْرس القرآن في شهر رمضان، وكان الزُّهْرِي إذا دَخَل رمضان قال: فإنَّما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطَّعام.
    قال ابن عبدالحكم: كان مالك إذا دَخَل رمضان يفِرُّ مِن قراءة الحديث، ومُجَالَسة أهل العلم، وأقبل على تِلاوة القرآن منَ المُصْحف.

    وقال عبدالرَّزَّاق: كان سُفْيان الثَّوْري إذا دَخَل رمضان، تَرَك جميع العِبادة، وأقْبل على قراءة القرآن.
    وكانت عائشة - رضي الله عنها - تَقْرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طَلَعتِ الشَّمس نامَتْ.
    وقال سفيان: كان زُبَيْد اليَامِي[8] إذا حَضَر رمضان، أحضر المَصَاحف، وجَمَع إليه أصحابه.
    وإنَّما وَرَد النَّهيُ عن قِرَاءة القرآن في أقل مِن ثلاث على المُدَاوَمة على ذلك؛ ف
    أمَّا في الأوقات المُفَضَّلة؛ كشهر رمضان، خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكنِ المُفَضَّلة؛ كمكة لِمَن دخلها من غير أهلها، فيُسْتَحَبُّ الإكثار فيها مِن تلاوة القرآن؛ اغتنامًا للزَّمان والمكان، وهو قولُ أحمد، وإسحاق، وغيرهما منَ الأئمَّة، وعليه؛ يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره.
    واعلم أنَّ المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جِهَادان لنفسه: جهاد بالنَّهار على الصيام، وجهاد باللَّيل على القيام، فمَن جمع بين هذين الجهادين، وَوَفَّى بحقوقهما، وصَبَرَ عليهما، وُفِّي أجره بغير حساب.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •