"النوال في تحرير ما للمفسرين من أقوال" (19)

اكتب في (قوقل) (النوال. وأول الآية) التي تريد معرفة ملخص آراء المفسرين فيها.

قال الرازي رحمه الله في من يفهم آيات القرآن على الآراء الضعيفة: "أقول حقاً: إن الذين يتبعون أمثال ذلك قد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً".

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد.
قال الله تعالى في سورة "الأنبياء": (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)
القول الراجح في المراد بالآية أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء.
فمعنى الآية: خلقنا من الماء كل الأحياء وخلقنا من الماء كل حيوان.

والآن إلى ذكر أقوال المفسرين في الآية.
اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية على قولين:
القول الأول: أن المعنى: أحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شيء, وجعلنا الماء سبباً لحياة كل حي. (مال إليه الرازي*)
(واقتصر عليه ابن جرير* ولكنه استدل بقول قتادة (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) قال: كل شيء حيّ خُلق من الماء, وفي الحقيقة قول قتادة هو دليل للقول الثاني)

فمعنى الآية على هذا القول: جعلنا كل حي يحيا بسبب الماء, وبفقد الماء لا يبقى حياً.

القول الثاني: أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء. (اقتصر عليه ابن كثير*, والشنقيطي*, وابن عاشور*, وصاحب الظلال*)
(وذكر القولين دون ترجيح الماتريدي*, والبغوي*, والزمخشري*, وابن عطية*, والقرطبي*)

وهذا القول الثاني هو الراجح, لأن (جعلنا) هنا بمعنى (خلقنا), وهي متعدية لمفعول واحد.
ولو كان المعنى أن الله جعل كل شيء يحيا بسبب الماء لكانت (جعلنا) تتعدى إلى مفعولين, ولقال: وجعلنا من الماء كل شيء حياً.

فهي كقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ).
وكقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا)
فمعنى الآية إذاً: خلقنا من الماء كل الأحياء وخلقنا من الماء كل حيوان.

قال البغوي: المفسرون يقولون: أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء. كقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)، قال أبو العالية: يعني النطفة.

قال ابن كثير: "أي: أصل كل الأحياء منه, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة أنه قال: (يا نبي الله إذا رأيتك قرت عيني، وطابت نفسي، فأخبرني عن كل شيء، قال: كل شيء خلق من ماء)".

وقال ابن عاشور: "وهو عبرة للمتأملين في دقائقه في تكوين الحيوان من الرطوبات. وهي تكوين التناسل وتكوين جميع الحيوان فإنه لا يتكون إلا من الرطوبة ولا يعيش إلا ملابساً لها فإذا انعدمت منه الرطوبة فقد الحياة، ولذلك كان استمرار الحمى مفضياً إلى الهزال ثم إلى الموت.
و(جعل) هنا بمعنى خلق، متعدية إلى مفعول واحد لأنها غير مراد منها التحول من حال إلى حال"اهـ
والله تعالى أعلم.

للاطلاع على مقدمة سلسلة (النوال)
انظر هنا
https://majles.alukah.net/t188624/