حول كتاب نيل الأماني بتخريج أحاديث المغني لابن قدامة المقدسي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3
4اعجابات
  • 4 Post By محمد طه شعبان

الموضوع: حول كتاب نيل الأماني بتخريج أحاديث المغني لابن قدامة المقدسي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,852

    افتراضي حول كتاب نيل الأماني بتخريج أحاديث المغني لابن قدامة المقدسي

    مقدمة المؤلف:
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن استنَّ بسُنَّته، واهتدى بهداه.
    وبعد:
    فإن الله تعالى قد اصطفى هذه الأُمَّة المباركة وميَّزها عن سائر الأمم، وخصَّها بخصائص لم تكن لأُمَّة غيرها؛ تقديمًا لها وتفضيلًا على جميع الأمم.
    ومن هذه الخصائص التي اختُصَّت بها هذه الأمة: أنْ تعهد الله تعالى بحفظ شريعتها من التلاعب، والتبديل؛ فقال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9].
    وسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم من الذِّكْر الذي تعهد الله تعالى بحفظه.
    قال الإمام ابن حزم -رحمه الله-: «والذِّكْر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن أو من سنة»اهـ[1].
    والسُّنَّة - أيضًا - وحي من الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4]؛ والوحي محفوظ.
    قال الإمام ابن حزم -رحمه الله-: «فأخبر تعالى أن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم كله وحي، والوحي - بلا خلاف - ذِكْر، والذكر محفوظ بنص القرآن؛ فصح بذلك أن كلامه صلى الله عليه وسلم كله محفوظ بحفظ الله عز وجل، مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء؛ إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله»اهـ[2].
    وهذا كلام جامع مانع ماتع للعلامة ابن القيم -رحمه الله-؛ حيث قال: «قال الله تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4]، وقال تعالى آمرًا لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 44].
    قالوا: فعُلِم أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين كلُّه وحي من عند الله، وكل وحي من عند الله فهو ذِكْر أنزله الله، وقد قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [النساء: 113]؛ فالكتاب القرآن، والحكمة السنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»؛ فأخبر أنه أُوتي السُّنَّة كما أُوتي الكتاب، والله تعالى قد ضمن حفظ ما أوحاه إليه وأنزل عليه؛ ليقيم به حجته على العباد إلى آخر الدهر»اهـ[3].
    ثم إن من سُبل حفظ هذه الشريعة الغراء أنْ قيَّد الله تعالى لسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم من الأئمة الجهابذة الحفاظ من يقوم بتنقيحها وتمحيصها مما أدخله المبطلون الكذابون، ومما أخطأ فيه العدول الصادقون.
    قال الإمام ابن أبي حاتم -رحمه الله-: «فإن قيل: كيف السبيل إلى معرفة ما ذكرت من معاني كتاب الله عز وجل ومعالم دينه؟ قيل: بالآثار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه النجباء الألباء الذين شهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل رضي الله تعالى عنهم.
    فإن قيل: فبماذا تعرف الآثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله عز وجل بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة في كل دهر وزمان؛ قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة»اهـ[4].
    وقال الإمام ابن الجوزي -رحمه الله-: «سُنَّة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم مأثورة بنقلها خلف عن سلف، ولم يكن هذا لأحد من الأمم قبلها، ولما لم يمكن أحد أن يُدخل في القرآن شيئًا ليس منه، أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينقصون، ويُبدِّلون، ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ الله عز وجل علماء يذبُّون عن النقل، ويوضحون الصحيح، ويفضحون القبيح، وما يخلي الله عز وجل منهم عصرًا من العصور، غير أن هذا النسل قد قَلَّ في هذا الزمان، فصار أعز من عنقاء مغرب[5]»اهـ[6].
    وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: «وأما سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها كانت في الأمة تُحفظ في الصدور، كما يُحفظ القرآن، وكان من العلماء من يكتبها كالمصحف، ومنهم من ينهى عن كتابتها، ولا ريب أن الناس يتفاوتون في الحفظ والضبط تفاوتًا كثيرًا، ثم حدث بعد عصر الصحابة قوم من أهل البدع والضلال، أدخلوا في الدين ما ليس منه، وتعمدوا الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فأقام الله تعالى لحفظ السُّنَّة أقوامًا ميَّزوا ما دخل فيها من الكذب والوهم والغلط، وضبطوا ذلك غاية الضبط، وحفظوه أشد الحفظ»اهـ[7].
    وبعدُ؛ فعِلْم الحديث من الأهمية بمكان، والناس في حاجة إليه في كل عصر وزمان.
    قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: «مَثَلُ الذي يطلب العلم بلا إسناد، مَثَلُ حاطب ليل؛ لعل فيها أفعى تلدغه, وهو لا يدري»اهـ[8].
    ويقول الإمام الذهبي -رحمه الله-: «فإن الكذب أُسُّ النفاق، وآية المنافق، والمؤمن يُطْبَع على المعاصي والذنوب الشهوانية، لا على الخيانة والكذب، فما الظن بالكذب على الصادق الأمين صلوات الله عليه وسلامه، وهو القائل: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
    فهذا وعيد لمن نقل عن نبيه ما لم يقله مع غلبة الظن أنه ما قاله، فكيف حال من تهجم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعمد عليه الكذب، وتقويله ما لم يقل، وقد قال عليه السلام: «مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِيْنِ» .
    فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ما ذي إلا بلية عظيمة وخطر شديد ممن يروي الأباطيل والأحاديث الساقطة المتهم نقلتها بالكذب، فحق على المحدِّث[9] أن يتورع في ما يؤديه، وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته.
    ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويُجَرِّحهم، جهبذًا إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة، والسهر، والتيقظ، والفهم، مع التقوى، والدِّين المتين، والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري، والإتقان؛ وإلا تفعل:
    فَدَعْ عَنْكَ الْكِتَابَةَ لَسْتَ مِنْهَا***وَلَوْ سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بِالْمِدَادِ»اه ـ[10].
    ولكن في هذه العصور المتأخرة قَلَّ المشتغلون بهذا العلم الشريف؛ نظرًا لانشغال الناس بدنياهم عن دينهم، ونظرًا لدنوِّ الهمم عند أكثر طلبة العلم؛ فآثروا الراحة والدعة، وأصبح الأمر كما قال الإمام الحافظ الذهبي -رحمه الله-:
    «فعِلْم الحديث صلف، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب»[11].
    أقول: هذا كلام الحافظ الذهبي -رحمه الله- في زمانه، وأما نحن في هذه الأزمنة فنتمثل بقول القائل:
    وَقَدْ كَانُوا إِذَا عُدُّوا قَلِيلًا *** فَقَدْ صَارُوا أَقَلَّ مِنَ الْقَلِيلِ
    فعلى طلبة العلم الاعتناء بهذا العلم الشريف، وإعطائه حقه من البحث والمذاكرة والمدارسة، والاطلاع على مناهج أئمته، وطرق نقدهم للأحاديث؛ خدمة لسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
    ♦ ♦ ♦
    وقد بدأت - مستعينًا بالله سبحانه وتعالى، متوكلًا عليه، متبرئًا من حولي وقوتي إلى حوله تعالى وقوته - في تخريج أحاديث كتاب «المغني»، للإمام الكبير أبي محمد موفق الدين ابن قدامة المقدسي -رحمه الله-.
    ولما كان الأمر طويلًا والعمر قصيرًا، لم أشأ أن أتوسع في تخريج ما كان من أحاديث «الصحيحين» أو أحدهما؛ لأن إطالة النفَس فيما اتفقت الأمة على صحته ليس مجديًا؛ لا سيما مع طول الكتاب، وقِصَر العمر[12]، إلا ما كان منتقَدًا من أحاديث «الصحيحين»، فهذا الذي أُطوِّل النفَس فيه؛ لبيان صحته أو علله.
    وأما ما كان خارج «الصحيحين»، فاجتهدت في جمع طرقه وشواهده؛ إذ لا سبيل إلى إصدار حكم صحيح على الحديث إلا بذلك.
    ♦ ♦ ♦
    ثم إن كتاب «المغني» من الأهمية بمكان عند الحنابلة خاصة، وعند فقهاء المذاهب الأخرى عامة، وهو من أكبر دواويين الفقه الإسلامي.
    وقد مدح أهل العلم هذا الكتاب وأثنوا عليه بما يستحقه.
    حتى قال عنه سلطان العلماء العز بن عبد السلام -رحمه الله-: «ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل «المحلى»، وكتاب «المغني» للشيخ موفق الدين بن قدامة في جودتهما وتحقيق ما فيهما»اهـ[13].
    قال الحافظ الذهبي -رحمه الله- معقبًا عليه: «لقد صدق الشيخ عز الدين».
    وقال ابن عبد السلام أيضًا: «لم تطب نفسي بالفتيا حتى صار عندي نسخة المغني»اهـ[14].
    وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: «ذكر الناصح ابن الحنبلي: أنه حج سنة أربع وسبعين، ورجع مع وفد العراق إلى بغداد، وأقام بها سنة، فسمع درس ابن المَنِّيِّ، قال: وكنت أنا قد دخلت بغداد سنة اثنتين وسبعين، واشتغلنا جميعًا على الشيخ أبي الفتح بن المَنِّيِّ، ثم رجع إلى دمشق واشتغل بتصنيف كتاب «المغني» في شرح «الخرقي»، فبلغ الأمل في إتمامه، وهو كتاب بليغ في المذهب، عشر مجلدات، تعب عليه، وأجاد فيه وجَمَّل به المذهب»اهـ[15].
    وقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح -رحمه الله-: «ما رأيت مثل الشيخ الموفق، وله مصنفات كثيرة في أصول الدين، وأصول الفقه، واللغة، والأنساب، والزهد، والرقائق، وغير ذلك، ولو لم يكن من تصانيفه إلا «المغني» لكفى وشفى»اهـ[16].
    فأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله في ميزان حسناتي، وفي ميزان حسنات والديَّ وأهلي جميعًا.
    ♦ ♦ ♦
    تنبيهات قبل الشروع في المقصود:
    التنبيه الأول: الحكم على الأحاديث في هذه الأزمنة ليس نابعًا عن اجتهاد مطلق، وإنما نابع عن اتباع لأئمة هذا الشأن؛ فالحُكْم إذا خالف قول إمام فهو موافق لقول غيره من الأئمة، وما على المتأخر الذي امتلك الآلة إلا الترجيح فقط.
    والأمر كما قال الإمام البيهقي -رحمه الله-: «والأحاديث المروية على ثلاثة أنواع: فمنها: ما قد اتفق أهل العلم بالحديث على صحته؛ فذاك الذي ليس لأحد أن يتوسع في خلافه، ومنها: ما قد اتفقوا على ضعفه؛ فذاك الذي ليس لأحد أن يعتمد عليه، ومنها: ما قد اختلفوا في ثبوته؛ فمنهم من يضعفه بجرح ظهر له من بعض رواته خفي ذلك على غيره، أو لم يقف من حاله على ما يوجب قبول خبره، وقد وقف عليه غيره، أو المعنى الذي يجرحه به لا يراه غيره جرحًا، أو وقف على انقطاعه، أو انقطاع بعض ألفاظه، أو إدراج بعض رواته قولَ رواته في متنه، أو دخول إسناد حديث في حديث خفي ذلك على غيره؛ فهذا الذي يجب على أهل العلم بالحديث بعدهم أن ينظروا في اختلافهم، ويجتهدوا في معرفة معانيهم في القبول والرد، ثم يختاروا من أقاويلهم أصحها» اهـ[17].
    التنبيه الثاني: أئمة هذا الشأن قد يحكمون على حديث بالضعف مع مجيئه من طرق كثيرة، وقد يُعلُّون حديثًا ظاهر إسناده الصحة؛ فهم لا يغترون بكثرة الطرق، ولا بظاهر الإسناد.
    يقول الإمام ابن دقيق العيد في «الإمام» (3/ 155): «لا يكفي في الاحتجاج كونه غير منفرد حتى ينظر مرتبته ومرتبة مشاركه، فليس كل من توافق مع غيره في الرواية يكون موجبًا للقوة والاحتجاج» اهـ.
    ولو كانت كثرة الطرق أو ظاهر الإسناد كافيين في الحكم على الحديث بالصحة، لَمَا كان لهؤلاء الأئمة ميزة على غيرهم، ولتساوى الجميع في هذا الفن الدقيق الغامض.
    التنبيه الثالث: إذا أجمع الأئمة على حكم ما على حديث ما، وجب علينا التسليم لهم وعدم مخالفتهم.
    قال الإمام أبو حاتم الرازي في «المراسيل» (703): «الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا, لا أنه لم يدركه, قد أدركه, وأدرك من هو أكبر منه, ولكن لا يثبت له السماع منه، كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير, وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة»اهـ.
    ويقول الحافظ ابن رجب -رحمه الله- في «شرح علل الترمذي» (2/ 339): «وأما أهل العلم والمعرفة والسنة والجماعة فإنما يذكرون علل الحديث نصيحة للدين وحفظًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وصيانة لها، وتمييزًا مما يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوهم، ولا يوجب ذلك عندهم طعنًا في غير الأحاديث المعللة؛ بل تُقبل بذلك الأحاديث السليمة عندهم لبراءتها من العلل وسلامتها من الآفات؛ فهؤلاء هم العارفون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًّا، وهم النقاد الجهابذة الذين ينتقدون الحديث انتقاد الصيرفي الحاذق للنقد البهرج من الخالص، وانتقاد الجوهري الحاذق للجوهر مما دلس به»اهـ.
    وذكر الحافظ ابن رجب -رحمه الله- في «فتح الباري» له (1/ 362) حديث أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب، ولا يمس ماء، ثم قال: «وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث من السلف على إنكاره على أبي إسحاق؛ منهم: إسماعيل بن أبي خالد، وشعبة، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومسلم بن حجاج، وأبو بكر الأثرم، والجوزجاني، والترمذي، والدارقطني، وحكى ابن عبد البر عن سفيان الثوري أنه قال: هو خطأ، وعزاه إلى كتاب أبي داود، والموجود في كتابه هذا الكلام عن يزيد بن هارون، لا عن سفيان.
    وقال أحمد بن صالح المصري الحافظ: لا يحل أن يروى هذا الحديث؛ يعني: أنه خطأ مقطوع به، فلا تحل روايته من دون بيان علته.
    وأما الفقهاء المتأخرون، فكثير منهم نظر إلى ثقة رجاله، فظن صحته، وهؤلاء يظنون أن كل حديث رواة ثقة فهو صحيح، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث، ووافقهم طائفة من المحدِّثين المتأخرين؛ كالطحاوي، والحاكم، والبيهقي»اهـ.
    وقال أبو شامة في «مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول» (ص55): «وأئمة الحديث هم المعتبرون القدوة في فنهم؛ فوجب الرجوع إليهم في ذلك... فقد يظهر ضعف الحديث وقد يخفى... وأصعب الأحوال أن يكون رجال الإسناد كلهم ثقات ويكون متن الحديث موضوعًا عليهم، أو مقلوبًا، أو قد جرى فيه تدليس، ولا يعرف هذا إلا النقاد من علماء الحديث، فإن كنت من أهله فبه، وإلا فاسأل عنه أهله. قال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزيف فما عرفوا منه أخذناه وما أنكروا تركناه»اهـ.
    التنبيه الرابع: إذا أعلَّ واحد من الأئمة المتقدمين[18] حديثًا، ولم نجد من خالفه ممن هو مثله، وجب علينا اتباعه في إعلاله، وإن وجدنا له مخالفًا ممن هو مثله، لجأنا إلى الترجيح.
    قال الحافظ العلائي -رحمه الله-: «الأئمة المتقدمون منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه؛ كشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ونحوهم، ثم أصحابهم؛ مثل أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وطائفة منهم، ثم أصحابهم؛ مثل البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وكذلك إلى زمن الدارقطني والبيهقي؛ لم يجئ بعدهم مساوٍ لهم، بل ولا مقارب رحمة الله عليهم؛ فمتى وُجِد في كلام أحد من المتقدمين الحكم على حديث بشيء كان معتمَدًا؛ لِمَا أعطاهم الله من الحفظ العظيم والاطلاع الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عُدِل إلى الترجيح»اهـ[19].
    ---------------------
    [1] «الإحكام في أصول الأحكام» (1/ 122).
    [2] «الإحكام في أصول الأحكام» (1/ 98).
    [3] «مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة» (2/ 721).
    [4] «مقدمة الجرح والتعديل» (1/ 2، 3).
    [5] هو طائر خرافي وهمي، لا يُعرف له اسم ولا وجود له، جعلوه أحد المستحيلات.
    [6] «الموضوعات» (1/ 31).
    [7] «الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة» (ص23، 24).
    [8] «الإرشاد في معرفة علماء الحديث» (1/ 154).
    [9] المقصود بها هنا: كل من يتحدث في أمور الدين.
    [10]«تذكرة الحفاظ» (1/ 10).
    [11] السابق.
    [12] ثم بعد كتابة هذه الكلمات، وعزمي على سلوك هذه الطريقة، وجدت الحافظ ابن الملقن $ يقول في مقدمة «البدر المنير» (1/ 282): «فإن كان الحديث أو الأثر في صحيحي الإمامين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، أو أحدهما، اكتفيت بعزوه إليهما، أو إليه، ولا أعرج على من رواه غيرهما من باقي أصحاب الكتب الستة، والمسانيد، والصحاح؛ لأنه لا فائدة في الإطالة بذلك»اهـ.
    [13] «سير أعلام النبلاء» (18/ 193)، و«ذيل طبقات الحنابلة» (3/ 294).
    [14] «ذيل طبقات الحنابلة» (3/ 294).
    [15]المصدر السابق (3/ 283).
    [16] «المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد» لبرهان الدين ابن مفلح (2/ 17).
    [17] «معرفة السنن والآثار» (1/ 180).
    [18] لا يعني هذا التفريق بين الأئمة المتقدمين والأئمة المتأخرين في المنهجية، بل المنهجية واحدة، وإنما التفريق من جهة التبحر في العلم.
    [19] «النقد الصحيح لما اعترض من أحاديث المصابيح» (ص26).


    رابط الموضوع: https://www.alukah.net/culture/0/146030/#ixzz6r3k5Y16Q
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    12,243

    افتراضي رد: حول كتاب نيل الأماني بتخريج أحاديث المغني لابن قدامة المقدسي

    وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
    شيخنا الله الفاضل
    وايدكم بنصره وتوفيقه
    وسدد عملكم
    واصل وصلك الله بتوفيقه

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    2,990

    افتراضي رد: حول كتاب نيل الأماني بتخريج أحاديث المغني لابن قدامة المقدسي

    جزاك الله كل خير شيخنا وبارك في علمك وجهدك
    الليبرالية: هي ان تتخذ من نفسك إلهاً ومن شهوتك معبوداً
    اللهم أنصر عبادك في سوريا وأغفر لنا خذلاننا لهم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •