قواعد في الرد على المخالفين ودحض شبهاتهم
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قواعد في الرد على المخالفين ودحض شبهاتهم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,393

    افتراضي قواعد في الرد على المخالفين ودحض شبهاتهم

    قواعد في الرد على المخالفين ودحض شبهاتهم




    الرَّدَّ على المخالفِ يُعدُّ واجباً مِنْ واجباتِ الإسلامِ الكِبارِ على أهلِ العلمِ المتأهلينَ فيه، وَبه يُحفظُ الدِّينُ منْ عَادياتِ التبديلِ فيهِ، وغَوائلِ التحريفِ عليهِ، ولَهُ في ميزانِ الشريعةِ الغرَّاءِ شأنٌ عظيمٌ، وقدْرٌ كبيرٌ؛ ونتناول في هذه السلسلة قواعد الرد على المخالفين.

    القاعدة الأولى

    (إن كنت ناقلا فالصحة أو مدعيا فالدليل)

    كل دعوى لابد من إقامة الدليل عليها، وإلا كانت مجرد دعوى خالية من البرهان، والدليل إما أن يكون نقلياً أو عقلياً، والمطلوب في النقلي تحرير صحته، وفي العقلي إظهار صراحته وبيان حجته: قال -تعالى-: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: 111) فهذا عام في كل دعوى، لابد من تصديقها بالدليل، وقال -تعالى-: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الأحقاف: 4) فطالبهم أولا بالطريق العقلي، وثانيا بالطريق السمعي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «فالكتاب هو الكتاب - أي جنس الكتب المنزلة من عند الله - والأثارة كما قال من قال من السلف: هي الرواية والإسناد. وقالوا: هي الخط أيضاً، إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط، وذلك لأن الأثارة من الأثر، فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد، ويقيد ذلك بالخط، فيكون ذلك كله من آثاره».

    ومن هنا قال علماء أدب البحث والمناظرة: «إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل»، ولهذا تجد كثيراً من أهل البدع يستدل على بدعته، بنقل ضعيف، أو موضوع، أو دلالة ضعيفة، أو بعقل فاسد.

    القاعدة الثانية

    (موافقة النصوص لفظاً ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ)

    وذلك أن متابعة الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى أكمل وأتم من متابعتها في المعنى دون اللفظ؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - علم البراء بن عازب كلمات يقولهن إذا أخذ مضجعه، وفيها «... آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت» قال البراء: «فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت. قال (أي النبي) - صلى الله عليه وسلم - قل آمنت بنبيك الذي أرسلت» تحقيقاً لكمال الموافقة، في اللفظ والمعنى.

    ولهذا منع جمع من العلماء نقل حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمعنى، ومن أجازه اشترط أن يكون الناقل عاقلاً عالماً بما يحيل المعنى من اللفظ، مدركاً لأساليب العرب حتى يستبين الفروق.

    موافقة الكتاب والسنة

    فالناس في موافقة الكتاب والسنة أقسام:

    الأول: من يوافقهما لفظًا ومعنى

    وهذا أسعد الناس بالحق.

    الثاني: من يوافقهما في المعنى دون اللفظ

    كمن يتكلم في المعاني الشرعية الصحيحة بألفاظ غير شرعية، وهذا كالألفاظ المجملة التي تحتمل حقاً وباطلاً، كمن يتكلم في نفي الجهة عن الله -تعالى- قاصداً نفي الجهة المخلوقة، أو ينفي الحيز والمكان المخلوقيْن وغير ذلك من الألفاظ التي لم ترد لا في الكتاب ولا في السنة، بل تحتمل معاني صحيحة وأخرى فاسدة، فإذا عرف مراد صاحبها وكان موافقاً للمعنى الصحيح، قُبِل مرادُه، ومُنع من التكلم باللفظ المجمل، وعلم الألفاظ الشرعية في ذلك، وكذلك يدخل فيهم من نفى ظاهر نصوص الصفات قاصدًا نفي المعنى الظاهر المختص بالمخلوق، فنفيه صحيح، لكن ظاهر النصوص لم يدل على باطل، حتى يستوجب هذا النفي، وإنما نفى هذا ما توهمه أنه ظاهر النص، وإن لم يكن كذلك في نفس الأمر.

    الثالث: من يوافقهما في اللفظ دون المعنى

    وهؤلاء كبعض الطوائف الذين ممن يعبرون عن عقائدهم الفاسدة بألفاظ شرعية.

    الرابع: من يخالفهما لفظاً ومعنى

    الرابع: من يخالف الكتاب والسنة لفظاً ومعنى، وأهل الكفر والملاحدة ونحوهم.

    القاعدة الثالثة

    (لا ينبغي بتر الدليل، والاستدلال بجزئه)

    وهذا هو شأن أهل الابتداع حتى يجدوا من الكلمات الشرعية ما يسوغ لهم بدعتهم، ويجعلها تروج عند ضعفاء المسلمين، ولما احتج غيلان الدمشقي أمام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه على مقالته في القدر بقوله -تعالى-: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان: 2-3) قال له عمر: «اقرا آخر السورة: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الإنسان: 30- 31) ثم قال عمر: وما تقول يا غيلان، قال: أقول: قد كنت أعمى فبصرتني، وأصم فأسمعتني، وضالاً فهديتني...» فتاب، ثم رجع إلى مقالته في عهد هشام بن عبد الملك؛ فصلبه.

    القاعدة الرابعة

    (الحق يقبل من أي جهة جاء)

    الحق يقبل لكونه موافقاً للدليل، فلا أثر للمتكلم به في قبوله أو رفضه، ولهذا كان أهل السنة يقبلون ما عند جميع الطوائف من الحق، ويردون ما عندهم من الباطل، بغض النظر عن الموالي منها أو المعادي، قال -تعالى-: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (البقرة: 213) وفي دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «... اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك, إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»، قال ابن القيم -رحمه الله-: «فمن هداه الله -سبحانه- إلى الأخذ بالحق؛ حيثما كان ومع من كان، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه، فهو ممن هدى الله لما اختلف فيه من الحق»، وقال -تعالى-: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: 8) ومن العدل فيهم قبول ما عندهم من الحق، ولما دل الشيطان أبا هريرة -رضي الله عنه- إلى آية الكرسي لتكون له حرزاً من الشيطان، وذلك مقابل فكه من الأسر، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صدقك وهو كذوب».

    وكان معاذ بن جبل -رضي الله عنه- يقول: «اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافراً -أو قال فاجراً- واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نوراً}، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - مبيناً منهجه في التعامل مع المخالفين له من أهل الكلام وغيرهم-: «وليس كل من ذكرنا شيئاً من قوله - من المتكلمين وغيرهم - يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره، ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به».

    القاعدة الخامسة

    (الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف رجاله)

    الحق ما وافق الدليل من غير التفات إلى كثرة المقبلين، أو قلة المعرضين، فالحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق، ومجرد نفور النافرين، أو محبة الموافقين لا يدل على صحة قول أو فساده، بل كل قول يحتج له خلا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يحتج به، ومن المعلوم أنه لا يوجد أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عامًّا، يتعمد مخالفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في شيء من سنته، لا دقيق ولا جليل، بل هم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب متابعته، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويرد، إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وذلك لأجل ثبوت العصمة له، أما غيره فيعتريه من نقص العلم والفهم ما يستوجب عرض قوله على الشرع طلباً للإجازة والتزكية.
    منقول

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,393

    افتراضي رد: قواعد في الرد على المخالفين ودحض شبهاتهم

    قواعد في الرد على المخالفين ودحض شبهاتهم (2)


    مجلة الفرقان






    الرَّدَّ على المخالفِ يُعدُّ واجبًا مِنْ واجباتِ الإسلامِ الكِبارِ على أهلِ العلمِ المتأهلينَ فيه، وَبه يُحفظُ الدِّينُ منْ عَادياتِ التبديلِ فيهِ، وغَوائلِ التحريفِ عليهِ، ولَهُ في ميزانِ الشريعةِ الغرَّاءِ شأنٌ عظيمٌ، وقدْرٌ كبيرٌ؛ ونتناول في هذه السلسلة قواعد الرد على المخالفين.

    القاعدة السادسة

    حكم كلام غير الشارع

    ما يقوله سائر الناس من الكلام في المطالب الشرعية لابد من عرضه على الكتاب والسنة، فإن وافق الكتاب والسنة فهو حق يقبل, وإن خالفهما فهو باطل يرد، وإن احتمل الجهتين: فإما أن يعرف مراد المتكلم فيحكم له أو عليه بحسب المراد، وإما ألا يعرف مراده، فينظر في سيرته (سيرة المتكلم)، فإن كانت حسنة حمل كلامه على الوجه الحسن، {وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} (الأعراف: 58)، وإن كانت سيرته سيئة حمل كلامه على الوجه السيء، {وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا (الأعراف: 58)، أما إذا عرف مراده ولم يعرف هل جاء الشرع بتصديقه أو بتكذيبه؛ فإنه يمسك عنه ولا يتكلم إلا بعلم، والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم .

    واعتصامًا بهذه القاعدة شرح ابن القيم -رحمه الله- كتاب منازل السائرين للشيخ الهروي في كتابه القيم: (مدارج السالكين)، فقبل من كلام الشيخ ما أسنده الدليل، ورد منه ما خالفه الدليل، وحمل على أحسن المحامل ما احتمل وجوهاً، إحساناً للظن بشيخ الإسلام الهروي.

    القاعدة السابعة

    السكوت عما سكت الله عنه ورسوله

    كل مسألة من مسائل الشريعة - ولاسيما مسائل الاعتقاد - لا يحكم فيها، نفيًا أو إثباتًا إلا بدليل، فما ورد الدليل بإثباته أثبتناه، وما ورد بنفيه نفيناه، وما لم يرد بإثباته ولا بنفيه دليل توقفنا، ولم نحكم فيه بشيء، لا إثباتاً ولا نفياً، ولا يعني هذا أن المسألة خالية من الدليل، بل قد يكون عليها دليل، لكن لا نعلمه، فالواجب علينا التوقف: إما مطلقاً أو لحين وجود الدليل: قال -تعالى-: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} (الإسراء: 36). قال قتادة: «لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله».

    وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله -عز وجل- فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها»، قال ابن تيمية: «الأقسام ثلاثة: ما علم ثبوته أثبت، وما علم انتفاؤه نفي، وما لم يعلم نفيه ولا إثباته سكت عنه، هذا هو الواجب، والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته».



    القاعدة الثامنة


    الامتناع عن مناظرة أهل السفسطة

    إذا وضح الحق وبان لم يبق للمعارضة العلمية ولا العملية محل، فإن الأمم كلها متفقة على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة، بينة بنفسها، ضرورية، وجحدها الخصم كان سوفسطائيًا؛ فلا ينبغي مناظرته بعد ذلك، قال -تعالى-: {وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29). وقال -تعالى-: {يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ...} (الأنفال: 6) فكل من جادل في الحق بعد وضوحه وبيانه فقد غالط شرعاً وعقلاً، قال المزني -رحمه الله-: «وحق المناظرة أن يراد بها الله -عز وجل-، وأن يقبل منها ما يتبين»، ولهذا كان من الأسئلة ما ليس له جواب غير السكوت والانتهاء كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته»، فإن كل نظر لابد له من ضرورة يستند إليها، فإذا احتاجت الضرورة إلى استدلال ونظر، أدى ذلك إلى التسلسل وهو باطل.



    القاعدة التاسعة


    لا يرد بالباطل إلا بالحق

    السلف والأئمة يذمون ما كان من الكلام والعقليات باطلاً، وإن قصد به نصر الكتاب والسنة، فيذمون من قابل بدعة ببدعة، وفاسداً بفاسد، فالباطل يرد بالحق المحض، والبدعة ترد بالسنة الصحيحة: قال الخلال: «أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسين بن خلف البحتري العكبري، وقال: إنه قد تنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي، فرد عليه أحمد بن رجاء فقال: إن الله جبر العباد، أراد بذلك إثبات القدر. فوضع أحمد بن علي كتاباً يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله، فأخبرته بالقصة، فقال: ويضع كتاباً؟ وأنكر أبو عبد الله عليهما جميعاً: على ابن رجاء حين قال: جبر العباد، وعلى القدري الذي قال: لم يجبر العباد، وأنكر على أحمد بن علي وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه بوضعه الكتاب، وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال: جبر العباد، فقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة؟ قال: {يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء} (فاطر: 8).

    وهذا الفخر الرازي يرد على النصارى قولهم في إلهية عيسى بأن الإله لا يكون جسماً, ولا متحيزاً, ولا عرضاً، ومعلوم أن هذه الألفاظ لم ترد لا في الكتاب، ولا في السنة، ولا في كلام سلف الأمة وأئمتها، بل هي ألفاظ محدثة مبتدعة، فيكون قد رد باطلهم بنحوه.

    وفي باب الصفات رقى المعتزلة ونحوهم - للرد على الشبهة - سلم النفي والتعطيل، قال ابن قتيبة -رحمه الله-: «وتعمق آخرون في النظر وزعموا أنهم يريدون تصحيح التوحيد بنفي التشبيه عن الخالق، فأبطلوا الصفات، مثل: الحلم والقدرة والجلال والعفو وأشباه ذلك...» وأراد بعض مثبتة القدر الرد على نفاته، فأنكروا فعل العبد واختياره.



    القاعدة العاشرة


    عدم العلم بالدليل ليس علماً بالعدم

    كثير من المتناظرين قد يجعل عمدته في نفي وجود أمر ما، عدم علمه بالدليل على وجوده، والأصل أن عدم العلم بالدليل ليس علماً بالعدم، وعدم الوجدان ليس نفياً للوجود، فكما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، فكذلك النفي يحتاج إلى دليل، وإلا فما لم يعلم وجوده بدليل معين، قد يكون معلوماً بأدلة أخرى، فمثلاً: عدم الدليل العقلي على وجود أمر ما، لا يعني عدم وجوده، لأنه قد يكون ثابتاً بالدليل السمعي، أو غيره.

    الطرد لا العكس

    فالدليل يجب فيه الطرد لا العكس، بمعنى أنه يلزم من وجوده الوجود، ولا يلزم من عدمه العدم، أي عدم المدلول عليه، قال -تعالى-: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} (يونس: 39)، فهذا نعي على كل من كذب بما قصر عنه علمه، فمن نفى كثيراً من الغيبيات كالصفات، والقدر، والملائكة، والجن، وأحوال البرزخ، والمعاد، لعدم قيام دليل الحس والمشاهدة، أو دليل العقل - كما يزعم - كان غالطاً؛ لأنه أخبر عن نفسه، ولا يمنع أن يكون غيره قد قام عنده دليل العقل، أو دليل السمع، أو دليل المشاهدة كما وقع ذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم - في مشاهدة الجن والملائكة وأحوال البرزخ والمعاد.

    رد الفخر الرازي على النصارى

    وقد رد الفخر الرازي على النصارى دعواهم إلهية عيسى عليه السلام لظهور الخوارق على يديه، بأن عدم ظهور هذه الخوارق في حق غيره لا يلزم منه عدم إلهية ذلك الآخر، بل غاية ما هناك أنه لم يوجد هذا الدليل المعين، وعليه، فيجوز - كما هو لازم قولهم - حلول الله -تعالى- في كل مخلوق من مخلوقاته؛ إذ لا دليل على اختصاص عيسى -عليه السلام- بذلك؛ لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.

    ويستثنى من هذه القاعدة ما إذا كان وجود المدلول مستلزمًا لوجود الدليل، وقد علم عدم الدليل، فيقع العلم بعدم المدلول المستلزم لدليله؛ لأن عدم اللازم دليل على عدم الملزوم، مثاله: قد ثبت توافر الدواعي على نقل كتاب الله -تعالى- ودينه، فإنه لا يجوز على الأمة كتمان ما يحتاج الناس إلى نقله، فلما لم ينقل ما يحتاجون إليه في أمر دينهم نقلاً عاماً، علمنا يقيناً عدم ذلك، نحو سورة زائدة، أو صلاة سادسة ونحو ذلك.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,393

    افتراضي رد: قواعد في الرد على المخالفين ودحض شبهاتهم

    قواعد في الرد على المخالفين ودحض شبهاتهم (3)


    مجلة الفرقان




    الرَّدَّ على المخالفِ يُعدُّ واجبًا مِنْ واجباتِ الإسلامِ الكِبارِ على أهلِ العلمِ المتأهلينَ فيه، وَبه يُحفظُ الدِّينُ منْ عَادياتِ التبديلِ فيهِ، وغَوائلِ التحريفِ عليهِ، ولَهُ في ميزانِ الشريعةِ الغرَّاءِ شأنٌ عظيمٌ، وقدْرٌ كبيرٌ؛ ونتناول في هذه السلسلة قواعد الرد على المخالفين.

    القاعدة الحادية عشرة

    كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لازم

    - أولاً: ينبغي أن يعلم أن اللازم من قول الله -تعالى-، وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - إذا صح أن يكون لازماً فهو حق، يثبت ويحكم به؛ لأن كلام الله ورسوله حق، ولازم الحق حق؛ ولأن الله -تعالى- عالم بما يكون لازمًا من كلامه وكلام رسوله، فيكون مرادًا، وكذلك قول الإنسان إما أن يكون موافقاً للكتاب والسنة فيكون حقاً، ولازمه حقاً، وإما أن يكون مخالفاً للكتاب والسنة فيكون باطلاً ولازمه باطلا

    - ثانياً: اللازم من قول العالم له ثلاث حالات:

    الحال الأولى: أن يذكر له لازم قوله فليتزمه

    مثل أن يقول لمن يثبت وزن الأعمال في الآخرة: يلزمك القول بجواز وزن الأعراض. فيقول المثبت: نعم التزم به، لأن أحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا، والله -تعالى- على كل شيء قدير، ثم إنه قد وجد في زماننا هذا موازين للحرارة، والبرودة، والإضاءة، ونحو ذلك من الأعراض، وهذا اللازم يجوز إضافته إليه إذا علم منه أنه لا يمنعه.

    الحال الثانية: أن يذكر له لازم قوله فيمنع التلازم بينه وبين قوله

    مثل أن يقول نافي الصفات لمن يثبتها، يلزمك أن يكون الله -تعالى- مشابهاً للخلق في صفاته، فيقول المثبت: لا يلزم ذلك؛ لأننا عندما أضفنا الصفات إلى الخالق سبحانه قطعنا توهم الاشتراك والمشابهة، كما أنك أيها النافي للصفات، تثبت ذاتاً لله -تعالى- وتمنع أن يكون الله مشابها للخلق في ذاته، فقل ذلك أيضاً في الصفات؛ إذ لا فرق بينهما، وهذا اللازم لا يجوز إضافته إليه بعد أن بين هو وجه امتناع التلازم بين قوله وبين ما أضيف إليه.

    الحال الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتاً عنه فلا يذكر بالتزام ولا منع

    فهذا حكمه ألا ينسب إليه؛ لأنه إذا ذكر له اللازم فقد يلتزمه، وقد يمنع التلازم، وقد يتبين له وجه الحق فيرجع عن اللازم والملزوم جميعاً؛ ولأجل هذه الاحتمالات فلا ينبغي إضافة اللازم إليه ولا سيما أن الإنسان بشر، وتعتريه حالات نفسية وخارجية، توجب له الذهول عن اللازم؛ فقد يغفل، أو يسهو، أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تدبر في لوازمه، ونحو ذلك، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات إنه مجاز ليس بحقيقة؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة».

    لكن قد تذكر اللوازم الباطلة - لاسيما عند المناظرة - لإظهار شناعة المذهب الباطل (الملزوم)؛ لأن العاقل إذا نبه إلى ما يلزم قوله من اللوازم الفاسدة، فقد ينتبه ويرجع عن قوله، وأهل البدع - لاضطرابهم وتناقضهم - قد يفر الواحد منهم من اللازم الحق ليقع في اللازم الباطل، وهو يظن في ذلك السلامة، كالقدري يفر من لازم كون الله يضل من يشاء، فيقع في لازم كونه يقع في ملكه ما لا يشاء، وكذلك منكر الصفات يفر من التشبيه - بزعمه - فيقع في التعطيل، الذي قد يقوده إلى التعطيل الكامل فلا يعرف إلها موجوداً معبوداً!



    القاعدة الثانية عشرة

    الاستدلال بالدليل المتفق عليه على المسألة المتنازع فيها

    الخصمان إما أن يتفقا على أصل يرجعان إليه أم لا، فإن لم يتفقا على شيء، لم تقع بمناظرتهما فائدة، وإذا كانت الدعوى لابد لها من دليل، وكان الدليل عند الخصم متنازعاً فيه، ليس عنده بدليل، صار الإتيان به عبثاً، لا يفيد فائدة ولا يحصل مقصوداً، إذ مقصود المناظرة رد الخصم إلى الصواب بطريق يعرفه، فلابد من الرجوع إلى دليل يعرفه الخصم السائل، ولهذا كان الرجوع عند المسلمين إلى الكتاب والسنة، لاتفاقهم عليهما، وكان المرجوع إليه عند التنازع مع غير المسلمين ما يسلم به الكفار، كما قال -تعالى في محاجة الكفار -: {قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (المؤمنون: 84-90).



    القاعدة الثالثة عشرة

    الجمع بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات

    وهي خاصة العقل الصحيح، وصفة الفطرة السليمة، وعليها قامت أحكام الشرع، فالشيء يعطى حكم نظيره، وينفى عنه حكم مخالفه، ولا يجوز العكس بحال: وهو أن يفرق بين متماثلين أو يجمع بين مختلفين، قال الله -تعالى- في ذم اليهود: {أَفَتؤمنون بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} (البقرة: 85)، وذلك أنهم أغفلوا حكم التوراة في سفك الدماء وإخراج أنفسهم من ديارهم، وأقاموه (أي حكم التوراة) في مفاداة الأسرى وكان الواجب عليهم إقامته في شأنهم كله، وقال -تعالى- في شأنهم -أيضًا-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} (البقرة: 91)، فكفروا برسالة محمد -[- مع ما فيها من التصديق لما معهم من التوراة والإنجيل، والجميع يخرج من مشكاة واحدة؛ فكان الكفر ببعض ذلك كفراً بالجميع وجحداً له، هذا في جانب التفريق بين المتماثلات، أما في جانب الجمع بين المختلفات، فقد قاس اليهود الرب -جل جلاله- على المخلوق الضعيف القاصر، فوصفوه -سبحانه- بصفات المخلوقين، فقالوا: {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} (المائدة: 64) وقالوا: {إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} (آل عمران: 181) وقالوا: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ} (التوبة: 30) وفيه إثبات الصاحبة والولد وهي من صفات المخلوقات، ويشركهم في ذلك النصارى القائلون: {المَسِيحُ ابْنُ اللهِ} (التوبة: 30)، فكل من فرق بين متماثلين، أو جمع بين مختلفين من مبتدعة المسلمين يكون فيه شبه من اليهود والنصارى، وهم إمامه وسلفه في ذلك.

    نفاة الصفات

    فنفاة الصفات: بعضها أو جميعها، أو الصفات دون الأسماء، أو الصفات والأسماء جميعاً، فرقوا بين المتماثلات؛ إذ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر نفياً وإثباتاً، وكذلك القول في الصفات كالقول في الأسماء، وكذلك القول في الصفات والأسماء فرع عن القول في الذات، وهم -أيضاً- قد جمعوا بين المختلفات، لأنهم لم يعتقدوا التعطيل إلا بعد أن قامت عندهم شبهة التشبيه، ولهذا كان كل معطل مشبهاً.

    نفاة القدر

    ونفاة القدر فرقوا بين المتشابهات والمتماثلات من وجه؛ حيث اعتمدوا النصوص التي تثبت قدرة العبد ومشيئته، وأنكروا النصوص التي تثبت قدرة الخالق ومشيئته وخلقه وسابق علمه، وجمعوا بين المختلفات من وجه؛ حيث قاسوا المخلوق بالخالق، وجعلوهما سواء فيما يجوز ويجب ويمتنع. قال ابن قتيبة -رحمه الله-: «ألا ترى أن أهل القدر حين نظروا في قدر الله الذي هو سره بآرائهم، وحملوه على مقاييسهم؛ أرتهم أنفسهم قياساً على ما جعل في تركيب المخلوق من معرفة العدل من الخلق على الخلق، أن يجعلوا ذلك حكماً بين الله وبين العبد، فقالوا بالتخلية والإهمال، وجعلوا العباد فاعلين لما لا يشاء، وقادرين على ما لا يريد، كأنهم لم يسمعوا بإجماع الناس على: ما يشاء الله كان وما لا يشاء لا يكون».

    التفريق بين نصوص الوعيد

    والوعيدية من الخوارج والمعتزلة فرقوا بين نصوص الوعيد فآمنوا بها، وبين نصوص الوعد فكفروا بها، والجميع يخرج من مشكاة واحدة، وفي المقابل المرجئة آمنوا بنصوص الوعد، وكفروا بنصوص الوعيد.

    التفريق بين الكتاب والسنة

    وممن خالف هذه القاعدة - أيضاً - من فرق بين الكتاب والسنة فاعتمد الكتاب دون السنة، وكذلك من فرق بين نصوص الأحكام فاعتمدها، وبين نصوص العقائد فأعرض عنها بتأويل أو تفويض، أو تكذيب إن كانت أحاديث آحاد، وكذلك من فرق بين السنة والمتواترة وسنة الآحاد في باب العقائد أو الأحكام، فكل هؤلاء واقعون في التناقض والاضطراب، والواجب عليهم الجمع بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات حتى يسلموا مما هم فيه.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •