هل يجوز الدعاء على الكافرين بصيغة العموم ؟
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: هل يجوز الدعاء على الكافرين بصيغة العموم ؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,520

    افتراضي هل يجوز الدعاء على الكافرين بصيغة العموم ؟

    السؤال
    هل يجوز الدعاء على غير المسلمين فرديا أو جماعيا ، بتيتيم أبنائهم ، وهلاك أنفسهم وغيرها ، وهل يستوي الأمر مع المحاربين والمسالمين والساكنين في دار الإسلام أو في غيرها ؟
    الجواب
    الحمد لله.
    أولاً :
    الدعاء على الكفار ، من حيث العموم ، من غير تعيين شخصٍ بعينه منهم : مشروع ، وهو نوع من مدافعتهم ، والرغبة في زوال الشَّر وأهله ؛ لا سيما المحاربين منهم .
    وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا على طوائف من الكفار ، وثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم الدعاء على الكفار ، ومن ذلك :
    1- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو فِي الْقُنُوتِ : ( اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِ ينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ ، اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ ) .
    رواه البخاري (2932 ) .
    قال ابن بطال رحمه الله : " فيه جواز الدعاء على الكفار بالجوع والجهد وغيره ، قال المهلب : وإنما دعا عليهم بالسبع سنين - والله أعلم - إرادة أن يضعفهم بالجوع عن طغيانهم ؛ فإن نفس الجائع أخشع لله ، وأقرب للانقياد والتذلل " انتهى من " شرح صحيح البخارى " (3/ 6) .2- وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ : ( مَلأَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ) .
    رواه البخاري (4111) .
    قال ابن الملقن رحمه الله تعالى : " فيه دليل على جواز الدعاء على الكفار بمثل هذا الدعاء ، وعلى الإخبار بسبب الدعاء لإقامة العذر " .
    انتهى من " الإعلام بفوائد عمدة الأحكام " (2/280).
    3- وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ ، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا وَصَاعِنَا) رواه البخاري (6372 ) .
    قال النووي رحمه الله تعالى : " قال الخطابي وغيره : كان ساكنو الجحفة في تلك الوقت : يهودا ، ففيه دليل للدعاء على الكفار بالأمراض والأسقام والهلاك " .
    انتهى من " شرح صحيح مسلم " (9/150) .
    وقال القرطبي رحمه الله تعالى : " أما لعن الكفار جملة من غير تعيين ، فلا خلاف في ذلك ، لما رواه مالك عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان .
    قال علماؤنا : وسواء كانت لهم ذِمَّة أم لم تكن ، وليس ذلك بواجب ، ولكنه مباح لمن فعله ، لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله " انتهى من " الجامع لأحكام القرآن " (2/486) .
    وقال ابن تيمية رحمه الله في " مجموع الفتاوى " ( 8/335 ) : " والدعاء على جنس الظالمين الكفار : مشروع مأمور به ، وشُرع القنوت ، والدعاء للمؤمنين ، والدعاء على الكافرين " انتهى.................... .............

    أما الدعاء على كل الكافرين الذين هم فوق الأرض بالهلاك : فهو من الاعتداء في الدعاء .
    قال الله تعالى ، مؤدباً عباده في دعائهم ربهم : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) الأعراف/55 .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : " فالاعتداء في الدعاء : تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله ، من المعونة على المحرّمات .
    وتارة يسأل ما لا يفعله اللّه ، مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة ، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشريّة : من الحاجة إلى الطّعام والشّراب ، ويسأله بأن يطلعه على غيبه ، أو أن يجعله من المعصومين ، أو يهب له ولدا من غير زوجة ، ونحو ذلك ممّا سؤاله اعتداء لا يحبّه اللّه ، ولا يحب سائله " انتهى من " مجموع الفتاوى " (15/22 ) .
    وإذا كان المسلم يُحب أن لا يرى فوق الأرض من يكفر بالله تعالى ، فمن المعلوم- مع ذلك - أنّ الله قدّر بقاء الكفار لحكمة منه سبحانه وتعالى ، وعليهم تقوم الساعة كما ثبت في أحاديث صحيحة .
    ولأجل ذلك ، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الدعاء بهلاك كل من فوق الأرض من الكافرين : هو دعاء بما قدر الله تعالى عدم وقوعه ، والدعاء بما قدر الله عدم حصوله يعتبر اعتداء في الدعاء ، والمسلم منهي عن الاعتداء في الدعاء .
    وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء :
    " وقول الكاتب: ( اللهم عليك بالكفار والمشركين واليهود ، اللهم لا تبق أحدا منهم في الوجود ، اللهم أفنهم فناءك عادا وثمود) والدعاء بفناء كل الكفار اعتداء في الدعاء ؛ لأن الله قدر وجودهم وبقاءهم لحكمة ، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد " .
    انتهى من " فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء " (24/276) .
    وأبرز ما استدل به المجيزون للدعاء على كل الكفار بالهلاك ، دعاء نوح عليه السلام على قومه ، قال الله تعالى : ( وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ) نوح/ 26 .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    " ودعاء نوح على أهل الأرض بالهلاك ، كان بعد أن أعلمه الله أنه لا يؤمن من قومك إلا من قد آمن ، ومع هذا فقد ثبت فى حديث الشفاعة في الصحيح أنه يقول : ( إني دعوت على أهل الأرض دعوة لم أُومر بها ) ، فإنه وإن لم ينه عنها ، فلم يؤمر بها ، فكان الأولى أن لا يدعو إلا بدعاء مأمور به ، واجب أو مستحب ، فإن الدعاء من العبادات فلا يعبد الله إلا بمأمور به ، واجب أو مستحب ، وهذا لو كان مأمورا به لكان شرعا لنوح ، ثم ننظر في شرعنا : هل نسخه أم لا ؟ " انتهى من " مجموع الفتاوى " (8/336) .
    ولم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء على الكفار كافة ، بل كان يخص المعتدين منهم ، ومن اشتد أذاه على المؤمنين ، كما في الأحاديث التي مرّ ذكرها ، أمّا من كان يرجو إسلامه : فكان من هديه صلى الله عليه وسلم الدعاء له .
    كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : " قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا‏ ؟
    فَقِيلَ : هَلَكَتْ دَوْسٌ‏ !!
    ، قَالَ : ( اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ ) رواه البخاري ( 2937 ) .
    وقد أدخل البخاري في صحيحه هذا الحديث في باب " باب الدعاء للمشركين ليتألفهم " .
    قال الحافظ ابن حجر العسقلاني : " وقوله ( ليتألفهم ) من تفقه المصنف ، إشارة منه إلى الفرق بين المقامين ؛ وأنه صلى الله عليه وسلم كان تارة يدعو عليهم ، وتارة يدعو لهم ، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم ... والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم كما في قصة دوس " انتهى من " فتح الباري " (6/108).
    قال ابن الملقن رحمه الله تعالى : " كان نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام يحب دخول الناس في الإسلام فكان لا يعجل بالدعاء عليهم ما دام يطمع في إجابتهم إلى الإسلام ، بل كان يدعو لمن يرجو منه الإنابة ، ومن لا يرجوه ويخشى ضره وشوكته ، يدعو عليه كما دعا عليهم بسنين كسني يوسف ، ودعا على صناديد قريش لكثرة أذاهم وعداوتهم ، فأجيبت دعوته فيهم ، فقتلوا ببدر ، كما أسلم كثير ممن دعا له بالهدى " .
    انتهى من " التوضيح لشرح الجامع الصحيح " (18/30)
    المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب بتصرف

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,520

    افتراضي رد: هل يجوز الدعاء على الكافرين بصيغة العموم ؟

    السؤال
    ما حكم لعن اليهود والنصارى أفرادا أو جماعات أحياءً كانوا أم أمواتا ؟ .
    الجواب
    الحمد لله.
    قال صاحب لسان العرب : اللعن : الإبعاد والطرد من الخير ، وقيل الطرد والإبعاد من الله ، ومن الخَلْق السب والدعاء .
    واللعن يقع على وجهين :
    الأول : أن يلعن الكفار وأصحاب المعاصي على سبيل العموم ، كما لو قال : لعن الله اليهود والنصارى . أو : لعنة الله على الكافرين والفاسقين والظالمين . أو : لعن الله شارب الخمر والسارق . فهذا اللعن جائز ولا بأس به . قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (1/203) : ويجوز لعن الكفار عامة اهـ .
    الثاني : أن يكون اللعن على سبيل تعيين الشخص الملعون سواء كان كافراً أو فاسقاً ، كما لو قال : لعنة الله على فلان ويذكره بعينه ، فهذا على حالين :
    1- أن يكون النص قد ورد بلعنه مثل إبليس ، أو يكون النص قد ورد بموته على الكفر كفرعون وأبي لهب ، وأبي جهل ، فلعن هذا جائز .
    قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (1/214) : ويجوز لعن من ورد النص بلعنه ، ولا إثم عليه في تركه اهـ .
    2- لعن الكافر أو الفاسق على سبيل التعيين ممن لم يرد النص بلعنه بعينه مثل : بائع الخمر – من ذبح لغير الله – من لعن والديه – من آوى محدثا - من غير منار الأرض – وغير ذلك .
    " فهذا قد اختلف العلماء في جواز لعنه على ثلاثة أقوال :
    أحدها : أنه لا يجوز بحال .
    الثاني : يجوز في الكافر دون الفاسق .
    الثالث : يجوز مطلقا " اهـ
    الآداب الشرعية لابن مفلح (1/303) .
    واستدل من قال بعدم جواز لعنه بعدة أدلة ، منها :
    1- ما رواه البخاري (4070) عن عبد الله بن عمر أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا وَفُلانًا بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) .
    2- ما رواه البخاري ( 6780 ) عن عمر أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله ، وكان يلقب حمارا ، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب ، فأتي به يوما فأمر به فجلد ، قال رجل من القوم : اللهم العنه ، ما أكثر ما يؤتى به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تلعنوه ، فو الله ما علمت ، إلا أنه يحب الله ورسوله ) .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (6/511) :
    " واللعنة تجوز مطلقا لمن لعنه الله ورسوله ، وأما لعنة المعين فإن علم أنه مات كافرا جازت لعنته ، وأما الفاسق المعين فلا تنبغي لعنته لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يلعن عبد الله بن حمار الذي كان يشرب الخمر ، مع أنه قد لعن شارب الخمر عموما ، مع أن في لعنة المعين إذا كان فاسقا أو داعيا إلى بدعة نزاعاً " اهـ " انتهى .
    وقال الشيخ ابن عثيمين في "القول المفيد" (1/226) :
    " الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم ؛ فالأول (لعن المعين) ممنوع ، والثاني (لعن أهل المعاصي على سبيل العموم) جائز ، فإذا رأيت محدثا ، فلا تقل لعنك الله ، بل قل : لعنة الله على من آوى محدثا ، على سبيل العموم ، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صار يلعن أناسا من المشركين من أهل الجاهلية بقوله : (اللهم ! العن فلانا وفلانا وفلانا ) نهي عن ذلك بقوله تعالى : ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) رواه البخاري" اهـ .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,520

    افتراضي رد: هل يجوز الدعاء على الكافرين بصيغة العموم ؟

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    ما حكم لعن اليهود والنصارى أفرادا أو جماعات أحياءً كانوا أم أمواتا ؟ .
    اللعن في الميزان الشرعي

    فاللعن ـ في اللغة ـ: الطردُ والإبعاد وأصلُ اللعنِ ـ إِنْ كان مِنَ الخالق ـ فهو الطردُ والإبعاد مِنْ رحمته، وإِنْ كان مِنَ المخلوق فهو السبُّ بتقبيحِ الفعل وذمِّ فاعِلِه والدعاءِ عليه(٢)، فيقال: «لَعَنَ فلانًا» إذا سبَّه وأخزاه(٣)، قال الراغب الأصفهانيُّ ـ رحمه الله ـ: «اللعن: الطردُ والإبعادُ على سبيل السخط، وذلك مِنَ اللهِ تعالى في الآخرةِ عقوبةٌ، وفي الدنيا انقطاعٌ مِنْ قَبولِ رحمته وتوفيقِه، ومِنَ الإنسانِ دعاءٌ على غيره»(٤).
    وأهلُ السُّنَّة يفرِّقون ـ في النوع ـ بين اللعن المطلق واللعن للمعيَّن، واللعنُ المطلقُ ـ سواءٌ كان بالوصف الأعمِّ كقول القائل: «لَعَنَ اللهُ المبتدِعَ أو الكافر أو الفاسق»، أو كان بوصفٍ أخصَّ كلعنِ اليهود والنصارى والمجوس، وكلعنِ فِرَقِ أهل البِدَعِ كقولك: «لَعَنَ اللهُ الجهميةَ أو القدرية أو الرافضة وغيرَها مِنَ الفِرَق المُنْتَسِبة للإسلام» ـ فجائزٌ بالوصفين الأعمِّ والأخصِّ بلا خلافٍ بين أهل السنَّة، قال القاضي عياضٌ ـ رحمه الله ـ: «ولعنُ الجنسِ جائزٌ؛ لأنَّ الله تعالى قد أَوْعَدَهم، ويُنْفِذُ الوعيدَ على مَنْ شاء منهم»(٥).
    ومُوجِباتُ اللعنِ ثلاثةٌ وهي: الكفرُ والفسقُ والبدعةُ.
    وقد دلَّتِ النصوصُ الشرعية على جوازِ اللعن المطلق منها:
    ـ قولُه تعالى في اللعن بالكفر: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا ٦٤[الأحزاب]، ومنها قولُه تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨[البقرة].
    ـ أمَّا اللَّعن بالفسق فمثلُ قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ المَنَارَ»(٦)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ»(٧)، وحديثِ عبد الله بنِ عمروٍ رضي الله عنهما مرفوعًا: «سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ [العِجَافِ]؛ الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ»(٨)، وحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَشَبِّهِين َ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالمُتَشَبِّهَ اتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ»(٩).
    ـ أمَّا اللعن بالبدعة فبقوله صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في مَعْرِض ذِكْرِ فضلِ المدينة ـ: «... مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ أَنَسٍ: «أَوْ آوَى مُحْدِثًا»(١٠)، واللعنُ على الإحداث ـ وإِنْ وَرَدَ مقيَّدًا في حديثِ أنسٍ رضي الله عنه بالمدينة ـ إلَّا أنَّ الحكم يعمُّ الإحداثَ في غيرها، وضِمْنَ هذا المعنى يقول ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في تعليلِ إيرادِ البخاريِّ للحديث في «الاعتصام»: «والغرضُ بإيرادِ الحديثِ هنا: لَعْنُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا؛ فإنه ـ وإِنْ قُيِّد في الخبر بالمدينة ـ فالحكمُ عامٌّ فيها وفي غيرها إذا كان مِنْ متعلِّقات الدين»(١١)، ويُؤكِّده قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا»(١٢)، وقال النوويُّ ـ رحمه الله ـ في شرحِ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه: «ومعناه: أنَّ الله تعالى يلعنه وكذا يلعنه الملائكةُ والناسُ أجمعون، وهذا مبالغةً في إبعاده عن رحمة الله تعالى؛ فإنَّ اللعن في اللغةِ هو الطردُ والإبعاد، قالوا: والمرادُ باللعن هنا: العذابُ الذي يستحقُّه على ذَنْبِه والطردُ عن الجنَّةِ أوَّلَ الأمر، وليسَتْ هي كلعنةِ الكُفَّار الذين يُبْعَدون مِنْ رحمة الله تعالى كُلَّ الإبعاد»(١٣).
    ـ أمَّا لَعْنُ اليهودِ فنصوصٌ كثيرةٌ تدلُّ عليه منها: قولُه تعالى: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ [المائدة: ٧٨]، وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُ [المائدة: ٦٤]، وفي السُّنَّةِ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ والنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»(١٤).
    ـ وثَبَتَ عن السلف أنهم كانوا يلعنون كِبارَ الطوائفِ والفِرَقِ مِنْ أهلِ الضلال والبِدَعِ المُخالِفين للسنَّةِ المُعانِدين لأهلها كالجهمية والقَدَرية والخوارج وغيرهم: فقَدْ لَعَنَ ابنُ عمر رضي الله عنهما القَدَريةَ وتبرَّأ منهم(١٥)، ولَعَنَ عبدُ الله بنُ أبي أوفى رضي الله عنهما الأزارقةَ والخوارجَ كُلَّها(١٦)، كما سبَّ التابعون مَنْ تَكلَّم في القَدَرِ وكذَّب به ولَعَنوهم ونَهَوْا عن مُجالَستهم، وكذلك أئمَّةُ المسلمين على نهجهم سائرون وبمَقالَتهم قائلون، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «ولهذا اهتمَّ كثيرٌ مِنَ الملوك والعلماء بأَمْرِ الإسلام وجهادِ أعدائه، حتَّى صاروا يلعنون الرافضةَ والجهميةَ وغيرَهم على المنابر، حتَّى لعنوا كُلَّ طائفةٍ رأَوْا فيها بدعةً»(١٧).
    هذا، وحريٌّ بالتنبيه أنَّ اللعن المطلق لا يستلزم لَعْنَ المعيَّن، أي: أنَّ لَعْنَ جنسِ السارق أو الخمَّار لا يقتضي جوازَ لعنِ خصوص السارق أو الخمَّار أو ما إلى ذلك مِنَ العُصاة؛ لأنَّ المعلوم أنَّ الحكم الذي يترتَّب على العموم مِنْ حيث عمومُه لا يترتَّب على الخاصِّ مِنْ حيث خصوصُه، ويدلُّ عليه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ، وَلَعَنَ شَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا، وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا ، وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا، وَحَامِلَهَا وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَآكِلَ ثَمَنِهَا»(١٨) مع أنه صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن لَعْنِ رجلٍ كان في عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم اسمُه عبدُ الله، وكان يُضْحِك رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد جَلَدَه في الشراب، فَأُتِيَ به يومًا فأَمَر به فجُلِد، فقال رجلٌ مِنَ القوم: «اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ!»، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللهِ ـ مَا عَلِمْتُ ـ إِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ»(١٩)؛ فدلَّ ذلك على أنَّ اللعن المطلق لا يقتضي لَعْنَ المعيَّن؛ لاحتمالِ أَنْ يقوم بالمعيَّن ما يحول بينه وبين لحوق اللعنِ به مِنْ فواتِ شرطٍ أو ثبوتِ مانعٍ، وقد أَفْصَحَ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ عن هذا المعنى مقرِّرًا له بقوله: «ولكنَّ لَعْنَ المطلقِ لا يستلزم لَعْنَ المعيَّن الذي قام به ما يمنع لحوقَ اللعنةِ له، وكذلك «التكفير المطلق» و«الوعيد المطلق»؛ ولهذا كان الوعيدُ المطلق في الكتاب والسنَّةِ مشروطًا بثبوتِ شروطٍ وانتفاءِ موانعَ؛ فلا يلحق التائبَ مِنَ الذنب باتِّفاق المسلمين، ولا يلحق مَنْ له حسناتٌ تمحو سيِّئاته، ولا يلحق المشفوعَ له والمغفور له؛ فإنَّ الذنوب تزول عقوبتُها التي هي جهنَّمُ بأسباب التوبة والحسناتِ الماحية والمصائبِ المكفِّرة»(٢٠).
    أمَّا حكمُ لعنِ المعيَّن فهو مَحَلُّ اختلافٍ بين السلف، وسببُ اختلافِهم تعارُضُ النصوصِ الشرعية بين مُبيحةٍ للَّعن بالكفر والفسق والابتداع، وأخرى محرِّمةٍ للَّعن: كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم فيما رواه مسلمٌ: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ»(٢١)، وفي حديثٍ آخَرَ صحيحٍ: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا»(٢٢)، وفي حديثٍ آخَرَ: «لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ»(٢٣)، وغيرها مِنَ الأحاديث الثابتة، وفي الجمع بين هذه النصوصِ الشرعية تظهر وجوهُه على الصور التالية:
    ١ ـ فمَنْ حَمَلَ نصوصَ التحريمِ وما فيها مِنْ وعيدٍ في حقِّ المعيَّن، ونصوصَ الإباحةِ في حقِّ غيرِ المعيَّن؛ قال: لا يجوز ـ بحالٍ ـ لعنُ المعيَّن، سواءٌ كان كافرًا أو فاسقًا، وذَهَبَ إلى هذا القولِ القاضي عياضٌ وابنُ المُنَيِّر والغزَّاليُّ والنوويُّ وغيرُهم(٢٤)، قال القاضي عياضٌ ـ رحمه الله ـ: «ولعنُ الجنسِ جائزٌ؛ لأنَّ الله تعالى قد أَوْعَدَهم، ويُنْفِذُ الوعيدَ على مَنْ شاء منهم، وإنما يُكْرَه ويُنهى عن لعنِ المعيَّن والدعاءِ عليه في الإبعاد مِنْ رحمة الله تعالى، وهو معنى اللعن»(٢٥)، وقال النوويُّ ـ رحمه الله ـ في مَعْرِض شرحِ حديثِ: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ..»(٢٦): «هذا دليلٌ لجوازِ لعنِ غيرِ المعيَّن مِنَ العُصاة؛ لأنه لعنٌ للجنس لا لمعيَّنٍ، ولعنُ الجنسِ جائزٌ؛ كما قال اللهُ تعالى: ﴿أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٨ [هود]، وأمَّا المعيَّن فلا يجوز لعنُه»(٢٧).
    ٢ ـ ومَنْ نَظَرَ إلى معنى اللعنِ الذي هو الطردُ والإبعاد مِنْ رحمة الله فرَّق بين لعنِ الكافر ولعنِ المسلم الفاسق، ورأى أنَّ الكافر يستحقُّ اللعنَ والطرد مِنَ الرحمة فيجوز لعنُ المعيَّن منه، وحَمَلَ النصوصَ المبيحة على جوازِ لعنِ الكافر، وأمَّا المسلم الفاسق فلا يستحقُّ اللعنَ إذ تُرجى له الرحمةُ والمغفرة؛ قال: لا يجوز لعنُ المسلم الفاسق، وحَمَلَ نصوصَ التحريمِ على هذا المعنى، وبهذا قال بعضُ الحنابلة كالقاضي أبي يعلى(٢٨).
    ٣ ـ ومَنْ فرَّق بين المُسْتحِقِّ للَّعنِ وغيرِ المُسْتحِقِّ له حَمَلَ النصوصَ المُبيحة للَّعن على مُسْتَحِقِّه مطلقًا، سواءٌ كان معيَّنًا أو غيرَ معيَّنٍ، كافرًا كان أو مسلمًا فاسقًا، وحَمَلَ نصوصَ التحريمِ في حقِّ مَنْ لا يستحقُّ اللعنَ، وقال يجوز لعنُ المُسْتحِقِّين مطلقًا دون غيرِ المُسْتحِقِّين مطلقًا، وعلى هذا القولِ جمهورُ علماءِ السلف كمالكِ بنِ أنسٍ ويزيدَ بنِ هارون وغيرِهم على ما نُقِل عنهم مِنْ لعنِ بعضِ المعيَّنين مِنْ أهل البِدَعِ والضلال كبشرٍ المرِّيسيِّ وعمرو بنِ عُبَيْدٍ وجهمِ بنِ صفوانَ وجَعْدِ بنِ درهمٍ وغيرِهم، وذلك إذا تحقَّقَتْ فيه شروطُ اللعنِ وانتفَتْ عنه الموانعُ، ويؤيِّد هذا القولَ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ؛ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ؛ فَأَيُّ المُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ، شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ، جَلَدْتُهُ؛ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ القِيَامَةِ»(٢٩)، وفي حديثِ أنسٍ رضي الله عنه: «...فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»(٣٠)، وما دلَّتْ عليه هذه الأحاديثُ مِنْ أمورِ الأذيَّة والشتمِ واللعن والجَلْدِ لبعضِ المعيَّنين مِنَ المسلمين إنما وقعَتْ باجتهاده صلَّى الله عليه وسلَّم لقوله: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ»، وقولُه في الروايةِ الأخرى: «لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ» يُفْهَم منها أنَّ اللعنة لا تكون إلَّا بنصٍّ أو بوحيٍ مِنْ جهةٍ، ومِنْ جهةٍ أخرى أنه يُفْهَم مِنَ الحديثِ جوازُ اللعنةِ للمُسْتَحِقِّين لها؛ بدليلِ قوله: «لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ»، فيبقى الحكمُ فيها غيرَ منسوخٍ؛ وبذلك يظهر جوازُ لعنِ مَنْ دلَّتِ النصوصُ على لَعْنِه بفعله مِنْ معيَّنٍ مسلمٍ فاسقٍ أو كافرٍ إذا ما تحقَّقَتِ الشروطُ المُوجِبةُ للَّعن، وانتفَتْ فيه الموانعُ مِنْ لَعْنِه، وبخاصَّةٍ إذا كان قصدُ اللاعنِ مِنْ وراءِ لعنِ المبتدِعِ المعيَّن تحذيرَ العامَّةِ مِنْ خَطَرِه وضَرَرِه وتنفيرَهم منه بتقبيحِ فعلِه والدعاءِ عليه بما يحدُّ مِنِ انتشارِ شُبُهاته وضلالاته على غيرِ المتبصِّرين بأمورِ دينهم؛ فاستحقاقُ المُبتدِعِ المُلازِم لبدعته الداعي إليها للَّعن إنما يدخل في ضِمْنِ مبدإِ إنكارِ المنكر وجهادِ المُفْسِدين للدين مِنَ الغُلاة والمُبْطِلين وأضرابهم.
    هذا، وإِنْ كان القولُ الأخير هو الأقوى حجَّةً والأصحَّ نظرًا إلَّا أنَّ الأحبَّ إليَّ الإمساكُ عن لعنِ المعيَّن؛ لتوقُّفِ بعضِ السلف عن لعنِ بعضِ المعيَّنين ـ مِنْ جهةٍ ـ وإِنْ كان توقُّفُهم لا يدلُّ على اعتقادهم بحُرْمَته، وخشيةَ أَنْ يُسْتعمَل اللعنُ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ في غيرِ وجهه الصحيح، أو يُباشِرَه مَنْ لا يُعْرَف له قَدْرٌ مِنَ العلم والفقه والتقوى والورع، وبالنظر لغيابِ السلطة الشرعية الزاجرة فالأليقُ ـ عندي ـ الإمساكُ عن لعنِ المعيَّن لئلَّا يتذرَّع المبتدِعُ لاستخدامه على أهل الهدى؛ انتقامًا لنَفْسِه، وجهلًا بشَرَفِ السنَّة ومَقامِها، وطعنًا في أهلها، وحقدًا على رُوَّادها
    [اللعن فى الميزان الشرعى للشيخ فركوس].

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,520

    افتراضي رد: هل يجوز الدعاء على الكافرين بصيغة العموم ؟

    [حكم لعن المعين]
    هل يجوز لعن الكافر المعين؟
    الجواب هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم مثل الفاسق، وفيها قولان لأهل العلم: من العلماء من قال: يجوز لعن الفاسق بعينه، ويجوز لعن الكافر بعينه.والقول الثاني: أنه لا يلعن الفاسق ولا الكافر بعينه وإن كان ميتاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا)، أي: ولو كان ميتاً فلا تسبوه بعينه فإنه أفضى إلى ما قدم، وإذا كان حياً فكذلك؛ لأنه قد يجوز أن يتوب الله عليه، إلا إذا اشتد أذى الكافر للمسلمين في الحياة فيجوز لعنه، وكذلك إذا كان الميت الكافر أو الفاسق صاحب بدعة، فتحذر الناس من هذه البدعة ولو كان فيه سب له؛ لأن هذا فيه مصلحه للأحياء.أما إن لم يكن صاحب بدعة فلا يلعن على الصحيح لا الكافر بعينه ولا العاصي بعينه، وإنما يلعن بالعموم، فتقول: لعن الله السارق أي: جنس السارق، لعن الله شارب الخمر أي: جنسه، لعن الله القاذف، أي: جنسه، لعن الله الكافر أي: جنس الكافر، أما فلان بن فلان الكافر فلا يلعن؛ لأنه أفضى إلى ما قدم إن كان ميتاً، وإن كان حياً فلعل الله أن يهديه فيدعى له بالهداية، ولما عصت دوس، فقيل: يا رسول الله! إن دوساً أبت وعصت فادع الله عليهم، فقال أحد الصحابة: هلكت دوس، فقال: (اللهم اهد دوساً وائت بهم)، فهداهم الله وجاءوا مسلمين.فالمقصود: أن لعن المعين سواء كان كافر أو فاسقاً فيه قولان لأهل العلم: قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز.والصواب من القولين: أنه لا يجوز لعن المعين الفاسق ولا الكافر، إلا إذا كان الميت كافراً أو فاسقاً أو صاحب بدعة فيحذر الناس من بدعته؛ لأن فيه مصلحة للأحياء، وإلا إذا اشتد أذى الحي منهم على المسلمين الأحياء فلا بأس بلعنهم والدعاء عليهم والقنوت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قنت ودعا على رعل وذكوان، ودعا على شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة في الصلاة وقال: اللهم اللعن فلاناً وفلاناً؛ لأنه اشتد أذاهم للمسلمين.
    شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية - الراجحي

    [
    عبد العزيز الراجحي]

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,520

    افتراضي رد: هل يجوز الدعاء على الكافرين بصيغة العموم ؟

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة

    هل يجوز الدعاء على غير المسلمين فرديا أو جماعيا ، بتيتيم أبنائهم ، وهلاك أنفسهم وغيرها ، وهل يستوي الأمر مع المحاربين والمسالمين والساكنين في دار الإسلام أو في غيرها ؟
    ذِكْر الخلاف
    هل يجوز تعميم الدعاء على الكفرة أجمعين مثل اللهم عليك بالنصارى واليهود والكفرة ومن عاونهم... وغيرها

    أم أن الدعاء يكون على المعتدين فقط.
    مع ذكر الدليل إن أمكن؟
    الجواب
    الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
    فإن الدعاء على الكافرين بالتعميم جائز ٌ، فيدعى عليهم بالهلاك إذا كان مصلحةً، فإن رُجيَ هدايتهم دُعي لهم بالهداية. وقد جاءت السنة بهذا وهذا، فبوَّبَ البخاري فـي كتاب الدعوات من ((صحيحه)): باب الدعاء على المشركين. وباب الدعاء للمشركين، وفي كتاب الاستسقاء نحوه. بيان الدليل على مشروعية الدعاء على الكافرين بالهلاك على وجه التعميم استنبط الحافظ ابن حجر فـي ((الفتح)) 7/384: الدعاء على المشركين بالتعيم من قصة خبيب بن عدي - رضي الله عنه -، حيث دعا فقال: ((اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً)) وهي دعوةٌ فـي زمن الوحي ولم تُنكر، والعبرة بعموم لفظها لا بخصوص سببها. وقولـه - صلى الله عليه وسلم -: ((قاتل الله اليهود... )) الحديث. يحتمل أن يكون إخباراً، ويحتمل أن يكون دعاءً. قال القاضي ـ كما فـي المرقاة للقاري ـ 6/19: قاتل الله اليهود أي: عاداهم. وقيل: قتلهم. فأخرج فـي صورة المغالبة. وفي ((الصحيحين)) عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). وجاء لعن كفرة بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم. ومما جاء عن السلف فـي ذلك ما رواه ابن أبي شيبة فـي ((المصنف)) 10/443 عن أبي معاوية عن الأعمش عن يحيى بن وثاب قال: سمعته يقول فـي قنوته: ((اللهم عذِّب كفرة أهل الكتاب، اللهم اجعل قلوبهم قلوب نساءٍ, كوافر))، وما جاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يخرج عن هذا المعنى. فالدعاء عليهم من أجل الكفر. وفي قول الله - تعالى -: (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديار* إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفاراً) [نوح: 26-27] نصُّ على أن هذه الدعوة من شرع نوح، ولذا استجابها الله، ولو كانت خطيئة أو تعدّياً لبيَّن الله - تعالى- ذلك ولم يُقرَّهُ على الخطأ، كما هو الحال فـي معاتبة الله له لَما دعا لولده فقال - تعالى -(فلا تسألن ما ليس لك به علمٌ إني أعظك أن تكون من الجاهلين)[هو: 46]، وقد حرَّر الحافظ ابن حجر فـي ((الفتح)) 11/434 أنَّ نوحاً يعتذر يوم الموقف بأمرين: الأول: أنه استنفد الدعوة التي له، إذ كل نبي له دعوة مستجابة، ولذا قال: إنه كانت لي دعوة، دعوتها على قومي. الثاني: دعاؤه لابنه، وهذه هي الخطيئة التي أشار إليها فـي حديث أنس (. وقد قرَّر علماء الإسلام أن نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - أُعطي مثل دعوة نوح - عليه السلام -، ولكنه لم يستنفدها، بل ادخرها للأمة فـي الآخرة. قال الإمام الفقيه أبو محمد عبدالله بن حامد فـي كتابه ((دلائل النبوة)): ذِكرُ ما أُوتي نوح - عليه السلام - من الفضائل، وبيان ما أُوتي محمد - صلى الله عليه وسلم - مما يضاهي فضائله ويزيد عليها. قالوا: إنَّ قوم نوح لما بلغوا من أذيّته والاستخفاف به وترك الإيمان بما جاءهم به من عند ا لله دعـــا عليهم فقال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً)[نوح: 26] فاستجاب الله دعوته، وغرَّق قومه، حتى لم يسلم شيء من الحيوانات والدواب إلا من ركب السفينة، فكان ذلك فضيلة أوتيها، إذ أُجيبت دعوته، وشفي صدره بإهلاك قومه. قلنا: وقد أوتي محمد - صلى الله عليه وسلم - مثله حين ناله من قريش ما ناله من التكذيب والاستخفاف، فأنزل الله إليه ملك الجبال، وأمره بطاعته فيما يأمره به من إهلاك قومه، فاختار الصبر على أذيتهم، والابتهال فـي الدعاء لهم بالهداية. اهـ. قال ابن كثير فـي ((البداية والنهاية)): وهذا حسنٌ. اهـ. قلت: حديث عائشة فـي ((الصحيحين)) وفيه: قال ـ مَلَك الجبال ـ: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملَك الجبال، قد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((بل أرجو أن يُخرِجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً)). فهذا يؤيد أن شرعنا موافق لشرع نوح فـي هذه المسألة، وذلك أعلى درجات الاستدلال بشرع من قبلنا، ولو لم يَرِد فـي شرعنا ما يدل على الموافقة، فليس فـي شرعنا ما ينصٌّ على إلغاء دعوة نوح أو خصوصيتها به، فهي حُجَّةٌ فـي أصح أقوال العلماء. ورحم الله ابنَ تيميةº فإنه لما ذكر المسألة على جهة البحث ـ كما في ((الفتاوى)) 8/336 قال: ثم ننظر فـي شرعنا هل نسخه أم لا؟. اهـ. ولعل فيما ذكره ابن حجر من الاستدلال بعموم دعاء خبيب ما يدلٌّك على أن شرعنا لم ينسخ هذه الدعوة. فصلٌ والدعاء عليهم بالقحط وهلاك الأموال ونحوها جائزٌ على جهة التعميم، وليس ذلك خاصاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بل له ولمن بعده، فإن كانت مصلحة المسلمين في ذلك فَثَمَّ شرع الله. قال البخاري - رحمه الله -: باب الدعاء على المشركين، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم أعنِّي عليهم بسبعٍ, كسبع يوسف.. ))وذكر فيه أحاديث منها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قال: سمع الله لمن حمده فـي الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت: ((... اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف)). وهذا الدعاء ليس منسوخاً بقوله - تعالى -: (ليس لك من الأمر شيء)[آل عمران: 128]º لأن الآية إنما نزلت فـي أُحُد، ولأن الآية إنما نهت عن الدعاء على المعيَّن من الكفار باللعن وهم أحياء وليس الدعاء على مضر من ذلك. قال الحافظ فـي ((الفتح)) 7/366: والصواب أنها نزلت فـي شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أُحُد. والله أعلم. اهـ.

    وحرَّر - رحمه الله - أن الآية لا تتناول قصة مضر إسناداً ومتناً. ومما يدل على مشروعية الدعاء عليهم بإهلاك أموالهمº ما جاء فـي دعاء موسى - عليه السلام -، قال - عز وجل - عنه: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) [يونس: 88] معنى اطمس: أَهلِك. قال ابن كثير فـي ((البداية والنهاية)) 2/106: وهذه دعوة غضب لله - تعالى -ولدينه ولبراهينه، فاستجاب الله لها وحقّقها وتقبّلها، كما استجاب لنوح فـي قومه. اهـ.

    فهذا شرع موسى - عليه السلام -، وقد جاء فـي شرعنا ما يؤيده، كما فـي دعائه - صلى الله عليه وسلم - على مُضَر، وما كان الله - تعالى - وتقدَّس ليقرَّ موسى - عليه السلام - على هذه الدعوة ويستجب لهº إلا أنها مشروعة. ومما يدل على ذلك ـ أيضاً ـ دعوة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -، حيث دعا ربه، كما قال الله - تعالى -: (وارزق أهله من الثمرات من ءامن منهم بالله واليوم الآخر) [البقرة: 126] فهذا هو الدعاء المشروع، إذ لا يشرع أن يقول مؤمن بالله واليوم الآخر ابتداءً: اللهم ارزق المؤمنين والكافرين، اللهم أَغِث المؤمنين والكافرين، ونحو ذلك، وإن كان يجوز فـي بعض الحالات كأن يطلب الكافر من المسلم أن يدعو الله لـه بالغيث فيجيبه رجاءَ إسلامهº فبان لك أن قول الله: (قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) هو لبيان الأمر الكوني، إذ ليس ذلك إنكاراً على إبراهيم دعوته هذه، ولو كان كذلك لكان المشروع أن يقال فـي الدعاء دوماً: اللهم ارزق المؤمن والكافر، وذلك ما لم يقله أحدٌ فيما أعلم، فقولـه الله - تعالى -: (قال ومن كفر... ) الآية كقولـه - تعالى -: (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) [الإسراء: 20]، وقولـه - تعالى -(وأممٌ سنمتعهم... ) [هود: 48].

    فصلٌ قول القائل: إن الدعاء على الكافرين بالهلاك طعن فـي الحكمة الإلهية، إذ قضى الله كوناً أن يبقوا، ودلَّ الدليل على بقائهم إلى آخر الزمانºغير صحيحٍ, لأمور:

    الأول: أنَّ هذا احتجاجٌ بالقدر على الشرع، وهو باطلº فالقدر علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه، والشرع وظيفة العبد المكلف. وهذا الاحتجاج هو عمدة القائلين بالتقريب بين الأديان فـي زماننا، يقولون: ((ليس من أهداف الإسلام أن يفرض نفسه على الناس فرضاً حتى يكون هو الديانة العالمية الوحيدة، إذ أنَّ كل ذلك محاولة فاشلة، ومقاومة لسنّة الوجود، ومعاندة للإرادة الإلهية)). هذا كلام د. وهبة الزحيلي فـي كتابه ((آثار الحرب)) ص65. ولغيره من دعاة التقريب هذا الاحتجاج، وقد أجاد فـي ردِّه وإبطاله وبيان فساد ما يترتب عليه الدكتور الشيخ أحمد بن عبدالرحمن القاضي فـي كتابه ((دعوة التقريب بين الأديان: دراسة نقدية فـي ضوء العقيدة الإسلامية)) 2/748 وما بعدها.

    الثاني: لو كان الدعاء بالتعميم طعناً فـي الحكمة الإلهية لنزَّه الله - تعالى -أنبياءه ورسله من الوقوع فـيه، فنوحٌ - عليه السلام - وهو من أولي العزم كيف يطعن فـي الحكمة الإلهية بالدعاء على الكفار، وغيره يوفق للسلامة؟.. سبحانك هذا بهتان عظيم. وما كان طعناً فـي الحكمة الإلهية الآن فهو طعن فـي الحكمة الإلهية زمن نوح، إذ لا تختلف الشرائع فـي ذلك.

    الثالث: احتج القرافي فـي ((الفروق)) 4/281 على أنه لا يجوز الدعاء بــ ((اللهم اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم)) بأن الأحاديث جاءت بدخول طائفة من المسلمين النار بذنوبهم، ففي الدعاء تكذيب لتلك الأحاديث... إلخ. فجاء ابن المشاط فـي كتابه ((إدرار الشروق على أنوار الفروق)) 4/283 بردِّ كلام القرافي هنا ردَّاً مبيناً مستقيماً، حيث قال بعد إيراد جميع كلام القرافي: قلت: لقد كلَّف هذا الإنسان نفسه شططاً، وادَّعى دواعي لا دليل عليها ولا حاجة إليها وهماً منه وغلطاً، وما المانع من أن يكلف الله - تعالى- خلقه أن يطلبوا منه المغفرة لذنوب كل واحد من المؤمنين مع أنه قد قضى بأن منهم من لا يغفر له؟! ومن أين تَلزَمُ المنافاة بين طلب المغفرة ووجوب نقيضها؟؟ هذا أمر لا أعرف له وجهاً إلا مجرد التحكٌّم بمحض التوهم.. اهـ.

    قلت: رحم الله ابن المشاط، لقد أصاب وأجاد فـي ردِّ الخلط بين الأمر الشرعي والأمر الكوني، بما هو معروف عند أهل السنة والجماعة. فالأمر الكوني لا يُؤخذ منه حكمٌ، فضلاً عن كونه يعارض به الأمر الشرعي ويقضي عليه. ومما يرد كلام القرافي صراحةً قولـه - تعالى -: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)[محمد: 19] أي: ولذنوب المؤمنين والمؤمنات. وحديث: ((اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجُلَّه، سرَّه وعلانيته، أولَه وآخره))، فلو كان كلام القرافي حقاً لما جاز لجميع المؤمنين والمؤمنات أن يدعو بهذا الدعاء، بل بعضهم، وهذا باطل. وقول القائل: إن الدعاء على الكفار بإهلاك أموالهم بالتعميم فيه معارضة لآثار أسماء الله. غير صحيحٍ, لأمور:

    الأول: إنَّ آثار أسماء الله تكون فـي الخلق والأمر، فالخلق هو الأمر الكوني، والأمر هو الأمر الشرعي. فالرازق اسم من أسماء الله يتعلق أثره بالخلق فيرزق جميع خلقه، كما يتعلق أثره بالأمر فـي نحو قولـه - تعالى -: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لايحتسب)[الطلاق: 2-3]. فالخلط بين الآثار المترتبة على الأمر الكوني والأمر الشرعي خطأٌ بيِّن، وقد تقدَّم إبطال ذلك. قال ابن القيِّم - رحمه الله - فـي ((مدارج السالكين)) 1/208: وأنت إذا فرضتَ الحيوان بجملته معدوماً، فمن يرزق الرازقُ - سبحانه -؟. وإذا فرضتَ المعصية والخطيئة منتفية عن العالم، فلمن يَغفِر؟ وعمَّن يعفو؟ وعلى من يتوب ويحلم؟. وإذا فرضتَ الفاقات سُدَّت، والعبيد أغنياء معافون، فأين السؤال والتضرع والابتهـــال، والإجابة، وشهود الفضل والـمِنَّة، والتخصيص بالإنعام والإكرام؟. اهـ. فهذا هو الفهم الصحيح لآثار الأسماء الحسنى، فدع عنك ما سواه.

    الثاني: أن فـي ذلك لازماً شنيعاً وهو استجهال من هو من أولي العزم من الرسل. فموسى - عليه الصلاة والسلام - دعا بقطع أرزاقهم، فهل أنكر بذلك آثار اسم الله - تعالى -الرزاق؟ ومحمد - صلى الله عليه وسلم - دعا بقطع أرزاقهم، فهل يقال فيه ذلـــك. سبحانك هذا بهتان عظيم!.

    الثالث: ما تقدم فـي دعاء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -. هذا ما تيسر فـي هذه المسألة على جهة الاختصار. وعليه: فنحن اليوم ندعو على اليهود والنصارى فنقول: ((اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تُبقي منهم أحداً، اللهم اشدُد وطأتك عليهم، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)).وهذا الدعاء هو المناسب لأحوال الأمة الإسلامية مع هؤلاء الأرجاس، وأما الدعاء بهدايتهم فـي هذه الظروف فلا أراه.

    الدعاء على الكفرة


    عبدالسلام بن برجس العبدالكريم

    التصنيف: الولاء والبراء
    المصدر: مجموعة مواقع مداد




  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,520

    افتراضي رد: هل يجوز الدعاء على الكافرين بصيغة العموم ؟

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    فنحن اليوم ندعو على اليهود والنصارى فنقول: ((اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تُبقي منهم أحداً، اللهم اشدُد وطأتك عليهم، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)).
    وهذا الدعاء هو المناسب لأحوال الأمة الإسلامية مع هؤلاء الأرجاس،
    وأما الدعاء بهدايتهم فـي هذه الظروف فلا أراه.



    رحم الله الشيخ عبد السلام ابن برجس عبد الكريم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •