الفرق بين الطاعة والعبادة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: الفرق بين الطاعة والعبادة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,868

    افتراضي الفرق بين الطاعة والعبادة

    ما يتعلق بالطاعة والعبادة والفرق بينهما
    الطاعة أمرها واسع، والعبادة حق الله وحده ،
    فالعبادة هي امتثال أوامر الله وترك نواهيه سبحانه عن إخلاص له وعن محبة له وعن تعظيم وعن رغبة ورهبة هكذا تكون العبادة،
    العبادة تنشأ عن حب الله جل وعلا، الحب الكامل وعن رغبة ثوابه والحذر من عقابه في طاعة أوامره وترك نواهيه
    هذه يقال لها: العبادة يعبد الله معتقدًا أن هذا المعبود مستحق العبادة،
    وأن الله سبحانه هو المستحق لها،
    فيمتثل أوامر الله من صلاة وصوم وغير ذلك يرجو ثوابه ويخشى عقابه ويحبه من كل قلبه،
    وهكذا يترك محارمه عن محبه له وعن رغبة في ثوابه والحذر من عقابه ، ولهذا قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] يعني: إلا ليوحدوه سبحانه ويخصوه بالعبادة عن محبة وعن رغبة وعن رهبة عن حب له سبحانه لأنه منعم محسن ، وعن رغبة بما عنده من الثواب، وعن رهبة مما عنده من العقاب.
    أما الطاعة فهي أقسام،
    فمن أطاع الله يرجو ثوابه ويخشى عقابه ويؤمن بأنه المستحق للعبادة فطاعته له عبادة إذا صلى وصام وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وذكر الله وأطاع والديه، كل ذلك لأجل أن الله أمر بهذا، وهو يرجو بهذا فضل الله، ويعبد الله بهذا الأمر ويطيع الرسول ويطيع [من ولاهم الله امور المسلمين- وألى الامر منكم] ويطيع الوالدين ويطيع الناصحين لأن الله أمر بهذا،
    فهذا عبادة لله وحده طاعته لهؤلاء عبادة - طاعته للرسول ﷺ طاعة لله وعبادة لله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80].
    وطاعة ولاة الأمور [من اهل الشريعة] بالمعروف طاعة لله وعبادة لله؛ لأنه فعلها يرجو ثواب الله ويخشى عقابه ويؤمن بأنه المستحق لأن يعبد ، وهكذا طاعته للوالدين بالمعروف، طاعته للمصلحين بالمعروف، طاعته للناصحين بالمعروف، كل هذا في الحقيقة عبادة لله لأن الله أمره بهذا،
    فأما إذا امتثل الأوامر لا لله بل رياء وسمعة ما صارت عبادة، لو أنه أطاع الله لكن لم يقصد به وجه الله ولا أراد التقرب إليه ولكنه أراد بهذه الطاعة الرياء صلى رياء أو ذكر الله رياء أو أمر بالمعروف رياء أو نهى عن المنكر رياء أو أطاع ولاة أمور [المسلمين الذين امر الله بطاعتهم] لا لأنه مأمور بطاعتهم بل أطاعهم لمقاصد أخرى ورغبة أخرى لمال أو لخوف منهم ما صارت عبادة لله .
    وهكذا طاعته للوالدين إذا أطاع والديه لله يرجو ثوابه صارت عبادة لله،
    وإن أطاعهم لا لذلك بل لأنهم والداه صار أمرًا مطلوبًا بينًا، لكن لا يكون عبادة لله؛
    لأنه أطاعهم بحكم الطبيعة،
    وبحكم المحبة لهم، والإحسان إليهم، ولأن الله أمره بهذا،
    فتكون في نفسها زائدة وطاعة في محلها، لكن ما تكون عبادة لله؛ لأنه ما قصد بها وجه الله، ولا أراده بها وجه الله .
    وهكذا طاعته لزيد أو عمرو في بيع أو شراء أو بناء بيت أو إعطاء فلان إذا أطاعه لله بل أطاعه لأنه رأى في هذا المصلحة
    فهذه أمور جائزة بين الناس،
    وهكذا لو أطاع ولاة الأمور وهم كفار لأمر جائز لا لأنهم يحللون ويحرمون كما جاء في حديث عدي، بل أطاعهم لأنه يرى المصلحة في ذلك يرى المصلحة في طاعتهم وإن كانوا كفارًا كأن أمروه بأن يسلك الطريق الفلاني ....... المصلحة، السيارات تروح من هذه الطريق والسيارات ترجع من هذا الطريق تنظم الطرق وأمروهم فعلى الناس أن يلتزموا بهذه الأمور التي فيها مصالحهم، وليست هذه عبادة لهذا الأمير أو لولي الشرطة أو لفلان لا،
    هذه أمور مباحة فيها مصالح الأمة فيها مصالح الرعية،
    فإذا فعلوها لأن فيها المصلحة فليست عبادة للدولة، وليست عبادة لمدير الشرطة، وليست عبادة لرجل المرور،
    بل هي أمور مباحة فيها مصالح العباد، وهكذا لو ضربوا ضريبة وهم كفار دولة كافرة .... ولكن للمصلحة العامة أو خوفًا من شرهم فليست هذه عبادة لهم، بل هذه أمور عادية ليس فيها تعلق بالعبادة وليست عبادة.
    أما إذا أطاع فلانًا أو فلانًا أو الأمير الفلاني لأنه يعتقد فيه أنه يضر وينفع أو يعتقد فيه أن ما أمر فيه فهو حق وأنه مباح ولو خالف شرع الله صار عابدًا له، لو أطاع الأمير الفلاني أو العالم الفلاني يعتقد أن في حله وأنه ينفع ويضر وأنه مستحق للعبادة وأن ما أمر به يمتثل ولو خالف شرع الله وما نهى عنه ينتهى ولو خالف شرع الله هذا معناه أنه عبد هذا المخلوق عبده واتخذه إلها مع الله ، فتكون طاعته عبادة له .......
    فالحاصل أن الطاعة فيها تفاصيل:
    إن كان فعلها لأنها مباحة لأنها أمر مباح أو لأن فيها المصلحة لا لأنه يعبد الشخص أو يحل ما أحل ويحرم ما حرم وإنما فعله للمصلحة ....... لا عبادة لله هذه طاعة جائزة، ولا حرج فيها،
    سواء كان الآمر مسلمًا أو كافرًا،
    وسواء كان أميرًا أو مندوب أمير أو نحو ذلك فيما يتعلق بالمصالح العامة والأمور المباحة ونحو ذلك،
    ، وما فعله طاعة لله ويقصد به وجه الله من الطاعات فأطاع [ولي أمر المسلمين ممن يحكمون بشريعة الله] وأطاع الرسول ﷺ وأطاع والديه يرجو ثواب الله ويرغب في فضله سبحانه لأنه أمر بهذا فهكذا كله يكون عبادة لله ، وطاعة لله ،
    تكون طاعة يقصد بها وجه الله، ويتقرب بها إلى الله هي عبادة لله ، وليست عبادة للمخلوق
    وكل طاعة يقدمها للمخلوق لأنه يعتقد فيه السر،
    وأن هذا المخلوق يتصرف، وأنه له شيء في الكون من التصرف، أو أنه إذا عبده نفعه، وإذا لم يعبده ضره
    كما يفعله بعض عباد القبور في بعض الناس،
    أو يتقرب إليه بذلك لأن فيه سرا فيتقرب إليه أعطاه ولده أو شفى مرضه هذا كله عبادة لغير الله، كله شرك بالله .
    فلا بد من التفصيل فيما يتعلق بالطاعة والعبادة،
    وليست كل طاعة عبادة، وليست كل عبادة مفضولة، بل كل عبادة يقصد بها وجه الله وتوافق الشريعة
    فهذه عبادة مقبولة وطاعة لله
    أما إن فعل العبادة لا لله بل رياء وسمعة، فإنها لا تكون عبادة لله .......،
    فإن الرياء من الشرك، وقد يكون شركًا أكبر كعمل المنافقين الذين كذبوا الله ورسوله وأظهروا الإيمان نفاقًا ورياء، فهؤلاء في الدرك الأسفل من النار، نسأل الله العافية.
    وقد يكون شركًا أصغر،
    كأن يرائي في الأمر بالمعروف، أو يرائي في النهي عن المنكر، أو يرائي في أشباه ذلك،
    فهذا من الرياء الذي قال فيه النبي ﷺ: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء.
    وقد تكون طاعة مثل ما تقدم في أمور مباحة أو في أمور مشروعة فعلها لأنها صالحة لأنها مشروعة لأن فيها خيرًا
    ولم يقصد بها التقرب إلى المخلوق لا لأمير ولا لميت ولا لجني ولا لغير ذلك
    إنما فعل هذه الطاعة لأن فيها مصلحة .. فهذا ليس من العبادة، بل هذه من الأمور العادية التي لا تسمى عبادة.
    وهكذا طاعة ولاة الأمور تنقسم،
    فإن أطاعهم في معروف من أجل الله عز وجل فهي عبادة لله،
    وإن أطاعهم خوفًا من شرهم وليست عبادة لله فهذا لا يكون عابدًا لله، وليس له ثواب الطاعة، ولا يكون عابدًا لهم، بل أطاعهم لدفع شرهم،
    أما إن أطاعهم لأنهم يحل ما أحلوا ويحرم ما يحرموا ويعتقد أنهم يصلحون لهذا الأمر وأن ما أحلوا فهو حلال وما حرموا فهو حرام فهذا هو الشرك الأكبر،
    هذا الذي فعله اليهود والنصارى مع أحبارهم ورهبانهم ما أحلوه أحلوه وما حرموه حرموه،
    وإن كان خلاف التوراة والإنجيل، وإن كان خلاف الشرع، ولهذا سماهم الله اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]؛ لأنهم أحلوا ما أحلوا وحرموا ما حرموا وإن خالف شرع الله ....... الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وصاروا بهذا كفارًا .......؛ لأنهم استحلوا ما حرم الله، وأطاعوا الرجال في خلاف شرع الله تعظيمًا لهم، واعتقادًا أنهم مصيبون.
    أما لو أطاع الأمير أو أطاع السلطان في معصية وهو لا يقول:
    إنه يحل ما حلل ويحرم ما حرم، لا بل أطاعهم في معصية من أجل هواه، ومن أجل الدنيا،
    صار هذا نقص في الإيمان، وصار ضعفًا في الإيمان، ولم يكن شركًا ولا كفرًا إذا أطاع الأمير في معصية من المعاصي ...... كان طاعة من أجل حب المال أو من أجل أن يرقى عنده ......، وهو يعلم أن هذا الشخص لا يستحق القتل ولا يستحق الضرب فيكون عاصيًا في ذلك مساعدًا لأميره في المعصية، لكن إذا أطاعه في قتل فلان أو ضرب فلان لأنه يعتقد لأنه لا يأمر إلا بشيء مباح، أو بما هو طيب، ولا ينهى إلا عن شيء يستحق النهي عنه، وأنه محق في ذلك، وأن ما أمر به يتبع، وما نهى عنه يجتنب، ولو خالف شرع الله، يراه صالحًا لهذه الأمور يعتقد فيه أنه ما أمر به فهو طيب، وما نهى عنه فهو منهي عنه، فلا ينظر في شرع الله، ولا يبالي بشرع الله، بل يحل ما أحله هذا الأمير أو هذا الرجل أو هذا العالم، ويحرم ما حرمه مطلقًا من غير النظر إلى كتاب ولا سنة،
    هذا هو الكفر الأكبر،
    هذا عمل اليهود والنصارى، نسأل الله العافية.
    إما إن أطاعه لمعصية لمصلحة لمال أو لأنه يكتسب معاش وهو يعلم أنه ما هو معصوم قد يخطئ في أوامره قد يخطئ في نواهيه قد يغلط ولكن حمله اتباع الهوى على طاعته في المعصية قد يكون معصية
    ويكون ضعفًا في الإيمان،
    ولا يكون كفرًا إلا إذا استحل ذلك، ورأى أنه ما أمر به يطاع فيه، وما نهى عنه يطاع فيه، ولو خالف شرع الله، فهذا قد اتخذه إلها مع الله.
    هذه الأمور لها أهميتها ولها شأنها، ولهذا وجب التوسع فيها، والبيان فيها،
    حتى لا يغلط غالط في هذه الأمور، وحتى لا يكفر مسلمًا بغير حق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
    أما كونه يسمى شركًا أصغر فهذا محل نظر، إذا أطاعه في المعصية قد يسمى شركًا أصغر عند بعض العلماء؛ لأنه تابع الهوى، وقد لا يسمى شركًا أصغر لكن يسمى معصية؛ لأن بعض أهل العلم إنما يقال الشرك الأصغر فيما ورد في النصوص تسميته شركًا، مثل الحلف بغير الله، مثل قول ما شاء الله وشاء فلان، مثل الرياء، هذا جاءت به النصوص بأنه يسمى شركًا، يعني شركًا أصغر، وأما جنس المعاصي كالغيبة والنميمة والزنا والسرقة فهذا تسمى معاصي، وتسمى كبائر، ولا تسمى شركًا، وقد يتجوز بعض العلماء ويسميها شركًا أصغر لأن صاحبها اتبع الهوى، ولكن المشهور عند العلماء والمعروف عندهم أنها تسمى كبائر، تسمى معاصي، ولا تسمى شركًا؛ لأنه إنما فعلها طاعة لهواه، لا عبادة لأحد، ولا رياء لأحد، ولكن فعل السرقة أو الزنا أو الغيبة أو النميمة طاعة لهواه وطاعة لشيطانه، ولهذا تسمى كبائر، وتسمى معاصي، وتسمى ذنوبًا، نسأل الله للجميع العافية والسلامة.[الموقع الرسمى للامام ابن باز رحمه الله بتصرف ]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,868

    افتراضي رد: الفرق بين الطاعة والعبادة

    الفرق بين العبادة والطاعة
    العبادة والطاعة ليستا مترادفتين، بل بينهما جملة من الفروق التي تقتضي التمييز بينهما تجنبًا للمعاني الفاسدة، واللوازم الباطلة. والطاعة هي الانقياد، كما قال ابن فارس: «طوع: الطاء والواو والعين أصل صحيح واحد يدل على الإصحاب والانقياد، يقال: طاعه يطوعه؛ إذا انقاد معه ومضى لأمره. وأطاعه؛ بمعنى: طاع له. ويقال لمن وافق غيره: قد طاوعه»
    وقال الراغب الأصبهانيُّ: «الطَّوْع: الانقياد، ويضاده الكَره قال عز وجل: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} [فصلت: 11]، {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83]، والطاعة مثله، لكن أكثر ما تقال في الائتمار لما أمر، والارتسام فيما رسم؛ قال تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} [النساء: 81]، {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} [محمد: 21]، أي: أطيعوا، وقد طاع له يطوع، وأطاعه يطيعه».
    إذن؛ الطاعة - في اللغة - هي الانقياد،
    والعبادة هي الذلُّ والخضوع مع المحبة والتعظيم - -، ثم لكلٍّ من اللفظين حقيقة شرعية، فالفروق بينهما لغوية وشرعية،
    قال أبو هلال العسكريُّ (ت: 395) : «الفرق بين العبادة والطاعة: أنَّ العبادة غاية الخضوع، ولا تستحق إلا بغاية الإنعام، ولهذا لا يجوز أن يُعبد غيرُ الله تعالى، ولا تكون العبادة إلا مع المعرفة بالمعبود.
    والطاعة: الفعلُ الواقعُ على حسب ما أراده المريدُ، متى كان المريد أعلى رتبةً ممن يفعل ذلك،
    وتكون للخالق والمخلوق، والعبادة لا تكون إلا للخالق. »
    وقال شيخ الاسلام ابن تيمية
    - في اختصاص العبادة بالله عزَّ وجلَّ بخلاف الطاعة ونحوها -: «وقال تعالى في الخوف والخشية والتقوى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52]، فأثبتَ الطاعةَ لله والرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح عليه السلام: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح: 3]؛ فجعل العبادة والتقوى لله وحدَه، وجعل الطاعةَ للرَّسول؛ فإنَّه من يطع الرسولَ فقد أطاع الله»، وقال: «فجنس المحبة تكون لله ورسوله كالطاعة، فإن الطاعة لله ورسوله، والإرضاء لله ورسوله: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62]، والإيتاء لله ورسوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59]، وأما العبادة، وما يناسبها من التوكل، والخوف، ونحو ذلك؛ فلا يكون إلا لله وحده»
    وقال أبو البقاء الكفوي :
    «الطاعة: هي الموافقة للأمر, أعمُّ من العبادة، لأن العبادة غلب استعمالها في تعظيم الله غاية التعظيم»
    وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في رسالته إلى المودوديِّ - حول ما بلغه من تفسيره العبادة بالطاعة، وأن كل من أطاع أحدًا فقد عبده، كما تفسَّر بالرقِّ والتأله -
    : «الذي يظهر لأخيكم أنَّ الطاعة أوسع من العبادة،
    فكل عبادة لله موافقة لشريعته تسمَّى طاعة، وليس كل طاعة بالنسبة إلى غير الله تسمَّى عبادة، بل في ذلك تفصيل:
    أما بالنسبة إلى الله - سبحانه - فهي عبادة له لمن أراد بها وجهه، لكن قد تكون صحيحة، وقد تكون فاسدة،
    على حسب اشتمالها على الشروط المرعيَّة في العبادة، وتخلُّف بعض الشروط عنها.
    ومما يزيد الأمر وضوحًا أن من أطاع الله في بعض الأمور، وهو متلبس بالشرك يستحق أن تنفى عنه العبادة؛
    كما قال الله سبحانه في حق المشركين: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}، فنفى عنهم العبادة من أجل شركهم، ومعلوم أنهم يعبدون الله في الشدة بالتوحيد، وبالحجِّ، والعمرة، وبالصَّدقات في بعض الأحيان، ونحو ذلك.
    ولكن لما كانت هذه العبادة مشُوبةً بالشرك في الرخاء، وعدم الإيمان بالآخرة، إلى غير ذلك من أنواع الكفر -
    جاز أن تُنفى عن أصحابها
    ومما يزيد الأمر بيانًا - أيضًا - أن من أطاع الأمراء وغيرهم في معاصي الله لا يُسمَّى عابدًا لهم، إذا لم يعتقد جواز طاعتهم فيما يخالف شرع الله، وإنما أطاعهم خوفًا من شرِّهم، أو اتباعًا للهوى، وهو يعلم أنه عاصٍ لله في ذلك، فإن مثل هذا يعتبر عاصيًا بهذه الطاعة، ولا يعتبر مشركًا، إذا كانت الطاعة في غير الأمور الشركية، كما لو أطاعهم في ضرب أحدٍ بغير حقٍّ، أو قتل أحدٍ بغير حقٍّ، أو أخذ مال بغير حقٍّ، ونحو ذلك، والأمثلة في هذا الباب كثيرة»
    فإن قيل: قد وقع في كلام بعض العلماء تعريف العبادة بالطاعة؟!
    قلنا: «الجواب: أن تفسير العبادة بالطاعة من التفسير باللَّازم، فإن لازم العبادة أن يكون العابدُ مطيعًا لمن عبده بها، فلذا فُسِّرت بالطاعة. أو يقال: هو من التفسير بالملزوم وإرادة اللَّازم، أي: لما كانت الطاعة ملزومًا للعبادة، والعبادة لازمة لها، فلا تحصل إلا بالطاعة، جاز تفسيرها بذلك». ورغم هذا فإن كثيرًا من العلماء قيَّدوا تفسيرها، فقالوا: «العبادة هي الطاعة التي معها التذلُّلُ والخضوع» وفي هذا إشارة إلى أنها ليست مطلق الطاعة، بل طاعة مخصوصة
    ، لهذا قال شيخ الاسلام ابن تيمية:
    «ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، كما قد يحبُّ ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التامَّ إلا الله»
    وجاءت العبادة في مواضع من كتاب الله بمعنى الطاعة لتحقُّق مفهوم العبادة فيها، كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)} [يس].
    قال مكحول الشامي رحمه الله: «إنما عبادته: طاعته»، وهكذا قال عامة المفسرين، وهو المناسب للسياق، لأن الغالب أن طاعة الشيطان طاعةٌ شركيةٌ، لكن من طاعة الشيطان ما هو معصية وليست كفرًا، كما يقع من المسلم ارتكاب كثيرٍ من المعاصي يكون فيها مخالفًا لأمر الرحمن، مطيعًا للشيطان، لهذا قيَّد بعض المفسرين العبادة المذكورة في الآية بالطاعة في الشرك، فقال السُّدِّي في تفسير الآية: «يعني ألَّا تطيعوا الشيطانَ في الشِّرك»، نقله يحيى بن سلام (ت: 200) في «تفسيره»، وقال: «إنهم عبدوا الأوثان بما وسوس إليهم الشيطان، فأمرهم بعبادتهم، فإنما عبدوا الشيطان»). وقال ابن الجوزيِّ (ت: 597): «بمعنى تطيعوا، والشيطان هو إبليس، زيَّن لهم الشرك فأطاعوه».
    وكذلك قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)} [سبأ]،
    قال الرازي: «أي: كانوا ينقادون لأمر الجنِّ، فهم في الحقيقة كانوا يعبدون الجنَّ، ونحن كنَّا كالقبلة لهم، لأنَّ العبادة هي الطاعة». فهذا من الرازي تفسير بدلالة السياق، فقد صرَّح في موضع آخر بنفي الترادف بينهما، فقال: «العبادة هي التذلُّل، ومنه: طريق معبَّدٌ، أي: مذلَّل، ومن زعم أنَّها الطاعة فقد أخطأ، لأنَّ جماعةً عبدوا الملائكة والمسيح والأصنام، وما أطاعوهم، ولكن في الشرع صارت اسمًا لكلِّ طاعةٍ لله أُدِّيت له على وجه التذلُّل والنهاية في التعظيم»
    فهذا هو التفصيل في تفسير العبادة بالطاعة،
    أما جعلهما مترادفتين بإطلاق؛ فمن دعاوى الخوارج
    كما ذكر عنهم القاضي أبو يعلى الحنبليِّ (ت: 458)، حيث احتجُّوا بأن جميع المعاصي طاعة لإبليس، لأنه يدعو إلى جميعها، وطاعته عبادة له، ولا يكون ذلك إلا كفرًا.
    فقال القاضي أبو يعلى: «والجواب: أنه ليس إذا كان طاعةً له؛ كان عبادة، لأن العبادة هي الخضوع والتعظيم والإجلال، وهذا غير موجود ممن أطاع إبليس، يُبيِّنُ صحة هذا أنه ليس كل طاعة لله؛ هي عبادة له، كالنظر في معرفة الله قبل لزومها، ولأن هذا يوجب أن تكون طاعة الولد لوالده عبادة له، لأنه قد أطاعه، وأحدٌ لا يقول هذا»
    نخْلُصُ مما تقدَّم إلى ما يلي:
    1- العبادة أخصُّ من الطاعة.
    2- العبادة ذلٌّ وخضوع؛ فتعلقها بالباطن أقوى، والطاعة انقياد؛ فتعلقها بالظاهر أقوى.
    3- كلُّ عبادة خالصة لله عز وجلَّ، موافقةٍ لشرعه؛ هي طاعةٌ له. وكلُّ طاعة بهذا المفهوم الصحيح: عبادةٌ لله.
    4- العبادة لا تجوز إلا لله وحده، والطاعة ثابتة لله تعالى ولغيره.
    5- طاعة غير الله تعالى: إما أن تكون طاعة لله - أيضًا - فيترتب عليها الثواب، وإما أن تكون طاعة مباحة؛ فلا ثواب ولا عقاب، وإما أن تكون طاعة معصية.
    فالأول: كل طاعة يحبها الله ويرضاها، مثل: طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعة الوالدين والأمراء بالمعروف في غير معصية. فمن أتى بهذه الطاعة، يبتغي بها وجه الله؛ أثابه الله تعالى عليها.
    والثاني: مثل: طاعة الناس بعضهم لبعض في مصالحهم الدنيوية، وأعمالهم العادية، فيما ليست فيها معصية لله، ولا يقصدون بها التديُّن لله أو لغيره، وإنما هي في المباحات، فهي طاعة مباحة.
    والثالث: طاعة معصية، وهي على مرتبتين:
    الأولى: «الطاعة الشركية» أو: «الكفرية» هي شرك أكبر، وكفر أكبر، مخرج من الملة، حتَّى لو أمكن تصورها من غير اعتقاد أو استحلال، مثل من يطيع - باختياره غير مكره - في عبادة غير الله، أو سب الله ورسوله، أو الطعن في الدين. وكذلك إن استحلَّ الطاعة في المعصية؛وكذلك طاعة العلماء والامراء فى تحليل الحرام أو تحريم الحلال، فهذه الطاعة من نواقض الإسلام.
    والثانية: طاعة المعصية، وهي كل طاعة ليست شركًا في ذاتها، أو ليس معها استحلال قلبيٌّ للمعصية التي لا تبلغ درجة الكفر. وفي تقرير الفرق بين هاتين المرتبتين؛
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
    «وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرَّم الله، وتحريم ما أحل الله - يكونون على وجهين:
    أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلَّوا دين الله فيتَّبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، اتِّباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دينَ الرسل؛ فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يُصلُّون لهم، ويسجدون لهم. فكان من اتَّبع غيره في خلاف الدِّين، مع علمه أنه خلاف الدِّين، واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله؛ مشركًا مثل هؤلاء.
    والثاني: أن يكون اعتقادُهم، وإيمانُهم بتحريم [الحرام] وتحليل [الحلال] ثابتًا، لكنَّهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلمُ ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصٍ؛ فهؤلاء لهم حُكم أمثالهم من أهل الذنوب»
    6- العبادة المأمور بها شرعًا ليست طاعة مجرَّدة، بل لا بدَّ فيها من الإيمان والنية والإخلاص والمحبة، والطاعة الظاهرية تتحقق بدون هذه الأمور، وقد تُحقِّقُ حصول المأمور به وحصول مقصوده ونتائجه وآثاره، مثل: الإحسان إلى الفقراء والمساكين من غير نية التعبد لله تعالى، أو بنية فاسدة كالرياء والسمعة، فإن هذا الإحسان موافق لأمر الله وشرعه، لكنه لا يكون عبادة مقبولة عنده إلا بالنية والإخلاص وقصد الامتثال لشرعه،
    ومن بدائع ما بيَّنه العسكريُّ من الفروق: «الفرق بين الطاعة وموافقة الإرادة»، فقال: «موافقة الإرادة قد تكون طاعةً، وقد لا تكون طاعةً، وذلك إذا لم تقع موقعَ الداعي إلى الفعل، كنحو إرادتك أن يتصدَّق زيدٌ بدرهم من غير أن يشعر بذلك، فلا يكون بفعله مطيعًا لك، ولو علمه فَفَعَلَهُ من أجل إرادتك كان مطيعًا لك، ولذلك لو أحسَّ بدعائكَ إلى ذلك، فمال معه؛ كان مطيعًا لك»
    إذن, «الطاعة» التي هي مراد الله تعالى من المكلف لا تكون عبادة مقبولة عنده سبحانه إلا إذا اقترن بها عمل القلب بقصد موافقه مراده تعالى إخلاصًا لوجهه, وطلبًا لمرضاته , بل عمل القلب هو المقصود ابتداءً وأصالةً , وعمل الظاهر تبعٌ له , وفي هذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «من ظنَّ أن الطاعة صُوَر الأعمال فهو جاهل بل اسم الطاعة يتناول طاعة القلب بالخوف والرجاء والإخلاص لله والشكر وغير ذلك أعظم مما يتناول طاعةَ البدن كالصيام والقيام والصدقة قال الله تعالى {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَة ِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة]
    وقد أجمع المسلمون على أن مجرَّد أعمال البدن بدون عمل القلب لا يكون عبادةً ولا طاعةً لله وأن كل عمل لا يُراد به وجه الله فليس هو عبادة له
    [منقول]

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,868

    افتراضي رد: الفرق بين الطاعة والعبادة

    متى تكون طاعة أحد من الخلق كفرا مخرجا من الملة؟، ومتى تكون فسقا؟ومتى تكون إثما دون الكفر والفسق؟
    الجواب
    طاعة المخلوق استكبارا عن طاعة الله، أو طاعته في تحريم الحلال وتحليل الحرام اعتقادا، يعد من الكفر الأكبر المخرج من الملة والعياذ بالله. وأما طاعته في المعاصي بمعنى متابعته عليها مع اعتقاد حرمتها فلا تخرج من الملة، بل هي بحسبها، فتكون كبيرة في الكبائر، وصغيرة في الصغائر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى): من استكبر عن بعض عبادة الله سامعًا مطيعًا في ذلك لغيره، لم يحقق قول: لا إله إلا اللّه، في هذا المقام. وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم اللّه وتحريم ما أحل اللّه يكونون على وجهين: أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين اللّه فيتبعوهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم اللّه، وتحريم ما أحل اللّه، اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله اللّه ورسوله شركًا وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله اللّه ورسوله مشركًا مثل هؤلاء. والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية اللّه، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب اهـ.
    وقد عقد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في (كتاب التوحيد) بابا لقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا *فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا {النساء:60-62} قال الشيخ صالح آل الشيخ في شرح كتاب التوحيد: هذا الباب من الأبواب العظيمة المهمة في هذا الكتاب، وذلك لأن إفراد الله جل وعلا بالوحدانية في ربوبيته وفي إلهيته يتضمن ويقتضي ويستلزم - جميعا - أن يفرد في الحكم، فكما أنه جل وعلا لا حكم إلا حكمه في ملكوته، فكذلك يجب أن يكون لا حكم إلا حكمه فيما يتخاصم فيه الناس وفي الفصل بينهم فالله جل وعلا هو الحكم، وإليه الحكم سبحانه، قال جل وعلا: { فالحكم لله العلي الكبير } [غافر: 12] وقال جل وعلا: { إن الحكم إلا لله } [الأنعام: 57 ] فتوحيد الله - جل وعلا - في الطاعة وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لا يكون إلا بأن يكون العباد محكمين لما أنزل الله جل وعلا على رسوله .
    فترك تحكيم ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بحكم الجاهلية أو بحكم القوانين أو بحكم سواليف البادية أو بكل حكم مخالف لحكم الله جل وعلا، هذا من الكفر الأكبر بالله جل جلاله، ومما يناقض كلمة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
    وقد عقد الشيخ - رحمه الله - هذا الباب ليبين أن الحكم بما أنزل الله فرض، وأن ترك الحكم بما أنزل الله وتحكيم غير ما أنزل الله في شؤون المتخاصمين وتنزيل ذلك منزلة القرآن أن ذلك شرك أكبر بالله جل وعلا، وكفر مخرج من ملة الإسلام.
    قال الإمام الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - في أول رسالته " تحكيم القوانين " : إن من الكفر الأكبر المستبين: تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين ليكون حكما بين العالمين، مناقضة ومحادة لما نزل من رب العالمين . اهـ كلامه بمعناه.
    فلا شك أن إفراد الله بالطاعة وإفراده بالحكم وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، كل ذلك يقتضي ألا يحكم إلا بشرعه؛ فلهذا كان الحكم بالقوانين الوضعية أو الحكم بسواليف البادية من الكفر الأكبر بالله جل وعلا؛ لقوله تعالى هنا في هذه الآية: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } فمناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة جلية، وهي: أن التحاكم إلى غير شرع الله قدح في أصل التوحيد، وأن الحكم بشرع الله واجب، وأن تحكيم القوانين أو سواليف البادية أو أمور الجاهلية مناف لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله اهـ.
    وعقد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أيضا بابا لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله ، وأورد فيه قوله تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ {التوبة: 31} قال الشيخ سليمان آل الشيخ في (تيسير العزيز الحميد): مراد المصنف رحمه اللّه بإيراد الآية هنا أن الطاعة في تحريم الحلال، وتحليل الحرام، من العبادة المنفية من غير اللّه تعالى، ولهذا فسرت العبادة بالطاعة، وفسر الإله بالمعبود المطاع، فمن أطاع مخلوقًا في ذلك فقد عبده، إذ معنى التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا اللّه يقتضي إفراد اللّه بالطاعة، وإفراد الرسول بالمتابعة، فإن من أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أطاع اللّه، وهذا أعظم ما يبين التوحيد وشهادة أن لا إله إلا اللّه، لأنها تقتضي نفي الشرك في الطاعة اهـ.
    وقال الشيخ الفوزان في شرح كتاب التوحيد: مناسبة الآية للباب: أنها دلت على أن من معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله إفرادَ الله بالطاعة في تحليل ما أحل وتحريم ما حرم، وأن من اتخذ شخصاً من دون الله يحلل ما أحل ويحرم ما حرَّم فهو مشرك اهـ.
    وقال ابن القاسم في حاشيته على كتاب التوحيد: دلت على أن من أطاع غير الله في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحله فقد اتخذه ربا ومعبودا، وجعله لله شريكا، وذلك ينافي التوحيد، فكل معبود رب، وكل مطاع ومتبع على غير ما شرعه الله ورسوله فقد اتخذه المطيع ربا ومعبودا، والرب هو المعبود، ولا يطلق معرفا إلا على الله تعالى، قال تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} وهذا وجه مطابقة الآية للترجمة اهـ.
    وقد سبق لنا في الفتوى رقم: 7386، أن من أنواع الشرك في توحيد الإلهية والعبادة: شرك الطاعة، وهو الطاعة في التحليل والتحريم بغير سلطان من الله.‏[المصدر الاسلام سؤال وجواب]

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,868

    افتراضي رد: الفرق بين الطاعة والعبادة

    شرك الطاعة، وهو الطاعة في التحليل والتحريم بغير سلطان من الله.‏
    قال تعالى: ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ‏ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) [التوبة:31].‏
    وقد روى الترمذي والبيهقي والطبراني في الكبير ، واللفظ له ، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: "يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك" فطرحته فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) حتى فرغ منها فقلت: إنا لسنا نعبدهم فقال "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه" قلت بلى. قال "فتلك عبادتهم". والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
    وقال تعالى في شأن اتباع المشركين في تحليل الميتة: ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) ‏‏[الأنعام:121].‏

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,868

    افتراضي رد: الفرق بين الطاعة والعبادة

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾: وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً ـ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله ـ
    يكونون على وجهين:

    أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل؛ فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل؛ فهذا كفر. وقد جعله الله ورسوله شركاً وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم؛ فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله؛ مشركاً مثل هؤلاء.
    الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحليل الحلال وتحريم الحرام ثابتاً لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب”.
    ***
    تعريف شرك الطاعة بأنه: مساواة غير الله بالله في التشريع والحكم. أو طاعة العلماء والأمراء في المعصية، مع استحلال ذلك؛ فكل من أطاع مخلوقا في تحريم الحلال، أو تحليل الحرام؛ فهو مشرك شرك طاعة. يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: إن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم
    ***
    خلاصة القول في ضابط شرك الطاعة والاتباع أن يقال : المشرك في الطاعة هو كل من أطاع مخلوقاً في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله عز وجل، عالماً بذلك

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,868

    افتراضي رد: الفرق بين الطاعة والعبادة

    متى تكون طاعة المخلوق شركاً أكبر
    السؤال
    متى تكون طاعة المخلوق شركاً أكبر ؟
    الجواب
    تكون طاعة المخلوق شركاً في حالات
    منها إذا أطاعه في أمر يحلّ به حراماً ، أو يحرم حلالاً ، أو أنّ المخلوق شرع نظاماً ، أوسن قانوناً ، يخالف شرع الله ، واعتقد المتّبع أن هذا التشريع أكمل من شرع الله وأصلح ، أو أنه مثل شرع الله أو أنّ شرع الله أفضل ولكن يجوز العمل بهذا الشّرع البشري ، والدليل على ذلك : قول الله تعالى : ( اتخذوا أحبـارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) قال عدي بن حاتم : يا رسول الله لسنا نعبدهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أليس يحلون لكم ما حرّم الله فتحلونه ، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه ؟ ) قال : بلى . قال النبي صلى الله عليه وسلم ( فتلك عبادتهم ) ،
    فصارت طاعة النصارى لأحبارهم في المعصية واعتقاد التحليل والتحريم لأجل كلامهم عبادة لغير الله ، وهو من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد ، وأما بالنسبة لسؤالك فإن كان المطيع لوالديه في المعصية يعتقد أنها معصية وإنما يفعل ما يفعل لهوى نفسه أو خوفا من عقاب والديه ولم يصل إلى درجة الإكراه فهو عاص آثم مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . " رواه الإمام أحمد 1041 وهو حديث صحيح ، ولكنه لا يكون مشركا شركا أكبر وأما إذا كان الولد يعتقد أنّ كلام والديه يحلّ ما حرّم الله ويحرّم ما أحلّ الله فإنه يكون مشركا شركا أكبر ، وينبغي على المسلم أن يجاهد نفسه ليكون هواه موافقا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأن يقدّم طاعة الله ورسوله على طاعة كلّ أحد ، وأن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . " رواه البخاري 63 ، والله الهادي إلى سواء السبيل .
    المصدر الاسلام سؤال وجواب

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,868

    افتراضي رد: الفرق بين الطاعة والعبادة

    معنى توحيد الطاعة والإنقياد
    وهو إفراد الله تعالى بالطاعة والانقياد ، وذلك بتحكيم شرعه ، والقبول التام لكل ماجاء به نبيه صلى الله عليه وسلم ، والكفر بما يتنافي مع ذلك من الأهواء البشرية والمذاهب الوضيعة ،
    فإن من تفرد بخلق هذا الإنسان تفرد بحق هدايته وتوجيه الخطاب الملزم إليه ،
    فلا حلال إلا ما أحله ، ولا حرام إلا ما حرمه ،
    ولا واجب إلا ما أوجبه ،
    ولا دين إلا ما شرعه .
    * قال تعالى : ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ( يوسف:40 ).
    فدعا إلى إفراد الله بالحكم ،
    وبين أن ذلك من إفراده تعالى بالعبادة ،
    وأن هذا هو الدين القيم الذي لا يعلمه كثير من الناس ، فليس لأحد كائنًا من كان أن يعقب على حكمه ، ولا أن يشرك به في طاعته .

    *وقال تعالى : ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم ) فنعى تعالى على الذين لا يتبعون ما شرع الله لنبيه صلى الله عليه وسلم من الدين القيم ، بل يتبعون ما شرع شياطينهم وطواغيتهم من تحريم الحلال وتحليل الحرام وغيره مما كانو قد اخترعوه في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة ،
    وبين أنه لولا ما تقدم من الإنظار إلى المعـاد لعوجلوا بالعقوبة ، وفي الآية إشارة ظاهرة إلى أن التحليل والتحريم بغير سلطان من الله إشراك بالله .
    ولقد ظل هذا المعنى بدهيا في حس الأجيال السابقة ،
    فلم يحفظ التاريخ خلافًا يذكر حول تفرد الله جل وعلى بالحكم ، وانعدام المشروعية عن كل قول أو فعل ترده النصوص الشـرعية
    ، وأن من ترك الشـرع المحكم المنـزل على محمد ، وتحاكم إلى غيره ولو إلى شريعة منسوخة فإنه يكون قد حاد الله وروسوله وخلع بذلك ربقة الإسلام من عنقه ؛
    لأنه يكون بذلك قد جعل لله ندًا في الطاعة والاتباع **!
    ولكن غاشية الفتن المعاصرة كادت أن تطمس جلاء هذه الحقيـقة الناصعة فارتاب فيهـا المرتابـون ، وأصبح الناس فيها فريقين يختصمون ،
    لا خلاف يذكر على أن من التزم الحكم بشرائع الإسلام في الجملة ، فكانت هي مرجعه الدائم الذي يرجع إليه في كل أمر ، ويحتكم إليه في كل قضية ،
    ثم زلت به القدم في موقف عارض
    ، فحكم فيه بغير ما أنزل الله ميـلا مع الهوى لشهوة أو لقرابة أو غير ذلك فإنه لا يخرج بذلك من الملة إلا بالاستحـلال أو الجحود ،
    وأن فعله هذا يلتحق بسائر الكبائر وإن كان من أعتاها وأغلظها، وإلى هذه الصورة وأشباههـا ترجع عبارات السلف : كفر دون كفر - ليس بالكفر الذي تذهبون إليه - كفر لا ينقل من الملة ...إلخ هذه العبارات التي أثرت عن كثير منهم عند تفسير قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هو الكافرون ) ( المائدة: 44 )
    وإنما وقع الالتباس مؤخرا في ظاهرة الامتناع عن التزام الحكم بشرائع الإسلام والتحاكم ابتـداء في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله ،
    ورد مرجعيـة الشريعة في عـلاقة الدين بالدولة ، وهي الصورة التي وفدت إلى بلاد الإسلام في ركاب المستعمر ، وينظر لها باسم العلمـانية والفصـل بين الدين والدولة ،
    الفرق بين الانحراف العارض عن الحكم بما أنزل الله وبين العلمانية
    * أن الحجة القاطعة والحَكَم الأعلى في الصورة الأولى هو الله عز وجل ، فلا حلال إلا ما أحـله ، ولا حرام إلا ما حرمه ، ولا دين إلا ما شرعه ، ولا سيادة إلا لكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فإذا مـا أشكل على الولاة أمر رجعوا إلى المأثور من أقوال الصحابة والتابعين ، أو إلى الراجح من فقه أبي حنـيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من الفقهاء ، ليتعرفوا على حكم الله فيما عرض لهم ، وأما مـا يحدث من خلل فهو انحراف عارض في أمور جزئية ، لا تبدل فيه الشرائع ، ولا تغير فيه القواعد الكليـة ، فالأصل في هذه الصورة أن الولاة خاضعون لحكم الله عز وجل فهو دينهم الذي به يدينون ، وقانونهم الذي به يقضون وإليه يحتكمون .
    أما الحَكَم الأعلى في الصورة الثانية التى لا ترجـع إلى هدى ولا كتاب منير ، بل محض الهوى ومايوحى الشيطان إلى أوليائه من ضلالات وأباطيـل يسمونها نظمًا وتشريعات وقوانين! فإذا ما أشكـل على الولاة أمر رجـعوا فيه إلى المذكرات التفسيرية لهـذه الشرائع والوافدة ، أو إلى الراجح في الفقه الفرنسي أو الألماني أو الإيطالي ليستلهموا من خلاله الحكم في محل النزاع فالولاة في ظل هذه الصورة قد ردوا مرجعيـة الشريـعة في علاقة الدين بالدولة ، وخلعوا ربقة الأحكـام الشرعية في كل ما يتصل بشؤون الحياة العامة .
    * أن تحرى مقصود الشارع هو معيار العدل والإصابة في الصورة الأولى ، أما معيار العدل والإصابة في الصور الثانية فإنه يتمثل في مدى موافقته للقوانين الوضعية الوافدة نصًا وروحًا بحيث يعد الحكم بما أنزل الله في ظل هذه الصورة نقضًا للعهد ، وهتكًا للمواثيق ، وخروجـًا على الأعراف القضائية السائدة ، بل جريمة جنائية تستوجب تقديم صاحبها إلى محكمة الجنـايات !
    فلو أن قاضيا في ظل العلمانية حكم بقطع يد سارق أو برجم زان
    فإنه يكون قد حكم بما يخالف الصواب ،
    وخرج على مقتضى القانون الواجب الاتباع ،
    فينقض حكمه ،
    وينظر في أمره ليجرى عليه ما يستحقه من جزاءات وعقوبات ،
    أما الذين يسعون في تنفيذ مثل هذا الحكم فإنهم يقدمون هم ومن أعانهم على ذلك إلى محاكمة جنائية بتهمة إحداث عاهة مستديمة! أو بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد !
    ومـا ذلك إلا لأن القانون لا يقر هذه العقوبات ،
    ولا يعترف بهذه التشريعات ،
    فهذا فارق جوهـري لا بد أن ينتـبه إليه ،
    فحكم الله في الصورة الأولى هو الحـق والصواب ،
    أما في الصورة الثانية فهو منكر أو جريمـة تستوجب العقاب !

    أن الحجة القاطعة والحكم الأعلى هو الشرع لا غير ، فلا حلال إلا ما أحله الله ورسوله ، ولا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ، ولا دين إلا ماشرعه الله ورسـوله ، وأن من أحل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه ، أو بدل الشرع المجمع عليه ، أو امتـنع عن التـزام الحكم به والتحاكم إليه كان مارقا من الإسلام باتفاق المسلمين .

    أن الخلق والأمر من أخص خصائص الربوبية وأجمـع صفاتها كما قال تعالى : ( ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) ( الأعراف : 54 ) ولهذا أجاب بهما موسى عليه السلام في مقام المحاجـة مع فرعون عندما ابتدره سائلاً : ( قال : فمن ربكما يا موسى ) ( طه : 49) فكان جواب الكليم عليه السلام : ( ربنا الذي أعطى كل شيء ثم هدى ) ( طه : 50 ) ومن قبل ذلك قال الخليل إبراهيم عليه السلام في وصفه لربه ( الذي خلقنى فهو يهدين ) ( الشعراء : 78) ومن بعد ذلك أُمر محمد صلى الله عليه وسلـم أن يسبح باسم ربه الأعلى الذي تفرد بهذين الوصفين ، فقال تعالى : ( سبح اسم ربك الأعلى ، الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى ) ( الأعلى : 1-3 ) .

    والأمر في لغة الشارع يأتي بمعنيين :

    الأول : الأمر الكوني ، وهو الذي به يدبر شؤون المخلوقات ، وبه يقول للشيء : كن فيكون ، ومنه قوله تعالى : ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) ( يس : 82 ) وقوله تعالى : ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) ( القمر 50 ) .

    الثاني : الأمر الشرعي ، وهو الذي به يفصّل الحلال والحـرام والأمر والنهي وسائر الشرائع ، ومنه قوله تعالى : ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) ( السجدة : 24 ) .

    وإذا كانت البشرية لم تعرف في تاريخها من نازع الله في عموم الخلق أو الأمر بمفهومه الكوني ، فقد حفـل تاريخها بمن نازع الله في جانب الأمر الشرعي وادعى مشاركته فيه ، فقد حكى لنا القرآن الكريم عمن قال ( سأنزل مثل ما أنزل الله ) ( الأنعام :93 ) ومن قال: ( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) ( غافر : 29 ) ورأينا في واقعنا المعاصر من ينظرون للعلمانية ، ويدينون بالفصل بين الدين والدولة ! بل من اجترأ على ربه وقال : إن القوانين الوضعية خير من الشريعة الإسلامية ، لأن الأولى تمثل الحضارة والمدنية والثانية تمثل البداوة والرجعية !
    ولا يتحقق توحيد الربوبية إلا بإفراد الله جل وعلا بالخلق والأمر بقسميه : الكوني والشرعي ، وإفراده بالأمر الشرعي يقتضي الإقرار له وحد باالسيادة العليا والتشريع المطلق ، فلا حلال إلا ما أحله ، ولا حرام إلا ما حرمه ، ولا دين إلا ما شرعه ، ومن سوغ للناس اتباع شريعة غير شريعته فهو كافر مشرك .
    فالعلمانية وما تعنيه من رد مرجعية الشريعة ، وادعاء الحق في إصدار أحكام عـامة ملزمة على سبيل الإيجاب أو التخيير أو الوضع على خلاف أمر الله ورسوله ، يعد منازعة لله في ربوبيته وألوهيته ، وعملاً من أعمال الشرك الأكبر بلا نـزاع ؛ إذ لا فرق بين من ينازع الله في صفة الخلق ، ومن ينازعه في صفة الأمر ، فكلاهما طاغوت مشرك متمرد على مقام العبودية ، منتهك لحرم الربوبية والألوهية .
    وقد كانت ربوبية الأحبار والرهبان في بني إسرائيل من هذا القبيل ، فقد أحلوا حرام الله وحرمـوا حلاله ، فتابعهم الناس على ذلك ، فلم تكن الربوبية فيهم في جانب الخلق أو الأمر الكوني ، بل كانت في جانب الهداية والأمر الشرعي .
    عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ : ( اتخذو أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ...) ( التوبة : 31 ) فقلت : إنا لسنا نعبدهم . قال : [ أليس يحرمون ما أحـل الله فتحـرمونه ، ويحلون ما حرم الله فتحلونه ؟] فقلت : بلى . قال : " فتلك عبادتهم " ( رواه أحمد والترمذي ) .

    فحقيقة الإقرار بالربوبية لا تتمثل في إفراد الله جل وعـلا بالخلق والتدبر الكوني فحسب ، بل تمـتد لتشمل إفراده تعالى بالأمر والقضاء الشرعي ، وقبول ما جاء به رسوله صلى الله علـيه وسلم من الهـدي والشرائع ، وذلك لأن المنازعة في الأمر الشرعي كالمنازعة في الأمر الكوني ولا فرق ، فإن الذي أوجب الرضا بقدره هو الذي أوجب التحاكم إلى شرعه ، وهو القائل : ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ) ( يوسف : 40) والقائل : ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ( الشورى : 21 ) .
    أما كون العلمانية شركاً في التوحيد في جانب الألوهية فلما تمهد من أن الإله هو المألوه المعبـود الذي يستحق العبادة بكمال المحبة وكمال الطاعة ، وأن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، ففي الحديث المتفق على صحته قوله صلى الله عليه وسلم : ( حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً

    وقد تمهد فيما سبق أن توحيد العبادة ينتظم جانبين رئيسيين : توحيـد الإرادة والقصد ، وتوحيد الطـاعة والاتباع .
    - أما توحيد الإرادة والقصد فيراد به إفراد الله بالشعائر التعبدية كالصلاة والحج والدعاء والنـذر والذبح ونحوه .
    - وأما توحيد الطاعة والاتباع فيراد به إفراد الله بكمال الخضوع والطاعة ، وإخراج المكـلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لمولاه ، وذلك بتحكيم شرعه وحـده ، والقبول التام لكل ما جاء به نبيه صلى الله عليه وسلم ، والبراءة من كل ما يتنافى مع ذلك من الأهواء البشرية .
    وإلى هذين الجانبين يشير قوله تعالى في سورة الأنعام : ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) ( الأنعام : 161 ، 162 ، 163 ) .
    فالآية الأولى تشير إلى توحيد الطاعة والاتباع ، فلا يتلقى الهدى إلا من الله ، والآيتـان اللتان بعدها تشيران إلى توحيد الإرادة والقصد ، فلا يتوجه بالأعمال إلى الله .
    فالانقياد لله عز وجل والتزام طاعته هو أحد ركني العبادة ، فمن زعم حب الله عـز وجل وتصديقـه ولكنه رفض الطاعة له أو الانقياد لأمره واختار لنفسه طريقاً آخر مضاداً للصراط المستقيم الذي شرعه الله وأمر باتباعه واتخذ ذلك منهجاً ثابتاً وديدناً مضطرداً يوالي عليه ويعادي عليه فقد ضاد الله في أمره وجعـل نفسه نداً للذي خلقه .
    قال تعالى : ( ولا تأكلوا مما لم يذكـر اسم الله عليـه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) ( الأنعام : 121) .

    - وقد روى الحافظ ابن كثير عن سعيد بن جبير قال : خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : نأكل مما قلنا ولا نأكل مما قتل الله ؟! فأنزل الله هذه الآية .
    - وروى أيضاً عن ابن عباس قال : لما نزلت ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) أرسلت فـارس إلى قريش أن خاصموا محمداً وقولوا له : فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حـلال ، وما ذبح الله عـز وجل بشمشير من ذهب يعني الميتة فهو حـرام ؟! فنزلت هـذه الآية : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهـم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) ( الأنعام : 121 ) .
    - قال ابن كثير : ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) أي : حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشـرعه إلى قول غيره فقدمتم غيره عليه فهذا هو الشرك كقوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) ( التوبة : 31 ) .
    والمقصود في هذا المقام أن الله عز وجل قد جعل عدولهم إلى غير شريعة الله يعد إشراكاً بالله .






  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,868

    افتراضي رد: الفرق بين الطاعة والعبادة

    لا يخفى أن الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو المدخل إلى الإسلام ، فإن الشهادة لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة هما أول واجب على المكلف ، وأول ما يخاطب به الناس عند الدعوة إلى الإسلام ، كما قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمن : [ إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ...] الحديث .

    وحقيقة الإيمان بنبوته يتمثل في تصديق خبره جملة وعلى الغيب ، والتزام هديه جملة وعلى الغيب ، فما آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وما ارتضى نبوته من كذب بخبره أو رد عليه شرعه ، لأن حقيقة الإيمـان هي التصديق والانقياد ومن لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر بالله العظيم .

    يقول ابن القيم رحمه الله : ( وأما الرضا بنبيه رسولا : فيتضمن كمال الانقياد له والتسلم المطلق إليه ، بحيث يكون أولى به من نفسه ، فلا يتلقى الهدي إلا من مواقع كلماته ، ولا يحاكم إلا إليه ، ولا يحكم عليه غيره ، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة ، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاـله ، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته ، ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه . لا يرضى في ذلك بحكم غيره ، ولا يرضى إلا بحكمه ) ( مدارج السالكين 2/172 ) .

    وقال تعـالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) ( النساء : 65 ) قال ابن كثير رحمه الله : ( يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور ، فما حكـم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً ، ولهذا قال : ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما ) أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به ، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة كما ورد في الحديث : [ والذي نفـسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ] ( تفسير ابن كثير 1/520 ) .

    ويقول الجصاص رحمه الله : ( وفي هـذه الآية دلالة على أن من رد شيئاً من أوامر الله تعـالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام ، سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم ، وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتـنع من أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم ، لأن الله تعـالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم قضـاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان ) ( أحكام القرآن للجصاص 3/181 ) .

    فأين هذا من ترك التحاكم إلى شريعته ابتداء ، واتهامها بالبداوة والرجعية ؟ أو الجمود وعدم الصلاحية للتطبيق ؟

    لقد نهى الصحابة في القرآن عن أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته صلى الله عليه وسلم ، وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض ، وجعل من هذا الفعل - الذي قد يبدو يسـيراً - سبباً لحبوط الأعمـال ، وسبيلاً قاصداً إلى الردة عن الإسلام ، فقال تعـالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) ( الحجرات : 2 ) .

    يقول ابن القيم رحمه الله : ( فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سبباً لحبوط أعمالهم ، فكيف تقـديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه ؟ أليس هذا اولى أن يكـون محبطاً لأعمالهم ؟ ) ( أعلام الموقعين لابن القيم1/51 ) .

    قلت : فكيف إذا كان الأمر إهداراً لشريعته ، واجتراء على هديه ، ورداً لسنته ، ونبذاً لما جاء به من شرائع الإسلام بالكلية ؟!!

    من أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ، وأن أصله تصديق الخبر والإاقياد للأمر ، وأن من لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر بالله العظيم .

    فلا يثبت عقد الإيمان بمجرد التصديق الخبري ، بل لا بد من التكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، ولهذا لما جاء نفر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: ( نشهد إنك لرسول ) لم يكونوا مسلمين بذلك لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم فحسب ، أي نعلم ونجـزم أنك رسول الله ، قال : " فلم لا تتبعوني " ، قالوا : نخاف يهود !

    يقول ابن القيم رحمه الله : ( ونحن نقول : الإيمان هو التصديق ، ولكن ليس التصديق مجـرد اعتقـاد صدق المخبر دون الانقياد له ، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيماناً لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمداً رسول الله صلى الله وسلم كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين ، فالتصديق إنما يتم بأمرين : أحدهما : اعتقاد الصدق ، والثاني : محبة القلب وانقياده ) ( الصلاة لابن القيم 19 - 20 ) .

    ويقول القسطلاني في تعريف الإيمان : ( وهو لغة التصديق ، وهو كما قال التفتازاني : إذعـان لحكم المخبر وقبوله ، فليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة التصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعـان وقبول ، بل هو إذعان وقبول لذلك بجيث يقع عليه اسم التسليم ) ( ارشاد الساري 1/82 ) .

    ولا يخفى أن العلمانية بردّها لشريعة الله ، وامتناعها عن قبول ما أنزل الله قد أسقطت ركن الانقياد من حقيقة الإيمان ، فتكون نقضاً للإيمان المجمل الذي لا تثبت صفة الإسلام إلا باستيفائه ، ولا يبقى معهـا من الإيمان - إن بقيت على ادعائه - إلا التصديق الخبري المحض كالذي كان مع أحبار اليهود الذين شهـدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة لما أجابهم عن أسئلتهم بما يعلمون من كتبهم فقال لهم صـلى الله عليه وسلم : [ فما يمنعكم من اتباعي ؟] قالوا : نخاف قومنا يهود !

    أو الذي كان مع هرقل الذي أعلن تعظيمه للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن امتنع عن اتبـاعه خشية على ملكه .

    أو الذي كان مع أبي طالب الذي أعلن بأن دين محمد من خير أديان البرية ، والذي ظل عمـره كله يحوط رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنعه ، ولكن امتنع عن اتباعه خشية الملامة ومسبة العرب له بأن استه تعلو رأسه !!

    وإننا لو أثبتنا إيماناً أو صححنا توحيداً لمن كان حظه من الشرائع السماوية مجرد اعتقاد صدقها وأنها منزلة من عند الله لحكمنا بإيمان أغلب من في الأرض !!

    ذلك أن آيات الله مبصرة فلا يملك القلب البشري تجاههـا إلا الإذعان والتسليم لا سيما إذا ما عرضت خالية من التشويه والتحريف ، ولكن يختلف الناس بعد ذلك في الموقف العملي : أهو الإخبات والطاعة ؟ أم الإباء والاستكبار ؟!
    فالإيمان - - ليس مجرد التصديق ، ولكنه الإقرار والطمأنينة وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط ، فأما الأمر فليس فيه تصـديق من حيث هو أمر ، وكـلام الله خبر وأمر، فالخـبر يستوجب تصديق المخبر والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام ، وهو عمل في القلب جماعه الخضـوع والانقيـاد للأمر وإن لم يفعل المأمور به ، فإذا قوبل الخبر بالتصديق والأمر بالانقياد فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهوالطمأنينة والإقرار ، فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينية ، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد .

    إن العلمانية بما تقوم عليه من تبني الكفر بمرجعية الشريعة في علاقة الدين بالحيـاة ، وامتناعها عن الالتزام بشرائع الإسلام ، وإتهامها لمن ينازعهـا في ذلك بالرجعية والتطرف والإرهـاب ... الخ ، تعـد استحلالا للتحـاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله ، وتسويغاً للخروج على شريعـة الإسلام في كل ما يتعلق بشئون الحياة ، وكل ذلك من الكفر الصراح الذي لا يجتمع مع أصل الإسـلام بحال ، فقد اتفقت الأمة على أن استحلال المحرمات القطعية كفر بالإجماع ، لم ينازع في ذلك - فيما نعلم - أحد ،
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :
    ( والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه ، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً ومرتداً باتفاق الفقهاء ، وفي مثـل هذا نزل قول الله تعـالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هو الكافرون ) أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله ( مجموع فتاوى ابن تيمية 3/267 ).

    وإن في الامتناع عن الالتزام بشرائع الإسلام أو بالحكم بها استباحة لما حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن الاستحلال ليس مجرد عدم الاعتقاد بأن الله قد حرم هذا الشيء ، بل يكون أيضـاً مع اعتقاد حرمته وعدم التزام هذا التحريم .

    فللاستحلال صورتان :

    - الأولى : عدم اعتقاد الحرمة ، ومرده حينئذ إلى خلل في الإيمان بالربوبية والرسالة ، ويؤدي إلى كفر التكذيب .

    - الثانية : اعتقاد الحرمة والامتناع عن التزام هذا التحريم ، ومرده في هذه الحالة إما إلى خلل في التصديق بصفة من صفات الشارع جل وعلا كالحكمة والقدرة ، وإما لمجرد التمرد واتباع هوى النفس .
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :
    ( وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق ، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال : اعتقاد أن الله لم يحرمها ، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها ، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبيـة ، ولخلل في الإيمان بالرسـالة ، ويكون جحداً محضاً غير مبني على مقدمة .
    وتارة يعلم أن الله حرمها ، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ، ثم يمتنع عن التزام التحريم ويعاند المحرم فهذا أشد كفراً ممن قبله ، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه ، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمـة الآمر وقدرته فيعود هذا إلى عـدم التصديق بصفة من صفاته ، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لغـرض النفس ، وحقيقته كفـر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ماأخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون ، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه ، ويقول أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق وأنفر عنه فهذا نوع غير النوع الأول ، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ) ( الصارم المسلول لابن تيمية : 521 - 522 ).

    فلا يشترط إذن في الاستحلال أن يكون دينياً ، أي يعتقد حل المحرمات ديناً ، بل يكفي ألا يلتزم بهذا التحريم وإن كان مقراً به لكي يكون مستحلاً كافراً بإجماع الأمة .

    فمن امتنع عن التزام الحكم بشرائع الإسلام ، وتحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله ، وشرع للناس من الأحكام ما لم يأذن به الله فإنه يكون مستجيزاً مخالفة حكم الله ، مستحلاً للحكم بغير ما أنزل الله ، وتكفيره معلوم بالاضطرار من دين الإسلام .

    فالإسلام كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( يتضمن الاستسلام لله وحده ، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً ، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته ، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافـر ، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده ، وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غـيره وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت ) ( مجموع فتاوى ابن تيمية 3/91 ) .



  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,868

    افتراضي رد: الفرق بين الطاعة والعبادة

    ولا شك أن العلمانية بما تتضمنه من رفض الاستسلام لله وحده ، وإعلان الكفر بمرجعية وحيـه في علاقة الدين بالدولة ، ورفض الدخول ابتداء تحت دائرة التكليف فإنها بهذا تكون منازعة لدين الإسلام
    في أصله ، ومناقضة له في أساسه ولبه .

    ولكي تزداد هذه الحقيقة جلاء لا بد أن نتعرف على حقيقة الدين وما يندرج تحته من شرائع وتكليفات ، ذلك أن كثيراً من الناس في هذا العصر يخطىء في فهم حقيـقة الدين الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم ويظنه لا يتجاوز ما يقام فينا من شعائر العبادات ، وما يهتف به الوعاظ والخطباء من الدعوة إلى مكارم الأخلاق ، أما ما وراء ذلك من شئون الحياة فلا علاقة للدين به طبقاً لمقولة : دع ما لقيصر لقيصـر وما لله لله ! أو لمقولة لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين ، ولا يخفى أن من كانوا كذلك إنما يتصورون ديناً آخر ويسمونه الإسلام .

    فالدين هو جملة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله من عقـائد وعبادات وشرائع . كل ذلك داخل في مسمى الدين ، مقصود بقوله تعـالى : ( إن الدين عند الله الإسـلام ) ( آل عمران : 19 ) وقوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( المائدة : 3 ) .

    ولا يخفى أن في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة أحكاماً كثيرة ليست من العبادات ولكنها تدخل فى المعاملات ، كأحكام البيع والربا والرهن والدين والإشهاد وأحكام الزواج والطلاق واللعـان والظهـار والحجر على الأيتام والوصايا والمواريث وأحكام القصاص والدية وقطع يد السارق وجلد الزاني وقذف المحصنات وجزاء الساعي في الأرض فساداً .. بل في القرآن آيات حربية و ... الخ. وهذا يدلنـا على أن من يدعو إلى العلمانية أو إلى فصل الدين عن السياسة إنما تصور ديناً آخر وسماه الإسلام .

    هذا ولا يخلو حال الداعين إلى هذه النحلة من أحد أمرين :
    - إما أن ينكروا كل هذا الحشد الهائل من الأحكام ، ويكذبوا بما جاء فيها من الآيات والأحاديث ، وحكم هؤلاء معلوم بالضرورة من الدين .

    - وإما أن يقروا بوجود هذه الأحكام في الكتاب والسنة ، وينكروا صلاحيتهـا للتطبيق وكفالتهـا بالمصالح في هذا العصر ، وفي هذا المسلك من الزندقة والكفر ما فيه فإن عيب هذه التشريعـات عيـب للمشرع جل في علاه وقد استحق إبليس لعنة الخلد ونار الأبد لأنه رد على الله حكماً واحداً من أحكامه ، فكيف بمن رد على الله أحكامه كافة متهماً لها بعـدم الصلاحية ، ويعد الدعوة إلى تطبيقها لوناً من ألوان الردة الحضارية ؟!!

    لقد عرفت الأمة من قبل - ولا تزال - خلافات فقهية كثيرة تمحورت إلى أربعة مذاهب رئيسية عدا ما اندثر من المذاهب الأخرى ، كما عرفت خلافات عقائدية كثيرة تمحورت إلى قرابة ثلاث وسبعين فرقة وقفت على رأسها الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وبقي من عداهم من أهل الوعيد .

    إلا أن هذه المذاهب وتلك الفرق قد التقت في الجملة على أصل الإيمان بالله ورسوله ، واتفقت على الإقرار المجمل بالتوحيد والرسالة ، فاعتقدوا جميعاً بتفرد الله وحده بالخلق والأمر ، ودانوا جميعاً بأن الحجة القاطعة والحكم الأعلى هو الوحي المعصوم ، وكل ما نشأ بينهم بعد ذلك من الاختلافات فقد كان داخل هذا الإطار فالطاعة للتكليف واتباع النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن موضع مماراة من أحد منهم ، ولهذا صح وصف هذه الفرق بأنها فرق إسلامية .

    أما منازعة العلمانيين اليوم فهي منازعة في أصل الدين ، ومشاقة بينة لله ولرسوله وللمؤمنين ، إنهـم يجادلون في حجيـة الوحي الأعلى المعصوم ، وينازعون في مبدأ الدخول في دائرة التكليف ، ويكفـرون بصلاحية الشريعة كل الشريعة للتطبيق . . إنها ثورة على الإسلام ... وانقلاب ضد النبوة

    لقد جعل الله الكفر بالطاغوت قسيم الإيمان بالله ، وتعبد أولياءه بالكفر بالطاغوت واجتنابه في مواضع شتى من القرآن الكريم .
    فقال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) ( النحل : 36 ) .
    وقال تعالى : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام له والله سميع عليم ) ( البقرة : 256 ).
    وبين أن ادعاء الإيمان لا يصح مع إرادة التحاكم إلى الطـاغوت ، فقال تعـالى: ( ألم ترَ إلى الـذين
    يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطـاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ) ( النساء : 60 ) .
    وتمدح الذين اجتنبوا الطاغوت ، وجعل لهم البشرى في كتابه الكريم فقال تعـالى : ( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد ) ( الزمر : 17 ) .
    والطاغوت هو ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع ، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله : ( الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع ، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله ، أو يعبدونه من دون الله ، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله ، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله ) ( أعلام الموقعين 1/52 ) .
    والعلمانية بما تعنيه من رفض الدخول في إطار التكليف ، وخلع ربقة العبودية فيما يتعلق بأمور الدولة وسائر أمور الحياة العامة ، وتعبيد أتباعها للأهواء المجردة ، وعقد الولاء والبراء على ذلك لا شك أنها من أظهر أنواع الطواغيت التي أمرنا بالكفر بها واجتنابها .
    لقد تمهد - كما سبق - في محكمـات الأدلة أن توحيد الألوهيـة يقتضي إفراد الله بالطـاعة والانقياد ، وأن الإيمان المجمل هو التصديق والانقياد ، وأن الكفر هو عدم الإيمان ، سواء أكان معه تكذيب أو استكبار أو إباء أو إعراض ، وأن من لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر
    وعلى هذا يمكن تفصيل القول في قضية الحكم بغير ما أنزل الله ، ذلك أن تعبير الحكم بغير ما أنزل الله ، قد يقصد به عمل القضاة والمنفذين ، وقد يقصد به عمل الأصوليين المشرعين ، وعلى حسب الـدقة في تحديد المناط تكون الدقة في سلامة الحكم وموافقته لمراد الشارع :
    * فإن قُصد به عمل القضاة والمنفذين نظر : فإن كان مرده إلى تكذيب الحكم الشـرعي أو رده فهو كفر أكبر يخرج من الملة ، وإن كان مرده إلى عارض من هوى أو رشوة أو نحوه مع بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنة أو ما حمل عليهما بطريق الاجتهاد فهو من جنس الذنوب والمعاصي ، وأصحابه في مشـيئة الله إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم .
    وهذه هي صورة الحكم بغير ما أنزل الله ، التي عرفت في تاريخ الإسـلام ، والتي قال فيها علمـاء الإسلام ما قالوا وفصلوا فيها من الأحكام ما فصلوا ، إذ لم تعرف الدولة في تاريخها الطويل نبذا كامـلاً لأحكام الله واطراحاً مجملاً لشريعة الله ، وتحاكماً من حيث المبدأ إلى كتاب غير القـرآن وإلى دين غـير الإسلام . اللهم إلا مرة واحدة في أيام التتار ولقد جزم أهل العلم يومها أن هذه الصورة المستحـدثة لا تكييف لها إلا الكفر ، وأن أصحابها كفار بلا خلاف وأنه يجب قتالهم حتى يرجعوا إلى حكم الله ورسوله .
    قال ابن كثير رحمه الله عما كان يحكم به التتار من السياسات الملكية ( فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير ) ( تفسير ابن كثير : 2/67 ) .
    ويقول في البداية والنهاية : ( فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر ، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه ، من فعل فقد كفر بإجماع المسلمين ) ( البداية والنهاية لابن كثير : 13/119 ) .
    * أما إن قصد به المعنى الأصولي التشريعي الذي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين على سبيل الاقتضاء أو التخيير أو الوضع ، وأريد به اصدار قواعد تشريعية عامة تبدل بها شرائع الإسلام وتكون لها السيادة في الأمة بدلاً من سيادة الكتاب والسنة وتصبح هي المرجع في الحكم عند التنازع ، ويقدم العمل
    بها على العمل بأحكام الشريعة المطهرة فلا جدال في أن هذه الصورة مناط واحد وتكييف واحد وهـو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا تبقى معه من الإيمان حبة خردل ، كما قال تعالى : ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ( الشورى : 21 ) .
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ( والإنسان متى حلل الحرام الممجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء ) ( مجموع فتاوى ابن تيمية : 3/267 ) .
    وقد سبق قول ابن كثير : ( فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر ، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين ) .
    ولقد أدى اللبس في هذه القضية وعدم تحديد مناطات الحكم في صوره المختلفة إلى اضطراب مما أتاح للمبطلين أن يجدوا من بـين فرجات اختلافهم مدخلاً لهم يلبسون به على العامة ، ويسبغون به الشرعية على هذه العلمانية الغازية التي تقـوم على رد شرائع الإسلام ، واستباحة الحكم بغير ما أنزل الله ، وإهدار سيادة الشريعة الإسلامية ، وحمـل الأمة كلها على تحكيم القوانين الوضعية وذلك بإشاعة القول بأن الكفر الوارد في قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) هو الكفر الأصغر الذي لا ينقل عن الملة ، ويسوقون في ذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين في بيان أنه كفر دون كفر ، وليس كمن كفر بالله وملائكته ، فنصبح بذلك أمام خلل جزئي أو انحراف فروعي لا يبرر انعدام الشرعية ولا سقوط واجب الطاعة .
    ولقد نبه الشيخ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على الطبري إلى هذا الخلل وفصل القول في مثـل هذه الآثار عند تعليقه على ما أورده الطبري في تفسير قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئـك

    هم الكافرون ) من قول أبي مجلز وهو تابعي ثقة لمن سأله من الإباضية عن معنى هـذه الآية وأرادوا أن يلزموه الحجة في تكفير الأمراء لأنهم في معسكر السلطان ، ولأنهم ربما ارتكبوا بعض ما نهاهـم الله عن ارتكابه فأجابهم أبو مجلز بقوله : (إنهم يعملون بما يعملون - يعنى الأمراء - ويعلمـون أنه ذنب ! قال : بينما أنزلت هذه الآية في اليهود والنصارى ، قالوا : أما والله إنك لتعلم مثل ما نعلم ، ولكنك تخشاهم ! قال : أنتم أحق بذلك منا ، أما نحن فلا نعرف ما تعرفون ! قالوا : ولكنكم تـعرفونه ولكن يمنعكـم أن تمضوا أمركم من خشيتهم ! ) ( تفسير الطبري 6/252 ، 253 ) .
    ويقول الشيخ محمود شاكر رحمه الله : تعليقاً على ذلك ( فلم يكن سؤالهم عما احتـج به مبتـدعة زماننا ، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام ، ولا في إصـدار قانون ملزم لأهل الإسلام ، بالاحتكام إلى حكم غير الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ، ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفـر على حكم الله سبحـانه وتعالى ، وهذا كفر لا يشك أحد من اهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه .
    والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء ، وإيثار حكم غـير حكمه في كتابه وسنة نبيه ، وتعطيل لكل ما في شريعة الله ، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة ، وإدعاء المحتجين بذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا ، ولعـلل وأسباب انقضت فسقطت الأحكام كلها بانقضائها .
    فأين هذا مما بيناه من حديث أبي مجلز ، والنفر من الإباضية من بني عمرو بن سدوس !! ( راجع تفسير الطبري بتحقيق أحمد شاكر 10/349 ) .
    ويقول في موضع آخر : ( لو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز ، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة، فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكم حكماً وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها ، هذه واحدة ، وأخرى أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها ، فإنه إما أن يكـون حكم بها وهو جاهل ، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة ، وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية فهذا ذنب تناله التوبة وتلحقه المغفرة ، وإما أن يكون حكم به متأولاً حكماً يخالفه به سائر العلماء فهذا حكمه حكم كل متأول يستمد تأويله من الإقرار بنص الكتاب ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإما أن يكون في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر ، جاحداً لحكم من أحكام الشريعة ، أو مؤثراً لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام، فذلك لم يكن قط فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه .
    فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابهما ، وصرفهما إلى غير معناهما رغبة في نصرة سلطان ، أو احتيالاً على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده ، فحكمه في الشريعة حكم الجاحد بحكم من أحكام الله : أن يستتاب ، فإن أصر وكابر وجحد حكم الله ، ورضي بتبديل الأحكام فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين ) ( تفسير الطبري بتحقيق محمود شاكر : 10/358 ) .
    والذي نخلص إليه من ذلك كله أن قول بعض السلف كفر دون كفر في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط العلمانية التي ترد مرجعية الشريعة ، وتهدر سيادتها في عـلاقة الدين بالدولة وتجعـل من التحاكم إليها خروجاً على الشرعية وسبباً قاطعاً من أسباب بطلان الحكم ونقضه !
    : شبهة وجوابها
    ولكن تبقى بعد ذلك شبهة ، وهي أن هذه النصوص السابقة إنما هي في قوم رفضوا الدخول في الإسلام من البداية ، وأبوا أن يذعنوا له رغم معرفتهم بأنه حق من عند الله ، أما هؤلاء الممتنعون عن التزام الشرائع أو الحكم بها فقد أعلنوا قبولهم للإسلام في الجملة .
    ويجاب عن هذا بأنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا فرق بين من يدفع جميع ما أنزل الله على عباده ، ومن يدفع شيئاً واحـداً من ذلك ، كما لا فرق بين من يكذب بالقرآن كله ومن يكـذب بسورة واحدة من سوره أو حتى آية واحدة من آياته ، ولا بين من يجحد الإسلام من البداية ومن يجـحد حكـماً واحداً من أحكامه القطعية ، فمن أعلن قبوله للإسلام والتزامه بشرائعه جمـلة ، ثم رد شيئاً من أحـكامه القطعية فقد خرق بذلك قاعدة الخضوع والتزام الطاعة ، وهي التي تمثل إحدى دعامتي التوحيد كما سبق القول .

    ولكن سؤالاً يرد في هذا المقام :

    هل مجرد التحاكم إلى الشرائع الوضعية والتزامها يعد خلعاً للربقة وتحللاً من الالتزام بشرائع الله ؟

    وفي الجواب على هذا تفصيل لا غنى عن ذكره :

    أولاً : لا شك أن الإقدام على نقض أحكام الله وتبـديل شرائعه ، وإحـلال أهواء البشر محلهـا طواعية واختياراً بلا عارض من تأويل أو إكراه ، وحمل الأمة على ذلك بقوة السلطان يعد شركاً بالله العظيم وكفراً بربوبيته وألوهيته .

    ثانياً : أما من توارث ذلك عمن سبقه من الولاة ، ولم يبتدئ جريمة التبديل والفصل بين الدين والدولة فلا يخلوا حاله من صورة من هذه الصور :

    - أن يرضى بهذه العلمانية ، ويعلن التزامه بها ، ويسعى للتمكين لها ، ويعقد ولاءه وبراءه عليها ، فهذا لا شك في كفره ، لأن الرضا بالكفر والتزامه كفر بالاتفاق .

    - أن يعلن الكفر بها والعزم على تغييرها ، ويتخذ بهذا الصدد خطوات حقيقة تبين صدقه في دعـواه ، فهذا قد برئ من الرضا والمتابعة ،
    - ومن الناس من يروغ في مواقفه ، فلا يعلن صريح الرضا والمتابعة ، ولا صريح الانخلاع والبراءة وإنما تتذبذب مواقفه بين الفريقين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فهذا هو النفاق الذي ما فتئت تواجهـه الدعوات على مدار التاريخ ، وعلى الأمة أن تتابع مواقفه ، وأن تلجئه إلى التزام أحد المنهجين لتفوت عليه ما يريده من الخداع والتلبيس ، فإذا ما أظهر نفاقه بيقين فقد زالت شرعيته وسقطت طاعته .
    والحق أن هذا الموقف الأخير هو أخطر ما يواجه الدعوة إلى إقامة الدين في هذا العصر ؛ لأنه يجعل الناس في هؤلاء المارقين فئتين :
    - فئة تحسن الظن بأقوالهم فتلقي إليهم السلم ، وتشايعهم بالقول والعمل ، وتتهم الآخرين بالغـلو والشطط !
    - وفئة أخرى حاكمت أقوالهم إلى أعمالهم ، فتبين لها كذب المقالات وزيف الشعارات ، فلم تقم لها وزناً وحكمت عليهم بما أسفر عنه استقراء واقعهم ورصد حقيقتهم .
    وإن المعركة الحقيقية في مثل هذه المواقع لا بد أن تكون على محورين :
    - الأول : بيان حقيقة التوحيد وتبليغها للكافة حتى يستفيض العلم بتحكيم الشريعة ، وأن العلمانية والإسلام نقيضان ، وأن تحكيم القوانين الوضعية لا يجتمع مع أصل الإيمان بحال من الأحوال .

    - الثاني : بيان حقيقة الواقع ورصده بمنتهى الموضوعية والدقة ، حتى يتبين للناس الحقيقة والدعوى في هذه المزاعم والادعاءات .

    ذلك أن من الناس من يجهل حقيقة التوحيد وعلاقته بتحكيم الشريعة ووجوب إفراد الله بالطاعة .



  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,868

    افتراضي رد: الفرق بين الطاعة والعبادة

    بقيت مسألة في غاية الأهمية وهي أن موقف الدعوة من العلمانية موقف عقيدي ثابت ، فالعلمانية والإيمان نقيضان ، وهي من الطواغيت التي تَعبَّد الله عباده بالكفر بهـا واجتنابهـا ، ومهما تفـاوتت اجتهادات الدعاة في أشخاص القائمين عليها من طواغيت البشر فلا علاقة لذلك بالقضية الأصليـة

    وهي رفض هذا المنهج وعدم مشايعة سدنته بقول أو عمل .
    سابعاً : من فتاوى أئمة المسلمين في علمانية التشريع

    * ابن كثير :
    قال عند تفسير قوله تعالى : ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) ( المائدة : 50 ) .

    ( ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير ، الناهي عن كل شر ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات ، وكما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكـيز خان الذي وضع لهم الياسق ، وهو عبـارة عن كتاب أحكام قد اقتبسهـا من شرائع شتى من اليهـودية والنصرانية والملة الإسلامية ، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه ، فصارت في بنيه شرعاً يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة ، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير ) ( تفسير ابن كثير : 2/ 67 ) .

    ويقول في البداية والنهاية : ( فمن ترك الشرع المحكـم المنزل على محمد بن عبـدالله خاتم الأنبـياء ، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر ، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه ؟! من فعـل فقد كفر بإجماع المسلمين ) ( البداية والنهاية : 13/119 ) .

    .

    * ابن تيمية :

    ( والإنسان متى أحل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه ، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء ) ( مجموع فتاوى ابن تيمية : 3/267 ) .

    * محمد بن إبراهيم آل الشيخ :

    ( إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين ).

    ثم أخذ يعدد أنواع الحكم بغير ما أنزل الله التي تخرج من الملة فقال : ( من أعظم ذلك وأظهرها معاندة للشرع ومكـابرة لأحكامه ، ومشـاقة لله ورسوله ، إيجاد المحاكم الوضعية التي مراجعها القانون الوضعي ، كالقانون الفرنسي أو الأمريكي أو البريطاني ، أو غير ذلك من مذاهب الكفار ، وأي كفر فوق هــذا الكفر ؟ وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة ؟ ) ( رسالة تحكيم القوانين : 1 ، 7 ) .

    * عبدالعزيز بن باز :

    ويقول الشيخ عبدالعزيز بن باز في معرض نقده لدعوة القومية العربية : ( إن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمع ولا بد إلى رفض حكم القرآن ، لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن ، فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكاماً وضعية تخالف حكم القرآن حتى يستوى مجتمع القومية في تلك الأحكام ، وقد صرح الكثير منهم بذلك كما سلف ، وهذا هو الفساد العظيم والكـفر المستبين والردة السافرة كما قال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما ) وقال تعالى : ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) وقال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) وقال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) .

    وكل دولة لا تحكم بشرع الله ، ولا تنصاع لحكم الله فهي دولة جاهلية كافرة ظالمة فاسقة بنص هذه الآيات المحكمات يجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله حتى تؤمن بالله وحده وتحكم شريعته كما قال عز وجل : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ، إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ) ( فكرة القومية العربية لصالح العبود /268 ) .

    ويقول في موضع آخر : ( وقد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكم الله ، أو أن غير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر ، كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج على شريعة محمد صلى الله عليه وسلـم أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال ، وبما ذكرناه من الأدلة القرآنية ، وإجماع أهل العلم يعلم السائل وغيره ، أن الذين يدعون إلى الاشتراكية أو إلى الشيوعية أو غيرها من المذاهب الهدامة المناقضة لحكم الإسلام ،كفـار ضلال أكفر من اليهود والنصارى ، لأنهم ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يجوز أن يجعل أحد منهم خطيباً أو إماماً في مسجد من مساجد المسلمين ولا تصح الصلاة خلفهم ، وكل من ساعـدهم على ضلالهم ، وحسَّن ما يدعون إليه وذم دعاة الإسلام ولمزهم ، فهو كافر ضال ، حكمه حكم الطائفة الملحدة ، التي سار في ركابها وأيدها في طلبها ، وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمـين وساعدهم عليهم بأي نوع من انواع المساعدة ، فهو كافر مثلهم ) ( مجموع الفتاوى ومقالات متنوعة 1/274 )

    * محمد الأمين الشنقيطي :
    ويقول الشنقيطي : ( وبهذه النصوص السماوية التي ذكـرنا ، يظهر غاية الظهور أن الذين يتـبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله ، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم ) ( أضواء البيـان للشنقيطي ).
    ويقول في موضع آخر : ( وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض فتحكيـمه كفر بخالق السماوات والأرض ، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف بل يلزم استواؤهما في الميراث ، وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم ، وأن الطلاق ظلم للمرأة ، وأن الرجم والقطع ونحوها أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان ونحو ذلك ، فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السماوات والأرض وتمرد على نظام السمـاء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علواً كبيراً ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ( أضواء البيان للشنقيطي ) .

    * محمد حامد الفقي :
    ذكر في تعليقه علىكتاب فتح المجيد معقباً على كلام ابن كثير في قوله تعـالى : ( أفحكم الجاهلية يبغون ) .. الآية
    ( ومثل هـذا وشر منه من اتخذ كـلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأمـوال ، ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله ولا ينفعه أي اسم تسمى به ، ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها ) ( فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ : 406 ) .

    * أحمد شاكر :
    ( إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس ، هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة ، ولا عذر لأحد ممن ينتسب إلى الإسلام كائناً من كان في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها ، فليحذر امرؤ لنفسه ، وكل امرئ حسيب نفسه ) ( عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير : 4/174) .

    * مصطفى صبري " شيخ الإسلام في الدولة العثمانية " :
    ( فصل الدين عن الدولة ارتداد عن الإسلام من الحكومة أولاً ومن الأمة ثانياً ، إن لم يكن ارتـداد الداخلين في حوزة تلك الحكومة باعتبارهم أفراداً فباعتبارهم جماعة وهو أقصر طريق إلى الكفر من ارتداد الأفراد ، بل إنه يتضمن ارتداد الأفراد أيضاً لقبولهم الطاعة لتلك الحكومة المرتدة ) .

    * محمد الخضر حسين شيخ الأزهر سابقاً :
    ( أما أن تفعل البلاد الإسلامية ما فعلته الدول الغربية من تجريد السياسة من الدين ، فهو رأي لا يصدر إلا ممن يكنّ في صدره أن ليس للدين من سلطان على السياسة ، وهذا ما يبثه فئة يريدون أن ينقضوا حقيقة الإسلام من أطرافها ، حتى تكون بمقدار غيرها من الديانات الروحية التي فصلها أهلها عن السيـاسة ، ثم يصبغوا هذا المقدار بأي صبغة أرادوا فيذهب الإسلام ، فلا القرآن نزل ولا محمد صلى الله عليه وسلم بعث ! ولا الخلفاء الراشدون جاهدوا في الله حق جهاده ! ولا الراسخون في العلم سهروا في تعرف الأصول من مواردها وانتزاع الأحكام من أصولها !) .
    إلى أن يقول : ( فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم الدين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين !! ) ( رسائل الإصلاح لمحمد خضر حسين ) .

    شبهات وجوابها
    * الشبهة الأولى :
    قد يرد على بعض الناس القول بأن العلمانية المعاصرة لم تبتدئ رد الأحكام وتبديل شرائع الإسـلام ، وإنما توارثت ذلك عن علمانية سابقة ، وهي تسعى إلى التغيير .

    والجواب على ذلك في مسألتين :
    - المسألة الأولى : أنه قد علم بالضرورة من دين الإسلام ، بل من دين الرسل جميعاً أنه لا فرق في الحكم العام بين من يكفر بالحق ابتداء ، ومن يتوارث ذلك عن غيره مع الرضا والمتابعة .
    - فلا فرق بين من ابتدأ تحريف التوراة والإنجيل ، وبين توارث ذلك من اليهود والنصاري من بعد ، ما داموا مقرين ومتابعين .
    - ولا فرق بين من ابتدع عبادة الأصنام ، وبين من تعبد لها بعد ذلك تقليداً ومتابعة .
    - ولا فرق بين عمرو بن لحي الخزاعي وهو أول من غير دين إبراهيم ، فأدخل الأصنام إلى الحجـاز ودعا إلى عبادتها من دون الله ، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله وبين من تابعه على ذلك من العرب من بعد .
    ولقد خاطب القرآن الكريم أهل الكتاب بما ارتكبه آباؤهـم من قبل ، وما ذلك إلا لإقرارهـم له ورضاهم به ، فقال تعالى : ( وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) ( البقرة : 91 ) .
    يقول لهم : إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان بما أنزل عليكم ، فلم قتلـتم الأنبياء الذين جاؤوكـم بتصديق التوراة التي بين أيديكم وقد أمرتم باتباعهم وتصديقهم ؟ وهذا خطاب لليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن أحداً من هؤلاء لم يرتكب شيئاً من ذلك ، وإنما هو أمر جناه آباؤهم من قبل ، فخوطبوا به لرضاهم به وإقرارهم له . ومثل ذلك كثير في القرآن .
    - المسألة الثانية : إن القول بأن هذه العلمانية المعاصرة تسعى إلى التغيير ، وأن ذلك ينفي شبهة الرضا والمتابعة أمر يحتاج إلى تفصيل :
    ذلك أنه لا منازعة في صحة المبدأ في ذاته ، فمن جاء على ميراث سابق من الكفر، ولكن أعلن انخلاعه عنه ، وكفره به وبراءته منه ، ثم توجه بكل جهده نحو تغييره وإزالته ، فلا شك أنه لا ينسحب عليه حكم من سبقه ، ولا يُسأل عن جريمة جناها غيره ، بل يسلك - إن صدق - في عداد المجاهدين .
    أما إذا كان يروغ ويدور ، فيزعم الإيمان ويدعي التوجه إلى التغيير ، ويقدم بين يدي ذلك أعمـالاً هزيلة مدخولة ، ثم تتجه خطاه بعد ذلك نحو الباطل الذي توارثه تدعيماً له وتثبيتاً لأركانه ، ومدافعة عنه ومجادلة دونه ، بل ويوالي ويعادي على ذلك فمن رضي بشرعه ومنهاجه قربه ووالاه ، ومن ظن به سوى ذلك أبعده وعاداه ، بل يخنق كل صوت يدعو إلى الحق ، وكل دعوة تعمل على إقـامة الدين والتـزام شرائعه ، فلا يجوز حينئذ أن يعول على قول تبين زوره ، ولا على دعوى تبين بطلانها ، ولا على زعـم تحقق كذبه ، بل الأقرب أن يلحق هؤلاء بالزنادقة الذين لا تقبل لهم توبة في رأي فريق كبير من العلماء ! .
    * الشبهة الثانية :
    وتتمثل هذه الشبهة في القول بأن هذا المنهج يجدد في الأمة مقولة الخوارج وينبثق من مشكاته ، فهم الذين رفعوا عبر التاريخ شعار : ( لا حكم إلا لله ) وعرفوا به من دون الفرق جميعاً ، وانطلقوا منـه في استحلال دماء المخالفين وأموالهم !!
    والجواب على هذه الشبهة أن قوله تعالى : ( إن الحكم إلا لله ) قد حكاه القرآن الكريم على لسان الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم قبل أن تنقله لنا دواوين التاريخ على ألسنة الخوارج ! أفيكون كل من دعا إلى إقامة الدين وتحكيم الشريعة وإفراد الله بالعبـادة والتشريع المطلق خارجياً من الخوارج ؟ ترى ماذا يكون إذن مبدل الشرع ، ومحل الحرام ومحرم الحلال والداعي للفصل بين الدين والدولة ؟ أيكون على بن أبي طالب ؟! .
    ولقد رفع الخوارج هذا الشعار ليكفروا به أئمة الجور من المسلمين في وقت كان الأصـل فيه هـو التحاكم إلى الشريعة ، وقيام الدولة على حراسة الدين وسياسة الدنيا به ، وإن غشيها من المظـالم مـا غشيها ، فكانوا مبطلين خارجين عن الحق .
    ويرفعه اليوم المجددون من الدعاة إلى الله ضد العلمانية و القوانين الوضعية التي تحـل الربا والزنا والفواحش ما ظهر منها وما بطن وتحميها بقوة الشرطة والقضاء ، يرفعونه ليردوا به الأمر إلى الله جل وعلا ، ولينتصروا به لشريعتهم المضاعة وكتابهم المهجور ، وليدفعوا عن الأمة شرك التشريع بما
    لم يأذن به الله ، وباطل التحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله



الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •