﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3
2اعجابات
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف

الموضوع: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,343

    افتراضي ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾

    ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ هذا فيه إثبات ونفي، فيه أمر ونهي،
    أمَّا الأمر ففي قوله (وَاعْبُدُوا اللَّهَ)،
    والنهي في قوله (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)
    ، وقد مرّ معك دِلالة قوله (اعْبُدُوا اللَّهَ) مع النفي على توحيد الله.

    ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ لا هنا نافية،
    ومن المتقرر في علم الأصول أن النفي إذا تسلط على نكرة فإنه يفيد العموم، ولا بعدها نكرة وهو المصدر المستكن في الفعل؛ لأن الفعل المضارع مشتمل على مصدر وزمن
    ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ يعني لا إشراكا به فتشركوا متضمنة لمصدر، والمصدر نكرة. فيكون قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ يعني بأي نوع من الشرك
    ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ و"شيئا" هنا أيضا نكرة في سياق النهي
    ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾فدلت على عموم الأشياء،
    فصار إذن عندنا في قوله -تعالى -: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
    ثَمَّ عمومان:
    الأول: دلت الآية على النهي عن جميع أنواع الشرك وذلك؛
    لأن النهي تسلط على الفعل، والفعل فيه مصدر مستكن، والمصدر نكرة.
    والثانية: أن مفعول تشرك شيئا، وشيئا نكرة،
    والنكرة جاءت في سياق النهي وذلك يدل على عموم الأشياء
    يعني لا الشرك الأصغر مأذون به، ولا الأكبر ولا الخفي بدلالة قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ﴾
    وكذلك ليس مأذونا أن يشرك لا بملك ولا بنبي ولا بصالح ولا بعالم ولا بطالح ولا بقريب ولا ببعيد بدلالة قوله: ﴿شَيْئًا﴾
    وهذا استدلال ظاهر الوضوح في الدلالة على التوحيد بالجمع بين النفي والإثبات،
    قال: وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
    ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ يعني يا مَن حرَّم بعض الأنعام، وافترى على الله في ذلك
    ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾

    قال العلماء: "أن" هنا تفسيرية متعلقة بمحذوف تقديره وصاكم؛ لأن "أن" التفسيرية تتعلق كما ذكرت لك بكلمة فيها معنى القول دون حروف القول وحددوها بقوله: ﴿وَصَّاكُم﴾
    ؛ لأنه في آخر الآي جاء ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ في الآية الأولى، ثم ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ في الآية الثانية، ثم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ في الآية الثالثة كلها فيها الوصية.
    فإذن يكون تقدير الكلام: "قل تعالوا أتلو ما حرم ربكم عليكم وصاكم ألا تشركوا به شيئا" يعني: أمركم، والوصية هنا شرعية، وإذا كانت الوصية من الله شرعية، فهي أمر واجب، فقوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ دلالتها على التوحيد كدلالة آية النساء قبلها.
    ثم ساق الشيخ -رحمه الله- ـ أثر ابن مسعود قال: قال ابن مسعود: "من أراد أن ينظر إلى وصية محمد -صلى الله عليه وسلم- التي عليها خاتمه، فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾
    يعني: التي كانت من آخر ما وصَّى به، من آخر ما أمر به يعني: التي لو قُدِّرَ أنه وصى وختم على هذه الوصية، وفتحت بعد وفاته -عليه الصلاة والسلام- وانتقاله إلى الرفيق الأعلى لكانت هذه الآيات التي فيها الوصايا العشر. هذا من ابن مسعود للدلالة على عظم شأن هذه الآيات التي افتتحت بالنهي عن الشرك، والنبي -صلى الله عليه وسلم- ابتدأ دعوته بالأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن الشرك، واختتمها أيضا -كما دل عليه كلام ابن مسعود هذا- بالأمر بالتوحيد، والنهي عن الشرك،
    فدل على أن ذلك أولى المطالب وأول المطالب وأهم المطالب.
    قال -بعد ذلك-: وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: «كنت رديف النبي -صلى الله عليه وسلم- على حمار فقال لي: يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا»
    التمهيد شرح كتاب التوحيد
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة حسن المطروشى الاثرى

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,343

    افتراضي رد: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾

    (ولم يك من المشركين)، (الْمُشْرِكِينَ) جمع تصحيح للمشرك، والمشرك اسم فاعل الشرك، و(الـ) -كما هو معلوم في العربية- إذا جاءت قبل اسم الفاعل، أو اسم المفعول، فإنها تكون موصولة كما قال ابن مالك في الألفية:
    وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ أَلْ وَكَوْنُهَا بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ قَلْ
    والاسم الموصول عند الأصوليين يدل على العموم، فكان إذن المعنى: (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يعني ولم يكُ فاعلا للشرك بأنواعه؛ لم يكُ منهم، ولم يكُ من الذين يفعلون الشرك بأنواعه. وأيضا دل قوله (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) على أنه ابتعد عنهم، لأن (مِن) تحتمل أن تكون تبعيضية؛ فتكون المباعدة بالأجسام، ويحتمل أن تكون بيانية؛ فتكون المباعدة بمعنى الشرك.
    المقصود أن الشيخ رحمه الله استحضر هذه المعاني من الآية، فدلته الآية على أنها في تحقيق التوحيد، قال جل وعلا (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ذلك لأن من جمع تلك الصفات فقد حقق التوحيد، ومن حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب.

    في تفسير إمام الدعوة المصنف الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ في تفسيره لآخر سورة النحل؛ فسر هذه الآية فقال رحمه الله: إنَّ إبراهيم (كَانَ أُمَّةً) لأنْ لا يستوحش سالكُ الطريق من قلة السالكين، (قَانِتًا لِلَّهِ) لا للملوك ولا للتجار المترَفين، (حَنِيفًا) لا يميل يمينا ولا شمالا، كحال العلماء المفتونين، (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) خلافا لمن كثّر سوادهم وزعم أنه من المسلمين.
    وهو من التفاسير الرائقة، الفائقة، البعيدة المعاني، ?وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ?[فصلت:35].
    وقال بعد ذلك ( وقولُه ?وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ?[المؤمنون: 59].) هذه من آيات من سورة المؤمنون، فهي في مدح خاصة المؤمنين، ووجه الاستدلال من الآية على الباب أنه قال (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ).
    (لَا يُشْرِكُونَ) نفي للشرك -كما ذكرتُ لكم من قبل- أنَّ النفي إذا تسلَّط على الفعل المضارع فإنه يفيد عموم المصدر الذي إستكنَّ في الفعل؛ يعني كأنه قال جل وعلا: والذين هم بربهم لا يفعلون شركا، أو لا يشركون لا بشرك أكبر، ولا أصغر، ولا خفي.
    والذي لا يُشرك هو الموحد، فصار عندنا لازمٌ وهو أنَّ من لم يشرك أي نوع من أنواع الشرك، فإنه ما ترك الشرك إلا لتوحيده.


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,343

    افتراضي رد: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾

    قوله (لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)، (أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) هذه
    (أَنْ) موصول حرفي مع (يُشْرَكَ) فِعل، وتُقَدَّر (أَنْ) المصدرية مع ما بعدها من الفعل- كما هو معلوم- بمصدر؛
    والمصدر نكرة وقع في سياق النفي،
    وإذا وقعت النكرة في سياق النفي عمّت,
    قالوا: فهذا يدل على أن الشرك هنا الذي نفي الأكبر والأصغر والخفي,
    كل أنواع الشرك لا يغفرها الله جل وعلا؛ لعظم خطيئة الشرك؛
    لأن الله جل وعلا هو الذي خلق، وهو الذي رزق، وهو الذي أعطى، وهو الذي تفضّل،
    فكيف يتوجه القلب عنه إلى غيره؟ لا شك أن هذا ظلم وهو ظلم في حق الله جل وعلا،
    ولذلك لم يُغفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وأكثر علماء الدعوة.

    قال آخرون من أهل العلم: إن قوله هنا (لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) دالة على العموم،
    ولكن هذا عموم مخصوص؛
    هذا عموم مراد به خصوص الشرك الأكبر (لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) يعني الشرك الأكبر فقط دون غيره،
    وأمّا ما دون الشرك الأكبر فإنه يكون داخلا تحت المشيئة،
    فيكون العموم في الآية مرادا به الخصوص، لماذا؟
    قالوا: لأن القرآن فيه هذا اللفظ (أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) ونحو ذلك، ويُراد به الشرك الأكبر دون الأصغر غالبا
    , فالشرك غالبا ما يطلق في القرآن على الأكبر دون الأصغر،
    قال جل وعلا - وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ?[المائدة:72]،
    (مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) هنا (يُشْرِكْ) أيضا فعل داخل في سياق الشرط فيكون عامّا.
    فهل يدخل الشرك الأصغر والخفي فيه؟ بالإجماع لا يدخل؛
    لأن تحريم الجنة وإدخال النار والتخليد فيها إنما هو لأهل الموت على الشرك الأكبر،
    فدلّنا ذلك على أن المراد بقوله (مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)
    أنهم أهل الإشراك الشرك الأكبر،
    فلم يدخل الأصغر،
    ولم يدخل ما دونه أو أنواع الأصغر،
    فيكون إذن فهم آية النساء على فهم آية المائدة ونحوها، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ?[الحج:31] في الشرك الأكبر، ونحو ذلك.
    فيكون- إذن- على هذا القول، المراد بما نُفي هنا أن يغفر الشرك الأكبر.

    ولما كان اختيار إمام الدعوة كما اختيار عدد من المحققين؛
    كشيخ الإسلام وابن القيم وكغيرهما:
    أن العموم هنا للأكبر و الأصغر والخفي؛ بأنواع الشرك.
    قام الاستدلال بهذه الآية صحيحا؛
    لأنّ الشرك أنواع،
    وإذا كان الشرك بأنواعه لا يُغفر
    فهذا يوجب الخوف منه أعظم الخوف؛ إذا كان الرياء لا يُغفر,
    إذا كان الشرك الأصغر؛ الحلف بغير الله، أو تعليق التميمة أو حلقة أو خيط، أو نحو ذلك من أنواع الشرك الأصغر؛ ما شاء الله وشئت، نسبة النعم إلى غير الله، إذا كان لا يُغفر؛
    فإنه يُوجب أعظم الخوف منه، كذلك الشرك الأكبر.
    وإذا كان كذلك، فيجتمع -إذن-
    في الخوف من الشرك من هم على غير التوحيد؛ يعني من يعبدون غير الله، ويستغيثون بغير الله، ويتوجهون إلى غير الله، ويذبحون وينذرون لغير الله، ويحبون محبة العبادة لغير الله، ويرجون غير الله رجاء العبادة، ويخافون خوف السّر من غير الله، إلى غير ذلك، يكون هؤلاء أوْلى بالخوف من الشرك؛ لأنهم وقعوا فيما هو متفق عليه في أنه لا يُغفر.
    كذلك يقع في الخوف، ويكون الخوف أعظم ما يكون في أهل الإسلام الذين قد يُشركون بعض أنواع الشرك من الشرك الخفي والشرك الأصغر بأنواعه وهم لا يشعرون أو وهم لا يحذرون، فيكون الخوف إذا علِم العبد أن الشرك بأنواعه لا يُغفر وأنه مؤاخذ به؛ فليست الصلاة إلى الصلاة يُغفر بها الشرك الأصغر، وليس رمضان إلى رمضان يُغفر به الشرك الأصغر، وليست الجمعة إلى الجمعة يُغفر به الشرك الأصغر.

    فإذن يُغفر بماذا؟ يُغفر بالتوبة فقط،
    فإن لم يتب فإنه ثمّ الموازنة بين الحسنات وبين السيئات، وما ظنكم بسيئة فيها التشريك بالله مع حسنات، من ينجو من ذلك؟ ليس ثَمّ إلا من عظُمت حسناته فزادت على سيئة ما وقع فيه من أنواع الشرك، ولا شك أنَّ هذا يوجب الخوف الشديد؛ لأن المرء على خطر في أنه تُوزن حسناته وسيئاته، ثم يكون في سيئاته أنواع الشرك، وهي -كما هو معلوم عندكم- أن الشرك بأنواعه من حيث الجنس أعظم من الكبائر؛ كبائر الأعمال المعروفة.
    إذن وجه الاستدلال من آية النساء أن قوله جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) أن فيها عموما يشمل أنواع الشرك جميعا، وهذه لا تُغفر، فيكون ذلك موجبا للخوف من الشرك، وإذا وقع وحصل الشرك في القلب، فإن العبد يطلب معرفة أنواعه حتى لا يشرك، ومعرفة أصنافه وأفراده حتى لا يقع فيها، وحتى يحذّر أحبابه ومن حوله منها.
    لذلك كان أحب الخلق أو أحب الناس وخير الناس للناس من يحذِّرهم من هذا الأمر، ولو لم يشعروا ولو لم يعقلوا، قال جل وعلا ?كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ?[آل عمران:110]؛ لأنهم يدلُّون الخلق على ما ينجيهم, فالذي يحب للخلق النجاة هو الذي يحذِّرهم من الشرك بأنواعه، ويدعوهم إلى التوحيد بأنواعه؛ لأن هذا أعظم ما يُدعى إليه.
    ولهذا لمّا حصل من بعض القرى في زمن إمام الدعوة تردد، وشك، ورجوع عن مناصرة الدعوة، وفهم ما جاء به الشيخ رحمه الله تعالى، وكتبوا للشيخ، وغلظوا، وقالوا: إنَّ ما جئت به ليس بصحيح وأنّك تريد كذا وكذا، قال في آخرها بعد أن شرح التوحيد وضده ورغّب ورهب,
    قال في آخرها رحمه الله:
    ولو كنتم تعقلون حقيقة ما دعوتكم إليه لكنتُ أغلى عندكم من آبائكم وأمهاتكم وأبنائكم ولكنكم قوم لا تعقلون.

    وهذا صحيح، ولكن لا يعقله إلاَّ من عرف حق الله جل وعلا، رحمه الله تعالى وأجز له المثوبة وجزاه عنّا وعن المسلمين خير الجزاء ورفع درجته في المهديين والنبيين والصالحين.
    ثم ساق الشيخ رحمه الله بعد هذه الآية قول الله جل وعل (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) الذي دعا بهذه الدعوة هو إبراهيم عليه السلام، ومرَّ معنا في الباب قبله أنّ إبراهيم قد حقق التوحيد، وقد وصفه الله بأنه كان أمة، قانتا لله، حنيفا، وبأنه لم يكُ من المشركين، فمن كان على هذه الحال، هل يطمئن من أنه لن يعبد غير الله؟ ولن يعبد الأصنام؟ أم يظل على خوفه؟ حال الكُمَّل الذين حققوا التوحيد هل هم يطمئنون أم يخافون؟
    هذا إبراهيم عليه السلام -كما هو في هذه الآية- خاف الشركَ، وخاف عبادَة الأصنام، فدعا الله بقوله: ?وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)ر َبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ?[إبراهيم:35-36]، فكيف بمن دون إبراهيم ممن ليس من السبعين ألفا وهم عامة هذه الأمة؟ والواقع أن عامة الأمة لا يخافون من الشرك، فمن الذي يخاف؟ هو الذي يسعى في تحقيق التوحيد.
    قال إبراهيم التيمي رحمه الله -من سادات التابعين- لما تلا هذه الآية قال: ومن يأمن البلاءَ بعد إبراهيم. إذا كان إبراهيم عليه السلام هو الذي حقق التوحيد، وهو الذي وُصف بما وُصف به، وهو الذي كسر الأصنام بيده، ويخاف؟ فمن يأمن البلاء بعده؟
    إذن ما ثمَّ إلا غرور وأهل الغرور, وهذا يوجب الخوف الشديد، لأنه ما أُعطي إبراهيم الضمانَ على أن لا يُشرِك، وعلى أن لا يزيغ قلبه، مع أنه سيد المحققين للتوحيد في زمانه؛ بل وبعد زمانه إلى نبينا - صلى الله عليه وسلم - فهو سيد ولد آدم، ومع ذلك خاف[التمهيد]
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة حسن المطروشى الاثرى

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •