أحكام الصيام بمناسبة قرب شهر رمضان .
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: أحكام الصيام بمناسبة قرب شهر رمضان .

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    363

    افتراضي أحكام الصيام بمناسبة قرب شهر رمضان .

    هذا البحث منقول من الموسوعة الكويتية .
    صَوْمٌ
    التَّعْرِيفُ :
    1 - الصَّوْمُ فِي اللُّغَةِ : الإِْمْسَاكُ مُطْلَقًا عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكَلاَمِ وَالنِّكَاحِ وَالسَّيْرِ . قَال تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ - : { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا } (1) .
    وَالصَّوْمُ : مَصْدَرُ صَامَ يَصُومُ صَوْمًا وَصِيَامًا (2) .
    وَفِي الاِصْطِلاَحِ : هُوَ الإِْمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (3) .

    الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
    أ - الإِْمْسَاكُ :
    2 - الإِْمْسَاكُ لُغَةً : هُوَ حَبْسُ الشَّيْءِ وَالاِعْتِصَامُ بِهِ ، وَأَخْذُهُ وَقَبْضُهُ ، وَالإِْمْسَاكُ عَنِ الْكَلاَمِ هُوَ : السُّكُوتُ ، وَالإِْمْسَاكُ : الْبُخْل . وقَوْله تَعَالَى : { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ } (4)
    أَمْرٌ بِحَبْسِهِنَّ وَهُوَ بِذَلِكَ أَعَمُّ مِنَ الصَّوْمِ .

    ب - الْكَفُّ :
    3 - الْكَفُّ عَنِ الشَّيْءِ لُغَةً : تَرْكُهُ ، وَإِذَا ذُكِرَ الْمُتَعَلِّقُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَانَ مُسَاوِيًا لِلصَّوْمِ .

    ج - الصَّمْتُ :
    4 - الصَّمْتُ وَكَذَا السُّكُوتُ لُغَةً : الإِْمْسَاكُ عَنِ النُّطْقِ
    ، وَهُمَا أَخَصُّ مِنَ الصَّوْمِ لُغَةً ، لاَ شَرْعًا ، لأَِنَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ تَبَايُنًا .

    الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ :
    5 - أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَرْضٌ . وَالدَّلِيل عَلَى الْفَرْضِيَّةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ .
    أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (1) وَقَوْلُهُ { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } : أَيْ فُرِضَ .
    وقَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } (2) .
    وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَال : قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالْحَجِّ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ (1) .
    كَمَا انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى فَرْضِيَّةِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، لاَ يَجْحَدُهَا إِلاَّ كَافِرٌ (2) .

    فَضْل الصَّوْمِ :
    6 - وَرَدَتْ فِي فَضْل الصَّوْمِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ، نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَلِي :
    أ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
    عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (3) .
    ب - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
    قَال : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ بِقُدُومِ رَمَضَانَ ، يَقُول : قَدْ جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَتُغَل فِيهِ الشَّيَاطِينُ ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (4) .
    ج - وَعَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
    عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال : إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا ، يُقَال لَهُ : الرَّيَّانُ ، يَدْخُل مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لاَ يَدْخُل مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ ، يُقَال : أَيْنَ الصَّائِمُونَ ؟ فَيَقُومُونَ ، لاَ يَدْخُل مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ ، فَلَمْ يَدْخُل مِنْهُ أَحَدٌ (1) .
    د - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال : قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَل عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْل أَنْ يُغْفَرَ لَهُ (2) .
    حِكْمَةُ الصَّوْمِ :
    7 - تَتَجَلَّى حِكْمَةُ الصَّوْمِ فِيمَا يَلِي :
    أ - أَنَّ الصَّوْمَ وَسِيلَةٌ إِلَى شُكْرِ النِّعْمَةِ ، إِذْ هُوَ كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ ، وَإِنَّهَا مِنْ أَجَل النِّعَمِ وَأَعْلاَهَا ، وَالاِمْتِنَاعُ عَنْهَا زَمَانًا مُعْتَبَرًا يُعَرِّفُ قَدْرَهَا ، إِذِ النِّعَمُ مَجْهُولَةٌ ، فَإِذَا فُقِدَتْ عُرِفَتْ ، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى قَضَاءِ حَقِّهَا بِالشُّكْرِ ، وَشُكْرُ النِّعَمِ فَرْضٌ عَقْلاً وَشَرْعًا ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ فِي آيَةِ الصِّيَامِ : { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (1)
    ب - أَنَّ الصَّوْمَ وَسِيلَةٌ إِلَى التَّقْوَى ، لأَِنَّهُ إِذَا انْقَادَتْ نَفْسٌ لِلاِمْتِنَاعِ عَنِ الْحَلاَل طَمَعًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَخَوْفًا مِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ ، فَأَوْلَى أَنْ تَنْقَادَ لِلاِمْتِنَاعِ عَنِ الْحَرَامِ ، فَكَانَ الصَّوْمُ سَبَبًا لاِتِّقَاءِ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنَّهُ فَرْضٌ ، وَإِلَيْهِ وَقَعَتِ الإِْشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ آيَةِ الصَّوْمِ { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (2)
    ج - أَنَّ فِي الصَّوْمِ قَهْرَ الطَّبْعِ وَكَسْرَ الشَّهْوَةِ ، لأَِنَّ النَّفْسَ إِذَا شَبِعَتْ تَمَنَّتِ الشَّهَوَاتِ ، وَإِذَا جَاعَتِ امْتَنَعَتْ عَمَّا تَهْوَى ، وَلِذَا قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ (3) فَكَانَ الصَّوْمُ ذَرِيعَةً إِلَى الاِمْتِنَاعِ عَنِ الْمَعَاصِي (4)
    د - أَنَّ الصَّوْمَ مُوجِبٌ لِلرَّحْمَةِ وَالْعَطْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، فَإِنَّ الصَّائِمَ إِذَا ذَاقَ أَلَمَ الْجُوعِ فِي بَعْضِ الأَْوْقَاتِ ، ذَكَرَ مَنْ هَذَا حَالُهُ فِي جَمِيعِ
    الأَْوْقَاتِ ، فَتُسَارِعُ إِلَيْهِ الرِّقَّةُ عَلَيْهِ ، وَالرَّحْمَةُ بِهِ ، بِالإِْحْسَانِ إِلَيْهِ ، فَيَنَال بِذَلِكَ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حُسْنِ الْجَزَاءِ
    هـ - فِي الصَّوْمِ مُوَافَقَةُ الْفُقَرَاءِ ، بِتَحَمُّل مَا يَتَحَمَّلُونَ أَحْيَانًا ، وَفِي ذَلِكَ رَفْعُ حَالِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (1) .
    و - فِي الصَّوْمِ قَهْرٌ لِلشَّيْطَانِ ، فَإِنَّ وَسِيلَتَهُ إِلَى الإِْضْلاَل وَالإِْغْوَاءِ - الشَّهَوَاتُ ، وَإِنَّمَا تَقْوَى الشَّهَوَاتُ بِالأَْكْل وَالشُّرْبِ ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثِ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَجْرِيَ مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ ، فَضَيِّقُوا مَجَارِيَهُ بِالْجُوعِ (2) .

    أَنْوَاعُ الصَّوْمِ :
    8 - يَنْقَسِمُ الصَّوْمُ إِلَى صَوْمِ عَيْنٍ ، وَصَوْمِ دَيْنٍ .
    وَصَوْمُ الْعَيْنِ : مَا لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ :
    أ - إِمَّا بِتَعْيِينِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَصَوْمِ رَمَضَانَ ، وَصَوْمِ التَّطَوُّعِ خَارِجَ رَمَضَانَ ، لأَِنَّ خَارِجَ رَمَضَانَ مُتَعَيَّنٌ لِلنَّفْل شَرْعًا .
    ب - وَإِمَّا بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ ، كَالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ بِهِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ (1) .
    وَأَمَّا صَوْمُ الدَّيْنِ ، فَمَا لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ ، كَصَوْمِ قَضَاءِ رَمَضَانَ ، وَصَوْمِ كَفَّارَةِ الْقَتْل وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ وَالإِْفْطَارِ فِي رَمَضَانَ ، وَصَوْمِ مُتْعَةِ الْحَجِّ ، وَصَوْمِ فِدْيَةِ الْحَلْقِ ، وَصَوْمِ جَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَصَوْمِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ عَنِ الْوَقْتِ ، وَصَوْمِ الْيَمِينِ ، بِأَنْ قَال : وَاللَّهِ لأََصُومَنَّ شَهْرًا (2) .

    الصَّوْمُ الْمَفْرُوضُ :
    يَنْقَسِمُ الصَّوْمُ الْمَفْرُوضُ مِنَ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ ، إِلَى قِسْمَيْنِ : مِنْهُ مَا هُوَ مُتَتَابِعٌ ، وَمِنْهُ مَا هُوَ غَيْرُ مُتَتَابِعٍ ، بَل صَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ : إِنْ شَاءَ تَابَعَ ، وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ .

    أَوَّلاً : مَا يَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ ، وَيَشْمَل مَا يَلِي :
    9 - أ - صَوْمَ رَمَضَانَ ، فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِصَوْمِ الشَّهْرِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } (3) وَالشَّهْرُ مُتَتَابِعٌ ، لِتَتَابُعِ أَيَّامِهِ ، فَيَكُونُ صَوْمُهُ مُتَتَابِعًا ضَرُورَةً .
    ب - صَوْمَ كَفَّارَةِ الْقَتْل الْخَطَأِ ، وَصَوْمَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَالصَّوْمَ الْمَنْذُورَ بِهِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ ، وَصَوْمَ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ .
    وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ : ( تَتَابُع ) (1) .

    ثَانِيًا : مَا لاَ يَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ ، وَيَشْمَل مَا يَلِي :
    10 - أ - قَضَاءَ رَمَضَانَ ، فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّتَابُعِ فِيهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } (2) فَإِنَّهُ ذَكَرَ الصَّوْمَ مُطْلَقًا عَنِ التَّتَابُعِ .
    وَيُرْوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ : عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَعَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : " إِنْ شَاءَ تَابَعَ ، وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ وَلَوْ كَانَ التَّتَابُعُ شَرْطًا ، لَمَا احْتَمَل الْخَفَاءَ عَلَى هَؤُلاَءِ الصَّحَابَةِ ، وَلَمَا احْتَمَل مُخَالَفَتَهُمْ إِيَّاهُ (3) .
    وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ هُوَ : نَدْبُ التَّتَابُعِ أَوِ اسْتِحْبَابُهُ لِلْمُسَارَعَةِ إِلَى إِسْقَاطِ الْفَرْضِ (4)
    وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ تَتَابُعَهُ لأَِنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ الأَْدَاءِ ، وَالأَْدَاءُ وَجَبَ مُتَتَابِعًا ، فَكَذَا الْقَضَاءُ .
    ب - الصَّوْمَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَفِي تَتَابُعِهِ خِلاَفٌ ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ : ( تَتَابُع )
    ج - صَوْمَ الْمُتْعَةِ فِي الْحَجِّ ، وَصَوْمَ كَفَّارَةِ الْحَلْقِ ، وَصَوْمَ جَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَصَوْمَ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ ، وَصَوْمَ الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ . قَال اللَّهُ - عَزَّ وَجَل - فِي صَوْمِ الْمُتْعَةِ : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } (1) . . .
    وَقَال فِي كَفَّارَةِ الْحَلْقِ : { وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } (2) . . . .
    وَقَال فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ : { أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَال أَمْرِهِ } (3) فَذَكَرَ الصَّوْمَ فِي هَذِهِ الآْيَاتِ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ التَّتَابُعِ (4) .
    وَكَذَا : النَّاذِرُ ، وَالْحَالِفُ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ ، وَالْيَمِينُ الْمُطْلَقَةُ ، ذَكَرَ الصَّوْمَ فِيهَا مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ التَّتَابُعِ .
    وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ : ( نَذْر ، وَأَيْمَان ) .

    الصَّوْمُ الْمُخْتَلَفُ فِي وُجُوبِهِ ، وَيَشْمَل مَا يَلِي :
    الأَْوَّل وَهُوَ : قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ مِنْ صَوْمِ النَّفْل 11 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ قَضَاءَ نَفْل الصَّوْمِ إِذَا أَفْسَدَهُ وَاجِبٌ ، وَاسْتَدَل لَهُ الْحَنَفِيَّةُ : بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ : كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ . فَجَاءَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَدَرَتْنِي إِلَيْهِ حَفْصَةُ - وَكَانَتِ ابْنَةَ أَبِيهَا - فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّهِ ، إِنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْنِ فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ ، قَال : اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ (1) .
    وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ خَرَجَ يَوْمًا عَلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَال : " إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِمًا ، فَمَرَّتْ بِي جَارِيَةٌ لِي ، فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا ، فَمَا تَرَوْنَ ؟ فَقَال عَلِيٌّ : أَصَبْتَ حَلاَلاً ، وَتَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ ، كَمَا قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَال عُمَرُ : أَنْتَ أَحْسَنُهُمْ فُتْيَا (2) .
    وَلأَِنَّ مَا أَتَى بِهِ قُرْبَةً ، فَيَجِبُ صِيَانَتُهُ وَحِفْظُهُ عَنِ الْبُطْلاَنِ ، وَقَضَاؤُهُ عِنْدَ الإِْفْسَادِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } (3) وَلاَ يُمْكِنُ ذَلِكَ إِلاَّ بِإِتْيَانِ الْبَاقِي ، فَيَجِبُ إِتْمَامُهُ وَقَضَاؤُهُ عِنْدَ الإِْفْسَادِ ضَرُورَةً ، فَصَارَ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْمُتَطَوَّعَيْنِ (1) .
    وَالْحَنَفِيَّةُ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ إِذَا فَسَدَ صَوْمُ النَّافِلَةِ عَنْ قَصْدٍ ، أَوْ غَيْرِ قَصْدٍ بِأَنْ عَرَضَ الْحَيْضُ لِلصَّائِمَةِ الْمُتَطَوِّعَةِ .
    وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الإِْفْسَادِ نَفْسِهِ ، هَل يُبَاحُ أَوْ لاَ ؟ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ ، أَنَّهُ لاَ يُبَاحُ إِلاَّ بِعُذْرٍ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ .
    وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، هِيَ رِوَايَةُ الْمُنْتَقَى : يُبَاحُ بِلاَ عُذْرٍ ، وَاسْتَوْجَهَهَا الْكَمَال إِذْ قَال : وَاعْتِقَادِي أَنَّ رِوَايَةَ الْمُنْتَقَى أَوْجَهُ (2) لَكِنْ قُيِّدَتْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِنْ نِيَّتِهِ الْقَضَاءُ (3) .
    وَاخْتَلَفُوا - عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ - هَل الضِّيَافَةُ عُذْرٌ أَوْ لاَ ؟ .
    قَال فِي الدُّرِّ : وَالضِّيَافَةُ عُذْرٌ ، إِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مِمَّنْ لاَ يَرْضَى بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ ، وَيَتَأَذَّى بِتَرْكِ الإِْفْطَارِ ، فَيُفْطِرُ ، وَإِلاَّ لاَ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ ، أَفْطَرَ وَلَوْ كَانَ صَوْمُهُ قَضَاءً ، وَلاَ يُحَنِّثُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ .
    وَقِيل : إِنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ يَرْضَى بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُل ، لاَ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ . وَإِنْ كَانَ يَتَأَذَّى بِذَلِكَ يُفْطِرُ .
    وَهَذَا إِذَا كَانَ قَبْل الزَّوَال ، أَمَّا بَعْدَهُ فَلاَ ،إِلاَّ لأَِحَدِ أَبَوَيْهِ إِلَى الْعَصْرِ ، لاَ بَعْدَهُ (1) . - وَالْمَالِكِيَّةُ أَوْجَبُوا الْقَضَاءَ بِالْفِطْرِ الْعَمْدِ الْحَرَامِ ، احْتِرَازًا عَنِ الْفِطْرِ نِسْيَانًا أَوْ إِكْرَاهًا ، أَوْ بِسَبَبِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، أَوْ خَوْفِ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتِهِ ، أَوْ شِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ ، حَتَّى لَوْ أَفْطَرَ لِحَلِفِ شَخْصٍ عَلَيْهِ بِطَلاَقٍ بَاتٍّ ، فَلاَ يَجُوزُ الْفِطْرُ ، وَإِنْ أَفْطَرَ قَضَى .
    وَاسْتَثْنَوْا مَا إِذَا كَانَ لِفِطْرِهِ وَجْهٌ : - كَأَنْ حَلَفَ بِطَلاَقِهَا ، وَيَخْشَى أَنْ لاَ يَتْرُكَهَا إِنْ حَنِثَ ، فَيَجُوزُ الْفِطْرُ وَلاَ قَضَاءَ .
    - أَوْ أَنْ يَأْمُرَهُ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ بِالْفِطْرِ ، حَنَانًا وَإِشْفَاقًا عَلَيْهِ مِنْ إِدَامَةِ الصَّوْمِ ، فَيَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ .
    - أَوْ يَأْمُرُهُ أُسْتَاذُهُ أَوْ مُرَبِّيهِ بِالإِْفْطَارِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْوَالِدَانِ أَوِ الشَّيْخُ (2) .
    12 - وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ، لاَ يُوجِبُونَ إِتْمَامَ نَافِلَةِ الصَّوْمِ ، وَلاَ يُوجِبُونَ قَضَاءَهَا إِنْ فَسَدَتْ ، وَذَلِكَ : - لِقَوْل عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا يَا رَسُول اللَّهِ ، أُهْدِيَ إِلَيْنَا حَيْسٌ (3) فَقَال : أَرِنِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا . فَأَكَل وَزَادَ النَّسَائِيُّ : إِنَّمَا مِثْل صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مِثْل الرَّجُل يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا (1) .
    وَلِحَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَل عَلَيْهَا ، فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ ، ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّهِ ، أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِينُ نَفْسِهِ ، إِنْ شَاءَ صَامَ ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَفِي رِوَايَةٍ : أَمِيرُ نَفْسِهِ (2) .
    وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال : صَنَعْتُ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا ، فَأَتَانِي هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، فَلَمَّا وُضِعَ الطَّعَامُ قَال رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : إِنِّي صَائِمٌ ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ ، وَتَكَلَّفَ لَكُمْ . ثُمَّ قَال لَهُ : أَفْطِرْ ، وَصُمْ مَكَانَهُ يَوْمًا إِنْ شِئْتَ (3) .
    وَلأَِنَّ الْقَضَاءَ يَتْبَعُ الْمَقْضِيَّ عَنْهُ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا ، لَمْ يَكُنِ الْقَضَاءُ وَاجِبًا ، بَل يُسْتَحَبُّ (1) .
    وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي نَافِلَةِ صَوْمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الإِْتْمَامُ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ، وَلاَ كَرَاهَةَ وَلاَ قَضَاءَ فِي قَطْعِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَعَ الْعُذْرِ (2) .
    أَمَّا مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ فَيُكْرَهُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } (3) وَمِنَ الْعُذْرِ أَنْ يَعِزَّ عَلَى مَنْ ضَيَّفَهُ امْتِنَاعُهُ مِنَ الأَْكْل .
    وَإِذَا أَفْطَرَ فَإِنَّهُ لاَ يُثَابُ عَلَى مَا مَضَى إِنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَإِلاَّ أُثِيبَ (4) .
    الثَّانِي : صَوْمُ الاِعْتِكَافِ ، وَفِيهِ خِلاَفٌ ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ : ( اعْتِكَاف ج 5 ف 17 ) .

    صَوْمُ التَّطَوُّعِ :
    13 - وَهُوَ :
    1 - صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ .
    2 - صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ .
    3 - صَوْمُ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ مِنْ كُل أُسْبُوعٍ .
    4 - صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُل شَهْرٍ ، وَهِيَ الأَْيَّامُ الْبِيضُ .
    5 - صِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ .
    6 - صَوْمُ شَهْرِ شَعْبَانَ .
    7 - صَوْمُ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ .
    8 - صَوْمُ شَهْرِ رَجَبٍ .
    9 - صِيَامُ مَا ثَبَتَ طَلَبُهُ وَالْوَعْدُ عَلَيْهِ فِي السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ .
    وَتَفْصِيل أَحْكَامِ هَذَا الصَّوْمِ فِي مُصْطَلَحِ : ( صَوْمُ التَّطَوُّعِ )

    الصَّوْمُ الْمَكْرُوهُ ، وَيَشْمَل مَا يَلِي :
    أ - إِفْرَادَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ :
    14 - نَصَّ عَلَى كَرَاهَتِهِ الْجُمْهُورُ (1) ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال : قَال رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لاَ تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، إِلاَّ وَقَبْلَهُ يَوْمٌ ، أَوْ بَعْدَهُ يَوْمٌ (2) ، وَفِي رِوَايَةٍ : إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ ، فَلاَ تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ ، إِلاَّ أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ (1) .
    وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال : لاَ تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ (2) .
    وَذُكِرَ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِصَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ وَلاَ يُفْطِرُ ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِـ ( لاَ بَأْسَ ) الاِسْتِحْبَابُ ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَصْكَفِيُّ بِنَدْبِ صَوْمِهِ ، وَلَوْ مُنْفَرِدًا (3) . وَكَذَا الدَّرْدِيرُ صَرَّحَ بِنَدْبِ صَوْمِهِ وَحْدَهُ فَقَطْ ، لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَقَال : فَإِنْ ضَمَّ إِلَيْهِ آخَرَ فَلاَ خِلاَفَ فِي نَدْبِهِ (4) .
    وَقَال الطَّحْطَاوِيُّ : ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ طَلَبُ صَوْمِهِ ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ ، وَالأَْخِيرُ مِنْهُمَا : النَّهْيُ (5) .
    وَقَال أَبُو يُوسُفَ : جَاءَ حَدِيثٌ فِي كَرَاهَةِ صَوْمِهِ ، إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ ، فَكَانَ الاِحْتِيَاطُ فِي أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ يَوْمًا آخَرَ (1) .
    قَال الشَّوْكَانِيُّ : فَمُطْلَقُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِهِ مُقَيَّدٌ بِالإِْفْرَادِ (2) .
    وَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ بِضَمِّ يَوْمٍ آخَرَ إِلَيْهِ ، لِحَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَل عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَهِيَ صَائِمَةٌ ، فَقَال : أَصُمْتِ أَمْسِ ؟ قَالَتْ : لاَ . قَال : تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا ؟ قَالَتْ : لاَ . قَال : فَأَفْطِرِي (3) .

    ب - صَوْمُ يَوْمِ السَّبْتِ وَحْدَهُ خُصُوصًا :
    15 - وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ (4) ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، عَنْ أُخْتِهِ ، وَاسْمُهَا الصَّمَّاءُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال : لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ (5) .
    وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ ، فَفِي إِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ ، إِلاَّ أَنْ يُوَافِقَ صَوْمُهُ بِخُصُوصِهِ يَوْمًا اعْتَادَ صَوْمَهُ ، كَيَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ عَاشُورَاءَ (1) .

    ج - صَوْمُ يَوْمِ الأَْحَدِ بِخُصُوصِهِ :
    16 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَعَمُّدَ صَوْمِ يَوْمِ الأَْحَدِ بِخُصُوصِهِ مَكْرُوهٌ ، إِلاَّ إِذَا وَافَقَ يَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ صَوْمَ السَّبْتِ وَالأَْحَدِ مَعًا لَيْسَ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، لأَِنَّهُ لَمْ تَتَّفِقْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَلَى تَعْظِيمِهِمَا ، كَمَا لَوْ صَامَ الأَْحَدَ مَعَ الاِثْنَيْنِ ، فَإِنَّهُ تَزُول الْكَرَاهَةُ (2) ، وَيُسْتَظْهَرُ مِنْ نَصِّ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ صِيَامُ كُل عِيدٍ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ إِلاَّ أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً لِلصَّائِمِ .

    د - إِفْرَادُ يَوْمِ النَّيْرُوزِ بِالصَّوْمِ :
    17 - يُكْرَهُ إِفْرَادُ يَوْمِ النَّيْرُوزِ ، وَيَوْمِ الْمِهْرَجَانِ بِالصَّوْمِ (3) ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُمَا يَوْمَانِ يُعَظِّمُهُمَا الْكُفَّارُ ، وَهُمَا عِيدَانِ لِلْفُرْسِ ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُهُمَا بِالصَّوْمِ - دُونَ غَيْرِهِمَا - مُوَافَقَةً لَهُمْ فِي تَعْظِيمِهِمَا ، فَكُرِهَ ، كَيَوْمِ السَّبْتِ .
    وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا كُل عِيدٍ لِلْكُفَّارِ ، أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ (1) وَنَصَّ ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا قَصَدَ بِصَوْمِهِ التَّشَبُّهَ ، كَانَتِ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةً (2) .

    هـ - صَوْمُ الْوِصَال :
    18 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ( الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ ) إِلَى كَرَاهَةِ صَوْمِ الْوِصَال ، وَهُوَ : أَنْ لاَ يُفْطِرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَصْلاً ، حَتَّى يَتَّصِل صَوْمُ الْغَدِ بِالأَْمْسِ ، فَلاَ يُفْطِرُ بَيْنَ يَوْمَيْنِ ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنْ يَصُومَ السَّنَةَ وَلاَ يُفْطِرَ فِي الأَْيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ (3) .
    وَإِنَّمَا كُرِهَ ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَال : وَاصَل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ ، فَوَاصَل النَّاسُ فَنَهَاهُمْ ، قِيل لَهُ : إِنَّكَ تُوَاصِل ، قَال : إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى (4) .
    وَالنَّهْيُ وَقَعَ رِفْقًا وَرَحْمَةً ، وَلِهَذَا وَاصَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
    وَتَزُول الْكَرَاهَةُ بِأَكْل تَمْرَةٍ وَنَحْوِهَا ، وَكَذَا بِمُجَرَّدِ الشُّرْبِ لاِنْتِفَاءِ الْوِصَال .
    وَلاَ يُكْرَهُ الْوِصَال إِلَى السَّحَرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا : فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِل ، فَلْيُوَاصِل حَتَّى السَّحَرِ (1) وَلَكِنَّهُ تَرَكَ سُنَّةً ، وَهِيَ تَعْجِيل الْفِطْرِ ، فَتَرْكُ ذَلِكَ أَوْلَى مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ .
    وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ : الأَْوَّل وَهُوَ الصَّحِيحُ : بِأَنَّ الْوِصَال مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالثَّانِي : يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (2) .

    و - صَوْمُ الدَّهْرِ ( صَوْمُ الْعُمُرِ ) :
    19 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ( الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ) عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ إِلَى كَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ ، وَعُلِّلَتِ الْكَرَاهَةُ بِأَنَّهُ يُضْعِفُ الصَّائِمَ عَنِ الْفَرَائِصِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالْكَسْبِ الَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ ، أَوْ بِأَنَّهُ يَصِيرُ الصَّوْمُ طَبْعًا لَهُ ، وَمَبْنَى الْعِبَادَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْعَادَةِ (3) .
    وَاسْتَدَل لِلْكَرَاهَةِ ، بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَال : قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَْبَدَ (4) .
    وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَال : قَال عُمَرُ : يَا رَسُول اللَّهِ ، كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ؟ قَال : لاَ صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ ، أَوْ لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ (1) أَيْ : لَمْ يُحَصِّل أَجْرَ الصَّوْمِ لِمُخَالَفَتِهِ ، وَلَمْ يُفْطِرْ لأَِنَّهُ أَمْسَكَ .
    وَقَال الْغَزَالِيُّ : هُوَ مَسْنُونٌ (2) .
    وَقَال الأَْكْثَرُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ : إِنْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا ، أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا كُرِهَ ، وَإِلاَّ فَلاَ .
    وَالْمُرَادُ بِصَوْمِ الدَّهْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ : سَرْدُ الصَّوْمِ فِي جَمِيعِ الأَْيَّامِ إِلاَّ الأَْيَّامَ الَّتِي لاَ يَصِحُّ صَوْمُهَا ، وَهِيَ الْعِيدَانِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ (3) .

    الصَّوْمُ الْمُحَرَّمُ :
    20 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ الأَْيَّامِ التَّالِيَةِ :
    أ - صَوْمِ يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ ، وَيَوْمِ عِيدِ الأَْضْحَى ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَهِيَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ (4) .
    وَذَلِكَ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْيَّامَ مُنِعَ صَوْمُهَا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ : يَوْمِ الْفِطْرِ ، وَيَوْمِ النَّحْرِ (1) وَحَدِيثِ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال : قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، وَذِكْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَل - (2) .
    وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الصَّوْمِ فِيهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ ، لِمَا فِي صَوْمِهَا مِنَ الإِْعْرَاضِ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَالْكَرَاهَةُ لَيْسَتْ لِذَاتِ الْيَوْمِ ، بَل لِمَعْنًى خَارِجٍ مُجَاوِرٍ ، كَالْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، حَتَّى لَوْ نَذَرَ صَوْمَهَا صَحَّ ، وَيُفْطِرُ وُجُوبًا تَحَامِيًا عَنِ الْمَعْصِيَةِ ، وَيَقْضِيهَا إِسْقَاطًا لِلْوَاجِبِ ، وَلَوْ صَامَهَا خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ ، مَعَ الْحُرْمَةِ (3) .
    وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ صَوْمَهَا لاَ يَصِحُّ فَرْضًا وَلاَ نَفْلاً ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصُومُهَا عَنِ الْفَرْضِ .
    وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ : صَوْمَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَنْ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ ، وَنَقَل الْمِرْدَاوِيُّ أَنَّهَا الْمَذْهَبُ ، لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَمْ يُرَخِّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ .
    وَهَذَا هُوَ الْقَدِيمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالأَْصَحُّ الَّذِي اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ مَا فِي الْجَدِيدِ ، وَهُوَ عَدَمُ صِحَّةِ الصَّوْمِ فِيهَا مُطْلَقًا (1) .
    قَال الْغَزَالِيُّ : وَأَمَّا صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ ، فَقَطَعَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِبُطْلاَنِهِ ، لأَِنَّهُ لَمْ يَظْهَرِ انْصِرَافُ النَّهْيِ عَنْ عَيْنِهِ وَوَصْفِهِ ، وَلَمْ يَرْتَضِ قَوْلَهُمْ : إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ بِالأَْكْل (2) .
    ب - وَيَحْرُمُ صِيَامُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ ، وَصِيَامُ مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلاَكَ بِصَوْمِهِ (3) .

    ثُبُوتُ هِلاَل شَهْرِ رَمَضَانَ :
    21 - يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِإِكْمَال شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ يَوْمًا اتِّفَاقًا ، أَوْ رُؤْيَةِ الْهِلاَل لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ ، وَفِي ثُبُوتِ الرُّؤْيَةِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ ( رُؤْيَة ) ف 2 ( وَرَمَضَان ) ف 2

    صَوْمُ مَنْ رَأَى الْهِلاَل وَحْدَهُ :
    22 - مَنْ رَأَى هِلاَل رَمَضَانَ وَحْدَهُ ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، لَزِمَهُ الصَّوْمُ وُجُوبًا ، عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ( الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ ) وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَذَلِكَ لِلآْيَةِ الْكَرِيمَةِ ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } (1) . وَلِحَدِيثِ : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ (2) . . . وَحَدِيثِ : الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ (3) .
    وَلأَِنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَزِمَهُ صَوْمُهُ ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ .
    وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ لاَ يَصُومُ إِلاَّ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ .
    وَقِيل : يَصُومُ نَدْبًا احْتِيَاطًا ، كَمَا ذَكَرَهُ الْكَاسَانِيُّ (4) .
    وَقَال الْمَالِكِيَّةُ : إِنْ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَإِذَا اعْتَقَدَ عَدَمَ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ لِجَهْلِهِ فَقَوْلاَنِ عِنْدَهُمْ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْعِيَانِ بَيَانٌ ، أَوْ عَدَمَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، بِسَبَبِ عَدَمِ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى غَيْرِهِ (1) .

    23 - وَإِنْ رَأَى هِلاَل شَوَّالٍ وَحْدَهُ ، لَمْ يُفْطِرْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، خَوْفَ التُّهْمَةِ وَسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ ، وَقِيل : يُفْطِرُ إِنْ خَفِيَ لَهُ ذَلِكَ ، وَقَال أَشْهَبُ : يَنْوِي الْفِطْرَ بِقَلْبِهِ . وَعَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقَوْل الْجُمْهُورِ الَّذِينَ مِنْهُمُ الْمَالِكِيَّةُ - إِنْ أَفْطَرَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ عُثِرَ عَلَيْهِ عُوقِبَ إِنِ اتُّهِمَ ، وَلاَ كَفَّارَةَ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ ، لِشُبْهَةِ الرَّدِّ (2) .
    وَقَال الشَّافِعِيُّ : لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، لأَِنَّهُ تَيَقَّنَ مِنْ شَوَّالٍ ، فَجَازَ لَهُ الأَْكْل كَمَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ ، لَكِنْ يُفْطِرُ سِرًّا ، بِحَيْثُ لاَ يَرَاهُ أَحَدٌ ، لأَِنَّهُ إِذَا أَظْهَرَ الْفِطْرَ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهْمَةِ ، وَعُقُوبَةِ السُّلْطَانِ (3) .
    وَقَال الْحَنَفِيَّةُ : لَوْ أَفْطَرَ مَنْ رَأَى الْهِلاَل وَحْدَهُ فِي الْوَقْتَيْنِ : رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ قَضَى وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، لأَِنَّهُ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ فِي رَمَضَانَ ، صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا ، وَلَوْ كَانَ فِطْرُهُ قَبْلَمَا رَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ الرَّاجِحِ ، لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ ، لأَِنَّ مَا رَآهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ خَيَالاً ، لاَ هِلاَلاً - كَمَا يَقُول الْحَصْكَفِيُّ -
    وَقِيل : تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيهِمَا - أَيْ فِي الْفِطْرِ وَفِي رَمَضَانَ - وَذَلِكَ لِلظَّاهِرِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْفِطْرِ ، وَلِلْحَقِيقَةِ الَّتِي عِنْدَهُ فِي رَمَضَانَ (1) .

    رُكْنُ الصَّوْمِ :
    24 - رُكْنُ الصَّوْمِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ هُوَ : الإِْمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ (2) ، وَذَلِكَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ ، حَتَّى غُرُوبِ الشَّمْسِ .
    وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى : { كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل } (3) .
    وَالْمُرَادُ مِنَ النَّصِّ : بَيَاضُ النَّهَارِ وَظُلْمَةُ اللَّيْل ، لاَ حَقِيقَةُ الْخَيْطَيْنِ ، فَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنَ الْمُفْطِرَاتِ لَيَالِيَ الصِّيَامِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِالإِْمْسَاكِ عَنْهُنَّ فِي النَّهَارِ ، فَدَل عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الصَّوْمِ وَقِوَامَهُ هُوَ ذَلِكَ الإِْمْسَاكُ (4) .

    شُرُوطُ وُجُوبِ الصَّوْمِ :
    25 - شُرُوطُ وُجُوبِ الصَّوْمِ ، أَيِ : اشْتِغَال الذِّمَّةِ بِالْوَاجِبِ - كَمَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ - هِيَ شُرُوطُ افْتِرَاضِهِ وَالْخِطَابِ بِهِ (1) . وَهِيَ :
    أ - الإِْسْلاَمُ ، وَهُوَ شَرْطٌ عَامٌّ لِلْخِطَابِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ .
    ب - الْعَقْل ، إِذْ لاَ فَائِدَةَ مِنْ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ بِدُونِهِ ، فَلاَ يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى مَجْنُونٍ إِلاَّ إِذَا أَثِمَ بِزَوَال عَقْلِهِ ، فِي شَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ بَعْدَ الإِْفَاقَةِ (2) .
    وَعَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ بِالإِْفَاقَةِ بَدَلاً مِنَ الْعَقْل ، أَيِ الإِْفَاقَةِ مِنَ الْجُنُونِ وَالإِْغْمَاءِ أَوِ النَّوْمِ ، وَهِيَ الْيَقَظَةُ (3) .
    ج - الْبُلُوغُ ، وَلاَ تَكْلِيفَ إِلاَّ بِهِ ، لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنَ التَّكْلِيفِ هُوَ الاِمْتِثَال ، وَذَلِكَ بِالإِْدْرَاكِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْل - كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الأُْصُول - وَالصِّبَا وَالطُّفُولَةُ عَجْزٌ .
    وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ لِسَبْعٍ - كَالصَّلاَةِ - إِنْ أَطَاقَهُ ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهِ لِعَشْرٍ (4) .
    وَالْحَنَابِلَةُ قَالُوا : يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ أَمْرُهُ بِالصَّوْمِ إِذَا أَطَاقَهُ ، وَضَرْبُهُ حِينَئِذٍ إِذَا تَرَكَهُ لِيَعْتَادَهُ ، كَالصَّلاَةِ ، إِلاَّ أَنَّ الصَّوْمَ أَشَقُّ ، فَاعْتُبِرَتْ لَهُ الطَّاقَةُ ، لأَِنَّهُ قَدْ يُطِيقُ الصَّلاَةَ مَنْ لاَ يُطِيقُ الصَّوْمَ (1) .
    د - الْعِلْمُ بِالْوُجُوبِ ، فَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، يَحْصُل لَهُ الْعِلْمُ الْمُوجِبُ ، بِإِخْبَارِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ ، أَوْ رَجُلٍ مَسْتُورٍ وَامْرَأَتَيْنِ مَسْتُورَتَيْنِ ، أَوْ وَاحِدٍ عَدْلٍ ، وَمَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ ، يَحْصُل لَهُ الْعِلْمُ بِنَشْأَتِهِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ ، وَلاَ عُذْرَ لَهُ بِالْجَهْل (2) .

    شُرُوطُ وُجُوبِ أَدَائِهِ :
    26 - شُرُوطُ وُجُوبِ الأَْدَاءِ الَّذِي هُوَ تَفْرِيغُ ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ عَنِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ (3) هِيَ :
    أ - الصِّحَّةُ وَالسَّلاَمَةُ مِنَ الْمَرَضِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } (4) .
    ب - الإِْقَامَةُ ، لِلآْيَةِ نَفْسِهَا . قَال ابْنُ جُزَيٍّ : وَأَمَّا الصِّحَّةُ وَالإِْقَامَةُ ، فَشَرْطَانِ فِي وُجُوبِ الصِّيَامِ ، لاَ فِي صِحَّتِهِ ، وَلاَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ ، فَإِنَّ وُجُوبَ الصَّوْمِ يَسْقُطُ عَنِ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ ، وَيَجِب عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ ، إِنْ أَفْطَرَا إِجْمَاعًا ، وَيَصِحُّ صَوْمُهُمَا إِنْ صَامَا (1) .
    ج - خُلُوُّ الْمَرْأَةِ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، لأَِنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَيْسَتَا أَهْلاً لِلصَّوْمِ ، وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لَمَّا سَأَلَتْهَا مُعَاذَةُ : مَا بَال الْحَائِضِ ، تَقْضِي الصَّوْمَ وَلاَ تَقْضِي الصَّلاَةَ ؟ فَقَالَتْ : أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ؟ قُلْتُ : لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ ، وَلَكِنِّي أَسْأَل ، قَالَتْ : كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ ، وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ (2) .
    فَالأَْمْرُ بِالْقَضَاءِ فَرْعُ وُجُوبِ الأَْدَاءِ .
    وَالإِْجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى مَنْعِهِمَا مِنَ الصَّوْمِ ، وَعَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمَا (3) .

    شُرُوطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ :
    27 - شَرْطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ هِيَ :
    أ - الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، وَقَدْ عَدَّهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ ، كَالْكَمَال مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَابْنِ جُزَيٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (4) . وَعَدَّهَا بَعْضُهُمْ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الأَْدَاءِ ، وَشُرُوطِ الصِّحَّةِ مَعًا (1) .
    ب - خُلُوُّهُ عَمَّا يُفْسِدُ الصَّوْمَ بِطُرُوِّهِ عَلَيْهِ كَالْجِمَاعِ (2) .
    ج - النِّيَّةُ . وَذَلِكَ لأَِنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ عِبَادَةٌ ، فَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (3) . وَلِحَدِيثِ : إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (4) .
    وَالإِْمْسَاكُ قَدْ يَكُونُ لِلْعَادَةِ ، أَوْ لِعَدَمِ الاِشْتِهَاءِ ، أَوْ لِلْمَرَضِ ، أَوْ لِلرِّيَاضَةِ ، فَلاَ يَتَعَيَّنُ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ ، كَالْقِيَامِ إِلَى الصَّلاَةِ وَالْحَجِّ .
    قَال النَّوَوِيُّ : لاَ يَصِحُّ الصَّوْمُ إِلاَّ بِنِيَّةٍ ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ ، وَلاَ يُشْتَرَطُ النُّطْقُ بِهَا ، بِلاَ خِلاَفٍ (5) .
    وَقَال الْحَنَفِيَّةُ : التَّلَفُّظُ بِهَا سُنَّةٌ (6) .

    صِفَةُ النِّيَّةِ :
    صِفَةُ النِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ جَازِمَةً ، مُعَيَّنَةً ، مُبَيَّتَةً ، مُجَدَّدَةً ، عَلَى مَا يَلِي :
    28 - أَوَّلاً : الْجَزْمُ ، فَقَدِ اشْتُرِطَ فِي نِيَّةِ الصَّوْمِ ؛ قَطْعًا لِلتَّرَدُّدِ ، حَتَّى لَوْ نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ صِيَامَ غَدٍ إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ - لَمْ يُجْزِهِ ، وَلاَ يَصِيرُ صَائِمًا لِعَدَمِ الْجَزْمِ ، فَصَارَ كَمَا إِذَا نَوَى أَنَّهُ إِنْ وَجَدَ غَدَاءً غَدًا يُفْطِرُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ يَصُومُ (1) .
    وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ قَال : إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي ، وَإِلاَّ فَهُوَ نَفْلٌ ، أَوْ فَأَنَا مُفْطِرٌ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، إِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ .
    وَإِنْ قَال ذَلِكَ لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ مِنْ رَمَضَانَ ، صَحَّ صَوْمُهُ إِنْ بَانَ مِنْهُ ، لأَِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ لَمْ يَثْبُتْ زَوَالُهُ ، وَلاَ يَقْدَحُ تَرَدُّدُهُ ، لأَِنَّهُ حُكْمُ صَوْمِهِ مَعَ الْجَزْمِ . بِخِلاَفِ مَا إِذَا قَالَهُ لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ، لأَِنَّهُ لاَ أَصْل مَعَهُ يَبْنِي عَلَيْهِ ، بَل الأَْصْل بَقَاءُ شَعْبَانَ (2) .
    29 - ثَانِيًا : التَّعْيِينُ ، وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ النِّيَّةِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ ، وَصَوْمِ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ ، وَلاَ يَكْفِي تَعْيِينُ مُطْلَقِ الصَّوْمِ ، وَلاَ تَعْيِينُ صَوْمٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ رَمَضَانَ .
    وَكَمَال النِّيَّةِ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ - : أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ غَدٍ ، عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ لِلَّهِ تَعَالَى (1) .
    وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ التَّعْيِينُ فِي ذَلِكَ ؛ لأَِنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى وَقْتٍ ، فَيَجِبُ التَّعْيِينُ فِي نِيَّتِهَا ، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، وَلأَِنَّ التَّعْيِينَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ ، فَيُجْزِئُ التَّعْيِينُ عَنْ نِيَّةِ الْفَرِيضَةِ فِي الْفَرْضِ ، وَالْوُجُوبِ فِي الْوَاجِبِ (2) .
    وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي التَّعْيِينِ إِلَى تَقْسِيمِ الصِّيَامِ إِلَى قِسْمَيْنِ : الْقِسْمُ الأَْوَّل : لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ ، وَهُوَ : أَدَاءُ رَمَضَانَ ، وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ زَمَانُهُ ، وَكَذَا النَّفَل ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِمُطْلَقِ نِيَّةِ الصَّوْمِ ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ .
    وَذَلِكَ لأَِنَّ رَمَضَانَ مِعْيَارٌ - كَمَا يَقُول الأُْصُولِيُّونَ - وَهُوَ مُضَيَّقٌ ، لاَ يَسَعُ غَيْرَهُ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ ، فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ صَوْمٌ آخَرُ ، فَكَانَ مُتَعَيِّنًا لِلْفَرْضِ ، وَالْمُتَعَيِّنُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينٍ ، وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَيُصَابُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ ، وَبِأَصْلِهَا ، وَبِنِيَّةِ نَفْلٍ ، لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ كَمَا يَقُول الْحَصْكَفِيُّ (3) . وَكُل يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لِلنَّفْل - كَمَا سَيَأْتِي - مَا عَدَا رَمَضَانَ ، وَالأَْيَّامَ الْمُحَرَّمَ صَوْمُهَا ، وَمَا يُعَيِّنُهُ الْمُكَلَّفُ بِنَفْسِهِ ، فَكُل ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْيِينِ (1) .
    وَالْقِسْمُ الثَّانِي : يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ ، وَهُوَ : قَضَاءُ رَمَضَانَ ، وَقَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ مِنَ النَّفْل ، وَصَوْمُ الْكَفَّارَاتِ بِأَنْوَاعِهَا ، وَالنَّذْرُ الْمُطْلَقُ عَنِ التَّقْيِيدِ بِزَمَانٍ ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ ، أَمْ كَانَ مُطْلَقًا ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ ، فَلَمْ يَتَأَدَّ إِلاَّ بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ ، قَطْعًا لِلْمُزَاحَمَةِ (2) .
    30 - ثَالِثًا - التَّبْيِيتُ : وَهُوَ شَرْطٌ فِي صَوْمِ الْفَرْضِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالتَّبْيِيتُ : إِيقَاعُ النِّيَّةِ فِي اللَّيْل ، مَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَلَوْ قَارَنَ الْغُرُوبَ أَوِ الْفَجْرَ أَوْ شَكَّ ، لَمْ يَصِحَّ ، كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ التَّبْيِيتِ (3) .
    وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ ، يَصِحُّ لَوْ قَارَنَتِ الْفَجْرَ ، كَمَا فِي تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي النِّيَّةِ الْمُقَارَنَةُ لِلْمَنْوِيِّ (4) .
    وَيَجُوزُ أَنْ تُقَدَّمَ مِنْ أَوَّل اللَّيْل ، وَلاَ تَجُوزُ قَبْل اللَّيْل (1) .
    وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال : مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْل الْفَجْرِ ، فَلاَ صِيَامَ لَهُ (2) .
    وَلأَِنَّ صَوْمَ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَاتِ ، لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ ، فَكَذَا كُل صَوْمِ فَرْضٍ مُعَيَّنٍ .
    وَلاَ تُجْزِئُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَيُجْزِئُ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ ، وَإِنْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهَا لاَ تُجْزِئُ مَعَ الْفَجْرِ ، وَكَلاَمُ الْقَرَافِيِّ وَآخَرِينَ يُفِيدُ أَنَّ الأَْصْل كَوْنُهَا مُقَارِنَةً لِلْفَجْرِ ، وَرُخِّصَ تَقَدُّمُهَا عَلَيْهِ لِلْمَشَقَّةِ فِي مُقَارَنَتِهَا لَهُ (3) .
    وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ : أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي التَّبْيِيتِ النِّصْفُ الآْخَرُ مِنَ اللَّيْل ، لإِِطْلاَقِهِ فِي الْحَدِيثِ ، وَلأَِنَّ تَخْصِيصَ النِّيَّةِ بِالنِّصْفِ الأَْخِيرِ يُفْضِي إِلَى تَفْوِيتِ الصَّوْمِ ، لأَِنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لاَ يَنْتَبِهُ فِيهِ ، وَلاَ يَذْكُرُ الصَّوْمَ ، وَالشَّارِعُ إِنَّمَا رَخَّصَ فِي تَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى ابْتِدَائِهِ ، لِحَرَجِ اعْتِبَارِهَا عِنْدَهُ ، فَلاَ يَخُصُّهَا بِمَحَلٍّ لاَ تَنْدَفِعُ الْمَشَقَّةُ بِتَخْصِيصِهَا بِهِ ، وَلأَِنَّ تَخْصِيصَهَا بِالنِّصْفِ الأَْخِيرِ تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، بَل تُقَرَّبُ النِّيَّةُ مِنَ الْعِبَادَةِ ، لَمَّا تَعَذَّرَ اقْتِرَانُهَا بِهَا .
    وَالصَّحِيحُ أَيْضًا : أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ الأَْكْل وَالْجِمَاعُ بَعْدَ النِّيَّةِ مَا دَامَ فِي اللَّيْل ، لأَِنَّهُ لَمْ يَلْتَبِسْ بِالْعِبَادَةِ ، وَقِيل : يَضُرُّ فَتَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِهَا ، تَحَرُّزًا عَنْ تَخَلُّل الْمُنَاقِضِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِبَادَةِ ، لَمَّا تَعَذَّرَ اقْتِرَانُهَا بِهَا .
    وَالصَّحِيحُ أَيْضًا : أَنَّهُ لاَ يَجِبُ التَّجْدِيدُ لَهَا إِذَا نَامَ بَعْدَهَا ، ثُمَّ تَنَبَّهَ قَبْل الْفَجْرِ ، وَقِيل : يَجِبُ ، تَقْرِيبًا لِلنِّيَّةِ مِنَ الْعِبَادَةِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ (1) .
    وَالْحَنَفِيَّةُ لَمْ يَشْتَرِطُوا التَّبْيِيتَ فِي رَمَضَانَ (2) . وَلَمَّا لَمْ يَشْتَرِطُوا تَبْيِيتَ النِّيَّةِ فِي لَيْل رَمَضَانَ ، أَجَازُوا النِّيَّةَ بَعْدَ الْفَجْرِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ أَيْضًا ، حَتَّى الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى ، فَيَنْوِي قَبْلَهَا لِيَكُونَ الأَْكْثَرُ مَنْوِيًّا ، فَيَكُونَ لَهُ حُكْمُ الْكُل ، حَتَّى لَوْ نَوَى بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ ، لِخُلُوِّ الأَْكْثَرِ عَنِ النِّيَّةِ ، تَغْلِيبًا لِلأَْكْثَرِ .
    وَالضَّحْوَةُ الْكُبْرَى : نِصْفُ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ ، وَهُوَ مِنْ وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ .
    وَقَال الْحَنَفِيَّةُ ، مِنْهُمْ الْمَوْصِلِيُّ : وَالأَْفْضَل الصَّوْمُ بِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مُبَيَّتَةٍ لِلْخُرُوجِ عَنِ الْخِلاَفِ (1) .
    وَدَلِيل الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ ، مِنْ صِحَّةِ النِّيَّةِ حَتَّى الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى ، وَعَدَمِ شَرْطِيَّةِ التَّبْيِيتِ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّاسَ أَصْبَحُوا يَوْمَ الشَّكِّ ، فَقَدِمَ أَعْرَابِيٌّ ، وَشَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل ، فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُول اللَّهِ ؟ فَقَال : نَعَمْ ، فَقَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، يَكْفِي الْمُسْلِمِينَ أَحَدُهُمْ ، فَصَامَ وَأَمَرَ بِالصِّيَامِ ، وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى : أَلاَ مَنْ أَكَل فَلاَ يَأْكُل بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُل فَلْيَصُمْ (2) .
    فَقَدْ أَمَرَ بِالصَّوْمِ ، وَأَنَّهُ يَقْتَضِي الْقُدْرَةَ عَلَى الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ ، وَلَوْ شُرِطَتِ النِّيَّةُ مِنَ اللَّيْل لَمَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ ، فَدَل عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا (3) .
    وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا ، بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَل غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَْنْصَارِ : مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ (1) . وَكَانَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَاجِبًا ، ثُمَّ نُسِخَ بِفَرْضِ رَمَضَانَ (2) .
    وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ تَبْيِيتَ النِّيَّةِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ .
    31 - أَمَّا النَّفَل فَيَجُوزُ صَوْمُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ - خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ - بِنِيَّةٍ قَبْل الزَّوَال ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ : دَخَل عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، فَقَال : هَل عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ ، فَقُلْنَا : لاَ ، فَقَال : فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ (3) .
    وَلأَِنَّ النَّفَل أَخَفُّ مِنَ الْفَرْضِ ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ : أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ الْقِيَامِ فِي النَّفْل مَعَ الْقُدْرَةِ ، وَلاَ يَجُوزُ فِي الْفَرْضِ .
    وَعِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ بَعْدَ الزَّوَال ، وَالْمَذْهَبُ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ : لاَ يَجُوزُ ، لأَِنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَصْحَبَ مُعْظَمَ الْعِبَادَةِ (4) .
    وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ : أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا ، فَرْضًا أَوْ نَفْلاً - نِيَّةٌ مُبَيَّتَةٌ (1) ، وَذَلِكَ لإِِطْلاَقِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ : مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْل ، فَلاَ صِيَامَ لَهُ (2) .
    وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ جَوَازُ النِّيَّةِ فِي النَّفْل ، قَبْل الزَّوَال وَبَعْدَهُ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَحَدِيثِ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ، وَأَنَّهُ قَوْل مُعَاذٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا يُخَالِفُهُ صَرِيحًا ، وَالنِّيَّةُ وُجِدَتْ فِي جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ ، فَأَشْبَهَ وُجُودَهَا قَبْل الزَّوَال بِلَحْظِهِ (3) .
    وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ نِيَّةِ النَّفْل فِي النَّهَارِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ : أَنْ لاَ يَكُونَ فَعَل مَا يُفْطِرُهُ قَبْل النِّيَّةِ ، فَإِنْ فَعَل فَلاَ يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ ، قَال الْبُهُوتِيُّ : بِغَيْرِ خِلاَفٍ نَعْلَمُهُ ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ ، لَكِنْ خَالَفَ فِيهِ أَبُو زَيْدٍ الشَّافِعِيُّ (4) .
    وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ فِي اعْتِبَارِ الثَّوَابِ : مِنْ أَوَّل النَّهَارِ ، أَمْ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ ؟ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ : أَنَّهُ صَائِمٌ مِنْ أَوَّل النَّهَارِ ، كَمَا إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ ، يَكُونُ مُدْرِكًا لِثَوَابِ جَمِيعِ الرَّكْعَةِ ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ جَمِيعُ شُرُوطِ الصَّوْمِ مِنْ أَوَّل النَّهَارِ .

    32 - رَابِعًا : تَجْدِيدُ النِّيَّةِ : ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ فِي كُل يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ، مِنَ اللَّيْل أَوْ قَبْل الزَّوَال - عَلَى الْخِلاَفِ السَّابِقِ - وَذَلِكَ لِكَيْ يَتَمَيَّزَ الإِْمْسَاكُ عِبَادَةً عَنِ الإِْمْسَاكِ عَادَةً أَوْ حِمْيَةً (1) .
    وَلأَِنَّ كُل يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ ، لاَ يَرْتَبِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، وَلاَ يَفْسُدُ بِفَسَادِ بَعْضٍ ، وَيَتَخَلَّلُهَا مَا يُنَافِيهَا ، وَهُوَ اللَّيَالِي الَّتِي يَحِل فِيهَا مَا يُحَرَّمُ فِي النَّهَارِ ، فَأَشْبَهَتِ الْقَضَاءَ ، بِخِلاَفِ الْحَجِّ وَرَكَعَاتِ الصَّلاَةِ (2) .
    وَذَهَبَ زُفَرُ وَمَالِكٌ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - أَنَّهُ تَكْفِي نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ عَنِ الشَّهْرِ كُلِّهِ فِي أَوَّلِهِ ، كَالصَّلاَةِ . وَكَذَلِكَ فِي كُل صَوْمٍ مُتَتَابِعٍ ، كَكَفَّارَةِ الصَّوْمِ وَالظِّهَارِ ، مَا لَمْ يَقْطَعْهُ أَوْ يَكُنْ عَلَى حَالِةِ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فِيهَا ، فَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ ، وَذَلِكَ لاِرْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، وَعَدَمِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ ، فَكَفَتْ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَبْطُل بِبُطْلاَنِ بَعْضِهَا ، كَالصَّلاَةِ (1) .
    فَعَلَى ذَلِكَ لَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَصِحَّ صِيَامُ الْبَاقِي بِتِلْكَ النِّيَّةِ ، كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ ، وَقِيل : يَصِحُّ ، وَقَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ .
    وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ (2) . وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَال ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - : لاَ بُدَّ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ الْمُتَتَابِعِ مِنَ النِّيَّةِ كُل يَوْمٍ ، نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ كَالْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ ، مِنْ حَيْثُ عَدَمُ فَسَادِ مَا مَضَى مِنْهُ بِفَسَادِ مَا بَعْدَهُ (3) .
    بَل رُوِيَ عَنْ زُفَرَ أَنَّ الْمُقِيمَ الصَّحِيحَ ، لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ ، لأَِنَّ الإِْمْسَاكَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْعَادَةِ وَالْعِبَادَةِ ، فَكَانَ مُتَرَدِّدًا بِأَصْلِهِ مُتَعَيِّنًا بِوَصْفِهِ ، فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ أَتَى بِهِ وَقَعَ عَنْهُ (4) .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    363

    افتراضي رد: أحكام الصيام بمناسبة قرب شهر رمضان .

    اسْتِمْرَارُ النِّيَّةِ :
    33 - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ الدَّوَامَ عَلَى النِّيَّةِ ، فَلَوْ نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْل ثُمَّ رَجَعَ عَنْ نِيَّتِهِ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ لاَ يَصِيرُ صَائِمًا .
    قَال الطَّحْطَاوِيُّ : وَيُشْتَرَطُ الدَّوَامُ عَلَيْهَا . فَلَوْ نَوَى مِنَ اللَّيْل ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ نِيَّتِهِ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ
    - صَحَّ رُجُوعُهُ وَلاَ يَصِيرُ صَائِمًا ، وَلَوْ أَفْطَرَ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِلاَّ الْقَضَاءُ ، بِانْقِطَاعِ النِّيَّةِ بِالرُّجُوعِ ، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ ، لِشُبْهَةِ خِلاَفِ مَنِ اشْتَرَطَ التَّبْيِيتَ ، إِلاَّ إِذَا جَدَّدَ النِّيَّةَ ، بِأَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ ، تَحْصِيلاً لَهَا ، لأَِنَّ الأُْولَى غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ ، بِسَبَبِ الرُّجُوعِ عَنْهَا (1) .
    وَلاَ تَبْطُل النِّيَّةُ بِقَوْلِهِ : أَصُومُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، لأَِنَّهُ بِمَعْنَى الاِسْتِعَانَةِ ، وَطَلَبِ التَّوْفِيقِ وَالتَّيْسِيرِ . وَالْمَشِيئَةُ إِنَّمَا تُبْطِل اللَّفْظَ ، وَالنِّيَّةُ فِعْل الْقَلْبِ .
    قَال الْبُهُوتِيُّ : وَكَذَا سَائِرُ الْعِبَادَاتِ لاَ تَبْطُل بِذِكْرِ الْمَشِيئَةِ فِي نِيَّتِهَا (2) .
    وَلاَ تَبْطُل النِّيَّةُ بِأَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ أَوْ جِمَاعِهِ بَعْدَهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ، حُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بُطْلاَنُهَا ، وَلَوْ رَجَعَ عَنْ نِيَّتِهِ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ صَحَّ رُجُوعُهُ (3) .
    وَلَوْ نَوَى الإِْفْطَارَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّ ةِ أَنَّهُ لاَ يُفْطِرُ ، كَمَا لَوْ نَوَى التَّكَلُّمَ فِي صَلاَتِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ، قَال الْبَيْجُورِيُّ : وَيَضُرُّ رَفْضُ النِّيَّةِ لَيْلاً ، وَلاَ يَضُرُّ نَهَارًا (1) .
    وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَة ُ : يُفْطِرُ ، لأَِنَّهُ قَطَعَ نِيَّةَ الصَّوْمِ بِنِيَّةِ الإِْفْطَارِ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا ابْتِدَاءً (2) .

    الإِْغْمَاءُ وَالْجُنُونُ وَالسُّكْرُ بَعْدَ النِّيَّةِ :
    34 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْل ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ إِغْمَاءٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ سُكْرٌ :
    فَإِنْ لَمْ يُفِقْ إِلاَّ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّ ةُ وَالْحَنَابِلَة ُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهِ ، لأَِنَّ الصَّوْمَ هُوَ الإِْمْسَاكُ مَعَ النِّيَّةِ ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَال اللَّهُ : كُل عَمَل ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّوْمَ ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي (3) فَأَضَافَ تَرْكَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيْهِ ، فَإِذَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَلاَ يُضَافُ الإِْمْسَاكُ إِلَيْهِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ .
    وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ صَوْمِهِ ، لأَِنَّ نِيَّتَهُ قَدْ صَحَّتْ ، وَزَوَال الاِسْتِشْعَارِ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ ، كَالنَّوْمِ .
    أَمَّا إِذَا أَفَاقَ أَثْنَاءَ النَّهَارِ ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ إِذَا أَفَاقَ قَبْل الزَّوَال ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهِ ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَة ُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَفَاقَ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَوَّلِهِ أَمْ فِي آخِرِهِ .
    وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الْجُنُونِ وَالإِْغْمَاءِ ، فَالْمَذْهَبُ : أَنَّهُ لَوْ جُنَّ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ بَطَل صَوْمُهُ ، وَقِيل : هُوَ كَالإِْغْمَاءِ .
    وَأَمَّا الرِّدَّةُ بَعْدَ نِيَّةِ الصَّوْمِ فَتُبْطِل الصَّوْمَ بِلاَ خِلاَفٍ (1) .

    سُنَنُ الصَّوْمِ وَمُسْتَحَبَّات ُهُ :
    35 - سُنَنُ الصَّوْمِ وَمُسْتَحَبَّات ُهُ كَثِيرَةٌ ، أَهَمُّهَا :
    أ - السَّحُورُ ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَال : تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً (2) .
    ب - تَأْخِيرُ السَّحُورِ ، وَتَعْجِيل الْفِطْرِ ، وَمِمَّا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ سَهْل بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال : لاَ يَزَال النَّاسُ
    بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ (1) . وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ . قُلْتُ : كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَْذَانِ وَالسَّحُورِ ؟ قَال : قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً (2) .
    ج - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الإِْفْطَارُ عَلَى رُطَبَاتٍ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ ، وَفِي هَذَا وَرَدَ حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال : كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ قَبْل أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ (3) .
    وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال : " قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ ، فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ (4) .
    د - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ عِنْدَ الإِْفْطَارِ ، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعًا : إِنَّ لِلصَّائِمِ دَعْوَةً لاَ تُرَدُّ (1) .
    وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَال : ذَهَبَ الظَّمَأُ ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ ، وَثَبَتَ الأَْجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (2) .
    وَهُنَاكَ فَضَائِل مِنْ خَصَائِصِ شَهْرِ رَمَضَانَ كَالتَّرَاوِيحِ ، وَالإِْكْثَارِ مِنَ الصَّدَقَاتِ ، وَالاِعْتِكَافِ ، وَغَيْرِهَا تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَ ا .
    36 - وَمِنْ أَهَمِّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَفَّعَ عَنْهُ الصَّائِمُ وَيَحْذَرَهُ : مَا يُحْبِطُ صَوْمَهُ مِنَ الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ ، فَيَصُونَ لِسَانَهُ عَنِ اللَّغْوِ وَالْهَذَيَانِ وَالْكَذِبِ ، وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ ، وَالْفُحْشِ وَالْجَفَاءِ ، وَالْخُصُومَةِ وَالْمِرَاءِ ، وَيَكُفَّ جَوَارِحَهُ عَنْ جَمِيعِ الشَّهَوَاتِ وَالْمُحَرَّمَا تِ ، وَيَشْتَغِل بِالْعِبَادَةِ ، وَذِكْرِ اللَّهِ ، وَتِلاَوَةِ الْقُرْآنِ وَهَذَا - كَمَا يَقُول الْغَزَالِيُّ : هُوَ سِرُّ الصَّوْمِ (3) وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال : قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَال اللَّهُ تَعَالَى : كُل عَمَل ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ ، فَلاَ يَرْفُثُ وَلاَ يَصْخَبُ ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ ، فَلْيَقُل : إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ (1) ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال : الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، مَا لَمْ يَخْرِقْهَا بِكَذِبٍ أَوْ غِيبَةٍ (2) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال : قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْل الزُّورِ ، وَالْعَمَل بِهِ ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ (3) .

    مُفْسِدَاتُ الصَّوْمِ :
    37 - يَفْسُدُ الصَّوْمُ - بِوَجْهٍ عَامٍّ - كُلَّمَا انْتَفَى شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهِ ، أَوِ اخْتَل أَحَدُ أَرْكَانِهِ ، كَالرِّدَّةِ ، وَكَطُرُوءِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، وَكُل مَا يُنَافِيهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا ، وَدُخُول شَيْءٍ مِنْ خَارِجِ الْبَدَنِ إِلَى جَوْفِ الصَّائِمِ .
    38 - وَيُشْتَرَطُ فِي فَسَادِ الصَّوْمِ بِمَا يَدْخُل إِلَى الْجَوْفِ مَا يَلِي : -
    أ - أَنْ يَكُونَ الدَّاخِل إِلَى الْجَوْفِ ، مِنَ الْمَنَافِذِ الْوَاسِعَةِ - كَمَا قَيَّدَهُ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ (1) - وَالْمَفْتُوحَة ِ - كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ (2) - أَيِ : الْمَخَارِقِ الطَّبِيعِيَّةِ الأَْصْلِيَّةِ فِي الْجِسْمِ ، وَالَّتِي تُعْتَبَرُ مُوَصِّلَةً لِلْمَادَّةِ مِنَ الْخَارِجِ إِلَى الدَّاخِل ، كَالْفَمِ وَالأَْنْفِ وَالأُْذُنِ .
    وَقَدِ اسْتُدِل لِذَلِكَ ، بِالاِتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنِ اغْتَسَل فِي مَاءٍ ، فَوَجَدَ بَرْدَهُ فِي بَاطِنِهِ لاَ يُفْطِرُ ، وَمَنْ طَلَى بَطْنَهُ بِدُهْنٍ لاَ يَضُرُّ ، لأَِنَّ وُصُولَهُ إِلَى الْجَوْفِ بِتَشَرُّبٍ (3) .
    وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ ، بَل اكْتَفَوْا بِتَحَقُّقِ وُصُولِهِ إِلَى الْحَلْقِ وَالْجَوْفِ ، وَالدِّمَاغُ جَوْفٌ (4) .
    ب - أَنْ يَكُونَ الدَّاخِل إِلَى الْجَوْفِ مِمَّا يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ ، كَدُخُول الْمَطَرِ وَالثَّلْجِ بِنَفْسِهِ حَلْقَ الصَّائِمِ إِذَا لَمْ يَبْتَلِعْهُ بِصُنْعِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ - كَالذُّبَابِ يَطِيرُ إِلَى الْحَلْقِ ، وَغُبَارِ الطَّرِيقِ - لَمْ يُفْطِرْ إِجْمَاعًا (5) .
    وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ ، وَالْقِيَاسُ الْفَسَادُ ،لِوُصُول الْمُفْطِرِ إِلَى جَوْفِهِ .
    وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ ، أَنَّهُ لاَ يُسْتَطَاعُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ الدُّخَانَ (1) .
    وَالْجَوْفُ : هُوَ الْبَاطِنُ ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُحِيل الْغِذَاءَ وَالدَّوَاءَ ، أَيْ يُغَيِّرُهُمَا كَالْبَطْنِ وَالأَْمْعَاءِ ، أَمْ كَانَ مِمَّا يُحِيل الدَّوَاءَ فَقَطْ كَبَاطِنِ الرَّأْسِ أَوِ الأُْذُنِ ، أَمْ كَانَ مِمَّا لاَ يُحِيل شَيْئًا كَبَاطِنِ الْحَلْقِ (2) .
    قَال النَّوَوِيُّ : جَعَلُوا الْحَلْقَ كَالْجَوْفِ ، فِي بُطْلاَنِ الصَّوْمِ بِوُصُول الْوَاصِل إِلَيْهِ ، وَقَال الإِْمَامُ : إِذَا جَاوَزَ الشَّيْءُ الْحُلْقُومَ أَفْطَرَ .
    قَال : وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا - بَاطِنُ الدِّمَاغِ وَالأَْمْعَاءُ وَالْمَثَانَةُ مِمَّا يُفْطِرُ الْوُصُول إِلَيْهِ (3) .
    ج - وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّاخِل إِلَى الْجَوْفِ مُغَذِّيًا ، فَيَفْسُدُ الصَّوْمُ بِالدَّاخِل إِلَى الْجَوْفِ ، مِمَّا يُغَذِّي أَوْ لاَ يُغَذِّي ، كَابْتِلاَعِ التُّرَابِ وَنَحْوِهِ ، وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ، قَال ابْنُ رُشْدٍ : وَتَحْصِيل مَذْهَبِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ يَجِبُ الإِْمْسَاكُ عَمَّا يَصِل إِلَى الْحَلْقِ ، مِنْ أَيِّ الْمَنَافِذِ وَصَل ،مُغَذِّيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُغَذٍّ (1) .
    د - وَشُرِطَ كَوْنُ الصَّائِمِ قَاصِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ ، أَمَّا لَوْ كَانَ نَاسِيًا أَنَّهُ صَائِمٌ ، فَلاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال : مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ ، فَأَكَل أَوْ شَرِبَ ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ (2) .
    وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْفَرْضُ وَالنَّفَل لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ (3) .
    وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ فِي رَمَضَانَ ، فَأَكَل أَوْ شَرِبَ ، عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، أَمَّا لَوْ نَسِيَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ، فَأَكَل أَوْ شَرِبَ ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَوْمَهُ ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ (4) .
    هـ - وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّ ةُ اسْتِقْرَارَ الْمَادَّةِ فِي الْجَوْفِ ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الْحَصَاةَ - مَثَلاً - تَشْغَل الْمَعِدَةَ شُغْلاً مَا وَتُنْقِصُ الْجُوعَ (5) .
    وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَة ُ اسْتِقْرَارَ الْمَادَّةِ فِي الْجَوْفِ إِذَا كَانَ بِاخْتِيَارِهِ .
    وَعَلَى قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّ ةِ : لَوْ لَمْ تَسْتَقِرَّ الْمَادَّةُ ، بِأَنْ خَرَجَتْ مِنَ الْجَوْفِ لِسَاعَتِهَا لاَ يَفْسُدُ الصَّوْمُ ، كَمَا لَوْ أَصَابَتْهُ سِهَامٌ فَاخْتَرَقَتْ بَطْنَهُ وَنَفَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ ، وَلَوْ بَقِيَ النَّصْل فِي جَوْفِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ يَفْسُدُ صَوْمُهُ ، قَال الْغَزَالِيُّ : وَلَوْ كَانَ بَعْضُ السِّكِّينِ خَارِجًا (1) .
    و - وَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَة ُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الصَّائِمُ مُخْتَارًا فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ ، مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ دَوَاءٍ ، فَلَوْ أُوجِرَ الْمَاءُ ، أَوْ صُبَّ الدَّوَاءُ فِي حَلْقِهِ مُكْرَهًا ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ عِنْدَهُمْ ، لأَِنَّهُ لَمْ يَفْعَل وَلَمْ يَقْصِدْ .
    وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الإِْفْطَارِ ، فَأَكَل أَوْ شَرِبَ ، فَلِلشَّافِعِيّ َةِ قَوْلاَنِ مَشْهُورَانِ فِي الْفِطْرِ وَعَدَمِهِ .
    أَصَحُّهُمَا : عَدَمُ الْفِطْرِ ، وَعَلَّلُوا عَدَمَ الإِْفْطَارِ بِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَى اخْتِيَارِهِ سَاقِطٌ ، لِعَدَمِ وُجُودِ الاِخْتِيَارِ (2) .
    وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ : أَنَّهُ لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ قَوْلاً وَاحِدًا ، وَهُوَ كَالإِْيجَارِ (3) ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (1) . فَإِنَّهُ عَامٌّ (2) .
    وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّ ةِ : أَنَّ الإِْكْرَاهَ عَلَى الإِْفْطَارِ يُفْسِدُ الصَّوْمَ ، وَيَسْتَوْجِبُ الْقَضَاءَ ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُرَادَ مِنْ حَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ رَفْعُ الْحُكْمِ ، لِتَصْحِيحِ الْكَلاَمِ اقْتِضَاءً ، وَالْمُقْتَضِي لاَ عُمُومَ لَهُ ، وَالإِْثْمُ مُرَادٌ إِجْمَاعًا ، فَلاَ تَصِحُّ إِرَادَةُ الْحُكْمِ الآْخَرِ - وَهُوَ الدُّنْيَوِيُّ - بِالْفَسَادِ (3) .

    مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ ، وَيُوجِبُ الْقَضَاءَ :
    39 - وَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الإِْخْلاَل بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ ، وَيُمْكِنُ حَصْرُهُ فِيمَا يَلِي : -
    1 - تَنَاوُل مَا لاَ يُؤْكَل فِي الْعَادَةِ .
    2 - قَضَاءُ الْوَطَرِ قَاصِرًا .
    3 - شُئُونُ الْمُعَالَجَةِ وَالْمُدَاوَاةِ .
    4 - التَّقْصِيرُ فِي حِفْظِ الصَّوْمِ وَالْجَهْل بِأَحْكَامِهِ .
    5 - الإِْفْطَارُ بِسَبَبِ الْعَوَارِضِ . أَوَّلاً : تَنَاوُل مَا لاَ يُؤْكَل عَادَةً :
    40 - تَنَاوُل مَا لاَ يُؤْكَل عَادَةً كَالتُّرَابِ وَالْحَصَى ، وَالدَّقِيقِ غَيْرِ الْمَخْلُوطِ - عَلَى الصَّحِيحِ - وَالْحُبُوبِ النِّيئَةِ ، كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ ، وَالثِّمَارِ الْفِجَّةِ الَّتِي لاَ تُؤْكَل قَبْل النُّضْجِ ، كَالسَّفَرْجَل وَالْجَوْزِ ، وَكَذَا تَنَاوُل مِلْحٍ كَثِيرٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً يُوجِبُ الْقَضَاءَ دُونَ الْكَفَّارَةِ ، أَمَّا إِذَا أَكَلَهُ عَلَى دَفَعَاتٍ ، بِتَنَاوُل دَفْعَةٍ قَلِيلَةٍ ، فِي كُل مَرَّةٍ ، فَيَجِبُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ .
    أَمَّا فِي أَكْل نَوَاةٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ وَرَقٍ ، أَوِ ابْتِلاَعِ حَصَاةٍ ، أَوْ حَدِيدٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، وَكَذَا شُرْبُ مَا لاَ يُشْرَبُ مِنَ السَّوَائِل كَالْبِتْرُول فَالْقَضَاءُ دُونَ كَفَّارَةٍ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ بِسَبَبِ الاِسْتِقْذَارِ وَالْعِيَافَةِ وَمُنَافَاةِ الطَّبْعِ ، فَانْعَدَمَ مَعْنَى الْفِطْرِ ، وَهُوَ بِإِيصَال مَا فِيهِ نَفْعُ الْبَدَنِ إِلَى الْجَوْفِ ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُتَغَذَّى بِهِ أَمْ يُتَدَاوَى بِهِ . وَلأَِنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَيْسَتْ غِذَائِيَّةً ، وَلاَ فِي مَعْنَى الْغِذَاءِ - كَمَا يَقُول الطَّحَاوِيُّ - وَلِتَحَقُّقِ الإِْفْطَارِ فِي الصُّورَةِ ، وَهُوَ الاِبْتِلاَعُ (1) .
    قَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الْفِطْرُ مِمَّا دَخَل .

    وَقَال الزَّيْلَعِيُّ : كُل مَا لاَ يُتَغَذَّى بِهِ ، وَلاَ يُتَدَاوَى بِهِ عَادَةً ، لاَ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ (1) .

    ثَانِيًا : قَضَاءُ الْوَطَرِ أَوِ الشَّهْوَةِ عَلَى وَجْهِ الْقُصُورِ : وَذَلِكَ فِي الصُّوَرِ الآْتِيَةِ :
    41 - أ - تَعَمُّدُ إِنْزَال الْمَنِيِّ بِلاَ جِمَاعٍ ، وَذَلِكَ كَالاِسْتِمْنَا ءِ بِالْكَفِّ أَوْ بِالتَّبْطِينِ وَالتَّفْخِيذِ ، أَوْ بِاللَّمْسِ وَالتَّقْبِيل وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ دُونَ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّ ةِ وَالْحَنَابِلَة ِ - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ مَعًا (2) .
    ب - الإِْنْزَال بِوَطْءِ مَيِّتَةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ ، أَوْ صَغِيرَةٍ لاَ تُشْتَهَى :
    42 - وَهُوَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ ، لأَِنَّ فِيهِ قَضَاءَ إِحْدَى الشَّهْوَتَيْنِ ، وَأَنَّهُ يُنَافِي الصَّوْمَ ، وَلاَ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، لِتَمَكُّنِ النُّقْصَانِ فِي قَضَاءِ الشَّهْوَةِ ، فَلَيْسَ بِجِمَاعٍ (3) خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ ، فَإِنَّهُ لاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ كَوْنِ الْمَوْطُوءَةِ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً ، وَلاَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ ، وَلاَ بَيْنَ الْجَهْل وَالْخَطَأِ ، وَفِي كُل ذَلِكَ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، لإِِطْلاَقِ حَدِيثِ الأَْعْرَابِيِّ (1) ، وَالْمَالِكِيَّ ةُ يُوجِبُونَ فِي ذَلِكَ الْكَفَّارَةَ ، لِتَعَمُّدِ إِخْرَاجِ الْمَنِيِّ (2) .
    ج - الْمُسَاحَقَةُ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ إِذَا أَنْزَلَتْ :
    43 - عَمَل الْمَرْأَتَيْنِ ، كَعَمَل الرِّجَال ، جِمَاعٌ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، إِلاَّ إِذَا أَنْزَلَتْ ، وَلاَ كَفَّارَةَ مَعَ الإِْنْزَال ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ، وَعَلَّلَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ نَصَّ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْجِمَاعِ .
    قَال ابْنُ قُدَامَةَ : وَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُمَا لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا ، لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلاَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَيَبْقَى عَلَى الأَْصْل (3) .
    د - الإِْنْزَال بِالْفِكْرِ وَالنَّظَرِ :
    44 - إِنْزَال الْمَنِيِّ بِالنَّظَرِ أَوِ الْفِكْرِ ، فِيهِ التَّفْصِيل الآْتِي : - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّ ةِ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ أَنَّ الإِْنْزَال بِالْفِكْرِ - وَإِنْ طَال - وَبِالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ ، وَلَوْ إِلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ مِرَارًا ،لاَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُنْزِل بِهِ ، لأَِنَّهُ إِنْزَالٌ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ ، فَأَشْبَهَ الاِحْتِلاَمَ . قَال الْقَلْيُوبِيُّ : النَّظَرُ وَالْفِكْرُ الْمُحَرِّكُ لِلشَّهْوَةِ ، كَالْقُبْلَةِ ، فَيَحْرُمُ وَإِنْ لَمْ يُفْطِرْ بِهِ (1) .
    وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ أَمْنَى بِمُجَرَّدِ الْفِكْرِ أَوِ النَّظَرِ ، مِنْ غَيْرِ اسْتِدَامَةٍ لَهُمَا ، يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ .
    وَإِنِ اسْتَدَامَهُمَا حَتَّى أَنْزَل فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الإِْنْزَال بِهِمَا عِنْدَ الاِسْتِدَامَةِ ، فَالْكَفَّارَةُ قَطْعًا ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ عَدَمَ الإِْنْزَال بِهِمَا عِنْدَ الاِسْتِدَامَةِ ، فَخَالَفَ عَادَتَهُ وَأَمْنَى ، فَقَوْلاَنِ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ ، وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ عَدَمَ اللُّزُومِ .
    وَلَوْ أَمْنَى فِي أَدَاءِ رَمَضَانَ بِتَعَمُّدِ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِهِ تَأْوِيلاَنِ ، مَحَلُّهُمَا إِذَا كَانَتْ عَادَتُهُ الإِْنْزَال بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ ، وَإِلاَّ فَلاَ كَفَّارَةَ اتِّفَاقًا (2) .
    وَقَال الأَْذْرَعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَتَبِعَهُ شَيْخُ الْقَلْيُوبِيِّ ، وَالرَّمْلِيُّ : يُفْطِرُ إِذَا عَلِمَ الإِْنْزَال بِالْفِكْرِ وَالنَّظَرِ ، وَإِنْ لَمْ يُكَرِّرْهُ (1) .
    وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ النَّظَرِ وَبَيْنَ الْفِكْرِ ، فَفِي النَّظَرِ إِذَا أَمْنَى يَفْسُدُ الصَّوْمُ ، لأَِنَّهُ أَنْزَل بِفِعْلٍ يَتَلَذَّذُ بِهِ ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ ، كَالإِْنْزَال بِاللَّمْسِ ، وَالْفِكْرُ لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، بِخِلاَفِ النَّظَرِ .
    وَلَوْ أَمْذَى بِتَكْرَارِ النَّظَرِ ، فَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ لاَ يُفْطِرُ بِهِ ، لأَِنَّهُ لاَ نَصَّ فِي الْفِطْرِ بِهِ ، وَلاَ يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى إِنْزَال الْمَنِيِّ ، لِمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهُ فِي الأَْحْكَامِ ، فَيَبْقَى عَلَى الأَْصْل (2) .
    وَإِذَا لَمْ يُكَرِّرِ النَّظَرَ لاَ يُفْطِرُ ، سَوَاءٌ أَمْنَى أَوْ أَمْذَى ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ، لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ ، وَنَصَّ أَحْمَدُ : يُفْطِرُ بِالْمَنِيِّ لاَ بِالْمَذْيِ (3) .
    أَمَّا الْفِكْرُ ، فَإِنَّ الإِْنْزَال بِهِ لاَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ . وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ : الإِْفْسَادَ بِهِ ، لأَِنَّ الْفِكْرَ يَدْخُل تَحْتَ الاِخْتِيَارِ ، لَكِنَّ جُمْهُورَهُمُ اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ، مَا لَمْ تَعْمَل بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ (4) وَلأَِنَّهُ لاَ نَصَّ فِي الْفِطْرِ بِهِ وَلاَ
    إِجْمَاعَ ، وَلاَ يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ وَلاَ تَكْرَارِ النَّظَرِ ، لأَِنَّهُ دُونَهُمَا فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ ، وَإِفْضَائِهِ إِلَى الإِْنْزَال (1) .

    ثَالِثًا : الْمُعَالَجَاتُ وَنَحْوُهَا ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ ، أَهَمُّهَا :

    أ - الاِسْتِعَاطُ :
    45 - الاِسْتِعَاطُ ، افْتِعَالٌ مِنَ السَّعُوطِ ، مِثَال رَسُولٍ : دَوَاءٌ يُصَبُّ فِي الأَْنْفِ (2) ، وَالاِسْتِعَاطُ وَالإِْسْعَاطُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ : إِيصَال الشَّيْءِ إِلَى الدِّمَاغِ مِنَ الأَْنْفِ (3) .
    وَإِنَّمَا يُفْسِدُ الاِسْتِعَاطُ الصَّوْمَ ، بِشَرْطِ أَنْ يَصِل الدَّوَاءُ إِلَى الدِّمَاغِ ، وَالأَْنْفُ مَنْفَذٌ إِلَى الْجَوْفِ ، فَلَوْ لَمْ يَصِل إِلَى الدِّمَاغِ لَمْ يَضُرَّ ، بِأَنْ لَمْ يُجَاوِزِ الْخَيْشُومَ ، فَلَوْ وَضَعَ دَوَاءً فِي أَنْفِهِ لَيْلاً ، وَهَبَطَ نَهَارًا ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ (4) .
    وَلَوْ وَضَعَهُ فِي النَّهَارِ ، وَوَصَل إِلَى دِمَاغِهِ أَفْطَرَ ؛ لأَِنَّهُ وَاصِلٌ إِلَى جَوْفِ الصَّائِمِ بِاخْتِيَارِهِ فَيُفَطِّرُهُ كَالْوَاصِل إِلَى الْحَلْقِ ، وَالدِّمَاغُ جَوْفٌ - كَمَا قَرَّرُوا - وَالْوَاصِل إِلَيْهِ يُغَذِّيهِ ، فَيُفَطِّرُهُ ،كَجَوْفِ الْبَدَنِ (1) .
    وَالْوَاجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ لاَ الْكَفَّارَةُ ، هَذَا هُوَ الأَْصَحُّ ، لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ مُوجِبُ الإِْفْطَارِ صُورَةً وَمَعْنًى ، وَالصُّورَةُ هِيَ الاِبْتِلاَعُ ، وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ ، وَالنَّفْعُ الْمُجَرَّدُ عَنْهَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ فَقَطْ (2) .
    وَهَذَا الْحُكْمُ لاَ يَخُصُّ صَبَّ الدَّوَاءِ ، بَل لَوِ اسْتَنْشَقَ الْمَاءَ ، فَوَصَل إِلَى دِمَاغِهِ أَفْطَرَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (3) .

    ب - اسْتِعْمَال الْبَخُورِ :
    46 - وَيَكُونُ بِإِيصَال الدُّخَانِ إِلَى الْحَلْقِ ، فَيُفْطِرُ ، أَمَّا شَمُّ رَائِحَةِ الْبَخُورِ وَنَحْوِهِ بِلاَ وُصُول دُخَانِهِ إِلَى الْحَلْقِ فَلاَ يُفْطِرُ وَلَوْ جَاءَتْهُ الرَّائِحَةُ وَاسْتَنْشَقَهَ ا ، لأَِنَّ الرَّائِحَةَ لاَ جِسْمَ لَهَا (4) .
    فَمَنْ أَدْخَل بِصُنْعِهِ دُخَانًا حَلْقَهُ ، بِأَيَّةِ صُورَةٍ كَانَ الإِْدْخَال - فَسَدَ صَوْمُهُ ، سَوَاءٌ أَكَانَ دُخَانَ عَنْبَرٍ أَمْ عُودٍ أَمْ غَيْرِهِمَا ، حَتَّى مَنْ تَبَخَّرَ بِعُودٍ ، فَآوَاهُ إِلَى نَفْسِهِ ، وَاشْتَمَّ دُخَانَهُ ، ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ ، أَفْطَرَ ، لإِِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْ إِدْخَال الْمُفْطِرِ جَوْفَهُ وَدِمَاغَهُ .
    قَال الشَّرَنْبَلاَل ِيُّ : هَذَا مِمَّا يَغْفُل عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فَلْيُنَبَّهْ لَهُ ، وَلاَ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ كَشَمِّ الْوَرْدِ وَالْمِسْكِ ، لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَوَاءٍ تَطَيَّبَ بِرِيحِ الْمِسْكِ وَشَبَهِهِ ، وَبَيْنَ جَوْهَرِ دُخَانٍ وَصَل إِلَى جَوْفِهِ بِفِعْلِهِ (1)
    ج - بُخَارُ الْقِدْرِ :
    47 - بُخَارُ الْقِدْرِ ، مَتَى وَصَل لِلْحَلْقِ بِاسْتِنْشَاقٍ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ ، لأَِنَّ دُخَانَ الْبَخُورِ وَبُخَارَ الْقِدْرِ كُلٌّ مِنْهُمَا جِسْمٌ يَتَكَيَّفُ بِهِ الدِّمَاغُ ، وَيَتَقَوَّى بِهِ ، أَيْ تَحْصُل لَهُ قُوَّةٌ كَالَّتِي تَحْصُل مِنَ الأَْكْل ، أَمَّا لَوْ وَصَل وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلْحَلْقِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ .
    هَذَا بِخِلاَفِ دُخَانِ الْحَطَبِ ، فَإِنَّهُ لاَ قَضَاءَ فِي وُصُولِهِ لِلْحَلْقِ ، وَلَوْ تَعَمَّدَ اسْتِنْشَاقَهُ ، لأَِنَّهُ لاَ يَحْصُل لِلدِّمَاغِ بِهِ قُوَّةٌ كَالَّتِي تَحْصُل لَهُ مِنَ الأَْكْل (2) .
    وَقَال الشَّافِعِيَّةُ : لَوْ فَتَحَ فَاهُ عَمْدًا حَتَّى دَخَل الْغُبَارُ فِي جَوْفِهِ ، لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الأَْصَحِّ (3) .
    وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ الإِْفْطَارُ بِابْتِلاَعِ غَرْبَلَةِ الدَّقِيقِ وَغُبَارِ الطَّرِيقِ ، إِنْ تَعَمَّدَهُ .

    د - التَّدْخِينُ :
    48 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ شُرْبَ الدُّخَانِ الْمَعْرُوفِ أَثْنَاءَ الصَّوْمِ يُفْسِدُ الصِّيَامَ ، لأَِنَّهُ مِنَ الْمُفْطِرَاتِ .
    وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ : ( تَبَغ ) الْمَوْسُوعَة الْفِقْهِيَّة 10 فِقْرَة 30 .

    هـ - التَّقْطِيرُ فِي الأُْذُنِ :
    49 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى فَسَادِ الصَّوْمِ بِتَقْطِيرِ الدَّوَاءِ أَوِ الدُّهْنِ أَوِ الْمَاءِ فِي الأُْذُنِ .
    فَقَال الْمَالِكِيَّةُ : يَجِبُ الإِْمْسَاكُ عَمَّا يَصِل إِلَى الْحَلْقِ ، مِمَّا يَنْمَاعُ أَوْ لاَ يَنْمَاعُ .
    وَالْمَذْهَبُ : أَنَّ الْوَاصِل إِلَى الْحَلْقِ مُفَطِّرٌ وَلَوْ لَمْ يُجَاوِزْهُ ، إِنْ وَصَل إِلَيْهِ ، وَلَوْ مِنْ أَنْفٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ عَيْنٍ نَهَارًا (1) .
    وَتَوْجِيهُهُ عِنْدَهُمْ : أَنَّهُ وَاصِلٌ مِنْ أَحَدِ الْمَنَافِذِ الْوَاسِعَةِ فِي الْبَدَنِ ، وَهِيَ : الْفَمُ وَالأَْنْفُ وَالأُْذُنُ ، وَأَنَّ كُل مَا وَصَل إِلَى الْمَعِدَةِ مِنْ مَنْفَذٍ عَالٍ - مُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الْمَنْفَذُ وَاسِعًا أَمْ ضَيِّقًا . وَأَنَّهُ لاَ تَفْرِقَةَ
    عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْمَائِعِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الْوَاصِل إِلَى الْمَعِدَةِ مِنَ الْحَلْقِ (1) .
    وَقَال النَّوَوِيُّ : لَوْ صَبَّ الْمَاءَ أَوْ غَيْرَهُ فِي أُذُنَيْهِ ، فَوَصَل دِمَاغَهُ أَفْطَرَ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَنَا ، وَلَمْ يَرَ الْغَزَالِيُّ الإِْفْطَارَ بِالتَّقْطِيرِ فِي الأُْذُنَيْنِ (2) .
    وَقَال الْبُهُوتِيُّ : إِذَا قَطَّرَ فِي أُذُنِهِ فَوَصَل إِلَى دِمَاغِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ ، لأَِنَّ الدِّمَاغَ أَحَدُ الْجَوْفَيْنِ ، فَالْوَاصِل إِلَيْهِ يُغَذِّيهِ ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ (3) .
    وَالْحَنَفِيَّة ُ قَالُوا بِفَسَادِ الصَّوْمِ بِتَقْطِيرِ الدَّوَاءِ وَالدُّهْنِ فِي الأُْذُنِ ، لأَِنَّ فِيهِ صَلاَحًا لِجُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ ، فَوُجِدَ إِفْسَادُ الصَّوْمِ مَعْنًى .
    وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي تَقْطِيرِ الْمَاءِ فِي الأُْذُنِ ، فَاخْتَارَ الْمَرْغِينَانِ يُّ فِي الْهِدَايَةِ - وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ غَيْرُهُ - عَدَمَ الإِْفْطَارِ بِهِ مُطْلَقًا ، دَخَل بِنَفْسِهِ أَوْ أَدْخَلَهُ .
    وَفَرَّقَ قَاضِي خَانْ ، بَيْنَ الإِْدْخَال قَصْدًا فَأَفْسَدَ بِهِ الصَّوْمَ ، وَبَيْنَ الدُّخُول فَلَمْ يُفْسِدْهُ بِهِ ، وَهَذَا الَّذِي صَحَّحُوهُ ، لأَِنَّ الْمَاءَ يَضُرُّ الدِّمَاغَ ، فَانْعَدَمَ الإِْفْسَادُ صُورَةً وَمَعْنًى (4) . فَالاِتِّفَاقُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الْفِطْرِ بِصَبِّ الدُّهْنِ ، وَعَلَى عَدَمِهِ بِدُخُول الْمَاءِ ، وَالاِخْتِلاَفُ فِي التَّصْحِيحِ فِي إِدْخَالِهِ .
    يتابع إن شاء الله غدا".

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •