من حاشيتي المطولة على علوم الحديث لابن الصلاح، المسماة: الحاشية المُغْنِية على كتاب علوم الحديث، يسر الله إتمامها:


قال ابن الصلاح رحمه الله:

الثاني: اختلفوا في قول الراوي: «أن فلانًا قال: كذا وكذا»، هل هو بمنزلة «عن» في الحمل على الاتصال إذا ثبت التلاقي بينهما حتى يتبين فيه الانقطاع؟
مثاله: «مالك، عن الزهري، أن سعيد بن المسيب قال: كذا».
فروينا عن مالك رضي الله عنه أنه كان يرى «عن فلان» و«أن فلانًا» سواء، وعن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنهما ليسا سواء([1]).
وحكى ابن عبد البر عن جمهور أهل العلم أنَّ «عن» و«أن» سواء، وأنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة؛ يعني: مع السلامة من التدليس، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض بأي لفظ ورَدَ محمولًا على الاتصال حتى يتبين فيه الانقطاع.
وحكى ابن عبد البر عن أبي بكر البرديجي أن حرف «أن» محمول على الانقطاع حتى يتبيَّن السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى، وقال: «عندي لا معنى لهذا؛ لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي، سواء فيه قال: «قال رسول الله ﷺ»، أو «أن رسول الله ﷺ قال»، أو «عن رسول الله ﷺ أنه قال»، أو «سمعت رسول الله ﷺ يقول» [كل ذلك سواء عند العلماء]، والله أعلم»([2]).
قلت: ووجدت مثل ما حكاه عن البرديجي أبي بكر الحافظ للحافظ الفحل يعقوب بن شيبة في «مسنده» الفحل، فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير عن ابن الحنفية عن عمار، قال: «أتيت النبي ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه، فردَّ عليَّ السلام»، وجعله مسندًا موصولًا، وذكر رواية قيس بن سعد لذلك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن الحنفية، أن عمَّارًا مَرَّ بالنبي ﷺ وهو يصلي، فجعله مرسلًا من حيث كونه قال: «أن عمَّارًا فعل، ولم يقل: «عن عمار»، والله أعلم([3]).


[1])) ما فهمه ابن الصلاح عن أحمد في التفرقة بين «عن» و«أن» غير صحيح.
فالمنقول عن أحمد في ذلك ما رواه الخطيب البغدادي في «الكفاية» (ص407)، بإسناده، عن أبي داود، قال: سمعت أحمد قيل له: إن رجلًا قال: عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله, وعن عروة عن عائشة سواء، قال: كيف هذا؟ ليس هذا بسواء.
قال الزركشي في «نكته» (2/ 32): «وإنما فرَّق أحمد بين اللفظين في هذه الصورة لأن عروة في اللفظ الأول لم يسند ذلك إلى عائشة، ولا أدرك القصة، فكانت مرسلة، وأما اللفظ الثاني فأسند ذلك إليها بالعنعنة، فكانت متصلة»اهـ.
وقال الحافظ العراقي في «نكته» (2/ 181) نحو كلام الزركشي.

[2])) انظر كلامه في «التمهيد» (1/ 26).

[3])) ما فهمه ابن الصلاح عن يعقوب بن شيبة في التفرقة بين «عن» و«أن» غير صحيح أيضًا.
قال الحافظ العراقي في «نكته» (2/ 180- 182): «وما حكاه المصنف عن أحمد بن حنبل وعن يعقوب بن شيبة من تفرقتهما بين «عن» و«أن» ليس الأمر فيه على ما فهمه من كلامهما، ولم يفرِّق أحمد ويعقوب بين «عن» و«أن» لصيغة «أن» ولكن لمعنى آخر أذكره؛ وهو أنَّ يعقوب إنما جعله مرسلًا من حيث إن ابن الحنفية لم يسند حكاية القصة إلى عمار، وإلا فلو قال ابن الحنفية: «إن عمارًا قال: مررت بالنبي ﷺ» لَمَا جعله يعقوب بن شيبة مرسلًا، فلما أتى به بلفظ: «أنَّ عمارًا مرَّ» كان محمد بن الحنفية هو الحاكي لقصة لم يدركها؛ لأنه لم يدرك مرور عمار بالنبي ﷺ، فكان نقله لذلك مرسلًا، وهذا أمر واضح، ولا فرق بين أن يقول ابن الحنفية: «إن عمارًا مرَّ بالنبي ﷺ»، أو «أن النبي ﷺ مرَّ به عمار»، فكلاهما مرسل بإلاتفاق، بخلاف ما إذا قال: «عن عمار، قال: مررت»، أو «أن عمارًا قال: مررت»؛ فإنَّ هاتين العبارتين متصلتان؛ لكونهما أُسنِدتا إلى عمار، وكذلك ما حكاه المصنِّف عن أحمد بن حنبل من تفرقته بين «عن» و«أن» فهو على هذا النحو... فما فعله أحمد ويعقوب بن شيبة صواب، ليس مخالفًا لقول مالك ولا لقول غيره»اهـ.
قلت: فالصواب الذي حرَّره الأئمة، ونقله ابن عبد البر عن الجمهور: أنه لا فرق بين «عن» و«أن» إذا كان الراوي قد سمع من شيخه؛ فهما محمولان على الاتصال إذا كان الراوي ليس مدلسًا.
ولكن بينهما فرق من جهة أخرى؛ وهي ما إذا روى التلميذ عن شيخه قصة بصيغة «أن»، وهو لم يدركها، ولا أسند حكايتها لشيخه، فيُحكم حينها على الرواية بالانقطاع.
من ذلك ما ذكره ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (2/ 461)، متعقبًا عبد الحق الإشبيلي، قال: «ذكر من طريق أبي داود، عن عكرمة، أن أم حبيبة استحيضت، فأمرها النبي ﷺ أن تنتظر أيام أقرائها، الحديث. هكذا أورده وسكت عنه، وهو حديث مرسل، أخبر فيه عكرمة بما لم يدرك ولم يسمع، ولم يقل: إن أم حبيبة أخبرته به، ولا أيضًا يصح له ذلك»اهـ.
ومن ذلك أيضًا ما ذكره ابن المواق في «بغية النقاد» (1/ 7- 10)، متعقبًا ابن القطان، قال: «وذكر عبد الحق الإشبيلي من طريق أبي داود هكذا: عن عرفجة بن أسعد أنه قُطِع أنفُه يوم الكُلاب، فأخذ أنفًا من ورِق، فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفًا من ذهب، فذكر ابن القطان الفاسي هذا الحديث في باب الأحاديث المصححة بالسكوت عنها وليست بصحيحة للكلام في بعض رواته، فنقله كما نقله عبد الحق سواء، ولم يتنبه لما وقع فيه من الزيادة في إسناده على الوهم، بل تابعه على ذلك. وهو حديث ذكره أبو داود مرسلًا هكذا: حدثنا موسى بن إسماعيل، ومحمد بن عبد الله الخزاعي، المعنى؛ قالا: حدثنا أبو الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، أن جده عرفجة بن أسعد قُطِع أنفُه يوم الكُلاب، فذكر الحديث مرسلًا، فإنَّ عبد الرحمن تابعي لم يشاهد القصة، ولم يذكر مَن حدَّثه، فبقي الحديث مرسلًا، فقولهما فيه: «عن عرفجة» زيادة في الإسناد، وقعت على الوهم بحيث صيَّرت الحديث متصلًا، وهو مرسل، وقد نبَّه أبو علي بن السكن الحافظ على ذلك، فذكر الحديث من رواية علي بن الجعد، وأبي نصر التمار، عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، أن عرفجة أصيب أنفه، قال: فذكرا الحديث مرسلًا، ولم يقولا: «عن عرفجة»؛ هذا نص كلام ابن السكن، وهو أمر بيِّن؛ لا خلاف بين أهل التمييز من أهل هذا اللسان في انقطاع ما يُروَى كذلك وإرساله، إذا عُلِم أن الراوي لم يُدرك زمان القصة»اهـ.
وقال الحافظ العراقي في «نكته» (2/ 182): «وجملة القول فيه: أن الراوي إذا روى قصة أو واقعة، فإن كان أدرك ما رواه؛ بأن حكى قصة وقعت بين يدي النبي ﷺ وبين بعض أصحابه، والراوي لذلك صحابي قد أدرك تلك الواقعة، حكمنا لها بالاتصال، وإن لم نعلم أن الصحابي شهد تلك القصة، وإن علمنا أنه لم يدرك الواقعة فهو مرسل صحابي، وإن كان الراوي كذلك تابعيًّا؛ كمحمد بن الحنفية مثلًا، فهي منقطعة، وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلًا، ولو لم يصرِّح بما يقتضي الاتصال وأسندها إلى الصحابي بلفظ: «أن فلانًا قال»، أو بلفظ: «قال: قال فلان»؛ فهي متصلة أيضًا؛ كرواية ابن الحنفية الأولى عن عمار، بشرط سلامة التابعي من التدليس، كما تقدم، وإن لم يدركها، ولا أسند حكايتها إلى الصحابي، فهي منقطعة؛ كرواية ابن الحنفية الثانية، فهذا تحقيق القول فيه»اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في «نكته» (2/ 185، 186): «وحاصله أن الراوي إذا قال: «عن فلان» فلا فرْق أن يضيف إليه القول أو الفعل في اتصال ذلك عند الجمهور، بشرطه السابق.
وإذا قال: «أن فلانًا» ففيه فرق.
وذلك أن ينظر، فإن كان خبرها قولًا لم يتعدَّ لمن لم يدركه التحقت بحكم «عن» بلا خلاف.
كأن يقول التابعي: «أن أبا هريرة ﭬ قال: سمعت كذا»، فهو نظير ما لو قال: «عن أبي هريرة أنه قال: سمعت كذا».
وإن كان خبرها فعلًا نُظِر، إن كان الراوي أدرك ذلك التحقت بحُكْم «عن»، وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها.
فكون يعقوب بن شيبة قال في رواية عطاء عن ابن الحنفية: «أن عمارًا مرَّ بالنبي ﷺ» هذا مرسل؛ إنما هو من جهة كونه أضاف إلى الصيغة الفعل الذي لم يدركه ابن الحنفية، وهو مرور عمار؛ إذ لا فرق أن يقول ابن الحنفية: «أن عمارًا مرَّ بالنبي ﷺ»، أو «أن النبي ﷺ مرَّ بعمار»، فكلاهما سواء في ظهور الإرسال، ولو كان أضاف إليها القول؛ كأن يقول: «عن ابن الحنفية، أنَّ عمارًا قال: مررت بالنبي ﷺ» لكان ظاهر الاتصال»اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب في «شرح العلل» (2/ 601- 604): «فأما قول الراوي: «أن فلانًا قال»، فهل يُحمل على الاتصال أم لا؟ فهذا على قسمين:
أحدهما: أن يكون ذلك القول المحكي عن فلان، أو الفعل المحكي عنه بالقول مما يمكن أن يكون الراوي قد شهده وسمعه منه، فهذا حكمه حكم قول الراوي: «قال فلان كذا»، أو «فعل فلان كذا».
والقسم الثاني: أن يكون ذلك القول المحكي عن المروي عنه أو الفعل مما لا يمكن أن يكون قد شهده الراوي؛ مثل أن لا يكون قد أدرك زمانه...
وأما إذا روى الزهري - مثلًا - عن سعيد بن المسيب، ثم قال مرة: «إن سعيد بن المسيب قال»؛ فهذا محمول على الرواية عنه، دون الانقطاع.
وقد حكى ابن عبد البر هذا القول عن جمهور العلماء، وحكى عن البرديجي خلاف ذلك، وأنه قال: «هو محمول على الانقطاع، إلا أن يُعلم اتصاله من وجه آخر»، وقال: «لا وجه لذلك»، ولم يذكر لفظ البرديجي، فلعله قال ذلك في القسم الثاني.
وأما رواية عروة عن عائشة عن النبي ﷺ، وعروة أن عائشة قالت للنبي ﷺ؛ فهذا هو القسم الثاني وهو الذي أنكر أحمد التسوية بينهما.
والحفاظ كثيرًا ما يذكرون مثل هذا، ويعدونه اختلافًا في إرسال الحديث واتصاله، وهو موجود كثيرًا في كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والدارقطني وغيرهم من الأئمة»اهـ ملخصًا.
قلت: ومن ذلك: حديث عائشة ڤ، قالت: أبطأت على عهد رسول الله ﷺ ليلة بعد العشاء، ثم جئت، فقال: «أَيْنَ كُنْتِ؟»، قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد، قالت: فقام وقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إليَّ، فقال: «هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا».
فهذا الحديث أخرجه ابن المبارك في «الجهاد» (120)، ومن طريقه ابن الأثير في «أسد الغابة» (2/ 382)، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن ابن سابط، أن عائشة ڤ احتُبست على رسول الله ﷺ، فقال: «مَا حَبَسَكِ»، الحديث.
قلت: حنظلة بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن سابط، ثقتان، ولكن هذا إسناد مرسل؛ لأن عبد الرحمن بن سابط لم يدرك زمن النبي ﷺ.
وأخرجه أحمد (25320)، قال: حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا حنظلة، عن ابن سابط، عن عائشة ڤ، به.
وهذا إسناد موصول، ولكنه جاء عن ابن نمير مرسلًا أيضًا.
فقد أخرجه الفاكهي في «أخبار مكة» (1729)، من طريق ابن نمير، عن حنظلة، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: أبطأت عائشة ڤ ذات ليلة، فقال لها رسول الله ﷺ: «مَا بَطَّأَ بِكِ؟»، قالت: سمعت رجلًا يقرأ... الحديث.
وتوبع ابن نمير على وصله.
فقد أخرجه ابن ماجه (1338)، ومحمد بن نصر في «مختصر قيام الليل» (ص 138)، والحاكم (5001)، وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 371)، والبيهقي في «الشعب» (1961)، والحافظ في «نتائج الأفكار» (3/ 224)، من طرق، عن الوليد بن مسلم، قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدِّث عن عائشة زوج النبي ﷺ، به.
قال الحافظ في «الإصابة» (4/ 192): «رواه الوليد بن مسلم، حدثني حنظلة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عائشة، فذكره موصولًا، وابن المبارك أحفظ من الوليد، ولكن له شاهد أخرجه البزاز، عن الفضيل بن سهل، عن الوليد بن صالح، عن أبي أسامة، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة بالمتن دون القصة، ورجاله ثقات»اهـ.
قلت: الشاهد أخرجه البزار (215)، قال: حدثنا الفضل بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن صالح، قال: حدثنا أبو أسامة, عن ابن جريج, عن ابن أبي مليكة, عن عائشة ڤ، بنحوه.