الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية - أدلة اعتبار المصالح والمفاسد
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية - أدلة اعتبار المصالح والمفاسد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    21,761

    افتراضي الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية - أدلة اعتبار المصالح والمفاسد

    الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية - أدلة اعتبار المصالح والمفاسد

    د. محمد إبراهيم منصور





    ما زال الحديث مستمرًا حول الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية، وقد ذكرنا أن تقدير المصالح والمفاسد ليس أمرًا هينًا، بل هو في غاية الدقة؛ لأنه منضبط بضوابط الشَّرع ونصوصه وقواعده، ولا يصلح أن يقوم به إلا أهل العلم الأثبات، الذين عرفوا نصوص الكتاب والسنة، ودرسوا مقاصد التشريع الإسلامي، وميَّزوا بين أولويات الأحكام، وعرفوا خير الخيرين وشر الشرين، حتى يقدِّموا عند التزاحم خيرَ الخيرين وشر الشرين في العمل، وقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن أدلة اعتبار المصالح والمفاسد وذكرنا منها ثلاثة أدلة واليوم نكمل ما بدأناه.
    الدليل الرابع
    ما ورد في سورتي القصص والشعراء في شأن قتل نبي الله موسى -عليه السلام- للرجل المصري، قال -تعالى-: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} (القصص: 19).
    تقييم الموقف

    انظر كيف كان نبي الله موسى -عليه السلام- يُقيِّم الموقف؛ فهناك ظالم وهو الرجل المصري، ومظلوم وهو رجل من بني إسرائيل الذين هم شيعة موسى -عليه السلام-، والذين استعبدهم فرعون ومالؤوه، وأذاقوهم الويلات؛ فانحاز موسى للدفاع عن المظلوم ودفع عدوه، لكن الدفع جاء بأكثر مما يلزم فمات الظالم، وهنا ترتبت مفاسد، منها: أنَّ هؤلاء الأعداء سيتخذون هذا الأمر ذريعة لقتل موسى -عليه السلام- الذي يعد سندًا قويًا لبني إسرائيل في ظل هذه الدولة الظالمة، وبالفعل بدأت محاولة القتل؛ مما اضطر موسى -عليه السلام- للفرار إلى مدين، وبقي فيها عشر سنين، ومن هذه المفاسد أيضًا أن هؤلاء القوم الظالمين سيتخذون هذا الأمر تكأة لتسويغ بطشهم وظلمهم لبني إسرائيل، ومن هذه المفاسد أيضًا أن فرعون وملأه لن ينسوا هذا الحادث لعشرات السنين، وسيتخذونه ذريعة للصد عن سبيل الله، ومنع الدعوة، وسيشنع فرعون بها على موسى، قال الله -تعالى-: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)} (الشعراء)، ولك أن تعجب من إنصاف موسى -عليه السلام- بإقراره بأن هناك خطأ، وسيظل يذكر هذا إلى قيام الساعة، ففي حديث الشفاعة أن موسى -عليه السلام- يقول -حين يأتيه الناس يستشفعون به-: إني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها.

    الدليل الخامس
    ما حدث في صلح الحديبية، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - برغم أنه كان معه ألف وأربعمائة مقاتل بايعوه على الموت، وكان يمكنه أن يجتاح مكة، ويدخل الحرم، إلا أنه كانت هناك اعتبارات كثيرة؛ من أجلها لم يقدم على هذا، ووافق على صلح ظنه الفاروق عمر من باب إعطاء الدنية في ديننا، وكان من هذه الاعتبارات ما يلي:
    (1) اعتبار تعظيم حرمات الله
    ففي قصه الغزوة أن الجيش حين بلغ الحديبية، بركت الناقة ولم تتحرك، فقال بعض الصحابة خلأت القصواء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات اللّه إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت به.
    (2) اعتبار وجود بعض من يخفي إسلامه في مكة
    ولعل بعضهم يقتل بسيوف المسلمين وهم لا يعلمون، قال -عز وجل-:{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} وهذا من أرقى وأعلى درجات تعظيم أمر الدماء.
    (3) اعتبار أمر يعظمه العرب
    وهو استهجانهم أن يجتاح رجل قومه ويستأصلهم؛ ولذلك قال عروة بن مسعود -وهو أحد مبعوثي- قريش للتفاوض مع النبي - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت لو استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟
    (4) اعتبار الحفاظ على حياة من معه
    الحفاظ على الفئة المؤمنة ليواصل بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعوة إلى الله -تعالى- ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - للخزاعي: “فإن شاؤوا ماددتهم مدّة، ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر عليهم فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا».
    (5) اعتبار تأمين جبهة شرسة
    وهي جبهة قريش التي تعد رأس الحربة على الاسلام؛ فتأمينها -ولو لفترة- يعطي الفرصة للانطلاق في الدعوة إلى الإسلام في أنحاء الجزيرة العربية، ويوفر مناخاً يمكن للعرب فيه أن يستمعوا إلى صوت العقل والحكمة؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للخزاعي: «فإن شاؤوا ماددتهم، ويخلوا بيني وبين الناس». كل هذه الاعتبارات جعلت الصلح فتحا مبينا، مع أنه أحاط به من الأمور التي قال عمر الفاروق -رضي الله عنه بسببها-: «ألسنا على الحق؟ فلم نعط الدنية في ديننا؟».
    النظر إلى المآلات
    يقول الدكتور ياسر حسين: لابد من النظر إلى المآلات، وهل فيم نفعله تعظيم لحرمات الله أم تضيع لها؟ وهل في ذلك مصلحة للدين أم تضييع له؟ وقد قبل - صلى الله عليه وسلم - شروطاً ظالمة جائرة ليتمم الصلح، ويقبل - صلى الله عليه وسلم - أن يرد أبا جندل بن سهيل تنفيذا للعهد - رغم أنهم قد يفتنونه في دينه - وقد أتى سيرًا (171) كيلومترا يرسف في قيوده، وهو مسجون مظلوم، ينادي المسلمين: «يا معاشر المسلمين، أتردونني إلى أهل الشرك، فيفتنوني في ديني؟ فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله -عز وجل- جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا»,(رواه احمد بسند حسن) ليكون الفتح المبين {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}(الفتح:1 ).
    فوائد صلح الحديبية
    قال ابن القيم في معرض الكلام عن فوائد صلح الحديبية وَمِنْهَا: أَنّ مُصَالَحَةَ الْمُشْرِكِينَ بِبَعْضِ مَا فِيهِ ضَيْمٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَائِزَةٌ لِلْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ وَدَفْعِ مَا هُوَ شَرّ مِنْهُ فَفِيهِ دَفْعُ أَعْلَى الْمَفْسَدَتَيْ نِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا.
    مقدمة بين يدي الفتح الأعظم
    ومنها: أنها كانت مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجا، فكانت هذه الهدنة بابا له ومفتاحا ومؤذنا بين يديه، وهذه عادة الله -سبحانه- في الأمور العظام التي يقضيها قدرا وشرعا أن يوطِّئ لها بين يديها مقدمات تؤذن بها وتدل عليها.
    كانت فتحًا عظيمًا
    ومنها: أن هذه الهدنة كانت فتحًا عظيمًا؛ فإن الناس أمن بعضهم بعضا، واختلط المسلمون بالكفار، وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان مختفيا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل؛ ولهذا سماه الله فتحا مبينا، قال ابن قتيبة: قضيت لك قضاء عظيما وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية. (زاد المعاد 3/274/275).
    دفعًا لمفاسد عظيمة
    وقال العز بن عبد السلام: فإن قيل: لم التزم في صلح الحديبية إدخال الضيم على المسلمين وإعطاء الدنية في الدين؟ قلنا: التزم ذلك دفعا لمفاسد عظيمة، وهي قتل المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا بمكة لا يعرفهم أهل الحديبية، وفي قتلهم معرة عظيمة على المؤمنين، فاقتضت المصلحة إيقاع الصلح على أن يرد إلى الكفار من جاء منهم إلى المؤمنين وذلك أهون من قتل المؤمنين الخاملين، وكذلك فإن الله -عز وجل- أخر القتال لمصلحة عظيمة، وهي إسلام جماعة من الكافرين، فقال: {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} أي في ملته التي هي أفضل رحمته، وقال: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا} أي لو تفرق بين المؤمنين والكافرين وتميز بعضهم من بعض لعذبنا الذين كفروا بالقتل والسبي منهم عذابا أليما. (قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/108-109).
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    21,761

    افتراضي رد: الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية - أدلة اعتبار المصالح والمفاسد

    الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية
    - أدلة اعتبار المصالح والمفاسد (4)

    د. محمد إبراهيم منصور




    ما زال الحديث مستمرًا حول الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية، وقد ذكرنا أن تقدير المصالح والمفاسد ليس أمرًا هينًا، بل هو في غاية الدقة؛ لأنه منضبط بضوابط الشَّرع ونصوصه وقواعده، ولا يصلح أن يقوم به إلا أهل العلم الأثبات، الذين عرفوا نصوص الكتاب والسنة، ودرسوا مقاصد التشريع الإسلامي وميَّزوا بين أولويات الأحكام، وعرفوا خير الخيرين وشر الشرين، حتى يقدِّموا عند التزاحم خيرَ الخيرين وشر الشرين في العمل، وقد تحدثنا في الحلقتين الماضيتين عن أدلة اعتبار المصالح والمفاسد، وذكرنا منها خمسة أدلة، واليوم نكمل ما بدأناه.

    الدليل السادس

    ما رواه البخاري عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ». وقال البخاري -مترجما لهذا الحديث-: باب (من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقع في أشد منه). قال ابن حجر: وَفِي الْحَدِيث مَعْنَى مَا تَرْجَمَ لَهُ؛ لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تُعَظِّم أَمْر الْكَعْبَة جِدًّا، فَخَشِيَ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَظُنُّوا لِأَجْلِ قُرْب عَهْدهمْ بِالْإِسْلَامِ أَنَّهُ غَيَّرَ بِنَاءَهَا لِيَنْفَرِد بِالْفَخْرِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَرْك الْمَصْلَحَة لِأَمْنِ الْوُقُوع فِي الْمَفْسَدَة، وَمِنْهُ تَرْك إِنْكَار الْمُنْكَر خَشْيَة الْوُقُوع فِي أَنْكَر مِنْهُ، وَأَنَّ الْإِمَام يَسُوس رَعِيَّته بِمَا فِيهِ إِصْلَاحهمْ وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا. (فتح الباري ج 1/201).

    حَدِيث بِنَاء الْكَعْبَة

    وقال أيضا: وَفِي حَدِيث بِنَاء الْكَعْبَة مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ مَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّف فِي الْعِلْم وَهُوَ «تَرْك بَعْض الِاخْتِيَار مَخَافَة أَنْ يَقْصُر عَنْهُ فَهْم بَعْض النَّاس «وَالْمُرَاد بِالِاخْتِيَارِ فِي عِبَارَته الْمُسْتَحَبّ، وَفِيهِ اِجْتِنَاب وَلِيّ الْأَمْر مَا يَتَسَرَّع النَّاس إِلَى إِنْكَاره وَمَا يُخْشَى مِنْهُ تَوَلُّد الضَّرَر عَلَيْهِمْ فِي دِين أَوْ دُنْيَا، وَتَأَلَّفَ قُلُوبهمْ بِمَا لَا يُتْرَك فِيهِ أَمْر وَاجِب وَفِيهِ تَقْدِيم الْأَهَمّ فَالْأَهَمّ مِنْ دَفْع الْمَفْسَدَة وَجَلْب الْمَصْلَحَة، وَأَنَّهُمَا إِذَا تَعَارَضَا بُدِئَ بِدَفْعِ الْمَفْسَدَة، وَأَنَّ الْمَفْسَدَة إِذَا أُمِنَ وُقُوعهَا عَادَ اِسْتِحْبَاب عَمَل الْمَصْلَحَة. (فتح الباري ج 5/237).

    دليل لقواعد من الأحكام

    قال الإمام النووي: وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام، منها إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم - عليه السلام - مصلحة ولكن تعارضه مفسده أعظم منه وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبا، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيما؛ فتركها - صلى الله عليه وسلم - ومنها فكر ولي الأمر في مصالح رعيته واجتنابه ما يخاف منه تولد ضرر عليهم في دين أو دنيا، إلا الأمور الشرعية كأخذ الزكاة وإقامة الحدود ونحو ذلك، ومنها تأَلُّفُ قلوب الرعية وحسن حياطتهم، وألا ينفروا، ولا يتعرض لما يخاف تنفيرهم بسببه ما لم يكن فيه ترك أمر شرعي كما سبق (شرح مسلم ج 9/89)

    الدليل السابع

    ما رواه البخاري -رحمه الله- عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يَقُولُ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ؛ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِين َ! فَسَمَّعَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِين َ! فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ، قَالَ جَابِرٌ: وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَكْثَرَ ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَوَقَدْ فَعَلُوا؟ وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ. قال القاسمي في (محاسن التأويل) واستند -غير واحد من الأئمة- في الحكمة عن كفه - صلى الله عليه وسلم - عن قتل المنافقين، بما ثبت في الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر - رضي الله عنه -: «أكره أن يتحدث العرب أنّ محمداً يقتل أصحابه»، ومعناه خشية أن يقع بسبب ذلك تنفيرٌ لكثيرٍ من الأعراب عن الدخول في الإسلام، ولا يعلمون حكمة قتلهم - بأنّه لأجل كفرهم - فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم، فيقولون: إن محمداً يقتل أصحابه.

    الصَّبْر عَلَى بَعْض الْمَفَاسِد

    وقال النووي: قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْهُ لَا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُل أَصْحَابه» فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ الْحِلْم، وَفِيهِ تَرْك بَعْض الْأُمُور الْمُخْتَارَة، وَالصَّبْر عَلَى بَعْض الْمَفَاسِد خَوْفًا مِنْ أَنْ تَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ، وَكَانَ - صلى الله عليه وسلم - يَتَأَلَّف النَّاس، وَيَصْبِر عَلَى جَفَاء الْأَعْرَاب وَالْمُنَافِقِي نَ وَغَيْرهمْ لِتَقْوَى شَوْكَة الْمُسْلِمِينَ، وَتَتِمّ دَعْوَة الْإِسْلَام، وَيَتَمَكَّن الْإِيمَان مِنْ قُلُوب الْمُؤَلَّفَة، وَيَرْغَب غَيْرهمْ فِي الْإِسْلَام
    ،(شرح مسلم ج 8/392). قال الشاطبي: ومنها: الترك للمطلوب خوفًا من حدوث مفسدة أعظم من مصلحة ذلك المطلوب، كما جاء في الحديث عن عائشة: «لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية؛ فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض»، وفي رواية: «لأسست البيت على قواعد إبراهيم»، ومنع من قتل أهل النفاق، وقال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».(الموافق ات ج 9/133).


    قال شيخ الإسلام: ومن هذا الباب إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن أبي وأمثاله من أئمة النفاق والفجور؛ لما لهم من الأعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكبر من ذلك بغضب قومه وحميتهم وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدا يقتل أصحابه (الاستقامة 2ج/219).

    الدليل الثامن

    ما ورد في الصحيحين: أن أعرابياً بال في طائفة من المسجد، فزجره الصحابة -رضي الله عنهم- وقالوا: مَهْ مَهْ! قال رسول الله: «لا تُزْرِمُوه - أي: لا تقطعوا بوله - دعوه»؛ فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن»، فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلْوٍ من ماء فشنّه - صبه - عليه قال ابن حجر في فتح الباري: «أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة؛ وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، وقال الـنووي فـي شـرح مسـلم: «فـيه دفع أعظم الضررين باحتـمال أخفـهـما لقوله - صلى الله عليه وسلم -: دعوه». قال العلماء: كان قوله - صلى الله عليه وسلم -: «دعوه» لمصلحتين:

    - إحداهما: أنه لو قُطِع عليه البول تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أَوْلى من إيقاع الضرر به.

    - الثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجّست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد.

    الدليل التاسع

    ما رواه البخاري عن ابن مسعود قَالَ كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا، قال العيني: قوله: كراهية السآمة: أي لأجل كراهة الملالة، وكان ذلك رفقا من النبي لأصحابه، فيجب أن يقتدى به، لأن التكرار يسقط النشاط، ويمل القلب وينفره. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج 33/170) قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: الِاقْتِصَاد فِي الْمَوْعِظَة، لِئَلَّا تَمَلّهَا الْقُلُوب فَيَفُوت مَقْصُودهَا. (شرح مسلم ج 9/207(، وقال: «وإنما كان القليل الدائم خيراً من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق -سبحانه وتعالى-، ويثمر القليل الدائم؛ بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة».(شرح مسلم ج 6/71).

    الدليل العاشر

    ما أخرجه مسلم من حديث طويل عن ابي هريره - رضي الله عنه - أن عمر - رضي الله عنه - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: نعم قال: فلا تفعل؛ فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فخلهم، قال ابن حجر فَكَأَنَّ قَوْله - صلى الله عليه وسلم - لِمُعَاذٍ: «أَخَاف أَنْ يَتَّكِلُوا «كَانَ بَعْد قِصَّة أَبِي هُرَيْرَة، فَكَانَ النَّهْي لِلْمَصْلَحَةِ لَا لِلتَّحْرِيمِ، فَلِذَلِكَ أَخْبَرَ بِهِ مُعَاذ لِعُمُومِ الْآيَة بِالتَّبْلِيغِ. وَاَللَّه أَعْلَم. (فتح الباري ج1/205).
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •