القواعد الفقهية
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: القواعد الفقهية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    21,843

    افتراضي القواعد الفقهية

    القواعد الفقهية 1
    عبد العزيز الحويطان

    معنى القاعدة لغة واصطلاحاً:
    القاعدة لغة: الأساس [1] وتجمع على قواعد وهي: أسس الشيء وأصوله حسياً كان ذلك الشيء أو معنوياً.
    قال - تعالى -: (وإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْمَاعِيلُ...) وقال - تعالى -: (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ... ) واصطلاحاً: عرفها الجرجاني بأنها (قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها) [2].
    وقال تاج الدين السبكي: (هي الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها) [3].
    إذاً فقد عرفها السبكي بأنها أمر كلي، لكن الحموي له تعريف آخر فهو يعتبرها أمر أكثري أو قضية أغلبية فهو يقول: (إن القاعدة هي عند الفقهاء غيرها عند النحاة والأصوليين، إذ هي عند الفقهاء حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها) [4].
    لكن ما السبب في جعلها حكماً أغلبياً لا كلياً؟ سيأتي معنا بعد قليل أن القاعدة تنخرم في بعض الأمور أي تشذ بعض الفروع فلا تنطبق على القاعدة، ولذا سميت قضية أو حكماً أغلبياً.
    إذاً نستطيع أن نعرفها بأنها (حكم شرعي في قضية أغلبية يتعرف منها أحكام ما داخل تحتها) [5].
    الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي:
    حتى نعرف الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي، يجدر بنا أن نعرف الضابط الفقهي أولاً، ومنه يتضح الفرق إن شاء الله.
    قال العلامة تاج الدين السبكي: (والغالب فيما اختص بباب وقصد به نظم صور متشابهة أن يسمى ضابطاً) [6].
    هذا هو المقصود بالضابط الفقهي، وهو أنه قاعدة تختص بباب واحد فقط.
    أما الفرق بينهما، فقد قال ابن نجيم: (الفرق بين الضابط والقاعدة: أن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد، هذا هو الأصل) [7].
    وأكد ذلك السيوطي - رحمه الله - في كتابه الأشباه والنظائر حيث قال: (القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى والضابط يجمع فروع باب واحد) [8].
    وحتى يتضح الأمر تماماً دعنا نضرب مثالاً للضابط الفقهي، وهو حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) [9].
    فهذا الحديث يعتبر ضابطاً لطهارة الجلود في باب الآنية، لذلك يقول الإمام إبراهيم النخعي - رحمه الله -: (كل شيء منع الجلد من الفساد فهو دباغ) [10].
    أما مثال القاعدة فهي قاعدة (الأمور بمقاصدها) نجد أنها تدخل في أغلب أبواب الفقه إن لم يكن جميعها..
    بهذا نكون قد وقفنا على الفرق بين الضابط والقاعدة في الفقه، وهذا لا يمنع أن يكون بعض العلماء قد ساروا في كتبهم على عدم التفريق بينهما.
    الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية:
    أول من وجد له كلام عن التفريق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية الإمام القرافي - رحمه الله -، حيث يقول: (فإن الشريعة العظيمة المحمدية اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان:
    1- المسمى بأصول الفقه وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك...
    2- قواعد فقهية كلية، كثيرة العدد عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر شيء منها في أصول الفقه، وإن اتفقت الإشارة إليه هناك على سبيل الإجمال فبقي تفصيل لم يتحصل) [11].
    إذا فالشريعة من أصولها أصول الفقه والقواعد الفقهية كما قال القرافي.
    ولو أمعننا النظر في القواعد الأصولية والقواعد الفقهية، لوجدنا بينها فروق نذكرها على سبيل الإيجاز:
    1- أن أصول الفقه بالنسبة للفقه ميزان وضابط للاستنباط الصحيح، شأنه في ذلك شأن علم النحو لضبط النطق والكتابة، فهي التي يستنبط بها الحكم من الدليل التفصيلي وموضوعاتها دائماً الدليل والحكم، كقولك: الأمر للوجوب والنهي للتحريم والواجب المخير يخرج المكلف من العهدة فيه بفعل واحد مما خير فيه.
    أما القاعدة الفقهية فهي كلية تنطبق على جميع جزئياتها، وجزئياتها بعض مسائل الفقه، وموضوعاتها دائماً هو فعل المكلف.
    2- القواعد الأصولية كلية تنطبق على جميع جزئياتها، أما القواعد الفقهية فإنها أغلبية وتكون لها المستثنيات.
    3- القواعد الأصولية ذريعة لاستنباط الأحكام الشرعية، أما القواعد الفقهية فهي عبارة عن مجموعة الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى علة واحدة تجمعها.
    4- القواعد الفقهية متأخرة في وجودها الذهني والواقعي عن الفروع، لأنها جمع لأشتاتها وربط بينها، أما الأصول فالغرض الذهني يقتضي وجودها قبل الفروع لأنها القيود التي أخذ الفقيه نفسه بها عند الاستنباط [12].
    هذه هي أهم الفروق بينهما، ولعلها اتضحت إن شاء الله.
    ويبقى أن نذكر أن من أهم مميزات القواعد الفقهية أنها تخدم المقاصد الشرعية العامة والخاصة، وتمهد الطريق للوصول إلى أسرار الأحكام وحكمها [13].
    معنى الأشباه والنظائر:
    هذا المبحث لأول وهلة يظن المرء أن لا دخل له في القواعد الفقهية، لكن كتب الأشباه والنظائر مليئة بالقواعد الفقهية وفنون أخرى، ولذلك ألحق بهذا البحث.
    فما تعريف الأشباه؟
    - كلمة شِبْه أو شَبَه هي المثل في اللغة[14]، والنظير: المثل المساوي [15].
    أما اصطلاحاً فقد عرف تاج الدين السبكي - رحمه الله - الأشباه فقال: (إن الأشباه: هو أن يجتذب الفرع أصلان ويتنازعه مأخذان فينظر إلى أولاهما وأكثرهما شبهاً فيلحق به) [16].
    مثال ذلك: (إلحاق العبد المقتول بالحر، فإن له شبهاً بالفرس من حيث المالية وشبهاً بالحر لكن مشابهته بالحر في الأوصاف والأحكام أكثر فألحق بالحر) [17].
    وقد عرف الحموي الأشباه فقال: (المراد بها المسائل التي يشبه بعضها بعضاً مع اختلاف في الحكم لأمور خفية أدركها الفقهاء بدقة أنظارهم، وقد صنفوا لبيانها كتباً كفروق المحبوبي والكرابيسي) [18].
    إذاً فالأشباه هي الفروع المتشابهة ظاهراً والمختلفة باطناً لعله معينة، وأصل هذه الكلمة يرجع إلى كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري حيث جاء فيه: (الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى) [19].
    هذا فيما جاء في أصل هذه الكلمة، أما كلمة النظائر فلم يرد فيها أثر، لكن الفقهاء أضافوها إلى كلمة الأشباه مقابلة لها، وذلك أنهم ألفوا فنوناً فقهية عبارة عن أحكام متشابهة مع وجود بعض الفروق بينها [20].
    فالفروق أقاموا كلمة النظائر بدلها، وبعض المؤلفين ألف كتباً وسماها الفروق، بينما بعضهم ألف في نفس الفن وجاء بالأشباه والنظائر، ولذلك يقول السيوطي: (والمناظرة تكفي في بعض الوجوه ولو وجهاً واحداً) [21].
    أما أول من ألف في الفروق فهو الإمام أحمد بن عمر بن سريج الشافعي (306 هـ) ثم توالت التأليفات بعده [22].
    وقد عرف صاحب الفوائد الجنية الفروق فقال: (معرفة الجمع والفرق: أي معرفة ما يجتمع مع آخر في الحكم، ويفترق معه في حكم آخر كالذمي والمسلم يجتمعان في أحكام ويفترقان كذلك، ومن هذا الفن نوع يسمى الفروق: وهو معرفة الأمور الفارقة بين مسألتين متشابهتين بحيث لا يسوى بينهما في الحكم) [23].
    وقال أبو محمد الجويني: (فإن مسائل الشرع ربما تتشابه صورها، وتختلف أحكامها لعلل أوجبت اختلاف الأحكام، ولا يستغني أهل التحقيق عن الإطلاع على تلك العلل التي أوجبت افتراق ما افترق منها واجتماع ما اجتمع منها) [24].
    ومن الأمثلة على ذلك: (إذا طرح في الماء تراب فتغير به طعمه أو لونه أو ريحه، لم يسلبه التطهير، ولو مزج فيه طاهر غير التراب كالزعفران والعصفر والصابون والملح الحجري فتغير بمخالطه بعض صفاته سلبه التطهير، والفرق بينهما أن التراب يوافق الماء في صفتيه الطهارة والتطهير، فلا يسلبه بمخالطته شيئاً منها... ) [25].
    ومما سبق يتبين أن علم الأشباه والنظائر هو نفسه الفروق، وهما يشملان القواعد الفقهية، لأن علم الأشباه والنظائر يحوي الألغاز والحيل وفنوناً عديدة منها القواعد الفقهية..
    ـــــــــــــــ ـــــــــــ
    (1) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 406.
    (2) التعريفات للجرجاني ص 171.
    (3) القواعد الفقهية لعلي أحمد الندوي.
    (4) غمز عيون البصائر شرح الاشباه والنظائر 1/22.
    (5) القواعد الفقهية لعلي أحمد الندوي ص 43.
    (6) القواعد الفقهية.
    (7) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 192.
    (8) أخرجه الترمذي، كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، وقال: حديث حسن صحيح.
    (9) الآثار لأبي يوسف ص 232.
    (10) الفروق للقرافي 1/2-3.
    (11) انظر القواعد الفقهية ص 58- 61، للإطلاع على مزيد من هذه الفروق.
    (12) مصدر سابق ص 61.
    (13) تاج العروس 9/393.
    (14) مصدر سابق.
    (15) الأشباه والنظائر ص 17.
    (16) كشف اصطلاحات الفنون 4/173.
    (17) غمز عيون البصائر.
    (18) سنن الدارقطني 4/206 وسنن البيهقي 10/115.
    (19) القواعد الفقهية ص 68.
    (20) الحاوي للفتاوى 2/273.
    (21) القواعد الفقهية.
    (22) الفوائد الجنية 1/87.
    (23) القواعد الفقهية للندوي ص 73، وعزاه إلى كتاب الفروق للجويني - شريط مصور.
    (24) القواعد الفقهية ص 74، وعزاه إلى كتاب الفروق للسامري - شرط مصور.

    (25) أخرجه البخاري، كتاب الديات، باب:المعدن جبار والبئر جبار 6/ 2533 ترقيم البنا.







    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    21,843

    افتراضي رد: القواعد الفقهية

    القواعد الفقهية 2
    عبد العزيز الحويطان

    لمحة تاريخية عن نشأة القواعد الفقهية:
    يمكن أن نقسم تاريخ نشأة وتدوين القواعد الفقهية إلى ثلاثة أقسام هي: نشأة القواعد، وتدوينها، وتنسيقها.
    طور النشأة النبي - صلى الله عليه وسلم - أصدق من نطق بالضاد، وقد أوتي جوامع الكلم، ولذا كان كلامه - صلى الله عليه وسلم - في كثير من الأحاديث عبارة عن قواعد فقهية باقية إلى قيام الساعة، انظر مثلاً قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((العجماء جرحها جبار))[1] أو قوله: ((لا ضرر ولا ضرار))[2] أو قوله: ((البينة...على المدعي واليمين على من أنكر)) [3] أو قوله: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم))[4] أو قوله: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام))[5] وكثير كثير من الأحاديث التي هي قواعد ثابتة تجمع فروعاً شتى في أبواب الفقه.
    كما أن لبعض الصحابة كلاماً منظوماً بمثابة قواعد فقهية، مثل قول عمر - رضي الله عنه-: "مقاطع الحقوق عند الشروط"[6] وقول ابن عباس: "كل شيء في القرآن أو، أو فهو مخير، وكل شيء" فإن لم تجدوا "فهو الأوَّل فالأول"[7].
    كذلك أثر كلام عن التابعين بمثابة قواعد في أبواب الفقه، انظر مثلاً إلى قول شريح (76 هـ): "من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه"[8] أو قوله: "من ضمن مالاً فله ربحه"[9] وهو يماثل القاعدة "الخراج بالضمان".
    ومن التابعين أيضاً خير بن نعيم فقد روي عنه الليث بن سعد المقولة التي كانت قاعدة فقهية فيما بعد: "من أقر عندنا بشيء ألزمناه إياه" [10].
    وإذا نظرنا إلى كتب التابعين وجدناها مليئة بالأقوال العامة التي تأتي على نسق القواعد الفقهية، ولعل أقدم مصدر فقهي يسترعي انتباه الباحث هو (كتاب الخراج) لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم (182 هـ).
    ففيه عبارات تتسم بسمات وشارات تتسق بموضوع القواعد منها:
    1- التعزير إلى الإمام على قدر عظم الجرم وصغره [11].
    2- كل من مات من المسلمين لا وارث له، فماله لبيت المال [12].
    3- ليس للإمام أن يخرج شيئاً من يد أحد إلا بحق ثابت معروف [13].
    وهذا نظير القاعدة المشهورة "القديم يترك على قدمه".
    4- ليس لأحد أن يحدث مرجأ في ملك غيره، ولا يتخذ فيه نهراً ولا بئراً ولا مزرعة، إلا بإذن صاحبه، ولصاحبه أن يحدث ذلك كله [14].
    وهذا نظير القاعدة "لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذنه".
    5- لا ينبغي لأحد أن يحدث شيئاً في طريق المسلمين مما يضرهم، ولا يجوز للإمام أن يقطع شيئاً مما فيه الضرر عليهم، ولا يسعه ذلك [15]
    والشطر الأول يتعلق بقواعد رفع الضرر كما سيأتي والثاني يتعلق بالقاعد: "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة".
    إذاً نستطيع أن نقول أن القواعد كانت موجودة آنذاك ولكنها كانت متناثرة لا تعرف بأنها قواعد، تأتي عفوية من العلماء، ولا شك أن هذا أدى إلى أن تكون هذه المقولات مصدر انطلاق للمتأخرين في هذا المجال.
    طور التدوين: لم تظهر القواعد الفقهية كعلم مستقل إلا في القرن الرابع الهجري.
    وذلك أنه لما اضمحل الاجتهاد وظهر التقليد بدأ كل أناس بدراسة مذهبهم، واستخراج الفنون من أمثال: الفروق والحيل والألغاز والقواعد الفقهية.
    وما يشهد له التاريخ أن فقهاء المذهب الحنفي كانوا أسبق من غيرهم في هذا المضمار ولعل ذلك يرجع لتوسعهم في الفروع [16].
    أما أقدم نص وصل إلينا في تدوين القواعد الفقهية كعلم، ما ذكره العلائي الشافعي والسيوطي وابن نجيم في كتبهم عن القواعد: "أن الإمام أبا طاهر الدباس من فقهاء القرن الرابع الهجري، قد جمع أهم قواعد مذهب الإمام أبي حنيفة في تسع عشرة قاعدة كلية، وكان أبو طاهر - رحمه الله - ضريراً يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد انصراف الناس، وذكروا أن أبا سعد الهروي (488 هـ) - شافعي - قد رحل إلى أبي طاهر، ونقل عنه بعض هذه القواعد، ومن جملتها القواعد الأساسية المشهورة، وهي:
    1- الأمور بمقاصدها.
    2- اليقين لا يزول بالشك.
    3- المشقة تجلب التيسير.
    4- الضرر يزال.
    5- العادة محكمة [17]، [18].
    ولعل الإمام الكرخي (340 هـ) قد اقتبس بعض القواعد من الإمام الدباس وضمها إلى رسالته المشهورة التي تحتوي على سبع وثلاثين قاعدة، ولعلها أول نواة للتأليف في هذا الفن [19].
    وجاء بعدهم الإمام أبو زيد الدبوسي (430 هـ) حيث ألف أول كتاباً في هذا الفن وهو يمثل بداية هذا العلم من ناحية التدوين، واسم كتابه (تأسيس النظر) [20].
    وفي القرن السادس عشر لم يحفل بمؤلفات في هذا الفن ما عدا كتاب السمرقندي (540 هـ) وهو (أيضاً في القواعد)، أما القرن السابع فقد برز فيه هذا العلم بشكل واضح وخرج فيه كم من المؤلفات منها كتاب (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) للعز بن عبد السلام (660 هـ).
    أما القرن الثامن فيعتبر العصر الذهبي لتدوين القواعد الفقهية، ومن المؤلفات التي خرجت في هذا القرن: الأشباه والنظائر لتاج الدين السبكي كذلك القواعد في الفقه لابن رجب الحنبلي، والقواعد للمقري وغيرها كثير.
    وفي القرن التاسع جدّت المؤلفات على المنهاج السابق مثل كتاب ابن عبد الهادي (880 هـ) (القواعد والضوابط).
    وفي القرن العاشر رقي فيه التدوين بخروج مؤلفات العلامة السيوطي (910 هـ) مثل الأشباه والنظائر، كذلك كتاب ابن نجيم (970 هـ) (الأشباه والنظائر الذي ألفه بعد انقطاع للحنفية عن التأليف دام قروناً [21].
    هذه لمحة عابرة عن مسار التأليف في هذا الفن منذ القرن الرابع إلى القرن العاشر الهجري.
    لكن السؤال الحري بالإجابة: من قعد في هذه الفترة هل قلد من سبقه؟ أم أنه أتى بجديد في هذا العلم؟ والإجابة على هذا السؤال أن نقول أن الاحتمالين واردان، فهناك بعض العلماء نقح في هذه القواعد وزاد في دقتها وقلل من مستثنياتها، مثل الإمام النووي (676 هـ).
    وفي نظرة عاجلة على كتابه المجموع نجد أنه ذكر قواعد منها:
    1- أصَّل الفروع الكثيرة بناء على القاعدة المشهورة "اليقين لا يزول بالشك"[22].
    2- من القواعد الشهيرة "الأصل في الأبضاع التحريم" ذكر في فروع منها: "إذا اختلطت زوجته بنساء واشتبهت لم يجز له وطء واحدة منهن بالاجتهاد بلا خلاف، سواء كن محصورات أو غير محصورات لأن الأصل التحريم، والأبضاع يحتاط لها، والاجتهاد خلاف الاحتياط"[23].
    3- أشار إلى قاعدة ترجيح المحرم على المبيح عند اجتماعهما في قوله: "إن الأصول مقررة على أن كثرة الحرام واستواء الحلال والحرام يوجب تغليب حكمه في المنع كأخت أو زوجة اختلطت بأجنبية"[24].
    4- ما نقله عن الإمام الجويني: "أنه إذا سقط الأصل مع إمكانه فالتابع أولى" كما جاء في النص التالي: "من فاته صلاة في زمن الجنون والحيض فإنه لا يقضي النوافل الراتبة التابعة للفرائض كما لا يقضي الفرائض... لأن سقوط القضاء عن المجنون رخصة مع إمكانه، فإذا سقط الأصل مع إمكانه فالتابع أولى…"[25].
    كذلك الإمام ابن القيم، له جهد وباع في تنقيح ودقة بعض القواعد الفقهية، وفي نظرة عاجلة على كتابيه "إعلام الموقعين" و "بدائع الفوائد" يلمس المرء جهده الطيب في هذا المجال، من ذلك:
    1- "إذا زال الُموجِب زال الُموجَب" ذكرها في فصل عنوانه "طهارة الخمر باستحالتها توافق القياس"[26].
    2- "لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة" قال: "إن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه تعذر عليه الدخول في الصف، ووقف معه فذاً، صحت صلاته للحاجة"[27].
    3- "إن الأعيان التي تحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء أصلها، حكمها حكم المنافع، كالثمر في الشجر واللبن في الحيوان والماء في البئر" ذكرها تحت فصل عنوانه: إجارة الظئر توافق القياس [28].
    4- "المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف"[29] بناء على ذلك اتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه، كما إذا باع مخزناً له فيه متاع كثير لا ينتقل في يوم ولا أيام، فلا يجب عليه جمع دواب البلد، ونقله في ساعة واحدة [30].
    5- "إن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول، مثل التراب في الطهارة والصوم في كفارة اليمين"[31].
    6- "ما حرّم سداً للذريعة، أبيح للمصلحة الراجحة) كما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب من جملة النظر المحرم [32].
    بهذا يتضح أن عصر التدوين كان تنسيقاً لما سبق وكان فيه استنتاج لبعض القواعد الفقهية بناء على دراسة الفروع المتشابهة.
    مواد التنسيق: علمنا فيما مضى أن القواعد الفقهية دارت في أول نشأتها على ألسنة المتقدمين إلى أن جرى تدوينها واتضحت معالمها. لكن القواعد على الرغم من تلك الجهود ظلت متفرقة ومبددة في مدونات مختلفة تضمنت تلك المدونات بعض الفنون الفقهية الأخرى مثل الفروق والألغاز وأحياناً بعض القواعد الأصولية.
    "ولم يستقر أمرها تمام الاستقرار إلى أن وضعت مجلة الأحكام العدلية على أيدي لجنة من فحول الفقهاء في عهد السلطان عبد العزيز خان العثماني في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ليعمل به في المحاكم التي كانت تعمل آنذاك [33]. "وقد وضعت القواعد في صدر المجلة، وهي قرابة مائة قاعدة، أخذت من كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم ومجامع الحقايق للخادمي"[34].
    هذه لمحة سريعة عن تطور علم القواعد الفقهية عبر القرون الماضية.
    ويلمس الإنسان عدة أمور أثناء تأمله في تاريخ القواعد الفقهية منها:
    1- أن القواعد التي جاءت في كتب القواعد ليست كلها قواعد مذهبية.
    2- أن بعضها اكتسب صياغة أدق وامتاز بالرصانة بعد المزاولة والمداولة.
    ولنأخذ على ذلك مثالاً: القاعدة المشهورة في كون الإقرار إنما يلزم صاحبه المقر ولا يسري حكمه على غيره، ترى نصها المتداول في كتب المتأخرين وفي المجلة بعنوان "الإقرار حجة قاصرة" في حين أننا نجد هذه القاعدة عند الإمام الكرخي بالنص التالي: "الأصل: أن المرء يعامل في حق نفسه كما أقر به، ولا يصدق على إبطال حق الغير، ولا بإلزام الغير حقاً"[35].
    ومثال آخر: القاعدة المشهورة "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة"[36] يوجد أصلها في كلام الشافعي - رحمه الله - بأن "منزلة الوالي من الرعية منزلة الولي من اليتيم"[37]، ثم اشتهر هذا القول عند كثير من الفقهاء باعتباره قاعدة تحت عنوان: "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة"[38]. هل يجوز أن نجعل القاعدة الفقهية دليلاً يستنبط منه الحكم الشرعي؟ هذه المسألة حساسة ومهمة وعليها تنبني كثير من الأحكام، والراجح فيها - والله أعلم- أنه لا يجوز أن تجعل القاعدة الفقهية دليلاً يستنبط منه الحكم الشرعي. يقول الإمام الجويني في كتابه الغياثي بمناسبة إيراد قاعدتي الإباحة وبراءة الذمة: "وغرضي بإيرادهما تنبيه القرائح.. ولست أقصد الاستدلال بهما"[39].
    ويقول ابن نجيم في هذه القضية: "إنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد أو الضوابط، لأنها ليست كلية بل أغلبية"[40].
    أما العلامة على حيدر فيقول في شرح المجلة "فحكام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد"[41].
    إذاً وضع القاعدة كدليل شرعي الراجح أنه لا يصح وذلك أن القاعدة مستثناة وصفتها عدم الشمول، ونحن مطالبون بأن نستدل بدليل ثابت صفته الشمول والدقة.
    نعم لبعض القواعد صفة أخرى كأن تكون معبرة عن دليل أصولي أو كونها حديثاً ثابتاً مستقلاً فهنا نستند إلى صفتها كأن تكون دليلاً قرآنياً أو سنة نبوية أو قاعدة أصولية، والله أعلم.
    _______________
    (1) أخرجه البخاري، كتاب الديات، باب: المعدن جبار والبئر جبار (6/ 2533) ترقيم البنا.
    (2) أخرجه الحاكم في المستدرك 2/57 وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
    (3) أخرجه مسلم 13/3 بشرح النووي، والترمذي كتاب الأحكام والبيهقي وابن عساكر، كما أخرجه الدار قطني.
    (4) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الديات، باب إيقاء المسلم من الكافر، والنسائي 8/18 وابن الحلبي.
    (5) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان، قال الترمذي: حسن غريب، قال ابن حجر: رواته ثقات وصححه الألباني.
    (6) صحيح البخاري باب: الشروط في المهر عند عقدة النكاح وباب: الشروط في النكاح.
    (7) رواه عبد الرزاق 4/395.
    (8) صحيح البخاري بشرح الكرماني 12/55.
    (9) أخبار القضاة 2/319.
    (10) المصدر السابق 3/ 231.
    (11) الخراخ لأبي يوسف ص 180.
    (12) المصدر السابق ص 51.
    (13) المصدر السابق ص 71.
    (14) المصدر السابق ص 111.
    (15) المصدر السابق ص 101.
    (16) القواعد الفقهية ص 99.
    (17) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 7 وكذلك الأشباه والنظائر لابن بجيم ص 10- 11.
    (18) وقد نظم بعض الشافعية هذه القواعد الخمس الأساسية في بعض الأبيات: خمس مقررة قواعد مذهب... للشافعي فكن بهن خبيراً ضرر يزال وعادة قد حكمت... وكذا المشقة تجلب التيسيرا والشك لا ترفع به متيقناً... والقصد أخلص إن أردت أجورا.
    (19) القواعد الفقهية ص 100، وبالمناسبة فإن الإمام الكرخي هو القائل: إن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها تحمل على النسخ أو على الترجيح أو على التأويل من جهة التوفيق (شرح القواعد الفقهية للزرقا ص، 39).
    (20) القواعد الفقهية ص 101.
    (21) انظر في هذا التسلسل التاريخي القواعد الفقهية (ص 101 - ص 103).
    (22) المجموع 1/246.
    (23) المصدر السابق 1/237.
    (24) المصدر السابق 1/237.
    (25) المصدر السابق 1/433.
    (26) إعلام الموقعين 2/ 14.
    (27) المصدر السابق 2/48.
    (28) المصدر السابق 2/34.
    (29) أظن القاعدة بالعكس أي أن المستثنى بالعرف أقوى من المستثنى بالشرط.
    (30) إعلام الموقعين 2/ 30.
    (31) المصدر السابق 3/399.
    (32) المصدر السابق 2/161.
    (33) القواعد الفقهية ص 121.
    (34) المصدر السابق ص 121.
    (35) كلام الكرخي، انظر رسالة الكرخي ص 212.
    (36) مجلة الأحكام العدلية 2/58.
    (37) المنثور في القواعد ص 309.
    (38) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 121.
    (39) الغياثي ص 499.
    (40) غمز عيون البصائر 1/17.
    (41) درة الأحكام شرح مجلة الأحكام 1/10.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •