للمشاركة والنقاش !!
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 37
32اعجابات

الموضوع: للمشاركة والنقاش !!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    11,400

    افتراضي للمشاركة والنقاش !!

    قال الشيخ صالح آل الشيخ :

    ومنذ قديم أرى خطأ المقولة التي تبنّاها العز بن عبد السلام وهي في دعائه : " اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك"

    هذا دعاء شائع ربما تسمعونه ، وأنا دائما اقول في لقاءاتي بالخطباء أننا إذا قلنا : يذل فيه أهل معصيتك ، معنى ذلك إنني أدعو بالذلة على نفسي أولا ، فلا أحد يسلم من الذنب ، أنا استعمل دائما ( أن يعافى أهل معصيتك ) ونحن نحب العافية ، وهي تكون في الدين والدنيا.

    وهنا ( يذل أهل معصيتك ) هي لغة أتى بها الفقيه العز بن عبد السلام يقصد بها أمراء وقته. وينبغي ألا ندعو بالذلة على جزء منا وفينا والله عزوجل يقول : "وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [التوبة : 102]

    لقاء مع جريدة الرياض.
    #ن / خالد السيد-- البينة الدعوية بفهم سلف الأمة .
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم علي طويلبة علم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    11,400

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    ليس في مقولة العز خطأ ..لأن أهل معصيته الذين هم أهلها المصرون عليها وليس كعامة المسلمين من يعص ويتوب ويعص ويتوب فهؤلاء لا يقال فيهم أهل معصيته كما لا يقال فيهم اصحاب النار لان اصحاب النار هم الكفار وليس من يخرج منها وان دخلها ...

    الشيخ عبدالله الأهدل
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم علي طويلبة علم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    11,400

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    قلت

    لعل التوفيق بين الشيخين الجليلين

    الاول على العموم والثاني على الخصوص .

    واعتقد . ان في كلام الشيخ الأهدل حفظه الله مفارقة كبيرة .
    محمدعبداللطيف و ابوسفيان الأعضاء الذين شكروا.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,099

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسن المطروشى الاثرى مشاهدة المشاركة

    التوفيق بين الشيخين الجليلين
    بارك الله فيك اخى الفاضل حسن المطروشى الاثرى وجزاك الله خيرا على دعوتك لإثراء الموضوع بالمشاركة والنقاش
    ولإثراء الموضوع بالمشاركة هذه فتوى قيمة جدا فيها التوفيق والتوجيه الصحيح فيمن يدعو بالدعاء المأثور
    وكنت أود ألا أتعرض لتوجيه الشيخ صالح ال الشيخ ولكن الحق أحب الينا من الجميع
    السؤال
    ما التوجيه الصحيح فيمن يدعو بالدعاء المأثور : " اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد ، يعز فيه أهل طاعتك ، ويذل فيه أهل معصيتك " ، وهل الصحيح والأولى استبدال لفظ " ويذل " بـ" ويهدى " ؟
    الجواب
    الحمد لله.
    أولا :
    روى هذا الدعاء ابن ابي شيبة في "المصنف" (15 / 163) تحت باب "ما يدعو به للعامة: كيف هو" بسند صحيح عن طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ – وهو تابعي-، أنه كان يقول: ( اللَّهُمَّ أَبْرِمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْرًا رَشِيدًا، تُعِزُّ فِيهِ وَلِيَّكَ، وَتُذِلُّ فيه عَدُوَّكَ، وَيُعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَتِكَ ).
    وورد في "المعرفة والتاريخ" للفسوي (2 / 24)؛ قال:
    " حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ يَلْقَانَا فَقَلَّمَا نَفْتَرِقُ حَتَّى نَقُولَ: ( اللَّهمّ اسْمُ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرًا رَشَدًا يُعَزُّ فِيهِ وَلِيُّكَ، وَيُذَلُّ فِيهِ عَدُوُّكَ، وَيُعْمَلُ فِيهِ لِطَاعَتِكَ، وَيُتَنَاهَى عَنْ سَخَطِكَ ). " انتهى.
    وسفيان الثوري راوي هذا الدعاء قد استحسنه فكان ممّا يدعو به كما في "حلية الأولياء" لأبي نعيم (7 / 81).
    وقد تتابع أهل العلم على الدعاء به.
    قال السبكي في "طبقات الشافعية" (8 / 243) عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام:
    " وكان يدعو به إذا فرغ من الخطبتين قبل نزوله من المنبر، وهو: اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا، تعز فيه وليك وتذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك " انتهى.
    وقال الماوردي رحمه الله تعالى:
    " وروي عن بعض التابعين أنه كان يقول في القنوت: " اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشيدا، تعز فيه وليك، وتذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، وتنهي عن معصيتك "، فإن قنت بهذا جاز، والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت أحب إلينا من غيره " انتهى، من "الحاوي الكبير" (2 / 153).
    وأما بلفظ: " يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك
    " فهو لفظ انتشر في العصور المتأخرة وأقدم ما وقفنا عليه؛
    أنه ذكر في دعاء القنوت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ كما في "المستدرك على الفتاوى" (3 / 107).
    وما زال يدعو به عدد من أهل العلم الأفاضل، كالشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى كما في جامع خطبه "الضياء اللامع – القسم الأول" (ص 266 ، 370)، وقد أفتى بمشروعيته الشيخ عبد الرحمن البراك.
    https://ar.islamway.net/fatwa/35927
    ثانيا:
    هذا الدعاء بهذه الصيغة هو مجمل قد تسبق إلى ذهن السامع له بعض المعاني غير الصحيحة:
    كأن يفهم أن المقصود بأهل المعصية كل من يلابس معصية أيّا كان، فهذا المعنى، لا يتصور أن الداعي يقصده؛ لأنه بهذا يكون معرضا نفسه وأهله لخطر هذا الدعاء، فلا أحد يضمن لنفسه عدم الوقوع في المعصية.

    وليس المقصود به ذل أهل المعصية وصغارهم دوما ، وألا تنالهم عزة بتوبة صادقة، فهذا المعنى يستبعد أن يقصده عالم أو فقيه، وهو خلاف المقصود العام من هذا الدعاء كما سيأتي بيانه.
    وليس المقصود أيضا ذلهم دوما ولو كانوا في موقف حق، فهو معنى يستبعد أن يقصده من له علم، فأصحاب المعاصي كشرّاب الخمر مثلا إذا جاهدوا الكفار فإنه يُدعى لهم بالنصر والعزة في هذا الموقف،
    ولهذا من مذهب أهل السنة أن الجهاد ماض مع كل برّ وفاجر.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
    " ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر؛ فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور .
    فإنه لا بد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا .
    وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام؛ وإن لم يمكن إقامة جميعها.
    فهذا هو الواجب في هذه الصورة، وكل ما أشبهها؛ بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه " انتهى. "مجموع الفتاوى" (28 / 506 - 507).

    أما المعنى الذي يقتضيه سياق الدعاء؛
    هو أنّ الله قضى وقدّر أن الصراع بين أهل الطاعة والمعصية ، وبين الحق والباطل : ماض إلى آخر الزمان، وأن الداعي ينظر إلى مصلحة الأمة العامة ، فيسأل الله أن تكون كلمة أهل الطاعة مسموعة عند أفراد الأمة ، وقوتهم غالبة ، فيتحقق صلاح العوام بهذه العزة .
    وفي المقابل يسأل الله أن تكون قوة الداعين إلى المعاصي واهنة ، وصوتهم خافتا ؛ فلا يكون لدعوتهم أثر ، وتنجو الأمة من شرهم.
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ) رواه مسلم (2674).
    وذلة أصحاب المعاصي هي دافع قوي إلى توبة كثير منهم، واعتبر ذلك بأهل الشرك في عصر النبوة، فإنه لما كانت لهم قوة كانوا يمتنعون عن الإسلام ويحاربونه، فلما ذهبت قوتهم وذلوا، كما في عام الفتح، فإنهم تسابقوا إلى الدخول في الإسلام وأصبحت الوفود تتوالى على المدينة النبوية طوعا؛ كما وصف هذه الحال قوله تعالى:
    ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) النصر (1 -3).
    فالحاصل؛ أن هذا الدعاء بهذا المعنى الأخير فيه خير للأمة ولأهل المعاصي أنفسهم، ولا يظهر فيه ما يخالف الشرع.
    لكن من جعل مكان لفظ الذلة الهداية فلا بأس ، وهو أسلم من الإشكال فيه ؛ لأنه دعاء ليس ثابتا بالوحي، فيجوز التصرف فيه بالتغيير بما لا يخالف الشرع.
    ولو التزم الوارد عن السلف ، بذكر : "عدوك" ، فيدعو بالعزة لأولياء الرحمن ، والذلة لأعدائه ، أو يقول : يعز فيه أهل موالاتك ، ويذل فيه أهل معاداتك ، ونحو ذلك : فهو أسلم أيضا ، وأتباع للوارد عن السلف .
    والله أعلم.
    المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    266

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    أما المعنى الذي يقتضيه سياق الدعاء؛
    هو أنّ الله قضى وقدّر أن الصراع بين أهل الطاعة والمعصية ، وبين الحق والباطل : ماض إلى آخر الزمان، وأن الداعي ينظر إلى مصلحة الأمة العامة ، فيسأل الله أن تكون كلمة أهل الطاعة مسموعة عند أفراد الأمة ، وقوتهم غالبة ، فيتحقق صلاح العوام بهذه العزة .
    وفي المقابل يسأل الله أن تكون قوة الداعين إلى المعاصي واهنة ، وصوتهم خافتا ؛ فلا يكون لدعوتهم أثر ، وتنجو الأمة من شرهم......

    فالحاصل؛ أن هذا الدعاء بهذا المعنى الأخير فيه خير للأمة ولأهل المعاصي أنفسهم، ولا يظهر فيه ما يخالف الشرع.
    لكن من جعل مكان لفظ الذلة الهداية فلا بأس ، وهو أسلم من الإشكال فيه ؛ لأنه دعاء ليس ثابتا بالوحي، فيجوز التصرف فيه بالتغيير بما لا يخالف الشرع.
    ولو التزم الوارد عن السلف ، بذكر : "عدوك" ، فيدعو بالعزة لأولياء الرحمن ، والذلة لأعدائه ، أو يقول : يعز فيه أهل موالاتك ، ويذل فيه أهل معاداتك ، ونحو ذلك : فهو أسلم أيضا ، وأتباع للوارد عن السلف .
    نعم
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة حسن المطروشى الاثرى

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,181

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    بارك الله فيكم
    حسن المطروشى الاثرى و محمدعبداللطيف الأعضاء الذين شكروا.
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,795

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    أرى أنه ليس في المقولة خطأ؛ لأن المقصود أهل المعصية المتكبرون المتجبرون الذين يؤذون المسلمين.
    ومَنْ قال: إن أهل المعصية يُدعَى لهم بالهداية، وليس بالذل: فنقول: هذا جائز وهذا جائز؛ كما قال تعالى: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ).
    ولو منعنا هذا الدعاء يلزمنا أيضًا أن نمنع الدعاء على الظالمين؛ لأن جميعنا يظلم نفسه، والكثيرون منا وقعوا في ظلم الناس.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    11,400

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    جزاكم الله خيرا . ولعل الأمر في سعة .
    رفع الله قدركم في الدارين ونفع بكم
    ونشكر كل من أبدع وكتب
    محمد طه شعبان و محمدعبداللطيف الأعضاء الذين شكروا.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    11,400

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    التوجيه الثاني


    قال أبو محمد ابن جعفر:
    كنت عند الجُنيد رحمه الله، فدخل أبو بكر الشبلي رحمه الله، فقال الجنيد:
    "من كان اللهُ همّه طال حُزنُه".

    فقال الشّبلي رحمه الله:
    "لا يا أبا القاسم؛ بل من كان اللهُ همَّه زالَ حُزنُهُ".

    قال البيهقي رحمه الله :
    (قول الجنيد محمول على ذكر الدنيا،
    وقول الشبلي محمول على ذكر الآخرة،
    وقول الجنيد محمول على حزنه عند رؤية التقصير من نفسه في القيام بواجباته، وقول الشبلي محمول على سروره بما أعطي من التوفيق حتى جعل الهمّ همًّا واحدًا).

    السنن الكبير للبيهقي رحمه الله

    ما رأيكم ؟
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,099

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسن المطروشى الاثرى مشاهدة المشاركة
    قال البيهقي رحمه الله :
    (قول الجنيد محمول على ذكر الدنيا،
    وقول الشبلي محمول على ذكر الآخرة،
    وقول الجنيد محمول على حزنه عند رؤية التقصير من نفسه في القيام بواجباته، وقول الشبلي محمول على سروره بما أعطي من التوفيق حتى جعل الهمّ همًّا واحدًا).

    السنن الكبير للبيهقي رحمه الله
    بارك الله فيك اخى حسن المطروشى الاثرى توجيه موفق لا غبار عليه لأن البيهقى على علم بتعبيرات القوم
    وذكر البيهقي ايضا عن القوم في (باب الخوف) من كتابه (شعب الإيمان)
    أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سئل الإستاذ أبو سهل الصعلوكي في قوله [تعالى] (فبذلك فليفرحوا) :
    كيف يفرح من لا يأمن؟!
    فقال:
    إذا نظر إلى الفضل فرح؛
    وإذا رجع حزن حتى يكون فرِحاً في وقت محزوناً في وقت كحال الخوف والرجاء. (1/516)

    عن الجريري قال: سئل الجنيد هل يسقط الخوف عن العبد؟ فقال: لا، وكلـما كان العبد أعلم بالله كان له أشد خوفاً؛ والخائفون على ثلاث طبقات: خائف من الإجرام، وخائف من الحسنات أن لا تقبل وخائف من العواقب قال الله تعالى ولا يخاف عقباها (1/516).
    عن إبراهيم بن بشار قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: الهوى يردي وخوف الله يشفي، واعلم أن ما يزيل عن قلبك هواك إذا خفت من تعلم انه يراك.
    عن إبراهيم بن أدهم قال: كان داود الطائي يقول: إن للخوف حركات تعرف في الخائفين ومقامات تعرف في المحبين وإزعاجات تعرف في المشتاقين وأين أولئك؟! أولئك هم الفائزون
    و عن الجنيد قال: سمعت السري يقول: شيئان مفقودان: الخوف المزعج والشوق المقلق
    قال البيهقي
    (قال الحليمي رحمه الله: والخوف على وجوه:
    أحدها: ما يحدث من معرفة العبد بذلة نفسه وهوانها وقصورها وعجزها عن الامتناع عن الله تعالى جده إن أراده بسوء وهذا نظير خوف الولد والديه وخوف الناس سلطانهم وإن كان عادلاً محسناً وخوف المماليك ملاكهم.
    والثاني: ما يحدث من المحبة وهو أن يكون العبد في عامة الأوقات وجلاً من أن يكله إلى نفسه ويمنعه مواد التوفيق ويقطع دونه الأسباب وهذا خلق كل مملوك أحسن إليه سيده فعرف قدر إحسانه فإحبه فإنه لا يزال يشفق على منزلته عنده خائفاً من السقوط عنها والفقد لها.
    الثالث: ما يحدث من الوعيد وقد نبه الكتاب على هذه الأنواع كلها.
    أما الأول فقوله تعالى (ما لكم لا ترجون لله وقاراً) أي لا تخافون لله عظمة---.
    وأما الثاني فإن الله جل ثناؤه أثنى على الذين يدعونه فيقولون (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) وقرأ الآية؛ وسماهم الراسخين في العلم؛ ومعلوم أن أحداً لا يدعو فيقول: رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني إلا وهو خائف على الهدى الذي أكرمه الله تعالى به أن يسلبه إياه؛ وأخبر عن أهل الجنة أنهم يقولون: (إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) [و]قرأ الآيتين؛ وجاء في التفسير أنهم كانوا مشفقين من أن يسلبوا الإسلام فيوردوا يوم القيامة موارد الأشقياء وكانوا يدعون الله أن لا يفعل بهم ذلك؛ وكذلك سائر نعم الله وإن كان الإسلام أعلاها.
    وأما الثالث، قال في غير موضع من كتابه: (يا أيها الناس اتقوا ربكم)، وقال: (وإياي فاتقون)، وقال: (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة) فأمر بالتقوى وهي أن يقي المخاطبون أنفسهم من نار جهنم بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه؛ ومعنى (اتقون) اتقوا عذابي ومؤاخذتي---. (1/464-467)
    عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل (ما لكم لا ترجون لله وقاراً) يقول: عظمة؛ وقوله (وقد خلقكم أطواراً) يقول: نطفة ثم علقة ثم مضغة. (1/464-465)
    عن أبي الربيع عن ابن عباس في قوله تعالى (ما لكم لا ترجون لله وقاراً) قال: لا تعلمون لله عظمة. (1/465)
    عن منصور عن مجاهد في قوله (ما لكم لا ترجون لله وقاراً) قال: لا تبالون عظمة ربكم؛ (وقد خلقكم أطواراً) قال: نطفة ثم علقة ثم مضغة، شيئاً بعد شيء. (1/465)
    عن منصور عن مجاهد في قوله (ما لكم لا ترجون لله وقاراً) قال: لا تبالون لله عظمة؛ قال: والرجاء الطمع والمخافة. (1/465)
    سأل منصور بن زاذان رجل: ما كان الحسن يقول في قوله (ما لكم لا ترجون لله وقاراً) قال: لا تعلمون له عظمة ولا تشكرون له نعمة. (1/465)
    عن سفيان عن السدي في قوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال 2]؛ قال: إذا هم بمعصية أو ظلم أو نحو هذا قيل له: اتق الله وجل قلبه. (1/469)
    عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور عن مجاهد (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن 46] قال: يذنب فيذكر مقامه فيدعه. (1/469)
    عن إبراهيم ومجاهد في قوله (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) قالا: هو الرجل يريد أن يذنب فيذكر مقام ربه فيدع الذنب. (1/469)
    عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في خطبته: خير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل.(1/470)
    عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً. (1/471-472)
    عن مسروق قال: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بنفسه. (1/472)
    عن أبي حازم أن عامر بن عبد الله بن الزبير أخبره أن أباه أخبره أن عبد الله بن مسعود أخبره أنه لم يكن بين إسلامه [وفي رواية: إسلامهم] وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين (ولا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون). (1/473)
    عن أبي الأشهب قال: سمعت الحسن يقول: (والذين يؤتون ما اتوا وقلوبهم وجلة) قال: كانوا [يعلمون] ما يعلمون من أعمال البر وهم مشفقون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب الله عز وجل. (1/478)
    عن الضحاك بن عبد الرحمن قال: سمعت بلال بن سعد يقول: عباد الرحمن هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئاً من أعمالكم تقبلت منكم؟! أو شيء من خطاياكم غفرت لكم؟! (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون)؛ والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم [أي ولسارعتم إلى طاعة الله من أجل ذلك الثواب العاجل]؛ أفترغبون في طاعة الله لتعجيل دار همّ ولا ترغبون وتنافسون في جنة أكلها دائم وظلها تلك عقبي الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار. (1/480)
    عن الضحاك قال: سمعت بلال بن سعد يقول: استحيوا من الله واحذروا الله، لا تأمنوا مكر الله ولا تقنطوا من رحمة الله. (1/480)
    عن عبد الله بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري من ولد أنس عن أبيه عن جده أنس قال: يا بني إياكم والسفلة، قالوا: وما السفلة؟ قال: الذي لا يخاف الله عز وجل. (1/480)
    عن الحسن قال: أبصر أبو بكر طائراً على شجرة فقال: طوبى لك يا طير، تأكل الثمر وتقع على الشجر لوددت أني ثمرة ينقرها الطير. (1/485)
    عن الضحاك قال: مر أبو بكر رضي الله عنه على طير قد وقع على شجرة فقال: طوبى لك يا طير تطير فتقع على الشجر ثم تأكل من الثمر ثم تطير ليس عليك حساب ولا عذاب ياليتني كنت مثلك؛ والله لوددت أني كنت شجرة إلى جانت الطريق فمر علي بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني ثم إزدردني ثم أخرجني بعراً ولم أكن بشراً؛ قال: فقال عمر رضي الله عنه: يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم بعض من يحبون فذبحوني لهم فجعلوا بعضي شواء وبعضه قديداً ثم أكلوني ولم أكن بشراً قال: وقال أبو الدرداء: يا ليتني كنت شجرة تعضد وتؤكل ثمرتي ولم أكن بشراً. (1/485)
    عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه نظر إلى طير حين وقع على الشجر فقال: ما أنعمك يا طير تأكل وتشرب وليس عليك حساب وتطير، يا ليتني كنت مثلك. (1/485)
    عن عرفجة: قال أبو بكر رضي الله عنه: من إستطاع أن يبكي فليبك، ومن لم يستطع فليتباك؛ يعني التضرع. (1/493)
    عن عائشة رضي الله عنها قالت: وكان أبو بكر إذا بكى لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن. (1/493)
    عن عمر الفاروق أنه كان في وجهه خطان أسودان من البكاء. (1/493)
    عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إذا دمعت عيناك وسالت دموعك على خدك فلا تلقها بثوبك وامسح بها وجهك حتى تلقى الله بها. (1/493)
    عن علي بن علي قال: كان عطاء السليمي يبكي حتى خشي على عينه فأتي طبيب يداوي عينه، قال: أداوي بشرط أن لا تبكي ثلاثة أيام! قال: فاستكثر ذلك وقال: لا حاجة لنا فيك. (1/496)
    عن بلال بن سعد قال: رب مسرور مغبون ورب مغبون لا يشعر؛ فويل لمن له الويل ولا يشعر، يأكل ويشرب ويضحك وقد حق عليه في قضاء الله عز وجل أنه من أهل النار! فيا ويل لك روحاً ويا ويل لك جسداً فلتبك ولتبك عليك البواكي لطول الأبد. (1/496-497)
    عن زهير السلولي قال: كان رجل من بلعنبر قد تهيج بالبكاء فكان لا يُكاد يرى إلا باكياً فعاتبه رجل من إخوانه فقال: لم تبكي رحمك الله هذا البكاء الطويل؟! فبكى ثم قال:
    بكيت على الذنوب لعظم جرمي
    وحق لكل من يعصي البكاء
    فلو كان البكاء يرد همي
    لاسعدت الدموع مع دماء
    عن يوسف بن يوسف الباهلي يقول: سمعت عبد الله بن ثعلبة يقول: تضحك ولعل كفنك قد خرج من عند القصار وأنت لا تدري. (1/499)

    عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال في قول الله عز وجل: (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) قال: الصغيرة الضحك. (1/500)
    عن القاسم الجوعي قال: سمعت منبه بن عثمان الخمي يقول: قال آدم عليه السلام: كنا سبياً من سبي الجنة فسبانا إبليس بالخطيئة فليس ينبغي لنا إلا البكاء والحزن حتى نرجع إلى الدار الذي منها سبينا. (1/500)

    عن الحسن بن عرفة العبدي قال: رأيت يزيد بن هارون بواسط وهو من أحسن الناس عينين ثم رأيته بعين واحدة ثم رأيته وقد ذهبت عيناه فقلت له: يا أبا خالد ما فعلت العينان الجميلتان؟ قال: ذهب بهما بكاء الأسحار. (1/502)
    عن الحسن بن أبي الحسن البصري قال: لما حضرت معاذاً الوفاة فجعل يبكي فقيل له: أتبكي وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت وأنت؟! فقال: ما أبكي جزعاً من الموت أن حل بي ولا دنيا تركتها بعدي، ولكن إنما هما القبضتان قبضة في النار وقبضة في الجنة فلا أدري في أي القبضتين أنا. (1/502)
    عن عبد الله بن هبيرة أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي من أن اتصدق بألف دينار. (1/502)

    عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه أنه قال لعبد الله بن مسعود عند موته: أوصني، قال: أوصيك أن تتقي الله وتلزم بيتك وتحفظ لسانك وتبكي على خطيئتك. (1/503)
    عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله بن مسعود: لوددت أن الله عز وجل غفر لي ذنباً من ذنوبي وأني سميت عبد الله بن روثة. (1/503)
    عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال عبد الله: والذي لا إله غيره لوددت أني انقلبت روثة وأني دعيت -- روثة وأن الله غفر لي ذنبا واحداً. (1/504)
    عن جعفر بن نمير القزويني قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: كيف يفرح المؤمن في دار الدنيا إن عمل سيئة خاف أن يؤخذ بها، وإن عمل حسنة خاف أن لا تقبل منه، وهو إما مسيء وإما محسن. (1/504)
    عن علي بن عبد الله قال: قال يحيى بن معاذ الرازي: كيف ينجيني عملي وأنا بين حسنة وسيئة، فسيئاتي لا حسنات فيها وحسناتي مخلوطة بالسيئات وأنت لا تقبل إلا الإخلاص من العمل فما بقي بعد هذا إلا جودك. (1/504)
    عن سفيان الثوري عن غسان المديني عن عطاء بن يسار قال: أشرف إبليس على رجل في الموت فقال: قد أمنتني فقال ما أمنتك بعد. (1/505-506)
    عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة انه كان يقول في آخر عمره: اللهم إني أعوذ بك أن أزني أو أعمل بكبيرة في الإسلام، يقول بعض أصحابه يا أبا هريرة: ومثلك يقول هذا أو يخافه وقد بلغت من السن ما بلغت وانقطعت عنك الشهوات وقد شافهت النبي صلى لله عليه وسلم وبايعته وأخذت عنه؟! قال: ويحك وما يؤمنني وإبليس حي؟!. (1/506)
    عن جبير بن نفير قال: دخلت على أبي الدرداء منزله بحمص فإذا هو قائم يصلي في مسجده فلما جلس يتشهد جعل يتعوذ بالله من النفاق فلما انصرف قلت: غفر الله لك يا أبا الدرداء ما أنت والنفاق؟! قال: اللهم غفراً ثلاثاً، من يأمن البلاء؟! من يأمن البلاء؟! والله إن الرجل ليفتتن في ساعة فينقلب عن دينه. (1/506)
    عن المعلى بن زياد قال: سمعت الحسن يقول: والله ما أصبح على وجه الأرض ولا أمسى على وجه الأرض مؤمن إلا وهو يتخوف النفاق على نفسه وما أمن النفاق إلا منافق. (1/506)
    عن روح قال: قال ابن المبارك: إن البصراء لا يأمنون من أربع خصال: ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع الرب فيه، وعمر قد بقي لا يدري ماذا فيه من الهلكات، وفضل قد أعطي لعله مكر واستدراج، وضلالة قد زينت له فيراها هدى؛ وإن زيغ القلب ساعة ساعة، أسرع من طرفة عين، قد يسلب دينه وهو لا يشعر. (1/507)
    عن ابن جابر قال: سمعت بلال بن سعد وهو يقول في دعائه: اللهم اني أعود بك من زيغ القلوب وتبعات الذنوب ومن مرديات الأعمال ومضلات الفتن. (1/507)
    عن محسن بن موسى قال: كنت عديل سفيان الثوري إلى مكة فرأيته يكثر البكاء فقلت له: يا أبا عبد الله بكاؤك هذا خوفاً من الذنوب؟! قال: فأخذ عوداً من المحمل فرمى به فقال: إن ذنوبي أهون علي من هذا ولكن أخاف أن أسلب التوحيد. (1/508)
    عن عمر بن حفص بن غياث حدثني أبي قال: لما احتضر عمرو بن قيس الملائي بكى فقال له أصحابه: على ما تبكي من الدنيا فوالله لقد كنت غضيض العيش أيام حياتك فقال: والله ما أبكي على الدنيا وإنما أبكي خوفاً من أن أحرم خير الآخرة. (1/508-509)
    عن سعيد بن عبد العزيز قال: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: أفضل البكاء بكاء العبد على ما فاته من أوقاته على غير الموافقة أو بكاء على ما سبق له من المخالفة. (1/509)
    عن سفيان بن عيينة قال: غضب الله الداء الذي لا دواء له. (1/509)
    عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان [الداراني] يقول: أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله تعالى؛ (1/510-511)
    عن إبراهيم بن بشار قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: الهوى يردي وخوف الله يشفي، واعلم أن ما يزيل عن قلبك هواك إذا خفت من تعلم انه يراك. (1/511)
    عن فضيل بن عياض قال: رهبة العبد من الله تعالى على قدر علمه بالله، وزهادته في الدنيا على قدر شوقه إلى الجنة. (1/512)
    عن أبي بكر الرازي قال: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: الخوف إذا سكن القلب أحرق مواضع الشهوات فيه وطرد عنه رغبة الدنيا وأسكت اللسان عن ذكر الدنيا. (1/513)
    عن يوسف بن أسباط قال: سمعت محمد بن النضر يقول: ما من عامل يعمل في الدنيا إلا وله من يعمل في الدرجات في الآخرة، فإذا أمسك أمسكوا فيقال لهم: ما لكم لا تعملون؟! فيقولون: صاحبنا لاه؛ قال يوسف: عجبت لكم كيف تنام عين مع المخافة أو يغفل قلب بعد اليقين بالمحاسبة؟! من عرف وجوب حق الله على عباده لم تشتمل عيناه أبداً إلا بإعطاء المجهود من نفسه؛ خلق الله القلوب مساكن للذكر فصارت مساكن للشهوات، والشهوات مفسدة للقلوب وتلف للأموال؛ لا يمحو الشهوات من القلوب إلا خوف مزعج أو شوق مفلق [كذا]. (1/513-514)
    عن إبراهيم بن سعد قال: قال لي المأمون: يا إبراهيم قال لي الرشيد: ما رأت عيناي مثل الفضيل بن عياض! قال لي وقد دخلت عليه: يا أمير المؤمنين فرغ قلبك للحزن والخوف حتى يسكناه فيقطعاك عن معاصي الله تعالى ويباعداك من عذاب النار. (1/514)
    عن ابن المبارك قال: من أعظم المصائب للرجل أن يعلم من نفسه تقصيراً ثم لا يبالي ولا يحزن عليه. (1/515)
    عن حاتم الأصم قال: سمعت شقيقاً يقول: ليس للعبد صاحبٌ خير من الهم والخوف، همّ فيما مضى من ذنوبه، وخوف فيما لا يدري ما ينزل به. (1/515-516)
    عن الجريري قال: سمعت سهلاً [التستري] يقول: لا يبلغ أحد حقيقة الخوف حتى يخاف مواقع علم الله فيه ويحزن علي ذلك. (1/516)
    عن أبي محمد جعفر بن محمد الصوفي قال: كنت عند الجنيد فدخل الشبلي فقال جنيد: من كان الله همه طال حزنه، فقال الشبلي: لا يا أبا القاسم بل من كان الله همه زال حزنه؛ قال البيهقي رحمه الله: قول الجنيد محمول على ذكر الدنيا وقول الشبلي محمول على الآخرة، وقول الجنيد محمول على حزنه عند رؤية التقصير من نفسه في القيام بواجباته وقول الشبلي محمول على سروره بما أعطي من التوفيق في الوقت حتى جعل الهم هماً واحداً والله أعلم. (1/516)

    عن مسعر عن بكير عن إبراهيم [التيمي] قال: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) [فاطر 34]؛
    وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا: (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) (1/517)
    عن عبد الله بن بكر قال: سمعت الحسن يقول:والسابقون السابقون أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) [الواقعة 10-11] قال: أما المقربون فقد مضوا هنيئاً لهم؛ ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين؛ قال: وأتى على هذه الآية (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً) [النبأ 21] قال: ألا إن على الباب رصداً فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجيء بجواز حبس. (1/517)
    عن شعيب بن محرز قال: حدثتني سلامة العابدة قالت: بكت عبيدة بنت أبي كلاب أربعين سنة حتى ذهب بصرها فقيل لها: ما تشتهين قالت الموت! قيل: ولم ذاك؟ قالت: إني أخشى كل يوم أصبح أن أجني على نفسي جناية يكون فيها عطبي أيام الآخرة. (1/518)
    عن السَّرِيّ قال: الخوف على ثلاثة أوجه: خوف في الدين وهو موجود في العامة يعلمون أنه يجب الخوف من الله عز وجل؛ وخوف عارض عند تلاوة القرآن والقصص رقة كرقة النساء [ليس] لها ثبوت؛ وخوف مزعج مقلق يُنحل القلب والبدن ويذهب بالنوم والطعم؛ ولا يسكن خوف الخائف أبداً حتى يأمن ما يخاف. (1/519)
    عن الحارث الغنوي قال: آلى ربعي بن حراش أن لا يفتر عن أسنانه ضاحكاً حتى يعلم أين مصيره فما ضحك إلا بعد موته؛ وآلى أخوه ربعي بعده ألا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أو في النار؛ قال الحارث الغنوي: فلقد أخبرني غاسله انه لم يزل متبسماً على سريره وكنا نغسله حتى فرغنا منه. (1/520)
    عن المعلى بن زياد عن الحسن قال: قال غزوان الرقاشي: لله علي أن لا يراني ضاحكاً حتى أعلم أي الدارين داري، قال الحسن: فعزم، والله ما رؤي ضاحكاً حتى لحق بالله عز وجل. (1/520)
    عن غيلان قال: سمعت مطرفاً [بن عبد الله بن الشخير] يقول: لو أتاني آت من ربي فخيرني بين أن يخبرني أفي الجنة أنا أم في النار وبين أن أصير تراباً لاخترت أن أصير تراباً. (1/520)
    عن عبد الله بن رباح الأنصاري عن كعب: (إن إبراهيم لأواه) قال: كان إذا ذكر النار قال: أوه. (1/522)
    عن الجنيد بن محمد قال: سمعت السري يقول: إني لأنظر إلى أنفي كل يوم مراراً مخافة أن يكون وجهي قد اسود. (1/523)
    عن الجنيد بن محمد قال: سمعت السري يقول: ما أحب أن أموت حيث أعرف! فقيل له: ولم ذاك يا أبا الحسن؟ قال: أخاف أن لا يقبلني قبري فافتضح. (1/523)
    عن بهز بن حكيم قال: أمنا زرارة بن أبي أوفى في مسجد بني قشير فقرأ المدثر فلما انتهى إلى هذه الآية (فإذا نقر في الناقور) خر ميتاً، قال بهز: فكنت فيمن حمله. (1/531)
    عن حصن بن القاسم الوراق قال: كنا عند عبد الواحد بن زيد وهو يعظ فناداه رجل من ناحية المسجد كف يا أبا عبيدة لقد كشفت قناع قلبي؛ فلم يلتفت عبد الواحد إلى ذلك فمر في الموعظة فلم يزل الرجل يقول: كف يا أبا عبيدة لقد كشفت قناع قلبي وعبد الواحد يعظ لا يقطع موعظته حتى والله حشرج الرجل حشرجة الموت وخرجت نفسه، وأنا والله شهدت جنازته يومئذ ما رأيت بالبصرة يوماً أكثر باكياً من يومئذ. (1/532)
    عن إسماعيل بن نصر العبدي قال: نادى مناد في مجلس صالح المري: ليقم الباكون المشتاقون إلى الجنة فقام أبو جهث فقال: اقرأ يا صالح [فقرأ]: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا) فقال أبو جهث: أرددها يا صالح، فما فرغ من الآية حتى مات أبو جهث. (1/532)
    عن عبد الله بن محمد القرشي [هو ابن أبي الدنيا]: حدثني رجل من قريش وقال: إنه من ولد طلحة بن عبيد الله قال: كان توبة بن الصمة بالرقة وكان محاسباً لنفسه فحسب فإذا هو ابن ستين سنة فحسب أيامها فإذا هي احد وعشرون ألف يوم وخمسمئة يوم فصرخ وقال: يا ويلتي ألقى المليك بأحد وعشرين ألف ذنب فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟! ثم خر مغشياً عليه فإذا هو ميت. (1/533)
    عن حفص بن عبد الرحمن قال: أتيت مسعر بن كدام ليحدثني وكأنه رجل أقيم على شفير قبر ليدفع فيه؛ وقال مرة أخرى: على شفير جهنم ليلقى فيها. (1/534)
    عن يحيى بن اليمان قال: سمعت سفيان الثوري يقول: لقد خفت الله خوفاً وددت أنه خفف عني. (1/535)
    عن داود بن يحيى بن يمان عن أبيه قال: قال الثوري: خفت الله خوفاً عجبت لي كيف ما مت! إلا أن لي أجلاً أنا بالغه. (1/535)
    عن علي بن عثام قال: بكى سفيان يوماً ثم قال: بلغني أن العبد أو الرجل إذا كمل نفاقه ملك عينيه فبكى. (1/535)
    عن زيد بن أبي الزرقاء قال: حمل ماء سفيان الثوري إلى طبيب في علته فلما نظر قال: هذا ماء رجل قد أحرق الخوف جوفه. (1/535)
    عن خالد بن خداش قال: كنت أقعد إلى وسيم البلخي---وكان أعمى وكان يحدث ويقول: أوه القبر وظلمته واللحد وضيقه كيف أصنع؟! ثم يغمى عليه ثم يعود فيحدث ويصنع ذا مرات حتى يقوم. (1/536)
    عن العباس بن الوليد قال: سمعت أبي يقول: سمعت الأوزاعي يقول: إذا ذُكرت جهنم فليبك من كان باكياً. (1/536-537)
    عن السري قال: قلت لبعض العباد: ما الذي أنصب العباد وأخشاهم؟ قال: ذكر المقام وخوف الحساب، ثم قال لي: يا أبا الحسن ولم لا تذوب أبدان العباد والزهاد والخدام فزعاً والقيامة أمامهم ولهم في يومها ما قد علموا؟! ثم صاح صيحة أفزعتني ثم قال: يا أبا الحسن من لي في ذلك الموقف؟! ومن لتحسري وتذللي ولجوعي ولعطشي؟! ثم قال: إليك يا أبا الحسن فقد حركت مني ساكناً وأبرزت مني غماً كامناً ثم صاح فقال: واطول وقفتاه واتحسراه واثقل ظهراه من حمل الذنوب والمظالم والخطايا وأوساخ العيوب؛ ثم قال: أوه من حملها، أوه من ذكرها، أوه من ثقلها، أوه من إقراري بها على نفسي؛ ثم استرجع فقال: سيدي فأين سترك الجميل سيدي وأين حلمك سيدي فأين عفوك سيدي فأين فضلك المعتمد به لعبادك؟ سيدي فاستنقذني وبرحمتك فسلمني؛ ثم بكى وأبكانا معه فتركته وهو باكٍ حزين فزع القلب وإنصرفت عنه. (1/537)
    عن سفيان بن عيينة قال: أقلهم ذنباً أخوفهم لربه عز وجل لأنهم أصفاهم قلباً. (1/538)
    عن يحيى بن أيوب قال: دخلت مع زافر بن سليمان على الفضيل بن عياض بالكوفة فإذا الفضيل وشيخ معه، قال: فدخل زافر وأقعدني على الباب، قال زافر: فجعل الفضيل ينظر إلي ثم قال: يا أبا سليمان هؤلاء أصحاب الحديث ليس شيء أحب إليهم من قرب الإسناد، ألا أخبرك بإسناد لا شك فيه؟!: رسول الله صلى الله عليه وسلم [عن] جبريل عليه السلام عن الله تعالى: (ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد) قرأ الآية فأنا وأنت يا أبا سليمان من الناس، قال: ثم غشي عليه وعلى الشيخ وجعل زافر ينظر إليهما، قال: ثم تحرك الفضيل فخرج زافر وخرجت معه والشيخ مغشي عليه. (1/538-539)
    عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: غزونا فمررنا بأجمة في مكان مخوف فإذا رجل نائم عند فرسه قلنا: يا عبد الله ما لك؟! قال: وما لي؟! قلنا: في مثل هذا المكان تنام؟! قال: إني لأستحي من ربي أن يعلم أني أخاف شيئاً غيره. (1/540)
    عن علي بن عثام: قال عمر بن عبد العزيز: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء. (1/540-541)
    عن سري بن المغلس قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: من خاف الله لم يضره أحد، ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد. (1/541)
    عن فيض بن إسحاق الرقي قال: سألت الفضيل بن عياض عن شيء، قال: من خاف الله خاف منه كل شيء، ومن خاف غير الله خاف من كل شيء. (1/541)
    عن يحيى بن معاذ الرازي قال: على قدر حبك لله يحبك الخلق، وعلى قدر خوفك من الله يهابك الخلق، وعلى قدر شغلك بأمر الله يشغل في أمرك الخلق. (1/541)
    عن مورق [العجلي] قال: ما وجدت للموت مثلاً إلا كمثل رجل على خشبة في البحر فهو يقول: يا رب [يا رب]، لعل الله أن ينجيه. (1/543 و 2/39)
    عن مالك بن دينار قال: قالت ابنة الربيع بن خثيم: يا أبتاه إني أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟! قال: يا بنية إن أباك يخاف البيات. (1/543)
    عن أبي عثمان الحناط قال: سمعت ذا النون وشكا إليه رجل السبات فقال له: لو خفت البيات لما غلبك السبات؛ ثم أنشأ ذو النون يقول: تحل لمولاك بالطاعة، والبس له قناع ذل الفاقة، يرى اهتمامك ببلوغ رضوانه فيؤديك بذلك منازل الأبرار. (1/543)
    عن ذي النون يقول: ثلاث من أعلام الخوف: الورع عن الشبهات بملاحظة الوعيد، وحفظ اللسان من مراقبة النظر العظيم، ودوام الكمد إشفاقاً من غضب الحليم. (1/543)
    قال أبو إسحاق: قيل لابن المبارك: رجلان أحدهما خائف والآخر قتل في سبيل الله؟ قال: أحبهما إلي أخوفهما. (1/544)
    مختصر من شعب الايمان للبيهقى - باب الخوف -
    المصدر - المورد العذب المعين من آثار أعلام التابعين

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة حسن المطروشى الاثرى

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,099

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    كان مشايخ أهل التصوف الأولون على حال طيبة في الجملة ، وكان لهم من الحرص على السنة واتباع السلف ، ومن العمل الصالح ، ما يحمدون عليه ، خلافا للمتأخرين من الصوفية الذين حرفوا وبدلوا وأحدثوا ، فالأولون منهم قد خالطوا العلماء وأخذوا عنهم واستقاموا على العمل الصالح واتباع السنة في الجملة ، وإن كانت لهم مسالك تخصهم في الزهد وأعمال القلوب والعزلة والخلوات والأخذ بالأحاديث الضعيفة ، ونحو ذلك مما هو معروف عن القوم .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    " وَهَؤُلَاءِ الْمَشَايِخُ لَمْ يَخْرُجُوا فِي الْأُصُولِ الْكِبَارِ عَنْ أُصُولِ " أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ "؛ بَلْ كَانَ لَهُمْ مِنْ التَّرْغِيبِ فِي أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَالدُّعَاءِ إلَيْهَا ، وَالْحِرْصِ عَلَى نَشْرِهَا ، وَمُنَابَذَةِ مَنْ خَالَفَهَا ، مَعَ الدِّينِ وَالْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ مَا رَفَعَ اللَّهُ بِهِ أَقْدَارَهُمْ ، وَأَعْلَى مَنَارَهُمْ ، وَغَالِبُ مَا يَقُولُونَهُ فِي أُصُولِهَا الْكِبَارِ : جَيِّدٌ ، مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يُوجَدَ فِي كَلَامِهِمْ ، وَكَلَامِ نُظَرَائِهِمْ ، مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَرْجُوحَةِ ، وَالدَّلَائِلِ الضَّعِيفَةِ ؛ كَأَحَادِيثَ لَا تَثْبُتُ ، وَمَقَايِيسُ لَا تَطَّرِدُ ، مَعَ مَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْبَصِيرَةِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .
    انتهى من "مجموع الفتاوى" (3/ 377) .

    ثانيا :
    الجنيد بن محمد رحمه الله : سيد الطائفة ومقدم القوم ، كان على حال من العبادة والزهد والتأله ، مستقيما على طريقة السلف في الجملة ، يعظم الكتاب والسنة ، وينهى عن الإحداث والبدعة .
    وهو : الجنيد بن مُحَمَّدِ بْنِ الجنيد أَبُو الْقَاسِمِ الخزاز ، ويقال القواريري وقيل : كان أبوه قواريريا، وكان هو خزازا ، وأصله من نهاوند ، إلا أن مولده ومنشأه ببغداد .
    قال الخطيب البغدادي رحمه الله :
    " سمع بها الحديث ، ولقي العلماء ، ودرس الفقه عَلَى أَبِي ثور ، وصحب جماعة من الصالحين ، منهم الحارث المحاسبي ، وسري السقطي.
    ثم اشتغل بالعبادة ولازمها حتى علت سنه ، وصار شيخ وقته ، وفريد عصره فِي علم الأحوال والكلام عَلَى لسان الصوفية ، وطريقة الوعظ .
    وله أخبار مشهورة ، وأسند الحديث عَنِ الْحَسَن بن عرفة " .
    انتهى من "تاريخ بغداد" (8/ 168) .
    وقال الذهبي رحمه الله :
    " هُوَ شَيْخُ الصُّوْفِيَّةِ ، وُلِدَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَعِشْرِيْنَ وَمائَتَيْنِ ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي ثَوْرٍ ، وَسَمِعَ مِنَ: السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ ، وَصَحِبَهُ ، وَمِنَ الحَسَنِ بنِ عَرَفَةَ ، وَصَحِبَ أَيْضاً: الحَارِثَ المُحَاسِبِيَّ ، وَأَبَا حَمْزَةَ البَغْدَادِيَّ ، وَأَتْقَنَ العِلْمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى شَأْنِهِ ، وَتَأَلَّهَ ، وَتَعَبَّدَ، وَقَلَّ مَا روى .
    حَدَّثَ عَنْهُ : جَعْفَرٌ الخُلْدِيُّ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الجَرِيْرِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ الشِّبْلِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ حُبَيْشٍ ، وَعَبْدُ الوَاحِدِ بنُ عِلْوَانَ ، وَعِدَّةٌ " .
    انتهى من "سير أعلام النبلاء" (11/ 43) . وقد أثنى عليه وعلى سيرته أهل العلم :
    -
    فقال أبو نعيم الحافظ رحمه الله :
    " كَانَ الْجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِمَّنْ أَحْكَمَ عِلْمَ الشَّرِيعَةِ " .
    انتهى من "حلية الأولياء" (13/ 281) .

    - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    " الْجُنَيْد مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ " .
    انتهى من "مجموع الفتاوى" (5/ 126) .
    - وقال أيضا :
    " كَانَ الْجُنَيْد رحمه الله سَيِّدُ الطَّائِفَةِ ، إمَامَ هُدًى " .
    انتهى من "مجموع الفتاوى" (5/ 491) .
    - وقال الحافظ الذهبي رحمه الله :
    " كان شيخ العارفين وقُدْوة السّائرين وعَلَم الأولياء في زمانه ، رحمة الله عليه " .
    انتهى من "تاريخ الإسلام" (22/ 72) .
    - وقال أحمد بن جعفر بن المنادي في تاريخه :
    " سمع الكثير، وشاهد الصالحين وأهلَ المعرفة ، ورزق من الذكاء وصواب الإجابات في فنون العلم ، ما لم ير في زمانه مثله ، عند أحد من أقرانه ، ولا ممن أرفع سنا منه ، في عفاف وعزوف عن الدّنيا وأبنائها.
    لقد قيل لي إنّه قال ذات يوم : كنت أُفتي في حلقة أبي ثَوْر الكلبيّ ، ولي عشرون سنة " .
    وقال عليّ بن هارون ومحمد بن أحمد بن يعقوب : سمعنا الْجُنَيْد غير مرة يقول: " علمنا مضبوطٌ بالكتاب والسنة ، من لم يحفظ الكتاب ، ويكتب الحديث ، ولم يتفقّه ، لا يُقْتَدى به " .
    "تاريخ الإسلام" (22/ 73) .
    وقال حامد بْن إِبْرَاهِيم
    :
    قَالَ الجنيد بْن مُحَمَّد :
    " الطريق إِلَى اللَّه عز وجل مسدودة عَلَى خلق اللَّه تعالى ، إلا عَلَى المقتفين آثار رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتابعين لسنته ، كَمَا قَالَ اللَّه عز وجل: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) " . انتهى من "تلبيس إبليس" (ص 12) .
    وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ : جَعَلَ يَتْلُو الْقُرْآنَ ، فَقِيلَ لَهُ : لَوْ رَفَقْتَ بِنَفْسِكَ ، فَقَالَ : مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ إِلَى ذَلِكَ مِنِّي الْآنَ ، وَهَذَا أَوَانُ طَيِّ صَحِيفَتِي " .
    انتهى من "البداية والنهاية" (14/ 768) . المصدر الاسلام سؤال وجواب
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة حسن المطروشى الاثرى

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    11,400

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    جزاكم الله خيرا وفقكم الله وبارك فيك
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    11,400

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    التوجيه الثالث

    قال ابن أبي العز :
    اسباب الخير ثلاثة : إيجاد وإعداد وإمداد وكلها إلى الله فإذا لم يحدث إعداد ولا إمداد حصل الشر فنفى هنا أن يكون الاعداد والامداد الى الله وجعلهما عدميان لذلك قال الدكتور لطف الله خوجه أن ابن ابي العز وابن القيم وافقا بعض الفلاسفة كأفلاطون وأفلوطين وأظن توما الأكويني يرى ذلك في كون الشر عدمي ..
    فما رأي المشايخ الفضلاء فيما قال ؟
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    11,400

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    قال رحمه الله:

    ( مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين — ابن القيم (ت ٧٥١)
    فَإنْ أرَدْتَ مَزِيدَ إيضاحٍ لِذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ أسْبابَ الخَيْرِ ثَلاثَةٌ: الإيجادُ، والإعْدادُ، والإمْدادُ. فَهَذِهِ هِيَ الخَيْراتُ وأسْبابُها.
    فَإيجادُ السَّبَبِ خَيْرٌ. وهُوَ إلى اللَّهِ. وإعْدادُهُ خَيْرٌ. وهُوَ إلَيْهِ أيْضًا. وإمْدادُهُ خَيْرٌ. وهُوَ إلَيْهِ أيْضًا.
    فَإذا لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ إعْدادٌ ولا إمْدادٌ حَصَلَ فِيهِ الشَّرُّ بِسَبَبِ هَذا العَدَمِ الَّذِي لَيْسَ إلى الفاعِلِ. وإنَّما إلَيْهِ ضِدُّهُ.
    فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا أمَدَّهُ إذْ أوْجَدَهُ؟
    قُلْتُ: ما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إيجادَهُ وإمْدادَهُ. فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُوجِدُ ويُمِدُّهُ، وما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إيجادَهُ وتَرْكَ إمْدادِهِ: أوْجَدَهُ بِحِكْمَتِهِ ولَمْ يُمِدَّهُ بِحِكْمَتِهِ. فَإيجادُهُ خَيْرٌ. والشَّرُّ وقَعَ مِن عَدَمِ إمْدادِهِ.
    فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا أمَدَّ المَوْجُوداتِ كُلَّها؟
    قُلْتُ: فَهَذا سُؤالٌ فاسِدٌ، يَظُنُّ مُورِدُهُ أنْ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المَوْجُوداتِ أبْلَغُ فِي الحِكْمَةِ. وهَذا عَيْنُ الجَهْلِ، بَلِ الحِكْمَةُ كُلُّ الحِكْمَةِ فِي هَذا التَّفاوُتِ العَظِيمِ الواقِعِ بَيْنَها. ولَيْسَ فِي خَلْقِ كُلِّ نَوْعٍ مِنها تَفاوُتٌ. فَكُلُّ نَوْعٍ مِنها لَيْسَ فِي خَلْقِهِ مِن تَفاوُتٍ. والتَّفاوُتُ إنَّما وقَعَ بِأُمُورٍ عَدْمِيَّةٍ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها الخَلْقُ. وإلّا فَلَيْسَ فِي الخَلْقِ مِن تَفاوُتٍ.
    فَإنِ اعْتاصَ ذَلِكَ عَلَيْكَ، ولَمْ تَفْهَمْهُ حَقَّ الفَهْمِ. فَراجِعْ قَوْلَ القائِلِ:
    إذا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ … وجاوِزْهُ إلى ما تَسْتَطِيعُ
    كَما ذُكِرَ: أنَّ الأصْمَعِيَّ اجْتَمَعَ بِالخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ. وحَرَصَ عَلى فَهْمِ العَرُوضِ مِنهُ: فَأعْياهُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ الخَلِيلُ يَوْمًا: قَطِّعْ لِي هَذا البَيْتَ. وأنْشَدَهُ إذا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا - البَيْتَ فَفَهِمَ ما أرادَ. فَأمْسَكَ عَنْهُ ولَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ.)
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,099

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسن المطروشى الاثرى مشاهدة المشاركة
    التوجيه الثالث

    قال ابن أبي العز :
    اسباب الخير ثلاثة : إيجاد وإعداد وإمداد وكلها إلى الله فإذا لم يحدث إعداد ولا إمداد حصل الشر فنفى هنا أن يكون الاعداد والامداد الى الله وجعلهما عدميان لذلك قال الدكتور لطف الله خوجه أن ابن ابي العز وابن القيم وافقا بعض الفلاسفة كأفلاطون وأفلوطين وأظن توما الأكويني يرى ذلك في كون الشر عدمي ..
    فما رأي المشايخ الفضلاء فيما قال ؟
    فنفى هنا أن يكون الاعداد والامداد الى الله وجعلهما عدميان
    هذا الكلام غلط لذا ترتب عليه فهم خاطئ من الدكتور لطف الله خوجه فى فهم كلام ابن القيم وابن ابى العز رحمهما الله وظنه انهما وافقا الفلاسفة فى كَوْن الشر عدمى هكذا بطلاق ودون تفصيل بين اقسامه - شتان بين الثريا والثرى ؟!
    وقد بينت كلام الامام ابن القيم فى حوار مع اخى الفاضل الطيبونى أنقله هنا مع الرابط حتى تعم الفائدة
    يقول بن القيم رحمه الله--تحقيق الأمر أن الشر نوعان
    شر محض حقيقي من كل وجه
    وشر نسبي إضافي من وجه دون وجه
    فالأول لا يدخل في الوجود إذ لو دخل في الوجود لم يكن شرا محضا
    والثاني هو الذي يدخل في الوجود
    فالأمور التي يقال هي شرور إما أن تكون أمورا عدمية أو أمورا وجودية
    فإن كانت عدمية فإنها إما أن تكون عدما لأمور ضرورية للشيء في وجوده أو ضرورية له في دوام وجوده وبقائه أو ضرورية له في كماله
    وإما أن تكون غير ضرورية له في وجوده ولا بقائه ولا كماله وإن كان وجودها خيرا من عدمها
    فهذه أربعة أقسام

    فالأول كالإحساس والحركة والنفس للحيوان
    والثاني
    كقوة الاغتذاء والنمو للحيوان المغتذي النامي
    والثالث كصحته وسمعه وبصره وقوته
    والرابع كالعلم بدقائق المعلومات التي العلم بها خير من الجهل وليست ضرورية له
    وأما الأمور الوجودية
    فوجود كل ما يضاد الحياة والبقاء والكمال كالأمراض وأسبابها والآلام وأسبابها والموانع الوجودية التي تمنع حصول الخير ووصوله إلى المحل القابل له المستعد لحصوله كالمواد الردية المانعة من وصول الغذاء إلى أعضاء البدن وانتفاعها به وكالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة المانعة لحصول أضدادها للقلب
    إذا عرف هذا
    فالشر بالذات هو عدم ما هو ضروري للشيء في وجوده أو بقائه أو كماله

    ولهذا العدم لوازم من شر أيضا
    فإن عدم العلم والعدل يلزمهما من الجهل والظلم ما هو شرور وجودية
    وعدم الصحة والاعتدال يلزمهما من الألم والضرر ما هو شر وجودي
    وأما عدم الأمور المستغنى عنها كعدم الغنى المفرط والعلوم التي لا يضر الجهل بها فليس بشر في الحقيقة
    ولا وجودها سببا للشر فإن العلم منه حيث هو علم والغنى منه حيث هو غنى لم يوضع سببا للشر
    وإنما يترتب الشر من عدم صفة تقتضي الخير
    كعدم العفة والصبر والعدل في حق الغنى فيحصل الشر له في غناه بعدم هذه الصفات
    وكذلك عدم الحكمة ووضع الشيء موضعه وعدم إرادة الحكمة في حق صاحب العلم يوجب ترتب الشر له على ذلك
    فظهر أن الشر لم يترتب إلا على عدم
    وإلا فالموجود من حيث وجوده لا يكون شرا ولا سببا للشر
    فالأمور الوجودية
    ليست شرورا بالذات بل بالعرض من حيث أنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة
    فإنك لا تجد شيئا من الأفعال التي هي شر إلا وهي كمال بالنسبة إلى أمور
    وجهة الشر فيه بالنسبة إلى أمور أخر
    مثال ذلك أن الظلم يصدر عن قوة تطلب الغلبة والقهر وهي القوة الغضبية التي كمالها بالغلبة ولهذا خلقت فليس في ترتب أثرها عليها شر من حيث وجوده بل الشر عدم ترتب أثرها عليها البتة فتكون ضعيفة عاجزة مقهورة
    وإنما الشر الوجودي الحاصل شر إضافي بالنسبة إلى المظلوم
    بفوات نفسه أو ماله أو تصرفه وبالنسبة إلى الظالم لا من حيث الغلبة والاستيلاء
    ولكن من حيث وضع الغلبة والقهر والاستيلاء في غير موضعه فعدل به من محله إلى غير محله
    ولو استعمل قوة الغضب في قهر المؤذي الباغي من الحيوانات الناطقة والبهيمة لكان خيرا
    ولكن عدل به إلى غير محله
    فوضع القهر والغلبة موضع العدل والنصفة ووضع الغلظة موضع الرحمة فلم يكن الشر في وجود هذه القوة ولا في ترتب أثرها عليها من حيث هما كذلك بل في إجرائها في غير مجراها
    ومثال ذلك ماء جار في نهر إلى أرض يسقيها وينفعها فكماله في جريانه حتى يصل إليها فإذا عدل به عن مجراه وطريقه إلى أرض يضرها ويخرب دورها كان الشر في العدول به عما أعدله وعدم وصوله إليه
    فهكذا الإرادة والغضب
    أعين بهما العبد ليتوصل بهما إلى حصول ما ينفعه وقهر ما يؤذيه ويهلكه
    فإذا استعملا في ذلك فهو كمالها وهو خير
    وإذا صرفا عن ذلك إلى استعمال هذه القوة في غير محلها وهذه في غير محلها صار ذلك شرا إضافيا نسبيا وكذلك النار كمالها في إحراقها فإذا أحرقت ما ينبغي إحراقه فهو خير وإن صادفت ما لا ينبغي إحراقه فأفسدته فهو شر إضافي بالنسبة إلى المحل المعين
    *وكذلك القتل مثلا هو استعمال الآلة القطاعة في تفريق اتصال البدن فقوة الإنسان على استعمال الآلة خير *وكون الآلة قابلة للتأثير خير
    *وكون المحل قابلا لذلك خير
    *وإنما الشر نسبي إضافي وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه والعدول به عن المحل المؤدي إلى غيره
    وهذا بالنسبة إلى الفاعل
    *وأما بالنسبة إلى المفعولفهو شر إضافي أيضا وهو ما حصل له من التألم وفاته من الحياة وقد يكون ذلك خيرا له من جهة أخرى وخير لغيرة
    وكذلك الوطء فإن قوة الفاعل وقبول المحل كمال
    ولكن الشر في العدول به عن المحل الذي يليق به إلى محل لا يحسن ولا يليق
    وهكذا حركة اللسان وحركات الجوارح كلها جارية على هذا المجرى
    *
    فظهر أن دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة
    لا أنها من حيث وجودها وذواتها شر
    وكذلك السجود ليس هو شرا من حيث ذاته ووجوده
    ****فإذا أضيف إلى غير الله كان شرا بهذه النسبة والإضافة
    [هذا المثال مهم جدا اخى حسن المطروشى الاثرى]
    *وكذلك كل ما وجوده كفر وشرك إنما كان شرا بإضافته إلى ما جعله[نعم]
    كذلك كتعظيم الأصنام فالتعظيم من حيث هو تعظيم لا يمدح ولا يذم
    إلا باعتبار متعلقه
    فإذا كان تعظيما لله وكتابه ودينه ورسوله كان خيرا محضا
    وإن كان تعظيما للصنم وللشيطان فإضافته إلى هذا المحل جعلته شرا كما أن إضافة السجود إلى غير الله جعلته كذلك
    .

    فصل: ومما ينبغي أن يعلم أن الأشياء المكونة من موادها شيئا فشيئا كالنبات والحيوان
    أما إن يعرض لها النقص الذي هو شر في ابتدائها
    أو بعد تكونها
    فالأول هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها ردية المزاج ناقصة الاستعداد فيقع الشر فيها والنقص في خلقها بذلك السبب
    وليس ذلك بأن الفاعل حرمه وأذهب عنه أمرا وجوديا به كماله
    بل لأن المنفعل لم يقبل الكمال والتمام وعدم قبوله أمر عدمي ليس بالفاعل
    وأما الذي بالفاعل فهو الخير الوجودي الذي يتقبل به كماله وتمامه ونقصه والشر الذي حصل فيه هو من عدم إمداده بسبب الكمال فبقي على العدم الأصلي
    وبهذا يفهم سر قوله تعالى:
    {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ}
    فإن ما خلقه فهو أمر وجودي به كمال المخلوق وتمامه
    وأما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله
    وعدم القبول ليس أمرا مخلوقا يتعلق بفعل الفاعل
    فالخلق الوجودي ليس فيه تفاوت
    والتفاوت إنما حصل بسبب هذا الخلق
    فإن الخالق سبحانه لم يخلق له استعدادا فحصل التفاوت فيه من عدم الخلق لا من نفس الخلق فتأمله
    والذي إلى الرب سبحانه هو الخلق
    وأما العدم فليس هو بفاعل له
    فإذا لم يكمل في مادة الجنين في الرحم ما يقتضي كماله وسلامة أعضائه واعتدالها حصل فيه التفاوت
    وكذلك النبات.

    فصل: وأما الثاني
    وهو أن الشر الحاصل بعد تكونه وإيجاده
    فهو نوعان أيضا

    أحدهما
    أن يقطع عنه الإمداد الذي به كماله بعد وجوده كما يقطع عن النبات إمداده بالسقي وعن الحيوان إمداده بالغذاء
    فهو شر مضاف إلى العدم أيضا وهو عدم ما يكمل به
    الثاني حصول مضاد مناف
    وهو نوعان أحدهما قيام مانع في المحل يمنع تأثير الأسباب الصالحة فيه كما تقوم بالبدن أخلاط ردية تمنع تأثير الغذاء فيه وانتفاعه به وكما تقوم بالقلب إرادات واعتقادات فاسدة تمنع انتفاعه بالهدى والعلم
    فهذا الشر وإن كان وجوديا وأسبابه وجودية
    فهو أيضا من عدم القوة والإرادة التي يدفع بها ذلك المانع فلو وجدت قوة وإرادة تدفعه لم يتأثر المحل به
    مثاله - أن غلبة الأخلاط واستيلائها من عدم القوة المنضجة لها أو القوة الدافعة لما يحتاج إلى خروج وكذلك استيلاء الإرادات الفاسدة لضعف قوة العفة والصبر واستيلاء الاعتقادات الباطلة لعدم العلم المطابق لمعلومه فكل شر ونقص فإنما حصل لعدم سبب ضده
    وعدم سبب ضده ليس فاعلا له بل يكفي فيه بقاؤه على العدم الأصلي
    الثاني مانع من خارج كالبرد الشديد والحرق والغرق ونحو ذلك مما يصيب الحيوان والنبات فيحدث فيه الفساد فهذا لا ريب انه شر وجودي مستند إلى سبب وجودي
    ولكنه شر نسبي إضافي وهو خير من وجه آخر
    فإن وجود ذلك الحر والبرد والماء يترتب عليه مصالح وخيرات كلية هذا الشر بالنسبة إليها جزئي

    فتعطيل تلك الأسباب لتفويت هذا الشر الجزئي يتضمن شرا أكثر منه وهو فوات تلك الخيرات الحاصلة بها فإن ما يحصل بالشمس والريح والمطر والثلج والحر والبرد من مصالح الخلق أضعاف أضعاف ما يحصل بذلك من مفاسد جزئية هي في جنب تلك المصالح كقطرة في بحر
    هذا لو كان شرها حقيقيا فكيف وهي خير من وجه وشر من وجه
    وإن لم يعلم جهة الخير فيها كثير من الناس
    فما قدرها الرب سبحانه سدى ولا خلقها باطلا
    وعند هذا فيقال
    الوجود إما أن يكون خيرا من كل وجه
    أو شرا من كل وجه
    أو خيرا من وجه شرا من وجه
    وهذا على ثلاثة أقسام قسم خيره راجح على شره
    وعكسه
    وقسم مستو خيره وشره
    وأما أن لا يكون فيه خير ولا شر
    فهذه ستة أقسام
    ولا مزيد عليها فبعضها واقع وبعضها غير واقع
    فأما القسم الأول
    وهو الخير المحض من كل وجه الذي لا شر فيه بوجه ما فهو أشرف الموجودات على الإطلاق وأكملها وأجلها وكل كمال وخير فيها فهو مستفاد من خيره وكماله في نفسه وهي تستمد منه وهو لا يستمد منها وهي فقيرة إليه وهو غني عنها كل منها يسأله كماله
    فالملائكة تسأله ما لا حياة لها إلا به وإعانته على ذكره وشكره وحسن عبادته وتنفيذ أوامره والقيام بما جعل إليهم من مصالح العالم العلوي والسفلي وتسأله أن يغفر لبني آدم والرسل تسأله أن يعينهم على أداء رسالاته وتبليغها وأن ينصرهم على أعدائهم وغير ذلك من مصالحهم في معاشهم ومعادهم وبنو آدم كلهم يسألونه مصالحهم على تنوعها واختلافها والحيوان كله يسأله رزقه وغذاءه وقوته وما يقيمه ويسأله الدفع عنه والشجر والنبات يسأله غذاءه وما يكمل به والكون كله يسأله إمداده بقاله وحاله: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} فأكف جميع العالم ممتدة إليه بالطلب والسؤال ويده مبسوطة لهم بالعطاء والنوال يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سجاء الليل والنهار وعطاؤه وخيره مبذول للأبرار والفجار له كل كمال ومنه كل خير له الحمد كله وله الثناء كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله تبارك اسمه وتباركت أوصافه وتباركت أفعاله وتباركت ذاته فالبركة كلها له ومنه لا يتعاظمه خير سئله ولا تنقص خزائنه على كثرة عطائه وبذله
    فلو صور كل كمال في العالم صورة واحدة ثم كان العالم كله على تلك الصورة لكان نسبة ذلك إلى كماله وجلاله وجماله دون نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس.
    [شفاء العليل]
    من موضوع - اشكال في عبارة لابن القيم بارك الله فيكم

    --https://majles.alukah.net/t164500/

    هل بعد هذا كله نقول ان ابن القيم وابن ابى العز وافقا بعض الفلاسفة كأفلاطون وأفلوطين وأظن توما الأكويني!!!!!!!!!! لاشك ان هذا خطأ فى فهم كلام الامامين
    وافقا بعض الفلاسفة كأفلاطون .... يرى ذلك في كون الشر عدمي
    ابن القيم فصل تفصيلا
    بين اقسام وانواع الخير والشر- وبذلك يظهر لكل ذى عينان ان الامام ابن القيم على الصراط المستقيم المخالف لاصحاب الجحيم من الفلاسفة الملحدين- هل يمكن ان نجمع بين الحق والضلال والنور والظلام
    وهكذا قال اخرون عن شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله عندما تكلم على تسلل الحوادث فى الماضى والقدم النوعى للحوادث - ادعوا عليه انه يقول بقول الفلاسفة بقدم العالم- هؤلاء لم يفهموا كلام الائمة
    فكلام شيخ الإسلام والامام ابن القيم رحمهما الله
    إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه وعرف أصوله
    وانبهك اخى حسن المطروشى الاثرى ان كلامى ليس بخصوص أحد بعينه وانما هو على العموم -
    وانا اعلم ان الاخوة فى المجلس وخاصة الاخ لطف الله خوجة له باع طويل فى خدم منهج السلف فى العقيدة والتوحيد فى هذا المجلس وغيره من المنتديات ولكن انا اناقش الاقوال بغض النظر عن اصحابها فالكلام عام ليس متوجها الى احد

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,099

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    فصل: وأما الأقسام الخمسة الباقية
    فلا يدخل منها في الوجود إلا ما كانت المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة
    والأقسام الأربعة لا تدخل في الوجود.
    أما الشر المحض الذي لا خير فيه
    فذاك ليس له حقيقة بل هو العدم المحض،
    فإن قيل فإبليس شر محض والكفر والشرك كذلك
    وقد دخلوا في الوجود
    فأي خير في إبليس وفي وجود الكفر
    ، قيل في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده
    ما لا يعلمه إلا الله
    كما سننبه على بعضه
    فالله سبحانه لم يخلقه عبثا ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم
    فكم لله في خلقه من حكمة باهرة وحجة قاهرة وآية ظاهرة ونعمة سابغة
    وهو وإن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان
    ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ما هو خير من تفويتها.
    وأما الذي لا خير فيه ولا شر فلا يدخل أيضا في الوجود
    فإنه عبث فتعالى الله عنه
    وإذا امتنع وجود هذا القسم في الوجود
    فدخول ما الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع
    ومن تأمل هذا الوجود علم أن الخير فيه غالب وأن الأمراض وإن كثرت فالصحة أكثر منها واللذات أكثر من الآلام والعافية أعظم من البلاء والغرق والحرق والهدم ونحوها وإن كثرت فالسلامة أكثر
    ولو لم يوجد هذا القسم الذي خيره غالب لأجل ما يعرض فيه من الشر لفات الخير الغالب
    وفوات الخير الغالب شر غالب
    ومثال ذلك - النار فإن في وجودها منافع كثيرة وفيها مفاسد لكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها
    وكذلك المطر والرياح والحر والبرد
    وبالجملة فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها
    ولكن خيرها غالب
    وأما العالم العلوي فبريء من ذلك،
    فإن قيل فهلا خلق الخلاق الحكيم هذه خالية من الشر بحيث تكون خيرات محضة
    فإن قلتم اقتضت الحكمة خلق هذا العالم ممتزجا فيه اللذة بالألم والخير بالشر فقد كان يمكن خلقه على حالة لا يكون فيه شر كالعالم العلوي سلمنا أن وجود ما الخير فيه أغلب من الشر أولى من عدمه
    فأي خير ومصلحة في وجود رأس الشر كله ومنبعه وقدوة أهله فيه إبليس وأي خير في إبقائه إلى آخر الدهر وأي خير يغلب في نشأة يكون فيها تسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة وأي خير غالب حصل بإخراج الأبوين من الجنة حتى جرى على الأولاد ما جرى ولو داما في الجنة لارتفع الشر بالكلية وإذا كان قد خلقهم لعبادته فكيف اقتضت حكمته أن صرف إليهم عنا ووفق لها الأقل من الناس وأي خير يغلب في خلق الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي وأي خير في إيلام غير المكلفين كالأطفال والمجانين
    فإن قلتم فائدته التعويض أنقض عليكم بإيلام البهائم ثم وأي خير في خلق الدجال وتمكينه من الظهور والافتتان به وإذ قد اقتضت الحكمة ذلك فأي خير حصل في تمكينه من إظهار تلك الخوارق والعجائب وأي خير في السحر وما يترتب عليه من المفاسد والمضار وأي خير في إلباس الخلق شيعا وإذاقة بعضهم بأس بعض وأي خير في خلق السموم وذات السموم والحيوانات العادية المؤذية بطبعها وأي خير في خراب هذه البنية بعد خلقها في أحسن تقويم وردها إلى أرذل العمر بعد استقامتها وصلاحها وكذلك خراب هذا الدار ومحو أثرها فإن كان وجود ذلك خيرا غالبا فإبطاله إبطال للخير الغالب دع هذا كله فأي خير راجح أو مرجوح في النار وهي دار الشر الأعظم والبلاء الأكبر
    ولا خلاص لكم عن هذه الأسئلة إلا بسد باب الحكم والتعليل وإسناد الكون إلى محض المشيئة أو القول بالإيجاب الذاتي وأن الرب لا يفعل باختياره ومشيئته
    وهذه الأسئلة إنما ترد على من يقول بالفاعل المختار
    فلهذا لجأ القائلون إلى إنكار التعليل جملة فاختاروا أحد المذهبين وتحيزوا إلى إحدى الفئتين وإلا فكيف تجمعون بين القول بالحكمة والتعليل وبين هذه الأمور؟
    فالجواب بعد أن نقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر
    بل في تحقيق هذه الكلمات
    الجواب الشافي:
    {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} {مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ}: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتعالى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إله إلا هو رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}: {الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}: {جَعَلَ الله الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: {صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}: {وأحسن كل الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ}
    بل هو في غاية التناسب واقع على أكمل الوجوه وأقربها إلى حصول الغايات المحمودة والحكم المطلوبة فلم يكن تحصل تلك الحكم والغايات التي انفرد الله سبحانه بعلمها على التفصيل وأطلع من شاء من عباده على أيسر اليسير منها إلا بهذه الأسباب والبدايات
    وقد سأله الملائكة المقربون عن جنس هذه الأسئلة وأصلها فقال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ}
    وأقروا له بكمال العلم والحكمة وأنه في جميع أفعاله على صراط مستقيم
    وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا أنك أنت العليم الحكيم
    ولما ظهر لهم ببعض حكمته فيما سألوا عنه وأنهم لم يكونوا يعلمون
    قال: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}.
    شفاء العليل -
    فهل بعد كل ذلك من الامام ابن القيم فى الرد على الفلاسفة كافلاطون وغيره نقول انه وافق الفلاسفة
    ساء ما يحكمون

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,099

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وهو ـ سبحانه ـ خالقُ الخير والشرِّ، فالشرُّ في بعض مخلوقاته لا في خَلْقه وفِعْله، وخَلْقُه وفعلُه وقضاؤه وقَدَرُه خيرٌ كلُّه؛ ولهذا تَنَزَّه ـ سبحانه ـ عن الظلم الذي حقيقتُه وضعُ الشيء في غيرِ موضعه ـ كما تقدَّم ـ فلا يضع الأشياءَ إلَّا في مواضعها اللائقة بها وذلك خيرٌ كُلُّه، والشرُّ: وضعُ الشيء في غيرِ محلِّه؛ فإذا وُضِع في محلِّه لم يكن شرًّا؛ فعُلِم أنَّ الشرَّ ليس إليه»

    كما أنَّ الله تعالى لم يخلقِ الشَّرَّ محضًا مطلقًا مِنْ جميع الوجوه، وإنما هو نسبيٌّ إضافيٌّ، ويؤكِّد هذا المعنى ما نصَّ عليه ابنُ أبي العزِّ ـ رحمه الله ـ بقوله:
    «فاعْلَمْ أنَّ الشرَّ كُلَّه يرجع إلى العدم، أعني عدمَ الخير وأسبابِه المُفْضِية إليه، وهو مِنْ هذه الجهة شرٌّ، وأمَّا مِنْ جهةِ وجوده المحضِ فلا شرَّ فيه،
    مثالُه: أنَّ النفوس الشِّرِّيرة وجودُها خيرٌ مِنْ حيث هي موجودةٌ، وإنما حَصَل لها الشرُّ بقطع مادَّة الخير عنها، فإنها خُلِقَتْ في الأصل متحرِّكةً، فإِنْ أُعِينَتْ بالعلم وإلهامِ الخير تحرَّكَتْ به، وإِنْ تُرِكَتْ تحرَّكَتْ بطبعها إلى خلافه، وحركتُها ـ مِنْ حيث هي حركةٌ ـ خيرٌ، وإنما تكون شرًّا بالإضافة لا مِنْ حيث هي حركةٌ، والشرُّ كُلُّه ظلمٌ، وهو وضعُ الشيء في غير محلِّه، فلو وُضِع في موضعه لم يكن شرًّا؛ فعُلِم أنَّ جهة الشرِّ فيه نسبيةٌ إضافيةٌ؛ ولهذا كانَتِ العقوباتُ الموضوعةُ في محالِّها خيرًا في نفسها، وإِنْ كانَتْ شرًّا بالنسبة إلى المحلِّ الذي حلَّتْ به لِمَا أحدثَتْ فيه مِنَ الألم الذي كانَتِ الطبيعةُ قابلةً لضدِّه مِنَ اللذَّة مُستعِدَّةً له؛ فصار ذلك الألمُ شرًّا بالنسبة إليها، وهو خيرٌ بالنسبة إلى الفاعل حيث وضَعَه في موضعه، فإنه ـ سبحانه ـ لم يخلق شرًّا محضًا مِنْ جميع الوجوه والاعتبارات؛
    فإنَّ حكمته تأبى ذلك؛ فلا يكون في جناب الحقِّ تعالى أَنْ يريد شيئًا يكون فسادًا مِنْ كُلِّ وجهٍ لا مصلحةَ في خَلْقه بوجهٍ ما، هذا مِنْ أبينِ المُحال؛
    فإنه ـ سبحانه ـ الخيرُ كُلُّه بيدَيْه والشرُّ ليس إليه،
    بل كُلُّ ما إليه فخيرٌ، والشرُّ إنما حَصَل لعدمِ هذه الإضافةِ والنسبةِ إليه، فلو كان إليه لم يكن شرًّا، فتأمَّلْه، فانقطاعُ نسبته إليه هو الذي صيَّره شرًّا».
    هذا، وقد يكون انقطاعُ نسبةِ الشرِّ إلى الله تعالى يختلف باختلاف المقصود منه:
    ـ فإِنْ أُرِيدَ بالشرِّ وضعُ الشيء في غير مَحَلِّه فإنَّ هذا هو الظلمُ، واللهُ منزَّهٌ عن الظلم لقوله تعالى:ولا يظلم ربك احدا ، وقولِه تعالى:وما ربك بظلام للعبيد
    ، وفي الحديث فيما يرويه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن ربِّه: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا»(٤).

    ـ وإِنْ أُرِيدَ بالشرِّ إلحاقُ العقوبة بالمذنب أو الجاني أو الظالم فإنَّ هذا ليس بشرٍّ، وإنما هو عدلٌ منه ـ سبحانه وتعالى ـ.
    ـ وإِنْ أُرِيدَ بالشرِّ عدمُ الخير وانعدامُ أسبابه المُفْضِية إليه وسُبُلِه المُوصِلة إليه فالعدمُ ليس بشيءٍ في الوجود الخارجيِّ إلَّا في الذهن والعلمِ، وليس فعلًا أيضًا ؛ لذلك لا يُنْسَب العدمُ إلى الله تعالى، ومِنْ هذا المُنْطلَقِ ـ أيضًا ـ إِنْ أُرِيدَ بالشرِّ مِنَ العبد عدمُ التوفيق للإيمان والهدى فإنَّ التوفيق إليهما مِنْ فضله ـ سبحانه وتعالى ـ الذي يؤتيه مَنْ يشاء مِنْ عباده، ومنعُ الفضلِ لا يُعَدُّ شرًّا ولا ظلمًا.
    وقال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ:
    «والعبد إذا فَعَل القبيحَ المنهيَّ عنه كان قد فعَلَ الشرَّ والسوء، والربُّ ـ سبحانه ـ هو الذي جَعَله فاعلًا لذلك، وهذا الجَعْلُ منه عدلٌ وحكمةٌ وصوابٌ، فجَعْلُه فاعلًا خيرٌ والمفعولُ شرٌّ قبيحٌ؛ فهو ـ سبحانه ـ بهذا الجَعْل قد وَضَع الشيءَ موضِعَه لِمَا له في ذلك مِنَ الحكمة البالغة التي يُحْمَد عليها؛ فهو خيرٌ وحكمةٌ ومصلحةٌ، وإِنْ كان وقوعُه مِنَ العبد عيبًا ونقصًا وشرًّا
    وقال ابن القيم رحمه الله
    أن الطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر، والطيب والخبيث. وذلك كامن فيها كمون النار في الزناد. فخلق الشيطان مستخرجا لما في طبائع أهل الشر من القوة إلى الفعل. وأرسلت الرسل تستخرج ما في طبيعة أهل الخير من القوة، إلى الفعل. فاستخرج أحكم الحاكمين ما في قوى هؤلاء من الخير الكامن فيها، ليترتب عليه آثاره، وما في قوى أولئك من الشر، ليترتب عليه آثاره، وتظهر حكمته في الفريقين، وينفذ حكمه فيهما، ويظهر ما كان معلوما له، مطابقا لعلمه السابق. وهذا هو السؤال الذي سألته ملائكته حين قالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30] . فظنت الملائكة أن وجود من يسبح بحمده ويطيعه، ويعبده، أولى من وجود من يعصيه، ويخالفه. فأجابهم سبحانه بأنه يعلم من الحكم والمصالح، والغايات المحمودة في خلق هذا النوع، ما لا تعلمه الملائكة.
    ومنها: أن ظهور كثير من آياته، وعجائب صنعه: حصل بسبب وقوع الكفر والشرك من النفوس الكافرة الظالمة، كآية الطوفان، وآية الريح، وآية إهلاك ثمود، وقوم لوط، وآية انقلاب النار على إبراهيم بردا وسلاما، والآيات التي أجراها الله تعالى على يد موسى، وغير ذلك من آياته التي يقول سبحانه عقيب ذكر كل آية منها في سورة الشعراء: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 8] . فلولا كفر الكافرين، وعناد الجاحدين، لما ظهرت هذه الآيات الباهرة، التي يتحدث بها الناس جيلا بعد جيل إلى الأبد.
    ومنها: أن خلق الأسباب المتقابلة التي يقهر بعضها بعضا، ويكسر بعضها بعضا: هو من شأن كمال الربوبية، والقدرة النافذة، والحكمة التامة، والملك الكامل - وإن كان شأن الربوبية كاملا في نفسه، ولو لم تخلق هذه الأسباب- لكن خلقها من لوازم كماله وملكه، وقدرته وحكمته. فظهور تأثيرها وأحكامها في عالم الشهادة: تحقيق لذلك الكمال، وموجب من موجباته. فتعمير مراتب الغيب والشهادة بأحكام الصفات، من آثار الكمال الإلهي المطلق بجميع وجوهه، وأقسامه، وغاياته.
    وبالجملة: فالعبودية، والآيات، والعجائب التي ترتبت على خلق ما لا يحبه ولا يرضاه، وتقديره ومشيئته: أحب إليه سبحانه وتعالى من فواتها، وتعطيلها بتعطيل أسبابها.
    فإن قلت: فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟ قلت: هذا سؤال باطل؛ إذ هو فرض وجود الملزوم، بدون لازمه. كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب. اهـ.
    إلى أن قال: اعلم أن أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد، والإعداد، والإمداد. فهذه هي الخيرات، وأسبابها.


    فإيجاد السبب خير. وهو إلى الله. وإعداده خير. وهو إليه أيضا. وإمداده خير. وهو إليه أيضا. فإذا لم يحدث فيه إعداد، ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل. وإنما إليه ضده.
    فإن قلت: فهلا أمده إذ أوجده؟ قلت: ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده. فإنه -سبحانه- يوجد ويمده، وما اقتضت الحكمة إيجاده وترك إمداده: أوجده بحكمته، ولم يمده بحكمته. فإيجاده خير. والشر وقع من عدم إمداده. فإن قلت: فهلا أمد الموجودات كلها؟ قلت: فهذا سؤال فاسد، يظن مورده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة. وهذا عين الجهل، بل الحكمة كل الحكمة في هذا التفاوت العظيم الواقع بينها .اهـ. من مدارج السالكين.

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,099

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    قال ابن القيم رحمه الله: معنى قول السلف من أصول الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره ...
    أن القدر لا شر فيه بوجه من الوجوه فإنه علم الله وقدرته وكتابه ومشيئته وذلك خير محض وكمال من كل وجه
    فالشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله
    وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر
    ويكون شرا بالنسبة إلى محل وخيرا بالنسبة إلى محل آخر
    وقد يكون خيرا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه كما هو شر له من وجه بل هذا هو الغالب.
    وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار
    فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض
    وكذلك الآلام والأمراض وإن كانت شرورا من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة ...
    فالخير والشر من جنس اللذة والألم والنفع والضرر وذلك في المقضي المقدر
    لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به
    فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار له
    وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل خير وحكمة ومصلحة ...
    فإن قيل فما الفرق بين كون القدر خيرا شرا وكونه حلوا ومرا قيل الحلاوة والمرارة تعود إلى مباشرة الأسباب في العاجل والخير والشر يرجع إلى حسن العاقبة وسوءها فهو حلو ومر في مبدأه وأوله وخير وشر في منتهاه وعاقبته
    وقد أجرى الله سبحانه سنته وعادته أن حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارة في الآجل ومرارتها تعقب الحلاوة فحلو الدنيا مر الآخرة ومر الدنيا حلو الآخرة
    وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل اللذات تثمر الآلام والآلام تثمر اللذات والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظاما لا يخرج عنه شيء البتة والشر مرجعه إلى الآلام وأسبابها،
    والخير مرجعه إلى اللذات وأسبابها والخير المطلوب هو اللذات الدائمة
    والشر المرهوب هو الآلام الدائمة
    فأسباب هذه الشرور وإن اشتملت على لذة ما وأسباب تلك الخيرات وإن اشتملت على ألم ما،
    فألم تعقبه اللذة الدائمة أولى بالإيثار والتحمل من لذة يعقبها الألم الدائم، فلذة ساعة في جنب ألم طويل كلا لذة وألم ساعة في جنب لذة طويلة كلا ألم.
    في امتناع إطلاق القول نفيا وإثباتا أن الرب تعالى مريد للشر وفاعل له
    هذا موضع خلاف اختلف فيه مثبتوا القدر ونفاته
    فقال النفاة
    لا يجوز أن يقال أن الله سبحانه مريد للشر أو فاعل له قالوا لا يريد الشر وفاعله شرير هذا هو المعروف لغة وعقلا وشرعا كما أن الظالم فاعل الظلم والفاجر فاعل الفجور ومريده والرب يتعالى ويتنزه عن ثبوت معاني أسماء السوء له فإن أسمائه كلها حسنى وأفعاله كلها خير فيستحيل أن يريد الشر فالشر ليس بإرادته ولا بفعله قالوا وقد قام الدليل على أن فعله سبحانه غير مفعوله والشر ليس بفعل له فلا يكون مفعولا له
    وقابلهم الجبرية
    فقالوا بل الرب سبحانه يريد الشر ويفعله قالوا لأن الشر موجود فلا بد له من خالق ولا خالق إلا الله وهو سبحانه إنما يخلق بإرادته فكل مخلوق فهو مراد له وهو فعله ووافقوا إخوانهم على أن الفعل عين المفعول والخلق نفس المخلوق ثم قالوا والشر مخلوق له ومفعول فهو فعله وخلقه وواقع بإرادته قالوا وإنما لم يطلق القول أنه يريد الشر ويفعل الشر أدبا لفظيا فقط كما لا يطلق القول بأنه رب الكلاب والخنازير ويطلق القول بأنه رب كل شيء وخالقه قالوا وأما قولكم أن الشرير مريد الشر وفاعله فجوابه من وجهين:
    أحدهما: إنما يمنع ذلك بأن الشرير من قام به الشر وفعل الشر لم يقم بذات الرب فإن أفعاله.
    لا تقوم به إذ هي نفس مفعولاته وإنما هي قائمة بالخلق وكذلك اشتقت لهم منها الأسماء كالفاجر والفاسق والمصلي والحاج والصائم ونحوها
    الجواب الثاني: أن أسماء الله تعالى توقيفية ولم يسم نفسه إلا بأحسن الأسماء قالوا والرب تعالى أعظم من أن يكون في ملكه مالا يريده ولا يخلقه فإنه الغالب غير المغلوب.

    وتحقيق القول في ذلك
    أنه يمتنع اطلاق إرادة الشر عليه وفعله نفيا وإثباتا في إطلاق لفظ الإرادة والفعل من إبهام المعنى الباطل ونفي المعنى الصحيح فإن الإرادة تطلق بمعنى المشيئة وبمعنى المحبة والرضا
    فالأول كقوله إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ وقوله: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ وقوله: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً والثاني كقوله: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وقوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ فالإرادة بالمعنى الأول تستلزم وقوع المراد ولا تستلزم محبته والرضا به
    وبالمعنى الثاني لا تستلزم وقوع المراد وتستلزم محبته فإنها لا تنقسم بل كل ما أراده من أفعاله فهو محبوب مرضي له ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته فإن أفعاله خير كلها وعدل ومصلحة وحكمة لا شر فيها بوجه من الوجوه وأما مفعولاته فهي مورد الانقسام وهذا إنما يتحقق على قول أهل السنة أن الفعل غير المفعول والخلق غير المخلوق كما هو الموافق للعقول والفطر واللغة ودلالة القرآن والحديث وإجماع أهل السنة كما حكاه البغوي في شرح السنة عنهم
    وعلى هذا فهاهنا إرادتان ومرادان إرادة أن يفعل ومرادها فعله القائم به وإرادة أن يفعل عبده ومرادها مفعوله المنفصل عنه وليسا بمتلازمين فقد يريد من عبده أن يفعل ولا يريد من نفسه إعانته على الفعل وتوفيقه له وصرف موانعه عنه كما أراد من إبليس أن يسجد لآدم ولم يرد من نفسه أن يعينه على السجود ويوفقه له ويثبت قلبه عليه ويصرفه إليه ولو أراد ذلك منه لسجد له لا محالة
    وقوله فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ إخباره عن إرادته لفعله لا لأفعال عبيده وهذا الفعل والإرادة لا ينقسم إلى خير وشر كما تقدم
    وعلى هذا فإذا قيل هو مريد للشر أوهم أنه محب له راض به وإذا قيل أنه لم يرده أوهم أنه لم يخلقه ولا كونه وكلاهما باطل ولذلك إذا قيل أن الشر فعله أو أنه يفعل الشر أوهم أن الشر فعله القائم به وهذا محال وإذا قيل لم يفعله أو ليس بفعل له أوهم أنه لم يخلقه ولم يكونه وهذا محال
    فأنظر ما في إطلاق هذه الألفاظ في النفي والإثبات من الحق والباطل الذي يتبين بالاستفصال والتفصيل
    وأن الصواب في هذا الباب ما دل عليه القرآن والسنة من أن الشر لا يضاف إلى الرب تعالى لا وصفا ولا فعلا ولا يتسمى باسمه بوجه من الوجوه وإنما يدخل في مفعولاته بطريق العموم
    كقوله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ
    فما هاهنا موصولة أو مصدرية والمصدر بمعنى المفعول أي من شر الذي خلقه أو من شر مخلوقه
    وقد يحذف فاعله كقوله حكاية عن مؤمني الجن
    وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا
    وقد يسند إلى محله القائم به كقول إبراهيم الخليل
    الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
    وقول الخضر
    أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا وقال في بلوغ الغلامين
    فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة حسن المطروشى الاثرى

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,099

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    قال شيخ الاسلام
    العدم ليس هو شيئا يفتقر إلى فاعل موجود ; بل العدم ليس بشيء وبقاؤه مشروط بعدم فعل الفاعل لا أن عدم الفاعل يوجبه ويقتضيه كما يوجب الفاعل المفعول الموجود ; بل قد يضاف عدم المعلول إلى عدم العلة وبينهما فرق وذلك أن المفعول الموجود إنما خلقه وأبدعه الفاعل وليس المعدوم أبدعه عدم الفاعل فإنه يفضي إلى التسلسل والدور ; ولأنه ليس اقتضاء أحد العدمين للآخر بأولى من العكس ; فإنه ليس أحد العدمين مميزا لحقيقة استوجب بها أن يكون فاعلا وإن كان يعقل أن عدم المقتضي أولى بعدم الأثر من العكس فهذا لأنه لما كان وجود المقتضي هو المفيد لوجود المقتضي صار العقل يضيف عدمه إلى عدمه إضافة لزومية ; لأن عدم الشيء إما أن يكون لعدم المقتضي أو لوجود المانع . وبعد قيام المقتضي لا يتصور أن يكون العدم إلا لأجل هاتين الصورتين أو الحالتين ; فلما كان الشيء الذي انعقد سبب وجوده يعوقه [ ويمنعه ] المانع المنافي وهو أمر موجود وتارة لا يكون سببه قد انعقد صار عدمه تارة ينسب إلى عدم مقتضيه وتارة إلى وجود مانعه ومنافيه .

    وهذا معنى قول المسلمين : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ; مشيئته هي الموجبة وحدها لا غيرها فيلزم من انتفائها انتفاؤه لا يكون شيء حتى تكون مشيئته لا يكون شيء بدونها بحال فليس لنا سبب يقتضي وجود شيء حتى تكون مشيئته مانعة من وجوده بل مشيئته هي السبب الكامل فمع وجودها لا مانع ومع عدمها لا مقتضى { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده } { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله } { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون }
    وإذا عرف أن العبد ليس له من نفسه خير أصلا ; بل ما بنا من نعمة فمن الله وإذا مسنا الضر فإليه نجأر والخير كله بيديه كما قال : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } وقال : { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في سيد الاستغفار الذي في صحيح البخاري : { اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت } وقال في دعاء الاستفتاح الذي في صحيح مسلم : { لبيك وسعديك والخير بيديك والشر ليس إليك تباركت ربنا وتعاليت .
    } وذلك أن الشر إما أن يكون موجودا أو معدوما فالمعدوم سواء كان عدم ذات أو عدم صفة من صفات كمالها أو فعل من أفعالها مثل عدم الحياة أو العلم أو السمع أو البصر أو الكلام أو العقل أو العمل الصالح على تنوع أصنافه مثل معرفة الله ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه ورجائه وخشيته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه وغير ذلك من الأمور المحمودة الباطنة والظاهرة من الأقوال والأفعال . فإن هذه الأمور كلها خيرات وحسنات وعدمها شر وسيئات ; لكن هذا العدم ليس بشيء أصلا حتى يكون له بارئ وفاعل فيضاف إلى الله وإنما هو من لوازم النفس التي هي حقيقة الإنسان قبل أن تخلق وبعد أن خلقت ; فإنها قبل أن تخلق عدم مستلزم لهذا العدم وبعد أن خلقت - وقد خلقت ضعيفة ناقصة - فيها النقص والضعف والعجز فإن هذه الأمور عدمية فأضيف إلى النفس من باب إضافة عدم المعلول إلى عدم علته وعدم مقتضيه وقد تكون من باب إضافته إلى وجود منافيه من وجه آخر سنبينه إن شاء الله تعالى .
    و " نكتة الأمر " أن هذا الشر والسيئات العدمية ليست موجودة حتى يكون الله خالقها فإن الله خالق كل شيء .

    والمعدومات تنسب تارة إلى عدم فاعلها وتارة إلى وجود مانعها فلا تنسب إليه هذه الشرور العدمية على الوجهين : أما " الأول " فلأنه الحق المبين فلا يقال عدمت لعدم فاعلها ومقتضيها .

    وأما " الثاني " - وهو وجود المانع - فلأن المانع إنما يحتاج إليه إذا وجد المقتضي ولو شاء فعلها لما منعه مانع وهو - سبحانه - لا يمنع نفسه ما شاء فعله ; بل هو فعال لما يشاء ; ولكن الله قد يخلق هذا سببا ومقتضيا ومانعا فإن جعل السبب تاما لم يمنعه شيء وإن لم يجعله تاما منعه المانع لضعف السبب وعدم إعانة الله له فلا يعدم أمر إلا لأنه لم يشأه كما لا يوجد أمر إلا لأنه يشاؤه وإنما تضاف هذه السيئات العدمية إلى العبد لعدم السبب منه تارة ولوجود المانع منه أخرى .

    أما عدم السبب فظاهر فإنه ليس منه قوة ولا حول ولا خير ولا سبب خير أصالة ولو كان منه شيء لكان سببا فأضيف إليه لعدم السبب ; ولأنه قد صدرت منه أفعال كان سببا لها بإعانة الله له فما لم يصدر منه كان لعدم السبب .

    وأما وجود المانع المضاد له المنافي فلأن نفسه قد تضيق وتضعف وتعجز أن تجمع بين أفعال ممكنة في نفسها متنافية في حقه فإذا اشتغل بسمع شيء أو بصره أو الكلام في شيء أو النظر فيه أو إرادته أو اشتغلت جوارحه بعمل كثير اشتغلت عن عمل آخر وإن كان ذلك خيرا لضيقه وعجزه ; فصار قيام إحدى الصفات والأفعال به مانعا وصادا عن آخر .

    والضيق والعجز يعود إلى عدم قدرته فعاد إلى العدم الذي هو منه والعدم المحض ليس بشيء حتى يضاف إلى الله تعالى وأما إن كان الشيء موجودا كالألم وسبب الألم فينبغي أن يعرف أن الشر الموجود ليس شرا على الإطلاق ولا شرا محضا وإنما هو شر في حق من تألم به وقد تكون مصائب قوم عند قوم فوائد .

    ولهذا جاء في الحديث الذي رويناه مسلسلا { آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره } وفي الحديث الذي رواه أبو داود : { لو أنفقت ملء الأرض ذهبا لما قبله منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك } فالخير والشر هما بحسب العبد المضاف إليه كالحلو والمر سواء وذلك أن من لم يتألم بالشيء ليس في حقه شرا ومن تنعم به فهو في حقه خير كما { كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم من قص عليه أخوه رؤيا أن يقول : خيرا تلقاه وشرا توقاه خيرا لنا وشرا لأعدائنا } فإنه إذا أصاب العبد شر سر قلب عدوه ; فهو خير لهذا وشر لهذا ; ومن لم يكن له وليا ولا عدوا فليس في حقه خيرا ولا شرا وليس في مخلوقات الله ما يؤلم الخلق كلهم دائما ولا ما يؤلم جمهورهم دائما ; بل مخلوقاته إما منعمة لهم أو لجمهورهم في أغلب الأوقات كالشمس والعافية فلم يكن في الموجودات التي خلقها الله ما هو شر مطلقا عاما .

    فعلم أن الشر المخلوق الموجود شر مقيد خاص وفيه وجه آخر هو به خير وحسن وهو أغلب وجهيه كما قال تعالى : { أحسن كل شيء خلقه } وقال تعالى : { صنع الله الذي أتقن كل شيء } وقال تعالى : { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } وقال : { ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا } .

    وقد علم المسلمون أن الله لم يخلق شيئا ما إلا لحكمة ; فتلك الحكمة وجه حسنه وخيره ولا يكون في المخلوقات شر محض لا خير فيه ولا فائدة فيه بوجه من الوجوه ; وبهذا يظهر معنى قوله : { والشر ليس إليك } وكون الشر لم يضف إلى الله وحده ; بل إما بطريق العموم أو يضاف إلى السبب أو يحذف فاعله .

    فهذا الشر الموجود الخاص المقيد سببه : إما عدم وإما وجود ; فالعدم مثل عدم شرط أو جزء سبب إذ لا يكون سببه عدما محضا فإن العدم المحض لا يكون سببا تاما لوجود ; ولكن يكون سبب الخير واللذة قد انعقد ولا يحصل الشرط فيقع الألم ; وذلك مثل عدم فعل الواجبات الذي هو سبب الذم والعقاب ومثل عدم العلم الذي هو سبب ألم الجهل وعدم السمع والبصر والنطق الذي هو سبب الألم بالعمى والصمم والبكم وعدم الصحة والقوة الذي هو سبب الألم والمرض والضعف .

    فهذه المواضع ونحوها يكون الشر أيضا مضافا إلى العدم المضاف إلى العبد حتى يتحقق قول الخليل : { وإذا مرضت فهو يشفين } فإن المرض وإن كان ألما موجودا فسببه ضعف القوة وانتفاء الصحة الموجودة وذلك عدم هو من الإنسان المعدوم بنفسه حتى يتحقق قول الحق { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } وقوله : { قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } ونحو ذلك فيما كان سببه عدم فعل الواجب وكذلك قول الصحابي : وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان .
    يبين ذلك أن المحرمات جميعها من الكفر والفسوق والعصيان إنما يفعلها العبد لجهله أو لحاجته فإنه إذا كان عالما بمضرتها وهو غني عنها امتنع أن يفعلها والجهل أصله عدم والحاجة أصلها العدم .
    فأصل وقوع السيئات منه عدم العلم والغنى ولهذا يقول في القرآن : { ما كانوا يستطيعون السمع } { أفلم تكونوا تعقلون } ؟ { إنهم ألفوا آباءهم ضالين } { فهم على آثارهم يهرعون } إلى نحو هذه المعاني
    وأما الموجود الذي هو سبب الشر الموجود الذي هو خاص كالآلام مثل الأفعال المحرمة من الكفر الذي هو تكذيب أو استكبار والفسوق الذي هو فعل المحرمات ونحو ذلك . فإن ذلك سبب الذم والعقاب وكذلك تناول الأغذية الضارة وكذلك الحركات الشديدة المورثة للألم فهذا الوجود لا يكون وجودا تاما محضا ; إذ الوجود التام المحض لا يورث إلا خيرا كما قلنا إن العدم المحض لا يقتضي وجودا ; بل يكون وجودا ناقصا إما في السبب وإما في المحل كما يكون سبب التكذيب عدم معرفة الحق والإقرار به وسبب عدم هذا العلم والقول عدم أسبابه من النظر التام والاستماع التام لآيات الحق وأعلامه .

    وسبب عدم النظر والاستماع : إما عدم المقتضي فيكون عدما محضا وإما وجود مانع من الكبر أو الحسد في النفس { والله لا يحب كل مختال فخور } وهو تصور باطل وسببه عدم غنى النفس بالحق فتعتاض عنه بالخيال الباطل .
    و " الحسد " أيضا سببه عدم النعمة التي يصير بها مثل المحسود أو أفضل منه ; فإن ذلك يوجب كراهة الحاسد لأن يكافئه المحسود أو يتفضل عليه .
    وكذلك الفسوق كالقتل والزنا وسائر القبائح إنما سببها حاجة النفس إلى الاشتفاء بالقتل والالتذاذ بالزنا وإلا فمن حصل غرضه بلا قتل أو نال اللذة بلا زنا لا يفعل ذلك والحاجة مصدرها العدم وهذا يبين - إذا تدبره الإنسان - أن الشر الموجود إذا أضيف إلى عدم أو وجود فلا بد أن يكون وجودا ناقصا فتارة يضاف إلى عدم كمال السبب أو فوات الشرط وتارة يضاف إلى وجود ويعبر عنه تارة بالسبب الناقص والمحل الناقص وسبب ذلك إما عدم شرط أو وجود مانع والمانع لا يكون مانعا إلا لضعف المقتضي وكل ما ذكرته واضح بين إلا هذا الموضع ففيه غموض يتبين عند التأمل وله طرفان : " أحدهما " أن الموجود لا يكون سببه عدما محضا .

    و " الثاني " أن الموجود لا يكون سببا للعدم المحض وهذا معلوم بالبديهة أن الكائنات الموجودة لا تصدر إلا عن حق موجود .
    ولهذا كان معلوما بالفطرة أنه لا بد لكل مصنوع من صانع كما قال تعالى : { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } يقول : أخلقوا من غير خالق خلقهم أم هم خلقوا أنفسهم ؟ .
    ومن المتكلمين من استدل على هذا المطلوب بالقياس وضرب المثال . والاستدلال عليه ممكن ودلائله كثيرة . والفطرة عند صحتها أشد إقرارا به وهو لها أبده وهي إليه أشد اضطرارا من المثال الذي يقاس به .
    وقد اختلف أهل الأصول في العلة الشرعيةهل يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي فيها مع قولهم : إن العدمي يعلل بالعدمي ؟ فمنهم من قال : يعلل به ومنهم من أنكر ذلك ومنهم من فصل بين ما لا يجوز أن يكون علة للوجود في قياس العلة ويجوز أن تكون علته له في قياس الدلالة فلا يضاف إليه في قياس الدلالة وهذا فصل الخطاب وهو أن قياس الدلالة يجوز أن يكون العدم فيه علة وجزءا من علة ; لأن عدم الوصف قد يكون دليلا على وصف وجودي يقتضي الحكم .

    وأما " قياس العلة " فلا يكون العدم فيه علة تامة ; لكن يكون جزءا من العلة التامة وشرطا للعلة المقتضية التي ليست بتامة وقلنا : جزء من العلة التامة . وهو معنى كونه شرطا في اقتضاء العلة الوجودية وهذا نزاع لفظي فإذا حققت المعاني ارتفع . فهذا في بيان أحد الطرفين وهو أن الموجود لا يكون سببه عدما محضا .

    وأما " الطرف الثاني " وهو أن الموجود لا يكون سببا لوجود يستلزم عدما فلأن العدم المحض لا يفتقر إلى سبب موجود بل يكفي فيه عدم السبب الموجود ; ولأن السبب الموجود إذا أثر فلا بد أن يؤثر شيئا والعدم المحض ليس بشيء فالأثر الذي هو عدم محض بمنزلة عدم الأثر ; بل إذا أثر الإعدام فالإعدام أمر وجودي فيه عدم فإن جعل الموجود معدوما والمعدوم موجودا أمر معقول أما جعل المعدوم معدوما فلا يعقل إلا بمعنى الإبقاء على العدم والإبقاء على العدم يكفي فيه عدم الفاعل والفرق معلوم بين عدم الفاعل وعدم الموجب في عدم العلة وبين فاعل العدم وموجب العدم وعلة العدم . والعدم لا يفتقر إلى الثاني ; بل يكفي فيه الأول .

    فتبين بذلك الطرفان وهو أن العدم المحض الذي ليس فيه شوب وجود لا يكون وجودا ما : لا سببا ولا مسببا ولا فاعلا ولا مفعولا أصلا
    فالوجود المحض التام الذي ليس فيه شوب عدم لا يكون سببا لعدم أصلا ولا مسببا عنه ولا فاعلا له ولا مفعولا
    أما كونه ليس مسببا عنه ولا مفعولا له فظاهر
    وأما كونه ليس سببا له فإن كان سببا لعدم محض فالعدم المحض لا يفتقر إلى سبب موجود
    وإن كان لعدم فيه وجود فذاك الوجود لا بد له من سبب ولو كان سببه تاما وهو قابل لما دخل فيه عدم ; فإنه إذا كان السبب تاما والمحل قابلا وجب وجود المسبب
    فحيث كان فيه عدم فلعدم ما في السبب أو في المحل فلا يكون وجودا محضا .

    فظهر أن السبب حيث تخلف حكمه إن كان لفوات شرط فهو عدم وإن كان لوجود مانع فإنما صار مانعا لضعف السبب وهو أيضا عدم قوته وكماله
    فظهر أن الوجود ليس سبب العدم المحض وظهر بذلك القسمة الرباعية وهي أن الوجود المحض لا يكون إلا خيرا .

    يبين ذلك أن كل شر في العالم لا يخرج عن قسمين إما ألم وإما سبب الألم وسبب الألم مثل الأفعال السيئة المقتضية للعذاب والألم الموجود لا يكون إلا لنوع عدم فكما يكون سببه تفرق الاتصال ; وتفرق الاتصال هو عدم التأليف والاتصال الذي بينهما وهو الشر والفساد .

    وأما سبب الألم فقد قررت في " قاعدة كبيرة " أن أصل الذنوب هو عدم الواجبات لا فعل المحرمات وأن فعل المحرمات إنما وقع لعدم الواجبات فصار أصل الذنوب عدم الواجبات وأصل الألم عدم الصحة ; ولهذا { كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم في خطبة الحاجة أن يقولوا : ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا } فيستعيذ من شر النفس الذي نشأ عنها من ذنوبها وخطاياها ويستعيذ من سيئات الأعمال التي هي عقوباتها وآلامها ; فإن قوله : { ومن سيئات أعمالنا } قد يراد به السيئات في الأعمال وقد يراد به العقوبات ; فإن لفظ السيئات في كتاب الله يراد به ما يسوء الإنسان من الشر وقد يراد به الأعمال السيئة قال تعالى : { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها } وقال تعالى : { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور } .

    ومعلوم أن شر النفس هو الأعمال السيئة فتكون سيئات الأعمال هي الشر والعقوبات الحاصلة بها فيكون مستعيذا من نوعي السيئات : الأعمال السيئة وعقوباتها كما في الاستعاذة المأمور بها في الصلاة : { أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال } فأمرنا بالاستعاذة من العذاب عذاب الآخرة وعذاب البرزخ ومن سبب العذاب ومن فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وذكر الفتنة الخاصة بعد الفتنة العامة فتنة المسيح الدجال فإنها أعظم الفتن كما في الحديث الصحيح : { ما من خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من فتنة المسيح الدجال } .

    وفى الختام وبعد كل هذا قارن بين كلام شيخ الاسلام والامام ابن القيم فى تفصيلهم للخير والشر ومعناه عند اهل السنة- وبين تعريف الشر عند الفلاسفة شتان بين تعريف الشر عند ائمة الاسلام وتعريفه عند الفلاسفة
    وقد اوتى البعض من قبل تعريف افلاطون للشر ولكن لم ينظروا الى مبادئه واصوله الفلسفية
    فحكموا بتوافق الاصلين الاصل النابع من الاستدلال بالكتاب والسنة والاصل النابع من اصول اهل الفلاسفة الملحدين -
    وبعد هذا البيان
    انقل قول افلاطون الذى بنوا عليه التوافق ولم ينظروا الى التأصيل والفصيل الذى قام به شيخ الاسلام وتلميذه ابن القيم
    يقول* أفلاطون* : ليس* للشرّ وجود خارجي*ّ علی* الإطلاق* ، بل* هو عدم* . بمعني* الشرور القليلة* التي* تقع* في* الخارج* لا تحتاج* إلي* علّة* الموجود ، لا انّها تعود إلي* العدم* ، كما أنّ الوجود يعود إلي* الوجود
    لابد من دراسة مفهوم الخير والشر عند الفلاسفة وما نتج عنة من ملل ونِحَل وأديان - ثم بعد ذلك نقارن بين مذهب الفلاسفة والمسلمين -لا نقول وافق بدون دراسة لمفهوم الشر عند الفلاسفة الملحدين

    . بمعني* الشرور القليلة* التي* تقع* في* الخارج* لا تحتاج* إلي* علّة* الموجود ،

    . وعلی هذا فى العمى عدم إيجاد علّة الوجود ، لا أن يكون للعمي علّة خاصّة به في مقابل البصر .

    يقول* أفلاطون* : بمعني* الشرور القليلة* التي* تقع* في* الخارج* لا تحتاج* إلي* علّة* الموجود
    هل كلام افلاطون هذا يتوا فق مع كلام الامام ابن القيم السابق ان الشر قد يكون من وجه دون وجه شر قليل من وجه مع خير كثير من اوجه اخرى
    هل قليل* الشرّ فى جانب الخير الكثير .لا تحتاج إلي علّة الموجود وقد ضرب الامام ابن القيم مثال بوجود النار في الخارج أو حذفها من المخلوقات لمجرّد شرّها القليل* مع ما ما جعله الله فيها من خير لايحصي ولا يُعد - ومضافاً إلي ذلك فهي مجعولة بالعَرَض لكونها مؤدّية إلي شرور قليلة كما تقدم فى كلام الامام ابن القيم ، ومجعولة* بالذات* لكونها ملزومة بالخيرات الكثيرة
    هل يمكن بعد ذلك ان نقول ان الامام ابن القيم او غيره من الائمةا ان كلامهم متوافق مع كلام ا لفلاسفة ومنهم افلاطون فى تعريف الشر
    دين الاسلام واصوله وقواعده ومبانيه مختلفة مع اصول هؤلاء الفلاسفة
    لا يمكن ابدا ان نسوى بين اصول اهل السنة واصول الفلاسفة الكفار الملحدين
    فالفلسفة هى الكفر-
    هم تماما ساووا بين قول شيخ الاسلام بتسلل الحوادث فى الماضى وقول الفلاسفة بقدم العالم
    شتان بين الحق والباطل -
    ومعذرة على الاطالة




    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة حسن المطروشى الاثرى

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    11,400

    افتراضي رد: للمشاركة والنقاش !!

    جزاكم الله خيرا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •