الشرح الوافى لقول الطحاوى إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: الشرح الوافى لقول الطحاوى إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,114

    افتراضي الشرح الوافى لقول الطحاوى إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره

    قال الطحاوى رحمه الله
    نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحدٌ لا شريك له ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره.
    الشرح
    قوله: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحدٌ لا شريك له"،
    قوله: نقول هذا؛ لأنه لا يكتفى في الاعتقاد باعتقاد القلب، بل لابد من قول اللسان،
    وأعظم قول اللسان وكاف شهادة ألا إله إلا الله،وأن محمدا رسول الله؛
    لأن العقيدة الصحيحة اعتقاد بالجنان، وقول باللسان؛ حتى يكون الإيمان صحيحاً،
    ثم امتثال العمليات في الأمر والنهي.
    وقوله: "معتقدين
    هذه حال من "نقول"، يعني أقول حالة كوني معتقداً هذا الكلام عاقداً عليه قلبي، غير متردد فيه، ولا مرتاب، فمعتقدين ولو تأخرت فهي حال من الضمير في نقول.
    وقوله: "بتوفيق الله"
    هذه استعانة بالله جل وعلا أن يوفقه في القول الحق في ذلك، والتوفيق اختلفت فيه التفسيرات، بما سيأتي بيانه إِنْ شَاءَ اللَّهُ مفصلاً في ذكر مسائل القدر، فأهل السنة لهم تفسير للتوفيق وللخزلان، وأهل البدع كل له مشربه في تفسير التوفيق والخزلان.
    قال: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له"
    اشتملت هذه الجملة على ذكر التوحيد، وعلى تفسيره،
    وكلمة التوحيد هذه:مصدر وحَّد يوحد توحيداً، يعني جعل الشيء واحداً،
    قد جاء في السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في حديث معاذ:
    ((إنك تأتي
    قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله))،
    وجاء أيضاً في قول الصحابي رَضِي اللهُ عَنْهُم، فأهل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتوحيد،
    في قوله: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك))، التلبية المعروفة في أول الحج،
    فأهل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتوحيد.

    فإذن كلمة التوحيد جاءت في السنة،
    ومعنى التوحيد كما ذكرنا جعل الشيء واحدا في اللغة،
    فتوحيد الله معناه:
    أن تجعل الله واحداً، واحدا فيما وحد الله جل وعلا نفسه فيه، فيما دلت عليه النصوص،
    والنصوص دلت على أن الله واحد في ربوبيته، واحد في إلهيته،واحدٌ في أسمائه وصفاته.
    فالتوحيد إذن في الكتاب والسنة راجع إلى توحيد الربوبية، توحيد الإلهية، توحيد الأسماء والصفات،
    وهذا على التقسيم المشهور،
    وقسمه بعض أهل العلم إلى تقسيم آخر،
    وهو أن توحيد الله ينقسم إلى قسمين؛
    ينقسم إلى توحيد في المعرفة والإثبات،
    وإلى توحيد في القصد والطلب.
    وعنى بقوله:"في المعرفة والإثبات"في معرفة الله جل وعلا بأفعاله، وهذا هو الربوبية والإثبات له، فيما أثبت لنفسه، وهذا هو الأسماء والصفات.
    وقوله:"في القصد والطلب" هو توحيد الإلهية
    ،
    وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، جاء في عبارات المتقدمين من أئمة الحديث والأثر، فجاء عند أبي جعفر الطبري في تفسيره، وفي غيره من كتبه، وفي كلام ابن بطة، وفي كلام ابن منده، وفي كلام ابن عبد البر وغيرهم من أهل العلم من أهل الحديث والأثر، خلافاً لمن زعم من المبتدعة أن هذا التقسيم أحدثه ابن تيمية،
    فهذا التقسيم قديم، يعرفه من طالع كتب أهل العلم التي ذكرنا.
    إذا تقرر ذلك
    فالإيمان بتوحيد الربوبية معناه: أنه إيمان بأن الله وحده لا شريك له، هو المتصرف في هذا الملكوت أمراً ونهياً، هو الخالق وحده، وهو الرزاق وحده، وهو المحيي المميت وحده، وهو النافع الضار وحده، وهو القابض الباسط وحده في ملكوته،إلى آخر مفردات الربوبية، كما قال جل وعلا: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ}.
    فأثبت أنهم أقروا بالربوبية، وأنكر عليهم أنهم لم يتقوا الشرك به، وترك توحيد الإلهية،
    وتوحيد الإلهية هو توحيد الله بأفعال العبيد، توحيد في القصد والطلب بأن يفرد العبد ربه جل وعلا في إنابته، وخضوعه، ومحبته ورجائه، وأنواع عبادته من صلاته، وزكاته، وصيامه، ودعائه، وذبحه ونذره، إلى آخر أفراد العبادة بما هو معلوم في توحيد الإلهية.
    وتوحيد الأسماء والصفاتهو جعل الله جل وعلا واحداً لا مثل له، في أسمائه وصفاته، كما قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}،وكما قال: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}،وكما قال جل وعلا: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً }.

    إذن قوله:"نقول في توحيد الله معقتدين بتوفيق الله"، هنا ذكر التوحيد؛ لأن الخلاف قائم فيه،
    ففي الربوبية قام الخلاف مع الدهرية والفلاسفة، الذين يقولون: إن هذا العالم قديم لم يزل، وأنه ليس له خالق، بل وجد العالم هكذا باتفاق، وغير ذلك من مقالات نفاة الرب جل وعلا،
    وكذلك مخالفة للذين جعلوا الله ربا، ولكن جعلوا معه شريكاً في الربوبية، وهم طوائف وملل مختلفة، وفي هذه الأمة دخل ذلك في قول غلاة المتصوفة، الذين يقولون: إن لهذا العالم من يتصرف فيه من الأولياء والأقطاب، الذين لكل بلد قطب، يمنع ويعطي فيها، ويرزق ويحيي ويميت... إلى آخر ما يعتقدون فيه في الإلهية،ثم من خالف في الأسماء والصفات، ثم من خالف كما سيأتي تفصيله.

    هنا سؤال وهو أنه قدم القول في الاعتقاد في الله جل وعلا،لم؟
    والجواب عن ذلك: أنه قدم ذلك لأمرين:
    الأول منهما:
    أن الإيمان بالله مقدم على غيره من أركان الإيمان،كما قال جل وعلا: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}،فقدم الإيمان بالله على غيره، وكما في قوله جل وعلا: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}،وقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل المعروف: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر،وبالقدر خيره وشره)).
    الأمر الثاني:
    أن الاعتقاد في الله جل وعلا هو أصل الإيمان، وبه يصير المرء مؤمنا،
    الاعتقاد في الله جل وعلا بالوحدانية، بما دلت عليه شهادة ألاَّ إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله،
    وأن ذلك هو أول واجب على العبيد،
    وفي هذا مخالفة للذين زعموا أن أول واجب على العبد، ويقدمونه في عقائدهم، أن يعرف الله، أو أن يستدل على معرفة الله، أو ما يسمونه بالنظر للتوحيد أو للمعرفة، أو بالقصد إلى النظر.
    فلما كان أول واجب هو التوحيد، قدمه مخالفة لمن قال:
    إن أول واجب هو أن ينظر في الدلائل، وفي الملكوت لمن كان أهلا لذلك.

    قال: "إن الله واحد لا شريك له"، "إن الله واحد"،
    لفظ واحد هذا من أسماء الله الحسنى، كما قال جل وعلا: {هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}،
    وأيضاً من أسمائه سبحانه الأحد، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
    وواحدٌ يعني أنه لا شريك له،
    ولذلك كانت كلمة لا شريك له هذه مؤكدة تأكيداً بعد تأكيد.
    قال الحافظ ابن حجر وغيره في قوله:
    "واحد لا شريك له": هذا تأكيد بعد تأكيد، لبيان عظم مقام التوحيد
    . وكلمة واحد هذه راجعة عند أهل الاعتقاد إلى أحديته سبحانه، ونقول: الصحيح أنه لا فرق بين واحد وأحد، والمتكلمون يفرقون ما بين الواحد والأحد، واحد وأحد، فيرجعون الواحدية للصفات، والأحدية للأفعال، لكن الصحيح أن اسم الله جل وعلا الواحد يرجع إليه أحديته سبحانهفي الذات، وفي الصفات،وفي الأفعال، في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
    قوله: "لا شريك له"هذا التفسير لواحد وتأكيد له،
    ولهذا دل قوله: "إن الله واحد لا شريك له" على أن التوحيد أعظم ما يفسر به نفي الشريك عن الله جل وعلا "نقول في توحيد إن الله واحد لا شريك له"،
    فالتوحيد يفسر بضده وهو نفي الشرك، قال كما الشاعر (وبضدها تتبين الأشياء)
    فقد لا يستقيم معرفة التوحيد بتفاصيله، إلا بالإيقان بنفي الشرك بأنواعه،
    لهذا نقول هنا قوله:"لا شريك له" هذا عام، يشمل نفي الشريك في الربوبية، ونفي الشريك في الألوهية، ونفي الشريك في الأسماء والصفات.
    والشركة في الربوبيةراجعة إلى جعل المخلوق له من صفات الرب جل وعلا في صفات الربوبية،
    يعني أن يجعل للمخلوق تصرفاً. إذا جعل للمخلوق تصرفاً في الكون، مما يختص به الله جل وعلا فهذا ادعاء للشريك معه في الربوبية، أو أن يعتقد أن الله معه معين أو ظهير أو وزير،وهذا كله منفي، وكل هذا داخل في الاشتراك في الربوبية
    كما قال جل وعلا: {
    قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ

    فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ}.
    فذكر أنواع الاشتراك في الربوبية؛
    إما شركة مستقلة {لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} يعني استقلالاً أو معاونة،
    أو اتخاذ ظهير ووزير لله جل وعلا،
    وهذا، المعتقدات هذه موجودة في طوائف من هذه الأمة.

    والإيمان بتوحيد الربوبية ونفي الشركة في الربوبية
    على درجتين:
    الدرجة الأولى:
    واجبة على كل مكلف، ومن لم يأتِ بها فليس بموحد، بل هو مشرك،
    وهو ما ذكرنا من الاعتقاد بأن الله واحد في ربوبية، في أفعاله سبحانه، فهو الخالق وحده، وهو الرزاق وحده، وهو المحيي المميت وحده، وهو النافع الضار وحده جل وعلا، وهو مدبر الأمر وحده، وهو خالق الخلق وحده...إلى آخر أفراد ذلك. وهذه واجبة على كل أحد.

    والمرتبة الثانية
    من الإيمان بتوحيد الربوبية هي مرتبة للخاصة وأهل العلم،
    وهي شهود آثار الربوبية في خلق الله جل وعلا، ........
    [ وأن يشهد آثار الأسماء والصفات، وشهود آثار الأسماء والصفات هذا ليس نفياً للأسباب، بل هو جعل الأسباب أسباباً، وعدم مجاوزتها لكونها أسباباً، فيرى أن الفاعل هو الله جل وعلا، وأنه سبحانه أجرى الأسباب بجعلها أسباباً، وأنتج سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عنها مسبباتها، وأن العلل تنتج معلولاتها، وأن المؤثر تنتج الآثار إلى غير ذلك مما هو معلوم من اعتقاد أهل التوحيد].........ينظر لذلك في الملكوت متفكراً متدبراً،وهذه حال الخاصة، وهى مستحبة، وهي لأهل العلم ولأهل الإيمان،وليست واجبة على كل أحل، كما قال سبحانه: {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُون َ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا}.
    وكما وصف الله جل وعلا بعض عباده بالتفكر والنظر والتدبر في خلق الله جل وعلا،
    بل أمر بذلك في بعض الآيات، كقوله: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ}،وكقوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا}،وكقوله جل وعلا: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}.

    فهذا التفكر في ربوبية الله جل وعلا في خلق الله يدل على توحيده في الربوبية، وهو حال الخاصة،
    كما قال الحسن البصري رحمه الله تَعَالَى: عاملنا القلوب بالتفكر، فأورثها التذكر، فرجعنا بالتذكر على التفكر، وحركنا القلوب بهما، فإذا القلوب لها أسماع وأبصار، وهذه عند أهل البدع وأهل الكلام مطلوبة، وواجبة، لمن كان أهلاً لها، فيوجبون النظر ويوجبون التفكر، ولا يصح إيمان أحد عندهم.. عند طائفة منهم ممن كان أهلا للنظر إلا بالنظر، فلو مات المتأهل للنظر من غير نظر، لم يكن مؤمناً بربوبية الله جل وعلا، وإن كانت تجري عليه أحكام أهل الإسلام في الدنيا، فإنهم لا يجرون عليه أحكام أهل الإسلام في الآخرة على تفصيل مذهب أهل الكلام في ذلك.

    النوع الثاني: أن يعتقد بأن الله لا شريك له في إلهيته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،
    والإلهية معناها العبادة، يعني لا شريك له في عبادته، كما دلت عليها كلمة التوحيد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
    فيعتقد أن الله جل وعلا ليس معه إله يستحق العبادة،
    وأن كل من ادعي فيه الإلهية وأنه يعبد فإنما عبد بالبغي والظلم والعدوان والتعدي،
    وكل من أشرك بالله جل وعلا فهو ظالم،
    أبشع الظلم وأكبر الظلم؛
    لأنه سبحانه توعد أهل الشرك بالنار،
    بل أوجب لهم النار في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وكما قال المسيح عليه السلام {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}،
    ببيان هذا التوحيد وما يتصل به كتب توحيد العبادة المعروفة،
    ومن أعظمها وأشملها كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تَعَالَى.
    الثالث من أنواع نفي الشريك المشتمل عليه قوله:
    "لا شريك له"
    نفي الشريك لله في الأسماء والصفات؛
    وذلك بأن يعتقد أن الله جل وعلا لا شريك له في كيفية اتصافه بالصفات، يعني لا مماثل له سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولا مشابه له في كيفية اتصافه بالصفات،وأنه سبحانه لا شريك له في المعنى المطلق لصفاته سبحانه ولأسمائه، ولا مشابه له في المعنى المطلق لأسمائه وصفاته، وأن اشتراك بعض خلقه معه سبحانه في الصفات إنما هو اشتراك في مطلق المعنى وفي أصله، لا في المعنى المطلق ولا في كماله، ولا في الكيفية، فيعتقد أنه لا شريك له في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله سبحانه، بل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.
    لأجل هذا المعنى العام عطف عليها المصنف بقوله: "ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره" كما سيأتي تفصيل الكلام على هذه المسائل في ذكر معنى هذه الجمل الثلاث.
    ....
    بقي أن نقول:
    إن في قوله: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له"
    إن هذه العبارة: "لا شريك له" تفسيرها على طريقة أهل السنة ذكرناها،
    وأما أهل البدع فيقولون في تفسير: واحد ولا شريك له عبارات مختلفة، تجدونها في التفاسير،
    ويكثر منها أهل البدع،
    فيقولون في تفسير:(واحد) واحدٌ في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شريك له، وواحد في أفعاله لا ند له.
    وفي قولهم في أولها: واحد في ذاته لا قسيم له هذه من التعبيرات المحدثة،
    وإن كان يمكن أن تحتمل معنًى صحيحاً،
    لكن التوحيد والأحدية تفسر بواحديته سبحانه، وأحديته في ربوبيته وإلهيته وفي أسمائه وصفاته،
    وأهل البدع في التوحيد اختلفت عباراتهم، وسبب اختلاف عباراتهم في التوحيد؛
    أنهم نظروا في تعريف التوحيد إلى حال النصارى وأهل الملل، ففسروا التوحيد بما يخالف ما عليه بعض الطوائف،
    فقالوا: واحد في ذاته لا قسيم له، يعني نفيا للأقانين الثلاثة التي هي صور لله جل وعلا مختلفة، كما هو اعتقاد النصارى أو طائفة من النصارى،
    وكذلك اعتقاد الثنوية، والذين يقولون:
    إن ثم إلهين, هو إنه واحد، لكن له أقنونان، شيء للخير وشيء للشر، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى واحد في ذاته، وأسمائه وصفاته، واحد في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    .........................

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,114

    افتراضي رد: الشرح الوافى لقول الطحاوى إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره

    قال الإمام الطحاوي رحمه الله تَعَالَى:
    ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره،
    فهذه الجمل الثلاث،وهي قوله:
    "ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه ولا إله غيره"
    تفصيل لما يعتقده في توحيد الله جل وعلا.
    والتوحيد كما ذكرنا منقسم إلى الأقسام الثلاثة:
    توحيد الربوبية،
    وتوحيد الأسماء والصفات،
    وتوحيد الإلهية،
    فذكر هذه الأقسام الثلاثة في قوله:
    "ولا شيء مثله،ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره".
    فقوله: "ولا شيء مثله" راجع إلى توحيد الأسماء والصفات والأفعال،
    وقوله: "ولا شيء يعجزه" راجع أو مثبت لتوحيد الربوبية،
    وقوله: "ولا إله غيره" مثبت لتوحيد العبادة والألوهية.

    وقدم (رحمه الله) ما يدل على توحيد الأسماء والصفات بعد ذكر توحيد الإلهية في قوله:
    "إن الله واحد لا شريك له
    لأن النزاع كائن في توحيد الإلهية، وفي توحيد الأسماء والصفات،
    فمع أهل الشرك النزاع في توحيد الإلهية، وهو الذي كان النزاع فيه ما بين الرسل وبين أقوامهم،
    ولهذا قدم ما يعتقده بقوله: "إن الله واحد لا شريك له
    لأن هذا هو حقيقة النزاع بين الرسل وبين أقوامهم.
    ثم قال: "ولا شيء مثله"؛
    لأن هذا هو حقيقة النزاع ما بين أهل السنة والجماعة،
    وما بين مخالفيهم من المبتدعة على أصنافهم من المجسمة، والمعطلة، والنفاة، وأشباه هؤلاء. وأيضاً قرن بينهما؛ لأن البدع بريد الشرك، فإن ترك تنزيه الله جل وعلا عن مماثلة المخلوقين يؤدي إلى الشرك به جل وعلا.
    ولهذا قال من قال من السلف: المعطل يعبد عدماً، والممثل يعبد صنماً،
    فالتمثيل ثم اقتران بينه وبين الشرك؛ لأن الممثل اتخذ صورة جعلها على صفات معينة فصارت صنماً له، كما أن المشركين عبدوا الأصنام، واتخذوها آلهة.
    وأما قوله:"ولا شيء يعجزه" فهو توحيد الربوبية، كما سيأتي بيان ذلك مفصلاً.
    إذن فترتيب المصنف الطحاوي (رحمه الله) لهذه الجمل الأربع ترتيب مناسب،
    وهو متنقل بفهم في أمور الاعتقاد، وموقف أهل السنة وأهل الإسلام من مخالفيهم،
    ..........

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,114

    افتراضي رد: الشرح الوافى لقول الطحاوى إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره

    ثم قال رحمه الله تعالى: "ولا شيء يعجزه"
    ومعنى ولا شيء يعجزه يعني: أنه سبحانه وتعالى لا شيء مما يصح أن يطلق عليه أنه شيء يعجزه جل وعلا، ويكرثه ويثقله، ولا يكون قادرا عليه، بل هو سبحانه الموصوف بكمال القدرة، وكمال العلم، وكمال اتصافه بالصفات، وكمال القوة، فلذلك لا شيء يعجزه سبحانه وتعالى.

    "ولا شيء يعجزه" فيها تقرير لتوحيد الربوبية كما ذكرنا آنفا؛ لأن نفي العجز لأجل كمال القدرة، وكمال الغنى, وكمال قوته سبحانه وتعالى، وهذا راجع إلى أفراد توحيد الربوبية.
    وفي الكلام على قوله: "ولا شيء يعجزه" مسائل:
    المسألة الأولى: أن هذا منتزع من قول الله جل وعلا: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا}، فنفى سبحانه أن يكون ثم شيء يعجزه في السماوات وكذلك في الأرض، وعلل ذلك بكونه عليما قديرا، ونفي العجز في الآية جاء معللا بكمال علمه وقدرته؛ وذلك لأن العجز في الجملة إما أن يرجع إلى عدم علم، فلأجل عدم علمه بالأمر عجز عنه، وإما أن يرجع لعدم القدرة، فعلم ولكن لا يقدر على إنفاذ ما علم، أو ما يريد، وإما أن يرجع إليهما معا، وذلك لما قال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ}، علله بقوله: {إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا}.
    ومن المتقرر في علم الأصول في مسالك العلة من أبواب القياس: أن التعليل في القرآن والسنة يستفاد من جهات؛ ومنها مجيء (إن) بعد الخبر، أو بعد الأمر والنهي، وهنا لما أخبر عن نفسه بعدم العجز، وعلل ذلك بكونه سبحانه، ليس بكونه سبحانه عليما قديرا علمنا أن سبب عدم العجز هو كمال علمه سبحانه، وكمال قدرته.
    المسألة الثانية: أن هذه الجملة نأخذ منها قاعدة قعدها أئمة أهل السنة والجماعة، وهي أن النفي إذا كان في الكتاب والسنة فإنه لا يراد به حقيقة النفي، وإنما يراد به كمال ضده يعني أن كل نفْي نُفِي عن الله جل وعلا، أن كل نفي أضيف لله جل وعلا فنُفي عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله في القرآن، أو في السنة فإن المقصود منه إثبات كمال الضد؛ لأن النفي المحض ليس بكمال، فقد ينفى عن الشيء الاتصاف بالصفة؛ لأنه ليس بأهل لها فيقال: فلان ليس بعالم؛ لأنه ليس أهلا لأن يتصف بذلك ويقال: فلان ليس بظالم؛ لأنه ليس بقادر أصلا كما قال الشاعر في وصف قوم يذمهم:
    قبيلـة لا يغـدرون بـذمـةولا يظلمون الناس حبة خردل
    لأنهم لا يستطيعون أصلا أن يظلموا أو أن يعتدوا؛ لعجزهم عن ذلك، لأن العرب كانت تفتخر بأن من لم يظلم يظلم كقول الشاعر وهو زهير (ومن لا يظلم الناس يظلمِ) فتقرر أن النفي المحض ليس بكمال.
    ولذلك نقرر القاعدة: أن النفي في الكتاب والسنة، إنما هو للإثبات كمال الضد، وأخذنا ذلك من قوله جل وعلا في هذه الآية: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} فصار النفي، نفي العجز عنه سبحانه فيه إثبات كمال علمه، وقدرته، وهذا خذه مطردا في مثل قوله جل وعلا: {وَلا يَؤُوُدُهُ حِفْظُهُمَا}، وفي قوله جل وعلا في أول آية الكرسي: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ}؛ لكمال حياته، وكمال قيوميته سبحانه، {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} فيه إثبات كمال قدرته جل وعلا، وكمال قوته، ولقوله: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} لكمال عدله سبحانه، وفي قوله: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}؛ وذلك لكمال اتصافه بصفاته في قوله:{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} لكمال استغنائه سبحانه.
    ففي كل نفي جاء في الكتاب والسنة تأخذ إثبات الصفة التي هي بضد ذلك النفي، ولهذا تثبت بعض الصفات، وتثبت بعض الأسماء عند طائفة من أهل العلم بألفاظ لم ترد صراحة، وأخذوها من النفي الذي جاء في الكتاب والسنة.
    المسألة الثالثة: أن قوله: "ولا شيء يعجزه" كما ذكرت لك من أفراد توحيد الربوبية، والتمثيل عن العام ببعض أفراده في التوحيد صحيح؛ لأن دلالة الخاص على العام مؤكدة واضحة، لا يمكن أن تخرج دلالة الخاص عن الأمر الكلي العام، ولهذا يجيء الإثبات مفصلا كما ذكرنا لأجل أن الإثبات العام لله جل وعلا في جميع الصفات حق، فيثبت في كل موضع بحسبه، فمن مثل في موضع ببعض أفراد الربوبية، فإن تمثيله لذلك حق، وإن لم يمثل بجميع أفراد الربوبية، بخلاف الأسماء والصفات؛ فإن الأسماء والصفات تمثل عليها بأنواعها أهل السنة، إذا ذكروا الأسماء والصفات تمثيلا في هذا المقام فإنهم يذكرون تلك الأسماء والصفات والأفعال التي تدل على أنواع الصفات، فيذكرون مثالا للصفات الذاتية، ومثلا للصفات الاختيارية، ومثالا للصفات الفعلية؛ حتى يكون ذلك عاما لأجل ألا يشترك أهل السنة مع أهل البدع في التعبير.
    فإذا أتى مثلا في إثبات الصفات لا يقولون: إننا نثبت صفات الرب جل وعلا كالحياة والقدرة والعلم، والسمع والبصر، والإرادة والكلام، ويسكتون؛ لأن هذه السبع هي التي أثبتها الكلابية والأشاعرة، وطائفة، ولا يقولون: نثبت الحياة والكلام لله، والسمع والبصر، ويسكتون، ولكن يذكرون هذا وهذا، فإذا ذكروا هذه السبع يقولون أيضا معها: فهو سبحانه سميع بصير، أو موصوف بالسمع والبصر، والقدرة والكلام، والإرادة والحياة، والاستواء والنزول، والرحمة والغضب والرضا، فيجمعون.. والوجه واليدان... إلى آخره.
    فيجمعون في ذكر الصفات ما جرى عليه الاتفاق، وما لم يجر عليه الاتفاق، يعني بينهم وبين أهل البدع تميزا لقول أهل السنة عن غيرهم، وأما في الربوبية لأجل أنه لم يجر فيها الخلاف فإنه يسوغ أن يمثل لها ببعض أفرادها.
    المسألة الرابعة: على قوله: "ولا شيء يعجزه"، أن العجز هنا كما في الآية جاء نفيه متعلقا بالأشياء، ودلالة الآية على النفي أبلغ وأعظم من قول المصنف: "ولا شيء يعجزه"؛ لأنه جاء في الآية زيادة (من) التي تنقل العموم من ظهوره إلى النصية فيه، فقال سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ}، فقوله:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ} لو قال: وما كان الله ليعجزه شيء، لصح النفي، وصار ظاهرا في العموم، وأما لما قال: {مِن شَيْءٍ} جاءت زيادة من هذه لتنقل العموم المستفاد من مجيء النكرة في سياق النفي من ظهوره إلى النصية فيه.
    ومعنى الظهور في العموم أنه قد يتخلف بعض الأفراد على سبيل الندرة، وأما النصية في العموم فإنه لا يتخلف عن العموم شيء، فلما نفى بمجيء النكرة في سياق النفي، وجاء بزيادة (من) التي دلت على انتقال هذه النكرة المنفية من ظهورها في العموم إلى كونها نصا صريحا في العموم.
    إذا تقرر هذا فالمنفي أن يعجزه سبحانه وتعالى هو الأشياء، والأشياء جمع شيء، والشيء الذي جاء في الآية: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ}، وفي قوله هنا: "ولا شيء يعجزه" وكذلك في قوله: "قبل ولا شيء مثله" تعريف شيء عندنا: أنه ما يصح أن يعلم، أو يؤول إلى العلم، سواء كان من الأعيان والذوات، أو كان من الصفات والأحوال، فكلمة شيء في النصوص تفسر عند المحققين من أهل السنة بأنها ما يصح أن يعلم أو يؤول إلى العلم.
    قولنا: يصح أن يعلم مما هو موجود أمامك، أو يؤول إلى العلم لعدم وجوده ذاتا، ولكنه موجود في القدر، كقوله الله جل وعلا: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} فقد كان شيئا، لكن لا يذكره الناس؛ لأنهم لم يروه ولكنه شيء يعلم، وسيؤول إلى العلم يعلم في حق الله جل وعلا، وسيؤول إلى العلم في حق المخلوق، والذكر.
    ولهذا في قوله: "ولا شيء يعجزه"، وقوله:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} راجع هنا إلى ما هو موجود، وإلى ما ليس بموجود من الذوات والصفات والأحوال؛ لأنها جميعا إما أن تكون معلومة، أو تكون آيلة إلى العلم.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,114

    افتراضي رد: الشرح الوافى لقول الطحاوى إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره

    قوله: "ولا شيء مثله" والكلام عليها يكون في مسائل:
    المسألة الأولى: أن قوله: "ولا شيء مثله" مأخوذ من قول الله جل وعلا: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}, ومن قوله جل وعلا: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}،ومن قوله جل وعلا: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}،ومن قوله سبحانه: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وأشباه هذه الأدلة، التي تدل على أن الله سبحانه لا يماثله شيء من مخلوقاته.
    والمسألة الثانية: أن قوله:
    "لا شيء مثله" راجع لنفي المماثلة، وهذا هو الذي جاء في الكتاب والسنة، أن ينفى عن الله جل وعلا أن يماثل أحداً أو شيئاً من خلقه، وكذلك ينفى عن المخلوق أن يكون مماثلاً لله جل وعلا.
    وإذا كان كذلك فالمماثلة أو التمثيل أو المثلية تعرف بأنها المساواة في الكيف والوصف، والمساواة في الكيفية راجعة إلى أن يكون اتصافه بالصفة من جهة الكيفية مماثل لاتصاف المخلوق، كقولهم: يد،يد الله كأيدينا، وسمعه كأسماعنا، وأشباه ذلك. وأما المماثلة في الصفات فهي أن يكون معنى الصفة بكماله التام في الخالق، كما هو في المخلوق.
    إذا تقرر ذلك فإن اعتقاد المماثلة في الكيفية،أو في الصفات على النحو الذي ذكرت، هذا تمثيل يكفر صاحبه، ولهذا كفر أهل السنة النصارى، وكفر أهل السنة المجسمة؛ لأن النصارى شبهوا المخلوق بالخالق، وشبهوا عيسى بالله جل وعلا، والمجسمة شبهوا الله جل وعلا ومثلوه بخلقه.
    المسألة الثالثة:
    الفرق ما بين المماثلة والمثلية وبين التشبيه،
    ولتقرير ذلك تنتبه إلى أن الذي جاء نفيه في الكتاب والسنة إنما هو نفي المماثلة، أما نفي المشابهة؛ مشابهة الله لخلقه فإنها لم تنفى في الكتاب والسنة؛ لأن المشابهة تحتمل أن تكون مشابهة تامة، ويحتمل أن تكون مشابهة ناقصة، فإذا كان المراد المشابهة التامة، فإن هذه المشابهة هي التمثيل، وهي المماثلة، وذلك منفي؛ لقوله تعالى:
    {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.

    فإذن لفظ المشابهة ينقسم إلى موافق للمماثلة الشبيه موافق للمثيل وللمثل، وإلى غير موافق، يعني قد يشرك معنى الشبيه والمثيل، ويكون المعنى واحداً، إذا أريد بالمشابهة المشابهة التامة في الكيفية وفي تمام معنى الصفة في الكيفية،وفي تمام معنى الصفة.
    وأما إذا كان المراد بالمشابهة المشابهة الناقصة، وهي الاشتراك في أصل معنى الاتصاف، فإن هذا ليس هو التمثيل المنفي، فلا ينفى هذا المعنى الثاني، وهو أن يكون ثم مشابهة، بمعنى أن يكون ثم اشتراك في أصل المعنى.
    وإذا كان كذلك، فإن لفظ الشبيه والمثيل بينهما فرق كما قررت لك، ولفظ المشابهة لفظ مجمل، لا ينفى ولا يثبت، وأهل السنة والجماعة إذا قالوا: إن الله جل وعلا لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء يعنون بالمشابهة المماثلة، أما المشابهة التي هي الاشتراك في المعنى، فنعلم قطعاً أن الله جل وعلا لم ينفها؛ لأنه سُبْحَانَهُ سمى نفسه بالملك، وسمى بعض خلقه بالملك،{مٰلِكِ يَومِ الدّينِ} {الْـمَلِكُ الحق}، وسمى بعض خلقه بالملك {وَقَالَ الْـمَلِكُ} وأشباه ذلك من الآيات، وكذلك سمى نفسه بالعزيز، وسمى بعض خلقه بالعزيز، وكذلك جعل نفسه سبحانه سميعاً، وأخبرنا بصفة السمع له والبصر والقوة، والقدرة، والكلام، والاستواء والرحمة، والغضب والرضا وأشباه ذلك، وأثبت هذه الأشياء للمخلوق، للإنسان فيما يناسبه منها.
    فدل على أن الاشتراك في اللفظ، وفي بعض المعنى ليس هو التمثيل الممتنع؛
    لأن كلام الله جل وعلا حق، وبعضه يفسر بعضاً، فنفى المماثلة سبحانه بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} وأثبت اشتراكاً في الصفة، وإذا قلت اشتراكاً، ليس معنى ذلك أنها من الأسماء المشتركة في الصفات، ولكن أثبت اشتراكاً في الوصف، يعني شركة فيه، فإن الإنسان له مُلك، والله جل وعلا له المُلك، والإنسان له سمع، والله جل وعلا له سمع، والإنسان له بصر، والله جل وعلا له بصر، وهذا الإثبات فيه قدر من المشابهة، لكنها مشابهة في أصل المعنى، وليست مشابهة في تمام المعنى، ولا في الكيفية،
    فتحصل من ذلك أن المشابهة ثلاثة أقسام:

    الأول: مشابهة في الكيفية، وهذا ممتنع.
    والثاني: مشابهة في تمام الاتصاف ودلالة الألفاظ على المعنى بكمالها، وهذا ممتنع.
    والثالث: مشابهة في معنى الصفة، في أصل المعنى، وهو مطلق المعنى وهذا ليس بمنفي. ولهذا صار لفظ التمثيل ونفي التمثيل ونفي المثلية صار شرعيا؛ لأنه واضح دلالته غير مجملة وأما لفظ المشابهة فإن دلالته مجملة، فلم يأتِ نفيه.
    ونحن نقول: إن الله جل وعلا لا يماثله شيء، ولا يشابهه شيء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،ونعن ي بقولنا: لا يشابهه شيء، معنى المماثلة في الكيفية، أو المماثلة في تمام الاتصاف بالصفة، وتمام دلالة اللفظ على كمال معناه.
    المسألة الرابعة على قوله: "ولا شيء مثله": أن إثبات الصفات لله جل وعلا
    قاعدته مأخوذة من هذه الجملة (ولا شيء مثله) فإثبات الصفات مأخوذ من قوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} فنفى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وأثبت،
    وعند أهل السنة والجماعة أن النفي يكون مجملا:"لا شيء مثله"، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
    وأن الإثبات يكون مفصلا: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ
    وهذا بخلاف طريقة أهل البدع؛ فإنهم يجعلون الإثبات مجملاً، والنفي مفصلاً، فيقولون في صفة الله جل وعلا: إن الله ليس بجسم، ولا بشبح، ولا بصورة، ولا بذي أعضاء، ولا بذي جوارح، ولا فوق ولا تحت، ولا عن يمين، ولا عن شمال، ولا قدام ولا خلف، وليس بذي دم، ولا هو خارج ولا داخل... إلى آخر تصنيفهم للمنفيات. وإذا أتى الإثبات إنما أثبتوا مجملاً، فصار نفيهم وإثباتهم على خلاف ما دلت عليه الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.
    فطريقة أهل السنة أن النفي يكون مجملاً، وأن الإثبات يكون مفصلاً، على قوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}،والنفي المجمل فيه مدح، والإثبات المفصل فيه مدح، والنفي المجمل والإثبات المفصل من فروع معنى استحقاق الله جل وعلا للحمد، والله سبحانه أثبت أنه محمود، ومسبحٌ في سماواته وفي أرضه جل وعلا كما قال سبحانه: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، وكقوله: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}،وكقوله: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}، {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} ونحو ذلك.
    والجمع بين التسبيح والحمد هو جمع بين النفي والإثبات؛
    لأن التسبيح نفي النقائص عن الله، فجاء مجملاً، والحمد إثبات الكمالات لله جل وعلا فجاء مفصلاً،
    فإثبات الكمالات من فروع حمده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،
    ولهذا صار محموداً جل وعلا على كل أسمائه وصفاته، وعلى جميع ما يستحقه سبحانه،
    وعلى أفعاله جل وعلا،
    وتنزيهه سبحانه بالنفي، يعني بالتسبيح، أن يكون ثم مماثل له سبحانه وتعالى، فمعنى سبحان الله تنزيهاً لله جل وعلا عن أن يماثله شيء، أو عن النقائص جميعاً،
    والحمد إثبات الكمالات بالتفصيل.
    فإذن من نفى مجملاً وأثبت مفصلاً فإنه وافق مقتضى التسبيح والحمد، الذي قامت عليه السماوات والأرض، ومن نفى مفصلاً وأثبت مجملاً فقد نافى طريقة الحمد والتسبيح..... الذي في السماوات، والذي قامت عليه السماوات والأرض، بهذا صارت طريقة الْقُرْآنِ أن يكون النفي مجملاً، والإثبات.. أن يكون النفي مجملاً، والإثبات مفصلاً، وطريقة أهل البدع بعكس ذلك.
    المسألة الخامسة: أن قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}الذي هو دليل "ولا شيء مثله"
    قد اختلف فيه المفسرون في معنى الكاف في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}،والكاف هنا على أي شيء تدل،على أقوال الأول منها أن الكاف هذه بمعنى مثل، فيكون معنى قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ليس مثل مثله شيء، مبالغة في النفي عن وجود مثل المثل، فكيف يوجد المثل فنفيه من باب أولى، ومجيء الكاف بمعنى الاسم هذا موجود في الْقُرْآنِ، وكذلك في لغة العرب، فأما مجيئه في الْقُرْآنِ مجيء الكاف بمعنى الاسم وهي حرف كما في قوله جل وعلا: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} فقوله:{أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} عطف الاسم على الكاف، التي هي في قوله:{كَالْحِجَارَةِ}، {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ}.
    ومعلوم أن الاسم إنما يعطف على الاسم، فقوله:{فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} يعني فهي مثل الحجارة {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} من الحجارة، ومجيئه في اللغة أيضاً ظاهر

    فقوله: (لو كان في قلبى كقدر قلامة) هذا جعل شبه الجملة الجار والمجرور في قلبه مقدم، وجعل الاسم كقدر؛ لكون الكاف بمعنى مثل، يعني لو كان في قلبي مثل قدر قلامة، وهذا التوجيه الأول لطائفة من المفسرين، في أن الكاف هنا بمعنى مثل على ما ذكرنا، وهذا التوجيه لهم وجيه وظاهر في اللغة ومستقيم المعنى أيضاً في الآية.
    الثاني: أن الكاف في قوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }
    هذه صلة، وهي التي تسمى عند النحويين زائدة، وزيادتها ليس زيادة للفظ وإنما هو زيادة لها ليكون المعنى زائداً، فليست زائدة بمعنى أن وجودها وعدم وجودها واحد،حاشا وكلا أن يكون في الْقُرْآنِ شيء من ذلك،وإنما تزاد ليكون مبالغة في الدلالة على المعنى، فقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } تكون الكاف صلة، والزيادة أو مجيء الصلة في مقام تكرار الجملة تأكيداً، كما حرره ابن جني النحوي المعروف في كتابه (الخصائص)، حيث قال: إن الصلة والزيادة تكون في الجمل لتأكيدها، فتكون في مقام تكريرها مرتين أو أكثر. أو كما قال.
    فيكون معنى قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}
    ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، ليس مثله شيء {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} وهذا تفهمه العرب في كلامها، وجاءت الزيادة بالصلة في مواضع كثيرة من الْقُرْآنِ كقول الله جل وعلا: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} فقوله:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} يعني: فبرحمة من الله لنت لهم، فبرحمة من الله لنت لهم، يعني ليس من جهتك، وإنما هو رحمة من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وكقوله جل وعلا: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ} يعني: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم، فبنقضهم ميثاقهم.


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,114

    افتراضي رد: الشرح الوافى لقول الطحاوى إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره

    قال بعدها رحمه اللهُ: "ولا إله غيره". فقوله: "ولا إله غيره"
    هذا منتزع من قول الله جل وعلا: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}، هذه جاءت بها الرسل جميعا؛ جاء بها نوح، وجاء بها هود، وجاء بها صالح، وجاءت بها الأنبياء والرسل جميعا، وهذا في المعنى كقوله جل وعلا:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ* أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ}، وكقوله جل وعلا:{أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، وكقوله جل وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}.

    وفي قوله: "ولا إله غيره" مسائل:
    الأولى: أن هذه الكلمة هي معنى كلمة، أو هي مطابقة لكلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وكلمة التوحيد: لا إله إلا الله معناها لا إله غيره، والإله في كلمة التوحيد، وفي قوله: "لا إله غيره" هذا دخل عليه النفي، فالمنفي جنس الآلهة التي تستحق العبادة، والله جل وعلا ليس داخلا في هذا النفي كما سيأتي بيانه في إعراب كلمة التوحيد.
    وكلمة إلا الله موافقة لغيره؛ لأن الغيرية ربما كانت غيرية في الذوات، كقولك: خرج، أو كقولك: ما دخل رجل غير زيد، فهنا ذات الرجال غير ذات زيد. أو في الصفات كقولهم: جاءكم بوجه غير الذي ذهب به، الوجه من حيث هو واحد، لكن من حيث الصفة اختلف.
    فإذن الغيرية قد ترجع إلى غيرية الذات، وقد ترجع إلى غيرية الصفات، وفي النفي لا إله إلا الله هنا الإله المنفي هو جنس الآلهة التي تستحق العبادة، وإلا الله ليس هذا مخرجا من الآلهة؛ لأنه لم يدخل أصلا فيها حتى يخرج منها؛ لأن النفي راجع إلى الآلهة الباطلة.
    المسألة الثانية: أن قوله: "لا إله غيره" مشتمل على كلمة (إله)، وكلمة الإله هذه اختلف الناس في تفسيرها، فالتفسير الأول لها: أن الإله هو الرب، وهو القادر على الاختراع، أو هو المستغني عما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، وهذا قول أهل الكلام في أن الإله هو الرب، يعني هو الذي يقدر على الخلق والاختراع والإبداع، وهو الذي يستغني عما سواه، وكل شيء يفتقر إليه كما ذكرنا لكم مرارا عبارة صاحب السنوسية وعبارة علماء.. أو عبارة أهل الكلام في ذلك.
    وهذا التفسير لكون الإله هو القادر على الاختراع، وهو الرب لأهل الكلام من أجله صار الافتراق العظيم في فهم معنى كلمة التوحيد، وتوحيد العبادة، وفي فهم الصفات، وفي تحديد أول واجب على العباد.
    والتفسير الثاني: يأتي للجملة هذه... سقط... وأن الإله إله فعال، بمعنى مفعول يعني مألوه، سمي إلها؛ لأنه مألوه, والمألوه مفعول من المصدر، وهو الإله، والإله مصدر أله يأله إلهة، وألوهة، إذا عبد مع الحب والذل والرضا.
    فإذن صارت كلمة الإله هي المعبود والإلهة، والألوهية هي العبودية إذا كانت مع المحبة والرضا، فصار معنى الإله إذن هو الذي يعبد مع المحبة والرضا والذل، وهذا التفسير هو الذي تقتضيه اللغة؛ وذلك لأن كلمة إلى هذه لها اشتقاقها الراجع إلى الفعل، أو الراجع إلى المصدر إلهة، الذي جاء في قراءة ابن عباس في سورة الأعراف: { وَيَذَرَكَ وإلهك}، يعني: ويذرك وعبادتك.
    وأما مجيئها في اللغة فهو كقول الشاعر كما ذكرنا لكم مرارا:
    لله در الغانيـات المـدهسبحن واسترجعن من تأله
    يعني: من عبادتي.
    فالإله هو المعبود، ولا يصح أن يفسر الإله بمعنى الرب مطلقا؛ لأن الخصومة وقعت بين الأنبياء وأقوامهم، بين المرسلين وأقوامهم في العبودية لا في الربوبية، فالمشركون أثبتوا آلهة وعبدوهم كما قال جل وعلا: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا}، وكقوله:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً}، يعني: أجعل المعبودات معبودا واحدا، وهذا يدلك على أن هذا النفي في قوله: "ولا إله غيره" راجع إلى نفي العبادة.
    وهذا القول الثاني هو قول أهل السنة، وقول أهل اللغة، وقول أهل العلم من غير أهل البدع جميعا، وهو المنعقد عليه الإجماع قبل خروج أهل البدع في تفسير معنى الإله، وهذا هو معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، يعني: لا معبود بحق إلا الله جل جلاله.
    المسألة الثالثة: راجعة إلى كلمة التوحيد؛ لا إله إلا الله ما معناها؟ معناها لا معبود حق إلا الله جل وعلا، وكما هو معلوم الخبر في قوله خبر لا النافية للجنس محذوف لا إله، ثم قال: إلا الله وحذف الخبر؛ خبر لا النافية للجنس، شائع كثير في لغة العرب، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر، ولا نوء ولا غول)) الخبر كله محذوف، وخبر لا النافية للجنس يحذف كثيرا، وبشيوع، إذا كان معلوما لدى السامع كما قال ابن مالك في الألفية في البيت المشهور، (شاع في ذا اللباب) يعني: لا النافية للجنس
    وشاع في ذا اللباب إسقاط الخبرإذا المراد مع سقوطـه ظهـر
    فإذا ظهر المراد مع السقوط جاز الإسقاط، وسبب الإسقاط إسقاط كلمة (حق) لا إله حق إلا الله، أن المشركين لم ينازعوا في وجود إله مع الله جل وعلا، وإنما نازعوا في أحقية الله جل وعلا بالعبادة دون غيره، وأن غيره لا يستحق العبادة، فالنزاع لما كان في الثاني دون الأول يعني لما كان في الاستحقاق دون الوجود جاء هذا النفي بحذف الخبر؛ لأن المراد مع سقوطه ظاهر، وهو نفي الأحقية كما قال جل وعلا (اللهم صل على محمد) في لا إله صار الخبر راجعا، أو صار الخبر تقديره حق، نعم كما قال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ وَأَنّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}، وفي الآية الأخرى قال جل وعلا: {ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ وَأَنّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}.
    فلما قال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ وَأَنّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} قرن بين أحقية الله للعبادة وبطلان عبادة ما سواه، دل على أن المراد في كلمة التوحيد: لا إله إلا الله هو نفي استحقاق العبادة لأحد غير الله جل وعلا، فإذن صار تقدير الخبر بكلمة حق صوابا من جهتين:
    الجهة الأولى: أن النزاع بين المشركين وبين الرسل كان في استحقاق العبادة لهذه الآلهة، ولم يكن في وجود الآلهة.
    والثاني: أن الآية، بل الآيات دلت على بطلان عبادة غير الله، وعلى أحقية الله جل وعلا بالعبادة دونما سواه.
    إذا تقرر ذلك فكما ذكرت لك الخبر مقدر بكلمة حق، لا إله حق، ولا نافية للجنس، فنفت جنس استحقاق الآلهة للعبادة، نفت جنس المعبودات الحقة، فلا يوجد على الأرض، ولا في السماء معبود عبده المشركون حق، ولكن المعبود الحق هو الله جل وعلا وحده، وهو الذي عبده أهل التوحيد، وتقدير الخبر بحق كما ذكرنا لك هو المتعين خلافا لما عليه أهل الكلام المذموم؛ حيث قدروا الخبر بموجود، أو في شبه الجملة بقولهم في الوجود: لا إله في الوجود، أو لا إله موجود، وهذا منهم ليس من جهة الغلط النحوي، ولكن من جهة عدم فهمهم لمعنى الإله؛ لأنهم فهموا من معنى الإله الرب، فنفوا وجود رب مع الله جل وعلا، وجعلوا آية الأنبياء دليلا على ذلك، وهي قوله جل وعلا: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} وكقوله في آية الإسراء: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا} ففسروا آية الأنبياء وآية الإسراء بالأرباب الرب، ولكن هي في الآلهة كما هو ظاهر لفظها.
    إذا تقرر ذلك فنقول: إن عبادة غير الله جل وعلا إنما هي بالبغي والظلم والعدوان والتعدي لا بالأحقية.
    المسألة الرابعة: في إعراب كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، إن: لا نافية للجنس، وإله هو اسمها مبني على الفتح، ولا النافية للجنس مع اسمها في محل رفع مبتدأ، وحق هو الخبر، وحق المحذوف هو خبر، والعامل فيه هو الابتداء، أو العامل فيه لا النافية للجنس على الاختلاف بين النحويين في العمل. وإلا الله، إلا استثناء، إلا أداة استثناء، والله مرفوع وهو بدل من الخبر لا من المبتدأ؛ لأنه لم يدخل في الآلهة حتى يخرج منها؛ لأن المنفي هي الآلهة الباطلة، فلا يدخل فيها كما يقوله من لم يفهم حتى يكون بدلا من اسم لا النافية للجنس، بل هو بدل من الخبر، وكون الخبر مرفوعا، والاسم هذا مرفوعا يبين ذلك؛ لأن التابع مع المتبوع في الإعراب والنفي والإثبات واحد، وهنا تنتبه إلى أن الخبر لما قدر بحق صار المثبت هو استحقاق الله جل وعلا للعبادة.
    ومعلوم أن الإثبات بعد النفي أعظم دلالة في الإثبات من إثبات مجرد بلا نفي، ولهذا صار قوله:لا إله إلا الله، وقول: لا إله غير الله هذا أبلغ في الإثبات من قول: الله إله واحد؛ لأن هذا قد ينفي التقسيم، ولكن لا ينفي استحقاق غيره للعبادة، ولهذا صار قوله جل وعلا: {لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}، وقول القائل: لا إله إلا الله، بل قوله تعالى: {إِنّهُمْ كَانُوَاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إلَـَهَ إِلاّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } جمعت بين النفي والإثبات، وهذا يسمى الحصر والقصر، ففي الآية حصر وقصر.
    وبعض أهل العلم يعبر عنها بالاستثناء المكرر وهذا ليس بجيد بل الصواب فيها أن يقال: هذا حصر وقصر، فجاءت لا نافية وجاءت إلا مثبتة؛ ليكون ثم حصر وقصر في استحقاق العبادة في الله جل وعلا، حصر وقصر لاستحقاق العبادة في الله جل وعلا دون غيره، وهذا عند علماء المعاني في البلاغة يفيد الحصر والقصر والتخصيص، يعني أنه فيه لا في غيره، وهذا أعظم دلالة فيما اشتمل عليه النفي والإثبات ومعنى كلمة التوحيد وتفصيل الكلام عليها ترجعون إليه في موضعه من كلام أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى.
    المسألة الأخيرة: على قوله: "ولا إله غيره"، أن هذه الكلمة فيها إثبات توحيد العبادة لله جل وعلا كما ذكرنا، وتوحيد العبادة لله جل وعلا لا يستقيم إلا بشيئين كما ذكرنا؛ بنفي وبإثبات، فالنفي وحده لا يكون به المرء موحدا، والإثبات وحده لا يكون به المرء موحدا حتى يجمع ما بين النفي والإثبات، نفي استحقاق العبادة لأحد من هذه الآلهة الباطلة، وإثبات استحقاق العبادة الحقة لله جل وعلا وحده دونما سواه.
    وهذا هو معنى الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، فلا يستقيم توحيد أحد حتى يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله، ومن كان إيمانه بالله صحيحا كان كفره بالطاغوت صحيحا؛ إذ ثَم ملازمة ما بين هذا وهذا، وإثبات توحيد الإلهية على هذا المعنى بين النفي والإثبات يتضمن إثبات توحيد الربوبية؛ لأن كل موحد لله في الإلهية موحد لله جل وعلا في الربوبية، وكذلك مستلزم لإثبات صفات الكمال لله جل وعلا؛ لأنه لا يعبد إلا من كان متصفا بصفات الكمال.
    هذا خلاصة ما يشتمل عليه قوله: "ولا إله غيره" في هذا القدر كفاية.
    شرح الطحاوية للشيخ صالح ال الشيخ

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •