من حكم الفرس
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: من حكم الفرس

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    21,441

    افتراضي من حكم الفرس

    من حكم الفرس (1)


    خالد سعد النجار


    {بسم الله الرحمن الرحيم }

    روى الدينوري في المجالسة وجواهر العلم، عن ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ قَالَ:
    قَالَ بَعْضُ حُكَمَاءِ الْفُرْسِ:
    (لِلْعَادَةِ سُلْطَانٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ)، (وَمَا اسْتُنْبِطَ الصَّوَابُ بِمِثْلِ الْمُشَاوَرَةِ)
    ، (وَلا حُصِّنَتِ النِّعَمُ بِمِثْلِ الْمُوَاسَاةِ)، (وَلا اكْتُسِبَتِ الْبَغْضَاءُ بِمِثْلِ الْكِبْرِ(


    (لِلْعَادَةِ سُلْطَانٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ)
    ** على العموم لا يستطيع التفلت من سلطان العادة إلا من أخذ الله بيده. ألا ترى إلى موسى عليه السلام كيف خاف من عصاه لما رآها في صورة الحية، لولا تثبيت الله تعالى له. وهل كان خوفه ذاك إلا من نتائج حكم العادة؟
    ** وبقدر ما تقوى الإرادة، يضعف سلطان العادة، حيث يتم هجر كثير من العادات السيئة.
    ** قال تعالى: { {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} ) [آل عمران:139]، قال أهل العلم: ليس ذلك من خلال الأمنيات، والرغبات، وإنما من خلال السنن التغيرية، التي شرعها الله وأرادها، وفطر الناس عليها، وزودهم بآلياتها، بكل ما تقتضيه من الإعداد الروحي والمادي، ليكون الإنسان هو وسيلة التغيير وهدفه، في آنٍ واحد.
    ** تأمل نجاح تجربة تحريم الخمر عهد الصحابة مع تدرجها لوأد سلطان العادة مع ما امتزج بها من رسوخ الإيمان وفقه الانقياد، وبالمقارنة فشل نفس التجربة وأمثالها من تعاطي التدخين في أزمنتنا المعاصرة مع تعدد فتاوى التحريم وإجماع أهل الطب وإلزام الشركات بتصوير كوارثه الصحية على كل علبه سجائر ولا يفوتنا العبارة الشهيرة «التدخين ضار جدا بالصحة».
    ** يقول الشيخ سلمان العودة:
    إن الشجاعة معنى كبير, وسر خطير, وقد أصبحنا نعشقها ونفرح بمن يتحلى بها, إنها هي من أسباب كون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستطيعون تحطيم سلطان العادة, وطاغوت العرف, ويَتَحَدَون أقوامهم وأممهم، ويصبرون ويصابرون على رغم من قلة الناصر والمعين, وكثرة المعاند والمخالف, وعلى رغم التلبيس والتدليس.
    فما الذي جعل رجلاً نبيا كموسى عليه السلام يقف أمام طاغية متألهٍ متجبر كفرعون! ويقول له: { {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً} } [الإسراء:102].
    ما هو الذي جعل رجلاً نبياً مختاراً -كإبراهيم عليه الصلاة والسلام- يحطم الأصنام وهو يعد فتىً في مقتبل العمر! ثم يقول لقومه وعلى رأسهم النمرود الطاغية الأكبر: { {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} } [الأنبياء:67].
    ما الذي جعل رجلاً -كمحمد صلى الله عليه وسلم- يجمع قومه، وفيهم أبو لهب وأبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف والملأ من المستكبرين، ثم يقف بين أيديهم منذراً محذراً (إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).
    ثم ما الذي جعل المجددين يستطيعون أن يصبروا على عملهم، ويجاهدوا ويعلنوها صريحة قوية مدوية؟! لماذا وقف عمر بن عبد العزيز وتحدى كل الأمور المعتادة في بني أمية، الذين كان واحداً منهم وينتسب إليهم, وكانوا يخشون أن يغير ملكهم, أو عادتهم وميراثهم, فيقف عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- نصيراً للحق مدافعاً عنه, قائماً على الظلم, محارباً له, راداً للحقوق إلى أهلها, لا يأمر بخير إلا فعله, وكاد الأمر أن يتم؛ لولا السم.
    ما الذي جعل رجلاً -كالإمام أحمد بن حنبل- يقف فيقارع الظالمين في مسألة خلق القرآن! ويصبر على عقيدته التي ورثها عن الأنبياء والمرسلين, ويصابر عليها, ويرضى بالسجن والجلد، والتعذيب والمطاردة والتضييق والحرمان من التدريس، من التعليم، من المحاضرات، من الإفتاء ومن غير ذلك, حتى أذن الله تعالى له بالفرج وكتب له الذكر الحسن، حتى أنه -رحمه الله- كان يستاء من ذلك ويكره الشهرة أشد الكراهية.
    ما الذي جعل رجلا -كالإمام ابن حزم- يقف ويتحدى من حوله, ويصبر ويصابر! فإذا قيل له: يا رجل تَحَفَّظ ولا تتعجل! أنشأ يقول:
    قالوا: تحفظ فإن الناس قد كثرت أقوالهم وأقاويل الورى محن
    فقلت: هل عيبهم لي غير أني لا أدين بالدجل
    إذ في دجلهم فتنوا وإنني مولع بالحق لست إلى سواه أنحو ولا في نصره أهن
    دعهم يعضوا على صم الحصى كمداً من مات من غيظه منهم له كفن
    ما الذي جعل رجلاً -كالإمام ابن تيمية رحمه الله- يصبر ويجهر بكلمة الحق، ويتحمل الأذى في سبيلها! فيسجن لمرات ويؤذى بل ويضرب أحياناً في الشارع، وهو إلى ذلك كله مجاهر معلن لا ينثني للرياح أبداً.
    ما الذي جعل رجلاً -كالإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب- يقوم في بيئة قد انتشر فيها الشرك بألوانه, والبدع والخرافات, والكهنة, والسحرة وغير ذلك, وألوان المخالفات! فيقوم جاهراً بكلمة الحق، مجاهراً صابراً في ذات الله عز وجل، حتى نصره الله تعالى، وأصبح ما جاء به الإمام محمد بن عبد الوهاب من الحق هو الظاهر، كما قال الله عز وجل: { {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} } [الصف:14].
    ما الذي جعل رجلاً -كالإمام الشوكاني- ينتصر للحق ويناضل في سبيله, ويلقى ما يلقى فيموت هو, ويبقى ذكره في الآخرين!
    وهكذا .. إن الشجاعة قوة في القلب, تجعل صاحبها لا يستوحش من الطريق, ولا ينفر من الوحدة, ولا يتخلى عن الحق مهما كلفته التضحيات, ولا ينافق ولا يجامل أو يحابي أو يداهن في دين الله عز وجل, إنه لا مكان في التاريخ للجبناء والمرتزقة والمطبلين أبداً, فإن الناس يركلونهم ويركضونهم، ويبقى الحق هو الذي تعشقه النفوس، وتتطلع إليه القلوب, وقد قال الله عز وجل { {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} } [الصافات:171-173].

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    21,441

    افتراضي رد: من حكم الفرس

    من حكم الفرس (2)


    خالد سعد النجار

    {بسم الله الرحمن الرحيم }
    روى الدينوري في المجالسة وجواهر العلم، عن ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ قَالَ:

    قَالَ بَعْضُ حُكَمَاءِ الْفُرْسِ:
    (لِلْعَادَةِ سُلْطَانٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ)، (وَمَا اسْتُنْبِطَ الصَّوَابُ بِمِثْلِ الْمُشَاوَرَةِ)
    ، (وَلا حُصِّنَتِ النِّعَمُ بِمِثْلِ الْمُوَاسَاةِ)، (وَلا اكْتُسِبَتِ الْبَغْضَاءُ بِمِثْلِ الْكِبْرِ(



    (وَمَا اسْتُنْبِطَ الصَّوَابُ بِمِثْلِ الْمُشَاوَرَةِ)
    ** قال الله تعالى: { {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} } [آل عمران:159]
    واختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه مع كونه كامل الرأي، تام التدبير، على ثلاثة أقوال:
    1/ أحدها: ليستن به من بعده، وهذا قول الحسن، وسفيان بن عيينة.
    2/ الثاني: لتطيب قلوبهم، وهو قول قتادة، والربيع، وابن إسحاق. ومقاتل ... قال الشافعي -رضي الله عنه-: نظير هذا قوله -صلى الله عليه وسلم- (البكر تُستأمر في نفسها) إنما أراد استطابة نفسها، فإنها لو كرهت، كان للأب أن يزوجها، وكذلك مشاورة إبراهيم عليه السلام لابنه حين أُمر بذبحه.
    3/ الثالث: للإعلام ببركة المشاورة، وهو قول الضحاك.
    ** ومن فوائد المشاورة أن المشاور إذا لم ينجح أمره. علم أن امتناع النجاح محض قدر، فلم يلم نفسه، ومنها أنه قد يعزم على أمر، فيبين له الصواب في قول غيره، فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح .. قال علي -رضي الله عنه-: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم.
    ** قال الطرطوشي في كتابه «سراج الملوك» في المشاورة والنصيحة:
    اعلموا أن المستشير وإن كان أفضل رأياً من المشير فإنه يزداد برأيه رأياً، كما تزداد النار بالسليط ضوءاً، فلا تقذفن في روعك أنك إذا استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فيمنعك ذلك عن المشاورة، فإنك لا تريد الرأي للفخر به ولكن للانتفاع به، وإن أردت الذكر كان أفخر لذكرك وأحسن عند ذوي الألباب لسياستك أن يقولوا: "لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوته".
    ولا يمنعك عزمك على إنفاذ رأيك وظهور صوابه لك عن الاستشارة، ألا ترى أن إبراهيم الخليل -عليه السلام- أُمر بذبح ابنه عزمة لا مشورة فيها، فحمله حسن الأدب وعلمه بموقعه في النفوس على الاستشارة فيه، فقال لابنه: { {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى} } [الصافات102]. وهذا من أحسن ما يرسم في هذا الباب.
    وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: الرأي الفرد كالخيط السحيل [الغَزْل الذي لم يُبْرَم]، والرأيان كالخيطين، والثلاثة الآراء كالثلاثة لا تكاد تنقطع.
    وروي أن رومياً وفارسياً تفاخرا. فقال الفارسي: نحن لا نملك علينا من يشاور. وقال الرومي: ونحن لا نملك علينا من لا يشاور.
    وقال بزرجمهر: إذا أشكل الرأي على الحازم كان بمنزلة من أضل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها فالتمسها فوجدها، كذلك الحازم بجمع وجوه الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضها ببعض حتى يخلص له الصواب.
    وكان يقال: من كثرت استشارته حمدت إمارته.
    وفي حكم الهند قال بعض الملوك: إن الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزامة، وكما يزداد البحر بمواده من الأنهار، وينال بالحزم والرأي ما لا يناله بالقوة والجند، ولم تزل حزمة الرجال يستحلون مرائر قول النصحاء، كما يستحلي الجاهل المساعدة على الهوى.
    قال المأمون لطاهر بن الحسين:
    صف لي أخلاق المخلوع، يعني أخاه الأمين. فقال: كان واسع الصدر ضيق الأدب، يبيح من نفسه ما تأباه همم الأحرار، ولا يصغي إلى نصيحة، ولا يقبل مشورة، يستبد برأيه فيرى سوء عاقبته ولا يردعه ذلك عما يهم به.
    قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: يجمع الكتائب بالتبذير ويفرقها بسوء التدبير.
    فقال المأمون: لذلك ما حل محله. أما والله لو ذاق لذاذة النصائح، واختار مشورات الرجال وملك نفسه عند شهوتها ما ظُفر به.
    وقال بعضهم: إنفاذ الملك الأمور بغير روية كالعبادة بغير نية، ولم تزل العقلاء على اختلاف آرائهم يشهدون العيوب، ويستشيرون صواب الرأي من كل أحد حتى الأمة الوكعاء.[ حمقاء]
    هذا وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: "رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي".
    وكان يقال: من أعطي أربعاً لم يمنع أربعاً: من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب.
    وقال بعضهم: خمير الرأي خير من فطيره، وتقديمه خير من تأخيره.
    وقال صاحب كتاب التاج: إن بعض ملوك العجم استشار وزراءه، فقال بعضهم: لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحداً إلا خالياً، فإنه أموت للسر وأحزم للرأي وأجدر للسلامة، وأعفى لبعضنا من غائلة بعض.
    وكان بعض ملوك العجم إذا شاور مرازبته فقصروا في الرأي، دعا الموكلين بأرزاقهم فعاقبهم فيقولون: تخطئ مرازبتك وتعاقبنا؟ فيقول: نعم لم يخطئوا إلا لتعلق قلوبهم بأرزاقهم وإذا اهتموا أخطئوا.
    وكانوا إذا اهتموا بمشاورة رجل بعثوا إليه بقوته وقوت عياله لسنة ليتفرغ لبه.
    وكان يقال: النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت، وإذا شاورت فاصدق الخبر تصدقك المشورة، ولا تكتم المستشار فتؤتى من قبل نفسك.
    وقال بعض ملوك العجم: لا يمنعك شدة بأسك في باطنك، ولا علو مكانك في نفسك من أن تجمع إلى رأيك رأي غيرك، فإن أصبت حمدت وإن أخطأت عذرت، فإن في ذلك خصالاً منها إن وافق رأيك رأي غيرك ازداد رأيك شدة عندك، وإن خالفه عرضته على نظرك، فإن رأيته معتلياً لما رأيته قبلته، وإن رأيته متضعاً استغنيت عنه. وذلك أنه يجدد لك النصيحة ممن شاورته وإن أخطأ، وتمحض لك مودته وإن قصر، ولو لم يكن من فضيلة المشورة إلا أنك إن أصبت مستبداً سلبت فائدة الإصابة بألسنة الحسدة.
    وقال قائل: هذا اتفاق ولو فعل كذا لكان أحسن، وإذا شاورت فأصبت حمد الجماعة رأيك لأنهم لنفوسهم يحمدون، وإن أخطأت حمل الجماعة خطأك لأنهم عن أنفسهم يكافحون.
    واعلم أن القول الغليظ يستمع لفضل عاقبته كما يتكاره شرب الدواء المر لفضل مغبته.
    وقال أعرابي: ما عثرت قط حتى عثر قومي. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لا أفعل شيئاً حتى أشاورهم.
    وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم يا بني عبس! فقال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد، ونحن نطيعه فكأنا ألف حازم.
    وكان ابن أبي هبيرة أمير البصرة يقول: اللهم إني أعوذ بك من صحبة من غايته خاصة نفسه، والانحطاط في هوى مستشيره.
    وفي حكم الهند: من التمس من الإخوان الرخصة عند المشورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة، أخطأ الرأي وازداد مرضاً وحمل الوزر.
    وقالت الحكماء: لا تشاور معلماً، ولا راعي غنم، ولا كثير القعود مع النساء، ولا صاحب حاجة يريد قضاءها، ولا خائفاً، ولا من يرهقه أحد السبيلين.
    وقالوا: لا رأي لحاقب ولا لحازق ولا لحاقن، ولا تشاور من لا توفيق عنده... الحازق: هو الذي ضغطه الخف الضيق، والحاقب: هو الذي يجد في بطنه درأ.
    وقالوا: من شكا إلى عاجز أعاره عجزه وأمده من جزعه.
    ومن لطيف ما جرى في الاستشارة أن زياداً بن عبيد الله الحارثي استشاره عبد الله بن عمر في أخيه أبي بكر أن يوليه القضاء، فأشار به فبعث إلى أبي بكر فامتنع عليه، فبعث زياد إلى عبيد الله يستعين به على أبي بكر، فقال أبو بكر لعبيد الله: أنشدك الله أترى لي القضاء؟ قال: اللهم لا. قال زياد: سبحان الله استشرتك فأشرت علي به ثم أسمعك تنهاه. فقال: أيها الأمير استشرتني فاجتهدت لك الرأي ونصحتك ونصحت للمسلمين، واستشارني فاجتهدت له رأيي ونصحته.
    وروي أن الحجاج بعث إلى المهلب يستعجله في حرب الأزارقة، فكتب له المهلب: إن من البلاء أن يكون الراعي لمن يملكه دون من يبصره. أهـ
    والمشورة هي في مواضع الفكر والاجتهاد وليس فيما أثبتته نصوص الشريعة والأحكام. فهذه محلها الانقياد لها والقول (سمعنا وأطعنا)







    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    21,441

    افتراضي رد: من حكم الفرس

    من حكم الفرس (3)


    خالد سعد النجار

    {بسم الله الرحمن الرحيم }
    روى الدينوري في المجالسة وجواهر العلم، عن ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ قَالَ:
    قَالَ بَعْضُ حُكَمَاءِ الْفُرْسِ:
    (لِلْعَادَةِ سُلْطَانٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ)، (وَمَا اسْتُنْبِطَ الصَّوَابُ بِمِثْلِ الْمُشَاوَرَةِ)
    ، (وَلا حُصِّنَتِ النِّعَمُ بِمِثْلِ الْمُوَاسَاةِ)، (وَلا اكْتُسِبَتِ الْبَغْضَاءُ بِمِثْلِ الْكِبْرِ)


    (وَلا حُصِّنَتِ النِّعَمُ بِمِثْلِ الْمُوَاسَاةِ)
    ** المواساة من «الأسوة»، أصلها الهمزة، فقلبت واوا تخفيفًا. وهي المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق.
    ** جعلت الشريعة من الانتزاع انتزاعا مندوبا إليه غير واجب، وذلك أنواع المواساة بالصدقات والعطايا والهدايا والوصايا وإسلاف المعسر بدون مرابات، وليس في الشريعة انتزاع أعيان المملوكات من الأصول، فالانتزاع لا يعدو انتزاع الفوائد بالعدالة والمساواة.
    ** قال تعالى: { {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} } [الروم:38]
    فجماع حق هؤلاء الثلاثة المواساة بالمال، فدل على أن ذلك واجب لهم. وكان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بفرض الزكاة، ثم إن لكل صنف من هؤلاء الثلاثة حقا؛ فحق ذي القربى يختلف بحسب حاجته؛ فللغني حقه في الإهداء توددا، وللمحتاج حق أقوى.
    والظاهر أن المراد ذو القرابة الضعيف المال الذي لم يبلغ به ضعفه مبلغ المسكنة بقرينة التعبير عنه بالحق، وبقرينة مقابلته بقوله: { {لِترْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} } [الروم: 39] على أحد الاحتمالات في تفسيره.
    وأما إعطاء القريب الغني فلعله غير مراد هنا وليس مما يشمله لفظ { {حَقَّهُ} } وإنما يدخل في حسن المعاملة المرغب فيها.
    وحق المسكين: سد خلته.
    وحق ابن السبيل: الضيافة كما في الحديث (جائزته يوم وليلة) والمقصود إبطال عادة أهل الجاهلية إذ كانوا يؤثرون البعيد على القريب في الإهداء والإيصاء حبا للمدحة، ويؤثرون بعطاياهم السادة وأهل السمعة تقربا إليهم، فأمر المسلمون أن يتجنبوا ذلك.
    ** قال صلى الله عليه وسلم: ( «إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وَوَاسَانِى بنفسه وماله فهل أنتم تَاركو لي صاحبي» ) [البخاري عن أبى الدَّرْدَاءِ]
    ** خرَّج مسلمٌ وأبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ، مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ جَاءَ رَجُلٌ على راحِلَةٍ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشَمَالاً، فَقَالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «من كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ زَادَ لَهُ» ، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ؛ حتى رُئِينَا أنَّهُ لاَ حَقَّ لأَحَدَ مِنَّا فِي فَضْلٍ.
    ** عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم» ) [النسائي]
    ** عن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( «طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلاَثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ» ) [البخاري]
    ** قال تعالى: { {وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} }, الآية: [28].
    وهو تأديب عجيب، وقول لطيف بديع، فإنه تعالى قال: { {وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا} }: أي لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر الغنى والقدرة فتحرمهم, وإنما يجوز له أن يعرض عنهم عند عجز يعرض, وعند عائق يعرض, وأنت عند ذلك ترجو من الله فتح باب الخير لتتوصل به إلى مواساة السائل, فإن قعد بك الحال عن المواساة { {فَقُل لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} }، يعمل في مسرة نفسه عمل المواساة فتقول: الله يرزق، والله يفتح بالخير.
    قال الحسن: حقه المواساةُ في اليُسْر، وقولٌ مَيْسُورٌ في العُسْرِ.
    ** قال تعالى: { {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} } [الكهف:77] أبوا أن يضيفوهما وذلك لؤم، لأن الضيافة كانت شائعة في الأمم من عهد إبراهيم عليه السلام، وهي من المواساة المتبعة عند الناس، ويقوم بها من ينتدب إليها ممن يمر عليهم عابر السبيل ويسألهم الضيافة، أو من أعد نفسه لذلك من كرام القبيلة، فإباية أهل قرية كلهم من الإضافة لؤم لتلك القرية.
    وفي الآية مشروعية ضيافة عابر السبيل إذا نزل بأحد من الحي أو القرية.
    فعن أبي شريح الكعبي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة [أي منيحته وعطيته وإتحافه بأفضل ما يقدر عليه يوم وليلة] والضيافة ثلاثة أيام [يعني من غير تكلف كالتكلف الذي في اليوم الأول] فما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له [أي الضيف] أن يثوي عنده حتى يحرجه [أي يقيم عند من أضافه حتى يحرجه أي يوقعه في الحرج والضيق].
    واختلف الفقهاء في وجوبها فقال الجمهور: الضيافة من مكارم الأخلاق وهي مستحبة وليست واجبة. وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وحمد بن عبد الحكم من المالكية: الضيافة حق على أهل الحضر والبوادي.
    لأن الضيافة من مكارم الأخلاق لا واجبة لقوله (جائزته) والجائزة تفضل وإحسان
    وقال الليث وأحمد: الضيافة فرض يوما وليلة عملا بالحديث.
    وأجاب الجمهور عن هذا وما أشبهه أن هذا كان في صدر الإسلام حين كانت المواساة واجبة، وبأنه محمول على ضيافة المضطرين
    ** أخي الكريم: من طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق من أهل المواساة، والبر، والصدق، وكرم العشيرة، والصبر، والوفاء، والأمانة، والحلم، وصفاء الضمائر، وصحة المودة.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •