موقعة ملاذكرت وآثارها في التاريخ الإسلامي




تعد موقعة ملاذكرت[1] من المواقع الفاصلة في التاريخ الإسلامي بأسره؛ فقد كانت ذات أهمية كبيرة، ونقطة تحول هامة في التاريخ الإسلامي بصفة عامة، وتاريخ السلاجقة بصفة خاصة، وفي تاريخ المشرق ومنطقة غرب آسيا أيضاً؛ إذ إنها فتحت الطريق أمام السلاجقة لفتح آسيا الصغرى، وكانت فاتحة للصراع بين المشرق والمغرب في شكل حروب منظمة باسم الحروب الصليبية على المشرق الإسلامي منذ عام 492هـ/ 1099م[2].

أهمية موقعة ملاذكرت:
فقد مهدت ملاذكرت الطريق للقضاء على النفوذ الروماني في أكثر أجزاء آسيا الصغرى، وبقية الأجزاء الشرقية من بيزنطة التي لم تعد تستطيع الصمود في وجه التوسع السلجوقي في آسيا الصغرى، وهو ما أتاح تكوين دولة سلجوقية فيما بعد، عرفت باسم سلاجقة الروم (470 - 696هـ/ 1077 - 1296م)، والتي أسسها خلفاء قتلمش بن سلجوق[3].
نشوب الحرب بين القوتين:
لقد كان الإمبراطور البيزنطي أرمانوس ديوجنس الرابع (460 - 463هـ/ 1068 - 1071م) على وعي تام بقوة السلطان السلجوقي ألب أرسلان التي أخذت تتزايد بالعديد من الفتوحات وبالأخص في المناطق الواقعة بين بحيرتي وان وأورميا، وإخضاع بعض القلاع وضم كثير من بلاد الأرمن والكرج، ومنازلة الروم البيزنطيين[4]، كل هذا وضع الإمبراطور البيزنطي تحت ضغط، ومن ثَمَّ قاد حملة بنفسه لوقف تقدم وفتوحات ألب أرسلان؛ وذلك بالهجـوم على بلاد الشام عن طريق حلب، ولكنه فشل فكان خيار المواجهة هو الحل الأخير حيث جمع جيشاً كثيفاً متعدد الأجناس من الروم واليونان والروس والبلغار... وغيرهم، بلغ قوامه مائتي ألف، واتخذ في حربه بآسيا الصغرى شعاراً معنوياً ألهب به حماس هؤلاء المرتزقة وهي الحروب الصليبية، ولا بد لها من القضاء على السلاجقة والعالم الإسلامي[5]، ولم يكن السلطان ألب أرسلان أقل منه غيرة على دينه؛ فقد استطاع بجيشة المدرب المكون من خمسة عشر ألف مقاتل أن يكسر مقدمة الجيش البيزنطي، وطلب الصلح مع الإمبراطور البيزنطي، ولكن رفض الأخير اعتقاداً منه بضعف موقف ألب أرسلان، وأخذت المعركة اتجاهاً آخر من جهة السلطان السلجوقي حيث ألهب حماسة جنوده بالدفاع عن الإسلام والجهاد في سبيل الله، والاستماتة في القتال[6]؛ وتفسير ذلك أن السلاجقة في تلك الفترة لم يعرفوا الحياة المترفة، بل عانوا قسوة الحياة بمعنى الكلمة؛ فكانوا يعيشون في الخيام، وعانوا من الجو القاسي الحار الخانق صيفاً، وشديد البرودة شتاء مع سقوط الثلوج، وتميزوا بكثرة خيولهم، واتصفوا نتيجة ذلك بالشجاعة والجرأة والفروسية، وكانوا ضخام الأجسام، مفتولي العضلات، طوال القامة، وهو أمر شائع بينهم[7].
وبالتقاء الجيشين في معركة ملاذكرت الفاصلة، هُزم الجيش البيزنطي وأُسر الإمبراطور وفقد أفضل جنوده وأُسِر العديد منهم، وفي لمحة إنسانية من ألب أرسلان عامل أسيره الإمبراطور بمبادئ الإسلام، وأجبر الأخير على صلح مخزٍ حيث فدى نفسه بمليون ونصف دينار، وأن يطلق كل أسير عنده وأن تكون عساكر الروم مدداً للسلطان متى طلبها «وتم الصلح على ذلك لمدة خمسين سنة»[8]. وبانتصار السلطان السلجوقي في تلك الموقعة أرسل الخليفة العباسي القائم بأمر الله إليه يهنئه بالفتح وخلع عليه الألقاب بقوله «الولد السيد الأجل، المؤيد المنصور المظفر السلطان المعظم... غياث المسلمين ظهير الإمام كهف الأنام... برهان أمير المؤمنين، حرس الله تمهيده، وجعل من الخيرات مزيده»[9].
آثار موقعة ملاذكرت:
لقد غيرت هذه الموقعة الخريطة السياسية لآسيا الصغرى، وحولتها إلى الحضارة الإسلامية الخالصة، وأخذ سكانها يدخلون في الإسلام، يتعلمون مبادئه، ويلزمونه بأحكامه في سلوكهم ومظاهر حياتهم، وتحولت لغتهم إلى اللغة الفارسية لغة الجنود الفاتحين، واللغة التركية لغة السلاطين الحاكمين، واللغة العربية لغة الإسلام دين رب العالمين، واضطر الفاطميون إلى مهادنة السلاجقة[10]. ومن الآثار أيضاً انهيار سمعة الدولة البيزنطية في مجمل أنحاء أوروبا لأنها كانت المرة الأولى التي يسقط فيها الإمبراطور البيزنطي أسيراً في يد أشد أعداء الروم؛ أي المسلمين، ومن ثَمَّ تقلص نفوذ ممتلكات الإمبراطورية البيزنطية في جنوب إيطاليا على يد النورمان، وبعدها نشبت حرب أهلية في القسطنطينية بين مناصري الإمبـراطور المهزوم الذي خُلِع من منصبه بعد هزيمته وبين أنصار القائم على العرش ميخائيل السابع فوقاس (464 - 471هـ/ 1071 - 1078م). واستمرت عشر سنوات حتى تولى الإمبراطور الكسيوس كومنين (1081 - 1118م) عرش الإمبراطورية. فقد كانت ملاذكرت بداية قوة هؤلاء السلاطين وهذا ما شعر به العالم في ذاك الوقت[11].

خلاصة القول: لقد غيرت موقعة ملاذكرت سير التاريخ السلجوقي؛ فقد استطاعوا التوغل والانصهار في العنصر العربي وقلب الخلافة العباسية نفسها، وتقلدوا أعلى المناصب بالدولة العباسة بعد الخليفة نفسه، بل أصبحوا عون الإسلام بالضرب على أيدي العابثين بمقدساته والمعتدين على أراضيه، واستطاعوا بفضل قوتهم وإسلامهم أن يسيطروا على العديد من بقاع العالم، وفرضوا احترامهم على جميع الدول المعاصرة، ورعباً للدول المعادية، واستمرت قوتهم حتى نهاية الدولة العثمانية.



[1] ملاذكرت هي بلدة صغيرة في أرمينية، وتعد ثغراً مقابل الروم، وأهله مقاتلون. انظر: مؤلف مجهول، حدود العالم من المشرق إلى المغرب، (تحقيق يوسف الهواري، ط الأولى، الدار الثقافية، القاهرة، 1999م)، ص121، محمد بن علي البروسوي الشهير بابن سباهي زاده ، أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك، (تحقيق المهدي عيد الرواضية، ط الأولى، دار الغرب الإسلامي، 2006م)، ص600 - 601.
[2] سعيد عبد الفتاح عاشور، الحركة الصليبية، (القاهرة، 1963م)، 1/82 - 88. أحمد عبد الحميد الشامي، العلاقات بين الشرق والغرب، (ط1، النهضة المصرية، القاهرة، 1993م)، ص34 - 35. حسن أحمد محمود، أحمد إبراهيم الشريف، العالم الإسلامي في العصر العباسي، (دار الفكر العربي، القاهرة، ب.ت)، ص289.
[3] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، (ط، بولاق، القاهرة، 1274هـ)، 10/ 48. ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، (ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)، قدمها عبادة كحيلة، الذخائر، هيئة قصور الثقافة، القاهرة، 2007م)، 5/ 2 - 3. يلمازاوزتوتا، تاريخ الدولة العثمانية، (ترجمة عدنان سليمان، إسطنبول، 1988م)، 1/ 67. عباس إقبال، تاريخ إيران بعد الإسلام، (ترجمة محمد علاء الدين، القاهرة، 1990م)، ص348.
[4] أحمد حلمي، السلاجقة في التاريخ والحضارة، (الكويت، 1985م)، ص33 .
[5] ابن الأثير، المصدر السابق، 10/20 - 21، الحسيني، كتاب أخبار الدول السلجوقية، (اعتنى بتصحيحه محمد إقبال، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1984م)، ص41 - 42. ابن خلدون، المصدر السابق، 3/471، 5/3 - 4. ابن القسلاني، ذيل تاريخ دمشق، (حققة سهيل ذكار، دار حسان، دمشق - سوريا، 1983م)، ص 98. عاشور، المرجع السابق، ص82 - 88. أحمد عبد الكريم سليمان، المسلمون والبيزنطيون، (القاهرة، 1982م)، 1/325. ستيفن ونسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، (ترجمة السيد الباز العريني، بيروت، 1981م)، 1/107 - 109.
[6] ابن الأثير، المصدر السابق، 10/22، 23. الحسيني، المصدر السابق، ص50. ابن خلدون، المصدر السابق،3/471، 5/3 - 4.
[7] المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة، (ط3، دار الكتب، القاهرة، 2009م)، 1/30 - 31. العماد الأصفهاني، تاريخ آل سلجوق، (ط3، الآفاق الجديدة، بيروت،1980م)، ص7. محمد السيد غلاب، تطور الجنس البشري، (ط5، الأنجلو المصرية، القاهرة،1974م)، ص250 - 251. يسري الجوهري، الإنسان وسلالاته، (ط6، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1977م)، ص334.
[8] ابن الأثير، المصدر السابق، 10/ 23. ابن خلدون، المصدر السابق،3/471. ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، (ط5، دار الكتب، القاهرة، 2005م)، 5/86 - 87. فايز نجيب إسكندر، البيزنطيون والأتراك السلاجقة في موقعة ملاذكرت، (الإسكندرية، 1983م)، ص13 وما بعدها. ستيفن ونسيمان، المرجع السابق، 1/ 109-120. أحمد الشامي، المرجع السابق، ص34 - 35.
[9] الحسيني، زبدة التواريخ، (أخبار الأمراء والملوك السلجوقية)، (تحقيق محمد نور الدين، الكويت، 1985م)، ص53.
[10] ابن تغري بردي، المصدر السابق، 5/115 - 190. حسين أمين، تاريخ العراق في العصر السلجوقي، (ط المكتبة الأهلية، بغداد،1965م)، ص74.
[11] عاشور، المرجع السابق، ص82 - 88. حسنين محمد ربيع، دراسات في تاريخ الدولة البيزنطية، (القاهرة، 1983م)، ص190 وما بعدها. السيد الباز العريني، الشرق الأوسط والحروب الصليبية، (القاهرة، 1963م)، ص7 - 10. عبد الحكيم العفيفي، موسوعة 1000 حدث إسلامي، (ط1، دار أوراق شرقية، بيروت، 1996م)، ص182.

___________________________

د. أحمد عبدالرازق عبدالعزيز