(المنهج العام للإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير وأصناف من نصَّ على كفرهم)
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: (المنهج العام للإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير وأصناف من نصَّ على كفرهم)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,106

    افتراضي (المنهج العام للإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير وأصناف من نصَّ على كفرهم)

    أشهر فرية ألصقت بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-ورُميت بها: تكفير المسلمين،
    وقد تولى الإمام -رحمه الله- بنفسه الردّ على هذه الفرية
    وإبطالها في كثير من رسائله إلى العلماء والوجهاء والعامة،
    وبيّن براءته منها،
    وأنه لم يخرج في هذا الباب ولا في غيره عمّا كان عليه أهل السنّة والجماعة،
    وأوضح أنَّ التكفير حقٌّ لله، وأنّ الكافر هو من حَكَمت النصوص الشرعية بكفره. وهذه المسألة بالخصوص قد جرى البحث فيها كثيراً
    ، وانبرى للردّ عليها وبيان زيفها كثير من العلماء في وقت الإمام وبعد وقته إلى يومنا هذا،
    وقد تنوعت الكتب والرسائل والأبحاث بخصوصها.

    وليس المراد في هذه الحلقة من هذه السلسلة بيان منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في التكفير على سبيل التفصيل،
    بذكر أصوله وقواعده وضوابطه وسماته في التكفير، والردّ على ما اتُّهمت به دعوته من الغلو في التكفير،
    وإنما المقصودُ بيانُ منهجه العام،
    وذكرُ أصناف من حَكَم عليهم الإمام محمد بن عبد الوهاب بالكفر بأنواعهم.


    إن منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- العام في باب التكفير يتمثّل في الأصول التالية:

    الأصل الأول: التكفير بما أجمع المسلمون على التكفير به دون ما اختلفوا فيه

    من فقه الإمام -رحمه الله- أنه في باب التكفير بالخصوص لم يشتغل إلا بما جاء مُصرّحاً به في النصوص وأجمع عليه العلماء، ولم يلتفت في دعوته إلى ما اختلف فيه العلماء من مسائل التكفير والحكم بالردّة، حتى لو كان يرجّح في نفسه القول بالتكفير بها، وهو بهذا الفعل يحصر مواضع النزاع ومسائل الخلاف بينه وبين خصومه ومخالفيه فيما لا يُمكنهم دفعه إلا استكباراً أو جحوداً وإنكاراً.
    والإمام –رحمه الله- لمّا رأى كثيراً من الناس قد ضلّوا في أصل الدين، وهو توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، كثّف وركّز جهوده في بيان هذا الأصل المتفق عليه بين الشرائع والملل، وهو الأصل الذي خُلقت الخليقة لأجله، ومردّ الشرائع والأحكام كلها إليه، وهو بهذا الفعل يحصر الصراع بينه وبين مخالفيه في أصل الأصول، من غير أن يشتت جهوده ودعوته فيما هو دون التوحيد في المنزلة والمكانة.
    ولذلك لما سُئل -رحمه الله- عمّا يُقاتِل عليه؟ وعمّا يُكفِّر الرجلَ به؟
    أجاب بقوله: (أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعة: إذا أقرّ بها، وتَرَكَها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نُكفِّره بتركها؛ والعلماء: اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود؛ ولا نُكفِّر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان) ا.هـ.. الدرر السنية (1/102) ا.هـ.
    وكان -رحمه الله- إذا ذَكَرَ بعض المكفِّرات التي انتشرت في وقته؛ كالذبح للموتى، والنذر لهم، ودعائهم، ونحو ذلك، يؤكد قوله بالدلائل من الكتاب والسنّة، وينقل مذاهب العلماء محتجاً بإجماعهم واتفاقهم.
    فمن ذلك قوله بعد إشارته إلى بعض المُكفِّرات المنتشرة في وقته: (وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم من جميع الطوائف، فرحم الله من تدبّرها بعين البصيرة، ثم نَصَر الله ورسوله وكتابه ودينه، ولم تأخذه في ذلك لومة لائم.) ا.هـ [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب» 6/177]

    وقال في موضع آخر في الكلام حول الخصومة في بعض المُكفِّرات:
    (وهذه المسألة لا خلاف فيها بين أهل العلم مِن كلّ المذاهب، فإذا أردت مصداق هذا فتأمل باب حكم المرتد في كل كتاب، وفي كل مذهب، وتأمل ما ذكروه في الأمور التي تجعل المسلم مرتداً يَحلُّ دمه وماله، منها: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم كيف حكى الإجماع في «الإقناع» على رِدّته، ثم تأمّل ما ذكروه في سائر الكتب، فإن عرفت أنّ في المسألة خلافاً ولو في بعض المذاهب فنبِّهني، وإن صحّ عندك الإجماع على تكفير مَن فَعَلَ هذا أو رضيه أو جادل فيه فهذه خطوط المويس وابن اسماعيل وأحمد بن يحيى عندنا في إنكار هذا الدين والبراءة منه، وهم الآن مجتهدون في صدّ الناس عنه) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب» 6/167]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,106

    افتراضي رد: (المنهج العام للإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير وأصناف من نصَّ على كفرهم)

    الأصل الثاني: التفريق في باب التكفير بين مسائل الدين الظاهرة والخفية

    من أصول الإمام -رحمه الله- في باب التكفير:
    تفريقه بين مسائل الدين، من جهة الظهور والخفاء،
    وأنها ليست على حدّ سواء،
    فإنكار ما كان ظاهراً معلوماً من دين الإسلام لظهور أدلته الشرعية، مع ما في بعضه من الدلالة الفطرية والعقلية، مما لا يُتصوّر خفاؤه على المسلمين، وهو ما يُعبّر عنه بالمعلوم من الدين بالضرورة، ليس كإنكار ما يُتصوّر خفاؤه على بعض الناس، لغلبة الجهل، أو لخفاء الأدلة.

    وقد نصّ العلماء على أن مسائل الدين ليست على حدٍّ سواء،
    فمنها ما هو ظاهرٌ معلومٌ من الدين بالضرورة،
    لا تُقبل دعوى الجهل بها مطلقاً إلا في نطاق ضيق،
    حتى إنّ العلماء إذا أرادوا التمثيل بمن يُتصوّر منه الجهل بهذه المسائل
    مَثَّلوا بمن نشأ ببادية بعيدة، أو كان حديثَ عهد بإسلام،
    ومنها مسائل خفية قد تخفى نصوصها، أو دلالتها على بعض المسلمين، كمسائل الصفات ونحوها، وهذا النوع من المسائل لا يُستبعد وقوع الجهل بها لتوقف العلم بها على الدليل المعيّن الذي يُتصور جهل المكلف به، أو الجهل بوجه الدلالة منه
    ، أو لكثرة وقوع التلبيس فيها مع عدم كفاية الفِطَر والعقول في الدلالة عليها.

    ولا ريب أن أعظم مسائل الدين وأظهرها:
    مسألة توحيد العبادة، التي اجتمعت الدلائل على إثباتها:
    الفطرية و العقلية والحسية فضلاً عن الدلائل الشرعية.

    قال الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- بعد نقله بعض نصوص ابن تيمية -رحمه الله- في التفريق بين المقالات الظاهرة والخفية:
    (فانظر كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية وبين ما نحن فيه في كفر المُعيّن، وتأمل تكفيره رؤوسهم، فلاناً وفلاناً بأعيانهم، ورِدّتهم ردة صريحة، وتأمل تصريحه بحكاية الإجماع على ردّة الفخر الرازي عن الإسلام، مع كونه عند علمائكم من الأئمة الأربعة؛ هل يناسب هذا لما فهمت من كلامه أن المُعيّن لا يَكفُر ولو دعا عبد القادر في الرخاء والشدة، ولو أحبّ عبد الله بن عون وزعم أن دينه حسن مع عبادته أبي حديد) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب» 6/222]

    وقال في موضع آخر:
    (وإنكم شاكُّون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجّة، فهذا من العجب! كيف تشكُّون في هذا وقد أوضحته لكم مراراً، فإن الذي لم تَقُم عليه الحجّة هو الذي حديثُ عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية؛ مثل الصرف والعطف، فلا يُكفَّر حتى يُعرَّف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجّة الله هو القرآن، فمن بَلَغَه القرآن فقد بلغته الحجة) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب» 6/244]

    الأصل الثالث: عدم تكفير من تحقّق وقوع الكفر منه إلا بعد بلوغ الحجة

    من منهج الإمام -رحمه الله- في باب التكفير تفريقه بين الكفر والكافر، وأنّ وقوع الشخص المعيّن في الكفر، قولاً كان أو عملاً، لا يستلزم أن يكون كافراً حقيقةً، إذ تكفير الشخص المعيّن موقوف على بلوغ الحجّة الشرعية، وهي نصوص الكتاب والسنّة، وهو بهذا جارٍ على ما عليه العلماء من التفريق بين التكفير بالنوع والتكفير بالعين، فيوصف الفعل أو القول بكونه كفراً متى ما دلّت النصوص على ذلك، لكن لا يستلزم هذا الوصف الحُكمَ على الفاعل أو القائل بالكفر حتى يُتحقق منه ثبوت الشروط كالعلم وقصد الفعل، وانتفاء الموانع كالجهل والإكراه وعدم القصد.
    ودلائل هذا الأصل كثيرة في النصوص، وفي كلام العلماء، لكن حسبنا أن نذكر نصوص الإمام -رحمه الله- في التأكيد على اعتبار هذا الأصل.
    فقد سُئل الإمام -رحمه الله- عما يُقاتِل عليه؟ وعمّا يُكفِّر الرجلَ به؟
    فأجاب: (… وأيضاً: نُكفِّره بعد التعريف إذا عَرَفَ وأنكر… وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نُكفِّر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نُكفِّر من لم يُكفِّر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه؛ فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدّون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا كنا لا نُكفِّر من عَبَدَ الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم وعَدمِ من يُنبّههم، فكيف نُكفِّر من لم يُشرك بالله؟! إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يُكفِّر ويقاتل {سبحانك هذا بهتان عظيم}) ا.هـ. [«الدرر السنية» 1/104]]
    وقال في رسالته للسويدي: (فأنا أُكفِّر من عَرَفَ دين الرسول e، ثم بعدما عرفه سبّه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا الذي أُكفّره) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب» 6/38]
    وقال: (ولكن نُكفِّر من أقرَّ بدين الله ورسوله ثمّ عاداه وصدّ الناس عنه) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب» 6/58]
    وقال: (إنما نُكفِّر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نُبيّن له الحجة على بطلان الشرك) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب» 6/60]
    قال في رسالته إلى عبد الله بن سحيم مبيّناً بعض جهالاته: (فلم يُفرّق بين الشرك المخرج عن الملة من غيره، ولم يُفرّق بين الجاهل والمعاند) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب» 6/136]
    وقال: (وكذلك –أي: نكفّر- من عَبَدَ الأوثان بعدما عَرَفَ أنها دينٌ للمشركين) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب» 6/58]
    وقال: (وأما ما ذَكَرَ الأعداء عني أني أُكفِّرُ بالظنّ وبالموالاة، أو أُكفِّر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن الله ورسوله) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب» 6/25]

    قال: (أني عُرِفت بأربع مسائل… الثالثة: تكفيرُ من بان له أنَّ التوحيد هو دين الله ورسوله ثم أبغضه ونَفَّرَ الناس عنه) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب» 6/25]
    تنبيه: عدم تكفير المعيّن إذا وقع في الشرك قبل قيام الحجة لا يستلزم الحكم له بالإسلام

    من المهم التنبيه على أن عدم حكم الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- بالكفر على المتلبسين بالشرك خصوصاً إلا بعد بلوغ العلم وقيام الحجة لا يستلزم الحكم لهم بالإسلام، بل حُكمُهم عنده حكمُ أهل الفترة، يُعاملون معاملة الكفار في أحكام الدنيا كالدعاء له والميراث والدفن والموالاة والنكاح ونحو ذلك، وفي الآخرة أمرهم إلى الله، والأصحّ أنهم يُختبرون.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,106

    افتراضي رد: (المنهج العام للإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير وأصناف من نصَّ على كفرهم)

    يُبيّن هذا أنّ الشرك مناقضٌ للتوحيد، لا يجامعه،
    فمتى ما وقع الشرك الأكبر انتفى التوحيد ولا بد، لا فرق في ذلك بين من بَلَغَه العلم وقامت عليه الحجّة وبين الجاهل،
    فإنّ التوحيد هو إفراد الله بالعبادة والبراءة من الشرك، ومعلوم أن من فَعَل الشرك لم يكن متبرئاً منه،
    إذ البراءة من الشرك: اعتقاد بطلانه، واجتنابه، وفاعلُ الشرك، جاهلاً كان أو عالماً، لم يعتقد بطلانه فضلاً عن اجتنابه، فكيف يكون مسلماً مع كونه لم يأت بركن التوحيد؟!
    ولا يُستثنى من ذلك إلا المُكره حيث لا يُنسب له فعلٌ واختيار،
    لقوله تعالى:
    {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
    فإنّ قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ}: يعمُّ من فَعل الشرك اختياراً، جاهلاً كان أو عالماً،
    فإن هذا لا يُحكم له بإسلام، إذ الإسلام والشرك ضدان لا يجتمعان، متى ما ثبت أحدهما انتفى الآخر.

    والمسلم هو الموحّد، فمن كان مشركاً بعبادة غير الله لم يكن موحّداً،
    ومن لم يكن موحداً فليس بمسلم،
    ومن هذا يتبين خطأ بعض من يُسمّي المشرك الجاهل مسلماً بمجرد الشهادتين،
    ويمتنع من تسميته موحداً، وما الإسلام والتوحيد إلا شيءٌ واحدٌ.

    قال ابن القيم -رحمه الله-:
    (فالمُعرض عن التوحيد مشركٌ، شاء أم أبى). [«إغاثة اللهفان» 1/214]

    وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله- في حقّ من وقعوا في الشرك قبل قيام الحجة وبلوغ العلم:
    (وأما الشرك فهو يَصدُق عليهم، واسمه يتناولهم، وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله وقاعدته الكبرى: شهادة أن لا إله إلا الله، وبقاء الاسم ومسمّاه مع بعض ما ذكر الفقهاء في باب حكم المرتد أظهر من بقائه مع عبادة الصالحين ودعائهم) ا.هـ. [«منهاج التأسيس» ص99]

    ومنزلة التوحيد في الدين ليست كمنزلة غيره من المسائل،
    فإن دلائل التوحيد فطرية عقلية قبل أن تكون شرعية،
    إلا أن الله برحمته لم يعلّق العذاب والعقوبة إلاباجتماع الحجتين: الفطرية و الشرعية،
    كما في قوله {وما كنا معذّبين حتى نبعث رسولا
    وفي قوله: {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}.

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تُنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء». متفق عليه
    وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا فيما يحكيه عن ربه عز وجل:
    «وإنى خلقت عبادى حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحللت لهم، وأَمَرَتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا». رواه مسلم

    قال ابن القيم -رحمه الله-:
    (نفسُ العقل الذي به يعرفون التوحيد حجّة في بطلان الشرك لا يُحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جَعَلَ ما تقدّم حجّة عليهم بدون هذا. وهذا لا يناقض قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}، فإنّ الرسول يدعو إلى التوحيد، ولكنّ الفطرة دليلٌ عقليٌّ يُعلم به إثبات الصانع، لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم، فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمن إقرارهم بأن الله ربهم، ومعرفتهم بذلك أمرٌ لازم لكل بني آدم، به تقوم حجة الله تعالى في تصديق رسله، فلا يمكن أحداً أن يقول يوم القيامة إني كنت عن هذا غافلاً، ولا أنَّ الذنب كان لأبي المشرك دوني لأنه عارف بأنّ الله ربه لا شريك له، فلم يكن معذوراً في التعطيل والإشراك، بل قام به ما يستحق به العذاب.

    ثم إن الله سبحانه – لكمال رحمته وإحسانه – لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال الرسول إليه، وإن كان فاعلاً لما يستحق به الذم والعقاب: فلله على عبده حجتان قد أعدهما عليه لا يعذبه إلا بعد قيامهما:

    إحداهما: ما فطره عليه، وخلقه عليه من الإقرار بأنه ربه ومليكه وفاطره، وحقه عليه لازم.

    والثانية: إرسال رسله إليه بتفصيل ذلك، وتقريره وتكميله، فيقوم عليه شاهد الفطرة، والشرعة، ويُقرّ على نفسه بأنه كان كافراً، قال تعالى: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}، فلم ينفذ عليهم الحكم إلا بعد إقرار وشاهدين، وهذا غاية العدل) ا.ه. [«أحكام أهل الذمة» 2/1013]
    ولتقرير هذه المسألة موضع آخر.

    وعلى هذا، فتوقُّف الإمام محمد بن عبد الوهاب عن تكفير المتلبسين بالشرك الأكبر حتى تبلغهم الحجة لا يعني الحكم لهم بالإسلام، بل عنده أّنَّهم من أهل الفترة،[ كفارٌ فى احكام الدنيا يُختبرون في الآخرة ]، ولذلك جاءت الآثار بأنهم يُختبرون في الآخرة ليتحقق منهم الإيمان أو الكفر حقيقة لا حكماً،
    لأنّ العذاب متوقفٌ على حقيقة الكفر لا على الحكم به ظاهراً،
    كما أنّ الثواب متوقفٌ على حقيقة الإيمان لا على الحكم به ظاهراً،
    فإن الرجل قد يُحكم له بالإٍسلام والإيمان بحسب الظاهر، مع كفره في الباطن،
    كما أنه قد يُحكم له بالكفر ظاهراً مع عدم كفره باطناً،
    وهذا أصلٌ عند أهل السنّة والجماعة
    وهو أنّ الأحكام في الدنيا إنما هي على الظواهر لا البواطن،
    وأما في الآخرة فإنها على الحقائق لا مجرد الظواهر.

    قال عمر رضي الله عنه:
    (إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّ الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظَهَر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أَمِنّاه وقرَّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمَنْه ولم نُصدّقه وإن قال إن سريرته حسنة) رواه البخاري.

    وأدلة هذا الأصل كثيرة، ليس هذا موضع ذكرها.
    وعلى هذا فمراد الإمام محمد بن عبد الوهاب بالكفر الذي يَمتنعُ الحكمُ به على من تلبّس بالشرك إذا كان جاهلاً،
    إنما هو الكفر الحقيقي المستوجب للخلود في النار، وهو الكفر في القرآن، وأما الكفر .. المحكوم به في الدنيا والذي تترتب عليه الأحكام الدنيوية فإنه محكومٌ به على كل من وقع في الشرك.



    وقد نبّه أئمة الدعوة على هذه المسألة، وبينوا أنّ التوقف في تكفير المتلبس بالشرك قبل قيام الحجة لا يعني الحكم له بالإسلام، بل هو معدود في أهل الفترة.

    قال أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحمد بن ناصر بن معمر -رحمهم الله- عمّن مات قبل بلوغ الحجة: (إذا كان يعمل بالكفر والشرك وعدم من يُنبّهه، لا نَحكمُ بكفره حتى تقام عليه الحجة، ولكن لا نَحكُم بأنه مسلم، بل نقول عمله كفرٌ يبيح المال والدم، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص لعدم قيام الحجة عليه، لا يُقال إن لم يكن كافراً فهو مسلم، بل نقول: عمله عمل الكفار، وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية، وقد ذكر أهل العلم أن أصحاب الفترات يمتحنون يوم القيامة في العرصات، ولم يجعلوا حكمه حكم الكفار، ولا حكم الأبرار) ا.هـ. [«الدرر السنية» 10/136]

    وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله-:
    (إن ابن القيم – رحمه الله – جزم بكفر المقلدين لشيوخهم في المسائل المُكفِّرة إذا تمكنوا من طلب الحق ومعرفته، وتأهلوا لذلك، فأعرضوا ولم يلتفتوا، ومن لم يتمكن ولم يتأهّل لمعرفة ما جاءت به الرسل فهو عنده من جنس أهل الفترة ممن لم تبلغه دعوة رسول من الرسل، وكلا النوعين لا يُحكم بإسلامهم ولا يدخلون في مسمى المسلمين، حتى عند من لم يُكفِّر بعضهم وسيأتيك كلامه، وأما الشرك فهو يصدق عليهم، واسمه يتناولهم، وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله وقاعدته الكبرى: شهادة أن لا إله إلا الله، وبقاء الاسم ومسماه مع بعض ما ذكر الفقهاء في باب حكم المرتد أظهر من بقائه مع عبادة الصالحين ودعائهم) ا.هـ. [«منهاج التأسيس» ص99]

    وقال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-:
    (كل من كان بين المسلمين أو بلغه القرآن أو السنَّة فقد قامت عليه الحجة، فالواجب عليه التفقه والسؤال والتعلم حتى تبرأ ذمته، وحتى يكون على بصيرة، أما من كان في بلاد بعيدة لم يبلغه القرآن ولا السنَّة، فهذا يقال له: من أهل الفترة، حكمه حكم أهل الفترة، ليس بمسلم ولا كافر، بل هو من أهل الفترة، موقوف أمره إلى يوم القيامة، يُمتحن يوم القيامة فإن أجاب دخل الجنة، وإن عصى دخل النار، لأنه لم تبلغه الدعوة، وأما من كان بين المسلمين، قد سمع القرآن وسمع السنَّة وعنده العلماء ثم يُعرض ولا يتبصر فهذا غير معذور) ا.هـ. ا. هـ [فتاوى نور على الدرب 1/259]

    وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-:
    (كل من آمن برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر ما جاء به في الشريعة إذا سجد بعد ذلك لغير الله من ولي وصاحب قبر أو شيخ طريق يعتبر كافرا مرتدا عن الإسلام مشركا مع الله غيره في العبادة، ولو نطق بالشهادتين وقت سجوده؛ لإتيانه بما ينقض قوله من سجوده لغير الله. لكنه قد يعذر لجهله فلا تنزل به العقوبة حتى يعلم وتقام عليه الحجة ويمهل ثلاثة أيام؛ إعذارا إليه ليراجع نفسه، عسى أن يتوب، فإن أصر على سجوده لغير الله بعد البيان قتل لردته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، فالبيان وإقامة الحجة للإعذار إليه قبل إنزال العقوبة به، لا ليُسمَّى كافراً بعد البيان، فإنه يُسمّى كافراً بما حدث منه من سجوده لغير الله، أو نذره قربة، أو ذبحه شاة مثلاً لغير الله) ا.هـ. [فتاوى اللجنة الدائمة، فتوى رقم (4400)]

    وقال الشيخ صالح آل الشيخ -وفقه الله-:
    (من قام به الشرك فهو مشرك الشرك الأكبر، من قام به فهو مشرك، وإنما إقامة الحجة شرط في وجوب العداء، كما أن اليهود والنصارى نسميهم كفاراً، هم كفار ولو لم يسمعوا بالنبي أصلاً، كذلك أهل الأوثان والقبور ونحو ذلك من قام به الشرك فهو مشرك، وترتَّب عليه أحكام المشركين في الدنيا، أما إذا كان لم تقم عليه الحجة فهو ليس مقطوعا له بالنار إذا مات، وإنما موقوف أمره حتى تقام عليه الحجة بين يدي الله – جل وعلا -.

    فإذن فرقٌ بين شرطنا لإقامة الحجة، وبين الامتناع من الحكم بالشرك، من قام به الشرك الأكبر فهو مشرك ترتب عليه آثار ذلك الدنيوية، أنه لا يستغفر له، ولا تُؤكل ذبيحته، ولا يُضحّى له، ونحو ذلك من الأحكام، وأما الحكم عليه بالكفر الظاهر والباطن فهذا موقوف حتى تقام عليه الحجة، فإن لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله – جل وعلا -.
    هذا تحقيق كلام أهل العلم في هذه المسألة وهي مسألة مشهورة دقيقة موسومة بمسألة العذر بالجهل) ا.هـ.. [«شرح مسائل الجاهلية»، الشريط الرابع]
    وقال في موضع آخر:
    (فإن المتلبس بالشرك يُقال له مشرك سواءً أكان عالماً أم كان جاهلاً، والحُكم عليه بالكفر يتنوع:

    فإن أُقيمت عليه الحجة؛ الحجة الرسالية من خبير بها ليزيل عنه الشبهة، وليُفهمه بحدود ما أنزل الله على رسوله: التوحيد وبيان الشرك، فتَرَكَ ذلك مع إقامة الحجة عليه، فإنه يُعدُّ كافراً ظاهراً وباطناً.
    وأما المُعرض، فهنا يُعامل في الظاهر معاملة الكافر، وأما باطنه فإنه لا نحكم عليه بالكفر الباطن إلا بعد قيام الحجة عليه؛ لأنه من المتقرر عند العلماء أن من تلبس بالزنا فهو زان، وقد يؤاخذ وقد لا يؤاخذ، إذا كان عالماً بحرمة الزنا فزنى فهو مؤاخذ، وإذا كان أسلم للتو وزنى غير عالم أنه محرَّم فالاسم باق عليه؛ لكن -يعني اسم الزنا باق أنه زانٍ واسم الزنا عليه باق- لكن لا يُؤاخذ بذلك لعدم علمه.

    وهذا هو الجمع بين ما ورد في هذا الباب من أقوال مختلفة.
    فإذن يُفرّق في هذا الباب بين الكفر الظاهر والباطن، والأصل أنه لا يُكَفَّر أحد إلا بعد قيام الحجة عليه لقول الله –جل وعلا– {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}، والعذاب هنا إنما يكون بعد إقامة الحجة على العبد في الدنيا أو في الآخرة، قد يُعامل معاملة الكافر استبراء للدين وحفظاً له، من جهة الاستغفار له، ومن جهة عدم التضحية له، وألاّ يزوج وأشباه ذلك من الأحكام) ا.هـ. [«شرح كشف الشبهات»]

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,106

    افتراضي رد: (المنهج العام للإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير وأصناف من نصَّ على كفرهم)

    الأصناف التي نصّ الإمام محمد بن عبد الوهاب على كفرها

    قد نصّ الإمام محمد بن عبد الوهاب في رسائله على بعض المُكفِّرات التي كثر وقوعها في عهده وقبل عهده، ووقع فيها بعض خصومه، وذَكَر أخرى في بعض رسائله ليؤكد موافقته للعلماء في هذا الباب دفعاً لما افتراه عليه خصومه واتّهموه به من الغلو في التكفير والخروج عن أقوال العلماء.

    وليس من مقصودنا استيعاب المكفّرات عند الإمام محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله- وذِكر جميع ما يراه مخرجاً من الإسلام، وإنما المقصود التنبيه على ما نصَّ عليه من المكفِّرات في رسائله الموجهة للأعيان والبلدان، وما أنزله منها على بعض خصومه ومعارضيه.
    الصنف الأول: من وقع في الشرك بعبادة غير الله من الأموات والغائبين
    قال الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في رسالته إلى حمد التويجري: (وإنما نُكفِّر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نُبيّنُ له الحجّة على بطلان الشرك) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/60]
    وقال في موضع آخر: (وكذلك –أي: نُكفّر- من عَبَدَ الأوثان بعدما عَرَفَ أنها دينٌ للمشركين) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/58]
    الصنف الثاني: من عَرَفَ التوحيد ثم سبّه وعاداه وعادى أهله وصدّ الناس عنه أو أبغضه أو أبغض أهله لأجله أو كفّرهم لأجله أو أنكره أو كره شيوع دعوة التوحيد وانتشارها
    قال -رحمه الله-: (وأما التكفير فأنا أكفِّرُ من عَرَفَ دين الرسول، ثم بعدما عَرَفَه سبّه ونهى الناس عنه، وعادى من فعله، فهذا هو الذي أُكفِّره) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/38]
    وقال أيضًا: (ولكن نُكفِّر من أقرَّ بدين الله ورسوله ثم عاداه وصدَّ الناس عنه) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/58]
    وقال أيضًا: (الذي نُكفِّر: الذي يشهد أنّ التوحيد دين الله ودين رسوله، وأنّ دعوة غير الله باطلة، ثم بعد هذا يُكفِّرُ أهلَ التوحيد، ويُسمِّيهم الخوارج) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/48]
    وقال أيضًا: (إلا ما سمعناه من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم أنّ هذا هو الشرك، ولكنْ من فعله، أو حَسَّنه، أو كان مع أهله، أو ذمّ التوحيد، أو حارب أهله لأجله، أو أبغضهم لأجله، أنه لا يَكفُر، لأنه يقول لا إله إلا الله، أو لأنه يؤدي أركان الإسلام الخمسة، ويستدلون بأن النبي e سماها الإسلام، هذا لم يُسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين الظالمين) ا.هـ. [«مفيد المستفيد»، ضمن «مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 1/309]
    قال أيضًا: (إني عُرِفتُ بأربع مسائل: … الثالثة: تكفيرُ من بان له أنّ التوحيد هو دين الله ورسوله ثم أبغضه ونَفَّر الناس عنه) ا.هـ.. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/25]
    وقال في ذكر نواقض الإسلام: (الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول e ولو عَمِلَ به كَفَرَ) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/213]
    وقال أيضًا: (النفاق الاعتقادي ستة أنواع، صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار… الرابع: بغضُ بعض ما جاء به الرسول e. الخامس: المسرَّة بانخفاض دين الرسول e. السادس: الكراهية بانتصار دين الرسول e) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/
    وقال أيضًا: (كيف لا يَكْفُر من أنكره –أي: التوحيد- وقَتَلَ من أَمَرَ به وحبسهم؟) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/272
    وقال أيضًا: (فإنْ كان حقُّ التوحيد الإقرارَ به والإعراضَ عن أحكامه فضلاً عن بغضه ومعاداته، فهذا والله عين الكفر وصريحه) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/183
    وقال بعدما نقل مواضع من كلام صاحب «الإقناع» في باب الردة: (الثاني: أنه ذَكَرَ في أوله أن المبغض لما جاء به الرسول كافرٌ بالإجماع، ولو عَمِلَ به، وأنت مُقرٌّ أنّ هذا الذي أقول في التوحيد أَمرُ الله ورسوله، والنساء والرجال يشهدون عليكم أنكم مبغضون لهذا الدين، مجتهدون في تنفير الناس عنه، والكذب والبهتان على أهله، فهذا كتابكم كَفَّرَكم) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/230
    وقال في رسالته إلى أحمد بن إبراهيم: (ولكن الكلام الأول أبلغ من هذا كله وهو شهادة البدو والحضر والنساء والرجال أن هؤلاء الذين يقولون التوحيد دين الله ورسوله، ويبغضونه أكثر من بغض اليهود والنصارى، ويسبونه، ويصدّون الناس عنه، ويجاهدون في زواله) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/206
    الصنف الثالث: من زيّن الشرك وحسّنه للناس وأقام الشّبه على إباحته
    قال -رحمه الله-: (وكذلك من عَبَدَ الأوثان بعد ما عَرَفَ أنها دين للمشركين وزيّنه للناس؛ فهذا الذي أُكفِّره) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/58
    وقال أيضًا: (إلا ما سمعناه من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم أن هذا هو الشرك، ولكن من فعله، أو حسّنه، أو كان مع أهله، أو ذمّ التوحيد، أو حارب أهله لأجله، أو أبغضهم لأجله، أنه لا يكفر، لأنه يقول لا إله إلا الله) ا.هـ. [«مفيد المستفيد»، ضمن «مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 1/309]
    وقال أيضًا: (أني عُرفِتُ بأربع مسائل: … الثالثة: تكفير من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله ثم أبغضه ونَفَّر الناس عنه، وجاهد من صَدَّق الرسول فيه، ومن عَرَف الشرك وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بإنكاره وأقر بذلك ليلاً ونهاراً ثم مَدَحه وحسَّنه للناس) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/25
    وقال أيضًا: (وكذلك نُكفِّر من حَسَّنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته) ا.هـ.. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/60]
    وقال أيضًا: (كيف لا يَكفُر من جاء إلى أهل الشرك يحثُّهم على لزوم دينهم وتزيينه لهم، ويحثُّهم على قتل الموحدين وأخذ مالهم؟) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/272]
    الصنف الرابع: من ظاهر المشركين على المسلمين ونصرهم على أهل التوحيد، وسعى في قتل أهل التوحيد وطمس دعوتهم بسيفه وسنانه، وأعان المشركين على شركهم وسعى في تثبيته
    قال -رحمه الله-: (إلا ما سمعناه من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم أن هذا هو الشرك، ولكن من فعله، أو حسنه، أو كان مع أهله، أو ذمّ التوحيد، أو حارب أهله لأجله، أو أبغضهم لأجله، أنه لا يَكفُر، لأنه يقول لا إله إلا الله) ا.هـ. [«مفيد المستفيد»، ضمن «مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 1/309]
    وقال أيضًا: (وكذلك نُكفّر من حسّنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/60
    وقال أيضًا: (واعلموا أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح إذا أشرك بالله، أو صار مع المشركين على الموحدين ولو لم يشرك أكثر من أن تحصر من كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم كلهم) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/272
    وقال أيضًا: (وإذا كان هذا يَكفُر، فكيف بمن صار معهم، وسكن معهم، وصار من جملتهم؟ فكيف بمن أعانهم على شركهم وزيَّنه لهم؟ فكيف بمن أَمَرَ بقتل الموحدين وحثَّهم -أي: المشركين- على لزوم دينهم؟) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/273
    وقال في رسالته إلى أحمد بن إبراهيم: (ولكن الكلام الأول أبلغ من هذا كله وهو شهادة البدو والحضر والنساء والرجال أن هؤلاء الذين يقولون التوحيد دين الله ورسوله، ويبغضونه أكثر من بغض اليهود والنصارى، ويسبونه، ويصدّون الناس عنه، ويجاهدون في زواله وتثبيت الشرك بالنفس والمال خلاف ما عليه الرسل وأتباعهم، فإنهم يجاهدون حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/206
    وقال أيضًا: (الذي نُكفِّر: الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين رسوله، وأنّ دعوة غير الله باطلة ثم بعد هذا يُكفّر أهل التوحيد، ويسميهم الخوارج، ويتبيَّن مع أهل القباب على أهل التوحيد) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/48
    الصنف الخامس: من حَضَر مجالس الشرك من غير إنكار
    قال -رحمه الله- في رسالته لسليمان بن سحيم: (إنك تقول: إني أعرف التوحيد، وتُقرّ أنّ من جَعَلَ الصالحين وسائط فهو كافر، والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد، وتقرأه لهم، وتحضرهم وهم يَنْخَوْن -أي: يستغيثون- ويندبون مشايخهم ويطلبون منهم الغوث والمدد، وتأكل اللقم من الطعام المُعدّ لذلك، فإذا كنت تعرف أن هذا كفرٌ، فكيف تروح لهم وتعاونهم عليه وتحضرُ كُفرَهم؟) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/227]
    الصنف السادس: من أحبَّ المشركين لشركهم وأحبَّ ظهور دينهم وتَرَكَ ما يجب من بغضهم
    قال -رحمه الله- في رسالته إلى عبد الله بن علي ومحمد بن جماز: (وأهل القصيم غارّهم إنْ ما عندهم قبب ولا سادات، ولكن أخبرهم أن الحب والبغض والموالاة والمعاداة لا يصير للرجل دين إلا بها ما داموا ما يبغضون أهل الزلفي وأمثالهم فلا ينفعهم تَركُ الشرك، ولا ينفعهم قول: لا إله إلا الله، فأهم ما تفطنهم له كون التوحيد من أخلَّ به مثل من أخلَّ بصوم رمضان ولو ما أبغضه. وكذلك الشرك إنْ كان ما أبغض أهله مثل بغض من تزوج بعض محارمه فلا ينفعه تركُ الشرك) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/322
    وقال أيضًا: (فما ظنكم بمن واجه الله وهو يعلم من قلبه أنه عَرَفَ أن التوحيد دينه ودين رسوله وهو يُبغضُه ويُبغض من اتَّبعه، ويعرف أنّ دعوة غيره هو الشرك، ويُحبّه ويحبُّ من اتّبعه أتظنون أن الله يغفر لهذا؟) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/179]
    وقال أيضًا: (ومنها أنهم يُبَغِّضون عند الناس دين محمد e، ويزعمون أنّ أهل العارض كفروا لما قالوا لا يُعبد إلا الله، وغير ذلك من أنواع الكفر، وهذا أمر أوضح من الشمس لا يحتاج إلى تقرير، ولكن أنت رجل جاهل مشرك مبغضٌ لدين الله، وتُلبّس على الجهال الذين يكرهون دين الإسلام ويُحبّون الشرك ودين آبائهم) ا.هـ.. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/232
    الصنف السابع: من صار من جملة المشركين وساكَنَهم رغبةً فيهم من غير اضطرار مع عدم إظهار التبرؤ من شركهم حتى صار معدوداً منهم
    قال -رحمه الله-: (فإذا كان العلماء ذكروا أنها نزلت في الصحابة لما فتنهم أهل مكة، وذكروا أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه مع بغضه لذلك وعداوة أهله لكن خوفاً منهم: أنّه كافر بعد إيمانه، فكيف بالموحد في زماننا؟ إذا تكلم في البصرة أو الأحساء أو مكة أو غير ذلك خوفاً منهم لكن قبل الإكراه، وإذا كان هذا يَكفُر، فكيف بمن صار معهم وسكن معهم وصار من جملتهم؟ فكيف بمن أعانهم على شركهم وزيّنه لهم؟ فكيف بمن أَمَرَ بقتل الموحدين، وحثهم -أي: المشركين- على لزوم دينهم؟) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/273
    وهذا النوع من المكفِّرات قد فسّره الشيخ سليمان بن عبد الله -رحمه الله- في قوله: (المسألة الرابعة: في معنى قوله تبارك وتعالى: }إنكم إذاً مثلهم{، وقوله r في الحديث: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله».
    الجواب: أن معنى الآية على ظاهرها، وهو أن الرجل إذا سمع آيات الله يُكفر بها، ويستهزأُ بها، فجلس عند الكافرين المستهزئين، من غير إكراه ولا إنكار، ولا قيام عنهم، حتى يخوضوا في حديث غيره، فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم، لأن ذلك يتضمن الرضا بالكفر، والرضا بالكفر كفر، وبهذه الآية ونحوها: استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادعى أنه يكره ذلك بقلبه لم يُقبل منه، لأن الحكم على الظاهر، وهو قد أظهر الكفر، فيكون كافراً. ولهذا لما وقعت الردة بعد موت النبي r ، وادعى أناس أنهم كرهوا ذلك، لم يقبل منهم الصحابة ذلك، بل جعلوهم كلهم مرتدين، إلا من أنكر بلسانه وقلبه.
    وكذلك قوله في الحديث: «من جامع المشرك وسكن معهم فإنه مثله» على ظاهره، وهو: أن الذي يدَّعي الإسلام، ويكون مع المشركين في الاجتماع، والنصرة، والمنزل معهم، بحيث يَعُدّه المشركون منهم، فهو كافر مثلهم، وإن ادّعى الإسلام، إلا إن كان يُظهر دينه، ولا يوالي المشركين. ولهذا لما ادّعى بعض الناس، الذين أقاموا في مكة بعد ما هاجر النبي r، فادّعوا الإسلام إلا أنهم أقاموا في مكة، يعدّهم المشركون منهم، وخرجوا معهم يوم بدر كارهين للخروج، فقُتلوا، وظنّ بعض الصحابة أنهم مسلمون، وقالوا قتلنا إخواننا، فأنزل الله تعالى فيهم: }إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم{الآية. قال السدي وغيره من المفسرين: إنهم كانوا كفاراً ولم يعذر الله منهم إلا المستضعفين) ا.هـ [«الدرر السنية» 8/170]

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,106

    افتراضي رد: (المنهج العام للإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير وأصناف من نصَّ على كفرهم)

    كلمات جامعة في بيان أنواع من يكفّرهم الإمام محمد بن عبد الوهاب

    الموضع الأول:
    قوله -رحمه الله-: (أعداؤنا معنا على أنواع:
    النوع الأول: من عَرَفَ أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس؛ وأقر أيضاً: أنَّ هذه الاعتقادات في الحجر والشجر والبشر، الذي هو دين غالب الناس: أنه الشرك بالله الذي بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه، ويقاتل أهله، ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلّمه، ولا دَخَلَ فيه، ولا تَرَكَ الشرك، فهو كافر، نقاتله بكفره، لأنه عَرَفَ دين الرسول فلم يتبعه، وعَرَفَ الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يُبغض دين الرسول، ولا من دَخَلَ فيه، ولا يمدح الشرك، ولا يزيّنه للناس.
    النوع الثاني: من عَرَفَ ذلك، ولكنه تبيَّن -أي: استبان منه- في سبِّ دين الرسول، مع ادعائه أنه عاملٌ به، وتبيَّن في مَدْحِ من عَبَدَ يوسف والأشقر، ومن عَبَدَ أبا علي والخضر من أهل الكويت، وفَضَّلهم على من وَحَّد الله وتَرَكَ الشرك، فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ}، وهو ممن قال الله فيه: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}.
    النوع الثالث: من عَرَفَ التوحيد وأحبَه واتبعه، وعَرَفَ الشرك وتَرَكَه، ولكن: يكره من دَخَلَ في التوحيد، ويُحبّ من بقي على الشرك، فهذا أيضاً: كافر، فيه قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.
    النوع الرابع: من سَلِمَ من هذا كله، ولكنّ أهل بلده يُصرّحون بعداوة أهل التوحيد واتباع أهل الشرك، وساعين في قتالهم، ويَتعذَّرُ أنَّ تَرْكَ وطنه يشقّ عليه، فيُقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله ونفسه، فهذا أيضاً: كافر؛ فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل، ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم فعل؛ وموافقتهم على الجهاد معهم بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك قَطْعَ دين الله ورسوله أكبرُ من ذلك بكثير كثير؛ فهذا أيضاً: كافرٌ، وهو ممن قال الله فيهم: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا}، فهذا الذي نقول) ا.هـ. [«الدرر السنية» 1/102]
    الموضع الثاني:
    قوله -رحمه الله-: (أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
    الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه.
    الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله.
    والمخالف في ذلك أنواع: فأشدهم مخالفة:
    (1) من خالف في الجميع، ومنهم:
    (2) من عَبَدَ الله وحده، ولم يُنكر الشرك. ومنهم:
    (3) من أشرك ولم يُنكر التوحيد. ومنهم:
    (4) من أنكر الشرك ولم يُعاِد أهله. ومنهم:
    (5) من عاداهم ولم يُكفِّرهم. ومنهم:
    (6) من لم يُحبّ التوحيد، ولم يبغضه. ومنهم:
    (7) من أنكره ولم يُعاد أهله. ومنهم:
    (8) من عاداهم ولم يُكفِّرهم. ومنهم:
    (9) من كفّرهم، وزَعَم أنه مسبّة للصالحين. ومنهم:
    (10) من لم يبغض الشرك، ولم يحبّه. ومنهم:
    (11) من لم يَعرِف الشرك ولم ينكره. ومنهم:
    (12) وهو أشد الأنواع خطراً: من عَمِلَ بالتوحيد ولم يَعرف قَدْرَه، فلم يبغض من تركه، ولم يكفّرهم. ومنهم:
    (13) من تَرَك الشرك وكرهه وأنكره، ولم يَعْرِف قَدْرَه؛ فلم يُعاِد أهله، ولم يكفّرهم.
    وكل هؤلاء قد خالفوا ما جاء به الأنبياء من دين الله) ا.هـ. [«الدرر السنية» (2/22)]
    مثالان ضربهما الإمام محمد بن عبد الوهاب لتصوير حقيقة التوحيد وتوضيح معنى البراءة من الشرك
    المثال الأول
    قال الإمام -رحمه الله- في رسالته إلى محمد بن عيد: (وأنا أمثّل لك مثالاً لعل الله أن ينفعك به لعلمي أنّ الفتنة كبيرة، وأنهم يحتجون بما تعرفون؛ منها ما ذُكر في الأوراق أنهم لم يَقصدوا بحربكم ردَّ التوحيد وإحياء الشرك، وإنما قصدوا دفع الشر عن أنفسهم خوف البغي عليهم.
    فنقول: لو نُقدِّر أنّ السلطان -أي: الحاكم المسلم- ظَلَمَ أهل المغرب ظلماً عظيماً في أموالهم وبلادهم، ومع هذا خافوا استيلاءهم على بلادهم ظلماً وعدواناً، ورأوا أنهم لا يدفعونهم إلا باستنجاد الفرنج، وعلموا أن الفرنج لا يوافقونهم إلا أن يقولوا: نحن معكم على دينكم ودنياكم، ودينكم هو الحق، ودين السلطان هو الباطل، وتظاهروا بذلك ليلا ونهاراً، مع أنهم لم يدخلوا في دين الفرنج، ولم يتركوا الإسلام بالفعل، لكن لما تظاهروا بما ذكرنا، ومرادهم دفع الظلم عنهم، هل يشك أحد أنهم مرتدون في أكبر ما يكون من الكفر والردة؛ إذا صرحوا أن دين السلطان هو الباطل مع علمهم أنه حق، وصرحوا أن دين الفرنج هو الصواب… فتأمل هذا تأملا جيداً، وتأمل ما صدرتم به الأوراق من موافقتكم به الإسلام، ومعرفتكم بالناقض إذا تحققتموه، وأنه يكون بكلمة ولو لم تعتقد، ويكون بفعل ولو لم يتكلم، ويكون في القلب من الحب والبغض ولو لم يتكلم ولم يعمل، تبين لك الأمر) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/28]
    المثال الثاني
    قال الإمام -رحمه الله- في رسالته إلى أحمد بن إبراهيم: (ولكن ودّي تفكّر فيما تعلم، لمّا اختلف الناس بعد مقتل عثمان، وبإجماع أهل العلم أنهم لا يُقال فيهم إلا الحسنى، مع أنهم عَثَوْا في دمائهم، ومعلوم أنَّ كلا من الطائفتين: أهل العراق، وأهل الشام معتقدة أنها على الحق والأخرى ظالمة، ونَبَغَ من أصحاب علي من أشرك بعلي، وأجمع الصحابة على كفرهم وردتهم وقتلهم، لكنْ حرَّقَهم علي، وابن عباس يرى قتلهم بالسيف، أترى أهل الشام لو حَمَلَهم مخالفة علي على الاجتماع بهم، والاعتذار عنهم والمقاتلة معهم لو امتنعوا، أترى أحداً من الصحابة يشكُّ في كفر من التجأ إليهم؟ ولو أظهر البراءة من اعتقادهم، وإنما التجأ إليهم وزيَّن مذهبهم لأجل الاقتصاص من قتلة عثمان، فتفكَّر في هذه القضية فإنها لا تُبقى شبهة إلا على من أراد الله فتنته) ا.هـ. [«مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، 6/206]
    قلت: مراده رحمه الله بهذين المثالين أن يبيّن أنّ موافقة المشركين في عداوتهم للتوحيد وأهله، والتظاهر بتحسين أفعال المشركين ومدح عقيدتهم كفرٌ وردّة عن الإسلام مطلقاً، ولو كان في باطنه يعتقد بطلان الشرك ويبغضهم لأجله، ولكن حمله على موافقة المشركين ظاهراً لا باطناً خصومة دنيوية بينه وبين أهل التوحيد كالتعصب، أو التحزّب، أو القبلية، أو بسبب خلاف دنيوي أو مالي، أو بسبب حسدٍ شخصي، أو منافسة دنيوية، ونحو ذلك من الأمور الدنيوية لا الدينية الاعتقادية. فإن التوحيد كما أنه اعتقادٌ وقولٌ وعملٌ، فكذلك الشرك والكفر قد يكون بالاعتقاد، أو بالقول، أو بالعمل، أو بمجموعها، على نحو ما هو مقررٌ في معتقد أهل السنّة والجماعة. ولكلمة التوحيد شروط لا تنفع ولا تصحُّ إلا بها، منها: محبة الكلمة؛ أي: محبة ما دلت عليه من التوحيد، ومحبة أهلها، وبغض أضداد كلمة التوحيد من الشرك والكفر، والتبرؤ من الشرك وأهله وهو المُعبّر عنه بالكفر بالطاغوت؛ فمن لم يبغض الشرك ويعادي أهله لأجله، ويتبرأ منهم ومن شركهم اعتقاداً وقولاً وفعلاً فليس بمسلم، ولا يُستثنى من ذلك إلا المكره.
    والله أعلم، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    [فيصل ابن قزار الجاسم]

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •