منارات ارشادية لطالب العلم


منارات إرشادية في مسيرة طالب العلم
مقدِّماً بين يدي ذلك سؤال الله عز وجل التوفيق والسداد، فأقول:
الإخلاص لله عزَّ وجل:
1 ـ إن اللَّبِنَة الأولى لكل عمل في ميزان الإسلام: الإقدام على العمل مع استحضار الإخلاص لله عز وجل فيه، ولا ريب أن هذا الإخلاص سيكون مع عمل موافق للشريعة، ولن يستحضر العامل الإخلاص لله مع عمل مخالف لشريعة الله.
والإخلاص في طلب العلم: أن يلاحظ الطالب رضاء الله في طلبه، لا لدنيا، ولا لجاه، ولا لوراثة لأبيه وجده من قبله، ولا لأيّ ملحظ سوى ذلك، وإخلاص العبد لله في أموره: هو سرُّ نجاحه وفلاحه في الدنيا والآخرة.
ومما يذكره أئمتنا المحدثون في كتبهم في الحض على الإخلاص في طلب الحديث الشريف: قول الإمام حماد بن سلمة رحمه الله تعالى: "من طلب الحديث لغير الله مُكِر به"، ولما كان علم الحديث هو العلمَ السائد آنذاك خصَّه حماد بن سلمة بالذكر، ومعلوم بداهة أن طلب علم التفسير ـ مثلاً ـ ليس دون علم الحديث في الشرف والمكانة في الدين، وكذلك سائر علوم الإسلام، فإن طلب أيّ علم منها من غير إخلاص لله تعالى في طلبه سبب لمكر الله تعالى بصاحبه، و{لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}.
وقال غيره: "من طلب هذا العلم لله سَعِد وشَرُف في الدنيا والآخرة، ومن لم يطلبه لله خسر الدنيا والآخرة". [فتح المغيث 2: 312].
شرف العلم الذي يحصله طالبه وشرف المكانة التي يتبوأها:
2 ـ وثاني أمر يتوجَّب على طالب العلم أن يعلمه هو: شرف العلم الذي هو بصدد تحصيله، وشرفُ المكانة التي يتبوأها، ليؤدي حق الله تعالى في أمرين اثنين: أولهما: يعطي العلم حقَّه فيبذل كل نفيس ورخيص ليحصل على أكبر قدر من هذا العلم الشريف الذي اختاره الله تعالى له من بين الملايين من الأمة المحمدية، وليصون هذا العلم العزيز العظيم فلا يمتهنه، وإذا لم يعرف الطالب قيمة العلم، وشرف مكانته فإنه لن يقوم بهذين الحقَّين عليه.
إن على طالب العلم أن يفخر بفضل الله عليه، ولا يرى نفسه ضعيفاً، ويرى زميله في الدراسة الابتدائية ـ مثلاً ـ وقد صار طبيباً، والآخر مهندساً، والثالث رجل أعمال، وبقي هو طالب علم، إمام مسجد، خطيب جمعة!! عليه أن يدرك فضل الله عليه: أن أمره ونهيه وتحليله وتحريمه، من أمر الله العظيم ونهيه، من تحليل الله وتحريمه، يقول بقول الله، ويقول الله بقوله، فأيُّ شرف أعظم من هذا الشرف! إنه في إمامة المسجد الوسيطُ بين العباد وربهم سبحانه وتعالى، صلاتُهم بصلاته، وصلتُهم بالله بِصِلته، هذه هي المكانة المرموقة الحقَّة لطالب العلم إذا عرف حقَّ الله وحقَّ العلم.
إن الحديث عن شرف العلم وفضيلته، وشرف طالب العلم وفضله يستوعب أمسيات وأمسيات، ولكني أقتصر على التنبيه إلى معنى واحد فقط، يكون عنواناً ـ إن شاء الله ـ على ما وراءه.
إن الله تعالى أنار للناس عامةً الطريق إلى الإيمان به، والعمل بشرعه، في كتابه الكريم، ولما كان لا بدّ لهذا الكتاب الكريم من مبلغ وشارح له: أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم مبلغاً وداعياً وشارحاً، ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم ممن تنطبق عليه ـ من هذه الناحية ـ ما ينطبق على البشر جميعهم: الحياة ثم الموت، فكان لا بدّ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفاء عنه ووراثاً له، فاقتضت حكمة الله تعالى أن يكونوا هم العلماء، وعبَّر صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى بقوله الكريم: "إن العلماء ورثة الأنبياء"، وليس فوق هذه الرتبة إلا رتبة معها أو تسبقها، تلك هي رتبة الخلافة عن الله عز وجل في تبليغ شرعه إلى الناس، فكان هذا الخليفةُ هو طالبَ العلم اليوم، وعالمَ الغد، ومفتيَ المستقبل.
وقد قال الإمام ابن القيم كلاماً نفيساً أنقله بطوله من مقدمة كتابه "إعلام الموقعين" قال رحمه الله: "ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلّغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلّغ، صادقاً فيه، ويكون ـ مع ذلك ـ حسن الطريقة، مرضيّ السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصبُ التوقيع عن الملوك بالمحلّ الذي لا يُنكر فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيَّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟!.
فحقيق بمن أُقيم في هذا المنصب أن يُعِدَّ له عُدّته، وأن يتأهب له أُهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أُقيم فيه، ولا يكونَ في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} ، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالة إذ يقول في كتابه: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}، ولْيعلمِ المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقنْ أنه مسئول غداً، وموقوف بين يدي الله.
وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين عبد الله ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده" انتهى كلامه.
وهذه المرتبة العظيمة التي لا مرتبة تعدلها ينبغي لصاحبها أن يتصف بأعظم الصفات الكاملة، وقد أشار رحمه الله إلى بعضها.

وأعود إلى مطلع هذه المنارة الإرشادية الثانية التي ابتدأت الحديث عنها:
إن هذه المرتبة تستحق من طالبها أن يبذل للوصول إلى أدنى مراتبها أعلى وأغلى ما عنده، إنها مرتبةُ الوراثةُ لرسول الله، إنها حقاً أشرف المراتب وأعلى المقامات.
وإذا كان طالب اليوم، وعالم الغد، ومفتي المستقبل يملك التوقيع عن الله ملك الملوك وجبار الأرض والسموات، فما هو مدى الرفعة التي رفعه الله إليها؟! وإلى أيّ مدى يتوجَّب عليه أن يصون هذا الشرف الرفيع، ويحافظ عليه بروحه ودمه!!.
إنه حقاً يجب على طالب العلم أن يعرف شرف العلم الذي يطلبه، وشرف المكانة التي بوأه الله إياها.
وأيضاً: إن العلم عظيم وشريف، فمن أعطاه حقه من التعظيم والتكريم، كرَّمه العلم ورفعه، ومن قصّر في حقه فإنه هو المُهان لا العلم، العلم يبقى عظيماً بتعظيم الله له، لأن العلم الذي نحن بصدد الحديث عنه متمثل بكتاب الله وسنة رسوله، والله عز وجل أجلُّ من أن يترك كتابه وسنة رسوله عبثاً للمفسدين في الأرض.
الازدياد من تحصيل العلم والحرص على الفائدة:
3 ـ المَعْلَم الإرشادي الثالث: هو نابع وتابع للذي قبله. فالذي قبله: أن يبذل طالب العلم أنفس ما لديه في تحصيل العلم، وإن من معالم هذا البذل ومؤشراته الداله على صدق هذا الطالب في طلبه: هو أن يزداد يوماً بعد يوم حباً لتحصيل العلم، وحرصاً على الفائدة، ومحاسبةً لنفسه دقيقة، على كل دقيقة زمنية تمرّ به ما ذا استفاد فيها وحصّل:
أليس من الخسران أن ليالياً تمرّ بلا نفع وتحسب من عمري!

وللسلف ـ بل لصبيان السلف ـ عجائب. قال الإمام السخاوي 2: 313 ـ من "فتح المغيث": "ومن أبلغ ما يحكى عن السلف في ذلك قول سلمة بن شبيب: كنا عند يزيد بن هارون، فازدحم الناس عليه، فوقع صبي تحت أقدام الرجال، فقال يزيد: اتقوا الله وانظروا ما حال الصبي؟! فنظروا فإذا هو قد خرجت حدقتاه وهو يقول: يا أبا خالد زدنا، فقال يزيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، قد نزل بهذا الغلام ما نزل وهو يطلب الزيادة؟!".
وحَضَر الشريف التلمساني ـ وهو في أول طلبه العلم ـ درس أستاذه أبي زيد بن الإمام، وعَرَض الأستاذ للحديث عن الجنة ونعيمها فسأل التلميذ أستاذه: هل يُقرأ في الجنة العلم؟ فأجابه الأستاذ أبو زيد بجواب عام: نعم، فيها ما تشتهيه الأنفس وتَلَذُّ الأعين. يعني: إن اشتهيت قراءة العلم حقَّق الله لك ذلك، وإلا فلا، فقال التلميذ: لو قلتَ: لا، لقلت لك: لا لذة فيها! فعجب الشيخ منه، ودعا له.
ولم تمض سنوات قلائل إلا وبلغ هذا التلميذ من العلم مبلغاً، وبينما كان في حلقة شيخه أبي زيد نفسه إذْ بالشيخ يقرّر مسألة على خلاف ما هي، فنبّهه التلميذ إلى الصواب فيها، فرجع الشيخ إلى قول التلميذ ودعا له بخير وأنشده البيتين المشهورين مداعباً له:
أعلِّمه الرماية كلَّ يــوم فلما اسْتَدَّ ساعده رماني
وكم علَّمته نظم القوافي

فلما قال قافية هجاني

وهاتان القصتان تؤكدان صحة قول الإمام صاحب "الحكم" رحمه الله: "من لم تكن له بداية محرقة، لم تكن له نهاية مشرقة".
العمل بالعلم:
4 ـ المنارة الرابعة: على طالب العلم خاصة، وعلى كل مسلم عامة أن يرسِّخ في قلبه ولبّه أن العلم للعمل به، لا للخُطَب والمحاضرات، والندوات والمؤتمرات، ولا للمحاورات والمناظرات، ولا للتأليف والتحقيق، إنما العلم للعمل، لينقذ الطالبُ نفسه أولاً من السير إلى الله على غير هدى ولا بصيرة، ثم لينقذَ مِن الأمة مَن يُرشده الله على يده، ليكون عالماً معلماً، هادياً مهدياً، داعياً إلى الله، على نور من الله، هذا هو العلم النافع، الذي علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله تعالى إياه صبيحة كل يوم بعد صلاة الفجر: "اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً
منقول بتصرف