لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ودعا إلى الإسلام
لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة،
وكان المستجيب له خائفاً من عشيرته وقبيلته، يؤذى غاية الأذى،
وينال منه وهو صابر على ذلك في الله عز وجل،
وكان المسلمون إذ ذاك مستضعفين يشردون كل مشرد ويهربون بدينهم إلى البلاد النائية
كما هاجروا إلى الحبشة مرتين ثم هاجروا إلى المدينة، وكان منهم من يعذب في الله ومنهم من يقتل،
فكان الداخلون في الإسلام حينئذ غرباء
يقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد:
(فانحاز المهاجرون إلى مملكة أصحمة النجاشي آمِنِين، فلما عَلِمَتْ قريشٌ بذلك، بعثت في أثرهم عبدَ الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص، بهدايَا وتُحَفٍ مِن بلدهم إلى النجاشي ليردَّهم عليهم، فأبى ذلك عليهم، وشَفَعُوا إليه بعظماء بطارقته، فلم يجبهم إلى ما طلبوا، فَوَشَوْا إليه: أن هؤلاء يقولون في عيسى قولاً عظيماً، يقولون: إنه عبد الله، فاستدعى المهاجرين إلى مجلسه، ومُقَدَّمُهم جعفر بن أبى طالب، فلما أرادوا الدخولَ عليه، قال جعفر: يستأذِنُ عليك حِزْبُ الله، فقال للآذِنِ: قل له يُعيد استئذانه، فأعاده عليه، فلما دخلوا عليه قال: ما تقولون في عيسى؟ فتلا عليه جعفر صدراً من سورة "كهيعص" فأخذ النجاشي عُوداً من الأرض فقال: ما زاد عيسى عَلَى هذا ولا هذَا العود، فتناخرت بطارقتهُ عنده، فقال: وإن نخرتم، قال: اذهبوا فأنتم سَيوم بأرضي، من سبَّكم غُرِّم (والسيوم: الآمنون في لسانهم) ثم قال للرسولين: لو أعطيتموني دَبْرَاً من ذهب يقول: جبلاً من ذهب ما أسلمتهم إليكما، ثم أمَر فَرُدَّت عليهما هداياهما، ورجعا مقبوحين).

وجاء في مسند الإمام أحمد أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال للنجاشي واصفاً حالهم مع قريش: (فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك).

قال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية: (فأما رواية جعفر فإنها عزيزة جدا رواها ابن عساكر... عن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي فقالوا له: ونحن عنده قد صار إليك ناس من سفلتنا وسفهائنا فادفعهم إلينا قال: لا حتى اسمع كلامهم قال: فبعث إلينا فقال: ما يقول هؤلاء قال: قلنا: هؤلاء قوم يعبدون الأوثان وإن الله بعث إلينا رسولاً فآمنا به وصدقناه فقال لهم النجاشي: أعبيدٌ هم لكم قالوا: لا فقال: فلكم عليهم دين قالوا: لا قال: فخلوا سبيلهم قال: فخرجنا من عنده فقال عمرو بن العاص: إن هؤلاء يقولون في عيسى غير ما تقول قال: إن لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدعهم في أرضي ساعة من نهار فأرسل إلينا
فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من الأولى قال:
ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم قلنا: يقول هو روح الله وكلمته ألقاها إلى عذراء البتول قال: فأرسل فقال: ادعوا لي فلان القس وفلان الراهب فأتاه ناس منهم فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم فقالوا: أنت أعلمنا فما تقول قال النجاشي وأخذ شيئا من الأرض قال: ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا ثم قال: أيؤذيكم أحدا قالوا نعم فنادى مناد من آذى أحدا منهم فأغرموه أربعة دراهم ثم قال: أيكفيكم قلنا لا فأضعفها قال فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وظهر بها قلنا له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر وهاجر إلى المدينة وقتل الذين كنا حدثناك عنهم وقد أردنا الرحيل إليه فرُدَّنا قال: نعم فحملنا وزودنا ثم قال: أخبر صاحبك بما صنعت إليكم وهذا صاحبي معكم أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله وقل له يستغفر لي قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة فتلقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنقني ثم قال: ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر ووافق ذلك فتح خيبر ثم جلس فقال رسول النجاشي: هذا جعفر فسله ما صنع به صاحبنا فقال: نعم فعل بنا كذا وكذا وحملنا وزودنا وشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وقال لي: قل له يستغفر لي فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم دعا ثلاث مرات اللهم اغفر للنجاشي فقال المسلمون: آمين ثم قال جعفر للرسول (أي رسول النجاشي) انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ابن عساكر حسن غريب).

فها هم إذن صحابة رسول الله رضي الله عنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم وطوردوا وهاجروا واختفوا وركبوا المخاطر والمشاق وسافروا المسافات الطويلة بل وركبوا البحر فمنهم من ذهب إلى الحبشة وبقي في جوار النجاشي ولم يعودوا إلا في عام خيبر (أي مكثوا في الحبشة سنوات طويلة) ومنهم من هاجر إلى المدينة النبوية وترك أهله وماله ودياره من أجل هذا الدين ولذا امتدحهم الله بقوله: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ *وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

قال ابن كثير رحمه الله:
{يقول تعالى مبيناً حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً} أي خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه {وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} أي هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم وهؤلاء هم سادات المهاجرين ثم قال تعالى مادحاً للأنصار ومبيناً فضلهم وشرفهم وكرمهم، وعدم حسدهم وإيثارهم مع الحاجة فقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} أي سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم. قال عمر: وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم كرامتهم, وأوصيه بالأنصار خيراً الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل, أن يقبل من محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم رواه البخاري ههنا أيضاً.

قوله تعالى: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} أي من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد حدثنا حميد عن أنس قال: قال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً في كثير, لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال "لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم" لم أره في الكتب من هذا الوجه.


يقول سيد قطب رحمه الله في ظِلاله:
(هي صورة صادقة تبرز فيها أهم الملامح المميزة للمهاجرين..
. أخرجوا إخراجا من ديارهم وأموالهم.
أكرههم على الخروج الأذى والاضطهاد والتنكر من قرابتهم وعشيرتهم في مكة لا لذنب إلا أن يقولوا ربنا الله...
وقد خرجوا تاركين ديارهم وأموالهم {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} اعتمادهم على الله في فضله ورضوانه. لا ملجأ لهم سواه، ولا جناب لهم إلا حماه.. وهم مع أنهم مطاردون قليلون
{يَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}... بقلوبهم وسيوفهم في أحرج الساعات وأضيق الأوقات..
{أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}... الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وصدقوها بعملهم. وكانوا صادقين مع الله في أنهم اختاروه. وصادقين مع رسوله في أنهم اتبعوه. وصادقين مع الحق في أنهم كانوا صورة منه تدب على الأرض ويراها الناس!

{وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون}...

وهذه كذلك صورة وضيئة صادقة تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار. هذه المجموعة التي تفردت بصفات، وبلغت إلى آفاق، لولا أنها وقعت بالفعل، لحسبها الناس أحلاما طائرة ورؤى مجنحة ومثلا عليا قد صاغها خيال محلق..

{وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ}.. أي دار الهجرة. يثرب مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد تبوأها الأنصار قبل المهاجرين. كما تبوأوا فيها الإيمان. وكأنه منزل لهم ودار. وهو تعبير ذو ظلال. وهو أقرب ما يصور موقف الأنصار من الإيمان. لقد كان دارهم ونزلهم ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم، ويثوبون إليه ويطمئنون له، كما يثوب المرء ويطمئن إلى الدار.

{يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا}..
ولم يعرف تاريخ البشرية كله حادثا جماعيا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين. بهذا الحب الكريم.
وبهذا البذل السخي. وبهذه المشاركة الرضية. وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء. حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة. لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين
{وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا}.. مما يناله المهاجرون من مقام مفضل في بعض المواضع، ومن مال يختصون به كهذا الفيء، فلا يجدون في أنفسهم شيئا من هذا. ولا يقول: حسدا ولا ضيقا. إنما يقول:
{حَاجَةً}. مما يلقي ظلال النظافة الكاملة لصدورهم والبراءة المطلقة لقلوبهم، فلا تجد شيئا أصلا.

{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.. والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا.
وقد بلغ إليها الأنصار بما لم تشهد البشرية له نظيرا. وكانوا كذلك في كل مرة وفي كل حالة بصورة خارقة لمألوف البشر قديما وحديثا.

{وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. . فهذا الشح. شح النفس. هو المعوق عن كل خير. لأن الخير بذل في صورة من الصور. بذل في المال. وبذل في العاطفة. وبذل في الجهد. وبذل في الحياة عند الاقتضاء. وما يمكن أن يصنع الخير شحيح يهم دائما أن يأخذ ولا يهم مرة أن يعطي. ومن يوق شح نفسه، فقد وقي هذا المعوق عن الخير، فانطلق إليه معطيا باذلا كريما. وهذا هو الفلاح في حقيقة معناه.

{وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}..

وهذه الصورة الثالثة النظيفة الرضية الواعية. وهي تبرز أهم ملامح التابعين.
كما تبرز أخص خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان.

هؤلاء الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار -
- سمة نفوسهم أنها تتوجه إلى ربها في طلب المغفرة، لا لذاتها ولكن كذلك لسلفها الذين سبقوا بالإيمان؛ وفي طلب براءة القلب من الغل للذين آمنوا على وجه الإطلاق، ممن يربطهم معهم رباط الإيمان. مع الشعور برأفة الله، ورحمته، ودعائه بهذه الرحمة، وتلك الرأفة: {رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}..

وتتجلى من وراء تلك النصوص طبيعة هذه الأمة المسلمة وصورتها الوضيئة في هذا الوجود.
تتجلى الآصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها،
وآخرها بأولها،
في تضامن وتكافل وتواد وتعاطف.
وشعور بوشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب؛ وتتفرد وحدها في القلوب،
تحرك المشاعر خلال القرون الطويلة،
فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة
، كما يذكر أخاه الحي، أو أشد، في إعزاز وكرامة وحب.
ويحسب السلف حساب الخلف.
ويمضي الخلف على آثار السلف.
صفاً واحداً وكتيبةً واحدةً على مدار الزمان واختلاف الأوطان،
تحت راية الله تغذ السير صعداً إلى الأفق الكريم، متطلعة إلى ربها الواحد الرؤوف الرحيم.

إنها صورة باهرة،
تمثل حقيقة قائمة؛
كما تمثل أرفع وأكرم مثال للبشرية يتصوره قلب كريم.
صورة تبدو كرامتها ووضاءتها على أتمها حين تقرن مثلا إلى صورة الحقد الذميم والهدم اللئيم التي تمثلها وتبشر بها الشيوعية في إنجيل كارل ماركس.
صورة الحقد الذي ينغل في الصدور، وينخر في الضمير، على الطبقات، وعلى أجيال البشرية السابقة، وعلى أممها الحاضرة التي لا تعتنق الحقد الطبقي الذميم. وعلى الإيمان والمؤمنين من كل أمة وكل دين!

صورتان لا التقاء بينهما في لمحة ولا سمة، ولا لمسة ولا ظل صورة ترفع البشرية إلى أعلى مراقيها؛
وصورة تهبط بها إلى أدنى دركاتها.
صورة تمثل الأجيال من وراء الزمان والمكان والجنس والوطن والعشيرة والنسب متضامنة مترابطة متكافلة متوادة متعارفة صاعدة في طريقها إلى الله، بريئة الصدور من الغل، طاهرة القلوب من الحقد،
وصورة تمثل البشرية أعداء متناحرين يلقي بعضهم بعضا بالحقد والدخل والدغل والغش والخداع والالتواء.