إنكار ابن كثير على من عارض النصوص بالرأي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: إنكار ابن كثير على من عارض النصوص بالرأي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,795

    افتراضي إنكار ابن كثير على من عارض النصوص بالرأي

    سبق وأن ذكرنا أن العقل والنقل متكاملان ومتعاضدان ومتحدان وليسا متعارضين، وأن العقل لا يهتدي إلا بالشرع والشرع لا يتبين إلا بالعقل، فالعقل الصريح لا يتناقض مع النقل الصحيح، وإنما الذي يعارضه ويناقضه هي الأهواء الفاسدة، والآراء المنحرفة، والاجتهادات الخاطئة، وإن سماها أصحابها عقليات فهي في الحقيقة جهالات وضلالات، لذا نجد ابن كثير رحمه الله يسير على هذه القاعدة فيرد وينكر على من يعارض النصوص بأخبار أو آراء أو اجتهادات ويسمي ذلك كله جهالات وضلالات، فمثلًا رده لقول بعض المفسرين الذين ذكروا أن طول عوج بن عنق ثلاثة آلاف ذراع لمخالفته النصوص الواردة بخلاف ذلك فقال عند تفسير الآية: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ﴾[1]، «وان فيهم عوج بن عنق وأن طوله ثلاثة ألاف ذراع... وهذا شيء يستحيا من ذكره ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن) »[2]، وكذلك رده على الرافضة الذين أنكروا مشروعية المسح على الخفين فقال عند تفسير الآية: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.... ﴾[3] « وقد خالفت الروافض ذلك كله بلا مستند بل بجهل وضلال مع أنه ثابت في صحيح مسلم[4]، كما ثبت في الصحيحين[5] عن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وهم يستبيحونها وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم على وفق ما دلت عليه الآية الكريمة وهم مخالفون لذلك كله وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر ولله الحمد »[6]، وكذلك في رده على من أنكر البعث بناء على رأيه وهواه وتركه ما أنزل الله، فقال عند تفسير الآية: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ﴾[7]، « يقول تعالى ذامًا لمن كذّب بالبعث وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى معرضًا عما أنزل الله على أنبيائه متبعًا في قوله وإنكاره وكذبه كل شيطان مريد من الإنس والجن، وهذا حال أهل الضلال والبدع المعرضين عن الحق المتبعين للباطل يتركون ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من الحق المبين ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة والدعاة إلى البدع والأهواء والآراء »[8].
    كما نعى رحمه الله على من يتبع الآباء والأسلاف، ويعتبر أن ذلك من التقليد الأعمى التي يعارضون به ما أنزل الله على رسوله، فيقول عند تفسير الآية: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾[9]، « فالمشركون لا يعقلون ذلك عن دليل قادهم إلى ما هم فيه من الإفك والضلال وإنما يفعلون ذلك إتباعًا لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال كما قالوا ﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾[10] »[11]، كما رد على المشركين الذين عارضوا النسخ بعقولهم واتهامهم للرسول صلى الله عليه وسلم بالافتراء في ذلك فقال عند تفسير الآيـــــة: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [12]، «يخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين، وقلة ثباتهم وايقانهم وأنه لا يتصور منهم الإيمان، وقد كتبت عليهم الشقاوة، وذلك أنهم لما رأوا تغير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ أي كذاب، وإنما هو الرب يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد »[13]، وكذلك بيانه رحمه الله خطأ اجتهاد بعض من نفى الزكاة من أحياء العرب في أنها لا تصرف إلا للرسول صلى الله عليه وسلم فقال عند تفسير الآية: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾[14]، « أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وهذا عام..... ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصًا برسول الله صلى الله عليه وسلم.... وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد الصديق أبو بكر وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدَّوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم »[15].
    ومن المواقف التي رد فيها ابن كثير على من يعترضون على أمر الله وشرعه، حيث بعث بشرًا وأنزل عليهم وحيًا لدعوة الناس وهدايتهم، وحجتهم أن هؤلاء الأنبياء والرسل بشرًا ولم يكونوا ملائكة، وأن أتباعهم هم أراذل الناس وليسوا أشرافهم فيقول عند تفسير الآية: ﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾[16]، « أي لستَ بمَلَكٍ ولكنك بشر فكيف أوحى إليك من دوننا؟ ثم ما نراك اتبعك إلا أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف والرؤساء... هذا اعتراض الكافرين على نوح عليه السلام وأتباعه، وذلك دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح وسواء اتبعه الأشراف أو الأراذل بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء، وأن الذين يأبونه هم الأراذل ولو كانوا أغنياء »[17]، وكذلك نجد أن ابن كثير خطّأ من يحلل شيئًا حرّمه الله أو يُحرِّم شيئًا أحلَّه الله بمجرد رأيه، فيقول رحمه الله عند تفسير الآية: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴾[18]، « نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وضعوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وغير ذلك مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ [النحل: 116] ويدخل في هذا كل مبتدع ابتدع بدعة ليس فيها مستند شرعي، أو حلل شيئًا مما حرم الله، وحرم شيئًا مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه »[19]، وهكذا نجد الإمام ابن كثير رحمه الله يتعقب ويرد ويعترض على الذين يخالفون النصوص بالآراء، ويعترضون عليها بالأهواء والاجتهادات الخاطئة، والتي يزعمون أنها معقولات، وهي في الحقيقة جهالات وضلالات.
    فواجب الدعاة اليوم أن يكونوا كالإمام ابن كثير رحمه الله فيواجهوا ويتصدوا في هذا العصر للاتجاهات والتيارات التي تمجد العقل الإنساني وتغالي في تقديمه على الدين وتحكيمه في عالمي الغيب والشهادة وتعطي العقل اعتبارًا فوق اعتبار النصوص الشرعية الثابة عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتجعل العقل وسيلة الأثبات وأساس الحكم على الأشياء وطريق القبول لها.
    -------------------
    [1] سورة المائدة آية 22.
    [2] انظر تفسير القرآن العظيم 2 /50.
    [3] سورة المائدة 6.
    [4] عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لحاجته فاتبعه المغيرة بأداة فيها ماء، فصب عليه حين فرغ من حاجته، فتوضأ ومسح على الخفين، أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين رقم (274).
    [5] متفق عليه وأخرجه البخاري، كتاب النكاح باب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة أخيرًا رقم (5115)، ومسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة رقم ( 1407).
    [6] انظر تفسير القرآن العظيم 2 /38.
    [7] سورة الحج آية 3.
    [8] المرجع نفسه 3 /259.
    [9] سورة المؤمنون آية 90.
    [10] سورة الزخرف آية 22.
    [11] انظر تفسير القرآن العظيم 3 /318.
    [12] سورة النحل آية 101.
    [13] المرجع نفسه 2 /724.
    [14] سورة التوبة آية 103.
    [15] انظر تفسير القرآن العظيم 2 /476.
    [16] سورة هو آية 27.
    [17] المرجع نفسه 2 /545.
    [18] سورة النحل آية 116.
    [19] انظر تفسير القرآن العظيم 2 /728.


    رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/143648/#ixzz6gVfDyOyR
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية حرسها الله
    المشاركات
    1,186

    افتراضي رد: إنكار ابن كثير على من عارض النصوص بالرأي

    جزاك الله خيراً ...

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    11,398

    افتراضي رد: إنكار ابن كثير على من عارض النصوص بالرأي

    جزاكم الله شيخنا الفاضل

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •