نظرة ابن كثير إلى العقل
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 7 من 7
3اعجابات
  • 2 Post By محمد طه شعبان
  • 1 Post By ابوسفيان

الموضوع: نظرة ابن كثير إلى العقل

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,796

    افتراضي نظرة ابن كثير إلى العقل

    أولًا: فضل العقل ومنزلته عند ابن كثير:
    يرى ابن كثير أن العقل أشرف ما في الإنسان فيقول عند تفسير الآية: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾[1]، « ناسب ذكر العقل هاهنا، فإنه أشرف ما في الإنسان ولهذا حرّم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها»[2].
    ويقول رحمه الله عند تفسير الآيات: ﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾[3]، « يرشد تعالى خلقه إلى التفكر في آياته ونعمه وقدرته العظيمة التي خلق بها السموات والأرض... إلى أن قال رحمه الله: «وقال أولًا: لآيات للمؤمنين ثم يوقنون ثم يعقلون وهو ترق من حال شرف إلى ما هو أشرف منه وأعلى»[4]، والذي هداهم الله في الدنيا والآخرة هم ذوو العقول الصحيحة والفطرة السليمة يقول ابن كثير عند تفسير الآية ﴿ ... فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾[5]، « أي يفهمونه ويعملون بما فيه... أولئك الذين هداهم الله أي المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة، وأولئك هم أولو الألباب، أي العقول الصحيحة والفطرة السليمة»[6].
    ولذلك نجد أن ابن كثير يحذر من الأمور التي تضر بالعقل وتفسده، فيقول عند تفسير الآية: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾[7]، « أي لا تسرفوا في الأكل لما فيه مضرة العقل والبدن كما في قوله: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾[8] »[9].
    ثانيًا: مكان العقل من الجسد:
    اختلف العلماء في تحديد مكان العقل من الإنسان، فمنهم من يرى أنه في الرأس، أي في الدماغ، وكما يظنه بعض الغربيين ودليلهم أن الإنسان إذا ضرب على رأسه ذهب عقله، واعترض القاضي أبو يعلي[10] على ذلك فقال: «وما ذكروه من زوال العقل بضرب الرأس فلا يدل على أنه محله كما أن عصر الخصية تزيل العقل والحياة، ولا يدل على أنها محله »[11]. والراجح هو ما ذكره ابن كثير رحمه الله وهو أن العقول مركزها القلب على الصحيح فيقول عند تفسير الآية ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾[12]، « ثم ذكر منته على عباده في إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا ثم بعد هذا يرزقهم تعالى السمع... والأفئدة، وهي العقول التي مركزها القلب على الصحيح، وقيل الدماغ، والعقل به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها »[13].
    وجمهور العلماء والمفسرين يرون أن العقل في القلب وهو كلام علي بن أبي طالب وأبي هريرة[14] وكعب بن مالك[15] رضي الله عنهم حيث قالوا أن العقل في القلب [16]، ومنهم من يرى أن العقل في القلب وله تعلق بالدماغ كابن تيمية وابن القيم[17].
    ثالثًا: تأثير الشرك والانحراف والنفاق على صحة العقل وإدراكه:
    وكما أن الهداية لها أثر على سلامة العقل وصحته، لأن المؤمنين والمهتدين وصفهم الله بأنهم هم أولو الألباب والعقول الصحيحة كما قال سبحانه: ﴿ ... فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾[18]، وكما قال سبحانه: ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴾[19]، فكذلك الشرك والكفر والنفاق يؤثر على صحة الفهم والقصد، يقول ابن كثير رحمه الله عند تفسير الآية: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾[20]، « وقال محمد بن إسحاق[21] المنافقون، قلت ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا لأن كلًا منهم مسلوب الفهم الصحيح والقصد إلى العمل الصالح ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح ولا قصد صحيح لو فرض أن لهم فهمًا »[22].
    رابعًا: العقل وحده لا يستقل بمعرفة الحق والباطل والحسن والقبيح:
    فإن ابن كثير رحمه الله ينظر إلى أن العقل وحده لا يستقل بالتمييز بين الحق والباطل والحسن والقبيح فيقول عند تفسير الآية: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ [23]، « أي إنما يأتمر بهواه فمهما رآه حسنًا فعله ومهما رآه قبيحًا تركه ثم قال وهذا يُسْتدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقلين »[24]، فالعقل يحتاج إلى الوحي والرسالة حتى يهتدي إلى الحق ويستطيع أن يميز بينه وبين الباطل وبين الحسن والقبيح، « ولولا الرسالة لم يهتد عقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد »[25]، وكما أن العقل مناط التكليف وهو «شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال وبه يكتمل العلم والعمل لكنه ليس مستقلًا بذلك»[26].
    خامسًا: حثه على استخدام العقل والاستدلال به:
    وقد تقـرر ذلك في عدة مواضع من التفسير منها قوله عند تفسير الآيـــــة: ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ﴾[27]، « أي أفما كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من عبادته وحده لا شريك له وعُدُولكم إلى إتباع الشيطان »[28].
    وهكذا نجد أن ابن كثير إنما يستخدم العقل في الاستدلال على بطلان الأمور التي لم تثبت بالنقل أو المخالفة للعقل، فمثلاُ عند ما أورد قول بعض المفسرين عن القوم الجبارين وهم العماليق، وفيهم رجل يقال له عوج بن عنق، وإن طوله ثلاثة آلاف ذراع، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته فقال: « وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبقى عوج ابن عنق وهو كافر وولد زنيه هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع »[29]، وكذلك رده على من قال إن «ق» جبل يحيط بجميع الأرض يقال له قاف، قال رحمه الله: « وكان هذا والله أعلم من خرافات بني إسرائيل، وإنما أباح الشرع الرواية عنهم في قوله حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فيما يجوزه العقل، أما فيما تحيله العقول ويحكم عليه بالبطلان ويغلب على الظنون كذبه فليس من هذا القبيل والله أعلم »[30].
    وغيرها من المواضع التي حث فيها ابن كثير على استخدام العقل والاستدلال به فيما لا يتسع المجال لذكره[31]، كما حث على التفكر والتدبر[32].
    ولا شك أن الداعية بأمس الحاجة في دعوته إلى الأساليب الدعوية التي ترتكز على العقل وتدعوا إلى التفكر والتدبر والاعتبار في المواطن التي ينكر فيها المدعون الأمور الظاهرة والبدهيات العقلية مثل قوله تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾[33]، وقوله سبحانه: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾[34]، وكذلك مع الُمعتدين بعقولهم وأفكارهم من المدعوين لأنهم أسرع من يتأثر بالمنهج العقلي السليم، وكذلك مع المنصفين من الناس البعيدين عن التعصب لآرائهم والمتجردين من الأغراض الخاصة، إضافة إلى المتأثرين بالشبهات والمنخدعين بالباطل، ففي هذه المواطن وأمثالها تظهر فائدة استخدام الدعاة للمنهج العقلي في التأثير على المدعوين واستجابتهم للدعوة بعد توفيق الله وإخلاص الداعية وتمكنه وقدرته، وكما أن التدبر والتفكر في القرآن الكريم وفي آيات الله الكونية وفي الآفاق والأنفس يكون سببًا في إيمان المدعو من غير المسلمين واستجابته للإسلام فهو كذلك يكون سببًا في زيادة إيمان المؤمن وفتح مجال واسع ورحب للبحث في كنوز القرآن والوقوف على أوجه الإعجاز المختلفة والمتنوعة في القرآن مما لا مجال للحديث عنه هنا.
    سادسًا: النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل الصريح:
    يرى ابن كثير رحمه الله أن الثابت بالنقل والشرع هو ثابت بالعقل، فالعقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح فحينما استدل على وقوع النسخ في القرآن بالنقل وهو قوله تعالى: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[35]، قرر رحمه الله أنه أيضًا جائز عقلًا ولا يتعارض مع النقل فقال عند تفسير الآية: « ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ ردًا على اليهود عليهم لعائن الله... ثم قال والذي يحمل اليهود إلى البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله لأنه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد »[36]، فاليهود حينما أنكروا النسخ واعترضوا عليه ليس لهم دليل عقلي ينافي النقل، وإنما دعواهم مبنية على الجهل والكفر والعناد والتحريض يقول ابن كثير: « وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبههم لعنهم الله في دعوى استحالة النسخ، إما عقلًا كما زعمه بعضهم جهلًا وكفرًا وإما نقلًا كما تخرَّصه آخرون افتراء وإفكًا »[37].
    ويقول رحمه الله عند تفسير الآية: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾[38]، « ومن هنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إسماعيل وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل، وهذا من أحسن الإستدلال وأصحه وأبينه »[39]، ويقول رحمه الله عند تفسير الآية: ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾[40] : « وهذا يقوله مشركوا العرب المنكرون للمعاد... ويقوله الفلاسفة الدهرية والدورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول ولهذا قالوا وما يهلكنا إلا الدهر»[41]، وكذلك استدلاله رحمه الله بالعقل الموافق للنقل في أن الذي يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر بجميع الرسل فيقــــول عند تفسيـــر قوله تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾[42]، «فهم في نفس الأمر كما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ولا بما جاؤوا به وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه لا لأنه شرع الله ودينه لأنهم لو كانوا مؤمنين بما في أيديهم إيمانًا صحيحًا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد ز، لأن جميع الأنبياء بَشَّرُوا به وأمُروا بإتباعه فلما جاء كفروا به وهو أشرف الرسل، عُلم أنهم ليسوا مستمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند الله، بل لحظوظهم وأهواءهم فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء وقد كفروا بسيدهم وأفصحهم وخاتمهم وأكملهم صلى الله عليه وسلم »[43]، وهكذا فالعقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح وإنما الذي يعارضه الشبهات الفاسدة والآراء المنحرفة والاجتهادات الخاطئة، وكما قال ابن تيمية: « وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسده يُعلم بالعقل بطلانها بل يعلم بالفعل ثبوت نقيضها الموافق للشرع... ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط بل السمع الذي يقال أنه يخالفه إما حديث موضوع أو دلالته ضعيفة فلا يصح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضته العقل الصريح فكيف إذا خالفه صريح المعقول »[44] فابن تيمية وهو شيخ ابن كثير يقرر هذه القاعدة وهي أنه لا يمكن لصريح المعقول أن يعارض صحيح المنقول في عدة مواضع من كتبه خاصة كتابه درء تعارض العقل النقل ويحتج على ذلك بأمور منها:
    1- أن التعارض بين العقل والنقل إما أن يراد به القطعيان فلا نسلم بإمكان وقوع ذلك بينهما وإما أن يراد به الظنيان فالراجح منهما هو المقدم مطلقًا سواء كان عقليًّا أو نقليًّا فتبين أن من قدم العقل على النقل مطلقًا فقد أخطأ، وإنما المقدم هو الراجح القطعي[45].
    2- أن العقل قد شهد بصحة ما جاء به الشرع ودل عليه دلالة عامة مطلقة والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به وإلا كان العلم بصدق الشرع موقوفًا على كل ما يخبر به العقل، وما دام قد شهد بتزكيته الشرع وتعديله فلا يجوز تقديم العقل عليه لأن ذلك قادح في شهادته [46].
    3- أن ما يعلمه العقل ليس شيئًا واحدًا يشترك فيه جميع العقول وليس أمرًا مبنيًا معلومًا عند كل الناس، بل هو من الأمور النسبية الإضافية فإن زيدًا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه بكر بعقله، وقد يعلم الإنسان في حال بعقله ما يجهله في وقت آخر»[47].
    4- أنه لا يوجد في النصوص الثابتة في الكتاب والسنة ما يناقض العقل الصريح، وان ما يعارضه هو إما حديث مكذوب أو دلالته ضعيفة والرسل إنما جاءت بمحارات العقول - أي بما يُحير العقول - لا بمحالات العقول أي بما يستحيل في العقول التي يعلم إنتفاؤها فتبين أن صحيح النقل لا يعارض صحيح العقل وأن الحق لا يضاد نفسه[48].
    وقد أشار الراغب الأصفهاني[49] إلى تكامل العقل والنقل وأنهما متعاضدان ومتحدان وليسا متعارضين ومتناقضين حيث قال: « اعلم أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبين إلا بالعقل فالعقل كالأس والشرع كالبناء ولن يغني أس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس، وأيضًا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يُغنـــي الشعــــــــاع ما لم يكــــــن بصر، فلــــهـــذا قـــال تعـــالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[50] ». وأيضًا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده فإن لم يكن زيت لم يحصل السراج وما لم يكن سراج لم يضىء الزيت، وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾[51]، فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان بل متحدان)[52] فالذي يعارض النصوص والنقل ليس هو العقل الصريح إنما هو الهوى والاستبداد بالرأي والقياس الفاسد، وكما قال الشهرستاني[53]: « إن أول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس لعنه الله، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في معارضته الأمر، واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم عليه السلام وهي الطين[54]
    --------------------
    [1] سورة النحل آية 67.
    [2] انظر تفسير القرآن العظيم 2/ 710.
    [3] سورة الجاثية آية 3-5.
    [4] انظر تفسير القرآن العظيم 4/ 175.
    [5] سورة الزمر آية 17-18.
    [6] انظر تفسير القرآن العظيم 4/ 59.
    [7] سورة الأنعام آية 141.
    [8] سورة الأعراف آية 31.
    [9] 2/ 232.
    [10] هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء، أبو يعلى، عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون من أهل بغداد، ارتفعت مكانته عند القادر والقائم العباسيين، وولاه القائم قضاء دار الخلافة والحريم وحران وحلوان، وكان قد امتنع، واشترط أن لا يحضر أيام المواكب، ولا يخرج في الاستقبالات ولا يقصد دار السلطان فقبل القائم شرطه، له تصانيف كثيرة، منها الإيمان، والاحكام السلطانية، والكفاية في أصول الفقه وأحكام القرآن وغيرها، توفي سنة 458هـ. الأعلام 6/ 99.
    [11] أبو يعلي، العدة في أصول الفقه 1/ 93-94، وانظر: خليل الحدري، منهجية التفكير العلمي في القرآن، ص 58-59، طبعة دار عالم الفوائد، ط 1، 1425هـ.
    [12] سورة النحل آية 78.
    [13] انظر تفسير القرآن العظيم 2/ 715.
    [14] هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الملقب بأبي هريرة صحابي كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له، نشأ يتيمًا ضعيفًا في الجاهلية وقدم المدينة ورسول الله ز بخيبر فأسلم سنة 7هـ ولزم صحبة النبي فروى عنه 5374 حديثًا وولي إمرة المدينة مدة ولما صارت الخلافة إلى عمر استعمله على البحرين ثم لم رآه لين العريكة مشغولًا بالعبادة فعزله وأراده بعد زمن على العمل فأبى، وتوفي بالمدينة سنة 59هـ ( الأعلام 3/ 308).
    [15] هو كعب بن مالك بن عمرو بن القين الأنصاري السلمي الخزرجي، صحابي من أكابر الشعراء من أهل المدينة اشتهر في الجاهلية وكان في الإسلام من شعراء النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد أكثر الوقائع ثم كان من أصحاب عثمان وأنجده يوم الثورة وحرض الأنصار على نصرته، وعمي في أخر عمره وعاش سبعًا وسبعين عامًا، وتوفي سنة 50هـ ( الأعلام 5/ 228 ).
    [16] أبو يعلي العدة في أصول الفقه، 1/ 92-93، انظر منهجية التفكير ص 58 مرجع سابق.
    [17] انظر الفتاوى 9/ 303، ومفتاح السعادة ص230، وانظر منهجية التفكير ص 58-59، مرجع سابق.
    [18] سورة الزمر آية 17-18.
    [19] سورة الطلاق آية 10.
    [20] سورة الأنفال آية 22.
    [21] سبق ترجمته ص 74.
    [22] انظر تفسير القرآن العظيم 2/ 372.
    [23] سورة الجاثية آية 23.
    [24] انظر تفسير القرآن العظيم 4/ 178، ومعنى ذلك أن العقل يدرك الحسن والقبيح في شيئين الأول ملاءمة الغرض للطبع ومنافرته له فالموافق حسن عند العقل والمنافر قبيح عنده، الثاني صفة الكمال والنقص فصفات الكمال حسنة عند العقل وصفات النقص فبيحة عنده، انظر محمد علي الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، ص 7، طبعت دار المعرفة بدون تاريخ.
    [25] الفتاوى لابن تيمية 19/ 100.
    [26] المرجع نفسه 3/ 338.
    [27] سورة يس آية 63.
    [28] انظر تفسير القرآن العظيم 3/ 706.
    [29] المرجع نفسه 2/ 50-51.
    [30] المرجع نفسه 4/ 260.
    [31] أنظر مثلًا: 1- تفسير الآيات 28—29 من سورة ص، 4/ 41. 2- تفسير الآية 7 من سورة آل عمران، 1/ 428. 3- تفسير الآية 86 من سورة الكهف، 3/ 130. 4- تفسير سورة 94 من سورة الكهف، 3/ 132. 5- تفسير الآية 12 من سورة النور، 3/ 342. 6- تفسير الآية 61-63 من سورة العنكبوت، 3/ 519. 7- تفسير الآية 3 من سورة فاطر، 3/ 671. 8- تفسير الآية 44 من سورة فاطر، 3/ 689. 9- تفسير الآية 16 من سورة النمل، 3/ 444. 10- تفسير الآية 35 من سورة النمل، 3/ 449. 11- تفسير الآية 42 من سورة النمل، 3/ 452. 12- تفسير الآية 29 من سورة غافر، 4/ 92-93.
    [32] انظر مثلًا 2/ 161، 2/ 716، 3/ 225، 3/ 232، 3/ 504، 3/ 530، 3/ 555، 3/ 558، 4/ 90، 4/ 175، 4/ 390، 2/ 339، 2/ 534، 2/ 608.
    [33] سورة الطور آية 35.
    [34] سورة الأنبياء آية 22.
    [35] سورة البقرة آية 106.
    [36] انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 189.
    [37] انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 189.
    [38] سورة هو آية 71.
    [39] المرجع نفسه 2/ 557.
    [40] سورة الجاثية آية 24.
    [41] المرجع نفسه 4/ 179.
    [42] سورة التوبة آية 29.
    [43] انظر تفسير القرآن العظيم 2/ 430.
    [44] درء تعارض العقل والنقل 1/ 147.
    [45] درء تعارض العقل والنقل 1/ 86.
    [46] المرجع نفسه 1/ 138.
    [47] المرجع نفسه 1/ 144-145.
    [48] المرجع نفسه 1/ 147-148، وانظر تكامل المعرفة عند ابن تيمية ص 299-300.
    [49] هو الحسين بن محمد المفضل أبو القاسم الأصفهاني أو الأصبهاني المعروف بالراغب، أديب من الحكماء العلماء من أهل اصبهان سكن بغداد واشتهر حتى كان يُقرن بالإمام الغزالي من كتبه محاضرات الأدباء والذريعة إلى أحكام الشريعة وتفصيل النشأتين في الحكمة وعلم النفس، توفي سنة 502 ( الأعلام 2/ 255 ).
    [50] سورة المائدة آية 15-16.
    [51] سورة النور آية 35.
    [52] تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين ص 140-141،انظر أثر علم أصول الحديث في تشكيل العقل المسلم محاضرة ألقاها الدكتور خدون الأحدب في 12صفر 1427 هـ في منتدى الفكر الإسلامي بجدة.
    [53] هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد أبو الفتح الشهر ستاني من فلاسفة الإسلام، كان إمامًا في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، يلقب بلأفضل، ولد في شهر ستان بين نيسابور وخوارزمي وانتقل الى بغداد سنة 510هـ فأقام ثلاث سنين وعاد الى بلده وتوفي بها سنة 546هـ، من كتبه الملل والنحل ونهاية الإقدام في علم الكلام وغيرها.الأعلام 6/ 215.
    [54] الملل والنحل للشهرستاني 1/ 16، وقد أورد الدكتور محمد زين الهادي أبياتًا جميله في كتابه منهج العاملين في الدعوة عن الأرض وما تميزت به عن النار في الفوائد والمنافع البشرية والرد على إبليس في تفضيله نفسه على آدم ( أنا خير منه خلقني من نار وخلقته من طين » ومطلع هذه البيات
    زعمت النار أكرم عنصرًا **** وفي الأرض تحيى في الحجارة والزندِ
    انظر منهج العاملين في الدعوة، د. محمد زين الهادي ص 172 طبعت مركز الكتاب للنشر عُمان 1991م.


    رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/143514/#ixzz6fqkOg82k
    محمدعبداللطيف و ماجد مسفر العتيبي الأعضاء الذين شكروا.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,133

    افتراضي رد: نظرة ابن كثير إلى العقل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد طه شعبان مشاهدة المشاركة
    رابعًا: العقل وحده لا يستقل بمعرفة الحق والباطل والحسن والقبيح:
    فإن ابن كثير رحمه الله ينظر إلى أن العقل وحده لا يستقل بالتمييز بين الحق والباطل والحسن والقبيح فيقول عند تفسير الآية: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ [23]، « أي إنما يأتمر بهواه فمهما رآه حسنًا فعله ومهما رآه قبيحًا تركه ثم قال وهذا يُسْتدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقلين »[24]، فالعقل يحتاج إلى الوحي والرسالة حتى يهتدي إلى الحق ويستطيع أن يميز بينه وبين الباطل وبين الحسن والقبيح، « ولولا الرسالة لم يهتد عقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد »[25]، وكما أن العقل مناط التكليف وهو «شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال وبه يكتمل العلم والعمل لكنه ليس مستقلًا بذلك»[26].
    فالعقل يحتاج إلى الوحي والرسالة حتى يهتدي إلى الحق ويستطيع أن يميز بينه وبين الباطل وبين الحسن والقبيح، « ولولا الرسالة لم يهتد عقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد »
    أما تفاصيل النافع والضار يحتاج الى الوحى-
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: لا تحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر، عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجه اليقين ((الصارم المسلول)) (2/459).
    العقل قد يهتدي بنفسه إلى مسائل الاعتقاد الكبار على سبيل الإجمال،
    قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني: ولأن العقل لا مجال له في إدراك الدين بكماله، وبالعلم يدرك بكماله((الحجة في بيان المحجة)) لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني (2/504).
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
    واعلم أن عامة مسائل أصول الدين الكبار مما يعلم بالعقل[((مجموع الفتاوى)) (19/229-230).
    يقول شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله-(( ذكر لهم حجتين يدفعهما هذا الإشهاد، إحداهما؛ {أن تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين}، فتبين أن هذا علم فطري ضروري لا بد لكل بشر من معرفته، وذلك يتضمن حجة الله في إبطال التعطيل، وإن القول بإثبات الصانع علم فطري ضروري، وهو حجة على نفي التعطيل، والثاني؛ {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم}، وهذا حجة لدفع الشرك كما أن الأول حجة لدفع التعطيل، فالتعطيل مثل كفر فرعون ونحوه والشرك مثل شرك المشركين من جميع الأمم، وقوله: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل}، وهم آباؤنا المشركون وتعاقبنا بذنوب غيرنا، وذلك أنه لو قدر أنه لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم ووجدوا آباءهم مشركين وهم ذرية من بعدهم، ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذي الرجل حذو أبيه حتى في الصناعات والمساكن والملابس والمطاعم، إذ كان هو الذي رباه، ولهذا كان أبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه، فإذا كان هذا مقتضى العادة الطبيعية ولم يكن في فطرتهم وعقولهم ما يناقض ذلك قالوا: نحن معذورون وآباؤنا هم الذين أشركوا ونحن كنا ذرية لهم بعدهم تبعناهم بموجب الطبيعة المعتادة ولم يكن عندنا ما يبين خطأهم، فإذا في فطرتهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم، كان معهم ما يبين بطلان الشرك وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم، فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء كانت الحجة عليهم الفطرة الطبيعية العقلية السابقة لهذه العادة الأبوية، كما قال صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه"، فكانت الفطرة الموجبة للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها، وهنا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة لبطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا. وهنا لا يناقض قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}، فإن الرسول يدعوا إلى التوحيد، ولكن إن لم يكن في الفطرة دليل عقلي يعلم به إثبات الصانع لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم، فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمن إقرارهم بأن الله ربهم ومعرفتهم بذلك، وأن هذه المعرفة والشهادة أمر لازم لكل بني آدم به تقوم حجة الله تعالى في تصديق رسله، فلا يمكن أحدا أن يقول يوم القيامة: إني كنت عن هذا غافلا، ولا أن الذنب كان لأبي المشرك دوني، لكونه عارف بأن الله ربه لا شريك له، فلم يكن معذورا في التعطيل والإشراك بل قام به ما يستحق به العذاب، ثم إن الله سبحانه - لكمال رحمته وإحسانه - لا يعذب أحدا إلا بعد إرسال رسول إليهم، وإن كانوا فاعلين لما يستحق به الذم والعقاب، كما كان مشركو العرب وغيرهم ممن بعث إليهم رسول، فاعلين للسيئات والقبائح التي هي سبب الذم والعقاب، والرب تعالى - مع هذا - لم يكن معذبا لهم حتى يبعث إليهم رسولا ))-[ درء تعارض العقل والنقل ج 8 ص490 ]
    ويقول ابن القيم رحمه الله
    وهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا، وهذا لا يناقض قوله –تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). فإن الرسول يدعو إلى التوحيد ولكن الفطرة دليل عقلي يعلم به إثبات الصانع بياض في الأصل، والسياق يقتضي وضع "وإلا" لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمن بأن الله ربهم، ومعرفتهم أمر لازم لكل بني آدم به تقوم حجة الله في تصديق رسله فلا يمكن أحداً أن يقول يوم القيامة: إني كنت عن هذا غافلاً ولا أن الذنب كان لأبي المشرك دوني لأنه عارف بأن الله ربه لا شريك له فلم يكن معذوراً في التعطيل والإشراك بل قام به ما يستحق به العذاب ثم إن الله –سبحانه- لكمال رحمته وإحسانه- لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال الرسول إليه وإن كان فاعلاً لما يستحق به الذم والعقاب فلله على عبده حجتان قد أعدهما عليه لا يعذبه إلا بعد قيامهما: إحداهما: ما فطره وخلقه عليه من الإقرار بأنه ربه ومليكه وفاطره وحقه عليه لازم. والثاني: إرسال رسله إليه بتفصيل ذلك وتقريره وتكميله
    فيقوم عليه شاهد الفطرة والشرعة ويقر على نفسه بأنه كان كافراً كما قال –تعالى-: (وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ) [الأنعام: 130]، فلم ينفذ عليه الحكم إلا بعد إقرار وشاهدين وهذا غاية العدل ))[ أحكام أهل الذمة ج 2 ص 1011 ]
    إذا قيل لى ما الداعى لذِكر ذلك
    فالجواب اصحاب قضبة العذر بالجهل والاشاعرة على العكس من المعتزلة تمام المعتزلة يقولون بوجوب العذاب بالعقل وأصحاب العذر بالجهل ينفون ثبوت أسماء الذم كإسم المشرك قبل قيام الحجة ويحرفون الكَلِمْ عن مواضعه ويلبِّسون على الناس دينهم فى هذه المسألة

    فقول شيخ الاسلام ابن تيمية
    إسْمُ الْمُشْرِكِ : ثَبَتَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ ؛ فَإِنَّهُ يُشْرِكُ بِرَبِّهِ وَيَعْدِلُ بِهِ ، وَيَجْعَلُ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى ، وَيَجْعَلُ لَهُ أَنْدَادًا قَبْلَ الرَّسُولِ ...
    وَكَذَلِكَ اسْمُ الْجَهْلِ وَالْجَاهِلِية ، يُقَالُ : جَاهِلِيَّة ، وَجَاهِل ، قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ .
    وَأَمَّا التَّعْذِيبُ : فَلَا .
    وَالتَّوَلِّي عَنْ الطَّاعَةِ ، كَقَوْلِهِ : ( فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) ؛ فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الرَّسُولِ ، مِثْلَ قَوْلِهِ عَنْ فِرْعَوْنَ . ( فَكَذَّبَ وَعَصَى ) كَانَ هَذَا بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ إلَيْهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى ) ، وَقَالَ : ( فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) " .
    " انتهى من "مجموع الفتاوى" (20/ 37-38) .
    وقال رحمه الله أيضا :
    " الْجُمْهُورِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ : عَلَى أَنَّ مَا كَانُوا فِيهِ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ، مِنْ الشِّرْكِ وَالْجَاهِلِيَّ ةِ : [ كان ] شَيْئًا قَبِيحًا ، وَكَانَ شَرًّا ؛ لَكِنْ : لَا يَسْتَحِقُّونَ الْعَذَابَ إلَّا بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ .
    وَلِهَذَا :
    كَانَ لِلنَّاسِ فِي الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالْكَذِبِ وَالْفَوَاحِشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ " ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ":
    قِيلَ: إنَّ قُبْحَهُمَا مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ ، وَأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الْعَذَابَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِهِمْ الرَّسُولُ ؛ كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَحَكَوْهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ .
    وَقِيلَ: لَا قُبْحَ وَلَا حُسْنَ وَلَا شَرَّ فِيهِمَا قَبْلَ الْخِطَابِ ، وَإِنَّمَا الْقَبِيحُ : مَا قِيلَ فِيهِ : لَا تَفْعَلْ؛ وَالْحَسَنُ : مَا قِيلَ فِيهِ : افْعَلْ ، أَوْ : مَا أُذِنَ فِي فِعْلِهِ ، كَمَا تَقُولُهُ الْأَشْعَرِيَّة ُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ .
    وَقِيلَ : إنَّ ذَلِكَ سَيْءٌ وَشَرٌّ وَقَبِيحٌ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ؛ لَكِنَّ الْعُقُوبَةَ إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ ؛ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ السَّلَفِ ، وَأَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ؛ فَإِنَّ فِيهِمَا بَيَانَ أَنَّ مَا عَلَيْهِ الْكُفَّارُ : هُوَ شَرٌّ وَقَبِيحٌ وَسَيْءٌ قَبْلَ الرُّسُلِ ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ إلَّا بِالرَّسُولِ .
    وَفِي الصحيح : أن حُذَيْفَةَ قَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ: ( نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ) " انتهى من "مجموع الفتاوى" (11 /676-677) .
    وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله :
    " عدم قيام الحجة : لا يغير الأسماء الشرعية ؛ بل يسمي ما سماه الشارع كفراً أو شركاً أو فسقاً : باسمه الشرعي ، ولا ينفيه عنه ؛ وإن لم يعاقب فاعله إذا لم تقم عليه الحجة ، ولم تبلغه الدعوة ، وفرق بين كون الذنب كفراً ، وبين تكفير فاعله " .
    انتهى من"منهاج التأسيس" (ص 316)
    شيخ الإسلام رحمه الله ،رد على طائفتين :
    أولاهما : المعتزلة ومن تابعهم على قولهم : إن المشركين يستحقون العذاب بما تدركه العقول ، وإن لم تقم عليهم الحجة بإرسال الرسول .
    ثانيهما : الأشعرية ومن وافقهم على قولهم : إن الشرك والظلم ليس قبحهما ذاتيا ، متعلقا بهما في نفس الأمر ، وإنما يثبت قبحهما بعد الخطاب الشرعي ببيان هذا القبح ، وقيام الحجة به .
    ثم بين أن مذهب أهل السنة وسط بين هذين : فالشرك والظلم والفحش كلها أمور مقبوحة مذمومة ، قبل قيام الحجة وبعد قيامها ، تدرك ذلك العقول الصحيحة , والفطر السوية ؛
    إلا أن الله تعالى لا يعذب الخلق إلا بعد قيام الحجة عليهم ،
    قال شيخ الإسلام في الفتاوى : ( فلا ينجون من عذاب اللّه إلا من أخلص للّه دينه وعبادته، ودعاه مخلصًا له الدين، ومن لم يشرك به ولم يعبده فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره؛ كفرعون وأمثاله، فهو أسوأ حالا من المشرك، فلابد من عبادة الله وحده، وهذا واجب على كل أحد، فلا يسقط عن أحد البتة، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينا غيره‏.‏
    ولكن لا يعذب الله أحداً حتى يبعث إليه رسولا، وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة، ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه، فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة، ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان، فمن لا ذنب له لا يدخل النار، ولا يعذب اللّه بالنار أحداً إلا بعد أن يبعث إليه رسولا، فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه كالصغير والمجنون، والميت في الفترة المحضة، فهذا يمتحن في الآخرة كما جاءت بذلك الآثار‏ )
    وقال شيخ الاسلام-
    في الأخنائية : ( وكذلك من دعا غير الله وحج إلى غير الله هو أيضا مشرك ، والذي فعله كفر ، لكن قد لا يكون عالما بأن هذا شرك محرم . كما أن كثيرا من الناس دخلوا في الإسلام من التتار وغيرهم وعندهم أصنام لهم صغار من لبد وغيره وهم يتقربون إليها ويعظمونها ولا يعلمون أن ذلك محرم في دين الإسلام ويتقربون إلى النار أيضا ولا يعلمون أن ذلك محرم ، فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شرك فهذا ضال وعمله الذي أشرك فيه باطل ، لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة ) . اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الفتوى رقم ( 4400 )

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,133

    افتراضي رد: نظرة ابن كثير إلى العقل

    العقل مصدر من مصادر المعرفة الدينية، إلا أنه ليس مصدراً مستقلاً؛ بل يحتاج إلى تنبيه الشرع، وإرشاده إلى الأدلة؛ لأن الاعتماد على محض العقل، سبيل للتفرق والتنازع ،
    فالعقل لن يهتدي إلا بالوحي،
    والوحي لا يلغي العقل.
    وقد رفع الوحي من قيمة العقل وحث على التعقل، وأثنى على العقلاء،
    قال تعالى: فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الألْبَابِ [الزمر: 17-18].
    والنصوص الشرعية قد جاءت متضمنة الأدلة العقلية صافية من كل كدر، فما على العقل إلا فهمها وإدراكها، فمن ذلك: قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء: 22].
    وقال سبحانه: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:35]. وقال جل وعلا:وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [سورة النساء: 82]. وخوض العقل في أمور الإلهيات باستقلال عن الوحي مظنة الهلاك وسبيل الضلال.
    يقول ابن رشد -وهو ممن خاض بالعقل في مسائل الاعتقاد وطالت تجربته-: لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يعتد به، وليس يعصم أحد من الخطأ إلا من عصمه الله تعالى بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان، وهم الأنبياء . والمقارنة بين طريقة الوحي وطرق الفلاسفة والمتكلمين في بحث أمور العقيدة هي مقارنة بين الصواب والخطأ، والصحيح والفاسد، والنافع والضار.
    يقول الرازي - بعد طول بحث -: ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن. وقال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن.. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي
    فميزان صحة المعقولات هي الموافقة للكتاب والسنة.
    قال في (الحجة): وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقاً لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم عليه، وإن وجدوه مخالفاً لهم تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم
    .....إن كثيراً من مسائل الاعتقاد بعد معرفتها والعلم بها لا تدرك العقول حقيقتها وكيفيتها، وذلك كصفات الله تعالى وأفعاله، وحقائق ما ورد من أمور اليوم الآخر من الغيبيات التي لا يحيلها أو يردها العقل، ولا يوجبها أو يطلبها.
    (ولهذا ضرب الله تعالى الأمثال في القرآن الكريم لتقرير مسائل الغيب، تنبيهاً للعقول على إمكان وجودها، فاستدل على النشأة الآخرة بالنشأة الأولى، وعلى خلق الإنسان بخلق السماوات والأرض وهي أعظم وأبلغ في القدرة، وعلى البعث بعد الموت بإحياء الأرض الميتة بعد إنزال الماء عليها) (9) .
    قال السفاريني رحمه الله: لو كانت العقول مستقلة بمعرفة الحق وأحكامه، لكانت الحجة قائمة على الناس قبل بعث الرسل وإنزال الكتب، واللازم باطل بالنص: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: 15]، فكذا الملزوم

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,133

    افتراضي رد: نظرة ابن كثير إلى العقل

    العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح؛
    فالأول خلق الله تعالى
    والثاني أمره،
    ولا يتخالفان؛
    لأن مصدرهما واحد وهو الحق سبحانه: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: 54].
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
    (وليس في الكتاب والسنة وإجماع الأمة شيء يخالف العقل الصريح؛
    لأن ما خالف العقل الصريح باطل،
    وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل،
    ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس،
    أو يفهمون منها معنى باطلاً،
    فالآفة منهم لا من الكتاب والسنة)
    ((مجموع الفتاوى)) (11/490).

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,133

    افتراضي رد: نظرة ابن كثير إلى العقل

    قال ابن القيم رحمه الله
    هذه المسألة اختلف فيها الناس فقالت طائفة يجب بالعقل ويعاقب على تركه والسمع مقرر لما وجب بالعقل مؤكد له فجعلوا وجوبه والعقاب على تركه ثابتين بالعقل والسمع مبين ومقرر للوجوب والعقاب وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم من أتباع الأئمة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين وقالت طائفة لا يثبت بالعقل لا هذا ولا هذا بل لا يجب بالعقل فيها شيء وإنما الوجوب بالشرع ولذلك لا يستحق العقاب على تركه وهذا قول الأشعرية ومن وافقهم على نفي التحسين والتقبيح والقولان لأصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة والحق أن وجوبه ثابت بالعقل والسمع والقرآن على هذا يدل فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد ويبين حسنه وقبح الشرك عقلا وفطرة ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال وهي الأدلة العقلية وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه وقبح الشرك وذمه والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك كقوله {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} وقوله. {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}....... ........
    الى ان قال
    والمقصود الكلام على قول الشيخ ويجب بالسمع وأن الصواب وجوبه بالسمع والعقل وإن اختلفت جهة الإيجاب فالعقل يوجبه بمعنى اقتضائه لفعله وذمه على تركه وتقبيحه لضده والسمع يوجبه بهذا المعنى ويزيد إثبات العقاب على تركه والإخبار عن مقت الرب تعالى لتاركه وبغضه له وهذا قد يعلم بالعقل فإنه إذا تقرر قبح الشيء وفحشه بالعقل وعلم ثبوت كمال الرب جل جلاله بالعقل أيضا اقتضى
    ثبوت هذين الأمرين علم العقل بمقت الرب تعالى لمرتكبه وأما تفاصيل العقاب وما يوجبه مقت الرب منه فإنما يعلم بالسمع.
    واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك معلوما بالعقل مستقرا في الفطر فلا وثوق بشيء من قضايا العقل فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك افلا تعقلون أفلا تذكرون وينفي العقل عن أهل الشرك ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار أنهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل وأخبر عنهم أنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون وأخبر عنهم إن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح والفطرة الصحيحة ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ذلك لم يكن في قوله تعالى انظروا واعتبروا وسيروا في الأرض فانظروا فائدة فإنهم يقولون عقولنا لا تدل على ذلك وإنما هو مجرد إخبارك فما هذا النظر والتفكر والاعتبار والسير في الأرض وما هذه الأمثال المضروبة والأقيسة العقلية والشواهد العيانية أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطرمعلوم لمن كان له قلب حي وعقل سليم وفطرة صحيحة قال تعالى {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} وقال تعالى{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} وقال تعالى{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} وقال تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} وقال تعالى {ذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون} وقال تعالى {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ}

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    267

    افتراضي رد: نظرة ابن كثير إلى العقل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    والمقصود الكلام على قول الشيخ ويجب بالسمع وأن الصواب وجوبه بالسمع والعقل وإن اختلفت جهة الإيجاب فالعقل يوجبه بمعنى اقتضائه لفعله وذمه على تركه وتقبيحه لضده
    والسمع يوجبه بهذا المعنى
    ويزيد إثبات العقاب على تركه والإخبار عن مقت الرب تعالى لتاركه وبغضه له

    وهذا قد يعلم بالعقل
    فإنه إذا تقرر قبح الشيء وفحشه بالعقل وعلم ثبوت كمال الرب جل جلاله بالعقل أيضا
    اقتضى

    ثبوت هذين الأمرين
    علم العقل بمقت الرب تعالى لمرتكبه

    وأما تفاصيل العقاب
    وما يوجبه مقت الرب منه فإنما يعلم بالسمع.

    واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك معلوما بالعقل مستقرا في الفطر فلا وثوق بشيء من قضايا العقل فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات
    نعم
    بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,133

    افتراضي رد: نظرة ابن كثير إلى العقل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابوسفيان مشاهدة المشاركة
    آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ
    نعم آيات بينات لأهل التوحيد والسنة وردا على المجادلين عن اهل الشرك والتنديد بالتلبيس وتحريف الكَلِم عن مواضعه
    {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ
    دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا
    وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ*
    قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •