{أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,090

    افتراضي {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}

    قال الشيخ عبدالرحمن السعدي فى القول السديد
    {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}
    هذا شُروعٌ في بَرَاهِينِ التَّوْحِيدِ وأدِلَّتِه،
    فالتَّوْحِيدُ لَهُ مِن البَرَاهِينِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ ما لَيْسَ لغَيْرِه.
    فتَقَدَّمَ أنَّ التَّوْحِيدَيْن ِ:
    تَوْحيدَ الربوبيةِ.
    وتَوْحِيدَ الأسماءِ والصفاتِ مِن أكبرِ بَرَاهينِه وأضْخَمِها،
    فالمُتَفَرِّدُ بالخَلْقِ والتَّدْبيرِ، والمُتَوَحِّدُ في الكمالِ المطْلَقِ مِن جَميعِ الوُجُوهِ هو الذي لاَ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سِواهُ.
    وكذلك مِن بَرَاهِينِ التَّوْحيدِ:
    مَعْرِفَةُ أوصافِ المَخْلُوقِينَ، وَمَن عُبِدَ مَعَ اللهِ،
    فإنَّ جميعَ ما يُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ؛ مِن مَلَكٍ وبَشَرٍ، ومِن شَجَرٍ وحَجَرٍ وغَيرِها،
    كلُّهم فُقراءُ إلى اللهِ،
    عَاجِزُونَ ليسَ بيدِهِم مِن النفْعِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ،
    ولاَ يَخْلُقونَ شيئًا وهُم يُخْلَقُونَ،
    ولاَ يَمْلِكُونَ ضرًّا ولاَ نَفْعًا،
    ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا،

    واللهُ تعَالَى هو الخَالِقُ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ،
    وهو الرازِقُ لكلِّ مَرْزوقٍ،
    المُدَبِّرُ للأمورِ كلِّها،
    الضارُّ، النافِعُ، المُعْطِي، المانعُ،
    الذي بيدِه ملكوتُ كلِّ شَيْءٍ،
    وإليه يُرْجَعُ كُلُّ شَيْءٍ
    ولَهُ يَقْصِدُ ويَصْمُدُ ويَخْضَعُ كُلُّ شَيْءٍ.

    فأَيُّ بُرْهانٍ أعَظَمُ مِن هذَا البرهانِ الذِي أعادَهُ اللهُ وأبدَاهُ
    في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتَابِهِ وعلى لسانِ رَسُولِه،
    فهو دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ فِطْرِيٌّ،
    كما أَنَّه دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ نَقْلِيٌّ عَلَى وُجُوبِ تَوْحِيدِ اللهِ وأَنَّه الحَقُّ،
    ودَلِيلٌ كذلك على بُطْلاَنِ الشرْكِ.

    وإذا كانَ أشْرَفُ الخَلْقِ على الإِطلاقِ
    لاَ يَمْلكُ نَفْعَ أَقْرَبِ الخلقِ إليه وَأَمَسِّهم بِهِ رَحِماً، فكَيْفَ بغَيْرِه؟

    فَتَبًّا لِمَنْ أَشْرَكَ باللهِ وسَاوَى به أحدًا مِن المَخْلوقِينَ،
    لَقَدْ سُلِبَ عَقْلَه بَعْدَما سُلِبَ دينَه.
    فنُعوتُ البارِي تعالَىَ وصفاتُ عَظَمَتِه وتَوَحُّدِه في الكَمَالِ المُطْلَقِ
    أَكْبرُ بُرْهانٍ عَلَى أَنَّه لاَ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ إلاَّ هو.

    وكذلك:
    صفاتُ المخلوقاتِ كلِّها، وما هي عليه مِن النَّقْصِ، والحَاجَةِ، والفَقْرِ إلى ربِّها في كلِّ شُؤونِها، وأنَّه لَيْسَ لَهَا مِن الكَمَالِ، إلاَّ ما أَعْطاهَا رَبُّها،
    مِن أَعْظَمِ البراهينِ عَلَى بُطلاَنِ إلهيةِ شَيْءٍ مِنْها.

    فمَن عَرَفَ اللهَ، وعَرَفَ الخَلْقَ،
    اضْطَرَّتْه هذه المعرفَةُ إلى عبادَةِ اللهِ وحدَه،
    وإِخْلاَصِ الدِّينِ لَهُ،
    والثناءِ عَلَيْهِ،
    وحَمْدِه وشُكْرِه بلِسانِهِ وقَلْبِه وأرْكانِه
    ، وانْصَرَفَ تَعَلُّقُه بالمَخْلُوقِينَ خَوْفًا ورجاءً وطمعًا،

    [القول السديد فى مقاصد التوحيد للعلامة عبد الرحمن ابن ناصر السعدى]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    5,090

    افتراضي رد: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}

    قال الشيخ صالح ال الشيخ فى شرح كتاب التوحيد
    أن برهان وجوب توحيد الله -جل وعلا- في إلاهيته هو ما رُكِز في الفِطر، من أنه جل وعلا: واحد في ربوبيته.
    والربوبية؛ وأن الله واحدٌ في ربوبيته هذه:
    يقر بها المشركون.
    ويقر بها كل أحد،
    فهي البرهان على أنَّ المستحق للعبادة هو مَنْ توحد في الربوبية.

    فهذا الباب؛ والباب الذي بعده أيضا، برهان لاستحقاق الله العبادة وحده دون ما سواه
    بدليلٍ فطريٍّ.
    ودليلٍ واقعيٍّ.
    ودليلٍ عقليٍّ، ومن المعلوم أن الأدلة العقلية عندنا: أهل السنة والجماعة، نأخذها من الكتاب والسنة؛لأن في الكتاب والسنة من الأدلة العقلية ما يغني عن تكلف أدلة عقلية أخرى لمن تأمل ذلك في نصوص الوحيين.
    فهذا الباب فيه بيان:
    أن الذي يخلق هو الله وحده.
    والذي يرزق هو الله وحده.
    والذي يملك هو الله وحده؛
    وأن غير الله جل وعلا:
    ليس له نصيب من الخلق.
    وليس له نصيب من الرزق.
    وليس له نصيب من الإحياء.
    وليس له نصيب من الإماتة.
    وليس له نصيب من الأمر.
    وليس له مِلْك حقيقي في أمر من الأمور {ليس لك من الأمر شيء} حتى أعلى الخلق مقاماً، وهو النبي -عليه الصلاة والسلام- قال له الله جل وعلا: {ليس لك من الأمر شيء} يعني: لست مالكاً لشيء من الأمر، ليس من الأمر شيءٌ تملكه، (اللام) هنا لام المِلك، فمن الذي يملك إذاً؟
    هو الله جل وعلا،
    فإذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يُنفى عنه ذلك، فإن نفيه عمن هو دونه من باب أولى.
    والذين توجهوا إلى أصحاب القبور، أو إلى الصالحين، والأولياء، والأنبياء: في داخلهم زعمٌ بأنهم يملكون أشياء، إما أن يملكوا شيئاً من الرزق؛ أو أن يملكوا شيئاً من التوسط، والشفاعة بدون إذن الله -جل وعلا- ومشيئته، فإذاً: هذا الباب أحد الأبواب التي فيها البرهان على استحقاق الله للعبادة وحده دون ما سواه.
    والقرآن فيه كثير من البراهين على أن المستحق للعبادة هو الله -جل وعلا- وحده دون ما سواه، فمن تلك الأدلة والبراهين:
    -ما في القرآن من أدلةٍ فيها إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، كل ذلك النوع من الأدلة فيه دليلٌ على أن المستحق للعبادة: هو من أقررتم له بالربوبية.

    ومن الأدلة والبراهين على ذلك: ما في القرآن، من أن الله -جل جلاله- نصر رسله وأولياءه على أعدائهم؛ وأن كل طائفة من طوائف الشرك ذلت، وخضعت، وغُلبت أمام طوائف أهل الإيمان؛ أمام جند الله -جل وعلا- من الرسل، ومن أتباع الرسل والأنبياء.
    - وهذا نوع آخر من الأدلة، أنه ما من طائفةٍ موحدةٍ بعث الله -جل وعلا- إمامها ورسولها بقتال المشركين، إلا وظهرت عليهم، إلا وغلبتهم، حتى صارت العاقبة لهم؛ وهذا أمرٌ في القرآن كثير، وأدلته كثيرة: قصص الأنبياء، وقصص القرى، وكل قرية خالفت رسولها عُوقبت، وهكذا كل القرى؛ هذا دليل على أن التوحيد هو الحق، وأن الشرك باطل.
    - من الأدلة نوع آخر في القرآن، من البراهين نوع آخر في القرآن، من أنَّ المخلوق ضعيف: أن العابد الذي يسمع هذا القرآن، كل مخلوق كل مكلف يعلم من نفسه الضعف، وأنه جاء إلى الحياة بغير اختياره، بل الله -جل وعلا- الذي أتى به إلى هذه الحياة، وأنه سيخرج من هذه الحياة بغير اختياره أيضاً، فهو إذاً: مقهور، ويعلم قطعاً أن الذي قهره وأذله وجعله على هذه الحالة ليس هو تلك الآلهة، وإنما هو الله -جل وعلا -وحده، هو الذي يحيي ويميت؛ وهذا إقرار عام يعلمه كل أحد من فطرته.
    - من الأدلة والبراهين أيضاً: أن الله -جل وعلا- له الأسماء الحسنى، وله الصفات العُلى؛ وأنه ذو النعوت الكاملة، وذو النعوت الجليلة:
    نعوت الجلال.
    ونعوت الجمال.
    ونعوت الكمال.
    وهو سبحانه له الكمال المطلق في كل اسم له، وفي كل نعت ووصف له؛ له الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه، هذا الباب ذكر فيه
    الشيخ -رحمه الله- أحدَ أنواع أدلة الربوبية، أو براهين التوحيد؛ وأنه -جل وعلا- هو الواحد في ربوبيته.
    هذا الباب مع الباب الذي يليه، مناسبته لكتاب التوحيد: أن هذين البابيْن هما برهان للتوحيد، برهان لاستحقاق الله -جل وعلا- العبادة وحده، وعلى بُطلان عبادة ما سواه؛ وهذا البرهان هو بتقرير أن الله جل وعلا واحدٌ في ربوبيته:
    ودليل ذلك الفطرة.
    ودليل ذلك العقل.
    ودليل ذلك أيضاً النص من الكتاب والسُّنة.
    فلا أحد ينكر أن الله -جل وعلا- هو مالك الملك؛ وهو الذي بيده تصريف الأمر كيف يشاء، إلا شرذمة قليلة من الناس كما قال
    الشهرستاني وغيره: (لا يصحّ أن تُنسب لهم مقالة).
    فالناس مفطورون على الإقرار بالرّب؛ وعلى الإقرار بأنهم مخلوقون، وإذا كان كذلك، فإن الحُجَّة عليهم في وجوب توحيد الألوهية، أن الله جعل في فِطَرِهم الإقرار بأن الله واحد في ربوبيته؛ ولهذا المشركون لا ينكرون:
    أن الله -جل جلاله- واحد في خلقه.
    واحد في رزقه، يعني أنه هو الخَلاّق وحده؛ وأنه هو الرزاق وحده، وأنه -جل وعلا- هو الذي يحي ويميت؛ وهو الذي يُجير ولا يُجار عليه، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض؛ وهو الذي يُنبت النبات؛ وهو الذي ينزل الماء؛ إلى آخر أفراد تدبيره -جل وعلا- للأمر، وأفراد توحيد الربوبية.
    فالبرهان على أن الله هو المستحق للعبادة
    وحده، أنه -جل وعلا- هو مالك الملك وحده، وهو الذي يُدبّر هذا الملكوت وحده، وهو الذي خلق العباد، والعباد صائرون إليه؛ أما الآلهة التي توجّه إليها العباد بالعبادة من الأنبياء، والأولياء، أو الملائكة، فإنما هم مخلوقون مربوبون، لا يَخلقون شيئاً وهم يُخلقون، وأيضاً لا يستطيعون نصراً لمن سألهم، وإنما ذلك لله جل وعلا.
    فإذا كان أولئك ليس لهم من الأمر شيء، وليس لهم من الملك شيء، وليس لهم من الخلق شيء، وليس لهم من تدبير الأمر شيء، وإنما تدبير أمر السماوات، وتدبير أمر الأرض بيد الله وحده دونما سواه؛ فإن الذي يستحق العبادة وحده هو الذي يفعل تلك الأفعال، وهو الذي يتصف بتلك الصفات، هو الذي وَحَّده العبادُ في ربوبيّته؛ فإذا كان كذلك فيجب أن يكون إذاً واحداً في أفعالهم، بألاّ يتوجهوا بالعبادة إلاّ إليه وحده.
    وهذا كثير في القرآن جدّاً، فإنك تجد في القرآن أن أعظم الأدلة والبراهين على المشركين في إبطال عبادتهم لغير الله، وفي إحقاق عبادة الله وحده دون ما سواه، أنهم يُقرون بتوحيد الربوبية؛ فالإقرار بتوحيد الربوبية: برهان توحيد الإلهية؛ فالله -جل وعلا- احتجّ في القرآن على المشركين بما أقرّوا به من توحيد الربوبية على ما أنكروه من توحيد الإلهية.
    - ولهذا قال جل وعلا: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمَّن يملك السمع والأبصار ومن يُخرج الحيَّ من الميت ويُخرج الميت من الحيّ ومن يُدبر الأمر، فسيقولون الله قل أفلا تتقون} يعني: أتقرّون بذلك فلا تتقون الشرك؛ لأني ذكرت لكم أن (الفاء) أتت بعد الهمزة، فهي تعطف ما بعدها على جملة محذوفة دلّ عليها السياق {أفلا تتقون} يعني: أتقرّون بأن الله واحد في ربوبيته فلا تتقون الشرك به {فذلكم الله ربكم الحق} باعترافكم وبإيقانكم {فماذا بعد الحق إلاّ الضلال} وهذا نوع احتجاج بما أقرّوا به: وهو توحيد الربوبية، على ما أنكروه: وهو توحيد الإلهية.
    كذلك:
    الآيات العظيمة
    في سورة النمل، قال جل وعلا: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خيرٌ أم ما يُشركون أمّن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تُنبتوا شجرها، أَإِله مع الله بل هم قوم يعدلون}، {أَإِله مع الله} هنا إنكار عليهم، أنكر لماذا؟
    لأن ما سبق يُقرون به {أمّن خلق السموات والأرض} يُقرون بأن الذي خلقها هو الله، فإذاً: كيف يتخذون إلهاً مع الله؟!
    كان هذا إنكار، مَن الذي أنزل لهم من السماء ماءً؛ فأنبت لهم به حدائق ذات بهجة؟
    هو الله، فإذاً: كيف يتخذون إلهاً معه؟
    ولهذا قال جل وعلا: {أَإِله مع الله} هذا إنكار عليهم {بل هم قوم يعدلون} يعني: يعدلون بالله غيره.
    أو يعدلون غير الله -جل وعلا- به، يعني يُساوون هذا بهذا.
    أو يعدلون، يعني: يُصرفون عن الحق؛ وينصرفون عنه إلى غيره.
    فكيف يعدلون عن الحق إلى غيره؟
    أو كيف يعدلون بالله غيره من الآلهة؟
    وهكذا الآية التي بعدها: {أمَّن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً} جواب المشركين على هذا السؤال (أمَّن) جوابهم: هو الله.
    قال جل وعلا: {أَإِله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون}.
    - ثم قال جل وعلا: {أمّن يجيب المضطرّ إذا دعاه} رجع من الآيات التي في الآفاق وفي ما حولهم إلى الشيء الذي يعلمونه علم اليقين {أمَّن يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السُّوء ويجعلكم خلفاء الأرض، أَإِله مع الله قليلاً مّا تذكَّرون}.
    ثم قال جل وعلا: {أَمَّن يهديكم في ظلمات البرِّ والبحر ومن يُرسل الرياح بُشراً بين يَديْ رحمته أَإِله مع الله تعالى الله عمّا يُشركون، أمّن يبدؤ الخلق ثم يُعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا بُرهانكم إن كنتم صادقين}.
    وفي الحقيقة أنه لا بُرهان لهم.
    ولهذا قال -جل وعلا- في سورة المؤمنون: {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا بُرهان له به فإنما حسابه عند ربِّه}{لا برهان له به} فكل إله لا برهان له: لا برهان له، يعني: لا حُجة قائمة على أنه إله؛ وإنما اتخذه البشر بالطغيان وبالظلم {ومن يدع مع الله إلها آخر لا بُرهان له به فإنما حسابه عند ربّه إنه لا يفلح الكافرون}.
    فهذا الباب قائم على هذه الحُجَّة؛ ولهذا من أعظم الحُجّة على المشركين، وعلى الذين توجهوا إلى الأموات، توجهوا إلى المقبورين بطلب تفريج الكربات، وطلب إغاثة اللهفات، وطلب إِنجاح الحاجات، وسؤال ما يحتاجه الناس، أعظم الحجة عليهم: أن تحتجَّ عليهم بتوحيد الربوبية.
    وهؤلاء المشركون في هذه الأزمنة زادوا، كما قال
    الشيخ -رحمه الله- في القواعد الأربع: زادوا على مُشركي الجاهلية بأنهم اعتقدوا أن لتلك الآلهة، لتلك الأموات، أن لهم تصرفاً فِي الكون أيضاً؛ فنسبوا إليهم شيئاً من الربوبية، ولم يجعلوا توحيد الربوبية أيضاً خالصاً.
    وهذا البرهان برهان عظيم، ينبغي لك أن تتوسَّع في دلائله؛
    وأن تعلم الحجة في القرآن منه؛ لأن القرآن كثيراً ما يحتجُّ بهذا البرهان: وهو توحيد الربوبية، على ما ينكره المشركون: وهو توحيد الإلهية.
    من ذلك ما ساقه الشيخ -رحمه الله- في هذا الباب، قال: (باب قول الله تعالى: {أيُشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يُخلقون}) هذا إِنكار وتوبيخ لهم، كيف يشركون الذي لا يَخلق شيئاً وهم يُخلقون؟
    ومن الذي خلقهم؟
    هو الله جل وعلا،
    هو الذي خلق من عُبِد، وهو الذي خلق العابد أيضاً؛ فالذي يستحق العبادة وحده دون ما سواه إنّما هو الله ذو الجلال والإكرام.
    قال: (ولا يستطيعون لهم نصراً)؛ لأن النصر في الحقيقة إنما هو من عند الله جل وعلا، لو أراد الله أن يمنع نصر الناصر لمنعه.
    قال: (وقوله: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم...} الآيات).
    قال: {ما يملكون من قطمير} وهذا موطن الشّاهد قوله: (ما يملكون من قطمير)حتى هذا القطمير: وهو غلاف النواة؛ أو الحبل الواصل من أعلى النواة إلى ظاهر الثمرة، هذا لا يملكونه، فغيره مما هو أعلى منه من باب أولى وأولى، فَحتَّى هذا الشيء الحقير لا يملكونه مما لا يحتاجه الناس ولا يطلبونه، فكيف إذاً: يطلبون منهم أشياء لا يملكونها؟
    قال -جل وعلا- هنا: {والذين تدعون من دونه}، {الذين}: هذا اسم موصول يعمّ كل ما دُعِيَ من دون الله:
    الملائكة.
    أو الأنبياء.
    والرسل.
    أو الصالحين من الأموات.
    أو الطالحين.
    أو الجن.
    أو الأصنام.
    والأشجار والأحجار.
    كُل مَنْ دُعِيَ وما دُعِيَ فإِنه لا يملك ولو قطميراً، لا يملك هذا، فإذاً: لِمَ يُسأل؟
    فالواجب أن يُتوجَّه بالسؤال لمن يملك ذلك.
    ذكر الشيخ -رحمه الله- بعد ذلك عدة أحاديث في هذا الباب؛ وهذه الأحاديث مدارها على بيان قول الله جل وعلا: {ليس لك من الأمر شيء} ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث، وإيراد هذه الآية: أنّ هذا النفي توجَّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو -عليه الصلاة والسلام- سيِّد وَلَدِ آدم؛ ليس لك يا محمد من الأمر شيء، و(اللام) في قوله {لك}لام الاستحقاق أو لام المِلْك، يعني: لا تستحق شيئاً؛ أو لا تملك شيئاً، يعني: لا تستحقه بذاتك وإنما بما أمر الله جل وعلا، وبما أَذِن به، فتعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم- ومحبة النبي -عليه الصلاة والسلام- هي فرعٌ عن محبة الله، وعن تعظيم الله جل وعلا، فما هو أبعد، أو أعظم مِمَّا أَذِن الله بِهِ فليس له ذلك؛ كذلك المِلْك -مِلْكْ الأشياء أو مُلك شيء من الأمر- فإنه ليس له -عليه الصلاة والسلام- ذلك.
    قال الله جل وعلا: {ليس لك من الأمر شيء} ولو كان له -عليه الصلاة والسلام- من الأمر شيء، لنصر نفسه وأصحابه يوم أُحُد؛ ولكن في يوم أُحُد حصل ما حصل، فأنزل الله -جل وعلا- قوله: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون}.
    كذلك:
    الحديث الآخر، لمّا لعن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قنوت الفجر فُلاناً وفُلاناً من الناس الذين آذوا المؤمنين، نزل قول الله جل وعلا: {ليس لك من الأمر شيء} يعني: لست تملك شيئاً من الأمر؛ وهكذا الحديث الذي بعده.
    وهذه الأحاديث دالة على أن -النبي صلى الله عليه وسلم- نُفي عنه أن يملك شيئاً من ملكوت الله؛ وإذا كان كذلك فإنه -عليه الصلاة والسلام- قد بلَّغ ذلك وبيَّنه، ومن هو دونه عليه الصلاة والسلام من باب أولى، فالملائكة أولى أن يُنفى عنهم ذلك، والأنبياء أولى أن يُنفى عنهم ذلك، وكذلك الصالحون من أتباع الرسل وأتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- كذلك أولى أن يُنفى عنهم ذلك؛ فإذا كان كذلك، بطلت كل التوجهات إلى غير الله جل وعلا، ووجب أن يُتوجّه بالعبادة وبأنواع العبادة من:
    الدعاء.
    والاستغاثة.
    والاستعاذة.
    والذبح والنذر.
    - وأنواع التوجهات إلى الحق -جل وعلا- وحده دون ما سواه.
    الحديث الأخير، لمّا نزلت: {وأنذِر عشيرتك الأقربين}.
    [قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم لا أُغني عنكم من الله شيئاً؛ يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنكَ من الله شيئا؛ يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أُغني عنكِ من الله شيئاً؛ يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئتِ لا أغني عنكِ من الله شيئاً ))].
    وهذا ظاهر في أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يستطيع أن يفعل شيئاً بما ينفع به الأقربين، إلاّ ما جعل الله له من الرسالة، وبلاغ وأداء الأمانة، وأما أنه يُغني عنهم من الله شيئاً:
    يُغني عنهم العذاب.
    يُغني عنهم النَّكال.
    يُغني عنهم العقوبة،
    فالله -جل وعلا- لم يجعل لأحد من خلقه من ملكوته شيئاً؛ وإنما هو سبحانه المتفرِّد بالملكوت والجبروت؛ والمتفرد بالكمال، والجمال، والجلال.[شرح كتاب التوحيد للشيخ صالح ال الشيخ]


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •