جواب أهل الباطل في باب الحجاج وباب الاستدلال وإقامة البرهان مجمل ومفصل
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: جواب أهل الباطل في باب الحجاج وباب الاستدلال وإقامة البرهان مجمل ومفصل

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,901

    افتراضي جواب أهل الباطل في باب الحجاج وباب الاستدلال وإقامة البرهان مجمل ومفصل

    قال الشيخ صالح ال الشيخ قال الإمام رحمه الله-
    هنا: (وأنا اذكر لك أشياء مما ذكره الله في كتابه جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا،
    فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل ومفصل)

    ...كل شبهة في كلام المشركين أدلوا بها فإن جوابها في القرآن،
    إما عن طريق الجواب المجمل،
    وإما عن طريق التفصيل؛
    لقوله الله جل وعلا: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}
    والله -جل وعلا- أبطل حجج المشركين بالإجمال وبالتفصيل.
    وقول الشيخ -رحمه الله- هنا: (جواب أهل الباطل من طريقين مجمل ومفصل) كلمة (مجمل) تارة يقابل بها (المبيَّن)
    وتارة يقابل بها (المفصَّل)
    ومعناها: إذا قوبل بها (المبين)
    يختلف عن معناها إذا قوبل بها (المفصل).

    والأول هو الذي يبحثه الأصوليين حين يجعلون في مباحثهم في الركن الثالث من أركان أصول الفقه - وهو البحث في الاستدلال - (المجمل) ويقابلون به (المبين).
    و(المجمل) الذي يقابل به (المبين) اختلفت عباراتهم في تعريفه، ولكن حاصلها يرجع إلى أن (المجمل):
    - ما لم تتضح دلالته.
    أو كما قال بعضهم:ما احتمل شيئين ولا مرجح.أو كما قال بعضهم:ما لم يكن متحد المعنى، ولم يكن ثَّم ما يبين ذلك المعنى فيه.
    فإذاً: (المجمل) الذي يقابل بـ(المبين) هذا يبحث فيه من جهة دلالة الألفاظ، ومن جهة الاستدلال، فيقال: هذا مجمل وهذا مبين.ومعلوم أن النصوص إذا جاء فيها شيء مجمل فلابد من البحث عما يبينه حتى يتم الاستدلال؛ لأن الاستدلال بالمجمل لا يصح؛ لأنه محتمل لأشياء ولا مرجح لأحد الاحتمالات من اللفظ أو من التركيب، وإنما لا بد من البحث عن البيان في أدلة أخرى.
    وأما في مقام البرهان وعند أهل الحِجاج والاستدلال:
    فإنهم يستخدمون لفظة (المجمل) المقابل لها (المفصل) وهو الذي عناه الشيخ -رحمه الله- في هذا المقام،
    حيث قال: (من طريقين: مجمل ومفصل).
    و(المجمل) هنا هو (المجمل) في باب الحجاج وباب الاستدلال وإقامة البرهان، وذلك: أن البراهين في إقامتها تنقسم إلى:
    1-براهين مجملة.
    2- وبراهين مفصلة.
    ويقصد بالإجمال:
    البرهان العام، الذي يمكن أن تُرجع أفراداً كثيرة إليه من جهة الاحتجاج،
    فيصلح حجة لأشياء كثيرة دون تحديد.

    وأما (المفصل)الذي يقابل به (المجمل) هذا:
    فإنه الرد الذي يقابل به كل شبهة على حدة،
    فتكون الشبهة لها رد بالتفصيل عليها.
    وقد يكون هناك في الرد المفصل ما يشترك فيه بين رد ورد،
    فتحصَّل لك:
    أن قول الإمام رحمه الله تعالى: (جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل ومفصل):
    أن المجمل: هو الجواب العام والاستدلال العام والبرهان العام الذي يصلح لكل حجة يوردها المجادل.
    والمفصل: هو البرهان والدليل لإبطال كل شبهة على حدة،
    ذلك على وجه التفصيل.

    فإذاً: الإجمال هنا غير الإجمال المعروف في أصول الفقه،
    فالإجمال هنا واضح بخلاف المجمل في أصول الفقه، فإنه مالم تتضح دلالته.[شرح كشف الشبهات]


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,901

    افتراضي رد: جواب أهل الباطل في باب الحجاج وباب الاستدلال وإقامة البرهان مجمل ومفصل

    قول الشيخ رحمه الله:
    (أما المجمل: فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة)
    يعني: أما الجواب الذي فيه البرهان والدليل العام والشامل لرد أفراد كثيرة من شبه أهل الباطل، بل لرد كل شبهة يوردها المبطلون.

    قال: (فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها)
    وهذا واضح، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم-
    أحال على هذا الجواب المجمل، وأحال على هذا الأمر العام في قوله -عليه الصلاة والسلام-
    في بيان آية آل عمران: ((فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم))
    وهذا إحالة إلى تحذيرٍ عام من كل صاحب شبهة.
    وهذه يحتاجها كل مسلم،كل موحد؛
    لأن درجات العلم تختلف، حتى بعض أهل العلم قد يخفى عليه جواب بعض الإشكالات،
    لكن إن كان من الراسخين في العلم ومن الموفقين آمن بما اشتبه وأحال الجواب على المحكمات،
    ولا يلزم من ذلك أن تكون كل شبهة مردودة عند كل عالم؛ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

    لكن المحكمات، الأمر المجمل العام،
    هذا تستفيده في كل موقف من المواقف التي يجادلك من يخالف طريقة أهل التوحيد، طريقة أهل السنة والجماعة، طريقة السلف الصالح،
    فالاستمساك بهذا الجواب المجمل غاية في الأهمية؛
    لأنه قد لا يستحضر طالب العلم، أو يستحضر الموحد جواب كل شبهة على تفصيلها؛
    فإذا تمكن من هذا الجواب المجمل فإنه يتمكن من رد كل شبهة أوردها المبطلون.

    وتفصيل هذا الاستدلال المجمل برد كلام أهل الباطل في التوحيد، وبه تنكشف شبههم جميعاً.
    (وذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ})

    هذه الآية فيها بيان من الحق -جل وعلا- أن هذا القرآن أنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم-
    وهو قسمان:

    1-منه محكم.
    2-ومنه متشابه.
    والمتشابه والمحكم راجعان إلى دلالة الألفاظ، وراجعان إلى المعنى، لا إلى المراد به.
    فـ(المحكم) اختلفت أقوال العلماء في تعريفه: ما هو المحكم وما هو المتشابه؟
    فقال بعضهم: إن (المحكم): هو ما استبان معناه، واتضحت دلالته فلا لبس فيه، متضح لكل أحد لا لبس فيه ولا إشكال.و(المتشابه): ما يشتبه معناه المراد به، فلا يتضح.
    فإذاً:رجع - على هذا التعريف - (المحكم) إلى المتضح البين، و(المتشابه) إلى ما يحتاج إلى اجتهاد ونظر، لا يتضح معناه.
    ومن الأقوال في ذلك: ما رواه علي بن أبي طلحة في صحيفته المعروفة في التفسير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: (المحكم هو ناسخه وأمره ونهيه وحلاله وحرامه).
    فأرجع المحكمَ ابنُ عباس إلى ما يكون من جهة العمل، وأما الأخبار فإنها لا يعلم تأويلها إلا الله -جل جلاله-؛ لأن حقيقتها غير معلومة، يعني في الأمور الغيبية، كما سيأتي.
    وقال آخرون من أهل العلم : (المحكم) راجع إلى ما لا تعدد في دلالته.و(المتشابه) إلى ما تتعدد الدلالة فيه.
    والأقوال في هذا كثيرة، معروفة في كتب الأصوليين.
    ومن الباطل فيها: ما يجعل (المحكم): ما رجع إلى أمور الفقه، الأحكام.و(المتشابه): ما يرجع إلى أمور العقيدة؛ لأن هذا معناه أن الله -جل جلاله- لم يبين لنا بيانًا محكمًا شيئًا من أمور العقيدة، وهذا باطل.
    ومن الباطل فيه: ما يقال إن (المتشابه)منه آيات الصفات، ومنه الحروف المقطعة في أول السور.وهذا أيضاً من الأقوال الباطلة فيه.
    وليس هذا محل بسط الكلام في المحكم والمتشابه، لكن المقصود من ذلك: أن الراجح عند أهل العلم: أن (المحكم): هو ما تبينت دلالته واتضحت. و(المتشابه): هو ما يحتاج في بيان دلالته إلى اجتهاد ونظر.

    والقرآن جعله الله -جل وعلا- محكماً كله، وجعله -جل وعلا- متشابهاً كله في آيات أُخَر.

    قال -جل وعلا- في بيان أن القرآن جميعه محكم:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} فالقرآن على هذا كله محكم، بمعنى أنه لا تفاوت فيه ولا اختلاف، متقن لا تفاوت فيه ولا اختلاف، لا من جهة الأخبار، ولا من جهة الإنشاءات، فهو -جل وعلا- أحكمه لا اختلاف فيه؛ كما قال جل وعلا: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} والقرآن أيضًا متشابه كله؛ كما قال جل وعلا: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً} فالقرآن متشابه؛ لأنه بعضه يشبه بعضاً، آيات في التوحيد، وآيات التوحيد، آيات في وصف أحد الرسل وبيان حاله مع قومه وآيات كذلك، بيان في الجنة والجنة، والنار والنار، والآخرة والآخرة، وكذلك في صفات الله وصفات الله، وهكذا.فبعضه يشبه بعضاً،في الأمر والنهي وفي الأمر والنهي، في الحلال والحرام، في الحلال والحرام، وهكذا.وهذان القسمان غير القسم الذي في هذه الآية، هذه الآية فيها تقسيم ثالث للقرآن: وهو أن القرآن منه محكم ومنه متشابه.
    و(المحكم): ما اتضحت دلالته وبانت. و(المتشابه): ما يحتاج في بيان دلالته إلى اجتهاد أهل العلم فيه، أو إلى رده للمحكم، ومن الاجتهاد أن يرد إلى المحكم، فالمتشابه من القرآن ما لم تتضح دلالته في نفسه، يشتبه على الناظر فيه، وذلك من قوله تعالى: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} يعني: لا ندري المراد أي واحدة من هذه البقر {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} فلا ندري أي واحدة من البقر أردت بالأمر، وهذا هو المراد هنا، قوله: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} يعني: يشتبه بعضها من حيث الدلالة والأمر، فلا بد من إرجاعها إلى المحكم.
    إذا كان كذلك فالمحكمات التمسك بها هو الأصل الأصيل في رد الشبه.وهذه الآيات المحكمات أنواع: فمنها:
    النوع الأول: الآيات التي فيها بيان أن الكفار مقرون بتوحيد الربوبية، وأنهم لا إشكال عندهم في ذلك، هذا نوع.
    والنوع الثاني من الآيات: أن الكفار ما أرادوا عبادة ما عبدوا إلا لأجل التقرب إلى الله -جل جلاله- بالزلفى والشفاعة، إلى أخر الآيات في ذلك.
    والنوع الثالث:من الآيات المحكمات في هذا الباب الواضحة: أن الأموات التي عبدت لا تملك شيئًا، وأنها يوم القيامة تتبرأ ممن عبدها.
    والنوع الرابع:من الأدلة المحكمة في هذا الباب في رد حجج المشركين: الآيات التي فيها بيان أن الله -جل جلاله- لم يتخذ ولدًا، ولم يتخذ شريكًا، ولم يتخذ ولياً، ولم يتخذ شفيعًا؛ كآية سورة سبأ، وآية سورة الإسراء، وآية الفرقان، وأشباه ذلك.
    والنوع الخامس:من هذه الأنواع المحكمة: أن معبودات المشركين في القرآن مختلفة، فمنهم من عبد الأصنام، ومنهم من عبد الأوثان - والصنم: ما كان على هيئة صورة مصورة منحوتة، والوثن: مالم يكن على هيئة صورة: شجر، قبر، إلى آخره، كوكب - ومنهم من عبد الملائكة، ومنهم من عبد الأولياء، ومنهم من عبد الجن، ومنهم من عبد الشجر والحجر، إلى آخره.
    فهذه التصانيف في الآيات لمعبودات المشركين، هذه تنزل عليها كل حالة من حالات أهل الشرك في هذا الزمن وفي ما قبله وما بعده.
    فهذه آيات محكمات، أصول في باب توحيد العبادة - هذه الأنواع - لهذا ترى أن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- يكثر من تنويع هذه الأدلة؛ لأنها حجة في هذا الباب محكمة، لا يستطيع أحد أن ينقضها، ولا أن يردها.
    قال جل وعلا: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} معنى {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} أي: هن الأصل الذي يرجع إليه في الكتاب.

    فالمحكمات:البينات الواضحات، وما من آية مشتبة في القرآن إلا ويمكن إرجاعها إلى محكم فيه.

    فمعنى {أُمُّ الْكِتَابِ}: يعني هن أصل الكتاب الذي يرجع إليه؛ لأن الأم هي أصل الولد، وأم الكتاب: الأصل الذي يرجع إليه الكتاب في هذه، وذلك لأنها مشتملة على معاني الكتاب، ومن هذا كانت الفاتحة أم القرآن؛ لأن جميع آيات القرآن راجعة إلى آيات الفاتحة إما بظهورٍ أو بشيء من البيان.
    قال: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}فهنا بين أن القرآن منه كذا ومنه كذا، منه محكم ومنه متشابه، متشابه لم تتضح دلالته، وهذا المتشابه قد يكون في الأخبار، وقد يكون في الأمر والنهي، قد يكون في الأخبار، وقد يكون في الإنشاءات، ولا يحد المتشابه بقسم الإنشاء دون الأخبار أو بقسم الأخبار دون الإنشاء، بل التشابه وقع في قسمي الكلام: الأخبار والإنشاءات.
    ومعنى الأخبار: يعني التي يكون امتثالها بالتصديق، والإنشاءات معناه: التي يكون امتثالها بالعمل.
    قال هنا في بيان موقف الذين زاغوا قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} وهنا تلحظ أن قوله جل وعلا: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} فيه إثبات أن القلوب زاغت قبل النظر في القرآن، فهم زاغوا قبل ثم بعد ذلك تلمسوا الدليل على زيغهم، قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ} فزاغت قلوبهم ثم اتبعوا ما تشابه منه {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} يستدلون بما تشابه، بما لم يتضح معناه، أو بما يحتمل، أو بما لو رد إلى المحكم لبان، يتبعون ما تشابه منه، يعني يتبعونه ويجمعونه؛ لأجل الاستدلال به ويتركون المحكم.
    وهذا مثل ما حصل من النصارى، أنهم نظروا في القرآن، فزعموا أن رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- خاصة بالعرب، لقول الله جل وعلا: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} وأيضاً في قول الله -جل وعلا-: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} فاحتجوا بآيات على خصوص بَعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- للعرب، وهذا احتجاج بالمتشابه واتباع له؛ لأن في قلوبهم زيغاً.فموجود الزيغ في القلوب (وهو رد الكتاب) وعدم اتباع محمد -عليه الصلاة والسلام- فتلمسوا وتتبعوا الدليل.

    كذلك كما هو ظاهر في هذه الأمة الفرق الضالة، من الخوارج والمرجئة والقدرية والمعتزلة وأشباه هذه الفرق، فإن كل فرقة احتجت بالمتشابه وتركت المحكم، فأخذت بعض آيات.

    الخوارج على بدعتهم في تكفير صاحب الكبيرة، استدلوا بقول الله جل وعلا: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} فقالوا: هذا يدل على أن فاعل الكبيرة كافر؛ لأنه حكم عليه بأنه خالد في النار. واحتجت المرجئة -مثلاً- على بدعتهم بآيات، واحتجت القدرية على بدعتهم بآيات، والجبرية على بدعتهم بآيات.

    إذًا:القرآن فيه احتجاج لكل صاحب زيغ، حتى في هذا العصر أتت طائفة وقالوا: الصلوات في القرآن ثلاث؛ لأن الله -جل وعلا- لم يذكر في القرآن خمس صلوات، فلا نصلي إلا ثلاث.
    ومن هاهنا قال عدد من أهل العلم من المفسرين وغيرهم:إن الحكمة من وجود المتشابه في القرآن: الابتلاء؛ لأنه لو كان القرآن واضحًا صار الزائغ عنه معانداً فقط؛ لأنه واضح فلن يزيغ إلا المعاند. و الله -جل وعلا- من حكمته أن جعل القرآن منه محكم ومنه متشابه لم تتضح دلالته؛ ليبتلي الناس كيف يعملون؟ هل يُسلطون أهواءهم مستدلين بالمتشابه؟ أم يتخلصون من الهوى فيرجعون المتشابه إلى المحكم، ويرجعون ذلك إلى الراسخين في العلم، وإلى أهل العلم الذين يفهمون المتشابه، ويفهمون المحكمات؟
    فإذًا: الحكمة من وجود المتشابه في القرآن:الابتلاء، والله -جل وعلا- ابتلى الناس بالحياة ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وابتلاهم بالرسول -عليه الصلاة والسلام- هل يؤمنون به أم لا يؤمنون، ((إنما بعثتك لأبتليك وابتلي بك)) كما في (صحيح مسلم).
    وكذلك ابتلى الله -جل وعلا- الناس بالقرآن، بجعل بعض القرآن متشابهاً، هل يرجعونه للمحكم ويسلمون لأهل العلم؟ أم أنهم يخوضون في المتشابه فيقعون في الفتنة؟
    لهذا قال أهل العلم في التفسير: معنى قوله: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} يعني: ابتغاء فتنة أتباعهم، كما نص عليه ابن كثير في تفسيره، فهم اتبعوا ما تشابه منه لأجل أن يضلوا ويفتنوا الأتباع معهم، فهم إذاً تقررت عندهم أشياء، ثم نظروا ولم يسلموا لأهل العلم الانقياد، للراسخين في العلم.
    فلم يرجع الخوارج للصحابة، ولم يرجع القدرية للصحابة، وهكذا في أشياء كثيرة، ولم يرجع المعتزلة إلى أئمة السنة، ولم يرجع الأشاعرة إلى أئمة أهل الحديث والسلف قبلهم فيما اختُلف فيه، فاتبعوا ما تشابه منه وتركوا المحكمات ابتغاء الفتنة، يعني: لأجل أن يحصل لهم اتباع الأتباع.

    وقوله: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} نفهم منه أن من أضل بشبهة فهو مبتغ للفتنة، سواءً قال: أنالم أرد الإضلال أو قال: أردته؛ لأن الله -جل وعلا- قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} وإذا نظرت إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم)) ما يبين أنهم لم يبتغوا الفتنة في الناس قصدًا في الإضلال، فيعلمون أنهم على باطل فيضلون الناس، هذا غير مراد.

    وإنما ابتغوا الفتنة كحالة لهم، فهم حين اتبعوا ما تشابه منه فقد ابتغوا الفتنة في حالتهم، فحالهم حين اتبعوا المتشابه وتركوا المحكم أنهم يبتغون الفتنة فنُّزِّلوا منزلة القاصد لذلك؛ لأنهم تركوا المحكم واتبعوا المتشابه، فلمّا أنهم لم يتخلصوا من الزيغ مع وضوح الهدى ووضوح طريقه، ولم يتبعوا المحكم وإنما اتبعوا المتشابه، فالحال أنهم بطريقتهم هذه ابتغوا الفتنة لهم ولأتباعهم، فكأنهم قصدوا ذلك قصدًا، وإن كانوا يقولون إنما أردنا الخير.

    فالخوارج كانوا أشد الناس عبادة، أشد من الصحابة عبادة، يحقر أحد الصحابة عبادته مع عبادتهم وصلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، فلا يظن بهم أنهم اتبعوا المتشابه من القرآن قصدًا في مخالفة القرآن وقصدًا في الإضلال، وإنما حصل منهم الضلال لشيئين:

    أولاً: أنهم تركوا المحكم واتبعوا المتشابه.
    ثانيا:أنهم لم يرجعوا في بيان المتشابه إلى الراسخين في العلم في زمانهم، في زمن الصحابة رضي الله عنهم.


    قال جل وعلا: {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}والتأويل هنا الذي ابتغوه: أن يُنزِّلوا المتشابه على ما أرادوا، يعني: وابتغاء تفسيره.
    والذي يجب:أنه إذا عرض المتشابه فإنه يُرجع في تفسيره إلى المحكم، ويرجع في تفسيره إلى أهل العلم.أما من عرض له متشابه فدخل في تأويله بجهله وبهواه وبما عنده فلا شك أنه سيقع في الزيغ والضلال؛ لأنه ليس متأهلاً لرد المتشابه إلى المحكم في كل مسألة، أو إلى بيان معنى المتشابه.
    والتأويل في القرآن أتى على معنيين:
    المعنى الأول للتأويل: ما تؤول إليه حقيقة الشيء، ما تؤول إليه حقيقة الأيات.والآيات على قسمين:
    - منها:آيات أخبار.
    - ومنها:آيات إنشاء.
    {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الإنشاء؛ يعني: في الأمر والنهي.
    - فالأخبار تأويلها: ما تؤول إليه حقيقتها، فإذا كانت الأخبار غيبيات عن الله -جل وعلا- فتأويل الخبر: حقيقته وكنهه الذي عليه الله جل وعلا، والخبر الذي هو وصف - مثلاً - للجنة، تأويله ببيان حقيقة الجنة ما هي، هذا معنى للتأويل.
    ومنه قوله -جل وعلا- في سورة الأعراف:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} الآية، يعني: هل ينظرون إلا ما تؤول إليه حقيقة الأخبار التي أخبر الله -جل وعلا- بها.{يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} يعني: ما تؤول إليه حقيقة الأخبار، رأوا الجنة ورأوا النار، وحصل يوم البعث {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ} إلى آخر الآيات.هذا هو النوع الأول من التأويل في القرآن.

    المعنى الثاني للتأويل: التأويل بمعنى التفسير، وهذا في قول الله جل وعلا: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ}ومنه أيضاً في هذا قوله جل وعلا: {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} وأشباه ذلك، التأويل هنا بمعنى التفسير، تأويل الأحلام بمعنى تفسير الأحلام، فالتأويل بمعنى التفسير هذا في القرآن، وهذا هو الذي اعتمده ابن جرير الطبري فيما ترى في تفسيره، حيث يقول: (قال أهل التأويل)، (وبنحو الذي قلنا في هذه الآية، قال أهل التأويل، ذِكْرُ من قال ذلك)، (قال أهل التأويل) يعني: قال أهل التفسير.

    وهناك معنى ثالث للتأويل ليس في القرآن ولا في السنة،وإنما هو اصطلاح حادث للأصوليين، وهذا ليس هو المراد هنا؛ لأن التأويل عندهم في مقابلة الظاهر، وهو: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى معنى آخر لقرينة. هذا معنى جديد اصطلاحي، وهو منقسم إلى ثلاثة أقسام؛ كما هو معروف عند الأصوليين: صحيح وضعيف وباطل. هنا: المراد هنا بـ: {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} في هذه الآية يحتمل المعنى الأول، ويحتمل المعنى الثاني.
    {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} يعني: ابتغاء معرفة ما تؤول إليه أخباره وأوامره ونواهيه، أو {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} بمعنى ابتغاء تفسيره، فيصح الأول ويصح الثاني.
    وهنا نقف عند قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} اختلف السلف على الوقف هنا، هل الوقف على قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} أو الوقف على العلم، فيكون معطوفاً على ما قبله {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} على قولين للسلف.
    وسبب الخلاف: المراد بالتأويل؟
    فمن نظر إلى أن التأويل: هو العلم بما تؤول إليه حقيقة أخباره في الآخرة، حقيقة صفات الله جل وعلا، حقيقة الجنة، حقيقة الإخبار عن النار، حقيقة الإخبار عن الملائكة، فهذا لا شك أمر غيبي لا يعلمه أحد، فمن نظر إلى هذا قال: الوقف على لفظ الجلالة فقال: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} يعني: وما يعلم تأويل ما تؤول إليه حقائق أخباره إلا الله جل وعلا، وهذا المعنى صحيح، فإن حقيقة الأخبار وما تؤول إليه ليس ثم أحد يعلمها إلا الله جل وعلا.
    ومن نظر إلى أن التأويل المراد به: ما تؤول إليه حقيقة الأمر وحقيقة النهي قال: الأوامر تأويلها بفعلها، بعملها على وجه أحكام الشريعة.
    والنواهي تأويلها بالاجتناب لها، والبعد عنها على أحكام الشريعة، وهذا من التأويل في الإنشاءات يعلمه الراسخون في العلم من جهة العلم والعمل جميعا، لهذا قال بعضهم هنا: يقف على {الْعِلْم} لأن الراسخين في العلم يعلمون التأويل على ما ذكرنا، يعني ما تؤول إليه حقائق الإنشاءات.ما تؤول إليه حقيقة الأمر: امتثال الأمر على الوفق الشرعي.
    ما تؤول إليه حقيقة النهي: امتثال النهي على الأمر الشرعي، يعني: الأمر بالكف.
    وقال آخرون: الوقف على {الْعِلْم} فالعلماء يعلمون؛ كما قال ابن عباس: (أنا ممن يعلمون تأويله)، فيكون المعنى هنا في التأويل: التفسير؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا لابن عباس فقال: ((اللهم علمه التأويل)) قال: (أنا ممن يعلمون تأويله) فيكون هنا معنى: {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} يعني: ابتغاء تفسيره، فلا يعلم تفسيره الحق إلا الله -جل جلاله- وإلا الراسخون في العلم.والتفصيل هو الصحيح.
    فإذاً: نقول: يحتمل أن يكون الوقف على لفظ الجلالة.ويحتمل أن يكون على {الْعِلْم}.

    -فمن وقف على لفظ الجلالة ورأى أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل فهو إنما عنى - يعني: من أهل السنة ومن الصحابة؛ لأنه مروي عن السلف نوعان من الوقف هنا - فمن رأى أن الوقف على لفظ الجلالة، رأى أن التأويل هو ما تؤول إليه حقائق الأخبار فقط.

    -ومن رأى أن الوقف على العلم، قال: التأويل هو ما تؤول إليه حقائق الإنشاءات، مثل ما قال ابن عباس: ناسخه وحلاله وحرامه وأمره ونهيه.
    أو التأويل هنا بمعنى التفسير.
    -ومن قال: إن المتشابه لا أحد يعلمه البتة إلا الله جل جلاله، فليس علم المتشابه لأحد من الخلق، فهذا غلط، ولا يصح نسبته إلى أحد من أهل السنة.
    وهذا يعني أن المتشابه المطلق الذي لا يعلمه أحد هذا غير موجود في القرآن عند المحققين من أهل السنة والجماعة، فإن المتشابه الموجود في القرآن متشابه نسبي إضافي.
    فعندنا المتشابه هنا في هذه الآية قسمان:
    1- متشابه مطلق.
    2-ومتشابه نسبي.
    - فالمتشابه المطلق غير موجود البتة، بمعنى يشتبه معناه فلا يُعلم له معنى أصلاً.
    والثاني:المتشابه النسبي الإضافي، نقول: اشتبه علي، اشتبه على العالم الفلاني المعنى، اشتبه على الإمام الكلام في هذه المسألة، اشتبه عليه تأويل الآية، وأشباه ذلك، فهذا ممكن فيكون متشابهاً إضافياً.
    لكن لا يوجد آية في القرآن معناها ما نقول تأويلها، يعني: ما تؤول إليه حقائق الأخبار فيها، لا، إنما معناها هذا لا يوجد آية في القرآن يشتبه معناها على جميع الراسخين في العلم من هذه الأمة، هذا القول ليس من أقوال أهل السنة والجماعة، وإنما هو من أقوال أهل البدع، الذين ذهبوا مذهب التجهيل.
    فإذاً نقول:الصحيح أن الراسخين في العلم يعلمون، لكن يعلمون المتشابه الذي يمكنهم علمه وهو ما كان في باب الإنشاءات، أو كان في باب التفسير - تفسير المعنى -وهذا متعين؛ لأن الله -جل وعلا- قال: {والراسخون فى العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} لو كان أن الراسخين في العلم لا يعلمون البتة وإنما يقولون: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} فليس لهم فضيلة على ما سواهم في المتشابه، فما فضيلة أهل العلم الراسخين فيه إذا كانوا كعوام المسلمين إنما يعلمون المحكم، والمتشابه جميعه يقولون فيه: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}؟! هذا فيه إبطال لمزية أهل العلم في العلم.
    والمحكمات، قلنا إن معناها: هي ما اتضح معناه وبانت دلالته، والمتشابه: ما خفي معناه ولم تتضح دلالته.
    فإذاً: على قول من قال: إن الراسخين في العلم لا يعلمون، فهذا فيه إبطال لمزية أهل العلم؛ كما حرره ابن عطية رحمه الله تعالى والخطابي وأجاد في هذا البيان.وهذا يعني أن الراسخ في العلم يعلم.

    وإذا كان كذلك، فهنا يشكل على كثيرين تركيب الآية: {والراسخون فى العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} كيف يكون التركيب على هذا الوجه؟

    فنقول:قال أئمة التفسير: على هذا الوجه يكون التركيب: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ} يعني: حالتهم أنهم {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} فيعلمون مع الإيمان به، ويقولون: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} لأجل أنه ليس في قلوبهم شك من ورود المتشابه، وأما ضعاف العلم، فقد يكون في قلوبهم شك من وجود المتشابه في القرآن، كما فعل صَبيغ بن عِسْل - المعروف في زمن عمر - حيث كان يتتبع (ما الذاريات ذرواً) ويشكك الناس بها، فإذا ضعف العلم ربما وقعت الشبهة في القلب من صحة القرآن.
    أما الراسخون في العلم فيعلمون ويقولون:{آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} فليس في قلوبهم شك ولا شبهة من ورود المتشابه في القرآن؛ لأنهم يعلمون أن المتشابه في القرآن لأجل ابتلاء الناس.هذا خلاصة معنى الآية، ومعناها مهم في هذا الموضع.

    قال: (وقد صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم)) )
    فإذاً:الواجب على الموحد والواجب على المسلم أنه إذا ضبط المحكمات في التوحيد بأنواعه وفي الشريعة، فإنه إذا أتى من يتبع ما تشابه منه فإنه يجب عليه أن يعمل شيئين:


    الأول: الحذر، كما أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ((فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)) الحذر هذا يوجب المفاصلة في القلب، بألا يصغي إلى حديثه، ولا يجعل أحداً يلبس عليه دينه، هذا الأول.
    والثاني: يجب عليه أن يقول: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} فيرجع سبب الإشكال إلى جهله، وأما الآية في نفسها فواضحة، يعلمها الراسخون في العلم، ولهذا - مثلاً - في باب التوحيد يأتيك من يحتج بالمتشابهات، مثلاً -وربما مجالها سيأتي، ولكن لإيضاح المقام - يقول في قول الله جل وعلا: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً}فهذا فيه دليل على تأثير الصلاح فيما بعد، أو يقول: (الشهداء أحياء وأنت لا تسأل ميتاً، إنما تسأل حياً، بِنصّ القرآن هم أحياء) لقوله: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ}{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً} ونحو ذلك.


    فإذاً:هناك احتجاجات في توحيد العبادة بآي من القرآن، وفي توحيد الأسماء والصفات بآي من القرآن، وهكذا.
    حتى إن أهل شرب الخمر - والعياذ بالله - وأهل الربا، ونحو ذلك من الموبقات، وجدوا لهم بعض المشتبهات فاحتجوا بها.
    فالموحد المسلم يحرص تمام الحرص على أن يحذر ممن يوقع في قلبه الشبهة، ولهذا انتبه لقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ} فاحذر أشد الحذر من أن يوقع أحد في أذنك شبهة تبقى ولا تستطيع الرد عليها ثم ينميها الشيطان حتى يوقع في القلب الزيغ، ولهذا قال بعض السلف: (لا تصغ إلى ذي هوىً بأذنيك، فإنك لا تدري ما يوحي إليك).إذا كان الرجل غير محكم العلم، قوي، لا يجلس مع أهل الشبهة، يحذر؛ لأن السلامة في الدين أعظم ما ينبغي الحرص عليه.
    قال هنا الشيخ رحمه الله: (مثال ذلك) الآن الجواب المجمل اتضح، وأنه في كل مسألة ترجعه إلى المحكم، إذا أتى أحد بشبهة فترجع إلى المحكمات، وذكرت لك أنواع المحكمات في القرآن من الآيات، فإذا أتى أحد بشيء من المشتبهات، فأنت ترجعه إلى نوع من الآيات المحكمات، فتبطل شبهته ولو شبه وشبه، فتقول له: (ما عندي من الاستدلال محكم بَيِّن لا يستطيع أحد أن يدفعه وما أتيت به شبهة، فأنا أُومن بأن الجميع من عند الله، ولكن لا أترك المحكم للمتشابه؛ لأن هذه طريقة أهل الزيغ) فتمسك بها فإن هذه من أعظم الفوائد والعوائد.
    قال الشيخ -رحمه الله- بعد ذلك: (مثال) مثال تطبيقي لما ذكرنا، الجواب المجمل عرفناه بالاستمساك بالمحكم في ورود المتشابه، إذا أتى استدلال متشابه ما عرفت الجواب عليه، أو جاوبت فأورد عليك شبهة ثانية، فتمسك بالمحكم واترك الإصغاء للمتشابه.
    قال: (مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}) استدل هنا المشرك بهذه الآية: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}.

    الآية دلت على أن الأولياء لهم منزلة عند الله جل وعلا؛لأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأنهم الذين آمنوا وكانوا يتقون، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، معنى ذلك: أن الولي له المنزلة العظيمة عند الله جل وعلا.ثم يَستدل بأن الشفاعة حق،فيقول هنا: الولي له جاه، وله حرمة، وله منـزلة عند الله جل وعلا، والشفاعة حق، والأنبياء لهم جاه أيضاً والمنـزلة العظمى عند الله جل جلاله، فكيف تجعل من سأل الأولياء من الأموات، أو سأل بعض الأنبياء من الأموات، ودعاهم يكون مشركا مع منزلتهم الرفيعة عند الله، والشفاعة حق، والمنــزلة لهم ثابتة؟
    فهنا هذه شبهة يأتي جوابها تفصيلياً،لكن إذا وقعت هذه الشبهة في القلب، يعني: أو وقعت على الأذن وعرضت على القلب، فكيف يكون الجواب؟
    إذا لم تعرف الجواب التفصيلي - وهذه شبهة عظيمة - فماذا تقول؟
    تقول:ما عندي من العلم محكم، وهذه محتملة - لأنه هو دخل فيها باستدلال؛ لأن الأولياءَ، اللهُ -جل وعلا- بين أن لهم فضلاً: لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أن الله أكرمهم، وهو استدل بهذا الإكرام على أن لهم جاهاً عند الله -جل وعلا- وهذا النوع صار متشابهاً؛ لأنه جعل الفضل الذي آتاه الله الأولياء أو الشهداء أو الأنبياء بعد مماتهم دالاً على الجاه، وعلى أن هذا الجاه لا يرد إذا توسطوا به، فتلحظ أنه أدخل أشياء زائدة عن معنى الآية، فالآية فيها اشتباه في المعنى، لكن إذا فسرها أهل العلم أوضحوا معنى ذلك،



    فإذاً: هنا يأتينا رد ذلك تفصيلياً، لكن هنا كيف ترد عليه؟
    فتقول: ما عندي محكم وهو أن الله -جل جلاله- بين أن المشركين الذين كفَّرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وقاتلهم إنما أرادوا الزلفى، إنما أرادوا القربى، وهم ما توجهوا إلا لأولياء {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}.
    فأولئك تقربوا للأولياء، لماذا؟لأجل الزلفى،فهذه محكمة، واضحة المعنى.كذلك بيان أن المشركين كانوا يقرون بالربوبية، وأنهم مشركون وسبب شركهم - مع عبادتهم وطاعتهم في أشياء كما ذكرنا - سبب الشرك هو طلب الشفاعة؛ كما قال جل وعلا: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}.فنفاها عنهم، فهذا أصل.
    كذلك النوع الثالث من الآيات المحكمات التي فيها بيان أن الله -جل جلاله- حكم على من أَلَّه عيسى بالكفر: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}.إذاً:فهو يورد الشبهة، وأنت تورد عليه المحكمات.

    المحكمات واضحة المعنى،لكن هذه الشبهة التي أوردها بهذه الآية، تلحظ أن الاستدلال بها فيه مقدمات، فقال جل وعلا: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} فهو يأتي ويقول: هذا معناه أن لهم جاهاً عند الله، تلحظ أن هذا الاستنتاج، هذا اتباع للمتشابه؛ لأن الآية تدل على أنهم مكرمون، وليسوا أصحاب جاه؛ لأن الآية فيها ما أعطاهم الله -جل وعلا- من الفضل، لكن أن لهم جاهاً، هذه لم تأت في الآية، فجعل من اتبع المتشابه، هناك تلازماً بين المكانة والرفعة وبين أن يكون لهم جاه، ما معنى الجاه؟ الجاه معناه: أنه إذا توسط فلا يرد.
    فجعل هذه ملازمة لهذه، وهذا لا شك أنه من اتباع المتشابه؛ لأنه ليست دلالة الآية على ذلك.فإذاً:هذا مثال لحجة يدلي بها المشرك، فإذا أدلى بهذه الحجة فتدمغه بالمحكمات الكثيرة.قال هنا: (أو ذكر كلاماً للنبي -صلى الله عليه وسلم- يستدل به على شيء من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره) يعني: لا تفهم معناه الصحيح، لا تستطيع أن توضح له كلام المفسرين فيه، كلام أهل العلم فيه، وإبطال ما أورد من الاستدلال.
    قال: (فجاوبه) يعني أجبه (بقولك: إن الله ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: {هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} هذا أمر محكم بَيِّن لا يقدر أحد أن يغير معناه) أي: ليس له معنيان، في أن المشركين عبدوا غير الله للزلفى، قال: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} هذا بين واضح، لا يحتاج إلى مقدمات في الاستدلال.
    كذلك قولهم: {هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} فهم طلبوا الشفاعة، أيضاً هذا أمر بين واضح.
    قال الشيخ رحمه الله: (هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكرته لي أيها المشرك من القرآن أو كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- لا أعرف معناه) فهذا هو الذي يجيب به الموحد إذا أدلى أحد بالشبهة، تقول: أنا لا أعرف المعنى، وهذا ليس بعيب، وأن تكون لا تعلم معنى بعض الآيات، لأن العلم واسع، فتقول: أنا لا أعرف معنى هذه الآية الصحيح، لكن أعلم أن المحكم هو كذا وكذا.(لكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض) لم؟
    لأن القرآن كله من عند الله -جلّ وعلا -وهو محكم،وكله حق، والحق لا يناقض حقاً، بل يؤيده ويدل عليه.
    قال: (وأن كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يخالف كلام الله عز وجل) لأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- إذا ثبتت سنته وصارت مقبولة محتجاً بها، فإنها مبينة للقرآن ودالة عليه؛ كما قال جل وعلا: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} فأنزلت السنة وكان جبريل يأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسنة كما يأتيه بالقرآن لبيان معنى الذكر، تارة يكون بياناً لفظياً وتارة يكون بياناً عملياً.
    فكلام النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يخالف ما جاء في القرآن، لكن التوفيق بين هذا وهذا تقول: أنا أجهله، تقول: كلام النبي صلى الله عليه وسلم هو بيِّن لا يخالف كلام الله جل وعلا، وكلام الله -جل وعلا- لا يناقض كلامه جل وعلا، لكن التوفيق بين هذه الآية وهذه الآية، رَدُّ هذا المتشابه إلى المحكم حتى يتضح المعنى، هذا لا أعلمه أنا، وإنما يعلمه الراسخون في العلم، لكن ما عندي من العلم بالتوحيد هذا بين محكم، لا يستطيع أحد أن يرده أو يشكك في دلالته.
    قال -رحمه الله- بعد ذلك في نهاية هذا الجواب المجمل: (وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى) تحتاج إلى توفيق بالتخلص، يعني: هنا التوفيق يأتي بتخلص العبد من هواه، وتخلص العبد من رؤيته لعقله ونفسه؛ لأن بعض الناس يأتي للمتشابه ويخوض فيه؛ لأن عقله جيد، فيدخل في المتشابه ويغوص، فيغوص، فيُخْرِج منه أشياء يضل بها؛ كما قال جل وعلا: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} يعني: ابتغاء تفسيره، فيخوض في المتشابه المشكل المعنى رغبة وطلباً للتفسير فيضل في التفسير، فيعتقد أن تفسيره صواب وأن فهمه للآية صواب، وفهمه للسنة صواب، فيكون ممن اتبع المتشابه وترك المحكم، والواجب عليه ألا يخوض في ذلك، وأن يرد معناه إلى أهل العلم الراسخين فيه.
    قال: (وهذا جواب سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى) وإذا أردت الخير في هذا الباب فإياك ثم إياك من تعظيم عقلك، وأن تقول: قد حصَّلت من العلم كذا وكذا، فتخوض في أشياء، وتطعن بفهمك على فهم أهل العلم، فإذا خالفت في فهمك فهم الراسخين في العلم، فاعلم أنك لو استرسلت في فهمك فإن هذا من اتباع المتشابه؛ لأننا نقطع بأن الراسخين في العلم يعلمون المعنى، ولا يمكن أن يكون المعنى مفقوداً من الراسخين في العلم، وأن يؤتاه من ليس براسخ في العلم؛ لأن الله -جل وعلا- قال: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}.
    قال: (ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى، فلا تستهن به، فإنه كما قال جل وعلا: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا}) يحتاج إلى صبر؛ لأن النفس تنازع - خاصة طالب العلم أو الذي قرأ وعنده قراءات وثقافات وأشباه ذلك - تنازعه نفسه في حل كل إشكال، تنازعه نفسه في الدخول في الاستدلال في كل متشابه، ولهذا تجد بعض طلبة العلم الآن، أو بعض المنتسبين للعلم، والقراء، تجد أنهم يوردون إشكالات كثيرة، فالعالم يرد عليهم بالمحكمات ولا يضطرب لورود المتشابه، لكن من ليس براسخ في العلم إذا ورد متشابه عنده فإنه يضطرب، لم؟

    يضطرب؛ لأنه لا يعرف عظمة المحكمات وكثرتها ووضوح معناها، فإن المحكمات في الأدلة، والمحكمات في العقيدة، والمحكمات في الأحكام هذه واضحة عند أهل العلم بينة، ما يمكن أننا نضطرب معها، فقد يرد إشكال فنقول: والله هذا مشكل نبحث عن جوابه، ماذا قال أهل العلم في جوابه؟

    لكن من لم يكن صابراً على الاكتفاء بالمحكمات فإنه سيدخل في المتشابهات متعجلاً، وسيضل من حيث ظن أنه سيبحث أو سيحل الإشكال.

    ولهذا - هنا- لا بد في المتشابه من الصبر، وما يلقاها إلا الذين صبروا، مثل ما قال الشيخ -رحمه الله- وأجزل له المثوبة، يحتاج إلى صبر، كثيرون ما صبروا، جاءتهم الشبه فاتبعوها وما صبروا، دخلوا فيها بأهوائهم وآرائهم وما صبروا، ولو صبر زمناً طويلاً وتمسك بالمحكمات كان قد أدى الذي عليه.

    قال: ({وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}) ولا شك أن الذي يستمسك بالمحكم في رد المتشابه فإنه قد أدى الذي عليه وامتثل قول الله جل وعلا وخلص من الابتلاء والفتنة بالمتشابه، ويكون حاله إذاً أنه ذو حظ عظيم؛ لأنه سلم من الابتلاء بذلك، وسلم من الفتنة، فنجح حيث لم يتبع المتشابه، ورد المتشابه إلى المحكم.
    لما ذكر إمام الدعوة -رحمه الله تعالى- ورفع درجته، أن جواب أهل الباطل من طريقين:
    مجمل ومفصل، ذكر المجمل ثم ذكر المفصل.
    ومن المعلوم في فن التأليف أن التقاسيم إذا وردت، فإنه يناسب أن يقَدَّم ما كان الكلام عليه مختصراً، وما كان الكلام عليه مطولاً فإنه يؤخر.
    ولهذا الشيخ -رحمه الله- قدم المجمل على المفصل لاعتبارات:
    منها: أن الكلام على المجمل قليل، والكلام على المفصل كثير، ولو أخر الكلام القليل لذهب الذهن في المفصل، ونسي أنه سيأتي المجمل.
    ومن فوائد تقديم المجمل على المفصل:
    أن المجمل يفهمه كل أحد، يحتاجه كل موحد، وسَهْل الفهم إذا عَلِم عقيدة التوحيد، وفهم بعض أدلتها؛ فإنه يمكنه أن يجعل ذلك محكماً، فإذا أتى من يشبّه عليه دينه، ومن يجعله يتردد في بعض هذه أو يشككه أو يورد عليه الشبه فإنه يحتج عليه بالمحكم، فلا يجد ذلك صعباً.
    وأما المفصل فيحتاج إلى علم،يحتاج إلى مقدمات، تارة لغوية وتارة أصولية، وتارة من واقع حال العرب.
    فقال -رحمه الله تعالى- ابتداءً بالمفصل بعد المجمل، ابتداءً برد شبهة، وهي شبهة تحتاج إلى نوع تأمل؛ لأن أكثر الذين يكون عندهم نوع قرب أو قبول للتوحيد ربما تروج عليهم هذه أكثر من غيرها،



  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    231

    افتراضي رد: جواب أهل الباطل في باب الحجاج وباب الاستدلال وإقامة البرهان مجمل ومفصل

    قال الشيخ محمد ابن ابراهيم ال الشيخ
    إِنَّ الشَّيْخَ رَحِمَهُ اللهُ لَمَّا تَصَدَّى للدَّعْوَةِ إلى اللهِ وبَيَّنَ مَا عَلَيْهِ الكَثْيرُ مِن الشِّرْكِ الأَكْبَرِ تَصَدَّى بَعْضُ الجُهَّالِ بالتَّشْبِيهِ عَلَى جُهَّالٍ مِثْلِهِم، وزَعَمُوا أَنَّ المُصَنِّفَ رَحِمَهُ اللهُ يُكَفِّرُ المُسْلِمِينَ، وحَاشَاهُ ذَلِكَ؛ بل لاَ يُكَفِّرُ إلاَّ مَن عَمِلَ مُكَفِّرًا وقَامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُهُ.
    فَقَصَدَ كَشْفَ تلك الشُّبَهِ المُشَبَّهَةِ عَلَى الجُهَّالِ ورَدَّهَا وَإِنْ كَانَتْ أَوْهَى مِن خَيْطِ العَنْكَبُوتِ لَكِنْ تُشَوِّشُ عَلَيْهِم.
    وَقَدَّمَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ مُقَدِّمَةً نَافِعَةً في بَيَانِ حَقِيقَةِ دِينِ المُرْسَلِينَ وَمَا دَعَوْا إِلَيْهِ، وحَقِيقَةِ دِينِ المُشْرِكِينَ، ومَا كَانُوا عَلَيْهِ؛ ليَعْلَمَ الإِنْسَانُ حَقِيقَةَ دِينِ المُرْسَلِينَ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبْهَةِ، ويَعْلَمَ مَنْ هو أَوْلَى بِدِينِ المُرْسَلِينَ مِن دِينِ المُشْرِكِينَ، وبَيَّنَ أَنَّ مُشْرِكِي زَمَانِهِ هُمْ أَتْبَاعُ دِينِ المُشْرِكِينَ.

    (فَنَقُولُ: جَوَابُ أَهْلِ البَاطِلِ مِن طَرِيقَيْنِ)
    طَرِيقٍ (مُجْمَلٍ) وَطَرِيقٍ (مُفَصَّلٍ).

    (أَمَّا المُجْمَلُ فهو الأَمْرُ العَظِيمُ والفَائِدَةُ الكَبِيرَةُ لِمَنْ عَقَلَهَا) وفَهِمَهَا وعَرَفَهَا،
    أَمَّا مَن كَانَتْ تَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ فَقَطْ فَإِنَّ هَذَا الجَوَابَ لاَ يَكُونُ لَهُ حُجَّةً.

    وإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ في المُجْمَلِ؛ لأَِنَّهُ في الحَقِيقَةِ يَصْلُحُ جَوَابًا لِكُلِّ شُبْهَةٍ،
    وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} الآيَاتُ المُحْكَمَاتُ تَعَبَّدَ اللهُ الخَلْقَ بالعِلْمِ بِهَا، والعَمَلِ بِهَا والإِيمَانِ بِهَا،
    هَذَا هو حُكْمُ المُحْكَمِ: الأَوَّلُ:
    الإِيمَانُ بِهِ أَنَّه مِن عِنْدِ اللهِ.
    الثَّانِي: مَعْرِفَةُ مَعَانِيهِ.
    الثَّالِثُ: العَمَلُ بِهِ.
    {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} أُمُّ الشَّيْءِ أَصْلُهُ والذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الاشْتِبَاهِ والإِشْكَالِ
    {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتُ} الدَّلاَلَةِ لَيْسَتْ دَلاَلَتُهَا وَاضِحَةً مِثْلَ المُحْكَمَاتِ،
    وحُكْمُهَا:

    أَوَّلاً: الإِيمَانُ بِهَا أَنَّها مِن عِنْدِ اللهِ أَنْزَلَهَا عَلَى العِبَادِ ليُؤْمِنُوا بِهَا.
    والثَّانِي: أَنْ لاَ تُفَسَّرَ بِمَا يُخَالِفُ المُحْكَمَ بل تُرَدُّ إِلَى الأُمِّ، وهو المُحْكَمُ وتُفَسَّرُ بِهِ.

    {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} يَعْنِي: مَيْلٌ،
    ومنه قَوْلُه تَعَالَى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} وزَاغَتِ الشَّمْسُ مَالَتْ، والمُرَادُ أَنَّ الذِينَ في قُلُوبِهِم مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} يَطْلُبُونَ المُتَشَابِهَ في الدَّلاَلَةِ ويَتْرُكُونَ المُحْكَمَ؛ ويَصْدِفُونَ عن الوَاضِحِ لكَوْنِهِ يَهْدِمُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِن البَاطِلِ ويَفْضَحُهُم؛ فالجَاهِلُ إِذَا أَدْلَوْا عَلَيْهِ بآيَةٍ مِن المُتَشَابِهِ رَاجَتْ عَلَيْهِ، وهَذَا يُفِيدُ أَنَّ أَهْلَ الاهْتِدَاءِ والاسْتِقَامَةِ يتَّبِعُونَ المُحْكَمَ وَيَرُدُّونَ المُتَشَابِهَ إلى المُحْكَمِ، فيَقُولُونَ: لِمَ عَدَلْتَ عن هذه الآيَةِ وهذه الآيَةِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِلُ هَذَا، وَلاَ هَذَا، وأَنَّهُم خِلاَفُ أَهْلِ الزَّيْغِ؛ لأَِنَّهُ خَصَّ أُولَئِكَ باتِّبَاعِ المُتَشَابِهِ {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ}.


    (وَقَدْ صَحَّ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُم الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولِئَكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ)) عَنَى اللهَ بِقَوْلِهِ: {في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} ((فَاحْذَرُوهُم)) لاَ يَزِيغُونَ بِكُم عَن سَبِيلِ الحَقِّ كَمَا زَاغُوا عن الحَقِّ.
    حَذَّرَ مِنْهُم؛ لأَِنَّ مُخَالَطَتَهُم وسَمَاعَ كَلاَمِهِم الدَّاءُ العُضَالُ ومَرَضُ القُلُوبِ، ولاَ يَتَّكِلُ الإِنْسَانُ عَلَى مَا مَعَه مِن الحَقِّ؛ بل يَبْعُدُ عَن أَهْلِ الزَّيْغِ ويُجَانِبُهُم وَلَوْ مَعَهُ حَقٌّ؛ فَإِنَّ السَّلَفَ كَانَ هَذَا شَأْنَهُم ويَسْتَدِلُّونَ بالحَدِيثِ.
    وهَذَا حُكْمُ أَهْلِ البَاطِلِ؛ أَنْ يَبْعُدَ عَنْهُم لِئَلاَّ تَدْخُلَ القَلْبَ شُبْهَةٌ يَعْسُرُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا؛ فإِنَّ أَهْلَ البَاطِلِ لاَ يَأْلُونَ جُهْدًا أَنْ تَكُونُوا مِثْلَهُم في زَيْغِ القُلُوبِ، وهُم أَضَرُّ عَلَى النَّاسِ مِن أَهْلِ المَعَاصِي الشَّهْوَانِيَّ ةِ.

    (مَثَالُ ذَلِكَ) يَعْنِي: مِثَالُ احْتِجَاجِ المُشْرِكِينَ بالمُتَشَابِهِ.
    وللجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ بالجَوَابِ المُجْمَلِ،
    إِذَا قَالَ لَكَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} زَعَمَ أَنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم يُدْعَوْنَ، يَعْنِي: فَيَطْلُبُونَ لَهُ، وَأَنَّهُم أَهْلُ قُرْبٍ ومَنْـزِلَةٍ وجَاهٍ وَفَضْلٍ، وَمَنْ كَانَ كذلك فَقَدْ تَأَهَّل، أَو شَبَّهَ بـ (أَنَّ الشَفَاعَةَ) التي ذُكِرَتْ في النُّصُوصِ (حَقٌّ) وَوَاقِعَةٌ، وإِذَا كَانَتْ حَقًّا فهي تُطْلَبُ مِن الأَمْوَاتِ ونَحْوِهِم، فيَهْتِفُ باسْمِهِ ويَقُولُ: يَا فُلاَنُ، اشْفَعْ لي… (أو أَنَّ الأَنْبِيَاءَ لَهُم جَاهٌ عِنْدَ اللهِ) فَهُم يُسْأَلُونَ ويُدْعَوْنَ ليَسْأَلُوا لِمَن لَيْسَ لَهُم الجَاهُ عِنْدَهُ (أو ذَكَرَ) المُبْطِلُ المُشَبِّهُ (كَلاَمًا للنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِن بَاطِلِهِ وأَنْتَ لاَ تَفْهَمُ مَعْنَى الكَلاَمِ الذي ذَكَرَهُ) يَعْنِي: لاَ تَفْهَمُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَقْصُودِهِ وتَفْهَمُ وتَعْتَقِدُ أَنَّ هَذِه أُمُورٌ بَاطِلَةٌ.


    (فَجَاوِبْهُ بِقَوْلِكَ: إِنَّ اللهَ ذَكَرَ في كِتَابِهِ أَنَّ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيْغٌ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ) ويَعْدِلُونَ عَنْهُ (وَيَتَّبِعُونَ المُتَشَابِهَ) ويَمِيلُونَ إِلَيْهِ ويَسْتَدِلُّونَ بِهِ، وَأَنْتَ تَرَكْتَ المُحْكَمَ وهو قَوْلُهُ: {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَدًا}، {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَـهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} وعَمَدْتَ إِلَى المُتَشَابِهِ {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} وعَمَدْتَ إِلَى المُتَشَابِهِ وهو أَنَّ الشَّفَاعَةَ حَقٌّ، وتَرَكْتَ المُحْكَمَ وهو {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَدًا} (وَمَا ذَكَرْتُهُ لَكَ) وجَاوِبْهُ بِمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ (مِنْ أَنَّ المُشْرِكِينَ يُقِرُّونَ بالرُّبُوبِيَّة ِ) لَمْ يُنَازِعُوا فيها.
    وتُبَيِّنُ له أَنَّ الدَّاعِيَ عَبْدَ القَادِرِ مَثَلاً يَدَّعِي أَنَّه ذُو مَكَانَةٍ وَأَنْتَ مُقِرٌّ بالرُّبُوبِيَّة ِ والمُشْرِكُونَ الأَوَّلُونَ مُقِرُّونَ بالرُّبُوبِيَّة ِ وَلاَ نَفَعَهُم، وَأَنَّ اللهَ كَفَّرَهُم بِتَعَلُّقِهِم عَلَى المَلاَئِكَةِ والأَنْبِيَاءِ والأَوْلِيَاءِ مَعَ قَوْلِهِم: {هَـؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} وَمَعَ قَوْلِهِم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} مَا زَادُوا عَلَى هَذَا.

    (هَذَا أَمْرٌ مُحْكَمٌ بَيِّنٌ لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَ مَعْنَاهُ) كَوْنُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِم زَيْغٌ يَحْتَجُّونَ بالمُتَشَابِهِ ويَعْدِلُونَ عَنِ المُحْكَمِ، وَكَوْنُ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ مَا ادَّعَوْا فِيهِم الرُّبُوبِيَّةَ وإِنْزَالَ المَطَرِ، وأَنَّهُم مَا كَانُوا مُشْرِكِينَ كُفَّارًا إِلاَّ بِتَعَلُّقِهِم عَلَيْهِم رَجَاءَ شَفَاعَتِهِم وتَقْرِيبِهِم إلى اللهِ زُلْفَى،
    هَذَانِ أَمْرَانِ مُحْكَمَانِ:

    الأَوَّلُ: احْتِجَاجُهُم بالمُتَشَابِهِ.
    والثَّانِي: أَنَّ المُشْرِكِينَ مُقِرُّونَ بالرُّبُوبِيَّة ِ -كَمَا تَقَدَّمَ- وَأَنَّ اللهَ كَفَّرَهُم بتَعَلُّقِهِم عَلَى المَلاَئِكَةِ ونَحْوِهِم، كَوْنُهُم مَا طَلَبُوا إِلاَّ الشَّفَاعَةَ والقُرْبَ إِلَى اللهِ بِذَلِكَ لَيْسَ مِن الأُمُورِ المُتَشَابِهَةِ ؛ كَمَا أَنَّ مِن الأُمُورِ المُحْكَمَةِ أَنَّهُم مَا أَرَادُوا مِمَّن دَعَوْهُ وذَبَحُوا له وتَعَلَّقُوا عَلَيْهِ إِلاَّ شَفَاعَتَهُ كَمَا قَالَ فيه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ}.

    (وَمَا ذَكَرْتَهُ لي أَيُّهَا المُشْرِكُ مِن القُرْآنِ) كَقَوْلِهِ: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فَإِنَّهُ مِن المُتَشَابِهِ وحُكْمُهُ أَنْ يُرَدَّ إِلَى المُحْكَمِ (أَو كَلاَمِ النَّبِيِّ) صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ: ((وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ)) (لاَ أَعْرِفُ مَعْنَاهُ) لاَ أَعْرِفُ دَلاَلَتَهُ عَلَى مَا قَصَدْتَ وَأَرَدْتَ أَنَّهُم يُدْعَوْنَ مِن دونِ الله، نَعَمْ {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} ولَكِنْ أَيْنَ دَلاَلَتُهُ عَلَى المَقَامِ؟ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُم يُدْعَوْنَ، مَن وَصَّلَهُم إِلَى هَذِه الدَّرَجَةِ؟ أَأَنْتَ الذِي تَقُولُ هَذَا!؟ وَأَنَا عِنْدِي شَيْءٌ أَقْطَعُ بِهِ كالشَّمْسِ مِن النُّصُوصِ كَقَوْلِهِ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَدًا} وَقَوْلِهِ: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَـهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}.

    (لَكِنْ أَقْطَعُ أَنَّ كَلاَمَ اللهِ لا يَتَناقَضُ، وَأَنَّ كَلاَمَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لاَ يُخَالِفُ كَلاَمَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ) يَعْنِي: فَأَعْرِفُ أَنَّ هذه الآيَةَ ونَظَائِرَهَا لاَ تُنَافِي هَذِه النُّصُوصَ، وَمَا مَعِيَ مِن النُّصُوصِ مُحْكَمٌ فَلاَ أَتْرُكُ المُحْكَمَ البَيِّنَ الدَّلاَلَةِ للمُتَشَابِهِ.
    فالأَدِلَّةُ التي مَعِيَ لاَ يُنَاقِضُهَا شَيْءٌ هي مِن المُحْكَمَاتِ، وَمَا زَعَمَهُ أَنَّه يُخَالِفُهَا مِن المُتَشَابِهِ فَلاَ يُخَالِفُهَا أَبَدًا، وَلَوْ ادَّعَى هو أَنَّ كَلاَمَ اللهِ يَتَنَاقَضُ لَكَانَ كُفْرًا آخَرَ، وكَذَلِكَ لَو ادَّعَى أَنَّ كَلاَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَالِفُ كَلاَمَ اللهِ لَكَانَ كُفْرًا آخَرَ سِوَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِن الكُفْرِ.

    (وَهَذَا جَوَابٌ جَيِّدٌ سَدِيدٌ ولَكِنْ لاَ يَفْهَمُهُ إِلاَّ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى فَلاَ تَسْتَهِنْ بِهِ) هَذَا ثَنَاءٌ مِن المُؤَلِّفِ عَلَى هَذَا الجَوَابِ المُجْمَلِ وأَنَّهُ أَصْلٌ أَصِيلٌ فِي دَفْعِ شُبَهِ المُشَبِّهِ.

    (فَإِنَّهُ) نَظِيرُ الخَصْلَةِ الَّتِي هي الدَّفْعُ بالَّتِي هي أَحْسَنُ،كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}، فَكَذَلِكَ هَذَا الجَوَابُ بِهَذِه الصِّفَةِ العَظِيمَةِ فإنَّكَ إِذَا وُفِّقْتَ للجَوَابِ بِهَذَا فَقَدْ وُفِّقْتَ لأَِمْرٍ عَظِيمٍ.
    فَصَارَ هَذَا الَجَوابُ عَن هَذِه الشُّبَهِ جَوَابًا مُرَكَّبًا مِن ثَلاَثَةِ أُمُورٍ:
    الأَوَّلُ: بَيَانُ أَنَّ الَّذِينَ في قُلُوبِهِم زَيْغٌ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ ويَتَّبِعُونَ المُتَشَابِهَ.
    الثَّانِي:أَنَّ الأَوَّلِينَ مُقِرُّونَ بالرُّبُوبِيَّة ِ لَمْ يُنَازِعُوا فيها، وأَنَّهُم مَا ادَّعَوْا إِلاَّ مِثْلَمَا ادَّعَى هَذَا المُشَبِّهُ مِن طَلَبِ الشَّفَاعَةِ والقُرْبِ إِلَى اللهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّ اللهَ كَفَّرَهُم بِذَلِكَ.
    الثَّالِثُ: أَنَّ مَعِيَ نُصُوصًا لاَ تَتَنَاقَضُ، وَأَنَّ كَلاَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُخَالِفُ كَلاَمَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّ المُبْطِلَ يَحْتَجُّ بِشَيْءٍ هو حَقٌّ وَلاَ يَدُلُّ عَلَى البَاطِلِ بِحَالٍ.

    (وَأَمَّا الجَوَابُ المُفَصَّلُ)
    وَهُوَ الَّذِي يُجَابُ بِهِ عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ بِجَوَابٍ يَخُصُّهَا (فَإِنَّ أَعْدَاءَ اللهِ) - المُشْرِكُونَ عَبَدَةُ غَيْرِ اللهِ- (لَهُمْ اعْتِرَاضَاتٌ كَثِيرَةٌ عَلَى دِينِ الرُّسُلِ يَصُدُّونَ بِهَا النَّاسَ عِنْهُ مِنْهَا قَوْلُهُم) مَعَ شِرْكِهِم باللهِ: (نَحْنُ لاَ نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا) وَهُمْ قَدْ وَقَعُوا فِيهِ لَكِنْ نَفَوْهُ عَنْ أَنْفُسِهِم جَهْلاً وَضَلاَلاً.



    (2) (بَلْ نَشْهَدُ أَنَّهُ لاَ يَخْلُقُ وَلاَ يَرْزُقُ ولاَ يَنْفَعُ وَلاَ يَضُرُّ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا فَضْلاً عَنْ عَبْدِ القَادِرِ) الجِيلاَنِيِّ (أَوْ غَيْرِهِ) مِمَّنْ لَهُ جَاهٌ ومَنْـزِلَةٌ ومَقَامٌ كَبِيرٌ (وَلَكِنْ أَنَا مُذْنِبٌ) وَلَمْ أُؤَهَّلْ إِلَى الطَّلَبِ مِن الجَانِبِ الأَعْلَى (والصَّالِحُونَ لَهُم جَاهٌ عِنْدَ اللهِ وَأَطْلُبُ مِن اللهِ بِهِمْ) فَأَطْلُبُ مِنْهُم وَهُم يَسْأَلُونَ ويَطْلُبُونَ لي وَيُقَرِّبُونِي إِلَى اللهِ زُلْفَى، لاَ أَطْلُبُهُم ذَوَاتَهُم.


    (3) (فجَاوِبْهُ بِمَا تَقَدَّمَ؛ وَهُوَ أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلَهُم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقِرُّونَ بِمَا ذَكَرْتَ، ومُقِرُّونَ أَنَّ أَوْثَانَهُم لاَ تُدَبِّرُ شَيْئًا) وَأَنَّ اللهَ هو النَّافِعُ الضَّارُّ وَحْدَه (وَإِنَّمَا أَرَادُوا الجَاهَ والشَّفَاعَةَ) فَقَطْ تَعَلَّقُوا عَلَيْهِم لأَِجْلِ جَاهِهِم عِنْدَ اللهِ؛ فَإِنَّ المُشْرِكَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ هو هَذَا: دُعَاءُ مَنْ يَشْفَعُ لَهُم عِنْدَ اللهِ؛ لاَ أَنَّهُ يَخْلُقُ ويَرْزُقُ (وَاقْرَأْ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ ووَضَّحَهُ) اقْرَأْ عَلَيْهِ الآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى هَذَا وهَذَا.
    فَمِن الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى إِقْرَارِهِم بالرُّبُوبِيَّة ِ:
    -قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}.
    -وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} إلى قَوْلِهِ: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}.
    -وَقَوْلُه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} .
    -وَقَوْلُهُ: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} وَغَيْرُ ذَلِكَ مِن الآيَاتِ.
    واقْرَأْ عَلَيْهِ الآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ اللهَ كَفَّرَهُم بِشِرْكِهِم في الإِلَهِيَّةِ،وَأَنَّهُم مَا أَرَادُوا إِلاَّ شَفَاعَتَهُم وتَقْرِيبَهُم، وَأَنَّ هؤلاء مَا زَادُوا عَلَى مَا فَعَلَهُ المُشْرِكُونُ الأَوَّلُونَ، لَيَتَبَيَّنَ أَنَّهُ في عَمَايَةٍ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ ومُعَاكَسَةٍ لِمَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ:
    -كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ}.
    - وَقَوْلِه تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ}.

    -وَقَولِهِ تَعَالَى: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَـنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونَ}.
    -وَقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}.
    وَنَظَائِرِهَا مِن الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُم مَا أَرَادُوا مِمَّنْ قَصَدُوا إِلاَّ الجَاهَ والشَّفَاعَةَ
    فحَاصِلُ جَوَابِ هَذِه الشُّبْهَةِ: أَنَّكَ مَا زِدْتَ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ المُشْرِكُونَ الأَوَّلُونَ، وَلاَ زَادَ فِعْلُكَ عَنْ فِعْلِهِم، بَلْ أَنْتَ وَهُمْ سَوَاءٌ.



  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    231

    افتراضي رد: جواب أهل الباطل في باب الحجاج وباب الاستدلال وإقامة البرهان مجمل ومفصل

    (فَإِنْ قَالَ) المُشَبِّهُ: (هَؤُلاَءِ الآيَاتُ)- يَعْنِي: آيَةَ: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} ونَحْوَهَا- (نَزَلَتْ فِيمَنْ يَعْبُدُ الأَصْنَامَ) إِن انْتَقَلَ إلَى هَذِه الشُّبْهَةِ وهي حَصْرُ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ في الأَصْنَامِ، يَعْنِي وَما سِوَاهُ فَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ، فَلَيْسَ مِثْلَهُم، هو يَدْعُو الصَّالِحِينَ وَلَيْسَ بِمُشْرِكٍ! (كيف تَجْعَلُونَ الصَّالِحِينَ مِثْلَ الأَصْنَامِ؟) حَصَرَ عِبَادَةَ غَيْرِ اللهِ في الأَصْنَامِ (أَمْ كَيْفَ تَجْعَلُونَ الأَنْبِيَاءَ أَصْنَامًا؟) مِن شَأْنِ أَهْلِ البَاطِلِ وأَشْبَاهِهِم نِسْبَتُهُم مَن نَزَّلَ الصَّالِحِيَن مَنَازِلَهُم أَنْ يَقُولُوا: تَنَقَّصُوهُم وَهَضَمُوهُم.
    وفي الحَقِيقَةِ هُمُ النَّاقِصُونَ المَتَنَقِّصُون َ للرُّسُلِ وَأَرَادُوا أَنْ يُعْطَوْا بَاطِلاً.
    وَأَهْلُ الحَقِّ نَزَّلُوهُم مَنَازِلَهُم الحَقَّ اللاَّئِقَةَ بِهِم وَمَا جَاءُوا بِهِ، وَلاَ زَادُوا وَلاَ نَقَصُوا؛ أَعْطَوْهُم حَقَّهُم الوَاجِبَ ونَزَّهُوهُم عَمَّا لاَ يَصْلُحُ لَهُم مِن البَاطِلِ.(فجَاو ِبْهُ بِمَا تَقَدَّمَ) وهو أَنَّ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ مُقِرُّونَ بالرُّبُوبِيَّة ِ؛ أَنَّ اللهَ تَعَالَى الخَالِقُ وَحْدَه لاَ شَرِيكَ لَهُ الرَّازِقُ، وإِنَّمَا كَانُوا مُشْرِكِينَ باتِّخَاذِهِم الوَسَائِطَ… إلخ.
    لَكِنَّهُم مَا أَعْطَوُا الرُّبُوبِيَّةَ حَقَّهَا فَإِنَّ تَوْحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ هو نَتِيجَةُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنَّهُ إِذَا أَقَرَّ أَنَّ الكُفَّارَ يَشْهَدُونَ بالرُّبُوبِيَّة ِ كُلِّهَا للهِ، وَأَنَّهُم مَا أَرَادُوا مِمَّنْ قَصَدُوا إِلاَّ الشَّفَاعَةَ) والمُشَبِّهُ مُقِرٌّ بِذَلِكَ (وَلَكِنْ أَرَادَ) المُشَبِّهُ (أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ فِعْلِهِم وَفِعْلِهِ بِمَا ذَكَرَ) وهو أَنَّ المُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا وهو لاَ يَعْبُدُ صَنَمًا.

    (فَاذْكُرْ لَهُ أَنَّ الكُفَّارَ مِنْهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الأَصْنَامَ) وَالأَوْثَانَ كَمَا ذَكَرَ اللهُ عَنْهُم:
    -{قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ}.
    -{إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا}.
    -{مَا هَـذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}.

    (وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو الأَوْلِيَاءَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} الآيةَ) فَمَعْبُودَاتُه ُم مُتَنَوِّعَةٌ؛ لَيْسَت الأَصْنَامَ وَحْدَهَا، مِن دَلِيلِ تَنَوُّعِهَا هَذِهِ الآيَةُ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ في أُنَاسٍ يَعْبُدُونَ الجِنَّ فَأَسْلَمَ الجِنُّ وبَقِيَ الإِنْسُ عَلَى عِبَادَتِهِم.
    وَقِيلَ:نَزَلَتْ فِيمَنْ يَعْبُدُ العُزَيْرَ والمَسِيحَ كَمَا هو قَوْلُ أَكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
    وَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ يَدْعُو مَدْعُوًّا وَذَلِكَ المَدْعُوُّ صَالِحٌ في نَفْسِهِ يَرْجُو رَحْمَةَ الرَّبِّ ويَخَافُ عِقَابَهُ، فَكَأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَالَ في الرَّدِّ عَلَيْهِم: إِنَّ مَنْ تَدْعُونَهُ عَبِيدِي كَمَا أَنَّكُمْ عَبِيدِي، يَرْجُونَ رَحْمَتِي ويَخَافُونَ عَذَابِي، فَيَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلُوا مِثْلَمَا تَفْعَلُ تَلْكَ الآلِهَةُ.
    فَصَارُوا عَبِيدَهُ بِثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ: بِعِبَادَتِه وَحْدَهُ، ورَجَائِهِ وَحْدَهُ، وَخَوْفِهِ وَحْدَهُ، هَذَا هو المُوصِلُ لَهُمْ والوَسِيلَةُ والسَّبَبُ المُوصِلُ، لاَ عِبَادَةُ سِوَاهُ مِن الأَوْلِيَاءِ ونَحْوِهِم.
    فَهَذِه الآيَةُ مِن جُمْلَةِ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ مِن مَعْبُودَاتِهِم الأَوْلِيَاءَ.

    (وَيَدْعُونَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) وَهُو صَرِيحٌ في شِرْكِ النَّصَارَى بالرُّسُلِ؛ عِيسَى رَسُولٌ (وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}) يَعْنِي عَظِيمَةَ التَّصْدِيقِ بالحَقِّ {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فَهَذَا بَعْضُ أَنْوَاعِ شِرْكِ الأَوَّلِينَ أَهْلِ الكِتَابِ.

    (وَاذْكُرْ لَهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ (40) قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ}) هَذِه الآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مِن المُشْرِكِينَ مَن يَعْبُدُ المَلاَئِكَةَ.
    فَعَرَفْتَ مِن هذه الآيَاتِ أَنَّ مِن المُشْرِكِينَ مَن يَدْعُو الأَوْلِيَاءَ والصَّالِحِينَ، وَمِنْهُم مَن يَدْعُو الأَنْبِيَاءَ، وَمِنْهُم مَن يَدْعُو المَلاَئِكَةَ، وأَنَّ الآيَاتِ مِنْهَا مَا نَزَلَ فِيمَنْ يَعْبُدُ الأَوْلِيَاءَ، وَبَعْضَهَا فِيمَنْ يَعْبُدُ الأَنْبِيَاءَ، وبَعْضَهَا فِيمَنْ يَعْبُدُ المَلاَئِكَةَ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِيمَنْ يَعْبُدُ الأَصْنَامَ فَقَطْ؛ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ المَعْبُودَاتِ، بَل الكُلُّ تَسْوِيَةُ المَخْلُوقِ بالخَالِقِ، والكُلُّ عَدَلَ بِهِ تَعَالَى سِوَاهُ في العِبَادَةِ، فالكُلُّ شِرْكٌ، والكُلُّ مُشْرِكُونَ.
    فَعَرَفْتَ مِن الآيَاتِ أَنَّهُ مِثْلُهُم فَبِذَلِكَ انْكَشَفَتْ شُبْهَتُهُ وانْدَحَضَتْ حُجَّتُهُ.

    وقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ} وهو تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ عِيسَى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، ولَكِنَّ المُرَادَ نُطْقُهُ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ وبَيَانُ بُطْلاَنِ عِبَادَتِهِم لَهُ، وَأَنَّه لَمْ يَرْضَ بذلك.
    وهَذَا الخَبَرُ مِن اللهِ ذَمٌّ وَعَيْبٌ لِمَن اتَّخَذَ المَسِيحَ وأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مِن دونِ اللهِ {قَالَ سُبْحَانَكَ} أي: تَنْـزِيهًا لَكَ عمَّا لاَ يَلِيقُ بِجَلاَلِكَ وعَظَمَتِكَ {مَا يَكُونُ لِي} يَعْنِي: مَا يَنْبَغِي لِي {أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} أَنْ أَجْعَلَ حَقَّ رَبِّ العَالَمِينَ الَّذِي لاَ يَشْرَكُهُ فِيهِ غَيْرُه لِي: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} وأَنْتَ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنِّي ذَلِكَ {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}.

    (فَقُلْ) للمُشَبِّهِ الشُّبْهَةَ السَّابِقَةَ: (عَرَفْتَ أَنَّ اللهَ كَفَّرَ مَنْ قَصَدَ الأَصْنَامَ وَكَفَّرَ أَيْضًا مَنْ قَصَدَ الصَالِحِينَ) بَلْ لاَبُدَّ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ تَكْفِيرُهُم واعْتِقَادُ ذَلِكَ، فَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُم دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَرَى عَمَلَهُم كُفْرًا (وَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ) بَلْ جَعَلَ سَبِيلَهُمْ واحِدًا، وإِنْ تَفَرَّقَتْ مَعْبُودَاتُهُم ، فَكُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وهو عِبَادَةُ غَيْرِ اللهِ مَعَ اللهِ.
    وبِذَلِكَ انْكَشَفَتْ شُبْهَتُهُ وانْدَحَضَتْ حُجَّتُهُ وَأَنَّهُ في غَايَةِ الجَهَالَةِ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    231

    افتراضي رد: جواب أهل الباطل في باب الحجاج وباب الاستدلال وإقامة البرهان مجمل ومفصل

    (فَإِنْ قَالَ: الكُفَّارُ) الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِم القُرْآنُ؛ أَبُو جَهْلٍ وأَضْرَابُهُ: (يُرِيدُونَ مِنْهُمْ) يُرِيدُونَ مِن الآلِهَةِ الَّتِي يَدْعُونَ، وَيَطْلُبُونَ مِنْهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ أَبْوابُ حَوَائِجِهم إِلَى اللهِ؛ فَهُم يُبَاشِرُونَهُم بالعِبَادَاتِ (وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ اللهَ هو النَّافِعُ الضَّارُّ لاَ أُرِيدُ إِلاَّ مِنْهُ، والصَّالِحُونَ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ أَقْصِدُهُم أَرْجُو مِنَ اللهِ شَفَاعَتَهُم) والمَالِكُ لَهُمْ والمطْلُوبُ هو اللهُ وَأَقْصِدُهُم ليَطْلُبُوا لي مِن اللهِ الشَّفَاعَةَ.
    إِذَا انْتَقَلَ بَعْدَ كَشْفِ الشُّبْهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ وشَبَّهَ بِهَذِه الشُّبْهَةِ.

    (12) (فالجَوَابُ) عَن هَذِه الشُّبْهَةِ (أَنَّ هَذَا قَوْلُ الكُفَّارِ) بِعَيْنِهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ (سَوَاءً بِسَوَاءٍ) مَا وُجِدَ شَيْءٌ مُخَفَّفٌ بَلْ وُجِدَ مِنْهُ شَيْءٌ أَعْظَمُ مِنْهُم؛ فَإِنَّهُم مُقِرُّونَ بالرُّبُوبِيَّة ِ؛ أَنَّ اللهَ هو المُدَبِّرُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَت الإِشَارَةُ إِلَيْهِ أَوَّلَ الكِتَابِ، اقْرَأْ عَلَيْهِ الآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى إِقْرَارِهِم بالرُّبُوبِيَّة ِ المُتَقَدِّمَةِ ، (وَاقْرَأْ عَلَيْهِ) الآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّهُم مَا أَرَادُوا إِلاَّ الشَّفَاعَةَ، مِنْهَا (قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى}) فَإِنَّ في هَذِه الآيَةِ حَصْرَ مَطْلُوبِهِم وهو شَيْءٌ وَاحِدٌ؛ يَقُولُونَ: لَيْسَ لَنَا صَلاَحِيَةُ السُّؤَالِ مِن اللهِ فنَطْلُبَ مِنْهُم وَهُمْ يَطْلُبُونَ لَنَا مِن اللهِ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى.
    (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ هَـؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ}) فَفِي هَذِه الآيَةِ بَيَانُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُم قَصْدٌ إِلاَّ شَيْءٌ وَاحِدٌ وهو طَلَبُ الشَّفَاعَةِ إِلَى رَبِّ الجَمِيعِ.

    (13) (واعْلَمْ أَنَّ هَذِه الشُّبَهَ الثَّلاَثَ هي أَكْبَرُ مَا عِنْدَهُم) هَذِه، والشُّبْهَتَانِ قَبْلَهَا: شُبْهَةُ انْتِفَاءِ الشِّرْكِ مَعَ الإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَشُبْهَةُ حَصْرِ الشِّرْكِ في عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وشُبْهَةُ أَنَّ الكُفَّارَ يُرِيدُونَ مِنْهُم وَأَنَّهُ لاَ يُرِيدُ مِنْهُم إِلاَّ الشَّفَاعَةَ (فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ اللهَ وَضَّحَهَا فِي كِتَابِهِ وفَهِمْتَهَا فَهْمًا جَيِّدًا فَمَا بَعْدَهَا أَيْسَرُ مِنْهَا) يَعْنِي: إِذَا صَارَ هَذِه سُهُولَةَ رَدِّ أَعْظَمِ شُبَهِهِم فَغَيْرُهَا بِطَرِيقِ الأَوْلَى أَسْهَلُ وأَسْهَلُ؛ تَجِدُ في النُّصُوصِ أَسْهَلَ شَيْءٍ الرَّدَّ عَلَيْهِم.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    231

    افتراضي رد: جواب أهل الباطل في باب الحجاج وباب الاستدلال وإقامة البرهان مجمل ومفصل

    (فَإِنْ قَالَ: أَنَا لاَ أَعْبُدُ إِلاَّ اللهَ وَهَذَا الالْتِجَاءُ إِلَيْهِم وَدُعَاؤُهُم لَيْسَ بِعِبَادَةٍ) جَحَدَ أَنَّهُ صَادِرٌ مِنْهُ شِرْكٌ (فَقُلْ لَهُ) مُجِيبًا: (أَنْتَ تُقِرُّ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْكَ إِخْلاَصَ العِبَادَةِ للهِ؟) فَلاَ يُمْكِنُهُ جَحْدُ ذَلِكَ، وَإِنْ جَحَدَ ذَلِكَ كَفَانَا مَؤُونَةَ الرَّدِّ عَلَيْهِ (فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ. فَقُلْ لَهُ: بَيِّنْ لِي هَذَا الذي فَرَضَهُ عَلَيْكَ وهو إِخْلاَصُ العِبَادَةِ للهِ وهو حَقُّهُ عَلَيْكَ) فَإِنْ سَأْلْتَهُ عَنْ حَقِيقَةِ مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وهو يَعْلَمُ وَيُقِرُّ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِ إِخْلاَصَهَا (فَإِنَّهُ لاَ يَعْرِفُ العِبَادَةَ ولاَ أَنْوَاعَهَا) إِذْ لو عَرَفَهَا وأَنْوَاعَهَا لَمَا نَفَاهَا عن نَفْسِهِ ولَمَا قَدَّمَ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ غَيْرَهُ؟ لَكِنَّهُ مِن أَجْهَلِ الجَاهِلِينَ وأَضَلِّ الضَّالِّينَ؛ فَإِنَّ الجَهْلَ أَنْوَاعٌ أَعْظَمُهَا الجَهْلُ باللهِ تَعَالَى وأَسْمَائِهِ وصِفَاتِهِ، وهو أَعْظَمُ مِن الجَهْلِ بِشَرْعِهِ ودِينِهِ، فهو مُتَغَلِّظٌ جَهْلُهُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَهْلٌ بالتَّوْحِيدِ الَّذِي هو أَسَاسُ المِلَّةِ،
    والثَّانِي: أَنَّه جَهْلٌ بِشَيْءٍ مُسْتَفِيضٍ وَاضِحٍ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، والجَهْلُ بالشَّيْءِ المَعْلُومِ الوَاضِحِ أَعْظَمُ مِن الجَهْلِ بالشَّيْءِ الخَفِيِّ (فَبَيِّنْهَا لَهُ) يَعْنِي: بَيِّنْ لَهُ أَنَّ الدُّعَاءَ والطَّلَبَ عِبَادَةٌ، وأَحَدُ تَعَارِيفِ العِبَادَةِ: أَنَّهُ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اطِّرَادٍ عُرْفِيٍّ ولاَ اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ.
    وَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِدُعَائِهِ وَحْدَهُ (بِقَوْلِكَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}) وَهَذِه الآيَةُ تُفِيدُ ذَلِكَ؛ أَنَّهُ يُحِبُّه وَيْرَضَاهُ، والأَمْرُ عِبَادَةٌ.

    (2) (فَإِذَا أَعْلَمْتَهُ بِهَذَا) إِذَا أَعْلَمْتَهُ أَنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِبَادَةٌ (فَقُلْ لَهُ: هَلْ عَلِمْتَ هَذَا عِبَادَةً للهِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ) لاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْحَدَ، فَإِنْ جَحَدَ سَقَطَ الكَلاَمُ مَعَهُ، وعُرِفَ أَنَّهُ مُكَابِرٌ وانْتَقِلْ مَعَهُ إلى الجَلاَّدِ، إِنْ أَمْكَنَ.(والدُّ عَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ) كَمَا في الحَدِيثِ: ((الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ)) (فَقُلْ لَهُ: إِذَا أَقْرَرْتَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ ودَعَوْتَ اللهَ لَيْلاً وَنَهَارًا، خَوْفًا وَطَمَعًا، ثُمَّ دَعَوْتَ في تَلْكَ الحَاجَةِ نَبِيًّا أَو غَيْرَهُ) يَعْنِي بِعِبَادَةِ الدُّعَاءِ (هَلْ أَشْرَكْتَ في عِبَادَةِ اللهِ غَيْرَهُ؟ فَلاَبُدَّ أَنْ يَقُولَ نَعَمْ) إِنْ كَانَ عِنْدَه الْتِفَاتٌ إِلَى الدَّلِيلِ؛ فَإِنَّ مَن لاَزِمِ إِقْرَارِهِ بالأُولَى إِقْرَارَهِ بالثَّانِيَةِ فبِذَلِكَ انْكَشَفَتْ شُبْهَتُهُ.

    (3) (فَقُلْ لَهُ: فَإِذَا عَمِلْتَ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وَأَطَعْتَ اللهَ وَنَحَرْتَ لَهُ، هَلْ هَذَا عِبَادَةٌ؟) ودَلِيلُهُ وَاضِحٌ وبُرْهَانُه قَاطِعٌ (فَلاَبُدَّ أَنْ يَقُولَ نَعَمْ) لاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْحَدَهُ.(فَقُ لْ لَهُ: فَإِنْ نَحَرْتَ لِمَخْلُوقٍ نَبِيٍّ أَوْ جِنِّيٍّ أو غَيْرِهِمَا هَلْ أَشْرَكْتَ في هَذِه العِبَادَةِ) يَعْنِي: عِبَادَةِ النَّحْرِ (غَيْرَ اللهِ؟ فَلاَبُدَّ أَنْ يُقِرَّ وَيَقُولَ نَعَمْ) مَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْحَدَ الثَّانِيَ بَعْدَ الأَوَّلِ، بَلْ إِقْرَارُهُ بالأَوَّلِ يُلْزِمُهُ الإِقْرَارَ بالثَّانِي، يَعْنِي: وَكَذَلِكَ سائرُ العباداتِ إمَّا أن يُقِرَّ أنها عبادةٌ أو لا، فإن أَنْكَرَ كَوْنَهَا عِبَادَةً، أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، فَإِنْ أَقَرَّ خُصِمَ.
    فَبِهَذَا ظَهَرَ واتَّضَحَ جَهْلُهُ وضَلاَلُهُ وَانْكَشَفَتْ شُبْهَتُهُ وَأَنَّ قَوْلَهُ: أَنَا لاَ أَعْبُدُ إِلاَّ اللهَ… إلخ، مَحْضُ جَهْلٍ مِنْهُ، وأَنَّ هَذَا عِبَادَةٌ لِغَيْرِ اللهِ، وتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَابِدٌ غَيْرَ اللهِ، وَأَنَّ مَا يَصْنَعُهُ مَعَهُم عِبَادَةٌ لَهُم وَأَنَّه عَابِدٌ اللهَ وَعَابِدٌ مَعَهُ غَيْرَهُ.

    (4) (وَقُلْ لَهُ أَيْضًا) تَقَدَّمَ الجَوَابُ الأَوَّلُ وهو جَوَابٌ كَافٍ وَافٍ، وَأَرْدِفْهُ بِهَذَا الجَوَابِ الثَّانِي عَن شُبْهَتِهِ السَّابِقَةِ -كَمَا هو شَأْنُهُ رَحِمَهُ اللهُ؛ يَذْكُرُ جَوَابَ الشُّبْهَةِ وَافِيًا، ثُمَّ يَزِيدُهُ الجَوَابَ والجَوَابَيْنِ والثَّلاَثَةَ -وهي قَوْلُهُ: أَنَا لاَ أَعْبُدُ إِلاَّ اللهَ، وَهَذَا الالْتِجَاءُ إِلَيْهِم ودُعَاؤُهُم لَيْسَ بِعِبَادَةٍ.

    (5) (المُشْرِكُونَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِم القُرْآنُ هَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ المَلاَئِكَةَ والصَّالِحِينَ واللاَّتَ وغَيْرَ ذَلِكَ؟ فَلاَبُدَّ أَنْ يَقُولَ نَعَمْ) لاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُنْكِرَ شَيْئًا أَثْبَتَهُ القُرْآنُ واذْكُرْ لَهُ النُّصُوصَ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّهُم كَانُوا يَدْعُونَ المَلاَئِكَةَ والصَّالِحِينَ واللاَّتَ:
    -كَقَوْلِهِ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} الآيَتَيْنِ.
    -وقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} الآيَةَ.
    - وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى} الآيَاتِ.

    (6) (فَقُلْ لَهُ: وَهَلْ كَانَتْ عِبَادَتُهُم إِيَّاهُمْ إِلاَّ فِي الدُّعَاءِ والذَّبْحِ والالْتِجَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟) يَعْنِي: أَنَّها مَا كَانَتْ عِبَادَتُهُم إِلاَّ هَكَذَا، هَلْ هو هَذَا أو غَيْرُه؟ فَإِنَّهُ لاَ يَجِدُ دَلِيلاً غَيْرَ هَذَا، فَقُلْ لَهُ: أَنَا عِنْدِي دَلِيلٌ وهي أَنَّ عِبَادَتَهُم هي هَذِه {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} (وَإِلاَّ فَهُمْ مُقِرُّونَ أَنَّهُم عَبِيدُهُ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَأَنَّ اللهَ هو الذِي يُدَبِّرُ الأَمْرَ، وَلَكِنْ دَعَوْهُمْ والْتَجَأُوا إِلَيْهِم للجَاهِ والشَّفَاعَةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا) في كَشْفِ شُبْهَتِهِ.


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    231

    افتراضي رد: جواب أهل الباطل في باب الحجاج وباب الاستدلال وإقامة البرهان مجمل ومفصل

    (فَإِن) انْتَقَلَ المُشَبِّهُ إِلَى هَذِه الشُّبْهَةِ الأُخْرَى و(قَالَ: أَتُنْكِرُ شَفَاعَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَتَبَرَّأُ مِنْهَا؟) هَذَا شَأْنُ أَعْدَاءِ اللهِ القُبُورِيِّينَ ؛ إِذَا أُنكِرَ عَلَيْهِم البَاطِلُ قَالُوا: هَذَا إِنْكَارٌ للحَقِّ، وإِذَا أُنْكِرَ عَلَيْهِم دُعَاءُ غَيْرِ اللهِ قَالُوا: هَذَا إِنْكَارٌ للشَّفَاعَةِ.مِن شَأْنِ أَهْلِ البَاطِلِ المُشْبِهِينَ أَهْلَ الشِّرْكِ المُبَاهَتَةُوَ إِلْبَاسُهُم أَهْلَ الحَقِّ الشُّبَهَ البَاطِلَةَ، إِذَا أُنْكِرَ عَلَيْهِم دُعَاءُ غَيْرِ اللهِ وشِرْكِيَّاتُهُ م وَضَلاَلاَتُهُم أَخَذُوا في الطَّعْنِ عَلَى أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَقَالُوا: إِنَّكُم تُنْكِرُونَ الشَّفَاعَةَ، وَأَنْتُم تَنْتَقِصُونَ الأَوْلِيَاءَ والصَّالِحِينَ - ولَيْسَ كَذَلِكَ- خَالَفُوا طَرِيقَةَ الرُّسُلِ وأَلْزَمُوهُم أَنْ يَكُونُوا رَاضِينَ بِذَلِكَ، وَهَذَا عَكْسُ مَا دَعَوْهُم إِلَيْهِ.(فَقُلْ : لاَ أُنْكِرُهَا) وَأَوْلَى مِن ذَلِكَ أَنْ لاَ أَتَبَرَّأَ مِنْهَا، وهي أَصْلٌ لأَِهْلِ التَّوْحِيدِ دونَ غَيْرِهِم، بل أَنَا وَأَمْثَالِي أَرْجَى لِشَفَاعَتِهِ لِكَوْنِي مُتَمَسِّكًا بِسُنَّتِهِ، بَلْ هُمْ المَحْرُمُونَ لِكَوْنِهِم تَعَلَّقُوا بِأَذْيَالٍ لاَ تُوصِلُهُم بَلْ هُمْ تَرَكُوا سَبَبَ شَفَاعَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بَلْ هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّافِعُ المُشَفَّعُ وأَرْجُو شَفَاعَتَهُ، وَلَكِنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا للهِ) فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَمْلِكُهَا اسْتِقْلاَلاً، بَلْ لاَ يَشْفَعُ إِلاَّ في أُنَاسٍ مَخْصُوصِينَ، قَائِمٍ بِهِمُ التَّأَهُّلُ لأَِنْ يُشْفَعَ لَهُم (كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُل للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا}) وَهَذَا في سِياقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ}عند جميع العُلَمَاءِ اللام للمِلْكِ.
    بَيَّنَتِ الآيَةُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ مِلْكٌ للهِ وَحْدَهُ، وَكَوْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُعْطِيَهَا لاَ اسْتِقْلاَلاً مِن دونِ اللهِ بَلْ أَكْرَمَهُ المَالِكُ لَهَا لأُِنَاسٍ مَخْصُوصِينَ في مِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ، فهي شَيْءٌ مَحْدُودٌ لِشَيْءٍ مَحْدُودٍ، (وَلاَ تَكُونُ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِ اللهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}) فَأَيُّ قَائِلٍ أو أَيُّ إِنْسَانٍ يُخْرِجُ النَّبِيَّ مِن هَذَا العُمُومِ.

    (2) (وَلاَ يَشْفَعُ فِي أَحَدٍ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ فيه، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى}) يَعْنِي: مَن رَضِيَ اللهُ قَوْلَه وَعَمَلَهُ (وهو سُبْحَانَهُ لاَ يَرْضَى) مِن عِبَادِهِ إِلاَّ عَمَلاً وَاحِدًا هو الإِسْلاَمُ والذِي يَدُورُ عَلَيْهِ هو التَّوْحِيدُ؛ فالتَّوْحِيدُ مَنْـزِلَتُهُ مِن الإِسْلاَمِ كَمَنْـزِلَةِ الأَسَاسِ مِن البُنْيَانِ، فالْمِحْوَرُ هو التَّوْحِيدُ والرَّبُّ لاَ يَرْضَى (إِلاَّ التَّوْحِيدَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}) .
    وَقَالَ عَنِ المُشْرِكِينَ: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} فَإِذَا كَانَتِ الشَّفَاعَةُ كُلُّهَا للهِ كَمَا في الآيَةِ الأُولَى (وَلاَ تَكُونُ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ) كَمَا في الآيَةِ الثَّانِيَةِ وَلاَ يَشْفَعُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ غَيْرُهُ في أَحَدٍ حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ فِيهِ كَمَا في الآيَةِ الثَّالِثَةِ (وَلاَ يَأْذَنُ اللهُ إِلاَّ لأَِهْلِ التَّوْحِيدِ) كَمَا في الآيَةِ الرَّابِعَةِ (تَبَيَّنَ لَكَ) بِذَلِكَ كُلِّهِ، بَلْ بَعْضُهُ كَافٍ (أَنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا للهِ) مِلْكٌ لَهُ وَحْدَهُ، وَأَنَّهَا لاَ تُطْلَبُ مِن غَيْرِ اللهِ بل تُطْلَبُ مِن اللهِ (وَأَطْلُبُهَا مِنْهُ) فَأَطْلُبُهَا بِمَا هو دُعَاءٌ لِرَبِّ العَالَمِينَ المَالِكِ لِهَا وَحْدَه، لاَ دُعَاءٌ للنَّبِيِّ (فَأَقُولُ: اللهُمَّ لاَ تَحْرِمْنِي شَفَاعَتَهُ، اللهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ وأَمْثَالَ هَذَا) فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ نِلْتَهَا، وَمُرَادُهُ أَنَّكَ تَطْلُبُهُ بِالْمَعْنَى وَلَوْ مَا لَفَظْتَ؛ فَإِذَا عَمِلْتَ بالتَّوْحِيدِ فَأَنْتَ تَطْلُبُ أَسْبَابًا فِيهِا نَيْلُ الشَّفَاعَةِ سَوَاءٌ قُلْتَ باللَّفْظِ أَوْ لاَ أو مَا هَذَا مَعْنَاهُ.


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •