لم يبعث الله نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3
1اعجابات
  • 1 Post By ابوسفيان

الموضوع: لم يبعث الله نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,901

    افتراضي لم يبعث الله نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء

    قال الشيخ الامام محمد بن إبراهيم آل الشيخ فى شرح كشف الشبهات
    اعْلَمْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ (أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ) البَالِغَةِ
    (لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا) مِن الأَنْبِيَاءِ (بِهَذَا التَّوْحِيدِ)
    مِن لَدُنْ نُوحٍ إِلَى أَنْ خَتَمَهُم بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    (إِلاَّ جَعَلَ لَهُ أَعْدَاءً) إلاَّ قَيَّضَ لَهُ أَعْدَاءً قَصْدُهُم الإِغْوَاءُ والصَّدْفُ عن دِينِ اللهِ؛ هَذَا الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ.

    وهَذِه حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ؛
    ابْتِلاَءُ الأَخْيَارِ بالأَشْرَارِ لِيَكْمُلَ للأَخْيَارِ مَرَاتِبُ الجِهَادِ،
    وإِلاَّ لو شَاءَ لَمَا جَعَلَ للأَشْرَارِ شَيْئًا مِن السُّلْطَةِ
    {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} الآيةَ.
    سُنَّتُهُ البَالِغَةُ أَنْ يُسَلِّطَ الأَشْرَارَ عَلَى الأَخْيَارِ؛
    سَلَّطَ الأَشْرَارَ عَلَى الرُّسُلِ فَمَا دُونَهِم، وَلَيْسَ هَوَانًا بالأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ وأَتْبَاعِهِم،
    ولَكِنْ ليَقُومَ الأَخْيَارُ بالجِهَادِ، فَتَعْظُمَ الدَّرَجَةُ، ويَعْظُمَ الأَجْرُ، ويَنَالُوا المَرَاتِبَ العَالِيَةَ؛
    لأَِنَّ الجَنَّةَ غَالِيَةٌ لاَ تُنَالُ إِلاَّ بالصَّبْرِ عَلَى المَصَاعِبِ والمَشَاقِّ.

    واعْلَمْ أَنَّ أتْبَاعَهُم كَذَلِكَ،
    مَنْ صَدَّقَ اللهَ في اتِّبَاعِهِ للرُّسُلِ كَانُوا أَعْظَمَ أَعْدَائِهِ (كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا} يَشْمَلُ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ،
    ثُمَّ بَيَّنَ العَدُوَّ فَقَالَ: {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} يَعْنِي مِن هَؤُلاَءِ وهَؤُلاَءِ.

    والشَّيَاطِينُ هُم الذين فيهم تَمَرُّدٌ وعُلُوٌّ،
    قَالَ بَعْضُهُم: إِنَّه بَدَأَ بِشَيَاطِينِ الإِنْسِ؛
    لأَِنَّهُم أَعْظَمُ فِي هَذَا المَقَامِ مِن شَيَاطِينِ الجِنِّ؛
    لأَِنَّ شَيْطَانَ الإِنْسِ يَأْتِي في صُورَةِ نَاصِحٍ مُحِبٍّ لَيِّنِ الجَانِبِ واللِّسَانِ،
    ثُمَّ بَيَّنَ الذي بِهِ يَصْدِفُونَ عَن الحَقِّ فَقَالَ: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}
    فَتَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ تَزْيِيفَ القَوْلِ بالعِبَارَةِ لَهُ تَأْثِيرٌ، وَأَنَّ الحَقَّ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَن يَجْعَلُهُ في صُورَةِ البَاطِلِ

    {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ}
    لَكِنَّهُ جَعَلَهُم ابْتِلاَءً وامْتِحَانًا لِيَتَبَيَّنَ المُجَاهِدُ مِن القَاعِدِ والصَّابِرُ مِن غَيْرِ الصَّابِرِ وَالمُجِدُّ مِن المُخْلِدِ
    {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}،
    وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ وتَغْلِيظٌ.
    (وَقَدْ يَكُونُ لأَعْدَاءِ التَّوحِيدِ عُلُومٌ كَثيرةٌ) لُغَوِيَّةٌ (وَكُتُبٌ) يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا (وَحُجُجٌ)
    لَكِنَّهَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ مِثْلَ السَّرَابِ عِنْدَ المُنَاظَرَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّها لاَ شَيْءَ
    {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ.

    وَمِن تِلْكَ الحُجَجِ مَا تَقَدَّمَ، ومِنْهَا مَا يَأْتِي الجَوَابُ عَنْهُ.
    والعِلْمُ: هو المَوْرُوثُ عن الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
    وأَمَّا عِلْمُهُم فهو .. تُرَّهَاتٌ بَاطِلَةٌ لاَ أَصْلَ لَهَا، ومِنْهَا شَيْءٌ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ لَكِنْ لاَ يَفْهَمُونَهُ، وهو في الحَقِيقَةِ لاَ يَدُلُّ عَلَى بَاطِلِهِم بل هو رَدٌّ عَلَيْهِم،
    والدَّلِيلُ أَنَّ عِنْدَهُم عُلُومًا كَثِيرَةً وكُتُبًا وحُجَجًا قَوْلُه تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }.



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    231

    افتراضي رد: لم يبعث الله نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء

    قال الشيخ صالح ال الشيخ
    قال الامام محمد ابن عبد الوهاب
    رحمه الله فى كشف الشبهات
    (واعلم أنه سبحانه من حكمته لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء؛
    كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} )
    .

    قد يأتي الشيطان للعبد بشبهةِ أن التوحيد والدين إذا كانا من عند الله حقاً، وإذا كان ذلك فيه مرضاة الله جلّ وعلا، والله ينصر أولياءه ويعز أولياءه، ويخذل أعداءه،
    فالمفترض أن يكون - يعني: في إلقاء الشيطان في النفوس ـ أن يكون أهل التوحيد هم الغالبين، وأن يكون الرسل ليس لهم أعداء؛ لأنهم من عند الله جل وعلا.

    وهذا الظن قد ظنه طائفة من المشركين،
    فرغبوا في إنزال مَلَك حتى يُتفق عليه،
    ورغبوا في أن يكون للنبي كذا وكذا من الأشياء التي يكون معها الاتفاق وعدم المعاداة له، وعدم الجحود لما جاء به؛
    كما قال جلّ وعلا: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً} الآيات في سورة الإسراء.

    - وكذلك الآيات في سورة الفرقان: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً}.
    فمن حكمة الله جل جلاله:
    أنه بعث الرسل، وجعل لكل رسول أعداء
    ،
    وأعداء الرسل من الإنس والجن؛
    لأن بعثة الرسل لإنس أقوامهم وللجن الذين يسمعون حديثهم،
    إلا محمداً عليه الصلاة والسلام، فإن بَعثته للعالمين جميعاً، للإنس كافة وللجن كافة.
    فلكل رسول أعداء،
    وهؤلاء الأعداء جعلهم الله -جلّ وعلا- أعداءً لحكمة؛
    لأن أمر التوحيد عظيم،
    فلهذا قال سبحانه:
    {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ}.وقال جل وعلا في الآية الأخرى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً}.
    فحكمة الله -جلّ وعلا- اقتضت أن يجعل لكل نبي أعداءً
    ،
    وهكذا لكل أتباع الرسل والأنبياء جعل لهم أعداءً؛
    لأن حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت
    أن يفرق بين حزب الله وحزب الشيطان،
    وهذا الفرق بين حزب الله وحزب الشيطان قد يكون فرقاً بالعلوم،
    وقد يكون فرقاً بالسيف والسنان.
    ولهذا القرآن فرقان،
    فرق الله -جل وعلا- فيه بين علوم الحق وبين علوم المشركين.

    المقصود: أن حكمة الله اقتضت أن يكون لكل نبي عدوٌ،
    فلا ينظر الموحد في زمن ما:

    -إلى أن أهل التوحيد قلة.
    -أو إلى أنهم مزدرون.
    -أو إلى أنهم لا يؤبه لهم.
    -أو إلى أنهم مكثوا زمنا طويلاً لم يُنصروا.
    -أو نحو ذلك من الأشياء،
    لا ينظر إلى ذلك،
    أو أنهم يعذبون، أو أنهم يطردون، أو ما يفعله الأعداء بأهل التوحيد، لا ينظر إلى ذلك،
    وإنما ينظر إلى الحق في نفسه.


    وحكمة الله عرفها أهل السنة بأنها: وضع الأشياء في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها.
    والله -جل وعلا- أذن بالشر في ملكه - والشر ليس إليه -
    ليظهر طيب الطيب،
    وليظهر طيب أهل الحق على خبْث غيرهم
    ، فأذن به جلّ وعلا، أذن بالشر فداءً للخير حتى يظهر،
    فلولا هذه العداوة ما ظهر المستمسك بالتوحيد من غيره،
    ما ظهر الذي على قناعة تامة من توحيد الله -جل وعلا- من الذين هم في ريبهم يترددون،
    ونحو ذلك من الحكم العظيمة.
    فالله -جل وعلا- أنزل العداوة في موضعها،
    وهذه العداوة موافقة لغاية محمودة منها.
    بعض الجن والإنس بل الأكثر من شياطين الإنس والجن أعداء للرسل،
    هذا فيه غايات محمودة،
    ومن هذه الغايات المحمودة التي هي حكمة الله جل وعلا:

    - أن يظهر أنصار الله -جل وعلا- الذين يستحقون فضله ومنته ودار كرامته.
    ومنها: أن يظهر الفرقان بين أهل الحق وأهل الباطل، بشيء بشري وليس بسماوي، وربما ينعم الله -جل وعلا- بشيء من عنده من السماء، كتأييدٍ بملائكةٍ، أو نحو ذلك.
    ومنها:أن يظهر أن هؤلاء الذين نصروا دينه ليس عندهم شك ولا شبهة، مع كثرة المعادين ومع كثرة الشبه ومع كثرة ما يرد،
    فإن استمساكهم بالحق دليل على صحة التوحيد،
    فالرسل مع قلة من استجاب لهم استمسكوا بالحق،
    وبعضهم مكث مُدداً طويلة،
    فظهر أن هؤلاء الذين استمسكوا بالحق وثبتوا عليه،
    حتى إن أحدهم ليؤخذ فينشر بالمنشار نصفين ما يرده ذلك عن دينه،
    هذا شهادة عظيمة بأن هذا الذي حملوه حق؛ لأن الله -جل جلاله-
    جعلهم مكرمين بهذا الأمر، ومكرمين باتباع الرسل - يعني: باتباع الحق - في حِكَم شتى.

    قال الشيخ:
    (لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء)
    وهذا الحصر مأخوذ من الآية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا}
    فلفظ (كل) ظاهر في العموم،
    وهو بمعنى: لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً.
    وأعداء التوحيد - أعداء الأنبياء والرسل - على قسمين:

    1-أعداء رؤساء.
    2- وأعداء تبع.
    الرؤساء:إما أهل الرياسة والتدبير في أمور الدنيا، وإما أهل الرياسة في أمور الفكر والدين، هؤلاء هم الذين تزعموا العداوة وصدوا الناس عن الدين، هذا صنف من أصناف الأعداء.
    والصنف الثاني منهم:
    الأتباع الرعاع الذين أعرضوا عن الحق.

    - أو الذين أخذتهم الحمية والعصبية في ألا يقبلوا التوحيد، وأن ينصروا رؤساءهم.
    فلا يوصف بالعداوة العلماء فقط، أوالرؤساء فقط، بل أعداء التوحيد العامة والرؤساء جميعاً؛ لأن من لم يستجب للتوحيد فقد سب الله جلّ جلاله.
    كل مشرك بالله فهو متنقص للرب -جل وعلا- ساب له، فمن ادعى أن مع الله إلها آخر، يتوسط به ويُزدلف إلى الله -جلّ وعلا- عن طريقه، بوساطته وشفاعته، سواء كان ذلك عالماً أولم يكن عالماً، وإنما كان تبعاً لرؤسائه، فإنه عدو للتوحيد،
    وربما كان هؤلاء من جهة انتشارهم في الناس أبلغ في إحياء عداوة التوحيد وبثها من الخاصة،
    وهذا ظاهر بين؛
    لأن العامة ينشرون من الأقوال والأكاذيب أعظم مما يبثه الخاصة.

    وإذا نظرت إلى دعوة محمد بن عبد الله -عليه الصلاة والسلام-
    فإن الذي نشر أنه صابئ، والذي نشر أنه ساحر، والذي نشر أنه مجنون
    أتباع الكبار، أتباع الرؤساء والملأ في العرب.
    وكذلك إذا نظرت في دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله،
    فإن الذي نشر في الناس مقالة أعداء الشيخ من علماء زمانه إنما هم العامة.
    فالعامة عداوتهم تأتي من جهة التعصب
    ،
    ومن جهة نصرة الباطل بقناعتهم بمن قال لهم ذلك،
    فعندهم علماء معظمون ورؤساء معظمون فيقتدون بهم،
    ويستجيبون لمقالهم دون نظر وتدبر،
    فهؤلاء أعداء لتوحيد الله جلّ وعلا.
    وكل من هذين الصنفين يجب الحذر منه،
    ويجب على الموحد أن يعاديه،
    فليست عداوة الموحد لعلماء المشركين خاصة،
    أو الذين أعلنوا الحرب على التوحيد خاصة،
    هؤلاء لهم نصيب من العداوة أكبر،
    وكل من لم يوحد الله -جلّ وعلا- وانغمس في براثن الشرك، وأشرك بالله فهو عدو لله جلّ وعلا، فكل مشرك عدو لله جلّ وعلا؛
    كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}
    قال جل وعلا:
    {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً}
    ...
    قال: {عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} شياطين الإنس يُرون،
    وشياطين الجن لا يرون، وهم الذين يلقون أيضاً بعض الشبه في نفوس شياطين الإنس من جهة الوسواس والقرين.

    قال: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً}
    في قوله: {زُخْرُفَ الْقَوْلِ} ما ينبىء على أن علوم المشركين وشبه المشركين فيها رونق ولها زخرف، والزخرف: هو الشيء الناصع البين الجيد، ومنه قيل للذهب زخرف؛ لأنه ناصع واضح.


    فزخرف القول:
    هو القول الذي له نصوع وضياء يبصره ببصيرته المتأمل له فيخدعه،
    فقال -جلّ وعلا- هنا: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ} في هذا: أن ما عند المشركين من العلوم لها زخرف، فليحذر منها.

    لا يتصور في هذا المقام -
    - أن شبهة المشرك ليس لها وجه البتة، لا تتصور هذا، فإن المشرك يوحي بعضهم، يوحي بعض المشركين إلى بعض بزخرف القول حتى تُزين الشبهة،
    فلا يقال هذه الشبهة فيها نصيب من الحق فتكون حقاً.
    أو أن يظن أن شبهة المشرك ليس لها نصيب من النظر البتة،
    بل يكون لها زخرف ويكون لها نظر،
    فإذا تأملها أهل العلم وجدوها داحضة؛
    كما قال جلّ وعلا: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}

    فالحجج التي يدلي بها أهل الشرك:
    - فيها:زخرف.
    - وفيها:تدليس.
    - وفيها:تلبيس.
    والشبه لها بعض ما يجعلها ملتبسة بالحق،
    فلهذا لا تتصور أن الشبه التي ستأتي التي أدلى بها أعداء التوحيد أن كل واحدة لا تدخل العقل أصلاً،
    بل منها أشياء خدع بها الشياطين - هؤلاء - من خدعوا من أمم الإنس والجن،
    ولكن هذا القول غرور،
    يعني: أنه يزهر وينصع ويتزخرف عند سماعه أو عند رؤيته،
    ولكنه عند التحصيل غرور ليس بشيء،
    وهذا لأنه إذا تُدبر وفحص وجد أن حججهم داحضة.

    قال: (وقد يكون لأعداءِ التوحيدِ علوم كثيرة وكتب وحجج)...
    -قد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج.
    العدو للتوحيد، لا تتصور - خاصة من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- من العلماء الذين جاءوا في هذه الأمة -
    لا يتصور أن عدو التوحيد لا يكون عنده علم البتة، لا يتصور أن عدو التوحيد لا يكون فقيهاً، لا يكون محدثاً، لا يكون مفسراً، لا يكون مؤرخاً،
    بل قد يكون مبرزاً في فن من هذه، أو في فنون كثيرة،
    كحال الذين ردوا على إمام هذه الدعوة،
    فإنهم كان يشار إليهم بالبنان فيما اختصوا فيه من العلوم،
    منهم من كان فقيهاً،
    ومنهم من كان مؤرخاً،
    وهذا حال أيضاً من رد عليهم أئمة الدعوة.
    فلا تتصور أن عدو التوحيد لا يكون عالماً،
    وهذه شبهة ألقاها الضُّلالُ في رؤوس الناس،
    فجعلوا اعتراض العالم على العالم دالاً على صحة كلٍ من المذهبين هذا وهذا والأمر واسع،
    ولهذا بعضهم يقول في مسائل التوحيد: (هذا أصح من القول الثاني) أو: (في أصح قولي العلماء هو كذا وكذا).
    وهذا لا يسوغ أن يقال في مسائل التوحيد؛
    لأن من خالف في مسائل التوحيد فإنه ليس من علماء التوحيد،
    ولا علماء السنة الذين يصح أن تنسب لهم مقالة، أو أن يؤخذ بقولهم في الخلاف،
    بل التوحيد دلت عليه الدلائل الكثيرة، من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وبينه الأئمة،
    فمن خالف ولو كان من العلماء الكبار في الفقه، أو في التاريخ، أو في الحديث، أو غيره
    فإن مخالفته لنفسه،
    ولا يقال: إن في المسألة خلافاً.
    لهذا لا بد أن تنتبه إلى أن عدو التوحيد من علماء المشركين ليس من صفته أن يكون غير عالم،
    بل قد يكون عالماً وإماماً في فن من الفنون،
    إمام في التفسير،
    إمام في الفقه،
    مرجع في القضاء،
    ونحو ذلك،
    مثل أعداء الدعوة الذين عارضوا الشيخ -رحمه الله- وعارضوا الدعوة.
    -
    كحال - مثلاً من المتأخرين -
    داود بن جرجيس، [واتباعه ممن ساروا على نهجه واتبعوا شبهاته فى هذا الزمان ]
    فإنه كان على علم واسع، ولكن من علماء المشركين.
    -
    وكحال محمد بن حميد الشرقي، صاحب كتاب (السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة) أيضاً كان من أعداء التوحيد،
    وصنّف رداً على المشايخ فيما تكلموا فيه على منظومة البوصيري المعروفة بـالميمية، وأبطل أن يكون ذلك شركاً، وقرر ما قاله البوصيري، إلى آخر ذلك.
    والشيخ عبد الرحمن بن حسن، صاحب كتاب (فتح المجيد) - المجدد الثاني رحمه الله - له في ذلك رسالة، رد بها على صاحب هذا الكتاب، فهو بارز في الفقه، وأشير إليه في التفسير، وفي التراجم، إلى آخره، ولكنه من علماء أعداء التوحيد، من علماء المشركين:
    -لأنهم نافحوا عن الشرك.
    -وردوا على أهل التوحيد.
    -وردوا التوحيد، وأضلوا الناس في تعريف التوحيد والشرك، وبيان ما به يكون المسلم مشركاً مرتداً، فأضلوا الناس في ذلك.
    فإذاً: المقدمة المهمة بين يدي هذه الرسالة: ألا تظن أن العلماء الذين يشار إليهم بالبنان؛ أن هؤلاء لا يكونون مشركين، بل في زمن الشيخ -رحمه الله- وما بعده كان هناك علماء يشار إليهم؛ ولكنهم كانوا مشركين، مثل مفتي الشافعية أيضاً في مكة أحمد بن زيني دحلان، وأشباه هؤلاء. فالناس يرجعون إليهم، ويستفتونهم، فيصدرون عنهم،
    فلا يتصور أن الشرك ليس له علماء تحميه.
    فإذاً:كمقدمةٍ: لا تقل في مسألة من المسائل التي يأتي كشف الشبهة فيها: قالها العالم الفلاني، وقالها الإمام الفلاني، وكيف يفعلها الإمام الفلاني؟

    -فهذا إما أن يكون جاهلاً ما حرر المسألة، كبعض العلماء المشهورين المذكورين بالخير.
    -وإما أن يكون قد علم فعادى وعارض،
    وصنف في تحسين الشرك،
    مثل ما فعل - مثلاً - الرازي - فخر الدين الرازي - صاحب التفسير المسمى بـ(مفاتيح الغيب)
    حيث صنف في تحسين دين الصابئة ومخاطبتهم للنجوم كتاباً، سماه: (السر المكتوم في أسرار الطِّلَّسْمات ومخاطبة النجوم)
    وبه كفَّره طائفة من أهل العلم،
    فيحسِنُ كيف تُخَاطَب النجوم، وكيف يستغاث بها، وكيف تستمطر؛ إلى آخره،
    وصنف في ذلك ليدل صابئة حران على ذلك،
    وهذا لا شك أنه من الضلال البعيد.

    فلا يقال في أي شبهة يأتي ردها، أو رد عليها أئمة السنة والتوحيد، لا يقال: كيف العالم الفلاني قالها؟
    كيف راجت على العالم الفلاني؟******
    وهؤلاء إما أن يكونوا جهالاً فلا يُصنفون في أعداء التوحيد،
    وإما أن يكونوا صنفوا في الشرك وتحسينه،
    فهؤلاء هم الذين عناهم الشيخ بقوله: (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج).
    إذا رأيت نقولهم قد تكون عن شيخ الإسلام وعن ابن القيم، مثل ما فعل داود بن جرجيس -مثلاً- صنف كتاباً سماه: (صلح الإخوان)
    نقل فيه عن شيخ الإسلام وابن القيم نقولاً، ونقل عن أقوال المفسرين وأقوال كثير من العلماء؛ مثل في هذا العصر ما صنف مثلاً محمد بن علوي المالكي، كتاباً حشد فيه أقوال نحو من مائتين أو ثلاثمائة من العلماء الذين أقروا بعض الشركيات، وبعض التوسلات ونحو ذلك في كتبهم،
    هذا ليس هو العبرة.
    فإذاً: القاعدة التي يجب أن تكون عليها قدما الموحد: أن علماء المشركين قد يكون لهم علم كبير وحجج؛لأنه ليس الشرك سبباً في انسلاخهم من العلم؛ كما قال -جل وعلا- عن أوائلهم: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} .
    -وقد يكون هذا العلم في الإلهيات؛ كما قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً} هذا اعتراض، شبهة، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} .
    -وقد يكون في الفقهيات؛ كما قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}ونحو ذلك. فجنس العلوم التي وجدت في هذه الأمة موجودة عند أعداء الرسل، إما من جهة الإلهيات، وإما من جهة الشرعيات، فعارضوا الرسل بما عندهم من العلم، بل إن الله -جل جلاله- سمى قولهم حجة فقال - وذلك تعظيماً له من جهة قوة الشبهة فيه - قال: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ}
    (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج)
    هل هذه الكتب الكثيرة التي له، والفقهيات والتراجم والتفسير وما أشبه ذلك، يجعله ليس عدواً للتوحيد إذا صنف في عداوة التوحيد، وصنف في تحسين الشرك ودعا الناس إلى ذلك؟لا،
    فإنه يكون عدواً للتوحيد ناصراً للشرك - ولا كرامة
    -
    ولو كان أثر السجود في جبهته،
    ولو كان عنده من المؤلفات أكثر مما عند المكثرين ،
    كـالسيوطي وغيره،
    فهذا ليس بعبرة،
    وكلامه بالتالي ليس بعبرة؛ لأنه ليس من علماء التوحيد، فعلومه ضارة وليست نافعة.
    قال بعد ذلك رحمه الله:
    (إذا عرفت ذلك) يعني: ما تقدم من أن أعداء الرسل قد يكون لهم علوم وكتب يصنفونها، وحجج يدلون بها، قد يكون يحتجون بالكتاب،
    قد يكون يحتجون بالسنة وأشباه ذلك، وبأقوال المحققين من أهل العلم،
    مثل ما ينقلون عن أحمد بعض الأشياء،
    ينقلون عن شيخ الإسلام، ينقلون عن ابن القيم، ينقلون عن ابن حجر، ينقلون وينقلون،
    هذا كله من العلوم الضارة وليست من العلوم النافعة.
    قال:
    (إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج)
    انتبه لهذه الكلمة (لابد له)
    لا بد لطريق التوحيد - الطريق إلى الله - من أعداء،
    كما ذكرنا، وهؤلاء الأعداء قد يكونون علماء،
    وهؤلاء العلماء أهل فصاحة وعلم وحجج،
    لا بد أن تكوِّن حاجزاً من أن يصدوك عن الهدى ويدخلوك في الضلال،
    أو أن يلبسّوا عليك الدين.
    فليست الفصاحة هي المعيار،
    فإبليس كان فصيحاً،
    وليس العلم في نفسه هو المعيار،
    بل لا بد أن يكون العلم هو العلم النافع،
    وليست الحجج وجود حجج وإيرادات وجواب هو المعيار.
    فإذا كان هذا موجودا
    فانتبه إلى وصية الشيخ -رحمه الله-

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,901

    افتراضي رد: لم يبعث الله نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابوسفيان مشاهدة المشاركة
    فظهر أن هؤلاء الذين استمسكوا بالحق وثبتوا عليه،
    حتى إن أحدهم ليؤخذ فينشر بالمنشار نصفين ما يرده ذلك عن دينه،
    هذا شهادة عظيمة بأن هذا الذي حملوه حق؛ لأن الله -جل جلاله-
    جعلهم مكرمين بهذا الأمر، ومكرمين باتباع الرسل - يعني: باتباع الحق -


    نعم
    طريق الدعوة طويل وشاق، مليء بالعقبات والمحن والابتلاءات، وقليل من الدعاة من يجتاز هذا الطريق وهو ثابت على دعوته،
    وكثير من الدعاة عندما يسير في الطريق، ثم يجد أن الأعوام تمضي وهو لم يحقق شيئًا مما يدعو إليه، ويحاول إعادة الكرة مرة بعد أخرى، ولا يرى أثرًا مباشرًا لدعوته، تبدأ عنده الشكوك والأوهام، فمرة يتهم نفسه، وأخرى قومه، وثالثة أتباعه ومؤيديه، ثم يصل في النهاية إلى أن هؤلاء القوم لا تنفع معهم دعوة، ولا يستجيبون لداع أو نذير, وهنا ييأس من قومه، ويقنط من هداية الله لهم، ثم يعتزل الدعوة ويترك القوم وشأنهم.
    بعض االدعاة، حرصًا منهم على نصر الإسلام، وتصورًا منهم أن ظهور الدين وزوال الكفر والفساد مقياسًا لنجاح دعوتهم، وأمام ضغط الظالمين ومساوماتهم، واستعجال الأتباع وعدم صبرهم، يسعى هؤلاء للحصول على بعض المكاسب نصرة لهذا الدين ودفاعًا عنه، ولكن هذا الأمر قد يقتضي التنازل عن بعض أصول الإسلام، وهنا يأتي الداعية إلى محاولة تطبيق قاعدة المصالح والمفاسد، فينحرف عن المنهج وهو لا يدري، ويستسلم لمساومات الأعداء وألاعيبهم

    إن الثقة بالله تعالى في تفريج الكرب ورفع البلاء مما ينبغي أن يكون في اعتقاد الداعية في كل وقت وفي كل حين. واليأسُ قتَّال، يقعد بالدُّعاة عن الاستمرار في الدعوة، وقد يقودُ بعضَهم إلى التغيُّر والسقوط في مَهاوي الانحراف والضلال.
    إن يأس الدعاة يعني انتهاءهم،وقد ينفي بعضُهم اليأسَ عن نفسه باللسان،
    ولكنه يكون في حقيقة الأمر يائسًا أعظم اليأس، إن ذلك النفي لا يغيِّر من حقيقة الأمر شيئًا؛ إذ الأمور بواقعها لا بدعاوى المدَّعين
    .
    مع اليأس يرتدي الداعية منظارًا أسود، يرى به كل الأمور من حوله قاتمة لا نور فيها، ميتة لا حياة فيها، بائسة لا أمل فيها، مع اليأس يتحول الداعية من شعلة نشاط إلى رماد فاتر، ومن منارة للهدى إلى حطام إنسان، لا يفكر ولا يعمل

    المرء مع اليأس هو والعدم سواء، وحياته وموته سيان؛ لذلك كان من أهم أولويات الدعاة الحذر من مزالق هذا المرض الخطير وآثاره وتداعياته وظواهره وأسبابه

    اليأس هو انقطاع الرجاء من الفرج، وانقطاع الطمع من الخروج من الشدائد؛ وذلك بسبب غلبة العدو، واستطالة الباطل، وتأخر النصر، وضعف النتائج، أما القنوط فهو أشد اليأس أو قمة اليأس،
    ومنها قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} [الشورى:28
    ]. والإسلام قد وقف من اليأس والقنوط موقفًا حاسمًا قويًا؛ إذ عدّه من الكبائر المهلكة، وذهب بعض أهل العلم لاعتبار اليأس من الكفر المخرج من الملة إذا اقترن معه شك في قدرة الله وحكمته، كما ذهب لذلك صاحب الطحاوية،
    وقد حرّم الإسلام الوقوع في حبائل هذا المرض الخطير، ومن باب أولى الدعوة إليه، والقرآن أفاض في التحذير من اليأس والقنوط ومظاهره وآثاره، وذلك في آيات كثيرة، منها: قوله عز وجل:{يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ}[يوسف:87].

    وفي آية أخرى بيّن الله عز وجل أن اليأس من صفات وأخلاق الكافرين فقال:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [العنكبوت:23]، وقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [الممتحنة:13]،
    وبيّن المولى في آيات أخرى أن اليأس هو شعار من يعبد الله على حرف، فإن أصابه الخير استبشر، وإن أصابه الضر يئس وتضجر، فقال: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} [هود:9]، وقال: {لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} [فصلت:49]،
    وبيّن المولى في موضع آخر أن القنوط واليأس هو شعار الضالين الحائدين عن طريق الهداية والرشاد، فقال عز وجل: {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56)} [الحجر:55-56
    ].
    وهناك مظاهر كثيرة تدل على اليأس والقنوط في العمل الدعوي؛ من أبرزها
    :
    الهزيمة النفسية؛ وهي تعتبر من أبرز مظاهر اليأس والقنوط من رحمة الله، فاليأس يفل القلوب، ويأسر النفوس, ويقتل الآمال، فيتحول الداعية لمهزوم نفسيًّا، وينعكس ذلك على قراراته وخطواته وتحركاته وتنعكس هذه الهزيمة أيضًا على سلوكه وهديه وسمته ودله، فترى كثيرًا من المنهزمين نفسيًّا أسرى الأوهام والظن، ويتولد عندهم فقدان ثقة وشك في صحة المنهج والطريق والعاقبة.
    القعود عن العمل والدعوة ، بدعوى أن لا فائدة من هذا العمل ما دام أعداء الأمة ظاهرين وقاهرين لنا، وهذا ينعكس في صور كثيرة، من أبرزها التخلي عن السنن والآداب الإسلامية، امتلاء القلوب بالخوف والفزع من قوة الخصوم، الانشغال بأمور الدنيا والانغماس في مباحاتها وشهواتها، تثبِّط هِمَم الدعاة والمخلصين والعاملين لدين الله، بدعوى أنه لا فائدة من كل هذه الجهود، وأنها ستذهب أدراج الرياح.
    وربما يتعجب البعض من هذا المرض الفتاك، كيف له أن يتسلل بين صفوف الدعاة والعاملين لدين الله، على الرغم من التحذير السماوي منه؟! وكيف يصل هذا الداء القتّال إلى القلوب المخلصة والهمم المرابطة، وهي تعيش في أجواء القرآن والسنة، والالتزام بهدي الإسلام ومنهجه؟!
    أسباب وبواعث الوقوع في اليأس:
    عدم معرفة الله عز وجل حق المعرفة: ذلك أن من عرف ربه بأسمائه وصفاته، وأنه سبحانه منزه عن كل نقص، موصوف بكل كمال، واستقرأ هذه الصفات والمعارف الربانية في كتابه العزيز، علم أن الله ناصر المؤمنين، ومخزي الكافرين، وأن جند الله عز وجل هم المفلحون وهم الغالبون، علم أن من توكل على الله عز وجل وحده كفاه من شر كل ذي شر، وكيد كل ذي كيد، فالله كافٍ عبده، وناصر جنده، شريطة أن يكونوا أهلًا لهذا النصر، متحلين بالتقوى والقوة واليقين والصبر؛ لأن الطريق طويل، والساقطون على جنباته كثير، لا ينجو إلا المخلصون، ومن تخلّفت عنه هذه المعارف ساء ظنه بربه عز وجل، كما قال الله عز وجل: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران:154]،وقوله: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَا تِ وَالْمُشْرِكِين َ وَالْمُشْرِكَات ِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ} [الفتح:6].
    قال ابن القيم رحمه الله:
    «فمن ظنّ بأنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده، ويؤيد حزبه ويعليهم، ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وبأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالًا؛ فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته»(2).

    كثرة الإخفاقات والفشل:
    تكرار الفشل، ودوام التعثر من الأمور التي تصيب الدعاة بالإحباط، وتجعل اليأس يتسرب إلى قلوبهم، وما من عمل إلا وهو عرضة للفشل والنجاح، ومن منّا قضى حياته كلها في نجاحات مستمرة؟! وكذلك العكس، فالحياة ما هي إلا حلقات متواصلة من النجاح والفشل، والفوز والإخفاق، ومن نظر إلى أحوال أمتنا الإسلامية عبر العصور يجدها كانت ظاهرة منتصرة قوية في أوائل أمرها، ثم أخذت في التراجع والانحدار شيئًا فشيئًا، ولكنها في كل مرة كانت تتعرض فيها لكبوة أو نازلة، كانت سرعان ما تسرد عافيتها، وتواصل مسيرتها، ولو وقفت يومًا عند مصائبها وهزائمها، ودب اليأس إليها ما ظلت على قيد الحياة لوقتنا الحاضر، وإلى قيام الساعة
    .
    أيضًا الفشل والإخفاق هذا ليس من حظ الأمة الإسلامية وحدها، فأعداء الأمة يألمون ويفشلون ويخفقون، وقمة إخفاقهم أنهم لم يستطيعوا حتى الآن القضاء على الأمة الإسلامية، ولهذا المعنى أشار المولى جل وعلا في كتابه الحكيم: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء:104]،
    فأعداء الأمة والمتربصون بالدعاة مهما بلغت قوتهم، فهم أمام قوة الله وقضائه وقدره لا شيء مطلقًا،ومجتمعات هم الموصوفة بالتقدم والرقي والازدهار، تعج بالجريمة والفساد والانحراف والإلحاد؛ بل وتعج باليأس والتيه والإحباط، ولعل معدلات الانتحار في هذه المجتمعات الراقية! خير دليل على مدى الفشل الذي عليه هذه المجتمعات
    .

    معايشة اليائسين: فالطباع سرّاقة، وأمراض القلوب معدية، والصاحب ساحب، ومعايشة ذوي الهمم الساقطة والعزائم الخائرة تقود حتمًا إلى الفشل واليأس، وجيش الأرانب الذي يقوده الأسد ينتصر على جيش الأسود الذي يقوده الأرنب، فضعف الهمم وفتور العزائم ونزول الإرادات كلها مغذيات لليأس والإحباط؛ لأن الدنيا مليئة بالصعاب والعقبات التي تحتاج إلى العزيمة الصادقة, والهمة العالية حتى يتجاوزها المرء، وبدونها يبقى خلف الحواجزأسير ضعفه وخنوعه.
    علاج هذا الداء الفتاك تبدأ من:

    تقوية العقيدة في قلوب المسلمين، وتربيتهم على الصلة القوية بربهم جل في علاه، فالمعرفة الحقة بأسماء الله وصفاته, ونعوته وآلائه, وسننه في الكون والخلق والحياة تورث الإنسان يقينًا راسخًا وإيمانًا حيًّا. ويشدد الإمام ابن القيم رحمه الله على ضرورة وأهمية الثقة بالله تعالى في تفريج الكربات لأن له الحول والقوة: «فالحول والقوة التي يرجى لأجلهما المخلوق ويخاف إنما هي لله، وبيده في الحقيقة, فكيف يخاف ويرجى من لا حول له ولا قوة؛ بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب الحرمان ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه, فإنه على قدر خوفك من غير الله يسلط عليك, وعلى قدر رجائك لغيره يكون الحرمان، وهذا حال الخلق أجمعه, وإن ذهب عن أكثرهم علمًا وحالًا، فما شاء الله كان ولا بد، وما لم يشأ لم يكن, ولو اتفقت عليه الخليقة. فالتوحيد مفزع أعدائه وأوليائه، فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها، قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت:65]. وأما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها؛ ولذلك فزع إليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات, وفزع إليه أتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة, ولما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق له لم ينفعه؛ لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل, هذه سنة الله في عباده, فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد, ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد, ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد, فلا يلقي في الكرب العظام إلا الشرك, ولا ينجي منها إلا التوحيد, فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها»
    وقال رحمه الله: «فإن قلت: فبأي شيء أستعين على التجرد من الطمع ومن الفزع؟ قلت: بالتوحيد والتوكل والثقة بالله, وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو, ولا يذهب بالسيئات إلا هو, وأن الأمر كله لله، ليس لأحد مع الله شيء»
    لا بد من مطالعة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم, والتعرف على أيامه ولياليه وكفاحه وجهاده في سبيل الله، كيف مرت به الشدائد والمحن والابتلاءات وهو راسخ كالطود العظيم، صابرًا محتسبًا متفائلًا موقنًا بأمر ربه، لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلًا،وعلى دربه سار الصحب الكرام، صادفتهم الشدائد والنوازل الكبرى من حركات للردة، وفتن واضطرابات وتكالب للعدو داخل الجزيرة وخارجها، ومع ذلك فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، فالقلوب بربها موصولة، وبوعده واثقة، لذلك بنوا الأمجاد، وشيدوا الحضارات، وأقاموا الممالك الكبرى.
    ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحثّ أصحابه على الصبر، ويبشّرهم بالنصر في أحلك الظروف وأصعبها، حتى يستمروا في الثبات على الدين والانتشار به هاهنا وهاهنا، دون يأس يُقعدهم، ودون تشاؤم يصدهم عن تبليغ دعوة ربهم، عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسّد بردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا، فقال صلى الله عليه وسلم: «قد كان من كان قبلكم يُؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض، فيوضع فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيُفرق فرقتين ما يصده ذلك عن دينه، والله، [قسم يدل على الثقة المتناهية، الثقة الكاملة في وعد الله عز وجل الذي أشارت إليه تلك الآيات التي صدّرنا بها الحديث] ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».
    هكذا كان صلى الله عليه وسلم يبَشِّرُ أصحابه بأن النصر قريب، وبأن المستقبل لهذا الدين مهما اشتدت الأزمات، وعظمت الخطوب، ومهما حاول أعداء الدين أن يُطفئوا نور الله عز وجل فإنهم لن يصلوا إلى تلك الغاية كما أخبر الله عز وجل: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة:32]، ولقد ظلّ صلى الله عليه وسلم يُبشر أصحابه بالنصر والتمكين، وفتح بلاد المشركين، وأكثر عليهم في ذلك؛ تضمينًا لقلوبهم، ومن ذلك حديث أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بشر هذه الأمة بالسناء، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب»
    وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها»، وعن المقداد بن الأسود يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخل عليهم كلمة الإسلام، بعز عزيز، أو بذل ذليل»، وهذه كلها بشارات عامة.
    يجب علينا أن ننظر إلى فضل الله وكرمه ولطفه الخفي،
    قال ابن القيم رحمه الله:
    «إن ابتلاء المؤمن كالدواء له, يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته, أو نقصت ثوابه, وأنزلت درجته, فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء, ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة, ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه, كما جاء عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن إنَّ أمره كلَّه خير, وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن, إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له, وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له»

    فهذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته، ولهذا كان أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأقرب إليهم فالأقرب، يبتلى المرء على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة شدد عليه البلاء، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة
    قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} [يوسف:110]، {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا} [الرعد:31]. يخبر تعالى أنه يرسل الرسل الكرام، فيكذبهم القوم المجرمون اللئام، وأن الله تعالى يمهلهم ليرجعوا إلى الحق، ولا يزال الله يمهلهم حتى إنه تصل الحال إلى غاية الشدة منهم على الرسل.....
    و من قصور البشر، وعدم علمهم بالغيب إلا ما أظهرهم الله عليه، فعن أبي رزين رضي الله عنه قال: قال رسولالله صلى الله عليه وسلم: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب خيره»
    وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب؛ كإنجاء نوح ومن معه في الفلك، وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أمر بذبحه، وإنجاء موسى وقومه من اليمِّ، وإغراق عدوِّهم، وقصة أيوب ويونس، وقصص محمَّد صلى الله عليه وسلم مع أعدائه، وإنجائه منهم، كقصته في الغار، ويوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، وغير ذلك
    إن اليقين والثقة بالله عز وجل من أعظم ما يناله العبد من توحيد الله تعالى؛ فصاحب التوحيد على يقينٍ من ربه، مصدق بآياته، مؤمن بوعده ووعيده كأنه يراها رأي العين، فهو واثق بالله متوكل عليه، راضٍ بقضائه وقدره، محتسب الأجر والثواب منه. إن النفس الموحدة تمتلئ بالطمأنينة والسكينة حتى في أشد المواقف. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن إعلانًا عامًا للبشرية كلها ويقول: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل»
    ففي هذا الحديث تقوية للآمال، ورفع للهمم، وترك للفتور والخور أو انتظار مقتضيات اليأس والإحباط، ودفع محاولة تبرير اليأس والقنوط، فالمؤمن الأقوى في كل الأمور: في الإيمان، في العلم والعمل، في مجابهة الأمور، في المخالطة والعزلة، في كل شئونه، يعد مؤمنًا قويًا، يستطيع، بعون الله، أن يخرج من كثير من المشاكل والأزمات، لا كما يفعله كثير من ضعفاء الإيمان، من تبرير الفشل والكسل والعجز بمسوغات إنما هي خروج عن حقيقة الأمور.
    إن المؤمن القوي يحرص على ما ينفعه دومًا، لا يخاف دون الله أحدًا، ثم هو مع ذلك الإقدام قد يصاب بمصيبة، لكنه لا ييأس ولا يصاب بالإحباط؛ بل يزيد إقدامه، ويقول عن تلك الأقدار والمصائب: قدر الله وما شاء فعل. الله الله بالتفاؤل والأمل، فإن ما ترونه اليوم من كيد أعداء الإسلام ليس إلا سحابة سوداء سوف تنجلي عن قريب, واعلموا أن ما أصاب الأمة من فتور وخور وترك مسايرة الركب والسبق به، إنما جاء من حصول إحباط ويأس استولى على القلوب, فصححوا المفاهيم وأمِّلوا الأمة بالخير.
    لا تيأس فالنصر قادم، أما تؤمن بقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}
    قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود:49]، وقال: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:35]، وقال: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ} [الأنعام:34]، {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف:110]، وقال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود:120]، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)} [الأنبياء:105-106]، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)} [الصافات:171-173]، وقال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51]، وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33]. هذه النصوص التي تبعث الأمل، وتأمّل التاريخ على مداره بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم والأزمنة المتتابعة إلى اليوم، تأمّل وخُذ من التاريخ العبر والدروس حتى لا تيأس أبدًا، ولا يضعف يقينك أن المستقبل لهذا الدين مهما كانت العقبات، ومهما عظمت الخطوب، ومهما ازدادت الكروب، ومهما تقوَّى وتحصّن أعداء الدين ضد أهل الدين إلا أن الله لا بد أن يُظهر دينه كما وعد، والتاريخ أكبر شاهد
    واللهُ يقول:{وَلاَ تَيْأَسُوْا مِنْ رَّوْحِ اللهِ إِنَّه لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَّوْحِ اللهِ إلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُوْنَ} [يوسف:87].
    إنه تأكيد أيما تأكيد من الله العزيز الكريم علينا ألَّا نتخلّى عن الثقة بنصره وتأييده، مهما كانت الظروف، واشتدّت الأيام، وتجمعت المصائب, إن الرجاء في الله، والأمل في نصره، والثقة في رحمته أعز وأقوى مُعْتَمَدٍ في كل زمان ومكان، [منقول]

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •