ذكر بعضُ أهل العلم أن من أسماء الله الحسنى: « الستير »، ينظر: "شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة" للقحطاني (ص: 189)، و"فقه الأسماء الحسنى" لعبد الرزاق البدر (ص: 302، 307)، و"أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة" للرضواني (1/ 59).
واستدلوا على إثبات هذا الاسم بحديث يعلى بن أمية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يغتسل بلا إزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ)) رواه أحمد (17970) وأبو داود (4012) والنسائي (406) وصححه النووي في "خلاصة الأحكام" (514) والألباني في "إرواء الغليل" (2335) وحسنه الأرناؤوط في تحقيقه لـ "مسند أحمد"، وضعفه بعض المتقدمين، قال ابن رجب في "شرح البخاري" (1/ 334): قد قيل: إن في إسناده انقطاعاً، ووصله بعض الثقات، وأنكر وصله أحمد وأبو زرعة. ويُنظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (1/ 429 - 431) و (6/ 264)، وروى الحديث وكيع بن الجراح في "الزهد" (387) ومن طريقه تلميذه أحمد بن حنبل في "مسنده" (17968) مختصرا بلفظ: ((إن الله يحب الحياء والستر))، وروى عبد الرزاق الصنعاني هذا الحديث مرسلا، قال في "مصنفه" (1111): عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: لما كان النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء أقبل فإذا هو برجل يغتسل بالبراز على حوض، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فقام، فلما رآه قائما خرجوا إليه من رحالهم فقال: ((إن الله حيي يحب الحياء، وستير يحب الستر، فإذا اغتسل أحدكم فليتوار)).
فالحديث كما ترى مختلف بين العلماء في صحته، وهو يحتمل القبول والرد، ومن غلب على ظنه صحته أو ضعفه فلا حرج، وعلى القول بصحته يثبت لله اسم الحيي والستير، والله أعلم.
وقد استدل بعض العلماء على إثبات اسم الله الحيي بالحديث السابق، وبحديث آخر عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين» رواه الترمذي (3556) وقال: هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه، والصواب أنه موقوف على سلمان الفارسي كما في أحاديث إسماعيل بن جعفر (127) بإسناد صحيح على شرط الشيخين، ويتبين أن الصواب في حديث سلمان الوقف بمراجعة كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي بتحقيق الشيخ الحاشدي (1/ 220 - 223)، فقد تفرد برفعه جعفر بن ميمون، وهو راو فيه ضعف، ذكره الحافظ ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (2/ 370)، وجعل هذا الحديث من منكراته، وممن رجح الوقف في حديث سلمان الشيخ ماهر الفحل في تحقيقه لكتاب "بلوغ المرام من أدلة الأحكام" (ص: 563)، وله شاهد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم حيي كريم، ثم يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يجعل فيهما خيرا» رواه عبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (3250) وأبو يعلى في "مسنده" (4108) بأسانيد كلها ضعيفة، ورواه الحاكم في "المستدرك" من حديث أنس (1832) بإسناد صححه الحاكم، ولكن في سنده عامر بن يساف، وهو منكر الحديث عن الثقات كما قال الحافظ ابن عدي، ينظر ترجمته في "لسان الميزان" لابن حجر (4/ 379)، وله شاهد آخر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفرا ليس فيهما شيء» رواه أبو يعلى في "مسنده" (1867) بإسناد ضعيف.
وقد ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى صحة هذا الحديث بشواهده، ومن أوسع من تكلم على طرق هذا الحديث الشيخ الباحث نبيل بن منصور البصارة الكويتي في كتابه "أنيس الساري تخريج أحاديث فتح الباري" (3/ 1815 - 1820) رقم الحديث (1292)، وقد رجح صحته، والأمر محتمل، والله أعلم.
واسم السِّتِّير مضبوط في أكثر كتب الحديث بتشديد السين والتاء المكسورتين، وقد ضبطه كثير من علماء اللغة وغيرهم بتشديد السين المفتوحة، وتخفيف الياء، هكذا: السَّتِير، وأجاز بعض العلماء الوجهين، وبيان ذلك فيما يلي:
أولا: ذكر بعض العلماء الذين ضبطوا اسم الستير بالتخفيف:
(1) قال ابن فورك في مشكل الحديث وبيانه (ص: 296): معنى ستير أَي سَاتِر يستر على عباده كثيرا من عيوبهم، وَلَا يظهرها عَلَيْهِم، وستير بِمَعْنى سَاتِر كَمَا جَاءَ: قدير بِمَعْنى قَادر، وَعَلِيم بِمَعْنى عَالم.
(2) قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 341): «إِنَّ اللَّهَ حيِىٌّ سَتِيرٌ يُحِبُّ الحَياء والسَّتْرَ» سَتِيرٌ: فَعِيل بِمَعْنَى فَاعِل: أَيْ مِنْ شَأنه وإرادتَهِ حُبُّ السَّتر والصَّون.
(3) جاء في لسان العرب لابن منظور (4/ 343): الستَر، بِالْفَتْحِ: مَصْدَرُ سَتَرْت الشَّيْءَ أَسْتُرُه إِذا غَطَّيْته فاسْتَتَر هُوَ. وتَسَتَّرَ أَي تَغَطَّى. وجاريةٌ مُسَتَّرَةٌ أَي مُخَدَّرَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: إِن اللهَ حَيِيٌّ سَتِيرٌ يُحِبُّ السَّتْرَ؛ سَتِيرٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَي: مِنْ شأْنه وإِرادته حُبُّ السَّتْرِ والصَّوْن.
(4) قال السيوطي في حاشيته على سنن النسائي (1/ 200): حَيِيٌّ سَتِيرٌ بِوَزْنِ رَحِيمٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٌ أَيْ: مِنْ شَأْنِهِ وإرادته حب السّتْر والصون.
(5) قال مرتضى الزبيدي في تاج العروس شرح القاموس (11/ 502): السَّتير: فِعيلٌ بمعنَى فَاعِل، أَي: من شَأْنِه وإِرَادَته حُبُّ السَّتْر والصَّوْن، وَقد يكون السَّتِير بِمَعْنى المسْتور.
(6) قال الشوكاني في نيل الأوطار (1/ 316): قوله: (ستير) بسين مهملة مفتوحة وتاء مثناة من فوق مكسورة وياء تحتية ساكنة ثم راء مهملة. قال في النهاية: فعيل بمعنى فاعل.
(7) قال الدكتور أحمد مختار عمر في معجم اللغة العربية المعاصرة (2/ 1033): سَتِير [مفرد]: صيغة مبالغة من ستَرَ. السَّتِير: اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه: الذي من شأنه وإرادته حبُّ السَّتر والصّون، الله سَتِير للعيوب.
(8) قال محمد بن علي بن آدم الإتيوبي في كتابه ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (5/ 517، 518): (ستير) -بفتح السين وكسر التاء- فعيل بمعنى فاعل، هكذا ضبطه في اللسان، وقال السيوطي في شرحه لهذا الكتاب: سَتير بوزن رحيم، قال في النهاية: فَعيل بمعنى فاعل، أي من شأنه حب الستر والصيانة. وفي المختار: وسَتيِر، أي عفيف، والمرأة سَتيرَة. اهـ. ومثله في القاموس، وفي التاج ضبطه كأَمِير. قال الجامع: وضبطه بعضهم كسِجِّين -بكسر فتشديد- ولا أعلم صحته, لأن أهل اللغة ما أثبتوه، فتبصر.
ثانيا: ذكر بعض العلماء الذين ضبطوا اسم الستير بالتشديد:
(1) قال الكوراني في "الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري" (6/ 290): (سِتِّيرًا) -بكسر السين وتشديد الياء المكسورة - أي: شديد الستر، وروي سَتِير على وزن كريم.
(2) قال المناوي في "فيض القدير" (2/ 228): (سِتِّير) بالكسر والتشديد أي: تارك لحب القبائح، ساتر للعيوب والفضائح.
(3) قال العزيزي في كتابه "السراج المنير شرح الجامع الصغير" (1/ 363): (سِتِّير) بكسر السين المهملة وتشديد المثناة الفوقية المكسورة فعيل بمعنى فاعل أي: ساتر العيوب والقبائح أو بمعنى مفعول أي: هو مستور عن العيون في الدنيا.
(4) قال محمد المختار الشنقيطي في "شرح سنن النسائي" المسمى "شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية" (3/ 905): قوله: (سِتّير) بكسر السين المهملة وشد التاء المكسورة المثناة من فوق؛ فعيل بمعنى فاعل أي: ساتر للعيوب والفضائح، وذكر المناوي في شرح الجامع فيه وجهًا آخر أن يكون بمعنى مستور عن الأعين في الدنيا، والظاهر أنه غير مناسب هنا، وتفسيره بمعنى فاعل أولى.
ثالثا: ذكر بعض العلماء الذين ضبطوا اسم الستير بالوجهين بالتخفيف والتشديد:
(1) قال ابن حجر في "فتح الباري" (6/ 436): حَيِيّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ التَّحْتَانِيَّ ةِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا أُخْرَى مُثَقَّلَةٌ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَوْلُهُ: سَتِير بِوَزْنِهِ مِنَ السِّتْرِ، وَيُقَالُ: سِتِّير بِالتَّشْدِيدِ. انتهى بتصرف يسير.
(2) قال الفَتَّنِي الهندي في "مجمع بحار الأنوار" (3/ 31): ستير هو فعيل بمعنى فاعل أي: من شأنه وإرادته حب الستر والصون... وهو كسِكِّيت بكسر وتشديد، ويجوز فتحه والتخفيف.
(3) قال عبد الحق الدِّهْلوي في "لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح" (2/ 178، 179): (ستير) بكسر السين على وزن الصِّديق بالتشديد، وصُحِّح أيضًا بفتح السين والتخفيف (فعيل) بمعنى (فاعل)، أي: لا يفضح عباده، ويستر قبائحهم.
فائدة مهمة:
الراجح عند جمهور العلماء أن أسماء الله غير محصورة بعدد معين، فلا حرج في إثبات بعض الأسماء الحسنى بالدليل الصحيح وإن زادت على تسعة وتسعين، ينظر: شأن الدعاء للخطابي (ص: 24)، "الأسماء والصفات" للبيهقي (1/ 27)، "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (6/ 382)، "شفاء العليل" لابن القيم (ص: 277)، "القواعد المثلى" لابن عثيمين (ص: 13، 14).
وعلى القول بأن الستير والحيي ليسا من أسماء الله الحسنى، فيجوز إطلاقهما على الله تعالى من باب الإخبار، فباب الإخبار أوسع من باب الأسماء، ومن ذلك ما رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (14787) من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (إن الله ستير يحب الستر)، وإسناده قوي كما قال ابن حجر في "فتح الباري" (11/ 31).
وروى عبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (10826) بإسناد صحيح رجاله رجال البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (الدخول، والتغشي، والإفضاء، والمباشرة، والرفث، واللمس، هذا الجماع، غير أن الله حيي كريم يكني بما شاء عما شاء).
ونختم هذا البحث بفتوى مهمة:
جاء في "شرح سنن أبي داود" للشيخ عبد المحسن العباد (450/44، بترقيم الشاملة آليا).
ما حكم التسمية بعبد الستار وعبد الساتر؟
الجواب: الذي ينبغي للإنسان أن يختار اسما ورد به دليل، لكن إذا وجد شيء من ذلك فلا يغير الاسم؛ لأن الله تعالى هو الستار وهو الساتر، ولكن عند الاختيار الأولى أن يختار اسما ثبتت تسمية الله تعالى به، وإذا وجد شيء معبد لله عز وجل باسم لم يرد ولكن المعنى صحيح قد ورد بلفظ آخر مثل الستير، فلا بأس به، ولا يغير.


رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/142481/#ixzz6afFZcapI