تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 20 من 20

الموضوع: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله

    مارأيكم في تفسير القاسمي للقاسمي وهل تنصحون بان يبتدي فيه طالب العلم
    محمد جمال الدين القاسمي وكتابه محاسن التأويل

    تعريف بالمؤلف
    المؤلف هو محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم القاسمي الشامي الحسني. ولد في دمشق في جمادى الأولى سنة 1283هـ وتوفي في دمشق في جمادى الأولى سنة 1332هـ . أي أنه عاش تسعة وأربعين عاماً وما بلغ الخمسين عاماً! بينما بلغت مؤلفاته وأعماله أكثر من مائة كتاب ورسالة. فيالها من حياة مليئة بالعمل والعلم والجهاد والإصلاح والتأليف والتصنيف!
    كان إماماً وخطيباً في دمشق ، وكان يلقي عدة دروس في اليوم الواحد ، للعامة والخاصة ، ويشارك في الحياة الاجتماعية ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويقوم بواجبه في الدعوة والإصلاح ، والنصح والتذكير ، والنقاش والحوار ، ومواجهة البدع والخرافات ، والانحرافات والضلالات. وكان يلقبه محمد رشيد رضا بعلامة الشام.
    من أشهر كتبه المطبوعة : تفسيره محاسن التأويل وسيأتي الحديث عنه ، وقواعد التحديث في مصطلح الحديث وهو نفيس ، وإصلاح المساجد من البدع والعوائد ، وتاريخ الجهمية والمعتزلة ، وغيرها. وقد صدرت عنه عدة دراسات من آخرها ما كتبه الدكتور نزار أباظة بعنوان (جمال الدين القاسمي). وقد صدر عام 1417هـ.

    تفسيره محاسن التأويل
    ابتدأ القاسمي تفسيره في صدر شبابه حيث بدأ في تأليفه في شوال سنة 1316هـ ، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره ، وراجعه سنة 1329هـ قبل وفاته بثلاث سنوات.
    ويقع تفسيره في سبعة مجلدات كبار ، والطبعة القديمة منه تقع في سبعة عشر مجلداً ، وعدد صفحاتهها 6316 صفحة من غير المقدمة ، وقد استغرقت المقدمة منها الجزء الأول كاملاً ، بينما استغرقت المقدمة من الطبعة التي أملكها 200 صفحة من القطع الكبير.
    وقد سبق القاسميَّ إلى تفسير القرآن في زمنه الشيخ الألوسي في روح البيان ومحمد رشيد رضا وشيخه محمد عبده في تفسير المنار وطنطاوي جوهري في الجواهر ، وفي هذا المحيط المتنوع لكتب التفسير بدأ القاسمي في تأليف تفسيره.
    والحق أن القاسمي قرأ كثيراً في كتب السابقين ، ونقل الكثير في تفسيره ، حتى إن كثيراً من الآيات جاء شرحها معزواً إلى غيره – وتلك أمانة – دون أن يشترك بتعقيب كاشف ، ولكنه تمتع بميزة حسنة ، هي البعد عن مسائل النحو والبلاغة ، ونظريات الفلسفة والمنطق ، مما نجده لدى أمثال الزمخشري والفخر الرازي ، وصحيح أن أي تفسير لا يمكن أن يستغني عن شذور من مسائل النحو والبلاغة والمنطق ، إذا أعوز المقام تلك الشذور ، وقد جاء القاسمي بها في مناسبتها الملحَّة ، ولكن الإكثار منها كما في تفسير البحر المحيط للغرناطي ، وتفسير الكشاف للزمخشري ، ومن نحا منحاهما تضخم يكاد يكون ورماً ، وقد خلص منه تفسير محاسن التأويل.
    وقد افتتح التفسير بمقدمة حافلة ، تتحدث في إسهاب عن أمور جوهرية تتعلق بعلم التفسير ، إذ تتضمن الحديث عن معرفة أسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ ، وقصص الأنبياء ، وشيوع الإسرائيليات بها ، وجريان القرآن على اللسان العربي ، ومعنى التفسير الباطن والتفسير الظاهر ، وأيهما أصح وأسلم ، والسنة المطهرة ومنزلتها من تفسير القرآن ، والمكي والمدني في كتاب الله ، والاعتدال في التفسير بالمأثور والرأي ، وأسرار التكرار في القرآن ، والأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ومسائل أخرى غاية في الأهمية.وهي مقدمة جديرة بالدراسة والفهم .
    وأحسن طبعات (محاسن التأويل) تلك التي أشرف عليها الأستاذ محمد فؤاد عبدالباقي ، حيث صحح التفسير ورقمه ، وخرج آياته وأحاديثه وعلق عليه. وقد صدرت طبعته الأولى بين عامي 1376-1377هـ من دار إحياء الكتب العربية ، ثم تتابعت الطبعات بعد ذلك .
    وقد تحدث القاسمي عن صلته بالقرآن وتفسيره ، فقال :(وإني وإن كنت حركت الهمة إلى تحصيل ما فيه من الفنون ، والاكتحال بإثمد مطالبه لتنوير العيون ، فأكببت على النظر فيه ، وشغفت بتدبر لآلي عقوده ودراريه ، وتصفحت ما قدر لي من تفاسير السابقين ، وتعرفت – حين درست – ما تخللها من الغث والسمين – ورايت كلاً – بقدر وسعه – حام حول مقاصده ، وبمقدار طاقته جال في ميدان دلائله وشواهده.
    وبعد أن صرفت في الكشف عن حقائقه شطراً من عمري ، ووقفت على الفحص عن دقائقه قدراً من دهري ، أردت أن أنخرط في سلك مفسريه الأكابر ، قبل أن تبلى السرائر ، وتفنى العناصر ، وأكون بخدمته موسوماً، وفي حملته منظوماً..فشحذت كليل العزم ، وأيقظت نائم الهم... واستخرت الله تعالى في تقرير قواعده ، وتفسير مقاصده ، في كتاب اسمه بعون الجليل :(محاسن التأويل). أودعه ما صفا من التحقيقات ، وأوشحه بمباحث هي المهمات ، وأوضح فيه خزائن الأسرار ، وأنقد فيه نتائج الأفكار ، وأسوق إليه فوائد التقطتها من تفاسير السلف الغابر ، وفرائد عثرت عليها في غضون الدفاتر ، وزوائد استنبطتها بفكري القاصر ، مما قادني الدليل إليه ، وقوى اعتمادي عليه.
    وسيحمد السابح في لججه ، والسانح في حججه ، ما أودعته من نفائسه الغريبة البرهان ، وأوردته من أحاديثه الصحاح والحسان ، وبدائعه الباهرة للأذهان... فإنها لب اللباب ، ومهتدى أولي الألباب ! ولم أطل ذيول الأبحاث بغرائب التدقيقات بل اخترت حسن الإيجاز في حل المشكلات... ولا يخفى أن من القضايا المسلمة ، والمقدمات الضرورية ، أنه مهما تأنق الخبير في تحرير دقائقه السنية ، فما هو إلا كالشرح لشذرة من معانيه الظاهرة ، وكالكشف للمعة يسيرة من أنواره الباهرة ، إذ لا قدرة لأحد على استيفاء جميع ما اشتمل عليه الكتاب ، وما تضمنه من لب اللباب ، لأنه منطو على أسرار مصونة ، وجواهر حكم مكنونة ، لا يكشفها بالتحقيق إلا من اجتباه مولاه ، ولا تتبين حقائقها إلا بالتلقي عن خيرته ومصطفاه.
    وكان شروعي في هذه النية الحميدة ، بعد استخارته تعالى أياماً عديدة ، في العشر الأول من شوال في الحول السادس عشر بعد الثلاثمئة وألف).
    والقاسمي كثيراً ما ينقل نقولاً طويلة عن علماء السلف كالإمام أحمد بن حنبل وابن جرير الطبري وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والعز بن عبدالسلام والشاطبي وابن حزم والقرطبي وغيرهم. والحق أن النقول في كتابه قد زادت زيادة كانت مصدر العجب ، بحيث لو طار كل نص إلى أصله ما يكاد يبقى شيء للقاسمي غير تعليقات ضئيلة ، ولكن الزمن الذي ظهر فيه الكتاب أول مرة كان في حاجة إلى تلك النقول ، لتعذر مصادرها على الكثير ، وبدراسة أمثال هذه النقول الشافية نجد أنها لم تسق جزافاً ، وإنما خضعت لفحص وتأمل واستيعاب ، ثم ترجيح واختيار ، فالقارئ المتعجل يظن المفسر قد نقل ما أمامه دون جهد كبير ، وهذا عمل قل من يحسنه كالقاسمي .
    ثم إن الكتاب قد ألف في أوائل القرن الماضي ، أيام كانت هذه البحوث جديدة طريفة يتقبلها القارئ باشتياق ، ولكن مُضيَّ قرنٍ عليها ، أتاح لطلاب الدراسات العليا في كليات الشريعة وأصول الدين أن يبدعو الرسائل العلمية الشافية ، وأن يبرزوا في هذا الحقل ما يروق القارئ المعاصر ، ومحاولة المقارنة بينهم وبين صنيع القاسمي محاولة ظالمة ، لأن الرجل رائد يسير الخطوات الأولى في طريق غير ممهد ، وقد مضت عقود متوالية في مضمار البحث القرآني حتى اعتدل السير ، واستقام الطريق ، وهنا يحفظ للرائد مكان الريادة ، ولا نطالبه بما نطالب به اللاحق من ابتكار وتجويد. وهو يحرص على أن يستشهد بالصحيح والحسن من الأحاديث في تفسيره. وفي اللغة يرجع إلى كتب اللغة كالقاموس والصحاح وغيرهما .

    منهجه في مسائل الاعتقاد
    كان القاسمي سلفي المنهج على منهج أهل السنة والجماعة ، فهو من أتباع شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وأئمة السلف من قبل هؤلاء ومن بعدهم. وقد تعرض لمضايقات كثيرة بسبب هذا المنهج فاتهم بالوهابية – نسبة خاطئة إلى الإمام محمد بن عبدالوهاب – وحقق معه ، واتهم بتسفيه آراء الأئمة المتقدمين من أصحاب المذاهب ، ثم خرج بعد ذلك من تلك المحن وهو أقوى ما يكون حجة ، وأصلب عوداً. والقارئ في تفسيره يرى منهج السلف ظاهراً ، فهو يكثر النقل عن علماء السلف ، ويورد حججهم وأدلتهم ، وردودهم على شبه الخصوم ، مما يؤكد أن المؤلف كان يجعل همه كل همه الإصلاح ليس إلا ، وإنما يورد هذه النصوص ليلجم بها الخصوم ، فإنهم إن استطاعوا جدلاً رد أقواله ، صعب عليهم إبطال أقوال علماء بهم يقتدون ، وبعلمهم يعترفون فكانت حجتهم لهم غالبة.
    وهو في أحيان كثيرة لا يزيد في تفسير الآية على نقل كلام السلف فيها ، وانظر مثلاً لذلك تفسيره لقوله تعالى :(ثم استوى على العرش) فقد استغرق منه تفسير هذه الآية 47 صفحة أغلبها نقول عن السلف ، وهو إنما يربط كلامهم بعضه ببعض.
    وقد أكد في مقدمة تفسيره أن الصواب في آيات الصفات هو مذهب السلف ، أورد فيه نقولاً لبعض العلماء في إثبات ذلك.

    خلاصة الجواب للأخ منتقى
    تفسير محاسن التأويل للقاسمي من أنفس كتب التفسير ، وقد أتى فيه بدرر ونفائس ، ولكنه لا يصلح للقارئ المبتدي لأنه طويل النفس جداً ، وأكثره نقول كما تقدم عن السابقين ، ويحتاج في فهمه إلى صبر وأناة ، والمبتدئ يفتقر في الغالب إلى تلك الصفات ، وإنما يهمه في المرحلة الأولى فهم الغريب من الألفاظ والتراكيب وبعض المقدمات الضرورية ، ولذلك فإنني أنصحك يا أخ منتقى أن تراجع ما كتبه الأخ أبو مجاهد وفقه الله في هذا الملتقى حول الكتب التي يحسن بطالب علم التفسير أن يبتدأ بها ويتدرج في فهمها حتى ينال حظاً وافراً من فهم القرآن الكريم ، وتجد كلامه على هذا الرابط:
    http://www.tafsir.org/vb/showthread.php?s=&threadid=26 ويمكننا النقاش حول هذا إن بدا لك سؤال ، أو كان ثمة إشكال ، وما أسعدنا بمشاركة الإخوة حول هذا الموضوع ، فما كتبته لا يعدو كونه اجتهاداً . وفق الله الجميع للحق والسداد ، والله أعلم
    منقول

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله




    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة الفاتحة
    المجلد الثانى
    صـ 3 الى صـ 9

    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ


    فَاتِحَةُ الشَّيْءِ: أَوَّلُهُ وَابْتِدَاؤُهُ. وَلَمَّا افْتُتِحَ التَّنْزِيلُ الْكَرِيمُ بِهَا، إِمَّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ بِاجْتِهَادٍ مِنَ الصَّحَابَةِ- كَمَا حَكَى الْقَوْلَيْنِ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِي ُّ فِي تَرْتِيبِ التَّنْزِيلِ- سُمِّيَتْ بِذَلِكَ.

    قَالَ السَّيِّدُ الْجُرْجَانِيُّ : فَاتِحَةُ الْكِتَابِ صَارَتْ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ لِسُورَةِ الْحَمْدِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهَا «الْفَاتِحَةُ» وَحْدَهَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَمًا آخَرَ بِالْغَلَبَةِ أَيْضًا، لِكَوْنِ اللَّامِ لَازِمَةً، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِصَارًا، وَاللَّامُ كَالْعِوَضِ عَنِ الْإِضَافَةِ إِلَى الْكِتَابِ، مَعَ لَمْحِ الْوَصْفِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ.

    وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: سُمِّيَتْ «فَاتِحَةَ الْكِتَابِ» : لِأَنَّهَا يُفْتَتَحُ بِكِتَابَتِهَا الْمَصَاحِفُ، وَيُقْرَأُ بِهَا فِي الصَّلَوَاتِ. فَهِيَ فَوَاتِحُ لِمَا يَتْلُوهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ فِي الْكِتَابَةِ وَالْقِرَاءَةِ.

    وَتُسَمَّى «أُمَّ الْقُرْآنِ» : لِتُقَدُّمِهَا عَلَى سَائِرِ سُوَرِ الْقُرْآنِ غَيْرَهَا، وَتَأَخُّرِ مَا سِوَاهَا خَلْفَهَا فِي الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ تُقَدَّمُ الْأُمُّ وَالْأَصْلُ؛ أَوْ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَالتَّعَبُّدُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَبَيَانُ وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ؛ أَوْ عَلَى جُمْلَةِ مَعَانِيهِ مِنَ الْحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، وَالْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ الَّتِي هِيَ سُلُوكُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَعَارِجِ السُّعَدَاءِ، وَمَنَازِلِ الْأَشْقِيَاءِ.

    وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ أَمْرٍ جَامِعٍ أُمُورًا، وَكُلَّ مُقَدَّمٍ لَهُ تَوَابِعُ تَتْبَعُهُ «أُمًّا» - فَتَقُولُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ «أُمَّ الرَّأْسِ» وَتُسَمِّي لِوَاءَ الْجَيْشِ وَرَايَتَهُمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ تَحْتَهَا «أُمًّا».

    وَتُسَمَّى «السَّبْعَ الْمَثَانِيَ» - جَمْعُ مَثْنَى كَمُفْعَلٍ اسْمِ مَكَانٍ، أَوْ مُثَنَّى بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّثْنِيَةِ [ ص: 4 ] عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ- لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ أَيْ تُكَرَّرُ فِيهَا.

    وَالْأَكْثَرُون َ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ مَكِّيَّةٌ، وَأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ.

    وَأَصْلُ مَعْنَى «السُّورَةِ» لُغَةً: الْمَنْزِلَةُ مِنْ مَنَازِلِ الِارْتِفَاعِ. وَمِنْ ذَلِكَ سُورُ الْمَدِينَةِ لِلْحَائِطِ الَّذِي يَحْوِيهَا، وَذَلِكَ لِارْتِفَاعِهِ عَلَى مَا يَحْوِيهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةَ بَنِي ذُبْيَانَ:


    أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ


    أَيْ مَنْزِلَةً مِنْ مَنَازِلِ الشَّرَفِ الَّتِي قَصَرَتْ عَنْهَا مَنَازِلُ الْمُلُوكِ.

    وَأَمَّا «الْآيَةُ» فَإِمَّا بِمَعْنَى: الْعَلَامَةُ- لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا تَمَامُ مَا قَبْلَهَا وَابْتِدَاؤُهَا ، كَالْآيَةِ الَّتِي تَكُونُ دَلَالَةً عَلَى الشَّيْءِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ- وَإِمَّا بِمَعْنَى: الْقِصَّةِ- كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:


    أَلَا أَبْلِغَا هَذَا الْمُعَرِّضَ آيَةً أَيَقْظَانَ قَالَ الْقَوْلَ، إِذْ قَالَ، أَمْ حَلَمْ


    أَيْ رِسَالَةٌ مِنِّي، وَخَبَرًا عَنِّي- فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَاتِ «الْقَصَصَ» قِصَّةً تَتْلُو قِصَّةً.

    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ ، أَدَّبَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَعْلِيمِهِ تَقْدِيمَ ذِكْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى أَمَامَ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ فِي وَصْفِهِ بِهَا قَبْلَ جَمِيعِ مُهِمَّاتِهِ ، وَجَعَلَ -مَا أَدَّبَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَعَلَّمَهُ إِيَّاهُ- مِنْهُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ : سُنَّةً يَسْتَنُّونَ بِهَا، وَسَبِيلًا يَتْبَعُونَهُ عَلَيْهَا ، فَبِهِ افْتِتَاحُ أَوَائِلِ مَنْطِقِهِمْ ، وَصُدُورِ رَسَائِلِهِمْ وَكُتُبِهِمْ وَحَاجَاتِهِمْ ، حَتَّى أَغْنَتْ دَلَالَةُ مَا ظَهَرَ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : بِسْمِ اللَّهِ ، عَلَى مَا بَطَنَ مِنْ مُرَادِهِ الَّذِي هُوَ مَحْذُوفٌ ، [ ص: 5 ] وَذَلِكَ أَنَّ الْبَاءَ مُقْتَضِيَةٌ فِعْلًا يَكُونُ لَهَا جَالِبًا ؛ فَإِذَا كَانَ مَحْذُوفًا يُقَدَّرُ بِمَا جُعِلَتِ التَّسْمِيَةُ مَبْدَأً لَهُ . وَالِاسْمُ هُنَا بِمَعْنَى التَّسْمِيَةِ -كَالْكَلَامِ بِمَعْنَى التَّكْلِيمِ ، وَالْعَطَاءِ بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ- وَالْمَعْنَى : أَقْرَأُ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ ، وَأَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى . وَ "اللَّهُ" عَلَمٌ عَلَى ذَاتِهِ ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ شَيْءٍ وَيَعْبُدُهُ وَأَصْلُهُ "إِلَاهُ" بِمَعْنَى مَأْلُوهٍ أَيْ مَعْبُودٍ ؛ فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَتِهِ فِي الْكَلَامِ ؛ وَبَعْدَ الْإِدْغَامِ فُخِّمَتْ تَعْظِيمًا -هَذَا تَحْقِيقُ اللُّغَوِيِّينَ .

    وَ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هُمَا اسْمَانِ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ ، وَنَظِيرُهُمَا فِي اللُّغَةِ "نَدِيمٌ وَنَدْمَانُ" وَهُمَا بِمَعْنًى . وَيَجُوزُ تَكْرِيرُ الِاسْمَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَ اشْتِقَاقَهُمَا عَلَى جِهَةِ التَّوْكِيدِ ، كَمَا يُقَالُ : جَادٌّ مُجِدٌّ إِلَّا أَنَّ "الرَّحْمَنِ" اسْمٌ مُخَصَّصٌ بِاللَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ فَعَادَلَ بِهِ الِاسْمَ الَّذِي لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ . اهـ.

    وَقَدْ نَاقَشَ فِي كَوْنِ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ الْمِصْرِيُّ فِي بَعْضِ مَبَاحِثِهِ التَّفْسِيرِيَّ ةِ قَائِلًا: إِنَّ ذَلِكَ غَفْلَةٌ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُسَامِحَ صَاحِبَهَا -ثُمَّ قَالَ:- وَأَنَا لَا أُجِيزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ ، فِي نَفْسِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ : إِنَّ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةً جَاءَتْ لِتَأْكِيدِ غَيْرِهَا وَلَا مَعْنًى لَهَا فِي نَفْسِهَا ، بَلْ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ حَرْفٌ جَاءَ لِغَيْرِ مَعْنًى مَقْصُودٍ . وَالْجُمْهُورُ : عَلَى أَنَّ مَعْنَى الرَّحْمَنِ الْمُنْعِمُ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ ، وَمَعْنَى الرَّحِيمِ الْمُنْعِمُ بِدَقَائِقِهَا . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : إِنَّ الرَّحْمَنَ هُوَ الْمُنْعِمُ بِنِعَمٍ عَامَّةٍ تَشْمَلُ الْكَافِرِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ ، وَالرَّحِيمَ الْمُنْعِمُ بِالنِّعَمِ الْخَاصَّةِ بِالْمُؤْمِنِين َ ، وَكُلُّ هَذَا تَحَكُّمٌ بِاللُّغَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْمَبْنَى تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى ، وَلَكِنَّ الزِّيَادَةَ تَدُلُّ عَلَى الْوَصْفِ مُطْلَقًا؛ فَصِيغَةُ "الرَّحْمَنِ" تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْإِحْسَانِ الَّذِي يُعْطِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ جَلِيلًا [ ص: 6 ] أَوْ دَقِيقًا. وَأَمَّا كَوْنُ أَفْرَادِ الْإِحْسَانِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ الْأَكْثَرُ حُرُوفًا أَعْظَمَ مِنْ أَفْرَادِ الْإِحْسَانِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ الْأَقَلُّ حُرُوفًا ، فَهُوَ غَيْرُ مَعْنِيٍّ وَلَا مُرَادٍ ، وَقَدْ قَارَبَ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَعْنَى "الرَّحْمَنِ" الْمُحْسِنُ بِالْإِحْسَانِ الْعَامِّ . وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي تَخْصِيصِ مَدْلُولِ الرَّحِيمِ بِالْمُؤْمِنِين َ؛ وَلَعَلَّ الَّذِي حَمَلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الثَّانِيَ مُؤَكِّدٌ لِلْأَوَّلِ -عَلَى قَوْلِهِ هَذَا- هُوَ عَدَمُ الِاقْتِنَاعِ بِمَا قَالُوهُ مِنَ التَّفْرِقَةِ ، مَعَ عَدَمِ التَّفَطُّنِ لِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي أَقُولُ : إِنَّ لَفْظَ "رَحْمَنِ" وَصْفٌ فِعْلِيٌّ فِيهِ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ - كَفَعَّالٍ - وَيَدُلُّ فِي اسْتِعْمَالِ اللُّغَةِ عَلَى الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ -كَعَطْشَانَ وَغَرْثَانَ وَغَضْبَانَ- وَأَمَّا لَفْظُ "رَحِيمٍ" فَإِنَّهُ يَدُلُّ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى الْمَعَانِي الثَّابِتَةِ كَالْأَخْلَاقِ وَالسَّجَايَا فِي النَّاسِ -كَعَلِيمٍ وَحَكِيمٍ وَحَلِيمٍ وَجَمِيلٍ- وَالْقُرْآنُ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْأُسْلُوبِ الْعَرَبِيِّ الْبَلِيغِ فِي الْحِكَايَةِ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي تَعْلُو عَنْ مُمَاثَلَةِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ؛ فَلَفْظُ "الرَّحْمَنِ" يَدُلُّ عَلَى مَنْ تَصْدُرُ عَنْهُ آثَارُ الرَّحْمَةِ بِالْفِعْلِ وَهِيَ إِفَاضَةُ النِّعَمِ وَالْإِحْسَانِ ؛ وَلَفْظُ "الرَّحِيمِ" يَدُلُّ عَلَى مَنْشَأِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ ، وَعَلَى أَنَّهَا مِنَ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ الْوَاجِبَةِ ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُسْتَغْنَى بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، وَلَا يَكُونُ الثَّانِي مُؤَكِّدًا لِلْأَوَّلِ ، فَإِذَا سَمِعَ الْعَرَبِيُّ وَصْفَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِـ "الرَّحْمَنِ" ، وَفَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ الْمُفِيضُ لِلنِّعَمِ فِعْلًا ، لَا يَعْتَقِدُ مِنْهُ أَنَّ الرَّحْمَةَ مِنَ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَةِ لَهُ دَائِمًا -لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَنْقَطِعُ إِذَا كَانَ عَارِضًا لَمْ يَنْشَأْ عَنْ صِفَةٍ لَازِمَةٍ ثَابِتَةٍ -فَعِنْدَمَا يَسْمَعُ لَفْظَ "الرَّحِيمِ" يَكْمُلُ اعْتِقَادُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَيُرْضِيهِ سُبْحَانَهُ . انْتَهَى.
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [2 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

    " الْحَمْدُ لِلَّهِ" أَيِ الثَّنَاءُ بِالْجَمِيلِ ، وَالْمَدْحُ بِالْكَمَالِ ثَابِتٌ لِلَّهِ دُونَ سَائِرِ مَا يَعْبُدُ مِنْ دُونِهِ، وَدُونِ كُلِّ مَا بَرَأَ مِنْ خَلْقِهِ . وَاللَّامُ فِي "الْحَمْدُ" لِلِاسْتِغْرَاق ِ أَيِ اسْتِغْرَاقُ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْحَمْدِ وَثُبُوتُهَا لِلَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا وَتَمْجِيدًا- كَمَا فِي الْحَدِيثِ : « اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ» .

    [ ص: 7 ] قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "طَرِيقِ الْهِجْرَتَيْنِ ": الْمُلْكُ وَالْحَمْدُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُتَلَازِمَانِ. فَكُلُّ مَا شَمِلَهُ مُلْكَهُ وَقُدْرَتُهُ شَمِلَهُ حَمْدُهُ ، فَهُوَ مَحْمُودٌ فِي مُلْكِهِ ، وَلَهُ الْمُلْكُ وَالْقُدْرَةُ مَعَ حَمْدِهِ ، فَكَمَا يَسْتَحِيلُ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ عَنْ مُلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ ، يَسْتَحِيلُ خُرُوجُهَا عَنْ حَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ ، وَلِهَذَا يَحْمَدُ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ عِنْدَ خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ لِيُنَبِّهَ عِبَادَهُ عَلَى أَنَّ مَصْدَرَ خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ عَنْ حَمْدِهِ . فَهُوَ مَحْمُودٌ عَلَى كُلِّ مَا خَلَقَهُ وَأَمَرَ بِهِ ، حَمْدَ شُكْرٍ وَعُبُودِيَّةٍ ، وَحَمْدَ ثَنَاءٍ وَمَدْحٍ، وَيَجْمَعُهُمَا التَّبَارُكُ ، "فَتَبَارَكَ اللَّهُ" يَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَلِهَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَقِيبَ قَوْلِهِ : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَالْحَمْدُ أَوْسَعُ الصِّفَاتِ وَأَعَمُّ الْمَدَائِحِ . وَالطُّرُقُ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ فِي غَايَةِ الْكَثْرَةِ ، وَالسَّبِيلُ إِلَى اعْتِبَارِهِ فِي ذَرَّاتِ الْعَالَمِ وَجُزْئِيَّاتِه ِ ، وَتَفَاصِيلِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَاسِعَةٌ جِدًّا ، لِأَنَّ جَمِيعَ أَسْمَائِهِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَمْدٌ ، وَصِفَاتُهُ حَمْدٌ ، وَأَفْعَالُهُ حَمْدٌ ، وَأَحْكَامُهُ حَمْدٌ ، وَعَدْلُهُ حَمْدٌ ، وَانْتِقَامُهُ مِنْ أَعْدَائِهِ حَمْدٌ ، وَفَضْلُهُ فِي إِحْسَانِهِ إِلَى أَوْلِيَائِهِ حَمْدٌ ، وَالْخَلْقُ وَالْأَمْرُ إِنَّمَا قَامَ بِحَمْدِهِ ، وَوُجِدَ بِحَمْدِهِ ، وَظَهَرَ بِحَمْدِهِ ، وَكَانَ الْغَايَةُ هِيَ حَمْدُهُ ، فَحَمْدُهُ سَبَبُ ذَلِكَ وَغَايَتُهُ وَمَظْهَرُهُ وَحَامِلُهُ ، فَحَمْدُهُ رُوحُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَقِيَامُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَمْدِهِ ، وَسَرَيَانُ حَمْدِهِ فِي الْمَوْجُودَاتِ ، وَظُهُورُ آثَارِهِ فِيهِ أَمْرٌ مَشْهُودٌ بِالْأَبْصَارِ وَالْبَصَائِرِ -ثُمَّ قَالَ- : وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ صِفَةِ عَلْيَاءَ ، وَاسْمِ حُسْنٍ ، وَثَنَاءٍ جَمِيلٍ ، وَكُلُّ حَمْدٍ وَمَدْحٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَنْزِيهٍ وَتَقْدِيسٍ وَجَلَالٍ وَإِكْرَامٍ فَهُوَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَأَتَمِّهَا وَأَدْوَمِهَا ؛ وَجَمِيعُ مَا يُوصَفُ بِهِ ، وَيُذْكَرُ بِهِ ، وَيُخْبَرُ عَنْهُ بِهِ فَهُوَ مَحَامِدُ لَهُ وَثَنَاءٌ وَتَسْبِيحٌ وَتَقْدِيسٌ، فَسُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ لَا يُحْصِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ ثَنَاءً عَلَيْهِ . اهـ.

    " رَبِّ العالمين" الرَّبُّ يُطْلَقُ عَلَى السَّيِّدِ الْمُطَاعِ وَعَلَى الْمُصْلِحِ وَعَلَى الْمَالِكِ -تَقُولُ : رَبَّهُ يَرُبُّهُ فَهُوَ رَبٌّ كَمَا تَقُولُ : نَمَّ عَلَيْهِ يَنِمُّ فَهُوَ نَمٌّ -فَهُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ [ ص: 8 ] مَصْدَرًا بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ ، وَهِيَ : تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إِلَى كَمَالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وُصِفَ بِهِ الْفَاعِلُ مُبَالَغَةً كَمَا وُصِفَ بِالْعَدْلِ ، وَالرَّبُّ - بِاللَّامِ - لَا يُقَالُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَهُوَ فِي غَيْرِهِ عَلَى التَّقْيِيدِ بِالْإِضَافَةِ - كَرَبِّ الدَّارِ- وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ

    وَ "العالمين" جَمْعُ عَالَمٍ وَهُوَ : الْخَلْقُ كُلُّهُ وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْهُ ، وَإِيثَارُ صِيغَةِ الْجَمْعِ لِبَيَانِ شُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعَالَى لِجَمِيعِ الْأَجْنَاسِ ، وَالتَّعْرِيفُ لِاسْتِغْرَاقِ أَفْرَادِ كُلٍّ مِنْهَا بِأَسْرِهَا .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [3 ] الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    إِيرَادُهُمَا عَقْدُ وَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنْ بَابِ قَرْنِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ الَّذِي هُوَ أُسْلُوبُ التَّنْزِيلِ الْحَكِيمِ .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [4 ] مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

    قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ بِإِثْبَاتِ أَلِفِ "مَالِكِ" وَالْبَاقُونَ بِحَذْفِهَا . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ ُ : وَرُجِّحَتْ قِرَاءَةُ "مَلِكِ" لِأَنَّهُ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ ، وَهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِأَنْ يَقْرَأُوا الْقُرْآنَ غَضًّا طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلَ، وَقُرَّاؤُهُمُ الْأَعْلَوْنَ رِوَايَةً وَفَصَاحَةً ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [ ص: 9 ] فَقَدْ وَصَفَ ذَاتَهُ بِأَنَّهُ الْمَلِكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَالْقُرْآنُ يَتَعَاضَدُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، وَتَتَنَاسَبُ مَعَانِيهِ فِي الْمَوَادِّ. وَثَمَّةُ مُرَجِّحَاتٍ أُخْرَى .

    وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ قِرَاءَةَ "مَالِكِ" أَبْلَغُ ، لِأَنَّ الْمَلِكَ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ أَعْمَالَ رَعِيَّتِهِ الْعَامَّةَ ، وَلَا تَصَرُّفَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ شُؤُونِهِمُ الْخَاصَّةِ . وَتَظْهَرُ التَّفْرِقَةُ فِي عَبْدٍ مَمْلُوكٍ فِي مَمْلَكَةٍ لَهَا سُلْطَانٌ ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ مَالِكَهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى جَمِيعَ شُؤُونِهِ دُونَ سُلْطَانِهِ ، وَمِنْ وُجُوهِ تَفْضِيلِهَا : إِنَّهَا تَزِيدُ بِحَرْفٍ ، وَلِقَارِئِ الْقُرْآنِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ -كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ مُتَوَاتِرٌ فِي السَّبْعِ .

    وَ "الدِّينِ" الْحِسَابُ وَالْمُجَازَاةُ بِالْأَعْمَالِ . وَمِنْهُ : « كَمَا تَدِينُ تُدَانُ » أَيْ : مَالِكُ أُمُورِ الْعَالَمِينَ كُلِّهَا فِي يَوْمِ الدِّينِ ، وَتَخْصِيصُهُ بِالْإِضَافَةِ إِمَّا لِتَعْظِيمِهِ وَتَهْوِيلِهِ، أَوْ لِبَيَانِ تَفَرُّدِهِ تَعَالَى بِإِجْرَاءِ الْأَمْرِ وَفَصْلِ الْقَضَاءِ فِيهِ .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [5 ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

    قَالَ الطَّبَرِيُّ : أَيْ : لَكَ ، اللَّهُمَّ نَخْشَعُ وَنَذِلُّ وَنَسْتَكِينُ. إِقْرَارًا لَكَ بِالرُّبُوبِيَّ ةِ لَا لِغَيْرِكَ -قَالَ- وَالْعُبُودِيَّ ةُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعَرَبِ أَصْلُهَا الذِّلَّةُ ، وَأَنَّهَا تُسَمِّي الطَّرِيقَ الْمُذَلَّلَ الَّذِي قَدْ وَطِئَتْهُ الْأَقْدَامُ ، وَذَلَّلَتْهُ السَّابِلَةُ "مُعَبَّدًا" ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَعِيرِ الْمُذَلَّلِ بِالرُّكُوبِ فِي الْحَوَائِجِ "مُعَبَّدٌ" ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْعَبْدُ "عَبْدًا" ; لِذِلَّتِهِ لِمَوْلَاهُ انْتَهَى .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة الفاتحة
    المجلد الثانى
    صـ 10 الى صـ 15
    الحلقة (3)

    وَفِيهِ إِعْلَامٌ بِمَا صَدَعَ بِهِ الْإِسْلَامُ مِنْ تَحْرِيرِ الْأَنْفُسِ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَخْلِيصِهَا لِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ . أَعْنِي : أَنْ لَا يُشْرِكَ شَيْئًا مَا مَعَهُ ، لَا فِي مَحَبَّتِهِ كَمَحَبَّتِهِ ، وَلَا فِي خَوْفِهِ ، وَلَا فِي رَجَائِهِ ، وَلَا [ ص: 10 ] فِي التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ، وَلَا فِي الْعَمَلِ لَهُ ، وَلَا فِي النَّذْرِ لَهُ ، وَلَا فِي الْخُضُوعِ لَهُ ، وَلَا فِي التَّذَلُّلِ وَالتَّعْظِيمِ وَالسُّجُودِ وَالتَّقَرُّبِ ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ فَاطِرُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ وَحْدَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْعِبَادَةِ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الذُّلِّ بِكَمَالِ الْحُبِّ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَابِدُ مُحِبًّا لِلْإِلَهِ الْمَعْبُودِ كَمَالَ الْحُبِّ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِيلًا لَهُ كَمَالَ الذُّلِّ ، وَهُمَا لَا يَصْلُحَانِ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ . فَهُوَ الْإِلَهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ ، الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا هُوَ ، وَهِيَ كَمَالُ الْحُبِّ وَالذُّلِّ وَالْإِجْلَالِ وَالتَّوَكُّلِ وَالدُّعَاءِ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا هُوَ ، تَعَالَى . وَقَدْ أَشَارَ لِذَلِكَ تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ ، فَإِنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا يَجِبُ لِلْعَبْدِ مِنْ تَخْصِيصِهِ رَبَّهُ بِالْعِبَادَةِ ، وَإِسْلَامِهِ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، لَا كَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ ظَهَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، فَقَدْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي عِبَادَتِهِمْ ، مُتَشَاكِسِينَ فِي وُجْهَتِهِمْ : مِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْأَشْجَارَ وَالْأَحْجَارَ . . . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، كَمَا بَيَّنَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ الْآيَةَ . وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ الْآيَةَ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ [ ص: 11 ] تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا الْآيَةَ . وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى وَحَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشْرِكِي نَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا ، وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا : ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « اللَّهُ أَكْبَرُ ، إِنَّهَا السَّنَنُ ، قُلْتُمْ - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى : اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِلَى قَوْلِهِ : وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ .

    [ ص: 12 ] وَأَمَّا عِبَادَتُهُمْ لِلْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيّ ُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ الْآيَةَ ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ ، قَالَ : « أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَ ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ ؟ » فَقُلْتُ : بَلَى قَالَ : « فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ » .

    فَالْعِبَادَةُ أَنْوَاعٌ وَأَصْنَافٌ ، وَلَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِتَوْحِيدِهَا كُلِّهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ . وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ ; أَيْ رُكْنُهَا الْمُهِمُّ الْأَعْظَمُ ، وَأَصْلُهُ مِنَ التَّنْزِيلِ الْكَرِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي فَمَسَّاهُ عِبَادَةً .

    [ ص: 13 ] وَفِي الْخَبَرِ : « الشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ » .

    قَالَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ : وَلِهَذَا كَانَ الْعَبْدُ مَأْمُورًا فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يَقُولَ : "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" وَالشَّيْطَانُ يَأْمُرُ بِالشَّرَكِ ، وَالنَّفْسُ تُطِيعُهُ فِي ذَلِكَ ، فَلَا تَزَالُ النَّفْسُ تَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ ، إِمَّا خَوْفًا مِنْهُ ، أَوْ رَجَاءً لَهُ ، فَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ مُفْتَقِرًا إِلَى تَخْلِيصِ تَوْحِيدِهِ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ ؛ وَلِذَا أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ مَا قَدَرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ ، وَكَيْفَ يُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَنْ جَعَلَ لَهُ عِدْلًا وَنِدًّا ، يُحِبُّهُ ، وَيَخَافُهُ ، وَيَرْجُوهُ ، يَذِلُّ ، وَيَخْضَعُ لَهُ ، وَيَهْرُبُ مِنْ سُخْطِهِ ، وَيُؤْثِرُ مَرْضَاتَهُ ، وَالْمُؤْثَرُ لَا يَرْضَى بِإِيثَارِهِ انْتَهَى .

    (فَائِدَةٌ) قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : الْفَاتِحَةُ سِرُّ الْقُرْآنِ ، وَسِرُّهَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ": فَالْأَوَّلُ تَبَرُّؤٌ مِنَ الشِّرْكِ ، وَالثَّانِي تَبَرُّؤٌ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ ، وَالتَّفْوِيضُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا

    [ ص: 14 ] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [6 ] اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ

    أَيْ أَلْهِمْنَا الطَّرِيقَ الْهَادِيَ ، وَأَرْشِدْنَا إِلَيْهِ ، وَوَفِّقْنَا لَهُ.

    قَالَ الْإِمَامُ الرَّاغِبُ فِي تَفْسِيرِهِ : "الْهِدَايَةُ دَلَالَةٌ بِلُطْفٍ ، وَمِنْهُ الْهَدِيَّةُ ، وَهَوَادِي الْوَحْشِ ، وَهِيَ مُتَقَدِّمَاتُه َا لِكَوْنِهَا هَادِيَةً لِسَائِرِهَا ، وَخَصَّ مَا كَانَ دَلَالَةً بِفَعَلْتُ نَحْوَ : هَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ ، وَمَا كَانَ مِنَ الْإِعْطَاءِ بِأَفْعَلْتُ نَحْوَ : أَهْدَيْتُ الْهَدِيَّةَ . وَلِمَا يُصَوِّرُ الْعَرُوسُ عَلَى وَجْهَيْنِ : قِيلَ فِيهِ : هَدَيْتُ وَأَهْدَيْتُ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ جَعَلَتَ الْهُدَى دَلَالَةَ لُطْفٍ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقَالَ تَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ حَسَبَ اسْتِعْمَالِهِم ُ اللَّفْظَ عَلَى التَّهَكُّمِ كَمَا قَالَ :


    وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ !


    وَالْهِدَايَةُ هِيَ الْإِرْشَادُ إِلَى الْخَيْرَاتِ قَوْلًا وَفِعْلًا ، وَهِيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنَازِلَ بَعْضُهَا يَتَرَتَّبُ عَلَى بَعْضٍ ، لَا يَصِحُّ حُصُولُ الثَّانِي إِلَّا بَعْدَ الْأَوَّلِ ، وَلَا الثَّالِثِ إِلَّا بَعْدَ الثَّانِي ، فَأَوَّلُ الْمَنَازِلِ إِعْطَاؤُهُ الْعَبْدَ الْقُوَى الَّتِي بِهَا يَهْتَدِي إِلَى مَصَالِحِهِ إِمَّا تَسْخِيرًا وَإِمَّا طَوْعًا -كَالْمَشَاعِرِ الْخَمْسَةِ وَالْقُوَّةِ الْفِكْرِيَّةِ ، وَبَعْضُ ذَلِكَ قَدْ أَعْطَاهُ الْحَيَوَانَاتِ ، وَبَعْضٌ خَصَّ بِهِ الْإِنْسَانَ ، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَالَّذِي قَدَّرَ [ ص: 15 ] فَهَدَى وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ إِمَّا تَسْخِيرٌ وَإِمَّا تَعْلِيمٌ ، وَإِلَى نَحْوِهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا وَقَالَ فِي الْإِنْسَانِ بِمَا أَعْطَاهُ مِنَ الْعَقْلِ ، وَعَرَفَهُ مِنَ الرُّشْدِ : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ وَقَالَ : وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ وَقَالَ فِي ثَمُودَ : فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى

    وَثَانِيهِمَا الْهِدَايَةُ بِالدُّعَاءِ وَبَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ . وَإِيَّاهَا عَنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَبِقَوْلِهِ : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ تُنْسَبُ تَارَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ ، وَتَارَةً إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَتَارَةً إِلَى الْقُرْآنِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة الفاتحة
    المجلد الثانى
    صـ 16 الى صـ 23
    الحلقة (4)


    [ ص: 16 ] وَثَالِثُهَا هِدَايَةٌ يُوَلِّيهَا صَالِحِي عِبَادِهِ بِمَا اكْتَسَبُوهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ ، وَهِيَ الْهِدَايَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ وَقَوْلُهُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ وَقَوْلُهُ : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ هِيَ الْمَعْنِيَّةُ بِقَوْلِهِ : وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ

    وَيَصِحُّ أَنْ نَنْسُبَ هَذِهِ الْهِدَايَةَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُقَالُ : هُوَ آثَرَهُمْ بِهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ هُوَ السَّبَبُ فِي وُصُولِهِمْ إِلَيْهَا . وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : اكْتَسَبُوهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ تَوَصَّلُوا إِلَيْهَا بِاجْتِهَادِهِم ْ . فَمَنْ قَصَدَ سُلْطَانًا مُسْتَرْفِدًا فَأَعْطَاهُ ، يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ السُّلْطَانَ خَوَّلَهُ . وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : فُلَانٌ اكْتَسَبَ بِسَعْيِهِ ، وَلِانْطِوَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ ، قَالَ تَعَالَى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ وَقَالَ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ فَنَبَّهَ أَنَّ ذَلِكَ بِجُهْدِهِمْ وَبِفَضْلِهِ جَمِيعًا .

    وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : هِيَ مُبَاحَةٌ لِلْعُقَلَاءِ كُلِّهِمْ ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : هِيَ مَحْظُورَةٌ [ ص: 17 ] إِلَّا عَلَى أَوْلِيَائِهِ ، لِمَا كَانَ فِي إِمْكَانِ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ أَنْ يَتَرَشَّحُوا لِتَنَاوُلِهَا ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : إِنَّهَا لَا يَسْهُلُ تَنَاوُلُهَا قَبْلَ أَنْ يَتَشَكَّلَ الْإِنْسَاْنُ بِشَكْلٍ مَخْصُوصٍ ، بِتَقْدِيمِ عِبَادَاتٍ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ : الْهُدَى مِنَ اللَّهِ كَثِيرٌ ، وَلَا يُبْصِرُهُ إِلَّا الْبَصِيرُ ، وَلَا يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا الْيَسِيرُ . أَلَا تَرَى أَنَّ نُجُومَ السَّمَاءِ مَا أَكْثَرَهَا وَلَا يَهْتَدِي بِهَا إِلَّا الْعُلَمَاءُ . وَقَالَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ : إِنَّ مَثَلَ هِدَايَةِ اللَّهِ مَعَ النَّاسِ كَمَثَلِ سَيْلٍ مَرَّ عَلَى قِلَاتٍ وَغُدْرَانٍ ، فَيَتَنَاوَلُ كُلُّ قَلْتٍ مِنْهَا بِقَدْرِ سِعَتِهِ -ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ- : أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ كَمَطَرٍ أَتَى عَلَى أَرَضِينَ فَيَنْتَفِعُ كُلُّ أَرْضٍ بِقَدْرِ تَرْشِيحِهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ .

    (وَالْمنزلة الرَّابِعَةُ) : مِنَ الْهِدَايَةِ التَّمْكِينُ مِنْ مُجَاوَرَتِهِ فِي دَارِ الْخُلْدِ ، وَإِيَّاهَا عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : وَنَـزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنَ الْهِدَايَةِ مَا لَا يُنْفَى عَنْ أَحَدٍ بِوَجْهٍ . وَمِنْهَا مَا يُنْفَى [ ص: 18 ] عَنْ بَعْضٍ ، وَيَثْبُتُ لِبَعْضٍ ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَقَالَ : وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ فَإِنَّهُ عَنَى الْهِدَايَةَ -الَّتِي هِيَ التَّوْفِيقُ وَإِدْخَالُ الْجَنَّةِ- دُونَ الَّتِي هِيَ الدُّعَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَقَالَ فِي الْأَنْبِيَاءِ : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا

    فَقَوْلُهُ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ فُسِّرَ عَلَى وُجُوهٍ بِحَسَبِ أَنْظَارٍ مُخْتَلِفَةٍ إِلَى الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ :

    (الْأَوَّلُ) : أَنَّهُ عَنَى الْهِدَايَةَ الْعَامَّةَ ، وَأَمَرَ أَنْ نَدْعُوَ بِذَلِكَ -وَإِنْ كَانَ هُوَ قَدْ فَعَلَهُ لَا مَحَالَةَ- لِيَزِيدَنَا ثَوَابًا بِالدُّعَاءِ، كَمَا أَمَرَنَا أَنْ نَقُولَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ . (الثَّانِي) قِيلَ : وَفِّقْنَا لِطَرِيقَةِ الشَّرْعِ .

    (الثَّالِثُ) : احْرُسْنَا عَنِ اسْتِغْوَاءِ الْغُوَاةِ وَاسْتِهْوَاءِ الشَّهَوَاتِ ، وَاعْصِمْنَا مِنَ الشُّبُهَاتِ .

    [ ص: 19 ] الرَّابِعُ : زِدْنَا هُدًى اسْتِنْجَاحًا لِمَا وَعَدْتَ بِقَوْلِكَ : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَقَوْلِكَ : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى

    (الْخَامِسُ) : قِيلَ : عَلِّمْنَا الْعِلْمَ الْحَقِيقِيَّ فَذَلِكَ سَبَبُ الْخَلَاصِ ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنُّورِ فِي قَوْلِهِ : يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ

    (السَّادِسُ) : قِيلَ : هُوَ سُؤَالُ الْجَنَّةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَقَالَ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ الْآيَةَ. فَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ أَنْظَارِهِمْ إِلَى أَبْعَاضِ الْهِدَايَةِ وَجُزْئِيَّاتِه َا ، وَالْجَمِيعُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِالْآيَةِ - إِذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهَا – [ ص: 20 ] وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ" . اهـ كَلَامُ الرَّاغِبِ . وَبِهِ يُعْلَمُ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْهِدَايَةِ فِي سَائِرِ مَوَاقِعِهَا فِي التَّنْزِيلِ الْكَرِيمِ ، وَأَنَّ الْوُجُوهَ الْمَأْثُورَةَ فِي آيَةٍ مَا -إِذَا لَمْ تَتَنَافَ- صَحَّ إِرَادَتُهَا كُلُّهَا ؛ وَمِثْلْ هَذَا يُسَمَّى : اخْتِلَافَ تَنَوُّعٍ لَا اخْتِلَافَ تَضَادٍّ.

    كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَبْحَثٍ لَهُ مُهِمٍّ ، نَأْثُرُهُ عَنْهُ هُنَا ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْجَلِيلَةِ ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ :

    يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْوَاقِعَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى وَجْهَيْنِ :

    أَحَدُهُمَا لَيْسَ فِيهِ تَضَادٌّ وَتَنَاقُضٌ ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا حَقًّا، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ أَوِ اخْتِلَافٌ فِي الصِّفَاتِ أَوِ الْعِبَارَاتِ ، وَعَامَّةُ الِاخْتِلَافِ الثَّابِتِ عَنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ اسْمًا مِثْلَ قَوْلِهِ : "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" فَكُلُّ الْمُفَسِّرِينَ يُعَبِّرُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ بِعِبَارَةٍ تَدُلُّ بِهَا عَلَى بَعْضِ صِفَاتِهِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ بِمَنْزِلَةِ مَا يُسَمِّي اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَكِتَابَهُ بِأَسْمَاءٍ ، كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمُ : الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ ، أَوِ اتِّبَاعُ كِتَابِ اللَّهِ . وَيَقُولُ الْآخَرُ: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْإِسْلَامُ أَوْ دِينُ الْإِسْلَامِ. وَيَقُولُ الْآخَرُ: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ. وَيَقُولُ الْآخَرُ : الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ ، أَوْ طَرِيقُ الْخَوْفِ وَالرِّضَا وَالْحُبِّ ، وَامْتِثَالُ الْمَأْمُورِ ، وَاجْتِنَابُ الْمَحْظُورِ ، أَوْ مُتَابَعَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ أَوِ الْعَمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، أَوْ نَحْوَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالْعِبَارَاتِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسَمَّى هُوَ وَاحِدٌ ، وَإِنْ تَنَوَّعَتْ صِفَاتُهُ وَتَعَدَّدَتْ أَسْمَاؤُهُ وَعِبَارَاتُهُ ؛ وَكَثِيرٌ مِنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّرْجَمَةِ تَكُونُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .

    وَمِنْهُ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ الْمُفَسِّرُ وَالْمُتَرْجِمُ مَعْنَى اللَّفْظِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ وَالْحَصْرِ - مِثْلَ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مِنَ الْعَجَمِ: مَا مَعْنَى الْخُبْزِ ؟ فَيُشَارُ لَهُ إِلَى رَغِيفٍ -وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ عَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا الْإِشَارَةُ إِلَى تَعْيِينِ هَذَا الشَّخْصِ تَمْثِيلًا . وَهَذَا كَمَا إِذَا سُئِلُوا عَنْ قَوْلِهِ : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [ ص: 21 ] . أَوْ عَنْ قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ أَوْ عَنِ الصَّالِحِينَ أَوِ الظَّالِمِينَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ الْجَامِعَةِ الَّتِي قَدْ يَتَعَسَّرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُسْتَمِعِ أَوِ الْمُتَكَلِّمِ ضَبْطُ مَجْمُوعِ مَعْنَاهُ ; إِذْ لَا يَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَى ذَلِكَ فَيَذْكُرُ لَهُ مِنْ أَنْوَاعِهِ وَأَشْخَاصِهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُهُ ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى نَظَائِرِهِ . فَإِنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ هُوَ تَارِكُ الْمَأْمُورِ فَاعِلُ الْمَحْظُورِ ، وَالْمُقْتَصِدُ هُوَ فَاعِلُ الْوَاجِبِ وَتَارِكُ الْمُحَرَّمِ ، وَالسَّابِقُ هُوَ فَاعِلُ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبّ ِ ، وَتَارِكُ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ . فَيَقُولُ الْمُجِيبُ بِحَسَبِ حَاجَةِ السَّائِلِ : الظَّالِمُ الَّذِي يُفَوِّتُ الصَّلَاةَ ، أَوِ الَّذِي لَا يُسْبِغُ الْوُضُوءَ ، أَوِ الَّذِي لَا يُتِمُّ الْأَرْكَانَ وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ - كَمَا أُمِرِ - وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ الَّذِي يُصَلِّي الصَّلَاةَ بِوَاجِبَاتِهَا وَمُسْتَحِبَّات ِهَا وَيَأْتِي بِالنَّوَافِلِ الْمُسْتَحَبَّة ِ مَعَهَا ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا فِي الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ .

    وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ :

    تَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا ، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ .

    وَالصَّحَابَةُ أَخَذُوا عَنِ الرَّسُولِ لَفْظَ الْقُرْآنِ وَمَعْنَاهُ كَمَا أَخَذُوا عَنْهُ السُّنَّةَ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ غَيَّرَ السُّنَّةَ ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ غَيَّرَ بَعْضَ مَعَانِي الْقُرْآنِ - إِذْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَغْيِيرِ لَفْظِهِ ، وَأَيْضًا فَقَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ بَعْضُ مَعَانِي الْقُرْآنِ ، كَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ السُّنَّةِ ، فَيَقَعُ خَطَأُ الْمُجْتَهِدِين َ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

    وَتَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ بَسْطٌ لِهَذَا الْبَحْثِ فَارْجِعْ إِلَيْهِ . (انْظُرْ : ج1 ص17).

    [ ص: 22 ] وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْآيَةِ :

    "كُلُّ عَبْدٍ مُضْطَرٍّ دَائِمًا إِلَى مَقْصُودِ هَذَا الدُّعَاءِ ، وَهُوَ هِدَايَةُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، فَإِنَّهُ لَا نَجَاةَ مِنَ الْعَذَابِ إِلَّا بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ ، وَلَا وُصُولَ إِلَى السَّعَادَةِ إِلَّا بِهِ ، فَمَنْ فَاتَهُ هَذَا الْهُدَى فَهُوَ : إِمَّا مِنَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ، وَإِمَّا مِنَ الضَّالِّينَ ؛ وَهَذَا الِاهْتِدَاءُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهُدَى اللَّهِ : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا فَإِنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ : أَنْ تَفْعَلَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَا أُمِرْتَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ ، وَلَا تَفْعَلُ مَا نُهِيتَ عَنْهُ ، وَهَذَا يَحْتَاجُ فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَى أَنْ تَعْلَمَ : مَا أَمَرَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَمَا نَهَى عَنْهُ ، وَإِلَى أَنْ يَحْصُلَ لَكَ إِرَادَةٌ جَازِمَةٌ لِفِعْلِ الْمَأْمُورِ ؛ وَكَرَاهَةٌ لِتَرْكِ الْمَحْظُورِ . وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ قَدْ فُسِّرَ بِالْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ وَطُرُقِ الْعُبُودِيَّةِ ، وَكُلُّ هَذَا حَقٌّ ، فَهُوَ مَوْصُوفٌ بِهَذَا وَبِغَيْرِهِ ، فَحَاجَتُهُ إِلَى هَذِهِ الْهِدَايَةِ ضَرُورِيَّةٌ فِي سَعَادَتِهِ وَنَجَاتِهِ ؛ بِخِلَافِ الْحَاجَةِ إِلَى الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ ، وَإِنِ انْقَطَعَ رِزْقُهُ مَاتَ -وَالْمَوْتُ لَا بُدَّ مِنْهُ- فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْهِدَايَةِ ، كَانَ سَعِيدًا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَكَانَ الْمَوْتُ مُوَصِّلًا لَهُ إِلَى السَّعَادَةِ الدَّائِمَةِ الْأَبَدِيَّةِ ، فَيَكُونُ رَحْمَةً فِي حَقِّهِ ، وَكَذَلِكَ النَّصْرُ -إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ قُهِرَ وَغُلِبَ حَتَّى قُتِلَ - فَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْهِدَايَةِ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ مَاتَ شَهِيدًا ، وَكَانَ الْقَتْلُ مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ حَاجَةَ الْعِبَادِ إِلَى الْهُدَى أَعْظَمُ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ ، بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا فَلِهَذَا كَانَ هَذَا الدُّعَاءُ مَفْرُوضًا عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ - فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا - وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الدُّعَاءَ يَتَضَمَّنُ الرِّزْقَ وَالنَّصْرَ لِأَنَّهُ إِذَا هُدِيَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ كَانَ مِنَ الْمُتَّقِينَ : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَكَانَ مِنَ الْمُتَوَكِّلِي نَ : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى [ ص: 23 ] اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ وَكَانَ مِمَّنْ يَنْصُرُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَمَنْ يَنْصُرُ اللَّهَ يَنْصُرُهُ ، وَكَانَ مِنْ جُنْدِ اللَّهِ ، وَجُنْدُ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ . فَالْهُدَى التَّامُّ يَتَضَمَّنُ حُصُولَ أَعْظَمِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الرِّزْقُ وَالنَّصْرُ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ هُوَ الْجَامِعُ لِكُلِّ مَطْلُوبٍ تَحْصُلُ بِهِ كُلُّ مَنْفَعَةٍ، وَتَنْدَفِعُ بِهِ كُلُّ مُضِرَّةٍ .

    (فَائِدَةٌ) : الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ أَصْلُهُ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ ، وَلَا انْحِرَافَ ، وَيُسْتَعَارُ لِكُلِّ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ يَبْلُغُ بِهِ صَاحِبُهُ الْغَايَةَ الْحَمِيدَةَ ، فَالطَّرِيقُ الْوَاضِحُ لِلْحِسِّ ، كَالْحَقِّ لِلْعَقْلِ ، فِي أَنَّهُ : إِذَا سُيِّرَ بِهِمَا أَبْلَغَا السَّالِكَ النِّهَايَةَ الْحُسْنَى .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [7 ] صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ

    أَيْ: بِطَاعَتِكَ وَعِبَادَتِكَ، وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة الفاتحة
    المجلد الثانى
    صـ 24 الى صـ 30
    الحلقة (5)


    [ ص: 24 ] "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" قَالَ الْأَصْفَهَانِي ُّ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ تَعَالَى هَذِهِ الْجُمْلَةَ لِأَنَّ الْكُفَّارَ قَدْ شَارَكُوا الْمُؤْمِنِينَ فِي إِنْعَامِ كَثِيرٍ عَلَيْهِمْ ، فَبَيَّنَ بِالْوَصْفِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّعَاءِ لَيْسَ هُوَ النِّعَمُ الْعَامَّةُ، بَلْ ذَلِكَ نِعْمَةٌ خَاصَّةٌ ، ثُمَّ إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ : كُلُّ مَنْ حَادَ عَنْ جَادَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَيِّ فِرْقَةٍ وَنِحْلَةٍ ، وَتَعْيِينُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ فِرْقَةً مِنْهُمْ مِنْ بَابِ تَمْثِيلِ الْعَامِّ بِأَوْضَحِ أَفْرَادِهِ وَأَشْهَرِهَا ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ اخْتِلَافًا فِي أَنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمُ الْيَهُودُ ، وَالضَّالِّينَ النَّصَارَى .

    (فَوَائِدُ): الْأُولَى : يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهَا : "آمِينَ" ; وَمَعْنَاهُ : اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ ، أَوْ كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ ، أَوْ كَذَلِكَ فَافْعَلْ : وَلَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ . بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْمَصَاحِفِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّأْمِينِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيّ ُ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقَالَ : « آمِينَ » مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ . وَلِأَبِي دَاوُدَ : رَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ.

    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَلَا : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . قَالَ : « آمِينَ » حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ .

    وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « إِذَا أَمَّنَ [ ص: 25 ] الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» .

    وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا : « إِذَا قَالَ - يَعْنِي الْإِمَامَ - وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا : آمِينَ يُجِبْكُمُ اللَّهُ » .

    الثَّانِيَةُ : فِي ذِكْرِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ الْعُلُومِ .

    اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الْكَرِيمَةَ قَدِ اشْتَمَلَتْ - وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ – عَلَى حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَمْجِيدِهِ ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ : بِذِكْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى الْمُسْتَلْزِمَ ةِ لِصِفَاتِهِ الْعُلْيَا ، وَعَلَى ذِكْرِ الْمَعَادِ وَهُوَ يَوْمُ الدِّينِ ، وَعَلَى إِرْشَادِ عَبِيدِهِ إِلَى سُؤَالِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ وَالتَّبَرُّؤِ مِنْ حَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ ، وَإِلَى إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ ، وَتَوْحِيدِهِ بِالْأُلُوهِيَّ ةِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَتَنْزِيهِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ نَظِيرٌ أَوْ مُمَاثِلٌ ، وَإِلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ الْهِدَايَةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ -وَهُوَ الدِّينُ الْقَوِيمُ- وَتَثْبِيتُهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يُفْضِيَ بِهِمْ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ فِي جِوَارِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ .

    وَاشْتَمَلَتْ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَكُونُوا مَعَ أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مَسَالِكِ الْبَاطِلِ لِئَلَّا يُحْشَرُوا مَعَ سَالِكِيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ وَالضَّالُّونَ .

    قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ فِي تَفْسِيرِهِ :

    الْفَاتِحَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مُجْمَلِ مَا فِي الْقُرْآنِ . وَكُلُّ مَا فِيهِ تَفْصِيلٌ لِلْأُصُولِ الَّتِي وُضِعَتْ فِيهَا ، وَلَسْتُ أَعْنِي بِهَذَا مَا يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالْإِشَارَةِ وَدَلَالَةِ الْحُرُوفِ كَقَوْلِهِمْ : إِنَّ أَسْرَارَ [ ص: 26 ] الْقُرْآنِ فِي الْفَاتِحَةِ ، وَأَسْرَارَ الْفَاتِحَةِ فِي الْبَسْمَلَةِ ، وَأَسْرَارَ الْبَسْمَلَةِ فِي الْبَاءِ ، وَأَسْرَارَ الْبَاءِ فِي نُقْطَتِهَا ! فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ ، وَلَا هُوَ مَعْقُولٌ فِي نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ الْغُلَاةِ الَّذِينَ ذَهَبَ بِهِمُ الْغُلُوُّ إِلَى إِعْدَامِ الْقُرْآنِ خَاصَّتَهُ ، وَهِيَ الْبَيَانُ - قَالَ - وَبَيَانُ مَا أُرِيدُ : أَنَّ مَا نَزَلَ الْقُرْآنُ لِأَجْلِهِ أُمُورٌ :

    أَحَدُهَا التَّوْحِيدُ : لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا كُلُّهُمْ وَثَنِيِّينَ - وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَدَّعِي التَّوْحِيدَ - .

    ثَانِيهَا : وَعْدُ مَنْ أَخَذَ بِهِ ، وَتَبْشِيرُهُ بِحُسْنِ الْمَثُوبَةِ ، وَوَعِيدُ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ ، وَإِنْذَارُهُ بِسُوءِ الْعُقُوبَةِ ، وَالْوَعْدُ يَشْمَلُ مَا لِلْأُمَّةِ وَمَا لِلْأَفْرَادِ ، فَيَعُمُّ نِعَمَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَسَعَادَتَهُمَ ا . وَالْوَعِيدُ - كَذَلِكَ - يَشْمَلُ نِقَمَهُمَا وَشَقَاءَهُمَا ، فَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ : بِالِاسْتِخْلَا فِ فِي الْأَرْضِ ، وَالْعِزَّةِ ، وَالسُّلْطَانِ ، وَالسِّيَادَةِ . وَأَوْعَدَ الْمُخَالِفِينَ : بِالْخِزْيِ وَالشَّقَاءِ فِي الدُّنْيَا . كَمَا وَعَدَ فِي الْآخِرَةِ بِالْجَنَّةِ وَالنَّعِيمِ وَأَوْعَدَ بِنَارِ الْجَحِيمِ .

    ثَالِثُهَا : الْعِبَادَةُ الَّتِي تُحْيِي التَّوْحِيدَ فِي الْقُلُوبِ وَتُثَبِّتُهُ فِي النُّفُوسِ .

    رَابِعُهَا : بَيَانُ سَبِيلِ السَّعَادَةِ وَكَيْفِيَّةِ السَّيْرِ فِيهِ ، الْمُوَصِّلِ إِلَى نِعَمِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .

    خَامِسُهَا : قَصَصُ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَخَذَ بِأَحْكَامِ دِينِهِ ، وَأَخْبَارُ الَّذِينَ تَعَدَّوْا حُدُودَهُ وَنَبَذُوا أَحْكَامَ دِينِهِ ظِهْرِيًّا لِأَجْلِ الِاعْتِبَارِ ، وَاخْتِيَارِ طَرِيقِ الْمُحْسِنِينَ .

    هَذِهِ هِيَ الْأُمُورُ الَّتِي احْتَوَى عَلَيْهَا الْقُرْآنُ ، وَفِيهَا حَيَاةُ النَّاسِ وَسَعَادَتُهُمُ الدُّنْيَوِيَّة ُ وَالْأُخْرَوِيّ َةُ ، وَالْفَاتِحَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهَا إِجْمَالًا بِغَيْرِ مَا شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ .

    فَأَمَّا التَّوْحِيدُ فَفِي قَوْلِهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِأَنَّهُ نَاطِقٌ بِأَنَّ كُلَّ حَمْدٍ وَثَنَاءٍ يَصْدُرُ عَنْ نِعْمَةٍ مَا فَهُوَ لَهُ تَعَالَى ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ سُبْحَانَهُ مَصْدَرَ كُلِّ نِعْمَةٍ فِي الْكَوْنِ تَسْتَوْجِبُ الْحَمْدَ ، وَمِنْهَا نِعْمَةُ الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالتَّنْمِيَةِ ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِاسْتِلْزَامِ الْعِبَارَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى فَصَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ : "رَبِّ الْعَالَمِينَ" . وَلَفْظُ "رَبِّ" لَيْسَ مَعْنَاهُ الْمَالِكَ وَالسَّيِّدَ فَقَطْ ، بَلْ فِيهِ مَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِنْمَاءِ . وَهُوَ صَرِيحٌ بِأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ يَرَاهَا الْإِنْسَانُ فِي [ ص: 27 ] نَفْسِهِ وَفِي الْآفَاقِ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ . فَلَيْسَ فِي الْكَوْنِ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِيجَادِ وَالْإِشْقَاءِ ، وَالْإِسْعَادِ سِوَاهُ . ثُمَّ إِنَّ التَّوْحِيدَ أَهَمُّ مَا جَاءَ لِأَجْلِهِ الدِّينُ . وَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتَفِ فِي الْفَاتِحَةِ بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ ، بَلِ اسْتَكْمَلَهُ بِقَوْلِهِ : "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" فَاجْتَثَّ بِذَلِكَ جُذُورَ الشِّرْكِ وَالْوَثَنِيَّة ِ الَّتِي كَانَتْ فَاشِيَةً فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ، وَهِيَ اتِّخَاذُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعْتَقِدُ لَهُمُ السُّلْطَةُ الْغَيْبِيَّةُ ، يُدْعَوْنَ لِذَلِكَ مَنْ دُونِ اللَّهِ ، وَيُسْتَعَانُ بِهِمْ عَلَى قَضَاءِ الْحَوَائِجِ فِي الدُّنْيَا ، وَيَتَقَرَّبُ بِهِمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ، وَجَمِيعُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ آيَاتِ التَّوْحِيدِ وَمُقَارَعَةِ الْمُشْرِكِينَ هُوَ تَفْصِيلٌ لِهَذَا الْإِجْمَالِ .

    "وَأَمَّا الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ: فَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا مَطْوِيٌّ فِي "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فَذِكْرُ الرَّحْمَةِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَهِيَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ . وَعْدٌ بِالْإِحْسَانِ – لَا سِيَّمَا وَقَدْ كَرَّرَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً- تَنْبِيهًا لَنَا عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ إِيَّانَا بِتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ رَحْمَةٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِنَا ، لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِنَا وَمَنْفَعَتِنَا . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَتَضَمَّنُ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ مَعًا ، لِأَنَّ مَعْنَى الدِّينِ الْخُضُوعُ ، أَيْ : إِنَّ لَهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ السُّلْطَانَ الْمُطْلَقَ ، وَالسِّيَادَةَ الَّتِي لَا نِزَاعَ فِيهَا ، لَا حَقِيقَةَ وَلَا ادِّعَاءَ ؛ وَإِنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ يَكُونُ فِيهِ خَاضِعًا لِعَظَمَتِهِ -ظَاهِرًا وَبَاطِنًا - يَرْجُو رَحْمَتَهُ ، وَيَخْشَى عَذَابَهُ ، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ ، أَوْ مَعْنَى الدِّينِ الْجَزَاءُ وَهُوَ : إِمَّا ثَوَابٌ لِلْمُحْسِنِ ، وَإِمَّا عِقَابٌ لِلْمُسِيءِ ، وَذَلِكَ وَعْدٌ وَوَعِيدٌ ، وَزِدْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ "الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" وَهُوَ الَّذِي مَنْ سَلَكَهُ فَازَ ، وَمَنْ تَنَكَّبَهُ هَلَكَ ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ .

    وَأَمَّا الْعِبَادَةُ ، فَبَعْدَ أَنْ ذُكِرَتْ فِي مَقَامِ التَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِ : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أَوْضَحَ مَعْنَاهَا بَعْضَ الْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ أَيْ : إِنَّهُ قَدْ وَضَعَ لَنَا صِرَاطًا سَيُبَيِّنُهُ وَيُحَدِّدُهُ . وَيَكُونُ مَنَاطُ السَّعَادَةِ فِي الِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ ، وَالشَّقَاءِ فِي الِانْحِرَافِ عَنْهُ ، وَهَذِهِ الِاسْتِقَامَةُ عَلَيْهِ هِيَ رُوحُ الْعِبَادَةِ ، وَيُشْبِهُ هَذَا قَوْلَهُ تَعَالَى : [ ص: 28 ] وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ فَالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالصَّبْرِ هُوَ كَمَالُ الْعِبَادَةِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ . وَالْفَاتِحَةُ بِجُمْلَتِهَا تَنْفُخُ رُوحَ الْعِبَادَةِ فِي الْمُتَدَبِّرِ لَهَا ، وَرُوحُ الْعِبَادَةِ هِيَ إِشْرَابُ الْقُلُوبِ خَشْيَةَ اللَّهِ ، وَهَيْبَتَهُ ، وَالرَّجَاءَ لِفَضْلِهِ ، لَا الْأَعْمَالُ الْمَعْرُوفَةُ مِنْ فِعْلٍ وَكَفٍّ وَحَرَكَاتِ اللِّسَانِ وَالْأَعْضَاءِ . فَقَدْ ذُكِرَتِ الْعِبَادَةُ فِي الْفَاتِحَةِ قَبْلَ ذِكْرِ الصَّلَاةِ وَأَحْكَامِهَا ، وَالصِّيَامِ وَأَيَّامِهِ ، وَكَانَتْ هَذِهِ الرُّوحُ فِي الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ يُكَلَّفُوا بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ ، وَقَبْلَ نُزُولِ أَحْكَامِهَا الَّتِي فُصِّلَتْ فِي الْقُرْآنِ تَفْصِيلًا مَا ؛ وَإِنَّمَا الْحَرَكَاتُ وَالْأَعْمَالُ مِمَّا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى حَقِيقَةِ الْعِبَادَةِ ، وَمُخُّ الْعِبَادَةِ الْفِكْرُ وَالْعِبْرَةُ ؛ وَأَمَّا الْأَخْبَارُ وَالْقِصَصُ فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ هُنَالِكَ قَوْمًا تَقَدَّمُوا ، وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ شَرَائِعَ لِهِدَايَتِهِمْ ، وَصَائِحٌ يَصِيحُ: أَلَا فَانْظُرُوا فِي الشُّؤُونِ الْعَامَّةِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا وَاعْتَبِرُوا بِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ يَدْعُوهُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ الْقَصَصَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعِظَةِ وَالِاعْتِبَارِ . وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَنْ دُونِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ فَرِيقَانِ : فَرِيقٌ ضَلَّ عَنْ صِرَاطِ اللَّهِ ، وَفَرِيقٌ جَاحِدُهُ ، وَعَانَدَ مَنْ يَدْعُو إِلَيْهِ ، فَكَانَ مَحْفُوفًا بِالْغَضَبِ الْإِلَهِيِّ ، وَالْخِزْيِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . وَبَاقِي الْقُرْآنِ يُفَصِّلُ لَنَا فِي أَخْبَارِ الْأُمَمِ هَذَا الْإِجْمَالَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُفِيدُ الْعِبْرَةَ ، فَيَشْرَحُ حَالَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ قَاوَمُوا الْحَقَّ ، وَحَالَ الَّذِينَ حَافَظُوا عَلَيْهِ وَصَبَرُوا عَلَى مَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِهِ .

    فَتَبَيَّنَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا تَقَدَّمَ : أَنَّ الْفَاتِحَةَ قَدِ اشْتَمَلَتْ إِجْمَالًا عَلَى الْأُصُولِ الَّتِي يُفَصِّلُهَا [ ص: 29 ] الْقُرْآنُ تَفْصِيلًا . فَكَانَ إِنْزَالُهَا أَوَّلًا مُوَافِقًا لِسُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِبْدَاعِ ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْفَاتِحَةُ جَدِيرَةً بِأَنْ تُسَمَّى "أُمَّ الْكِتَابِ" .

    الثَّالِثَةُ : مِمَّا صَحَّ فِي فَضْلِهَا مِنَ الْأَخْبَارِ : مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

    كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي . فَقَالَ : « أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ » ؟ - ثُمَّ قَالَ لِي : « لَأُعَلِّمَنَّك َ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ؟ » ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ نَخْرُجَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ تَقُلْ « لَأُعَلِّمَنَّك َ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ » . قَالَ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ » .

    وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيّ ُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، نَحْوَهُ ، غَيْرَ أَنَّ الْقِصَّةَ مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَفِي آخِرِهِ :

    «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا ، إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي» .

    وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ عَلَى تَفَاضُلِ بَعْضِ الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ عَلَى بَعْضٍ ، كَمَا هُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ : إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ الْحَضَّارِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ وَاضِحٌ.

    وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا فَنَزَلْنَا ، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ : إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غَيَبٌ ، [ ص: 30 ] فَهَلْ مِنْكُمْ وَاقٍ ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَأْبِنُهُ بِرُقْيَةٍ . فَرَقَاهُ ، فَبَرَأَ ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ شَاةً ، وَسَقَانَا لَبَنًا ؛ فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ : أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً ، أَوْ كُنْتَ تَرْقِي ؟ قَالَ : لَا ، مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ . قُلْنَا : لَا تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ ، أَوْ نَسْأَلَ ، النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ، ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : « وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ اقْمِسُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ » . وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ : أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ هُوَ الَّذِي رَقَى ذَلِكَ السَّلِيمَ - يَعْنِي اللَّدِيغَ ، يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا - .

    وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

    بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : « هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ . فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ . فَقَالَ : هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ . فَسَلَّمَ وَقَالَ : أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ قَدْ أُوتِيتَهُمَا ، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ ; فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ الْبَقَرَةِ ، لَمْ تَقْرَأْ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ » .

    وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلَاثًا - غَيْرُ تَمَامٍ » فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ . فَقَالَ : اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

    « قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ : حَمِدَنِي عَبْدِي ، وَإِذَا قَالَ : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي ، وَإِذَا قَالَ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ : مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً : فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ : هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ، فَإِذَا قَالَ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قَالَ : هَذَا لِعَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ »
    .

    وَيَكْفِي مِنْ شَرْحِ الْفَاتِحَةِ هَذَا الْمِقْدَارُ الْجَلِيلُ ، وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 31 الى صـ 36
    الحلقة (6)

    سورة البقرة

    جميعها مدني بلا خلاف. وآيها مائتان وست وثمانون. وقد صح في فضلها عدة أخبار: منها ما في مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» .

    وقال الترمذي: حسن صحيح.

    وروى ابن حبان في صحيحه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. «إن لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ليلة لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام» .

    وروى مسلم عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة» .

    (وقوله الزهراوين: أي المنيرتين- في الإعجاز أو في وفرة الأحكام- والغياية: ما أظلك من فوقك. والفرق: القطعة من الشيء. والصواف: المصطفة. والبطلة: السحرة. ومعنى لا تستطيعها: لا تستطيع النفوذ في قارئها، أو لا يمكنهم حفظها. والله أعلم) .

    [ ص: 32 ] القول في تأويل قوله تعالى :

    بسم الله الرحمن الرحيم [1 ] الم

    اعلم أن للناس في هذا وما يجري مجراه من الفواتح مذهبين :

    الأول : أن هذا علم مستور ، وسر محجوب ، استأثر الله تبارك وتعالى به ; فهو من المتشابه . ولم يرتض هذا كثير من المحققين وقالوا : لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق ، واحتجوا بأدلة عقلية ونقلية ، بسطها العلامة الفخر .

    (المذهب الثاني) مذهب من فسرها ، وتكلم فيما يصح أن يكون مرادا منها ، وهو ما للجمهور . وفيه وجهان :

    (الأول) : وعليه الأكثر : أنها أسماء للسور .

    (الثاني) : أن يكون ورود الأسماء هكذا مسرودة على نمط التعديد : كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدي بالقرآن وبغرابة نظمه ، وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلو عليهم - وقد عجزوا عنه عن آخرهم - كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم ، ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أن لم تتساقط مقدرتهم دونه ، ولم تظهر معجزتهم عن أن يأتوا بمثله - بعد المراجعات المتطاولة - وهم أمراء الكلام ، وزعماء الحوار ، وهم الحراص على التساجل في اقتضاب الخطب ، والمتهالكون على الاقتنان في القصيد والرجز ، ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بزت بلاغة كل ناطق ، وشقت غبار كل سابق ، ولم يتجاوز الحد الخارج من قوى الفصحاء ، ولم يقع وراء مطامح أعين البصراء إلا لأنه ليس بكلام البشر ، وإنه كلام خالق القوى والقدر . قاله الزمخشري .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [2 ] ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ

    أَيْ : هَذَا الْقُرْآنُ لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي السَّجْدَةِ : الم تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ : اخْتِصَاصُ ذَلِكَ [ ص: 33 ] بِالْإِشَارَةِ لِلْبَعِيدِ حُكْمٌ عُرْفِيٌّ لَا وَضْعِيٌّ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُعَارِضُ بَيْنَ اسْمَيِ الْإِشَارَةِ . فَيَسْتَعْمِلُو نَ كُلًّا مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِهِمْ . وَفِي التَّنْزِيلِ مِنْ ذَلِكَ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ ، وَمَنْ جَرَى عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ لِلْبَعِيدِ يَقُولُ : إِنَّمَا صَحَّتِ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ هُنَا إِلَى مَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ ، لِتَعْظِيمِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ ، ذَهَابًا إِلَى بُعْدِ دَرَجَتِهِ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وَمَنْزِلَتِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالشَّرَفِ .

    وَالرَّيْبُ فِي الْأَصْلِ : مَصْدَرُ رَابَنِي إِذَا حَصَلَ فِيكَ الرِّيبَةُ . وَحَقِيقَتُهَا : قَلَقُ النَّفْسِ وَاضْطِرَابُهَا . ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَى الشَّكِّ مُطْلَقًا ، أَوْ مَعَ تُهْمَةٍ . لِأَنَّهُ يُقْلِقُ النَّفْسَ وَيُزِيلُ الطُّمَأْنِينَة َ .

    وَفِي الْحَدِيثِ : « دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ » .

    وَمَعْنَى نَفْيِهِ عَنِ الْكِتَابِ ، أَنَّهُ فِي عُلُوِّ الشَّأْنِ ، وَسُطُوعِ الْبُرْهَانِ ، بِحَيْثُ لَيْسَ فِيهِ مَظِنَّةُ أَنْ يُرْتَابَ فِي حَقِيقَتِهِ ، وَكَوْنِهِ وَحْيًا مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى . وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ الْعَرَبَ ، مَعَ بُلُوغِهِمْ فِي الْفَصَاحَةِ إِلَى النِّهَايَةِ ، عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَةِ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ . وَذَلِكَ يَشْهَدُ بِأَنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ فِي الظُّهُورِ إِلَى حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَرْتَابَ فِيهِ ، لَا أَنَّهُ لَا يَرْتَابُ فِيهِ أَحَدٌ أَصْلًا .

    " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ" أَيْ : هَادٍ لَهُمْ وَدَالٌّ عَلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ الْمُفْضِي إِلَى سَعَادَتَيِ الدَّارَيْنِ .

    قَالَ النَّاصِرُ فِي الِانْتِصَافِ : الْهُدَى يُطْلَقُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : (أَحَدُهُمَا) الْإِرْشَادُ وَإِيضَاحُ سَبِيلِ الْحَقِّ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْهُدَى لِلضَّالِّ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ رَشَدٌ إِلَى الْحَقِّ ، سَوَاءٌ حَصَلَ لَهُ الِاهْتِدَاءُ أَوْ لَا .

    وَ(الْآخَرُ) : خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الِاهْتِدَاءَ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ ، وَمِنْهُ : أُولَئِكَ [ ص: 34 ] الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ فَإِذَا ثَبَتَ وُرُودُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَهُوَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَعْنَيَانِ جَمِيعًا . وَعَلَى الْأَوَّلِ ، فَتَخْصِيصُ الْهُدَى بِالْمُتَّقِينَ لِلتَّنْوِيهِ بِمَدْحِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا وَانْتَفَعُوا بِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا وَقَالَ : إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، مُنْذِرًا لِكُلِّ النَّاسِ ، فَذَكَرَ هَؤُلَاءِ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِإِنْذَارِهِ . وَهَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرُ آيَةِ : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍوَنُنَـزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّفْعَ بِهِ لَا يَنَالُهُ إِلَّا الْأَبْرَارُ ، وَالْمُرَادُ بِالْمُتَّقِينَ -هُنَا- مَنْ نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ .
    [ ص: 35 ] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [3 ] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ

    " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ" أَيْ يُصَدِّقُونَ "بِالْغَيْبِ" الْغَيْبُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ غَابَ . بِمَعْنَى اسْتَتَرَ وَاحْتَجَبَ وَخَفِيَ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ - كَالزُّورِ لِلزَّائِرِ - أُطْلِقَ عَلَيْهِ مُبَالَغَةً ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا لَا يَقَعُ تَحْتَ الْحَوَاسِّ ، وَلَا تَقْتَضِيهِ بَدَاهَةُ الْعُقُولِ ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ بِخَبَرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَالْمَعْنَى يُؤْمِنُونَ بِمَا لَا يَتَنَاوَلُهُ حِسُّهُمْ . كَذَاتِهِ تَعَالَى ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَالْجَنَّةِ ، وَالنَّارِ ، وَالْعَرْشِ ، وَالْكُرْسِيِّ ، وَاللَّوْحِ ، وَنَحْوِهَا .

    " وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ" ، أَيْ : يُؤَدُّونَهَا بِحُدُودِهَا وَفُرُوضِهَا الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ . كَالْخُشُوعِ وَالْمُرَاقَبَة ِ وَتَدَبُّرِ الْمَتْلُوِّ وَالْمَقْرُوءِ .

    قَالَ الرَّاغِبُ : إِقَامَةُ الصَّلَاةِ تَوْفِيَةُ حُدُودِهَا ، وَإِدَامَتُهَا . وَتَخْصِيصُ الْإِقَامَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِيقَاعَهَا فَقَطْ ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَمْدَحْ بِهَا إِلَّا بِلَفْظِ الْإِقَامَةِ نَحْوَ : أَقِمِ الصَّلاةَ وَقَوْلِهِ : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَ : الَّذِينَ [ ص: 36 ] يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَلَمْ يَقُلِ : الْمُصَلِّي ، إِلَّا فِي الْمُنَافِقِينَ : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّينَ كَثِيرٌ وَالْمُقِيمِينَ لَهَا قَلِيلٌ - كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْحَاجُّ قَلِيلٌ وَالرَّكْبُ كَثِيرٌ - وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : « مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ عَلَى رَبِّهِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ » . فَذَكَرَ مَعَ قَوْلِهِ : « صَلَّى » الْإِقْبَالَ بِقَلْبِهِ عَلَى اللَّهِ تَنْبِيهًا عَلَى مَعْنَى الْإِقَامَةِ ، وَبِذَلِكَ عَظُمَ ثَوَابُهُ ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي حَثَّ تَعَالَى عَلَى تَوْفِيَةِ حَقِّهِ ، ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْإِقَامَةِ ، نَحْوَ : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَنَحْوَ : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ تَنْبِيهًا عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى تَعْدِيلِهِ . انْتَهَى .

    فَالْإِقَامَةُ مِنْ أَقَامَ الْعُودَ إِذَا قَوَّمَهُ . وَ "الصَّلَوةَ" فِعْلَةٌ مِنْ صَلَّى إِذَا دَعَا ، كَـ "الزَّكَوةِ" مِنْ زَكَى - وَإِنَّمَا كُتِبَتَا بِالْوَاوِ مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ الْمُفَخَّمِ - وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْفِعْلُ الْمَخْصُوصُ بِهَا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الدُّعَاءِ .

    " وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" أَيْ : يُؤْتُونَ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ مَنْ شُرِعَ لَهُمْ إِيتَاؤُهُ وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَأَمْثَالِهِمْ ، عَلَى مَا بَيَّنَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 37 الى صـ 42
    الحلقة (7)

    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [4 ] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

    " وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ" وَالْمُرَادُ "بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ" الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ كُلُّهُ ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي - وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ مُتَرَقِّبًا - تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدْ . كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ : "وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ" الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ السَّالِفَةُ كُلُّهَا . وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْـزَلَ مِنْ قَبْلُ الْآيَةَ . وَالْإِنْزَالُ النَّقْلُ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ . فَنُزُولُ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ إِلَى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنْ يَتَلَقَّاهَا جِبْرِيلُ مِنْ جَنَابِهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَنْزِلُ بِهَا إِلَى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ . وَلِهَذَا يُقَالُ : الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ، مِنْهُ بَدَأَ .

    قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ : وَإِلَيْهِ يَعُودُ أَيْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ . قَالَ تَعَالَى : وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ وَقَالَ تَعَالَى : قُلْ نَـزَّلَهُ [ ص: 38 ] رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ وَقَالَ تَعَالَى : تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

    " وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ الْآخِرَةُ فِي الْأَصْلِ : تَأْنِيثُ الْآخِرِ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الْأَوَّلِ وَهِيَ صِفَةُ الدَّارِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنِ الدُّنْيَا . وَقِيلَ لِلدُّنْيَا : دُنْيَا ، لِأَنَّهَا أَدْنَى مِنَ الْآخِرَةِ . وَهُمَا مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ . وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ جَرَيَا مَجْرَى الْأَسْمَاءِ ; إِذْ قَدْ غَلَبَ تَرْكُ ذِكْرِ اسْمِ مَوْصُوفِهِمَا مَعَهُمَا ، كَأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ الصِّفَاتِ .

    وَالْإِيقَانُ إِتْقَانُ الْعِلْمِ بِانْتِفَاءِ الشَّكِّ وَالشُّبْهَةِ عَنْهُ ، وَفِي تَقْدِيمِ "الْآخِرَةُ" وَبِنَاءُ "يُوقِنُونَ" عَلَى "هُمْ" تَعْرِيضٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ ، وَبِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ إِثْبَاتِ أَمْرِ الْآخِرَةِ عَلَى خِلَافِ حَقِيقَتِهِ . كَزَعْمِهِمْ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ؛ وَأَنَّ النَّارَ لَنْ تَمَسَّهُمْ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ؛ وَاخْتِلَافُهُم ْ فِي أَنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ هَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ نَعِيمِ الدُّنْيَا أَوْ لَا ؟ وَهَلْ هُوَ دَائِمٌ أَوْ لَا ؟ فَاعْتِقَادُهُم ْ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الصِّحَّةِ ، فَضْلًا عَنِ الْوُصُولِ إِلَى مَرْتَبَةِ الْيَقِينِ ! .
    [ ص: 39 ] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [5 ] أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

    " أُولَئِكَ" أَيِ : الْمُتَّصِفُونَ بِمَا تَقَدَّمَ . عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ" أَيْ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَبُرْهَانٍ ، وَاسْتِقَامَةٍ ، وَسَدَادٍ - بِتَسْدِيدِهِ إِيَّاهُمْ وَتَوْفِيقِهِ لَهُمْ- . "وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" أَيِ الْمُنْجَحُونَ ، الْمُدْرِكُونَ مَا طَلَبُوا عِنْدَ اللَّهِ -بِإِيمَانِهِمْ - مِنَ الْفَوْزِ بِالثَّوَابِ ، وَالْخُلُودِ فِي الْجَنَّاتِ ، وَالنَّجَاةِ مِمَّا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ مِنَ الْعِقَابِ .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [6 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُم ْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ

    لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى نُعُوتَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلُ ، شَرَحَ أَحْوَالَ مُقَابِلِيهِمْ وَهُمُ الْكَفَرَةُ الْمَرَدَةُ بِأَنَّهُمْ : تَنَاهَوْا فِي الْغَوَايَةِ وَالضَّلَالِ إِلَى حَيْثُ لَا يُجْدِيهُمُ الْإِنْذَارُ وَالتَّذْكِيرُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ وَكَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فِي الْمُعَانِدِينَ الْكِتَابِيِّين َ : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ الْآيَةَ .

    وَ "سَوَاءٌ" اسْمٌ بِمَعْنَى : الِاسْتِوَاءِ ، وُصِفَ بِهِ ، كَمَا يُوصَفُ بِالْمَصَادِرِ ، مُبَالَغَةً ؛ وَمِنْهُ [ ص: 40 ] قَوْلُهُ تَعَالَى : تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ بِمَعْنَى : مُسْتَوِيَةٍ .

    وَ(الْإِنْذَارُ) : الْإِعْلَامُ مَعَ تَخْوِيفٍ ، وَالْمُرَادُ هُنَا : التَّخْوِيفُ مِنْ عَذَابِهِ تَعَالَى ، وَانْتِقَامِهِ ، وَالِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ لِمَا أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْبِشَارَةِ ، وَلِأَنَّ الْإِنْذَارَ أَوْقَعُ فِي الْقُلُوبِ ؛ وَمَنْ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِهِ فَلَأَنْ لَا يَرْفَعَ لِلْبِشَارَةِ رَأْسًا - أَوْلَى .

    وَقَوْلُهُ "لَا يُؤْمِنُونَ" جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ ، مُؤَكِّدَةٌ لِمَا قَبْلَهَا ، مُبَيِّنَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إِجْمَالِ مَا فِيهِ الِاسْتِوَاءُ .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [7 ] خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

    اسْتِنْئَافٌ مُعَلِّلٌ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْحُكْمِ ، أَوْ بَيَانٌ وَتَأْكِيدٌ لَهُ . وَالْخَتْمُ عَلَى الشَّيْءِ : الِاسْتِيثَاقُ مِنْهُ بِضَرْبِ الْخَاتَمِ عَلَيْهِ . وَالْمُرَادُ : إِحْدَاثُ حَالَةٍ تَجْعَلُهَا -بِسَبَبِ تَمَادِيهِمْ فِي الْغَيِّ ، وَانْهِمَاكِهِم ْ فِي التَّقْلِيدِ ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ مِنْهَاجِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ - بِحَيْثُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْإِنْذَارُ ، وَلَا يَنْفُذُ فِيهَا الْحَقُّ أَصْلًا.

    قَالَ أَبُو السُّعُودِ : وَإِسْنَادُ إِحْدَاثِ تِلْكَ الْحَالَةِ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، لِاسْتِنَادِ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ عِنْدَنَا -مِنْ حَيْثُ الْخَلْقُ- إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ . وَوُرُودُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَاعِيَةً عَلَيْهِمْ سُوءَ صَنِيعِهِمْ ، وَوَخَامَةَ عَاقِبَتِهِمْ ، لِكَوْنِ أَفْعَالِهِمْ - مِنْ حَيْثُ الْكَسْبُ - مُسْتَنِدَةً إِلَيْهِمْ ، فَإِنَّ خَلْقَهَا مِنْهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ ، بَلْ بِطَرِيقِ التَّرْتِيبِ - عَلَى مَا اقْتَرَفُوهُ مِنَ الْقَبَائِحِ - كَمَا يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، [ ص: 41 ] يَعْنِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَقَوْلِهِ : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ

    وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَدْ سَلَكُوا مَسْلَكَ التَّأْوِيلِ ، وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ عِدَّةً مِنَ الْأَقَاوِيلِ .

    مِنْهَا : أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا أَعْرَضُوا عَنِ الْحَقِّ ، وَتَمَكَّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ ، حَتَّى صَارَ كَالطَّبِيعَةِ لَهُمْ ، شُبِّهَ بِالْوَصْفِ الْخُلْقِيِّ الْمَجْبُولِ عَلَيْهِ .

    وَمِنْهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَمْثِيلُ قُلُوبِهِمْ بِقُلُوبِ الْبَهَائِمِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى خَالِيَةً عَنِ الْفَطِنِ ، أَوْ بِقُلُوبٍ قُدِّرَ خَتْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهَا . كَمَا فِي : سَالَ بِهِ الْوَادِي - إِذَا هَلَكَ - وَطَارَتْ بِهِ الْعَنْقَاءُ - إِذَا طَالَتْ غَيْبَتُهُ - .

    وَمِنْهَا : أَنَّ أَعْرَاقَهُمْ لَمَّا رَسَخَتْ فِي الْكُفْرِ ، وَاسْتَحْكَمَتْ ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ إِلَى تَحْصِيلِ إِيمَانِهِمْ طَرِيقٌ سِوَى الْإِلْجَاءِ وَالْقَسْرِ ؛ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُحَافَظَةً عَلَى حِكْمَةِ التَّكْلِيفِ ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْخَتْمِ ، لِأَنَّهُ سَدٌّ لِطَرِيقِ إِيمَانِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ . وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِتَرَامِي أَمْرِهِمْ فِي الْغَيِّ وَالْعِنَادِ .

    وَمِنْهَا : أَنَّ ذَلِكَ حِكَايَةٌ لِمَا كَانَتِ الْكَفَرَةُ يَقُولُونَهُ . مِثْلَ قَوْلِهِمْ : قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ، وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ. تَهَكُّمًا بِهِمْ .

    وَمِنْهَا : أَنَّ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْهُ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ . وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا انْتَهَى مُلَخَّصًا

    (فَائِدَةٌ) : قَالَ الرَّاغِبُ : الْمُرَادُ بِالْقَلْبِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ الْعَقْلُ وَالْمَعْرِفَةُ اهـ.
    [ ص: 42 ] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [8 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ

    أَصْلُ نَاسٍ أُنَاسٌ ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا ، وَحَذْفُهَا مَعَ لَامِ التَّعْرِيفِ كَاللَّازِمِ . وَيَشْهَدُ لِأَصْلِهِ إِنْسَانٌ ، وَأُنَاسٌ ، وَأَنَاسِيٌّ ، وَإِنْسٌ ، وَسُمُّوا لِظُهُورِهِمْ وَأَنَّهُمْ يُؤْنِسُونَ أَيْ : يُبْصِرُونَ - كَمَا سُمِّيَ الْجِنُّ لِاجْتِنَانِهِم ْ - وَلِذَلِكَ سُمُّوا بَشَرًا . وَقِيلَ : اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْأُنْسِ - ضِدِّ الْوَحْشَةِ - لِأَنَّ الْإِنْسَاْنَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ . وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ .

    وَاعْلَمْ أَنَّ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ . لِأَنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نِفَاقٌ ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ بِهَا الْأَنْصَارُ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، وَكَانُوا فِي جَاهِلِيَّتِهِم ْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ عَلَى طَرِيقَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ . وَبِهَا الْيَهُودُ - مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ- وَهُمْ ثَلَاثُ قَبَائِلَ : بَنُو قَيْنُقَاعٍ - حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ - وَبَنُو النَّضِيرِ وَبَنُو قُرَيْظَةَ - حُلَفَاءُ الْأَوْسِ - فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، وَأَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ قَبِيلَتَيِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، وَقَلَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ -إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ نِفَاقٌ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدُ شَوْكَةٌ تُخَافُ ؛ بَلْ قَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَادَعَ الْيَهُودَ وَقَبَائِلَ كَثِيرَةً -مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَوَالَيِ الْمَدِينَةِ- فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ الْعُظْمَى ، وَأَظْهَرَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ ، وَأَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ -وَكَانَ رَأْسًا فِي الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ مَنَ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَ ابْنَ سَيِّدِ الطَّائِفَتَيْن ِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؛ وَكَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ ، فَجَاءَهُمُ الْخَبَرُ ، وَأَسْلَمُوا ، وَاشْتَغَلُوا عَنْهُ ، فَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ ، قَالَ : هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ . فَأَظْهَرَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَدَخَلَ مَعَهُ طَوَائِفُ - مِمَّنْ هُوَ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَنِحْلَتِهِ - وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ فَمِنْ ثَمَّ وُجِدَ النِّفَاقُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْأَعْرَابِ .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 43 الى صـ 48
    الحلقة (8)

    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [9 ] يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

    قَالَ الْقَاشَانِيُّ : الْمُخَادَعَةُ اسْتِعْمَالُ الْخُدَعِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ ، وَهُوَ إِظْهَارُ الْخَيْرِ ، وَاسْتِبْطَانُ الشَّرِّ ، وَمُخَادَعَةُ اللَّهِ مُخَادَعَةُ رَسُولِهِ ، لِقَوْلِهِ : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ فَخِدَاعُهُمْ لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِي نَ إِظْهَارُ الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ ، وَاسْتِبْطَانُ الْكُفْرِ وَالْعَدَاوَةِ . وَخِدَاعُ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِين َ إِيَّاهُمْ مُسَالَمَتُهُمْ ، وَإِجْرَاءُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ . بِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَحَصْنِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَادِّخَارِ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ، وَالْمَآلِ الْوَخِيمِ ، وَسُوءِ الْمَغِبَّةِ لَهُمْ ، وَخِزْيِهِمْ فِي الدُّنْيَا لِافْتِضَاحِهِم ْ بِإِخْبَارِهِ تَعَالَى وَبِالْوَحْيِ عَنْ حَالِهِمْ . لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْخَدَّاعِينَ : أَنَّ خِدَاعَهُمْ لَا يَنْجَحُ إِلَّا فِي أَنْفُسِهِمْ . بِإِهْلَاكِهَا ، و تَحْسِيرِهَا ، وَإِيرَاثِهَا الْوَبَالَ وَالنَّكَالَ- بِازْدِيَادِ الظُّلْمَةِ ، وَالْكُفْرِ ، وَالنِّفَاقِ ، وَاجْتِمَاعِ أَسْبَابِ الْهَلَكَةِ ، وَالْبُعْدِ وَالشَّقَاءِ ، عَلَيْهَا -وَخِدَاعُ اللَّهِ يُؤَثِّرُ فِيهِمْ أَبْلَغَ تَأْثِيرٍ ، وَيُوبِقُهُمْ أَشَدَّ إِيبَاقٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ وَهُمْ - مِنْ غَايَةِ تَعَمُّقِهِمْ فِي جَهْلِهِمْ - لَا يُحِسُّونَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الظَّاهِرِ .

    وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَافِعٌ ، وَأَبُو عَمْرٍو : "وَمَا يُخَادِعُونَ" بِالْأَلِفِ .

    قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ ، لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِظَاهِرِ أَمْرِهِمُ الْمُؤْمِنُونَ ، فَيَقَعَ بِذَلِكَ فَسَادٌ عَرِيضٌ - مِنْ عَدَمِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُمْ ، وَمِنِ اعْتِقَادِ إِيمَانِهِمْ ، وَهُمْ كُفَّارٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ - وَهَذَا مِنَ الْمَحْذُورَاتِ : أَنْ يُظَنَّ بِأَهْلِ الْفُجُورِ خَيْرٌ . ثُمَّ إِنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ : كَانَ عَلَيْهِ [ ص: 44 ] الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَعْلَمُ أَعْيَانَ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ -إِنَّمَا مُسْتَنَدُهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فِي تَسْمِيَةِ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ مُنَافِقًا - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ - الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ظَلْمَاءِ اللَّيْلِ عِنْدَ عَقَبَةٍ هُنَاكَ ، عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُنَفِّرُوا بِهِ النَّاقَةَ ، لِيَسْقُطَ عَنْهَا ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَمْرَهُمْ ، فَأَطْلَعَ عَلَى ذَلِكَ حُذَيْفَةَ .

    فَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ الْآيَةَ . وَقَالَ تَعَالَى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُون َ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا فَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُغْرَ بِهِمْ وَلَمْ يُدْرَكْ عَلَى أَعْيَانِهِمْ ، وَإِنَّمَا كَانَ تُذْكَرُ لَهُ صِفَاتُهُمْ ، فَيَتَوَسَّمُهَ ا فِي بَعْضِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُم ْ فَلَعَرَفْتَهُم ْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّ هُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ وَقَدْ كَانَ مِنْ أَشْهَرِهِمْ بِالنِّفَاقِ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ .

    وَاسْتَنَدَ - غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ - فِي الْحِكْمَةِ عَنْ كَفِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ ، بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ « أَكْرَهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ الْعَرَبُ أَنَّ مُحَمَّدًا [ ص: 45 ] يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ » . وَمَعْنَاهُ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ تَنْفِيرٌ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَعْرَابِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَعْلَمُونَ حِكْمَةَ قَتْلِهِمْ -بِأَنَّهُ لِأَجْلِ كُفْرِهِمْ- فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْخُذُونَهُ بِمُجَرَّدِ مَا يَظْهَرُ لَهُمْ ، فَيَقُولُونَ : إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [10 ] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

    الْمَرَضُ : السَّقَمُ ، وَهُوَ نَقِيضُ الصِّحَّةِ ، بِسَبَبِ مَا يَعْرِضُ لِلْبَدَنِ ، فَيُخْرِجُهُ عَنْ الِاعْتِدَالِ اللَّائِقِ بِهِ ، وَيُوجِبُ الْخَلَلَ فِي أَفَاعِيلِهِ ، اُسْتُعِيرَ هَاهُنَا لِعَدَمِ صِحَّةِ يَقِينِهِمْ ، وَضَعْفِ دِينِهِمْ - وَكَذَا تُوصَفُ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ بِالسَّلَامَةِ الَّتِي هِيَ صِحَّةُ الْيَقِينِ ، وَعَدَمُ ضَعْفِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أَيْ : غَيْرُ مَرِيضٍ بِمَا ذَكَرْنَا - أَوِ اُسْتُعِيرَ لِشَكِّهِمْ ، لِأَنَّ الشَّكَّ تَرَدُّدٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَالْمُنَافِقُ مُتَرَدِّدٌ ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ « مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ [ ص: 46 ] الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ » وَالْمَرِيضُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ .

    " فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا" بِأَنْ طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، لِعِلْمِهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا التَّذْكِيرُ وَالْإِنْذَارُ .

    وَقَالَ الْقَاشَانِيُّ : أَيْ : مَرَضًا آخَرَ - حِقْدًا وَحَسَدًا وَغِلًّا - بِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الدِّينِ ، وَنُصْرَةِ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِين َ - ثُمَّ قَالَ : وَالرَّذَائِلُ كُلُّهَا أَمْرَاضُ الْقُلُوبِ ، لِأَنَّهَا أَسْبَابُ ضَعْفِهَا وَآفَتِهَا فِي أَفْعَالِهَا الْخَاصَّةِ ، وَهَلَاكِهَا فِي الْعَاقِبَةِ .

    " وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" أَيْ : مُؤْلِمٌ - بِكَسْرِ اللَّامِ - فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ - كَسَمِيعٍ وَبَصِيرٍ -

    قَالَ فِي الْمُحْكَمِ : الْأَلِيمُ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي يَبْلُغُ إِيجَاعُهُ غَايَةَ الْبُلُوغِ . وَمِنْهُ يُعْلَمُ وَجْهُ إِيثَارِهِ فِي عَذَابِ الْمُنَافِقِينَ -عَلَى "الْعِظَمِ" الْمُتَقَدِّمِ فِي وَصْفِ عَذَابِ الْكَافِرِينَ- وَيُؤَيِّدُهُ : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا

    "بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ" الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ لِلْمُقَابَلَةِ -أَيْ : بِسَبَبِ كَذِبِهِمْ أَوْ بِمُقَابَلَتِهِ- وَهُوَ قَوْلُهُمْ : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ . وَفِيهِ رَمْزٌ إِلَى قُبْحِ الْكَذِبِ ، وَسَمَاجَتِهِ ، وَتَخْيِيلِ أَنَّ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ لَاحِقٌ بِهِمْ مِنْ أَجْلِ كَذِبِهِمْ- مَعَ إِحَاطَةِ عِلْمِ السَّامِعِ بِأَنَّ لُحُوقَ الْعَذَابِ بِهِمْ مِنْ جِهَاتٍ شَتَّى- وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا - وَالْقَوْمُ كَفَرَةٌ - وَإِنَّمَا خَصَّتِ الْخَطِيئَاتِ اسْتِعْظَامًا لَهَا ، وَتَنْفِيرًا عَنِ ارْتِكَابِهَا .
    [ ص: 47 ] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [11 ] وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [12 ] أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ

    شُرُوعٌ فِي تَعْدِيدِ بَعْضٍ مِنْ مَسَاوِئِهِمُ الْمُتَفَرِّعَة ِ -عَلَى مَا حَكَى عَنْهُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ- ، وَ"الْفَسَادُ": خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ حَالِ اسْتِقَامَتِهِ وَكَوْنِهِ مُنْتَفِعًا بِهِ . وَنَقِيضُهُ "الصَّلَاحُ" وَهُوَ الْحُصُولُ عَلَى الْحَالَةِ الْمُسْتَقِيمَة ِ النَّافِعَةِ . وَالْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ : تَهْيِيجُ الْحُرُوبِ وَالْفِتَنِ ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ فَسَادَ مَا فِي الْأَرْضِ ، وَانْتِفَاءَ الِاسْتِقَامَةِ عَنْ أَحْوَالِ النَّاسِ ، وَالزُّرُوعِ ، وَالْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيّ َةِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَمِنْهُ قِيلَ لِحَرْبٍ كَانَتْ بَيْنَ طَيْءٍ : حَرْبُ الْفَسَادِ - .

    وَكَانَ إِفْسَادُ الْمُنَافِقِينَ فِي الْأَرْضِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُمَالِئُونَ الْكُفَّارَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِإِفْشَاءِ أَسْرَارِهِمْ إِلَيْهِمْ ، وَإِغْرَائِهِمْ عَلَيْهِمْ ، وَاتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَ ، مَعَ مَا يَدْعُونَ فِي السِّرِّ إِلَى: تَكْذِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَحْدِ الْإِسْلَامِ ، وَإِلْقَاءِ الشُّبَهِ ، وَذَلِكَ مِمَّا يُجَرِّئُ الْكَفَرَةَ عَلَى إِظْهَارِ عَدَاوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَصْبِ الْحَرْبِ لَهُ ، وَطَمَعِهِمْ - فِي الْغَلَبَةِ ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِهِمْ مُؤَدِّيًا إِلَى الْفَسَادِ -بِتَهْيِيجِ الْفِتَنِ بَيْنَهُمْ- قِيلَ لَهُمْ : لَا تُفْسِدُوا - كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ : لَا تَقْتُلْ نَفْسَكَ بِيَدِكَ وَلَا تُلْقِ نَفْسَكَ فِي النَّارِ ؛ إِذَا أَقْدَمَ عَلَى مَا هَذِهِ عَاقِبَتُهُ- وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [ ص: 48 ] فَأَخْبَرَ أَنَّ مُوَلَّاةَ الْكَافِرِينَ تُؤَدِّي إِلَى الْفِتْنَةِ وَالْفَسَادِ ، لِمَا تَقَدَّمَ .

    وَقَوْلُهُمْ "إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ" أَيْ : بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ . نُدَارِي الْفَرِيقَيْنِ وَنُرِيدُ الْإِصْلَاحَ بَيْنَهُمَا كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أَوْ مَعْنَاهُ : إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ فِي الْأَرْضِ بِالطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ .

    قَالَ الرَّاغِبُ : تَصَوَّرُوا إِفْسَادَهُمْ بِصُورَةِ الْإِصْلَاحِ - لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْمَرَضِ -كَمَا قَالَ : أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا وَقَوْلُهُ : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَوْلُهُ : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا

    وَقَالَ الْقَاشَانِيُّ: كَانُوا يَرَوْنَ الصَّلَاحَ فِي تَحْصِيلِ الْمَعَاشِ ، وَتَيْسِيرِ أَسْبَابِهِ ، وَتَنْظِيمِ أُمُورِ الدُّنْيَا - لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً - لِتَوَغُّلِهِمْ فِي مَحَبَّةِ الدُّنْيَا ، وَانْهِمَاكِهِم ْ فِي اللَّذَّاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَاحْتِجَابِهِم ْ- بِالْمَنَافِعِ الْجُزْئِيَّةِ، وَالْمَلَاذِّ الْحِسِّيَّةِ -عَنِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الْكُلِّيَّةِ، وَاللَّذَّاتِ الْعَقْلِيَّةِ ، وَبِذَلِكَ يَتَيَسَّرُ مُرَادُهُمْ ، وَيَتَسَهَّلُ مَطْلُوبُهُمْ ، وَهُمْ لَا يُحِسُّونَ بِإِفْسَادِهِمُ الْمُدْرَكَ بِالْحِسِّ .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 49 الى صـ 54
    الحلقة (9)

    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [13 ] وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ

    "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ" بِطَرِيقِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، إِثْرِ نَهْيِهِمْ عَنَ الْمُنْكَرِ - إِتْمَامًا لِلنُّصْحِ ، وَإِكْمَالًا لِلْإِرْشَادِ – "آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ" أَيِ : الْكَامِلُونَ فِي الْإِنْسَانِيَّ ةِ ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ النَّاسُ فِي الْحَقِيقَةِ لِجَمْعِهِمْ مَا يُعَدُّ مِنْ خَوَاصِّ الْإِنْسَانِ وَفَضَائِلِهِ- "قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ" اسْتِفْهَامٌ فِي مَعْنَى الْإِنْكَارِ . وَ(السَّفَهُ) خِفَّةٌ وَسَخَافَةُ رَأْيٍ يُورِثُهُمَا قُصُورَ الْعَقْلِ ، وَقِلَّةَ الْمَعْرِفَةِ بِمَوَاضِعِ الْمَصَالِحِ وَالْمَضَارِّ ، وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ سُفَهَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا

    وَإِنَّمَا سَفَّهُوهُمْ - مَعَ أَنَّهُمُ الْعُقَلَاءُ الْمَرَاجِيحُ- لِأَنَّهُمْ: لِجَهْلِهِمْ ، وَإِخْلَالِهِمْ بِالنَّظَرِ ، وَإِنْصَافِ أَنْفُسِهِمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ مَا هُمْ فِيهِ هُوَ الْحَقُّ ، وَأَنَّ مَا عَدَاهُ بَاطِلٌ - وَمَنْ رَكِبَ مَتْنَ الْبَاطِلِ كَانَ سَفِيهًا - وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي رِيَاسَةٍ فِي قَوْمِهِمْ ، وَيَسَارٍ ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْمُؤْمِنِينَ فُقَرَاءَ ، وَمِنْهُمْ مَوَالٍ- كَصُهَيْبٍ ، وَبِلَالٍ ، وَخَبَّابٍ- فَدَعَوْهُمْ سُفَهَاءَ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ ! "أَلَّا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ".
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [14 ] وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ

    "وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا" أَيْ : أَظْهَرُوا لَهُمُ الْإِيمَانَ ، وَالْمُوَالَاةَ ، وَالْمُصَافَاةَ -نِفَاقًا، وَمُصَانَعَةً، وَتَقِيَّةً، وَلِيُشْرِكُوهُ مْ فِيمَا أَصَابُوا مِنْ خَيْرٍ وَمَغْنَمٍ- .

    [ ص: 50 ] وَاعْلَمْ أَنَّ مَسَاقَ هَذِهِ الْآيَةِ بِخِلَافِ مَا سِيقَتْ لَهُ أَوَّلَ قِصَّةِ الْمُنَافِقِينَ ، فَلَيْسَ بِتَكْرِيرٍ ; لِأَنَّ تِلْكَ فِي بَيَانِ مَذْهَبِهِمْ ، وَالتَّرْجَمَةِ عَنْ نِفَاقِهِمْ ؛ وَهَذِهِ لِبَيَانِ تَبَايُنِ أَحْوَالِهِمْ ، وَتَنَاقُضِ أَقْوَالِهِمْ - فِي أَثْنَاءِ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُخَاطَبَة ِ - حَسَبَ تَبَايُنِ الْمُخَاطَبِينَ !

    وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ يُقَالُ : خَلَوْتُ بِفُلَانٍ وَإِلَيْهِ أَيِ : انْفَرَدْتُ مَعَهُ ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَلَا بِمَعْنَى : مَضَى ، وَمِنْهُ : الْقُرُونُ الْخَالِيَةُ . وَالْمُرَادُ بِـ "شَياطنيهم" : أَصْحَابُهُمْ أُولُو التَّمَرُّدِ وَالْعِنَادِ ؛ وَالشَّيْطَانُ يَكُونُ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَإِضَافَتُهُمْ إِلَيْهِمْ لِلْمُشَارَكَةِ فِي الْكُفْرِ ، وَاشْتِقَاقُ شَيْطَانٍ مِنْ شَطَنَ ، إِذَا بَعُدَ ; لِبُعْدِهِ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ .

    وَمَعْنَى "إِنَّا مَعَكُمْ" أَيْ : فِي الِاعْتِقَادِ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، إِنَّمَا نَحْنُ فِي إِظْهَارِ الْإِيمَانِ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَهْزِئُونَ سَاخِرُونَ بِهِمْ . وَالِاسْتِهْزَا ءُ بِالشَّيْءِ السُّخْرِيَةُ مِنْهُ ، يُقَالُ : هَزَأْتُ وَاسْتَهْزَأْتُ بِمَعْنًى .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [15 ] اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

    "اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ" يَسْخَرُ بِهِمْ لِلنِّقْمَةِ مِنْهُمْ -هَكَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِيمَا رَوَاهُ الضَّحَّاكُ- : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ يَزِيدُهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِمْلَاءِ ، وَالتَّرْكُ لَهُمْ فِي عُتُوِّهِمْ وَتَمَرُّدِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

    [ ص: 51 ] وَ(الطُّغْيَانُ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا : الْغُلُوُّ فِي الْكُفْرِ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْعُتُوِّ . وَأَصْلُ الْمَادَّةِ هُوَ الْمُجَاوَزَةُ فِي الشَّيْءِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ

    وَ(الْعَمَهُ) : مِثْلُ الْعَمَى - إِلَّا أَنَّ الْعَمَى عَامٌّ فِي الْبَصَرِ وَالرَّأْيِ ، وَالْعَمَهُ فِي الرَّأْيِ خَاصَّةً - وَهُوَ التَّحَيُّرُ وَالتَّرَدُّدُ ، لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ .

    أَيْ فِي ضَلَالِهِمْ وَكُفْرِهِمُ - الَّذِي غَمَرَهُمْ دَنَسُهُ ، وَعَلَاهُمْ رِجْسُهُ - يَتَرَدَّدُونَ حَيَارَى ، ضُلَّالًا ، لَا يَجِدُونَ إِلَى الْمَخْرَجِ مِنْهُ سَبِيلًا .

    وَالْمَشْهُورُ فَتْحُ الْيَاءِ مِنْ "يَمُدُّهُمْ"، وَقُرِئَ - شَاذًّا - بِضَمِّهَا ، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ . يُقَالُ : مَدَّ الْجَيْشَ وَأَمَدَّهُ - إِذَا زَادَهُ ، وَأَلْحَقَ بِهِ مَا يُقَوِّيهِ وَيُكَثِّرُهُ -وَكَذَلِكَ مَدَّ الدَّوَاةَ وَأَمَدَّهَا زَادَهَا مَا يُصْلِحُهَا .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [16 ] أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ

    "أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى" إِشَارَةٌ إِلَى الْمَذْكُورِينَ بِاعْتِبَارِهِ اتِّصَافَهُمْ بِمَا ذَكَرَ مِنَ الصِّفَاتِ الشَّنِيعَةِ الْمُمَيِّزَةِ لَهُمْ عَمَّنْ عَدَاهُمْ أَكْمَلَ تَمْيِيزٍ ، بِحَيْثُ صَارُوا كَأَنَّهُمْ حُضَّارٌ مُشَاهِدُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ . وَمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْبُعْدِ لِلْإِيذَانِ بِبُعْدِ مَنْزِلَتِهِمْ فِي الشَّرِّ وَسُوءِ الْحَالِ ، وَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى "الَّذِينَ اشْتَرَوُا" إِلَخْ . وَالْجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ مَا قَبْلَهَا ، وَبَيَانٌ لِكَمَالِ جَهَالَتِهِمْ - فِيمَا حُكِيَ عَنْهُمْ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ - بِإِظْهَارِ غَايَةِ سَمَاجَتِهَا ، وَتَصْوِيرِهَا بِصُورَةِ مَا لَا يَكَادُ يَتَعَاطَاهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ - فَضْلًا عَنِ الْعُقَلَاءِ - . وَ "الضَّلَالَةَ" الْجَوْرُ عَنِ الْقَصْدِ ؛ وَ "الْهُدَى" التَّوَجُّهُ إِلَيْهِ . وَقَدِ اسْتُعِيرَ الْأَوَّلُ: لِلْعُدُولِ عَنِ الصَّوَابِ فِي الدِّينِ، وَالثَّانِي : لِلِاسْتِقَامَة ِ عَلَيْهِ. وَ "الِاشتراء" اسْتِبْدَالُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ -أَيْ : أَخْذُهَا بِهِ- [ ص: 52 ] فَاشْتِرَاءُ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى مُسْتَعَارٌ لِأَخْذِهَا بَدَلًا مِنْهُ أَخْذًا مَنُوطًا بِالرَّغْبَةِ فِيهَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ .

    فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ، وَمَا كَانُوا عَلَى هُدًى؟

    قُلْتُ: جَعَلُوا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْهُ -بِتَيْسِيرِ أَسْبَابِهِ- كَأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ، فَإِذَا تَرَكُوهُ إِلَى الضَّلَالَةِ قَدْ عَطَّلُوهُ، وَاسْتَبْدَلُوه َا بِهِ؛ فَاسْتُعِيرَ ثُبُوتُهُ لِتَمَكُّنِهِمْ بِجَامِعِ الْمُشَارَكَةِ فِي اسْتِتْبَاعِ الْجَدْوَى ، وَلَا مِرْيَةَ فِي أَنَّ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ -مِنَ التَّمَكُّنِ- كَانَتْ حَاصِلَةً لَهُمْ بِمَا شَاهَدُوهُ- مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ ، وَالْمُعْجِزَات ِ الْقَاهِرَةِ- مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

    "فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ" عَطْفٌ عَلَى الصِّلَةِ دَاخِلٌ فِي حَيِّزِهَا. وَالْفَاءُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَرَتُّبِ مَضْمُونِهِ عَلَيْهَا . وَالتِّجَارَةُ صِنَاعَةُ التُّجَّارِ ، وَهُوَ التَّصَدِّي لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ وَهُوَ الْفَضْلُ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ ، وَإِسْنَادُ عَدَمِهِ - الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْخُسْرَانِ- إِلَيْهَا ؛ وَهُوَ لِأَصْحَابِهَا، مِنَ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ وَهُوَ : أَنْ يُسْنَدَ الْفِعْلُ إِلَى شَيْءٍ يَتَلَبَّسُ بِالَّذِي هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَهُ -كَمَا تَلَبَّسَتِ التِّجَارَةُ بِالْمُشْتَرِين َ- . وَفَائِدَتُهُ: الْمُبَالَغَةُ فِي تَخْسِيرِهِمْ ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِكَثْرَةِ الْخَسَارِ ، وَعُمُومُهُ الْمُسْتَتْبَعُ ، لِسِرَايَتِهِ إِلَى مَا يُلَابِسُهُمْ .

    فَإِنْ قُلْتَ : هَبْ أَنَّ شِرَاءَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى وَقَعَ مَجَازًا فِي مَعْنَى الِاسْتِبْدَالِ ، فَمَا مَعْنَى ذِكْرِ الرِّبْحِ ، وَالتِّجَارَةِ كَأَنَّ ثَمَّ مُبَايَعَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ ؟

    قُلْتُ : هَذَا مِنَ الصَّنْعَةِ الْبَدِيعَةِ الَّتِي تَبْلُغُ بِالْمَجَازِ الذُّرْوَةَ الْعُلْيَا ، وَهُوَ أَنْ تُسَاقَ كَلِمَةٌ مَسَاقَ الْمَجَازِ ، ثُمَّ تُقَفَّى بِأَشْكَالٍ لَهَا ، وَأَخَوَاتٍ إِذَا تَلَاحَقْنَ- لَمْ تَرَ كَلَامًا أَحْسَنَ مِنْهُ دِيبَاجَةً ، وَأَكْثَرَ مَاءً وَرَوْنَقًا ، وَهُوَ الْمَجَازُ الْمُرَشَّحُ ؛ فَإِيرَادُهُمَا - إِثْرَ الِاشْتِرَاءِ -تَصْوِيرٌ لِمَا فَاتَهُمْ مِنْ فَوَائِدِ الْهُدَى بِصُورَةِ خَسَارِ التِّجَارَةِ -الَّذِي يَتَحَاشَى عَنْهُ كُلُّ أَحَدٍ- لِلْإِشْبَاعِ فِي التَّخْسِيرِ وَالتَّحْسِيرِ . وَهَذَا النَّوْعُ قَرِيبٌ مِنَ التَّتْمِيمِ الَّذِي يُمَثِّلُهُ أَهْلُ صِنَاعَةِ الْبَدِيعِ بِقَوْلِ الْخَنْسَاءِ :


    وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ . . !


    لَمَّا شَبَّهَتْهُ - فِي الِاهْتِدَاءِ بِهِ- بِالْعَلَمِ الْمُرْتَفِعِ ، أَتْبَعَتْ ذَلِكَ مَا يُنَاسِبُهُ وَيُحَقِّقُهُ ، فَلَمْ تَقْنَعْ بِظُهُورِ الِارْتِفَاعِ حَتَّى أَضَافَتْ إِلَى ذَلِكَ ظُهُورًا آخَرَ ، بِاشْتِعَالِ النَّارِ فِي رَأْسِهِ .
    وَقَوْلُهُ: "وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ" أَيْ : لِزَوَالِ اسْتِعْدَادِهِم ْ ، وَتَكْدِيرِ قُلُوبِهِمْ بِالرَّيْنِ الْمُوجِبِ لِلْحِجَابِ وَالْحِرْمَانِ الْأَبَدِيِّ .

    قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ ُ: فَإِنْ قِيلَ : لِمَ عَطَفَ بِالْوَاوِ عَدَمَ اهْتِدَائِهِمْ عَلَى انْتِفَاءِ رِبْحِ تِجَارَتِهِمْ ، وَرُتِّبَا مَعًا بِالْفَاءِ عَلَى اشْتِرَاءِ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى ؟ وَمَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا -مَعَ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ- عَلَى أَنَّ عَدَمَ الِاهْتِدَاءِ قَدْ فُهِمَ مِنِ اسْتِبْدَالِ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى ، فَيَكُونُ تَكْرَارًا لِمَا مَضَى ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ رَأْسَ مَالِهِمْ هُوَ الْهُدَى ، فَلَمَّا اسْتَبْدَلُوا بِهِ مَا يُضَادُّهُ - وَلَا يُجَامِعُهُ أَصْلًا - انْتَفَى رَأْسُ الْمَالِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَحِينَ لَمْ يَبْقَ فِي أَيْدِيهِمْ إِلَّا ذَلِكَ الضِّدُّ - أَعْنِي الضَّلَالَةَ - وُصِفُوا بِانْتِفَاءِ الرِّبْحِ وَالْخَسَارَةِ . لِأَنَّ الضَّالَّ فِي دِينِهِ خَاسِرٌ هَالِكٌ - وَإِنْ أَصَابَ فَوَائِدَ دُنْيَوِيَّةً- وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ رَأْسَ مَالِهِ لَمْ يُوصَفْ بِالرِّبْحِ ، بَلْ بِانْتِفَائِهِ ؛ فَقَدْ أَضَاعُوا سَلَامَةَ رَأْسِ الْمَالِ بِالِاسْتِبْدَا لِ ، وَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ إِضَاعَةُ الرِّبْحِ .

    وَأَمَّا قَوْلُهُ : "وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ" فَلَيْسَ مَعْنَاهُ عَدَمَ اهْتِدَائِهِمْ فِي الدِّينِ - فَيَكُونُ تَكْرَارًا لِمَا سَبَقَ - بَلْ لِمَا وُصِفُوا بِالْخَسَارَةِ فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ أُشِيرَ إِلَى عَدَمِ اهْتِدَائِهِمْ لِطُرُقِ التِّجَارَةِ - كَمَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ التُّجَّارُ الْبُصَرَاءُ بِالْأُمُورِ الَّتِي يَرْبَحُ فِيهَا وَيَخْسَرُ - فَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى التَّرْشِيحِ .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [17 ] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ

    وَلَمَّا جَاءَ بِحَقِيقَةِ صِفَتِهِمْ ، عَقَّبَهَا بِضَرْبِ الْمَثَلِ -زِيَادَةً فِي الْكَشْفِ ، وَتَتْمِيمًا لِلْبَيَانِ- فَقَالَ تَعَالَى "مَثَلُهُمْ" أَيْ : مِثَالُهُمْ فِي نِفَاقِهِمْ ، وَحَالُهُمْ فِيهِ "كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ" أَيْ : أَوْقَدَ "نَارًا" فِي ظُلْمَةٍ - وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ - : "فَلَمَّا أَضَاءَتْ" أَيْ : أَنَارَتِ النَّارُ [ ص: 54 ] "مَا حَوْلَهُ" فَأَبْصَرَ ، وَاسْتَدْفَأَ ، وَأَمِنَ مِمَّا يَخَافُهُ "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" أَيْ : أَطْفَأَ اللَّهُ نَارَهُمُ - الَّتِي هِيَ مَدَارُ نُورِهِمْ- فَبَقُوا فِي ظُلْمَةٍ وَخَوْفٍ- وَجَمْعُ الضَّمِيرِ مُرَاعَاةً لِمَعْنَى الَّذِي كَقَوْلِهِ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا "وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ" مَا حَوْلَهُمْ - مُتَحَيِّرِينَ عَنِ الطَّرِيقِ ، خَائِفِينَ - فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ اسْتَضَاؤُوا قَلِيلًا بِالِانْتِفَاعِ بِالْكَلِمَةِ الْمُجْرَاةِ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ ، حَيْثُ أَمِنُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمَا يَتْبَعُهَا . ثُمَّ وَرَاءَ اسْتِضَاءَتِهِم ْ بِنُورِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ –ظُلْمَةُ النِّفَاقِ- الَّتِي تَرْمِي بِهِمْ إِلَى ظُلْمَةِ سُخْطِ اللَّهِ ، وَظُلْمَةِ الْعِقَابِ السَّرْمَدِ ، وَمَحْصُولُهُ : أَنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مُدَّةَ حَيَاتِهِمُ الْقَلِيلَةِ ، ثُمَّ قَطَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَوْتِ .

    وَنُقِلَ - عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ - تَفْسِيرٌ آخَرُ ، وَهُوَ : تَمْثِيلُ إِيمَانِهِمْ أَوَّلًا ، ثُمَّ كُفْرِهِمْ ثَانِيًا . فَيَكُونُ إِذْهَابُ النُّورِ فِي الدُّنْيَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا الْآيَةَ ، فَلَمَّا آمَنُوا أَضَاءَ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ -كَمَا أَضَاءَتِ النَّارُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا نَارًا - ثُمَّ لَمَّا كَفَرُوا ، ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمُ : انْتَزَعَهُ - كَمَا ذَهَبَ بِضَوْءِ هَذِهِ النَّارِ - وَعَلَى هَذَا فَالتَّمْثِيلُ مُرْتَبِطٌ بِمَا قَبْلَهُ . فَإِنَّهُمْ - لَمَّا وُصِفُوا بِأَنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى - مَثَّلَ هُدَاهُمُ - الَّذِي بَاعُوهُ بِالنَّارِ الْمُضِيئَةِ مَا حَوْلَ الْمُسْتَوْقَدِ - وَالضَّلَالَةَ - الَّتِي اشْتَرَوْهَا وَطُبِعَ بِهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ - بِذَهَابِ اللَّهِ بِنُورِهِمْ ، وَتَرْكِهِ إِيَّاهُمْ فِي الظُّلُمَاتِ .





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 55 الى صـ 60
    الحلقة (10)



    قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ ُ فِي الْكَشَّافِ : وَلِضَرْبِ الْعَرَبِ الْأَمْثَالَ ، وَاسْتِحْضَارِ الْعُلَمَاءِ الْمُثُلَ [ ص: 55 ] وَالنَّظَائِرَ شَأْنٌ لَيْسَ بِالْخَفِيِّ فِي إِبْرَازِ خَبِيَّاتِ الْمَعَانِي ، وَرَفْعِ الْأَسْتَارِ عَنِ الْحَقَائِقِ ، حَتَّى تُرِيَكَ الْمُتَخَيَّلَ فِي صُورَةِ الْمُحَقَّقِ ، وَالْمُتَوَهَّم َ فِي مَعْرِضِ الْمُتَيَقَّنِ ، وَالْغَائِبَ كَأَنَّهُ مُشَاهَدٌ - وَفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْخَصْمِ الْأَلَدِّ ، وَقَمْعٌ لِسَوْرَةِ الْجَامِحِ الْأَبِيِّ .

    وَلِأَمْرٍ مَا ، أَكْثَرَ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ ، وَفِي سَائِرِ كُتُبِهِ - أَمْثَالَهُ ، وَفَشَتْ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحُكَمَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ

    وَ(الْمَثَلُ) : فِي أَصْلِ كَلَامِهِمْ بِمَعْنَى : الْمِثْلُ وَهُوَ النَّظِيرُ . يُقَالُ : مِثْلٌ ، وَمَثَلٌ ، وَمَثِيلٌ - كَشِبْهٍ وَشَبَهٍ وَشَبِيهٍ - ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ السَّائِرِ الْمُمَثِّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ : مَثَلٌ . وَلَمْ يَضْرِبُوا مَثَلًا ، وَلَا رَأَوْهُ أَهْلًا لِلتَّسْيِيرِ وَلَا جَدِيرًا بِالتَّدَاوُلِ وَالْقَبُولِ ، إِلَّا قَوْلًا فِيهِ غَرَابَةٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ . وَمِنْ ثَمَّ حُوفِظَ عَلَيْهِ ، وَحُمِيَ مِنَ التَّغْيِيرِ .

    فَإِنَّهُ - لَوْ غُيِّرَ - لَرُبَّمَا انْتَفَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى تِلْكَ الْغَرَابَةِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْمَثَلِ إِنَّمَا هِيَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ اسْتِعَارَةً . فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ بِعَيْنِهِ لَفْظَ الْمُشَبَّهِ بِهِ . فَإِنَّ وَقَعَ تَغْيِيرٌ ، لَمْ يَكُنْ مَثَلًا ، بَلْ مَأْخُوذًا مِنْهُ ، وَإِشَارَةً إِلَيْهِ - كَمَا فِي قَوْلِكَ : بِالصَّيْفِ ضَيَّعْتَ اللَّبَنَ بِالتَّذْكِيرِ .

    [ ص: 56 ] وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدِ اسْتُعِيرَ الْمَثَلُ لِلْحَالِ ، أَوِ الْقِصَّةِ ، أَوِ الصِّفَةِ - إِذَا كَانَ لَهَا شَأْنٌ ، وَفِيهَا غَرَابَةٌ - كَأَنَّهُ قِيلَ : حَالُهُمُ الْعَجِيبَةُ الشَّأْنِ كَحَالِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أَيْ : - فِيمَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنَ الْعَجَائِبِ - قِصَّةَ الْجَنَّةِ الْعَجِيبَةِ الشَّأْنَ ، ثُمَّ أَخَذَ فِي بَيَانِ عَجَائِبِهَا : وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى أَيِ : الْوَصْفُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالَةِ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ أَيْ : صِفَتُهُمْ وَشَأْنُهُمُ الْمُتَعَجَّبُ مِنْهُ .

    وَلِمَا فِي الْمَثَلِ مِنْ مَعْنَى الْغَرَابَةِ قَالُوا : فُلَانٌ مُثْلَةٌ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، فَاشْتَقُّوا مِنْهُ صِفَةً لِلْعَجِيبِ الشَّأْنِ .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [18 ] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ

    "صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ" الصَّمَمُ : آفَةٌ مَانِعَةٌ مِنَ السَّمَاعِ ، سُمِّيَ بِهِ فِقْدَانُ حَاسَّةِ السَّمْعِ ، لِمَا أَنَّ سَبَبَهُ اكْتِنَازُ بَاطِنِ الصِّمَاخِ ، وَانْسِدَادُ مَنَافِذِهِ ، بِحَيْثُ لَا يَكَادُ يَدْخُلُهُ هَوَاءٌ يَحْصُلُ الصَّوْتُ بِتَمَوُّجِهِ . وَالْبُكْمُ : الْخَرَسُ . وَالْعَمَى : عَدَمُ الْبَصَرِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبْصَرَ .

    [ ص: 57 ] وُصِفُوا بِذَلِكَ -مَعَ سَلَامَةِ حَوَاسِّهِمُ الْمَذْكُورَةِ- لِمَا أَنَّهُمْ سَدُّوا عَنِ الْإِصَاخَةِ إِلَى الْحَقِّ مَسَامِعَهُمْ ، وَأَبَوْا أَنْ يُنْطِقُوا بِهِ أَلْسِنَتَهُمْ ، وَأَنْ يَنْظُرُوا وَيَتَبَصَّرُوا بِعُيُونِهِمْ ، فَجَعَلُوا كَأَنَّمَا أُصِيبَ بِآفَةٍ مَشَاعِرُهُمْ - كَقَوْلِهِ - :


    صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا


    وَكَقَوْلِهِ :


    أَصَمُّ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لَا أُرِيدُهُ وَأَسْمَعُ خَلْقَ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ


    "فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ" أَيْ : - بِسَبَبِ اتِّصَافِهِمْ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ - لَا يَعُودُونَ إِلَى الْهُدَى - بَعْدَ أَنْ بَاعُوهُ ، أَوْ عَنِ الضَّلَالَةِ - بَعْدَ أَنِ اشْتَرَوْهَا ، فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَتِمَّةٌ لِلتَّمْثِيلِ بِأَنَّ مَا أَصَابَهُمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْطِفَاءِ نَارِهِمْ ، وَبَقَائِهِمْ فِي ظُلُمَاتٍ كَثِيفَةٍ هَائِلَةٍ- مَعَ بَقَاءِ حَاسَّةِ الْبَصَرِ بِحَالِهَا- بَلِ اخْتَلَّتْ مَشَاعِرُهُمْ جَمِيعًا، وَاتَّصَفُوا بِتِلْكَ الصِّفَاتِ فَبَقُوا جَامِدِينَ فِي مَكَانِهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ، وَلَا يَدْرُونَ أَيَتَقَدَّمُون َ أَمْ يَتَأَخَّرُونَ ؟ وَكَيْفَ يَرْجِعُونَ إِلَى مَا ابْتَدَأُوا مِنْهُ.
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [19 ] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ

    "أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ" تَمْثِيلٌ لِحَالِهِمْ إِثْرَ تَمْثِيلٍ ، لِيَعُمَّ الْبَيَانُ مِنْهَا كُلَّ دَقِيقٍ وَجَلِيلٍ ، وَيُوَفِّي حَقَّهَا مِنَ التَّفْظِيعِ وَالتَّهْوِيلِ . فَإِنَّ تَفَنُّنَهُمْ فِي فُنُونِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ حَقِيقٌ بِأَنْ يُضْرَبَ فِي شَأْنِهِ الْأَمْثَالُ . وَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْبَلِيغِ -فِي مَظَانِّ الْإِجْمَالِ وَالْإِيجَازِ- أَنْ يُجْمِلَ وَيُوجِزَ ، فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ -فِي مَوَارِدِ التَّفْصِيلِ وَالْإِشْبَاعِ- أَنْ يُفَصِّلَ وَيُشْبِعَ .

    وَ(الصَّيِّبُ) : السَّحَابُ ذُو الصَّوْبِ ، وَالصَّوْبُ الْمَطَرُ . وَالْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ : السَّحَابُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : أَأَنْتُمْ أَنْـزَلْتُمُوه ُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْـزِلُونَ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ : كُلُّ مَا عَلَاكَ مِنْ سَقْفٍ وَنَحْوِهِ.

    [ ص: 58 ] "فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ" التَّنْوِينُ فِي الْكُلِّ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّهْوِيلِ - كَأَنَّهُ قِيلَ : فِيهِ ظُلُمَاتٌ دَاجِيَةٌ ، وَرَعْدٌ قَاصِفٌ ، وَبَرْقٌ خَاطِفٌ – "يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ " الصَّاعِقَةُ : الصَّوْتُ الشَّدِيدُ مِنَ الرِّعْدَةِ يَسْقُطُ مَعَهَا قِطْعَةُ نَارٍ تَنْقَدِحُ مِنَ السَّحَابِ - إِذَا اصْطَكَّتْ أَجْرَامُهُ- لَا تَأْتِي عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَحْرَقَتْهُ "حَذَرَ" -أَيْ : خَوْفَ - : "الْمَوْتِ" مِنْ سَمَاعِهَا- "وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ " عِلْمًا وَقُدْرَةً فَلَا يَفُوتُونَهُ .

    وَالْجُمْلَةُ اعْتِرَاضِيَّةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلَى أَنَّ مَا صَنَعُوا -مِنْ سَدِّ الْآذَانِ بِالْأَصَابِعِ- لَا يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا ، فَإِنَّ الْقَدَرَ لَا يُدَافِعُهُ الْحَذَرُ، وَالْحِيَلَ لَا تَرُدُّ بَأْسَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَفَائِدَةُ وَضْعِ الْكَافِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ -الرَّاجِعِ إِلَى أَصْحَابِ الصَّيِّبِ- الْإِيذَانُ بِأَنَّ مَا دَهَمَهُمْ - مِنَ الْأُمُورِ الْهَائِلَةِ الْمَحْكِيَّةِ- بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ، فَيُظْهِرُ اسْتِحْقَاقُهُم ْ شِدَّةَ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ ، عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا فَإِنَّ الْإِهْلَاكَ النَّاشِئَ عَنِ السُّخْطِ أَشَدُّ .
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

    [20 ] يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

    "يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ" اسْتِئْنَافٌ آخَرُ وَقَعَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ - كَأَنَّهُ قِيلَ : فَكَيْفَ حَالُهُمْ مَعَ ذَلِكَ الْبَرْقِ ؟ فَقِيلَ : يَكَادُ يَخْطِفُ أَبْصَارَهُمْ ، أَيْ : يَأْخُذُهَا بِسُرْعَةٍ : "كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ" أَيْ : فِي ضَوْئِهِ : "وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا" أَيْ : وَقَفُوا ، [ ص: 59 ] وَثَبَتُوا فِي مَكَانِهِمْ - وَمِنْهُ : قَامَتِ السُّوقُ، إِذَا رَكَدَتْ وَكَسَدَتْ . وَقَامَ الْمَاءُ ، جَمُدَ - وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ الْأَمْرِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ : بِشِدَّتِهِ عَلَى أَصْحَابِ الصَّيِّبِ ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنْ غَايَةِ التَّحَيُّرِ وَالْجَهْلِ -بِمَا يَأْتُونَ وَمَا يَذَرُونَ- إِذَا صَادَفُوا مِنَ الْبَرْقِ خَفْقَةً- مَعَ خَوْفِ أَنْ يَخْطِفَ أَبْصَارَهُمُ- انْتَهَزُوا تِلْكَ الْخَفْقَةَ فُرْصَةً ، فَخَطَوْا خُطُوَاتٍ يَسِيرَةً ، فَإِذَا خَفِيَ ، وَفَتَرَ لَمَعَانُهُ ، بَقُوا وَافِقِينَ مُتَقَيِّدِينَ عَنِ الْحَرَكَةِ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ أَيْ : لَزَادَ فِي قَصِيفِ الرَّعْدِ فَأَصَمَّهُمْ ، أَوْ فِي ضَوْءِ الْبَرْقِ فَأَعْمَاهُمْ . وَمَفْعُولُ "شَاءَ" مَحْذُوفٌ، لِأَنَّ الْجَوَابَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَالْمَعْنَى : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَذْهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ لَذَهَبَ بِهَا .

    وَلَقَدْ تَكَاثَرَ هَذَا الْحَذْفُ فِي "شَاءَ" وَ "أَرَادَ" . لَا يَكَادُونَ يَبْرُزُونَ الْمَفْعُولَ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَغْرَبِ- كَنَحْوِ قَوْلِهِ : فَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِيَ دَمًا لَبَكَيْتُهُ ؛ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا "إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" تَعْلِيلٌ لِلشَّرْطِيَّةِ ، وَتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهَا النَّاطِقِ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى إِزَالَةِ مَشَاعِرِهِمْ بِالطَّرِيقِ الْبُرْهَانِيِّ .

    تَنْبِيهَاتٌ :

    الْأَوَّلُ : مَحْصُولُ التَّمْثِيلَيْن ِ - غِبُّ وَصْفِ أَرْبَابِهِمَا بِوُقُوعِهِمْ فِي ضَلَالَتِهِمُ الَّتِي اسْتَبْدَلُوهَا بِالْهُدَى - هُوَ أَنَّهُ شَبَّهَ ، فِي الْأَوَّلِ ، حَيْرَتَهُمْ وَشِدَّةَ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ بِمَا يُكَابِدُ مَنْ طَفِئَتْ نَارُهُ بَعْدَ إِيقَادِهَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ .

    وَفِي الثَّانِي : شَبَّهَ حَالَهُمْ بِحَالِ مَنْ أَخَذَتْهُمُ السَّمَاءُ فِي لَيْلَةٍ تَكَاثَفَ ظُلُمَاتُهَا - بِتَرَاكُمِ السُّحُبِ ، وَانْتِسَاجِ قَطَرَاتِهَا ، وَتَوَاتَرَ فِيهَا الرُّعُودُ الْهَائِلَةُ ، وَالْبُرُوقُ الْمُخِيفَةُ ، وَالصَّوَاعِقُ الْمُخْتَلِفَةُ الْمُهْلِكَةُ ، وَهُمْ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ يُزَاوِلُونَ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ . وَبِذَلِكَ يَعْلَمُ أَنَّ التَّمْثِيلَيْن ِ جَمِيعًا مِنْ جُمْلَةِ التَّمْثِيلَاتِ الْمُرَكَّبَةِ ، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزَالَةُ الْمَعَانِي -لِأَنَّهُ يَحْصُلُ فِي النَّفْسِ مِنْ تَشْبِيهِ الْهَيْئَاتِ الْمُرَكَّبَةِ مَا لَا يَحْصُلُ مِنْ تَشْبِيهِ مُفْرَدَاتِهَا . فَإِنَّكَ إِذَا تَصَوَّرْتَ حَالَ مَنْ طَفِئَتْ نَارُهُ بَعْدَ إِيقَادِهَا . . . إِلَخْ . وَحَالَ مَنْ أَخَذَتْهُمُ السَّمَاءُ . . إِلَخْ . حَصَلَ فِي نَفْسِكَ [ ص: 60 ] هَيْئَةٌ عَجِيبَةٌ تُوصِلُكَ إِلَى مَعْرِفَةِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ ، عَلَى وَجْهٍ يَتَقَاصَرُ عَنْهُ تَشْبِيهُ الْمُنَافِقِ - فِي التَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ - بِالْمُسْتَوْقِ دِ نَارًا ، وَإِظْهَارُهُ الْإِيمَانَ بِالْإِضَاءَةِ ، وَانْقِطَاعُ انْتِفَاعِهِ بِانْتِفَاءِ النَّارِ وَتَشْبِيهِ دِينِ الْإِسْلَامِ - فِي الثَّانِي - بِالصَّيِّبِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ - مِنْ شُبَهِ الْكُفَّارِ - بِالظُّلُمَاتِ ، وَمَا فِيهِ - مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ - بِالرَّعْدِ وَالْبَرْقِ ، وَمَا يُصِيبُ الْكَفَرَةَ - مِنَ الْإِفْزَاعِ وَالْبَلَايَا وَالْفِتَنِ- مِنْ جِهَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِالصَّوَاعِقِ . وَأَيْضًا فِي تَشْبِيهِ الْمُفْرَدَاتِ ، وَطَيُّ ذِكْرِ الْمُشَبَّهَاتِ تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ . وَأَيْضًا فِي لَفْظِ (الْمِثْلِ) نَوْعُ إِنْبَاءٍ عَنِ التَّرْكِيبِ ، إِذِ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ الْقِصَّةُ الَّتِي هِيَ فِي غَرَابَتِهَا كَالْمَثَلِ السَّائِرِ ، وَهِيَ فِي الْهَيْئَةِ الْمُرَكَّبَةِ دُونَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مُفْرَدَاتِهَا . وَأَيْضًا فِي التَّمْثِيلِ الْمُرَكَّبِ اشْتِمَالٌ عَلَى التَّشْبِيهِ فِي الْمُفْرَدَاتِ إِجْمَالًا ، مَعَ أَمْرٍ زَائِدٍ : هُوَ تَشْبِيهُ الْهَيْئَةِ بِالْهَيْئَةِ ، وَإِيذَانُهِ بِأَنَّ اجْتِمَاعَ تِلْكَ الْمُفْرَدَاتِ مُسْتَتْبِعٌ لِهَيْئَةٍ عَجِيبَةٍ حَقِيقَةً بِأَنْ تَكُونَ مَثَلًا فِي الْغَرَابَةِ .

    التَّنْبِيهُ الثَّانِي :

    قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ "ابْنُ الْقَيِّمِ" فِي كِتَابِهِ (اجْتِمَاعُ الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّ ةِ عَلَى غَزْوِ الْمُعَطِّلَةِ وَالْجَهْمِيَّة ِ" .

    "فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، شَبَّهَ ، سُبْحَانَهُ ، أَعْدَاءَهُ الْمُنَافِقِينَ : بِقَوْمٍ أَوْقَدُوا نَارًا لِتُضِيءَ لَهُمْ ، وَيَنْتَفِعُوا بِهَا ، فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَهُمُ النَّارُ فَأَبْصَرُوا فِي ضَوْئِهَا مَا يَنْفَعُهُمْ وَيَضُرُّهُمْ ، وَأَبْصَرُوا الطَّرِيقَ - بَعْدَ أَنْ كَانُوا حَيَارَى تَائِهِينَ -فَهُمْ كَقَوْمٍ سَفْرٍ ضَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ ، فَأَوْقَدُوا النَّارَ لِتُضِيءَ لَهُمُ الطَّرِيقَ فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَهُمْ - فَأَبْصَرُوا وَعَرَفُوا - طَفِئَتْ تِلْكَ الْأَنْوَارُ ، وَبَقُوا فِي الظُّلُمَاتِ لَا يُبْصِرُونَ ، قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمُ أَبْوَابُ الْهُدَى الثَّلَاثُ - فَإِنَّ الْهُدَى يَدْخُلُ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ : مِمَّا يَسْمَعُهُ بِإِذْنِهِ ، وَيَرَاهُ بِعَيْنِهِ ، وَيَعْقِلُ بِقَلْبِهِ ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُ الْهُدَى : فَلَا تَسْمَعُ قُلُوبُهُمْ شَيْئًا ، وَلَا تُبْصِرُهُ ، وَلَا تَعْقِلُ مَا يَنْفَعُهَا . وَقِيلَ : لِمَا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ نَزَلُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا سَمْعَ لَهُ ، وَلَا بَصَرَ ، وَلَا عَقْلَ ، وَالْقَوْلَانِ مُتَلَازِمَانِ .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 61 الى صـ 66
    الحلقة (11)

    [ ص: 61 ] وَقَالَ فِي صِفَتِهِمْ "فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ" لِأَنَّهُمْ قَدْ رَأَوْا فِي ضَوْءِ النَّارِ ، وَأَبْصَرُوا الْهُدَى ، فَلَمَّا طَفِئَتْ عَنْهُمْ لَمْ يَرْجِعُوا إِلَى مَا رَأَوْا وَأَبْصَرُوا . وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" وَلَمْ يَقُلْ : ذَهَبَ نُورُهُمْ ، وَفِيهِ سِرٌّ بَدِيعٌ : وَهُوَ انْقِطَاعُ سِرِّ تِلْكَ الْمَعِيَّةِ الْخَاصَّةِ - الَّتِي هِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ - مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَ : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ فَذَهَابُ اللَّهِ بِذَلِكَ النُّورِ : انْقِطَاعُ الْمَعِيَّةِ -الَّتِي خَصَّ بِهَا أَوْلِيَاءَهُ- فَقَطَعَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ -بَعْدَ ذَهَابِ نُورِهِمْ- ، وَلَا مَعَهُمْ ، فَلَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [ ص: 62 ] وَلَا مِنْ : كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ

    وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى : أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ كَيْفَ جَعَلَ ضَوْءَهَا خَارِجًا عَنْهُ ، مُنْفَصِلًا ، وَلَوِ اتَّصَلَ ضَوْؤُهَا بِهِ ، وَلَابَسَهُ ، لَمْ يَذْهَبْ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ ضَوْءَ مُجَاوَرَةٍ لَا مُلَابَسَةٍ وَمُخَالَطَةٍ ، وَكَانَ الضَّوْءُ عَارِضًا وَالظُّلْمَةُ أَصْلِيَّةً ، فَرَجَعَ الضَّوْءُ إِلَى مَعْدِنِهِ ، وَبَقِيَتِ الظُّلْمَةُ فِي مَعْدِنِهَا ، فَرَجَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى أَصْلِهِ اللَّائِقِ بِهِ : حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ قَائِمَةٌ ، وَحِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ، تَعَرَّفَ بِهَا إِلَى أُولِي الْأَلْبَابِ مِنْ عِبَادِهِ .

    وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَلَمْ يَقُلْ بِنَارِهِمْ ، لِيُطَابِقَ أَوَّلَ الْآيَةِ ، فَإِنَّ النَّارَ فِيهَا إِشْرَاقٌ وَإِحْرَاقٌ : فَذَهَبَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْإِشْرَاقِ -وَهُوَ النُّورُ- وَأَبْقَى عَلَيْهِمْ مَا فِيهَا مِنَ الْإِحْرَاقِ -وَهُوَ النَّارِيَّةُ- وَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَالَ "بِنُورِهِمْ" وَلَمْ يَقُلْ : بِضَوْئِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ "فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ"- لِأَنَّ الضَّوْءَ هِيَ زِيَادَةٌ فِي النُّورِ ؛ فَلَوْ قِيلَ : ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ ، لَأَوْهَمَ الذَّهَابَ بِالزِّيَادَةِ فَقَطْ دُونَ الْأَصْلِ ؛ فَلَمَّا كَانَ النُّورُ أَصْلَ الضَّوْءِ ، كَانَ الذَّهَابُ بِهِ ذَهَابًا بِالشَّيْءِ وَزِيَادَتِهِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي النَّفْيِ عَنْهُمْ ، وَأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الظُّلُمَاتِ الَّذِينَ لَا نُورَ لَهُمْ ؛ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى كِتَابَهُ (نُورًا) ، وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نُورًا) ، وَدِينَهُ (نُورًا) ، وَهُدَاهُ (نُورًا) ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ (النُّورُ) ، وَالصَّلَاةُ (نُورٌ) ؛ فَذَهَابُهُ سُبْحَانَهُ بِهِمْ : ذَهَابٌ بِهَذَا كُلِّهِ ، وَتَأَمَّلْ مُطَابَقَةَ هَذِهِ الْمُثُلِ - لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ كَيْفَ [ ص: 63 ] طَابَقَ هَذِهِ التِّجَارَةَ الْخَاسِرَةَ ، الَّتِي تَضَمَّنَتْ هَوْلَ الضَّلَالَةِ وَالرِّضَاءَ بِهَا ، وَبَدَّلَ الْهُدَى فِي مُقَابَلَتِهَا ، وَهَوْلَ الظُّلُمَاتِ - الَّتِي هِيَ الضَّلَالَةُ وَالرِّضَاءُ بِهَا - بَدَلًا عَنِ النُّورِ - الَّذِي هُوَ الْهُدَى وَالنُّورُ - فَبَدَّلُوا الْهُدَى وَالنُّورَ ، وَتَعَوَّضُوا عَنْهُ بِالظُّلْمَةِ وَالضَّلَالَةِ ، فَيَا لَهَا مِنْ تِجَارَةٍ مَا أَخْسَرَهَا ، وَصَفْقَةٍ مَا أَشَدَّ غَبْنَهَا . وَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَالَ تَعَالَى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ فَوَحَّدَهُ ثُمَّ قَالَ : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ فَجَمَعَهَا . فَإِنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ : هُوَ صِرَاطُ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمُ - الَّذِي لَا صِرَاطَ يُوَصِّلُ إِلَيْهِ سِوَاهُ - وَهُوَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا بِالْأَهْوَاءِ ، وَالْبِدَعِ ، وَطُرُقِ الْخَارِجِينَ عَنْ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ - ، بِخِلَافِ طُرُقِ الْبَاطِلِ ; فَإِنَّهَا مُتَعَدِّدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ . وَلِهَذَا ، يُفْرِدُ ، سُبْحَانَهُ ، الْحَقَّ ، وَيَجْمَعُ الْبَاطِلَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ وَقَالَ تَعَالَى : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ فَجَمَعَ سُبُلَ الْبَاطِلِ ، وَوَحَّدَ سَبِيلَ الْحَقِّ ، وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا قَوْلَهُ : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ فَإِنَّ تِلْكَ هِيَ طُرُقُ مَرْضَاتِهِ الَّتِي يَجْمَعُهَا سَبِيلُهُ الْوَاحِدُ ، وَصِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ ، فَإِنَّ طُرُقَ مَرْضَاتِهِ كُلَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صِرَاطٍ وَاحِدٍ ، وَسَبِيلٍ وَاحِدٍ ، وَهِيَ سَبِيلُهُ الَّتِي لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْهَا . وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَطَّ خَطًّا مُسْتَقِيمًا ، وَقَالَ : « هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ » . [ ص: 64 ] ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، وَقَالَ : « هَذِهِ سُبُلٌ ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ » ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .

    وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا مَثَلٌ لِلْمُنَافِقِين َ ، وَمَا يُوقِدُونَهُ مِنْ نَارِ الْفِتْنَةِ الَّتِي يُوقِعُونَهَا بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" مُطَابِقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى "أَطْفَأَهَا اللَّهُ" وَيَكُونُ تَخْيِيبُهُمْ ، وَإِبْطَالُ مَا رَامُوهُ ، هُوَ : تَرْكَهُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْحَيْرَةِ ، لَا يَهْتَدُونَ إِلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا وَقَعُوا فِيهِ ، وَلَا يُبْصِرُونَ سَبِيلًا ؛ بَلْ هُمْ "صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ" . وَهَذَا التَّقْدِيرُ - وَإِنْ كَانَ حَقًّا - فَفِي كَوْنِهِ مُرَادًا بِالْآيَةِ نَظَرٌ ; فَإِنَّ السِّيَاقَ إِنَّمَا قُصِدَ لِغَيْرِهِ ، وَيَأْبَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى "فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ" وَمَوْقِدُ نَارِ الْحَرْبِ لَا يُضِيءُ مَا حَوْلَهُ أَبَدًا ، وَيَأْبَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَمَوْقِدُ نَارِ الْحَرْبِ لَا نُورَ لَهُ ، وَيَأْبَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمُ انْتَقَلُوا مِنْ نُورِ الْمَعْرِفَةِ وَالْبَصِيرَةِ ، إِلَى ظُلْمَةِ الشَّكِّ وَالْكُفْرِ .

    [ ص: 65 ] قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ : هُوَ الْمُنَافِقُ أَبْصَرَ ثُمَّ عَمِيَ ، وَعَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ . وَلِهَذَا قَالَ : فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أَيْ : لَا يَرْجِعُونَ إِلَى النُّورِ الَّذِي فَارَقُوهُ . وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكُفَّارِ : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ فَسَلَبَ الْعَقْلَ عَنِ الْكُفَّارِ - إِذْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْبَصِيرَةِ وَالْإِيمَانِ -وَسَلَبَ الرُّجُوعَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ -لِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا -فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَى الْإِيمَانِ .

    فَصْلٌ

    ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ ، سُبْحَانَهُ ، لَهُمْ مَثَلًا آخَرَ مَائِيًّا ، فَقَالَ تَعَالَى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ فَشَبَّهَ نَصِيبِهِمْ - مِمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ النُّورِ وَالْحَيَاةِ بِنَصِيبِ الْمُسْتَوْقِدِ النَّارِ الَّتِي طَفِئَتْ عَنْهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهَا ، وَذَهَبَ نُورُهُ ، وَبَقِيَ فِي الظُّلُمَاتِ حَائِرًا ، تَائِهًا ، لَا يَهْتَدِي سَبِيلًا ، وَلَا يَعْرِفُ طَرِيقًا ؛ وَبِنَصِيبِ أَصْحَابِ الصَّيِّبِ -وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُصَوَّبُ ; (أَيْ يَنْزِلُ) مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ - فَشَبَّهَ الْهُدَى - الَّذِي هَدَى بِهِ عِبَادَهُ - بِالصَّيِّبِ ، لِأَنَّ الْقُلُوبَ تَحْيَى بِهِ حَيَاةَ الْأَرْضِ بِالْمَطَرِ ، وَنَصِيبُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ هَذَا الْهُدَى ، بِنَصِيبِ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الصَّيِّبِ إِلَّا ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ. وَلَا نَصِيبَ لَهُ - فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ - مِمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالصَّيِّبِ - مِنْ حَيَاةِ الْبِلَادِ ، وَالْعِبَادِ ، وَالشَّجَرِ ، وَالدَّوَابِّ ؛ وَأَنَّ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ الَّتِي فِيهِ ، وَذَلِكَ الرَّعْدَ ، وَالْبَرْقَ ، مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى كَمَالِ الِانْتِفَاعِ بِذَلِكَ الصَّيِّبِ . فَالْجَاهِلُ - لِفَرْطِ جَهْلِهِ - يَقْتَصِرُ عَلَى الْإِحْسَاسِ بِمَا فِي الصَّيِّبِ مِنْ ظُلْمَةٍ وَرَعْدٍ وَبَرْقٍ وَلَوَازِمِ ذَلِكَ مِنْ بَرْدٍ شَدِيدٍ ، وَتَعْطِيلِ الْمُسَافِرِ عَنْ سَفَرِهِ ، وَصَانِعٍ عَنْ صَنْعَتِهِ وَلَا بَصِيرَةَ لَهُ تَنْفُذُ إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ ذَلِكَ الصَّيِّبِ مِنَ الْحَيَاةِ وَالنَّفْعِ الْعَامِّ . وَهَكَذَا شَأْنُ كُلِّ قَاصِرِ النَّظَرِ ، ضَعِيفِ الْعَقْلِ ، لَا يُجَاوِزُ نَظَرُهُ الْأَمْرَ الْمَكْرُوهَ الظَّاهِرَ إِلَى مَا وَرَاءَهُ مِنْ كُلِّ مَحْبُوبٍ ، وَهَذِهِ حَالُ أَكْثَرِ الْخَلْقِ ، إِلَّا مَنْ صَحَّتْ بَصِيرَتُهُ – [ ص: 66 ] فَإِذَا رَأَى ضَعِيفَ الْبَصِيرَةِ مَا فِي الْجِهَادِ مِنَ التَّعَبِ ، وَالْمَشَاقِّ ، وَالتَّعَرُّضِ لِإِتْلَافِ الْمُهْجَةِ ، وَالْجِرَاحَاتِ الشَّدِيدَةِ ، وَمَلَامَةِ اللُّوَّامِ ، وَمُعَادَاةِ مَنْ يَخَافُ مُعَادَاتَهُ - لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَوَاقِبِ الْحَمِيدَةِ ، وَالْغَايَاتِ الَّتِي إِلَيْهَا تَسَابَقَ الْمُتَسَابِقُو نَ ، وَفِيهَا تَنَافَسَ الْمُتَنَافِسُو نَ . وَكَذَلِكَ مَنْ عَزَمَ عَلَى سَفَرِ الْحَجِّ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ ، فَلَمْ يَعْلَمْ - مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ - إِلَّا مَشَقَّةَ السَّفَرِ ، وَمُفَارَقَةَ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ ، وَمُقَاسَاةَ الشَّدَائِدِ ، وَفِرَاقَ الْمَأْلُوفَاتِ ، وَلَا يُجَاوِزُ نَظَرُهُ وَبَصِيرَتُهُ آخِرَ هَذَا السَّفَرِ ، وَمَآلَهُ ، وَعَاقِبَتَهُ - فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيْهِ ، وَلَا يَعْزِمُ عَلَيْهِ . وَحَالُ هَؤُلَاءِ ، حَالُ الضَّعِيفِ الْبَصِيرَةِ وَالْإِيمَانِ ، الَّذِي يَرَى مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ . وَالزَّوَاجِرِ وَالنَّوَاهِي ، وَالْأَوَامِرِ الشَّاقَّةِ عَلَى النُّفُوسِ الَّتِي تَفْطِمُهَا عَنْ رِضَاعِهَا مِنْ ثَدْيِ الْمَأْلُوفَاتِ وَالشَّهَوَاتِ -وَالْفِطَامُ عَلَى الصَّبِيِّ أَصْعَبُ شَيْءٍ ، وَأَشَقُّهُ- وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ صِبْيَانُ الْعُقُولِ ، إِلَّا مَنْ بَلَغَ مَبَالِغَ الرِّجَالِ الْعُقَلَاءِ الْأَلِبَّاءِ ، وَأَدْرَكَ الْحَقَّ عِلْمًا ، وَعَمَلًا ، وَمَعْرِفَةً ، فَهُوَ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى مَا وَرَاءِ الصَّيِّبِ ، وَمَا فِيهِ - مِنَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَالصَّوَاعِقِ - وَيَعْلَمُ أَنَّهُ حَيَاةُ الْوُجُودِ .

    التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ:

    قَالَ الْقَاشَانِيُّ : "إِنَّمَا بُولِغَ فِي ذِكْرِ فَرِيقِ الْمُنَافِقِينَ ، وَذَمِّهِمْ ، وَتَعْيِيرِهِمْ ، وَتَقْبِيحِ صُورَةِ حَالِهِمْ ، وَتَهْدِيدِهِمْ ، وَإِبْعَادِهِمْ ، وَتَهْجِينِ سِيَرِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ : لِإِمْكَانِ قَبُولِهِمْ لِلْهِدَايَةِ ، وَزَوَالِ مَرَضِهِمُ الْعَارِضِ . عَسَى التَّقْرِيعُ يَكْسِرُ أَعْوَادَ شَكَائِمِهِمْ ، وَالتَّوْبِيخُ يُقْلِعُ أُصُولَ رَذَائِلِهِمْ ، فَتَتَزَكَّى بَوَاطِنُهُمْ ، وَتَتَنَوَّرُ قُلُوبُهُمْ ، فَيَسْلُكُوا طَرِيقَ الْحَقِّ ، وَلَعَلَّ مُوَادَعَةَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمُلَاطَفَتَهُ مْ إِيَّاهُمْ ، وَمُجَالَسَتَهُ مْ مَعَهُمْ - تَسْتَمِيلُ طِبَاعَهُمْ ، فَتُهَيِّجُ فِيهِمْ مَحَبَّةً مَا ، وَشَوْقًا تَلِينُ بِهِ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ، وَتَنْقَادُ بِهِ نُفُوسُهُمْ لِأَمْرِ اللَّهِ ، فَيَتُوبُوا وَيُصْلِحُوا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 67 الى صـ 71
    الحلقة (12)

    القول في تأويل قوله تعالى :

    [21 ] يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون

    يا أيها الناس اعبدوا ربكم لما ذكر الله علو طبقة كتابه الكريم ، وتحزب الناس في شأنه إلى ثلاث فرق : مؤمنة به محافظة على ما فيه من الشرائع والأحكام . وكافرة قد نبذته وراء ظهرها بالمجاهرة والشقاق ، وأخرى مذبذبة بينهما بالمخادعة والنفاق ، وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها ، ويحظيها عند الله ويرديها ؛ أقبل عليهم بالخطاب - وهو من الالتفات المذكور عند قوله جل ذكره : إياك نعبد - وهو فن من الكلام جزل ، فيه هز وتحريك من السامع -كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث لكما : إن فلانا من قصته كيت وكيت ، فقصصت عليه ما فرط منه ، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث ، فقلت : يا فلان ! من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك ، وتستوي على جادة السداد في مصادرك ومواردك - نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبه، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء ؛ وأوجدته ، بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازا من طبعه ، ما لا يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة ، وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف ، يستفتح الآذان للاستماع ، ويستهش الأنفس للقبول ، وإنما كثر النداء في كتابه تعالى على طريقة (يا أيها الناس) لاستقلاله بأوجه من التأكيد ، وأسباب من المبالغة . كالإيضاح بعد الإبهام . واختيار لفظ البعيد ، وتأكيد معناه بحرف التنبيه .

    ومعلوم أن كل ما نادى الله له عباده : من أوامره ، ونواهيه وعظاته ، وزواجره ، ووعده ، ووعيده ، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم ، وغير ذلك . . مما أنطق به كتابه - أمور عظام ، وخطوب جسام ، ومعان علمهم أن يتيقظوا لها ، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها وهم عنها غافلون فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ - . أفاده الزمخشري - .

    [ ص: 68 ] والمراد بالناس : كافة المكلفين - مؤمنهم وكافرهم- فطلب العبادة من المؤمنين طلب الزيادة فيها ، والثبات عليها ، ومن الكافرين ابتداؤها "الذي خلقكم" أنعم عليكم بإخراجكم من العدم إلى الوجود "و" –خلق- : والذين من قبلكم لعلكم تتقون أي : كي تتقون ، كقوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وقوله سبحانه : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وفي إيراد "لعل" ، تشبيه طلبه تعالى برجاء الراجي من المرجو منه أمرا هين الحصول ; فإنه تعالى لما وضع في أيدي المكلفين زمام الاختيار ، وطلب منهم الطاعة ، ونصب لهم أدلة عقلية ونقلية داعية إليها ؛ ووعد ، وأوعد ، وألطف بما لا يحصى كثرة ، لم يبق للمكلف عذر ، وصار حاله في رجحان اختياره للطاعة مع تمكنه من المعصية كحال المترجي منه في رجحان اختياره لما يرتجى منه - مع تمكنه من خلافه - وصار طلب الله تعالى لعبادته واتقائه بمنزلة الترجي -فيما ذكرناه- .
    القول في تأويل قوله تعالى :

    [22 ] الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنـزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون

    " الذي جعل" - خلق - : "لكم الأرض فراشا" بساطا ومهادا غير حزنة ، "والسماء بناء" البناء ، في الأصل ، مصدر سمي به المبني -بيتا كان ، أو قبة ، أو خباء .

    قال بعض علماء الفلك في معنى الآية : أي كالبنيان يشد بعضه بعضا . و "السماء" يراد بها الجنس كالسماوات، والمعني بها الكواكب السيارات –قال- : فجميع السماوات [ ص: 69 ] أو الكواكب كالبناء المرتبط بعضه ببعض من كل جهة ، المتماسك كأجزاء الجسم الواحد بالجاذبية التي تحفظ نظامها في مداراتها ، وهو جذب الشمس لها .

    "وأنزل من السماء" أي : السحاب "ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا" النهي متفرع على مضمون ذلك الأمر ، كأنه قيل : إذا أمرتم بعبادة من هذا شأنه - من التفرد بهذه الأفعال الجليلة - فلا تجعلوا له أندادا شركاء في العبادة ، أي : أمثالا تعبدونهم كعبادته- جمع ند . وهو المثل ، ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوئ - فإن قيل : كيف صلح تسميتها أندادا ، وهم ما كانوا يزعمون أنها تخالفه وتناوئه ، بل كانوا يجعلونها شفعاء عنده ؟ أجيب : بأنهم لما تقربوا إليها ، وعظموها ، وسموها آلهة - أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله قادرة على مخالفته ، ومضادته ، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم . وكما تهكم بهم بلفظ الند شنع عليهم ، واستفظع شأنهم ، بأن جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ند قط .

    "وأنتم تعلمون" ما بينه وبينها من التفاوت ، وأنها لا تفعل مثل أفعاله ، كقوله : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ؛ أو وأنتم من أهل العلم والمعرفة - والتوبيخ فيه آكد - أي : أنتم العرافون المميزون ، ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أندادا - هو غاية الجهل ، ونهاية سخافة العقل .

    ومما ينبغي التفطن له - في الاعتبار بهذه الآية - ما قاله الزمخشري : من أنه سبحانه وتعالى قدم من موجبات عبادته ، وملزمات حق الشكر له : خلقهم أحياء قادرين أولا ; لأنه سابقة أصول النعم ، ومقدمتها ، والسبب في التمكن من العبادة والشكر وغيرهما ، ثم خلق الأرض ، التي هي مكانهم ، ومستقرهم الذي لا بد لهم منه - وهي بمنزلة عرصة المسكن ، ومتقلبه ، ومفترشه ، ثم خلق السماء- التي هي كالقبة المضروبة ، والخيمة المطنبة- على هذا القرار ، ثم ما سواه عز وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة [ ص: 70 ] بإنزال الماء منها عليها ، والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان - من ألوان الثمار - رزقا لبني آدم ، ليكون لهم ذلك معتبرا ، ومتسلقا إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف . ونعمة يتعرفونها فيقابلونها بلازم الشكر ، ويتفكرون في خلق أنفسهم ؛ وخلق ما فوقهم وتحتهم ، وأن شيئا من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على إيجاد شيء منها ، فيتيقنوا -عند ذلك- أن لا بد لها من خالق - ليس كمثلها - حتى لا يجعلوا المخلوقات له أندادا ، وهم يعلمون أنها [ لا ] تقدر على نحو ما هو عليه قادر .

    ونظير هذه الآية قوله تعالى : الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين فمضمونه أنه الخالق الرازق ، مالك الدار وساكنيها ، ورازقهم . فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره .

    ولما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ، ويحققها ، ويبطل الإشراك ، ويهدمه ، وعلم الطريق إلى إثبات ذلك ، وتصحيحه . وعرفهم أن من أشرك فقد كابر عقله ، وغطى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه - عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة ، وأراهم كيف يتعرفون : أهو من عند الله -كما يدعي- أم هو من عند نفسه -كما يدعون- ؟ بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم ، ويذوقوا طباعهم ، وهم أبناء جنسه ، وأهل جلدته . فقال تعالى :
    القول في تأويل قوله تعالى :

    [23 ] وإن كنتم في ريب مما نـزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين

    "وإن كنتم في ريب مما نزلنا" - أي : من القرآن الذي نزلناه – "على عبدنا" [ ص: 71 ] محمد صلى الله عليه وسلم أنه من عند الله تعالى ، والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب - مع أنهم جازمون بكونه من كلام البشر -كما يعرب عنه قوله تعالى : "إن كنتم صادقين" إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم - وإن كانوا في غاية ما يكون من المكابرة والعناد- هو الارتياب في شأنه (وأما الجزم المذكور فخارج من دائرة الاحتمال ، كما أن تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن حقه أن يكون ضعيفا مشكوك الوقوع) ، وإما للتنبيه على أن جزمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح دلائل الإعجاز ، ونهاية قوتها ، وإنما لم يقل : وإن ارتبتم فيما نزلنا . . . إلخ ، لما أشير إليه - فيما سلف - من المبالغة في تنزيه ساحة التنزيل عن شائبة وقوع الريب فيه -حسبما نطق به قوله تعالى : "لا ريب فيه"- والإشعار بأن ذلك - إن وقع - فمن جهتهم لا من جهته العالية . واعتبار استقرارهم فيه ، وإحاطته بهم ، لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته : لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به ، لا قلته ولا كثرته .

    وفي ذكره صلى الله عليه وسلم بعنوان العبودية ، مع الإضافة إلى ضمير الجلالة - من التشريف ، والتنويه ، والتنبيه على اختصاصه به عز وجل ، وانقياده لأوامره تعالى - ما لا يخفى ، والأمر في قوله تعالى : "فأتوا بسورة" من باب التعجيز وإلقام الحجر ، كما في قوله تعالى : فأت بها من المغرب أو من باب المجاراة معهم -بحسب حسبانهم- حيث كانوا يقولون : لو نشاء لقلنا مثل هذا .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 72 الى صـ 76
    الحلقة (13)



    و(السورة) : الطائفة من القرآن العظيم المترجمة ، وأقلها ثلاث آيات ، وواوها أصلية ، منقولة من سور البلد - لأنها محيطة بطائفة من القرآن مفرزة ، محوزة ، أو محتوية على فنون رائقة من [ ص: 72 ] العلوم ، احتواء سور المدينة على ما فيها ، أو من السورة التي هي الرتبة . فإن سور القرآن مع كونها في أنفسها رتبا- من حيث الفضل والشرف ، أو من حيث الطول والقصر - فهي من حيث انتظامها مع أخواتها في المصحف : مراتب يرتقي إليها القارئ شيئا فشيئا . و"من" في قوله تعالى : "من مثله" بيانية متعلقة بمحذوف صفة لسورة ، والضمير "مما نزلنا" أي : بسورة كائنة من مثله في علو الرتبة ، وسمو الطبقة ، والنظم الرائق ، والبيان البديع ، وحيازة سائر نعوت الإعجاز . وقيل "من" زائدة -على ما هو رأي الأخفش- بدليل قوله تعالى : فأتوا بسورة مثله بعشر سور مثله

    وقوله تعالى : وادعوا شهداءكم من دون الله إرشاد لهم إلى إنهاض أمة جمة، ليحتشدوا في حلبة المعارضة بخيلهم ورجلهم ، ويتعاونوا على الإتيان بقدر يسير مماثل في صفات الكمال لما أتى بجملته واحد من أبناء جنسهم ، وهذا كقوله تعالى في سورة هود : أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين

    و"الشهداء " جمع شهيد ، بمعنى : الحاضر ، أو القائم بالشهادة ، أو الناصر . و(من) لابتداء الغاية متعلقة بـ " ادعوا " ، والظرف مستقر . والمعنى : ادعوا ، متجاوزين الله تعالى للاستظهار ، من حضركم -كائنا من كان- أو الحاضرين في مشاهدكم ومحاضركم من رؤسائكم وأشرافكم - الذين تفزعون إليهم في الملمات ، وتعولون عليهم في المهمات - أو القائمين بشهاداتكم الجارية فيما بينكم -من [ ص: 73 ] أمنائكم المتولين لاستخلاص الحقوق ، بتنفيذ القول عند الولاة - أو القائمين بنصرتكم -حقيقة أو زعما- من الإنس والجن ليعينوكم . وإخراجه ، سبحانه وتعالى ، من حكم الدعاء في الأول - مع اندراجه في الحضور - لتأكيد تناوله لجميع ما عداه ، لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة على ما كلفوه ، فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه . وأما في سائر الوجوه : فللتصريح من أول الأمر ببراءتهم منه تعالى ، وكونهم في عدوة المحادة والمشاقة له ، قاصرين استظهارهم على ما سواه ؛ والالتفات لإدخال الروعة ، وتربية المهابة : "إن كنتم صادقين" أي : في زعمكم أنه من كلامه صلى الله عليه وسلم ، واستلزام المقدم للتالي من حيث إن صدقهم في ذلك الزعم يستدعي قدرتهم على الإتيان بمثله ، بقضية مشاركتهم له صلى الله عليه وسلم في البشرية والعربية ، مع ما بهم من طول الممارسة للخطب والأشعار ، وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر ، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام ، لا سيما عند المظاهرة والتعاون - ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به ، ودواعي الأمر به - .
    القول في تأويل قوله تعالى :

    [24 ] فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين

    "فإن لم تفعلوا" أي : ما أمرتم به من الإتيان بالمثل ، بعد ما بذلتم في السعي غاية المجهود "ولن تفعلوا" اعتراض بين جزأي الشرطية ، مقرر لمضمون مقدمها ، ومؤكد لإيجاب العمل بتاليها ، وهي معجزة باهرة : حيث أخبر بالغيب الخاص - علمه به عز وجل - وقد وقع الأمر كذلك : "فاتقوا النار" جواب الشرط ، على أن اتقاء النار كناية عن الاحتراز من العناد ، إذ -بذلك- يتحقق تسببه عنه ، وترتبه عليه ، كأنه قيل : فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله -كما هو المقرر- فاحترزوا من إنكار كونه منزلا من عند الله سبحانه ; فإنه مستوجب للعقاب بالنار ، لكن أوثر عليه الكناية المذكورة المبنية على [ ص: 74 ] تصوير العناد بصورة النار ، وجعل الاتصاف به عين الملابسة بها ، للمبالغة في تهويل شأنه ، وتفظيع أمره ، وإظهار كمال العناية - بتحذير المخاطبين منه ، وتنفيرهم عنه ، وحثهم على الجد في تحقيق المكني به - وفيه من الإيجاز البديع ما لا يخفى . حيث كان الأصل : فإن لم تفعلوا فقد صح صدقه عندكم ، وإذا صح ذلك كان لزومكم العناد ، وترككم الإيمان به ، سببا لاستحقاقكم العقاب بالنار ، فاحترزوا منه واتقوا النار "التي وقودها الناس والحجارة" صفة للنار مورثة لها زيادة هول وفظاعة - أعاذنا الله منها برحمته الواسعة - .

    و"الوقود" : ما توقد به النار ، وترفع من الحطب . وقرئ بضم الواو ، وهو مصدر سمي به المفعول مبالغة - كما يقال : فلان فخر قومه ، وزين بلده - . فإن قيل : صلة الذي والتي يجب أن تكون قصة معلومة للمخاطب ، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة ؟

    قلت : لا يمتنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من آيات التنزيل المتقدمة عليها ، أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو من أهل الكتاب . والمراد بالحجارة الأصنام ، وبالناس أنفسهم - حسبما ورد في قوله تعالى : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم فإنها مفسرة لما نحن فيه - ، وحكمة اقترانهم مع الحجارة في الوقود : أنهم لما اعتقدوا في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستنفعون بهم ، ويستدفعون المضار عن أنفسهم بمكانهم ، جعلها الله عذابهم ، فقرنهم بها محماة في نار جهنم - إبلاغا في إيلامهم ، وإغراقا في تحسيرهم ، ونحوه ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة ، فشحوا بها ، ومنعوها من الحقوق ، حيث يحمى عليها في نار جهنم . فتكوى جباههم وجنوبهم .

    "أعدت للكافرين" هيئت لهم ، وجعلت عدة لعذابهم ، والمراد : إما جنس الكفار -والمخاطبون داخلون فيهم دخولا أوليا- وإما هم خاصة ، ووضع الكافرين موضع ضميرهم لذمهم ، وتعليل الحكم بكفرهم - والجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها ، ومبينة لمن أريد بالناس ، دافعة لاحتمال العموم .

    [ ص: 75 ] (تنبيه) :

    هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التي صدعت بتحدي الكافرين بالتنزيل الكريم ، وقد تحداهم الله تعالى في غير موضع منه ، فقال في سورة القصص : قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين وقال في سورة الإسراء : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وقال في سورة هود : أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين وقال في سورة يونس : وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين وكل هذه الآيات مكية .

    ثم تحداهم أيضا في المدينة بقوله "وإن كنتم في ريب" إلى آخر هذه الآية فعجزوا عن آخرهم : - وهم فرسان الكلام ; وأرباب النظام ، وقد خصوا من البلاغة والحكم ، ما لم يخص به غيرهم من الأمم ، وأوتوا من ذرابة اللسان ، ما لم يؤت إنسان . ومن فصل الخطاب ، ما يقيد الألباب ، جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة ، وفيهم غريزة وقوة ، يأتون منه على البديهة بالعجب ، ويدلون به إلى كل سبب ، فيخطبون بديها في المقامات وشديد الخطب ، ويرتجزون به بين الطعن والضرب ، ويمدحون ، ويقدحون ، ويتوسلون ، ويتوصلون ، ويرفعون ، ويضعون ، فيأتون بالسحر [ ص: 76 ] الحلال ، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآل ، فيخدعون الألباب ، ويذللون الصعاب ، ويذهبون الإحن ، ويهيجون الدمن ، ويجرئون الجبان ، ويبسطون يد الجعد البنان ، ويصيرون الناقص كاملا ، ويتركون النبيه خاملا ، منهم البدوي : ذو اللفظ الجزل ، والقول الفصل ، والكلام الفخم ، والطبع الجوهري ، والمنزع القوي . ومنهم الحضري : ذو البلاغة البارعة ، والألفاظ الناصعة ، والكلمات الجامعة ، والطبع السهل ، والتصرف في القول القليل الكلفة ، الكثير الرونق ، الرقيق الحاشية ، وكلا البابين فلهما - في البلاغة - الحجة البالغة ، والقوة الدامغة ، والقدح الفالج ، والمهبع الناهج ، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم ، والبلاغة ملك قيادهم ، قدحوا فنونها ، واستنبطوا عيونها ، ودخلوا من كل باب من أبوابها ، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها ، فقالوا في الخطير والمهين ، وتفننوا في الغث والسمين ، وتقاولوا في القل والكثر ، وتساجلوا في النظم والنثر - ومع هذا فلم يتصد للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم ، ولم ينهض - لمقدار أقصر سورة منه - ناهض من بلغائهم ، على أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء ، وأوفر عددا من رمال الدهناء ، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط في المضادة والمضارة ، وإلقائهم الشراشر على المعازة والمعارة ، ولقائهم دون المناضلة عن أحسابهم الخطط ، وركوبهم في كل ما يرومونه الشطط : إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر ، وإن رماهم بمأثرة رموه بمآثر . وقد جرد لهم الحجة أولا ، والسيف آخرا ، فلم يعارضوا إلا السيف وحده . فما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أن البحر قد زخر فطم على الكواكب ، وأن الشمس قد أشرقت فطمست نور الكواكب ؛ وبذلك يظهر أن في قوله تعالى "ولن تفعلوا" معجزة أخرى ، فإنهم ما فعلوا ، وما قدروا ، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم - كمسيلمة - كشف عواره لجميعهم .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 77 الى صـ 81
    الحلقة (14)


    قال الحافظ ابن كثير : ذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم عمرو ، ، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة ؟ فقال له عمرو : لقد [ ص: 77 ] أنزل عليه سورة وجيزة بليغة . فقال وما هي ؟ فقال : والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال : ولقد أنزل علي مثلها . قال : وما هو ؟ فقال : يا وبر يا وبر ! إنما أنت أذنان وصدر . وسائرك حفر نقر - . ثم قال - : كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : والله إنك لتعلم إني أعلم أنك تكذب ! . .

    وحيث عجز عرب ذلك العصر ، فما سواهم أعجز في هذا الأمر . . ! وقد مضى -إلى الآن - أكثر من ألف وثلاثمائة عام ، ولم يوجد أحد من معاديه البلغاء إلا وهو مسلم ، أو ذو استسلام ، فدل على أنه ليس من كلام البشر ، بل كلام خالق القوى والقدر ، أنزله تصديقا لرسوله ، وتحقيقا لمقوله ، وهذا الوجه - أعني بلوغه في الفصاحة والبلاغة إلى حد خرج عن طوق البشر - كاف وحده في الإعجاز ، وقد انضم إليه أوجه :

    (منها) : إخباره عن أمور مغيبة ظهرت كما أخبر .

    و(منها) : كونه لا يمله السمع مهما تكرر .

    و(منها) : جمعه لعلوم لم تكن معهودة ، عند العرب والعجم .

    و(منها) : إنباؤه عن الوقائع الخالية ، وأحوال الأمم ، والحال أن من أنزل عليه ، صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ، لاستغنائه بالوحي ، وليكون وجه الإعجاز بالقبول أحرى . وبذلك يعلم أن القرآن أعظم المعجزات ، فإنه آية باقية مدى الدهر ، يشاهدها -كل حين بعين الفكر- كل ذي حجر ، وسواه - من المعجزات- انقضت بانقضاء وقتها ، فلم يبق منها إلا الخبر .

    وقد ذهب بعض علماء الشيعة - في وجه إعجازه - إلى : كونه قاهرا لمن يقاومه ، [ ص: 78 ] وغالبا على من يغالبه ، ونافذا في إزهاق ما يخالفه ، وكونه مؤثرا في إيجاد الأمة ، وبقاء الشريعة ، ونفوذ الحكم ، وثبوت الكلمة ، لما جعل الله فيه من النور ، والهداية ، والرحمة . وعبارته :

    إن كلام الله تعالى يمتاز عن غيره بالنفوذ ، والغلبة في هداية الخلق ، وإنشاء أمة مستقلة ، وإبقاء شريعة جديدة ، وهي علامة كافية في معرفة الكلمات الإلهية ، والآيات السماوية ، ثم قال : وخلاصة تقرير الدليل أن الكلام -الذي يتحدى الداعي به ، وينسبه إلى الله- إذا ظهر منه التأثير التام في هداية النفوس المستعدة الطالبة ، وقهر الأمم المنكرة المانعة ، فأوجد أمة مستقلة نامية ، وشريعة جديدة باقية ، فلا يبقى ثمة شك أنه هو كلام الله النازل من السماء ، والقدرة الظاهرة منه هي القدرة التي منذ القديم ظهرت من المرسلين والأنبياء ، وإلى هذه النكتة أشير في قوله تعالى : ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين وقال تعالى : والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد وهذه العلامة لا توجد إلا في كتب الله تعالى ، ويتمكن كل إنسان أن يدركها ويفهمها منها . سواء كان عالما ، أو أميا ، عربيا أو عجميا . شرقيا ، أو غربيا . . ! . فمن الذي يشك أن بني إسرائيل ما خرجوا عن ظلمات الجهل إلى نور الإيمان ، وعن ذلة العبودية إلى عز الاستقلال إلا بسبب التوراة . . ؟ ! ومن الذي يجهل أن الأمم الأوروبية ما وصلوا إلى عبادة الله تعالى -بعد عبادة الأوثان- إلا بواسطة الإنجيل . . ؟ ! ومن الذي لا يعرف أن الأمم الكبرى -من حدود الشرق الأقصى إلى أقاصي إفريقية- ما خرجوا عن ربقة الوثنية ، [ ص: 79 ] وعبادة النار إلى التوحيد وعبادة الله إلا بهداية القرآن العظيم ؟ وما تحرروا عن أغلال العقائد الفاسدة ، والأعمال القبيحة ، وما وصلوا إلى الأخلاق الفاضلة ، والعقائد الصحيحة إلا بنور هذا السفر الكريم . . ؟ ! ثم قال : والخلاصة أن هذه العلامة وهي هداية النفوس ، وإيجاد الديانة الجديدة - بقهر الأديان القديمة ، وتبديل العوائد العتيقة - هي العلامة الظاهرة المميزة بين الكلمات الإلهية ! والمصنفات البشرية . حتى أن أول نفس أذعنت بحقيقة رسالة رسول ، وصدق شريعته ، لو لم تعرف في نفسها هذه الهداية ، ولم تشعر في ذاتها بهذه المغلوبية لما كانت أول من صدقه ولباه ، واتبعه وآساه ، فإن محبة الدين القديم الموروث راسخة في جميع النفوس . والخوف من تبديل أركانه وآدابه متمكن في أعماق القلوب . فالهداية أظهر علامة في صدق النبوة والرسالة ; إذ هي صفة الفعل ، ومرتبطة بالدعوة - كالإبراء للطب ، ومعرفة السطوح للهندسة ، والبيع والشراء للتجارة ، وصنع الأسرة والأبواب وغيرها للنجارة - .

    ثم قال : وإذا تصفحت القرآن المجيد ، تجد أن الله تعالى استدل بها في مواضع متعددة ، ووصف القرآن بأنه حجة -بما أودع فيه من الهداية والرحمة- ولا ترى موضعا واحدا وصفه بأنه أفصح الكتب وأبلغ الصحف ، فانظر في قوله تعالى : فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين أترى أن الله تعالى أفحمهم بقوله : فأتوا بكتاب من عند الله هو أفصح منهما أو أبلغ منهما ؟ وكذلك لما انتقدوا على النبي صلى الله عليه وسلم بعدم صدور معجزة منه كالمعجزات السالفة ; فقال تعالى : وقالوا لولا أنـزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنـزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن [ ص: 80 ] في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون فبين الله تعالى مزية القرآن على سائر المعجزات ، وكفايته عن غيره بأن فيه الذكرى والرحمة . وقال تعالى في أول هذه السورة الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين وما قال فيه فصاحة وبلاغة يعجز عن مثلها جميع العالمين . وذلك لأن الفصاحة والبلاغة من الأوصاف الخفية الغامضة الدقيقة -التي تختلف فيها الأذواق ، وتتشعب فيها الآراء والأنظار- ولكن ما ظهر من الرسول عليه السلام- بسبب نزول القرآن عليه - من العلم والقدرة على هداية الأمم ، وإزالة أسقام أهل العالم ، وتأسيس الشريعة الإلهامية ، وإيجاد الأمة الإسلامية رغما للأمم الكبرى ، ومباينا للديانات العظمى ، أمر ظاهر محسوس ، تصعب فيه المناقشة ، ولا تفيد معه المغالطة ، فمن الذي يمكنه أن ينكر أن الأمم العظيمة -كالعرب والفرس ، والخزر ، والترك ، والهنود ، والصينيين ، وأهالي إفريقية - خرجوا من ظلمات الشرك ، وعبادة النار والأوثان ، وإنكار الأنبياء ؛ ودخلوا في نور التوحيد ، وعبادة الله وحده ، والإيمان بأنبيائه ورسله وكتبه ، بنور الكتاب المبين . . . !

    -كذا في كتاب (الدرر البهية) لأبي الفضائل الإيراني- ولا يخفى أن ما ذكره هو وجه متين ، ولكن لا يسوغ نفي ما عداه لأجله ، بل يجدر أن يضم إليها ، ويكون في مقدمتها والله أعلم .

    ثم إن من عادته تعالى ، في كتابه ، أن يذكر الترغيب مع الترهيب ، ويشفع البشارة بالإنذار ، وهذا معنى تسمية القرآن مثاني - على الأصح - وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بذكر الكفر - أو عكسه - أو حال السعداء ثم الأشقياء - أو عكسه - وحاصله ذكر الشيء ومقابله . والحكمة في ذلك : هي إرادة التنشيط لاكتساب ما يزلف ، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف . فلما ذكر الكفار وأعمالهم ، وأوعدهم بالعقاب ، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق ، والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي- فقال عز وجل :
    [ ص: 81 ] القول في تأويل قوله تعالى :

    [25 ] وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون

    "وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات" (البشارة) : الإخبار بما يظهر سرور المخبر به ، ومنه البشرة : لظاهر الجلد . وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه . وأما "فبشرهم بعذاب أليم" فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء - الزائد في غيظ المستهزأ به ، وتألمه ، واغتمامه- ففيه استعارة أحد الضدين للآخر تهكما وسخرية . و "الصالحات" ما استقام من الأعمال أي صلح لترتب الثواب عليه ، وقد أجمع السلف على أن الإيمان : قول وعمل ، يزيد وينقص . ثم إنه إذا أطلق دخلت فيه الأعمال ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « الإيمان بضع وستون شعبة -أو بضع وسبعون شعبة- أعلاها قول : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان» .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 82 الى صـ 86
    الحلقة (15)


    وإذا عطف عليه -كما في هذه الآية - فهنا ، قد يقال : الأعمال دخلت فيه ، وعطفت عطف الخاص على العام ، وقد يقال : لم تدخل فيه ، ولكن مع العطف -كما في اسم الفقير [ ص: 82 ] والمسكين . إذا أفرد أحدهما تناول الآخر ، وإذا عطف أحدهما على الآخر فهما صنفان - وهذا التفصيل في الإيمان هو كذلك في لفظ البر ، والتقوى ، والمعروف . وفي الإثم ، والعدوان ، والمنكر ، تختلف دلالتها في الإفراد والاقتران لمن تدبر القرآن .

    وقد بين حديث جبريل أن الإيمان أصله في القلب ، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله - كما في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال : « الإسلام علانية والإيمان في القلب» .

    وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : « ألا إن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب » .

    فإذا كان الإيمان في القلب ، فقد صلح القلب ، فيجب أن يصلح سائر الجسد ، فلذلك هو ثمرة ما في القلب . فلهذا قال بعضهم : الأعمال ثمرة الإيمان ، وصحته ; لما كانت لازمة لصلاح [ ص: 83 ] القلب ، دخلت في الاسم ، كما نطق بذلك الكتاب والسنة في غير موضع ، هذا ما أفاده الإمام ابن تيمية رحمه الله .

    وقوله تعالى "أن لهم جنات" جمع (جنة) : وهي البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه ، وإنما سميت : دار الثواب ، بها مع أن فيها ما لا يوصف من الغرفات والقصور ، لما أنها مناط نعيمها ، ومعظم ملاذها . وجمعها مع التنكير : لاشتمالها على جنان كثيرة في كل منها مراتب ودرجات متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأصحابها .

    وقوله : "تجري من تحتها الأنهار" صفة جنات ، ثم إن أريد بها الأشجار ، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر ، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها ، فلا بد من تقدير مضاف -أي من تحت أشجارها- ، وإن أريد بها مجموع الأرض والأشجار ، فاعتبار التحتية بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق اسم الجنة على الكل ، وإنما جيء ذكر الجنات -مشفوعا بذكر الأنهار الجارية- لما أن أنزه البساتين ، وأكرمها منظرا ، ما كانت أشجاره مظللة ، والأنهار في خلالها مطردة ، وفي ذلك النعمة العظمى ، واللذة الكبرى . واللام في الأنهار : للجنس- كما في قولك : لفلان بستان فيه الماء الجاري- أو للعهد . والإشارة إلى ما ذكر في قوله تعالى : فيها أنهار من ماء غير آسن الآية .

    "كلما رزقوا منها" أي : أطعموا من تلك الجنات "من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل" أي : مثل الذي رزقناه من قبل هذا الذي أحضر إلينا ، فالإشارة إلى المرزوق في الجنة لتشابه ثمارها . بقرينة قوله "وأتوا به" - أي : أتتهم الملائكة ، والولدان [ ص: 84 ] برزق الجنة – "متشابها" يشبه بعضه بعضا لونا، ويختلف طعما ، وذلك أجلب للسرور ، وأزيد في التعجب ، وأظهر للمزية ، وأبين للفضل .

    وترديدهم هذا القول ، ونطقهم به - عند كل ثمرة يرزقونها- دليل على تناهي الأمر في استحكام الشبه ، وأنه الذي يستملي تعجبهم ، ويستدعي استغرابهم ، ويفرط ابتهاجهم . فإن قيل : كيف موقع قوله "وأتوا به متشابها" من نظم الكلام ؟ قلت : هو كقولك : فلان أحسن بفلان، ونعم ما فعل . ورأى من الرأي كذا ، وكان صوابا . ومنه قوله تعالى : وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير "ولهم فيها أزواج مطهرة" من الحيض والاستحاضة وما يختص بهن من الأقذار والأدناس - ويجوز لمجيئه مطلقا ، أن يدخل تحته الطهر من دنس الطباع ، وسوء الأخلاق وسائر مثالبهن وكيدهن .

    وقوله تعالى "وهم فيها خالدون" هذا هو تمام السعادة ؛ فإنهم -مع هذا النعيم- في مقام أمين من الموت والانقطاع ، فلا آخر له ولا انقضاء . بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام . والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم ، إنه البر الرحيم .

    ولما ضرب تعالى -فيما تقدم- للمنافقين مثلين : في قوله : مثلهم كمثل الذي استوقد إلخ . وقوله : أو كصيب إلخ . إلى أمثال أخرى تقدمت على نزول هذه السورة ، من السور المكية ، ضربت للمشركين - نبه تعالى إلى موضع العبرة بها ، والحكمة منها ، وتضليل من لا يقدرها قدرها - ممن يتجاهل عن سرها ، ويتعامى عن نورها ، ويحول دون الاهتداء بها ، والأخذ بسببها -فقال سبحانه :
    [ ص: 85 ] القول في تأويل قوله تعالى:

    [26 ] إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين

    "إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها" أي : يذكر مثلا ما . يقال ضرب مثلا ، ذكره ، فيتعدى لمفعول واحد . أو صير ، فلمفعولين .

    قال أبو إسحاق في قوله تعالى : واضرب لهم مثلا أي : اذكر لهم . وعبارة الجوهري : ضرب الله مثلا أي : وصف وبين . وفي شرح نظم الفصيح: ضرب المثل : إيراده ليمتثل به ، ويتصور ما أراد المتكلم بيانه للمخاطب . يقال : ضرب الشيء مثلا ، وضرب به ، وتمثله ، وتمثل به . ثم قال : وهذا معنى قول بعضهم : ضرب المثل اعتبار الشيء بغيره ، وتمثيله به . و"ما" هذه اسمية إبهامية ، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما ، وزادته شياعا وعموما - كقولك : أعطني كتابا ما، ، تريد أي كتاب كان -كأنه قيل : مثلا ما من الأمثال أي مثل كان . فهي صفة لما قبلها . أو حرفية مزيدة لتقوية النسبة وتوكيدها -كما في قوله تعالى : فبما نقضهم ميثاقهم كأنه قيل : لا يستحيي أن يضرب مثلا حقا ، أو البتة .

    [ ص: 86 ] و "بعوضة" بدل من "مثلا". أو هما مفعولا "يضرب" ; لتضمنه معنى الجعل والتصيير . ومعنى الآية : إنه تعالى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ، ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها . أي لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا -ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة- كما لا يستنكف عن خلقها ، كذلك لا يستنكف عن ضرت المثل بها . كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله : يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب وقال : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون وغير ذلك من أمثال الكتاب العزيز ، فما استنكره السفهاء ، وأهل العناد والمراء ، واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء ، ومضروبا بها المثل- ليس بموضع للاستنكار والاستغراب . من قبل أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ، ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب ، وإدناء المتوهم من المشاهد . فإن كان المتمثل له عظيما، كان المتمثل به مثله ، وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك . فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذا ، إلا أمرا تستدعيه حال المتمثل له وتستجره إلى نفسها ، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية . ألا ترى إلى الحق لما كان واضحا ، جليا أبلج ، كيف تمثل له بالضياء والنور ؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته ، كيف تمثل له بالظلمة ؟ أفاده الزمخشري .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 87 الى صـ 91
    الحلقة (16)



    "فأما الذين آمنوا" شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحكم إثر [ ص: 87 ] تحقيق حقية صدوره عنه تعالى -أي : فأما المؤمنون "فيعلمون أنه الحق من ربهم" كسائر ما ورد منه تعالى- والحق : هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره . وذلك لأن التمثل به مسوق على قضية مضربه ، ومحتذى على مثال ما يستدعيه - كما جعل بيت العنكبوت مثل الآلهة التي جعلها الكفار أندادا لله تعالى -وجعلت أقل من الذباب ، وأخس قدرا ، وضربت لها البعوضة فما دونها مثلا ; لأنه لا حال أحقر من تلك الأنداد وأقل . . . . . . . ! .

    فالمؤمنون الذين عادتهم الإنصاف ، والعمل على العدل والتسوية ، والنظر في الأمور بناظر العقل - إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمر الشبهة بساحته ، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله "وأما الذين كفروا" ممن غلبهم الجهل على عقولهم ، وغشيهم على بصائرهم- فلا يتفطنون ، ولا يلقون أذهانهم ، أو عرفوا أنه الحق ، إلا أن حب الرياسة ، وهوى الإلف والعادة ، لا يخليهم أن ينصفوا : "فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا" أي : فإذا سمعوه عاندوا ، وكابروا ، وقضوا عليه بالبطلان ، وقابلوه بالإنكار ، ولا خفاء في أن التمثيل بالبعوضة وبأحقر منها- مما لا تغبي استقامته وصحته على من به أدنى مسكة ، ولكن ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل ، ولا متشبث بأمارة ولا إقناع ، أن يرمي لفرط الحيرة ، والعجز عن إعمال الحيلة ، بدفع الواضح ، وإنكار المستقيم ، والتعويل على المكابرة والمغالطة- إذا لم يجد سوى ذلك معولا . "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا" جواب عن تلك المقالة الباطلة ، ورد لها ببيان أنه مشتمل على حكمة جليلة ، وغاية جميلة ، هي كونه ذريعة إلى هداية المستعدين للهداية ، وإضلال المنهمكين في الغواية ، وقدم الإضلال على الهداية -مع تقدم حال المهتدين على حال الضالين فيما قبله ، ليكون أول ما يقرع أسماعهم من الجواب أمرا فظيعا يسوؤهم ، ويفت في أعضادهم ، وهو السر في تخصيص هذه الفائدة بالذكر "وما يضل به" أي بالمثل أو بضربه "إلا الفاسقين" تكملة للجواب والرد ، وزيادة تعيين لمن أريد إضلالهم ، ببيان صفاتهم القبيحة المستتبعة له .
    [ ص: 88 ] القول في تأويل قوله تعالى

    [27 ] الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون

    "الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه" صفة للفاسقين للذم ، و"العهد" الذي وصفوا بنقضه : هو وصية الله إلى خلقه ، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه ، وعلى لسان رسله - ونقضهم ذلك هو تركهم العمل به : "ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل" عام في كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى : كقطع الرحم ، والإعراض عن موالاة المؤمنين ، والتفرقة بين الأنبياء عليهم السلام والكتب في التصديق ، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر ، فإنه يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد من الوصلة التي هي المقصودة بالذات من كل وصل وفصل "ويفسدون في الأرض" بالمنع عن الإيمان ، والاستهزاء بالحق ، وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه : "أولئك هم الخاسرون" لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء ، والقطع بالوصل ، والفساد بالصلاح ، وعقابها بثوابها . وهذه الصفات المسوقة في الآية صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين ، كما قال تعالى في سورة الرعد : أفمن يعلم أنما أنـزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب الآيات -إلى أن قال- : والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار
    [ ص: 89 ] القول في تأويل قوله تعالى

    [28 ] كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون

    "كيف تكفرون بالله" التفات إلى خطاب المذكورين ، مبني على إيراد ما عدد من قبائحهم السابقة ، لتزايد السخط الموجب للمشافهة بالتوبيخ والتقريع . والاستفهام إنكاري بمعنى إنكار الواقع ، واستبعاده ، والتعجيب منه ، لأن معهم ما يصرف عن الكفر ، ويدعو إلى الإيمان "وكنتم أمواتا" أجساما لا حياة لها عناصر ، وأغذية ، ونطفا ، ومضغا مخلقة وغير مخلقة -وإطلاق الأموات على تلك الأجسام الجمادية ، إما حقيقة- بناء على أن الميت عادم الحياة مطلقا . كما في قوله تعالى : بلدة ميتا و : وآية لهم الأرض الميتة أو استعارة ، جريا على أن إطلاق الميت فيما تصح فيه الحياة ، لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس . "فأحياكم" بخلق الأرواح ، ونفخها فيكم . وإنما عطفه بالفاء لأنه متصل بما عطف عليه ، غير متراخ عنه ، بخلاف البواقي "ثم يميتكم" عندما تقضى آجالكم "ثم يحييكم" بالنشور ، والبعث ، للحساب والجزاء "ثم إليه ترجعون" -بعد الحشر- فيجازيكم بأعمالكم : إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . فما أعجب كفركم مع علمكم بحالتكم هذه . . . !

    فإن قيل : إن علموا أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم، لم يعلموا أنه يحييهم ثم إليه [ ص: 90 ] يرجعون ، فكيف نظم ما ينكرونه ، من الإحياء الأخير والرجع ، في سلك ما يعترفون به من الإحياء الأول ، والإماتة . . . . ؟

    قلت : تمكنهم من العلم بهما -لما نصب لهم من الدلائل- منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر . سيما وفي الآية تنبيه على ما يدل على صحتهما ، وهو أنه تعالى لما قدر على إحيائهم أولا ، قدر على أن يحييهم ثانيا ، فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته . . ! أو الخطاب ، مع أهل الكتابين ، وإنكار اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها الله تعالى- إما لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر ، أو على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر ، أو لإرادة الأمرين جميعا . فإن ما عدده آيات ، وهي -مع كونها آيات- من أعظم النعم .
    القول في تأويل قوله تعالى :

    [29 ] هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم

    "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى ، فإنها خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى ، وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم ، ويتم به معاشهم ، ومعنى "لكم" لأجلكم ، ولانتفاعكم . وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل . ولا فرق بين الحيوانات وغيرها ، مما ينتفع به من غير ضرر . وفي التأكيد بقوله "جميعا" أقوى دلالة على هذا .

    ثم استوى إلى السماء قال أبو العالية الرياحي: استوى إلى السماء أي : ارتفع . نقله عنه البخاري في صحيحه ، ورواه محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن الربيع بن أنس . [ ص: 91 ] وقال البغوي : قال ابن عباس وأكثر المفسرين : ارتفع إلى السماء . وقال الخليل بن أحمد في "ثم استوى إلى السماء" : ارتفع . رواه أبو عمر ابن عبد البر في شرح الموطأ ، نقله الذهبي في "كتاب العلو" . وقد استدل بقوله "ثم استوى" على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء ، وكذلك الآية التي في (حم السجدة) . وقوله تعالى في سورة (والنازعات): والأرض بعد ذلك دحاها إنما يفيد تأخر دحوها ، لا خلق جرمها ، فإن خلق الأرض وتهيئتها -لما يراد منها- قبل خلق السماء . ودحوها بعد خلق السماء ، والدحو : هو البسط ، وإنبات العشب منها ، وغير ذلك . مما فسره قوله تعالى : أخرج منها ماءها ومرعاها الآية -وكانت قبل ذلك خربة وخالية . على أن "بعد" تأتي بمعنى "مع" ; كقوله : عتل بعد ذلك زنيم أي : مع ذلك ، فلا إشكال . وتقديم الأرض –هنا- ; لأنها أدل لشدة الملابسة والمباشرة فسواهن سبع سماوات أي : صيرهن ، كما في آية أخرى : فقضاهن

    (تنبيه) قال بعض علماء الفلك : السماوات السبع -المذكورة كثيرا في القرآن- هي هذه السيارات السبع . وإنما خصت بالذكر -مع أن السيارات أكثر من ذلك- لأنها أكبر السيارات وأعظمها ؛ على أن القرآن الكريم لم يذكرها في موضع واحد -على سبيل الحصر- فلا ينافي ذلك أنها أكثر من سبع .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 92 الى صـ 96
    الحلقة (17)



    وقال بعض علماء اللغة : إن العرب تستعمل لفظ سبع ، وسبعين ، وسبعمائة للمبالغة [ ص: 92 ] في الكثرة . فالعدد إذن غير مراد . ومنه آية : سبع سنابل وآية : والبحر يمده من بعده سبعة أبحر وآية : سبعين مرة والله أعلم .

    وذهب بعض علماء الفلك إلى أن الحصر في السبع حقيقي ، وأن المراد به العالم الشمسي وحده دون غيره . وعبارته : إن قيل : إن كل ما يعلو الأرض -من الشمس والقمر والكواكب- هو سماء ، فلماذا خصص تعالى عددا هو سبع ؟

    فالجواب : لا شك أنه يشير إلى العالم الشمسي -الذي أحطنا الآن به علما- وأن حصر العدد لا يدل على احتمال وجود زيادة عن سبع ، لأن القول بذلك ، يخرج تطبيق القرآن على الفلك ، لأن العلم أثبتها سبعا كالقرآن الذي لم يوجد فيه احتمال الزيادة -لأن الجمع يدخل فيه جميع العوالم التي لا نهاية لها- حتى يمكن أن يقال : إن سبعا للمبالغة -كسبعين وسبعمائة- ، ولا يصح أن يكون العدد سبعة للمبالغة لأنه قليل جدا بالنسبة إلى العوالم التي تعد بالملايين -مثل العالم الشمسي- ويؤيد الحصر في هذا العدد آية : ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا فأخرج الشمس لأنها مركز ، [ ص: 93 ] وأخرج القمر لأنه تابع للأرض ، ولم يبق بعد ذلك إلا سبع . . . . . !

    قال : وبذلك تتجلى الآن معجزة واضحة جلية . لأنه في عصر التقدم والمدنية العربية ، حينما كان العلم ساطعا على الأرض بعلماء الإسلام ، كان علماء الفلك لا يعرفون من السيارات إلا خمسا -بأسمائها العربية إلى اليوم- وهي : عطارد ، الزهرة ، المريخ ، المشترى ، زحل . وكانوا يفسرونها بأنها هي السماوات المذكورة في القرآن . ولما لم يمكنهم التوفيق بين السبع والخمس ، أضافوا الشمس والقمر لتمام العدد . مع أن القرآن يصرح بأن السماوات السبع غير الشمس والقمر . وذلك في قوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى فلفظ "وسخر" دليل يفصل تعداد الشمس والقمر عن السبع السماوات . ولذلك كان المفسرون -الذين لا يعرفون الهيئة- لا يرون أن تعد الشمس سماء ، ولا القمر ، لعلمهم أن السماوات السبع مسكونة ، وأما الشمس فنار محرقة ; فذهبوا -في تفسير السماوات- على تلك الظنون . ولما اكتشف بعد (بالتلسكوب) سيار لم يكن معلوما ، دعوه : أورانوس ، ثم سيار آخر سموه : نبتون -صارت مجاميع السيارات سبعا ، فهذا الاكتشاف -الذي ظهر بعد النبي صلى الله عليه وسلم بألف ومائتي سنة- دل على معجزة القرآن ، ونبوة المنزل عليه صلى الله عليه وسلم .

    ثم قال : وأما كون السماوات هي السيارات السبع بدون توابعها ، فلا يفهم من الآية ، لأن الأقمار التي نثبتها ، والنجوم الصغيرة التي مع المريخ ، يلزم أن تكون تابعة للسماوات السبع - لأنها تعلونا- وهي في العالم الشمسي . وحينئذ فالسماوات السبع هي مجاميع السيارات السبع ; بمعنى : أن مجموعة زحل -بما فيها هو نفسه أي مع أقماره الثمانية- تعد سماء ، لأن فلكها طبقة فوق طبقة فلك مجموعة المشترى ، ويدل على هذا [ ص: 94 ] التطبيق قوله تعالى : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير يشير إلى أن السماء الدنيا -أي السماء التي تلي الأرض- فلك المريخ ; فهو وما حوله من النجوم العديدة التي تسمى مصابيح ، وتعتبر كلها سماء وليس السيار نفسه .. . . ! انتهى .

    وقوله تعالى : وهو بكل شيء عليم اعتراض تذييلي مقرر لما قبله -من خلق السماوات والأرض وما فيها- على هذا النمط البديع المنطوي على الحكم الفائقة ، والمصالح اللائقة ، فإن علمه عز وجل بجميع الأشياء يستدعي أن يخلق كل ما يخلقه على الوجه الرائق .

    ولما ذكر تعالى الحياة والموت المشاهدين تنبيها على القدرة على ما اتبعهما به من البعث ، ثم دل على ذلك أيضا بخلق هذا الكون كله على هذا النظام البديع ، وختم ذلك بصفة العلم- ذكر ابتداء خلق هذا النوع البشري -المودع من صفة العلم- ما ظهر به فضله بقوله :
    القول في تأويل قوله تعالى:

    [30 ] وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون

    وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة أي : قوما يخلف بعضهم بعضا ، قرنا بعد قرن . كما قال تعالى : وهو الذي جعلكم خلائف الأرض وقال [ ص: 95 ] ويجعلكم خلفاء الأرض وقال : ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون وقال : فخلف من بعدهم خلف ويجوز أن يراد : خليفة منكم ، لأنهم كانوا سكان الأرض ، فخلفهم فيها آدم وذريته ، وأن يراد : خليفة مني ، لأن آدم كان خليفة الله في أرضه ، وكذلك كل نبي : إنا جعلناك خليفة في الأرض والغرض من إخبار الملائكة بذلك ، هو أن يسألوا ذلك السؤال ، ويجابوا بما أجيبوا به ، فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم ، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم ، أو الحكمة : تعليم العباد المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها ، وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم -وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة- أو تعظيم شأن المجعول ، وإظهار فضله ، بأن بشر بوجود سكان ملكوته ، ونوه بذكره في الملأ الأعلى قبل إيجاده ، ولقبه بالخليفة .

    قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون هذا تعجب من أن يستخلف -لعمارة الأرض وإصلاحها- من يفسد فيها ، واستعلام عن الحكمة في ذلك . أي : كيف تستخلف هؤلاء ، مع أن [ ص: 96 ] منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء ؟ فإن كان المراد عبادتك ، فنحن نسبح بحمدك ، ونقدس لك -أي ولا يصدر عنا شيء من ذلك- وهلا وقع الاقتصار علينا ... ؟ فقال تعالى مجيبا لهم "إني أعلم ما لا تعلمون" أي : إن لي حكمة -في خلق الخليقة- لا تعلمونها .

    فإن قلت : من أين عرف الملائكة ذلك حتى تعجبوا منه ، وإنما هو غيب ؟ أجيب : بأنهم عرفوه : إما بعلم خاص ، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية . فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف : من صلصال من حمإ مسنون أو فهموا من "الخليفة" أنه الذي يفصل بين الناس، ما يقع بينهم من المظالم ، ويردعهم عن المحارم والمآثم .

    قال العلامة برهان الدين البقاعي في تفسيره : وما يقال من أنه كان قبل آدم ، عليه السلام ، في الأرض خلق يعصون ، قاس عليهم الملائكة حال آدم عليه السلام -كلام لا أصل له . بل آدم أول ساكنيها بنفسه . انتهى .

    وقوله تعالى : نسبح بحمدك أي : ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك ، ملتبسين بحمدك- على ما أنعمت به علينا من فنون النعم التي من جملتها توفيقنا لهذه العبادة .

    وقوله : ونقدس لك أي : نصفك بما يليق بك -من العلو والعزة- وننزهك عما لا يليق بك . وقيل : المعنى نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك . كأنهم قابلوا الفساد، الذي أعظمه الإشراك بالتسبيح . وسفك الدماء الذي هو تلويث النفس بأقبح الجرائم ، بتطهير النفس عن الآثام . لا تمدحا بذلك ، ولا إظهارا للمنة ، بل بيانا للواقع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 97 الى صـ 101
    الحلقة (18)


    [ ص: 97 ] تنبيهات

    في وجوه فوائد من الآية

    الأول : دلت الآية على أن الله تعالى -في عظمته وجلاله- يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه ، وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه ، لا سيما عند الحيرة . والسؤال يكون بالمقال ، ويكون بالحال ، والتوجه إلى الله تعالى في إفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها -كالبحث العلمي ، والاستدلال العقلي ، والإلهام الإلهي- .

    الثاني : إذا كان من أسرار الله تعالى ، وحكمه ، ما يخفى على الملائكة ، فنخن أولى بأن يخفى علينا ، فلا مطمع للإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها ، لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلا . . . . . . . !

    الثالث : إن الله تعالى هدى الملائكة في حيرتهم ، وأجابهم عن سؤالهم بإقامة الدليل -بعد الإرشاد- إلى الخضوع والتسليم . وذلك أنه -بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون- علم آدم الأسماء ، ثم عرضهم على الملائكة ، كما سيأتي بيانه .

    الرابع : تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ، عن تكذيب الناس ، ومحاجتهم في النبوة بغير برهان ، على إنكار ما أنكروا ، وبطلان ما جحدوا . فإذا كان الملأ الأعلى قد مثلوا على أنهم يختصمون ، ويطلبون البيان والبرهان ، فيما لا يعلمون ، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين . أي : فعليك يا محمد أن تصبر على هؤلاء المكذبين ، وترشد المسترشدين ، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين . وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها . وكون الكلام لا يزال في موضوع الكتاب ، وكونه لا ريب فيه ؛ والرسول ، وكونه يبلغ وحي الله تعالى ، ويهدي به عباده ، واختلاف الناس فيها .

    [ ص: 98 ] ومن خواص القرآن الحكيم الانتقال من مسألة إلى أخرى مباينة لها ، أو قريبة منها ، مع كون الجميع في سياق موضوع واحد ، -كذا في تفسير مفتي مصر- .

    ولما بين سبحانه وتعالى لهم أولا على وجه الإجمال والإبهام ، أن في الخليفة فضائل غائبة عنهم ، ليستشرفوا إليها ، أبرز لهم طرفا منها ، ليعاينوه جهرة ، ويظهر لهم بديع صنعه وحكمته ، وتنزاح شبهتهم بالكلية ، فقال :
    القول في تأويل قوله تعالى:

    [31 ] وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين

    "وعلم آدم الأسماء كلها" إما بخلق علم ضروري بها فيه، أو إلقاء في روعه . وآدم : اسم عبراني مشتق من أدمه ، وهي لفظة عبرانية معناها التراب ، لأنه جبل من تراب الأرض . كما أن حواء كلمة عبرانية معناها "حي" ، وسميت بذلك لأنها تكون أم الأحياء . والمراد بالأسماء ، أسماء كل شيء . قال ابن عباس : هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ، ودابة ، وأرض ، وسهل ، وبحر ، وجبل ، وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها ، وفي التوراة مصداق الآية : وهو أنه تعالى صور من الأرض كل حيوانات البر ، وكل طيور السماء ، وأحضرها إلى آدم ، لينظر ما يسميها ، وكل ما سماه آدم من نفس حية ، فهو اسمه . وسمى آدم جميع الحيوانات بأساميها ، وجميع طيور السماء ، وجميع وحوش الأرض.

    قال ابن جرير : وفي هذه الآيات العبرة لمن اعتبر ، والذكرى لمن ادكر ، والبيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، عما أودع الله عز وجل في هذا القرآن ، من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن ; وذلك أن الله جل ثناؤه ، احتج فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم ، على من كان بين ظهرانيه ، من يهود بني إسرائيل ، بإطلاعه إياه من علوم الغيب ، التي لم يكن تعالى [ ص: 99 ] أطلع عليها من خلقه إلا خاصا ، ولم يكن مدركا علمه إلا بالأنباء والأخبار ، لتتقرر عندهم صحة نبوته ، ويعلموا أن ما آتاهم به فمن عنده .

    قال الحافظ ابن كثير : وهذا كان بعد سجودهم له ، وإنما قدم هذا الفصل على ذاك ، لمناسبة ما بين هذا المقام ، وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة ، حين سألوا عن ذلك . فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون ، ولهذا ذكر الله هذا المقام ، عقيب هذا ، ليبين لهم شرف آدم بما فضل عليهم في العلم : ثم عرضهم على الملائكة أي : عرض أهل الأسماء ، فالضمير للمسميات المدلول عليها ضمنا : فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء أي التي علمتها آدم . وإنما استنبأهم ، وقد علم عجزهم عن الإنباء ، تبكيتا لهم ، وإظهارا لعجزهم عن إقامة ما علقوا به رجاءهم من أمر الخلافة ، فإن التصرف والتدبير ، وإقامة المعدلة ، بغير وقوف على مراتب الاستعدادات ، ومقادير الحقوق ، مما لا يكاد يمكن "إن كنتم صادقين" أي : في زعمكم أنكم أحقاء بالخلافة ممن استخلفته ، كما ينبئ عنه مقالكم . والتصديق كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه ، قد يتطرق إليه باعتبار ما يلزمه من الأخبار . فإن أدنى مراتب الاستحقاق ، هو الوقوف على أسماء ما في الأرض ، ولما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم ، وبدت لهم هفوة زلتهم ، أنابوا إلى الله تعالى بالتوبة ، وذلك ما أفاده قوله تعالى :
    القول في تأويل قوله تعالى:

    [32 ] قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم

    "قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم" تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه ، إلا بما شاء . وأن يعلموا شيئا إلا ما علمهم الله تعالى . واعتراف منهم بالعجز والقصور عما كلفوه ، وأنه العالم بكل المعلومات التي من جملتها استعداد آدم عليه السلام ، لما نحن بمعزل من الاستعداد له ، من العلوم الخفية المتعلقة بما في الأرض من أنواع المخلوقات التي عليها يدور فلك خلافة الحكيم الذي لا يفعل [ ص: 100 ] إلا ما تقتضيه الحكمة ، ومن جملته تعليم آدم عليه السلام ما هو قابل له من العلوم الكلية ، والمعارف الجزئية ، المتعلقة بالأحكام الواردة على ما في الأرض ، وبناء أمر الخلافة عليها .
    القول في تأويل قوله تعالى:

    [33 ] قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون

    "قال يا آدم أنبئهم" أي : أعلمهم "بأسمائهم" التي عجزوا عن علمها : فلما أنبأهم بأسمائهم قال عز وجل تقريرا لما مر من الجواب الإجمالي واستحضارا له : ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض إيراد ما لا تعلمون بعنوان الغيب مضافا إلى السماوات والأرض للمبالغة في بيان كمال شمول علمه المحيط ، وغاية سعته . مع الإيذان بأن ما ظهر من عجزهم، وعلم آدم عليه السلام ، من الأمور المتعلقة بأهل السماوات والأرض . وهذا دليل واضح على أن المراد بما لا تعلمون ، فيما سبق ، ما أشير إليه هناك ، كأنه قيل : ألم أقل لكم إني أعلم فيه من دواعي الخلافة ما لا تعلمونه فيه ، هو هذا الذي عاينتموه . وفي الآية تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى ، وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبين لهم : وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون عطف على جملة : ألم أقل لكم لا على "أعلم" ، إذ هو غير داخل تحت القول . أي : ما تظهرونه بألسنتكم ، وما كنتم تخفون في أنفسكم .
    [ ص: 101 ] القول في تأويل قوله تعالى:

    [34 ] وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين

    "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" لما أنبأهم بأسماء ، وعلمهم ما لم يعلموا ، أمرهم بالسجود له ، على وجه التحية والتكرمة تعظيما له ، واعترافا بفضله ، واعتذارا عما قالوا فيه . وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم عليه السلام : فسجدوا إلا إبليس أبى أي : امتنع عن السجود "واستكبر" أي : تكبر ، وقال : أنا خير منه ، فالسين للمبالغة "وكان" في سابق علم الله أو صار "من الكافرين" .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 102 الى صـ 106
    الحلقة (19)


    تنبيهات :

    الأول : للناس في هذا السجود أقوال : أحدها أنه تكريم لآدم ، وطاعة لله ، ولم يكن عبادة لآدم . وقيل : السجود لله ، وآدم قبلة ، أو السجود لآدم تحية ، أو السجود لآدم عبادة بأمر الله ، وفرضه عليهم . ذكر ابن الأنباري عن الفراء ، وجماعة من الأئمة : أن سجود الملائكة لآدم ، كان تحية ، ولم يكن عبادة، وكان سجود تعظيم وتسليم وتحية ، لا سجود صلاة وعبادة . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : قال أهل العلم : السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه . وعلى هذا إجماع كل من يسمع قوله . فإن الله تعالى قال : اسجدوا لآدم ولم يقل : إلى آدم . وكل حرف له معنى ، وفرق بين "سجدت له" ، وبين "سجدت إليه" . قال تعالى : لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ولله يسجد [ ص: 102 ] من في السماوات والأرض أجمع المسلمون على أن السجود للأحجار ، والأشجار ، والدواب محرم ، وأما الكعبة ، فيقال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس ، ثم صلى إلى الكعبة ، ولا يقال صلى لبيت المقدس ، ولا للكعبة . والصواب أن الخضوع بالقلوب ، والاعتراف بالعبودية ، لا يصلي على الإطلاق إلا لله سبحانه . وأما السجود فشريعة من الشرائع يتبع الأمر . فلو أمرنا سبحانه أن نسجد لأحد من خلقه ، لسجدنا طاعة واتباعا لأمره . فسجود الملائكة لآدم عبادة لله ، وطاعة ، وقربة يتقربون بها إليه . وهو لآدم تشريف وتعظيم وتكريم . وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام. ولم يأت أن آدم سجد للملائكة . بل لم يؤمر بالسجود إلا لله رب العالمين . وبالجملة ، أهل السنة قالوا : إنه سجود تعظيم وتكريم وتحية له . وقالت المعتزلة : كان آدم كالقبلة يسجد إليه ، ولم يسجدوا له . قالوا ذلك هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم ; فإن أهل السنة قالوا : إبليس من الملائكة ، وصالح البشر أفضل من الملائكة ، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم . وخالفت المعتزلة في ذلك وقالت : الملائكة أفضل من البشر ، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة ، ويبطله ما حكى الله سبحانه عن إبليس : قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا

    الثاني : اختلفوا في الملائكة الذين أمروا بالسجود ، فقيل : هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض . قال تقي الدين بن تيمية : هذا القول ليس من أقوال المسلمين واليهود النصارى . وقيل : هم جميع الملائكة ، حتى جبريل وميكائيل . وهذا قول العامة من أهل العلم بالكتاب والسنة . قال ابن تيمية : ومن قال خلافه فقد رد القرآن بالكذب والبهتان ، [ ص: 103 ] لأنه سبحانه قال : فسجد الملائكة كلهم أجمعون وهذا تأكيد للعموم .

    الثالث : للعلماء في إبليس ، هل كان من الملائكة أم لا ؟ قولان : أحدهما أنه كان من الملائكة . قاله ابن عباس ، وابن مسعود ، وسعيد بن المسيب ، واختاره الشيخ موفق الدين ، والشيخ أبو الحسن الأشعري ، وأئمة المالكية ، وابن جرير الطبري . قال البغوي : هذا قول أكثر المفسرين ، لأنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم . قال تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس فلولا أنه من الملائكة ، لما توجه الأمر إليه بالسجود ، ولو لم يتوجه الأمر إليه بالسجود لم يكن عاصيا ، ولما استحق الخزي والنكال .

    والقول الثاني : أنه كان من الجن ، ولم يكن من الملائكة . قاله ابن عباس ، في رواية ، والحسن وقتادة ، واختاره الزمخشري ، وأبو البقاء العكبري ، والكواشي في تفسيره . لقوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه فهو أصل الجن ، كما أن آدم أصل الإنس ، ولأنه خلق من نار ، والملائكة خلقوا من نور ، ولأن له ذرية ، ولا ذرية للملائكة .

    قال في الكشاف : إنما تناوله الأمر ، وهو للملائكة خاصة ، لأن إبليس كان في صحبتهم ، وكان يعبد الله عبادتهم ، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له كان الجني الذي معهم أجدر بأن يتواضع . والقول الأول هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء ، وصححه البغوي . وأجابوا عن قوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن أي : من الملائكة الذين هم خزنة الجنة .

    [ ص: 104 ] قال ابن القيم : الصواب التفصيل في هذه المسألة ، وأن القولين في الحقيقة قول واحد . فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله ; كان أصله من نار ، وأصل الملائكة من نور . فالنافي كونه من الملائكة ، والمثبت ، لم يتواردا على محل واحد . وكذلك قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في الفتاوى المصرية : وقيل إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار . سموا "جنا" ; لاستتارهم عن الأعين ، فإبليس كان منهم . الدليل على ذلك قوله تعالى : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا وهو قولهم : الملائكة بنات الله ، ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية.

    سئل الشعبي : هل لإبليس زوجة ؟ قال : ذلك عرس لم أشهده ! قال : ثم قرأت هذه الآية ، فعلمت أنه لا يكون له ذرية إلا من زوجة. فقلت : نعم . وقال قوم : ليس له ذرية ولا أولاد ، وذريته أعوانه من الشياطين .

    الرابع : في قوله تعالى : وكان من الكافرين قولان : أحدهما أنه وقت العبادة كان منافقا ، والثاني أنه كان مؤمنا ثم كفر ، وهذا قول الأكثرين . فقيل في معنى الآية : "وكان من الكافرين" في علم الله ، أي كان عالما في الأزل أنه سيكفر . والذي عليه الأكثرون أن إبليس أول كافر بالله . أو يقال : معنى الآية أنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك . واختلف الناس بأي سبب كفر إبليس ، لعنه الله . فقالت الخوارج : إنما كفر بمعصية الله ، وكل معصية كفر . وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة . وقال آخرون : كفر بترك السجود لآدم ومخالفته أمر الله . وقال آخرون : كفر لأنه خالف الأمر الشفاهي من الله ، فإن الله خاطب الملائكة وأمرهم بالسجود . ومخالفة الأمر الشفاهي أشد قبحا . وقال جمهور الناس : كفر إبليس لأنه أبى السجود واستكبر وعاند وطعن ، [ ص: 105 ] واعتقد أنه محق في تمرده ، واستدل بـ : أنا خير منه كما يأتي . فكأنه ترك السجود لآدم . تسفيها لأمر الله وحكمته . وهذا الكبر عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» كذا في كتاب الاستعاذة للإمام ابن مفلح الحنبلي رحمه الله تعالى .
    القول في تأويل قوله تعالى:

    [35 ] وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين

    وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام ، وخلق له زوجة وأقرهما في الجنة ، أباحهما الأكل منها بقوله "وكلا منها رغدا" أي : أكلا واسعا . و"حيث" للمكان المبهم ، أي : أي مكان من الجنة شئتما . أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلة . حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة . حتى لا يبقى لهما عذر في التناول مما منعا منه بقوله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة أي هذه الحاضرة من الشجر ، أي لا تأكلا منها ، وإنما علق النهي بالقربان منها ، مبالغة في تحريم الأكل ، ووجوب الاجتناب عنه . لأن القرب من الشيء مقتضى الألفة . والألفة داعية للمحبة ، ومحبة الشيء تعمي وتصم . فلا يرى قبيحا ، ولا [ ص: 106 ] يسمع نهيا ، فيقع . والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه ، كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به . وعلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم « العينان تزنيان » لما كان النظر داعيا إلى الألفة ، والألفة إلى المحبة ، وذلك مفض لارتكابه ، فصار النظر مبدأ الزنا . وعلى هذا قوله تعالى : ولا تقربوا الزنا ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن

    قال ابن العربي : سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول : إذا قيل : لا تقرب بفتح الراء ، كان معناه لا تتلبس بالفعل ، وإذا كان بضم الراء ، معناه لا تدن ، نقله ابن مفلح في كتاب الاستعاذة. ونقل الفرق المذكور بينهما أيضا السيد مرتضى في شرح القاموس عن شيخه العلامة الفاسي . قال : إن أرباب الأفعال نصوا عليه ، وظاهر القاموس أنهما مترادفان ، فإنه قال : قرب منه ، ككرم ، وقربه كسمع قربا وقربانا ، وقربانا : دنا ، فهو قريب . للواحد والجمع . انتهى .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



    تفسير "محاسن التأويل"
    محمد جمال الدين القاسمي
    سورة البقرة
    المجلد الثانى
    صـ 107 الى صـ 111
    الحلقة (20)

    [ ص: 107 ] لطيفة :

    جاء في آية الأعراف "فكلا" وهنا بالواو ، لأن كل فعل عطف عليه شيء ، وكان ذلك الفعل كالشرط ، وذكر الشيء كالجزاء ، عطف بالفاء دون الواو ، كقوله تعالى : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا لما كان وجود الأكل منها متعلقا بدخولها ذكر بالفاء ، كأنه قال : إن دخلتموها أكلتم منها ، فالأكل يتعلق وجوده بوجود الدخول . وقوله في الأعراف : اسكنوا هذه القرية وكلوا منها بالواو دون الفاء ، لأنه من السكنى ، وهو في المقام مع اللبث الطويل ، والأكل لا يختص وجوده بوجوده ، لأن من دخل بستانا قد يأكل منه ، وإن كان مجتازا ، فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط ، عطف بالواو . وإذا ثبت هذا فنقول : قد يراد بـ "اسكن" الزم مكانا دخلته ، ولا تنتقل عنه ، وقد يراد ادخله واسكن فيه . ففي البقرة ، ورد الأمر ، بعد أن كان آدم في الجنة ، فكان المراد المكث ، والأكل لا يتعلق به ، فجيء بالواو . وفي الأعراف ورد قبل أن دخل الجنة ، والمراد الدخول والأكل متعلق به ، فورد بالفاء .

    [ ص: 108 ] تنبيه :

    لم يرد في القرآن المجيد ، ولا في السنة الصحيحة تعيين هذه الشجرة ; إذ لا حاجة إليه ، لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة ، وما لا يكون مقصودا ، لا يجب بيانه. وقوله "من الظالمين" أي : من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله تعالى .

    قال ابن مفلح الحنبلي في كتاب الاستعاذة: قال ابن حزم : حمل الأمر على الندب ، والنهي على الكراهة ، يقع فيه الفقهاء والأفاضل كثيرا ، وهو الذي يقع من الأنبياء عليهم السلام ، ولا يؤاخذون به ، وعلى السبيل أكل آدم من الشجرة . ومعنى قوله "فتكونا من الظالمين" أي : ظالمين لأنفسكما ، والظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه، فمن وضع الأمر والنهي في موضع الندب والكراهة، فقد وضع الشيء في غير موضعه. انتهى.

    ثم قال : وقال أبو محمد بن حزم في "الملل والنحل" : لا براءة من المعصية أعظم من حال من ظن أن أحدا لا يحلف حانثا ، وهكذا فعل آدم عليه السلام ، فإنه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ناسيا لنص القرآن ، ومتأولا وقاصدا إلى الخير ، لأنه قدر أنه يزداد حظوة عند الله فيكون ملكا مقربا ، أو خالدا فيما هو فيه أبدا ، فأداه ذلك إلى خلاف ما أمره الله به ، وكان الواجب أن يحمل أمر ربه على ظاهره ، لكن تأول وأراد الخير فلم يصبه ، ولو فعل هذا عالم من علماء المسلمين لكان مأجورا ، ولكن آدم لما فعل وأخرج عن الجنة إلى الدنيا ، كان بذلك ظالما لنفسه . وقد سمى الله تعالى قاتل الخطأ قاتلا ، كما سمى العامد ، والمخطئ لم يعمد معصية ، وجعل في مثل الخطأ عتق رقبة ، وهو لم يعمد ذنبا . انتهى.

    وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية ، وجماعة من المتأخرين : الصواب أن آدم عليه السلام ، لما قاسمه عدو الله أنه ناصح ، وأكد كلامه بأنواع من التأكيدات : أحدها القسم .

    والثاني الإتيان بجملة اسمية لا فعلية .

    والثالث تصديرها بأداة التأكيد .

    الرابع الإتيان بلام التأكيد في الخبر .

    الخامس الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحدث .

    السادس [ ص: 109 ] تقديم المعمول على العامل فيه . ولم يظن آدم أن أحدا يحلف بالله كاذبا يمين غموس ، فظن صدقه ، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة ، ورأى أن الأكل ، وإن كان فيه مفسدة ، فمصلحة الخلود أرجح ، ولعله يتأتى له استدراك مفسدة اليمين في أثناء ذلك باعتذار أو توبة ، كما تجد هذا التأويل في نفس كل مؤمن أقدم على معصية. اهـ.

    قال ابن مفلح: فآدم عليه السلام لم يخرج من الجنة إلا بالتأويل ، فالتأويل لنص الله أخرجه ، وإلا فهو لم يقصد المعصية ، والمخالفة ، وأن يكون ظالما مستحقا للشقاء. انتهى .
    القول في تأويل قوله تعالى :

    [36 ] فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين

    "فأزلهما الشيطان عنها" أي : أذهبهما عن الجنة ، وأبعدهما . يقال : زل عن مرتبته ، وزل عني ذاك ، إذا ذهب عنك؛ وزل من الشهر كذا . وقال ابن جرير: فأزلهما ، بتشديد اللام ، بمعنى استزلهما ، من قولك زل الرجل في دينه ، إذا هفا فيه وأخطأ ، فأتى ما ليس له إتيان فيه ، وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه . وقرئ "فأزالهما" بالألف ، من التنحية : فأخرجهما مما كانا فيه من الرغد والنعيم والكرامة "وقلنا اهبطوا" أي : انزلوا إلى الأرض ، خطاب لآدم وحواء والشيطان ، أو خطاب لآدم وحواء خاصة، لقوله في الآية الأخرى : قال اهبطا منها جميعا وجمع الضمير لأنهما أصلا الإنس ، فكأنهما الإنس كلهم "بعضكم لبعض عدو" متعادين يبغي بعضكم على بعض: "ولكم في الأرض مستقر" منزل وموضع استقرار "ومتاع" تمتع بالعيش "إلى حين" أي : إلى الموت .
    [ ص: 110 ] القول في تأويل قوله تعالى:

    [37 ] فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم

    "فتلقى آدم من ربه كلمات" استقبلها بالأخذ والقبول ، والعمل بها حين علمها . قال ابن جرير : وهي الكلمات التي أخبر عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه ، معترفا بذنبه ، وهو قوله : ربنا ظلمنا أنفسنا الآية ، فدعا بها لكي تكون عنوانا له ولأولاده على التوبة "فتاب عليه" فرجع عليه بالرحمة والقبول ، وتجاوز عنه ، وقوله تعالى : "إنه هو التواب الرحيم" في الجمع بين الاسمين ، وعد للتائب بالإحسان مع العفو .
    القول في تأويل قوله تعالى:

    [38 ] قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون

    "قلنا" لآدم وحواء "اهبطوا منها" من الجنة "جميعا" ثم ذكر ذرية آدم فقال "فإما" بإدغام نون "إن" الشرطية في "ما" الزائدة "يأتينكم مني هدى" كتاب أنزله عليكم ، ورسول أبعثه إليكم "فمن تبع هداي" أقبل على الهدى وقبل : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الآخرة بأن يدخلوا الجنة .
    القول في تأويل قوله تعالى :

    [39 ] والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون

    والذين كفروا وكذبوا بآياتنا بالكتاب والرسول : أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون لا يموتون ولا يخرجون .

    [ ص: 111 ] تنبيه :

    إنما كرر الأمر بالهبوط للتأكيد والإيذان بتحتم مقتضاه . وتحققه لا محالة . أو لاختلاف المقصود . فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون . والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف . فمن اتبع الهدى نجا ، ومن ضله هلك .

    فوائد :

    الأولى :

    ذهب كثيرون إلى أن الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام ، كانت في الأرض . قال بعضهم : هي على رأس جبل بالمشرق تحت خط الاستواء . وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة ، كما في قوله تعالى : اهبطوا مصرا واحتجوا عليه بوجوه :

    أحدها : أن هذه الجنة : لو كانت هي دار الثواب ، لكانت جنة الخلد ، ولو كان آدم في جنة الخلد ، لما لحقه الغرور من الشيطان بقوله : هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ولما صح قوله : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين

    وثانيها : أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى : وما هم منها بمخرجين




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •