الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله - الصفحة 4
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234
النتائج 61 إلى 75 من 75
1اعجابات

الموضوع: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله



    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (61)
    صـ248 إلى صـ 255


    فصل

    وأما الثاني; فإن المكلف مطلوب بأعمال ووظائف شرعية لا بد له منها ، ولا محيص له عنها ، يقوم فيها بحق ربه تعالى ، فإذا أوغل في علم شاق; فربما قطعه عن غيره ، ولا سيما حقوق الغير التي تتعلق به ، فيكون عبادته أو عمله الداخل فيه قاطعا عما كلفه الله به; فيقصر فيه ، فيكون بذلك ملوما غير معذور; إذ المراد منه القيام بجميعها على وجه لا يخل بواحدة منها ، ولا بحال من أحواله فيها .

    ذكر البخاري عن أبي جحيفة; قال : آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين سلمان وأبي الدرداء ، فزار سلمان أبا الدرداء ، فرأى أم الدرداء - وهي زوجه - متبذلة; فقال لها : ما شأنك ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا . فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما ، فقال له : كل فإني صائم . فقال : ما أنا بآكل حتى [ ص: 248 ] تأكل; فأكل . فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم ، فقال : نم ، فنام . ثم ذهب ليقوم ، فقال : نم . فلما كان من آخر الليل قال سلمان : قم الآن . فصلينا ، فقال له سلمان : إن لربك عليك حقا ، ولنفسك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا ، فأعط كل ذي حق حقه . فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر له ذلك; فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : صدق سلمان .

    وقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ : أفتان أنت ، أو أفاتن أنت ؟ ( ثلاث مرات ) ، فلولا صليت ب سبح اسم ربك الأعلى [ الأعلى : 1 ] ، والشمس وضحاها [ الشمس : 1 ] ، و والليل إذا يغشى [ الليل : 1 ] ، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة ، وكان الشاكي به رجل أقبل بناضحين وقد جنح الليل ، فوافق معاذا يصلي ، فترك ناضحيه ، وأقبل إلى معاذ ، فقرأ سورة البقرة والنساء; فانطلق الرجل . انظره في البخاري .

    وكذلك حديث : إني لأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي الحديث .

    [ ص: 249 ] ويروى عن محمد بن صالح أنه دخل صوامع المنقطعين ومواضع المتعبدين ، فرأى رجلا يبكي بكاء عظيما بسبب أن فاتته صلاة صلاة الصبح في الجماعة لإطالته الصلاة من الليل .

    وأيضا; فقد يعجز الموغل في بعض الأعمال عن الجهاد أو غيره وهو من أهل الغناء فيه ، ولهذا قال في الحديث في داود عليه السلام : كان يصوم يوما ويفطر يوما ، ولا يفر إذا لاقى .

    وقيل لابن مسعود رضي الله عنه : وإنك لتقل الصوم . فقال : إنه يشغلني عن قراءة القرآن ، وقراءة القرآن أحب إلي منه .

    [ ص: 250 ] ونحو هذا ما حكى عياض عن ابن وهب أنه آلى أن يصوم يوم عرفة أبدا; لأنه كان في الموقف يوما صائما ، وكان شديد الحر فاشتد عليه . قال : فكان الناس ينتظرون الرحمة وأنا أنتظر الإفطار .

    وكره مالك إحياء الليل كله وقال : لعله يصبح مغلوبا ، وفي رسول الله أسوة . ثم قال : " لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح ، فإن كان يأتيه الصبح وهو نائم; فلا ، وإن كان وهو به فتور أو كسل; فلا بأس به " .

    فإذا ظهرت علة النهي عن الإيغال في العمل ، وأنه يسبب تعطيل وظائف ، كما أنه يسبب الكسل والترك ويبغض العبادة ، فإذا وجدت العلة أو كانت متوقعة ، نهي عن ذلك ، وإن لم يكن شيء من ذلك; فالإيغال فيه حسن ، وسبب القيام [ ص: 251 ] بالوظائف مع الإيغال ما تقدم في الوجه الأول من غلبة الخوف أو الرجاء أو المحبة .

    فإن قيل : دخول الإنسان في العمل وإيغاله فيه ، وإن كان له وازع الخوف ، أو حادي الرجاء ، أو حامل المحبة ، لا يمكن معه استيفاء أنواع العبادات ، ولا يتأتى له أن يكون قائما الليل ، صائما النهار ، واطئا أهله ، إلى أشباه ذلك من مواصلة الصيام مع القيام على الكسب للعيال ، أو القيام بوظائف الجهاد على كمالها ، وكذلك إدامة الصلاة مع إعانة العباد ، وإغاثة اللهفان ، وقضاء حوائج الناس ، وغير ذلك من الأعمال ، بل كثير منها تضاد أعمالا أخر بحيث لا يمكن الاجتماع فيها ، وقد لا تضادها ، ولكن تؤثر فيها نقصا ، وتزاحم الحقوق على المكلف معلوم غير مجهول ، فكيف يمكن القيام بجميع الحقوق أو بأكثرها والحالة هذه ؟ ولهذا جاء : من يشاد هذا الدين يغلبه .

    وأيضا; فإن سلم مثل هذا في أرباب الأحوال ومسقطي الحظوظ; فكيف الحال مع إثباتها والسعي فيها والطلب لها ؟

    فالجواب أن الناس كما تقدم ضربان :

    أحدهما : أرباب الحظوظ ، وهؤلاء لا بد لهم من استيفاء حظوظهم المأذون لهم فيها شرعا ، لكن بحيث لا يخل بواجب عليهم ، ولا يضر بحظوظهم .

    فقد وجدنا عدم الترخص في مواضع الترخص بالنسبة إليهم موقعا في مفسدة أو مفاسد يعظم موقعها شرعا ، وقطع العوائد المباحة قد يوقع في [ ص: 252 ] المحرمات ، وكذلك وجدنا المرور مع الحظوظ مطلقا خروجا عن ربقة العبودية; لأن المسترسل في ذلك على غير تقييد ملق حكمة الشرع عن نفسه ، وذلك فساد كبير ، ولرفع هذا الاسترسال جاءت الشرائع ، كما أن ما في السماوات وما في الأرض مسخر للإنسان .

    فالحق الذي جاءت به الشريعة هو الجمع بين هذين الأمرين تحت نظر العدل ، فيأخذ في الحظوظ ما لم يخل بواجب ، ويترك الحظوظ ما لم يؤد الترك إلى محظور ، ويبقى في المندوب والمكروه على توازن ، فيندب إلى فعل المندوب الذي فيه حظه; كالنكاح مثلا ، وينهى عن المكروه الذي لا حظ فيه عاجلا; كالصلاة في الأوقات المكروهة ، وينظر في المندوب الذي لا حظ له فيه ، وفي المكروه الذي له فيه حظ - أعني : الحظ العاجل - ; فإن كان ترك حظه في المندوب يؤدي لما يكره شرعا ، أو لترك مندوب هو أعظم أجرا; كان استعماله الحظ وترك المندوب أولى; كترك التمتع بزوجته المؤدي إلى التشوف إلى الأجنبيات ، حسب ما نبه عليه حديث : إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته [ ص: 253 ] إلخ .

    وكذلك ترك الصوم يوم عرفة ، أو لأجل أن يقوى على قراءة القرآن .

    [ ص: 254 ] وفي الحديث : إنكم قد استقبلتم عدوكم والفطر أقوى لكم .

    وكذلك إن كان ترك المكروه الذي له فيه حظ يؤدي إلى ما هو أشد كراهة منه; غلب الجانب الأخف; كما قال الغزالي : إنه ينبغي أن يقدم طاعة الوالدين في تناول المتشابهات ، على التورع عنها مع عدم طاعتهما; فإن تناول المتشابهات للنفس فيها حظ ، فإذا كان فيها اشتباه طلب التورع عنها وكره تناولها لأجله ، فإن كان في تناولها رضا الوالدين; رجح جانب الحظ هنا بسبب ما هو أشد في الكراهية ، وهو مخالفة الوالدين ، ومثله ما روي عن مالك أن طلب الرزق في شبهة أحسن من الحاجة إلى الناس .

    فالحاصل أن الحظوظ لأصحاب الحظوظ تزاحم الأعمال; فيقع الترجيح بينها ، فإذا تعين الراجح ارتكب وترك ما عداه ، وبسط هذه الجملة هي عمدة كلام الفقهاء في تفاريع الفقه .

    [ ص: 255 ] والثاني : أهل إسقاط الحظوظ ، وحكمهم حكم الضرب الأول في الترجيح بين الأعمال ، غير أن سقوط حظوظهم لعزوف أنفسهم عنها منع الخوف عليهم من الانقطاع وكراهية الأعمال ، ووفقهم في الترجيح بين الحقوق ، وأنهضهم من الأعمال بما لم ينهض به غيرهم; فصاروا أكثر أعمالا وأوسع مجالا في الخدمة; فيسعهم من الوظائف الدينية المتعلقة بالقلوب والجوارح ما يستعظمه غيرهم ويعده في خوارق العادات ، وأما أنه يمكنهم القيام بجميع ما كلفه العبد وندب إليه على الجملة; فمتعذر ، إلا في المنهيات; فإنه ترك بإطلاق ، ونفي أعمال لا إعمال ، والنفي العام ممكن الحصول بخلاف الإثبات العام ، ولما سقطت حظوظهم صارت عندهم لا تزاحم الحقوق إلا من حيث الأمر ; كقوله : إن لنفسك عليك حقا ، وحقه من حيث هو حق له ضعيف عنده ، أو ساقط فصار غيره عنده أقوى من حظ نفسه; فحظه إذا آخر الأشياء المستحقة ، وإذا سقطت الحظوظ لحق ما هو بدل عنها; لأن زمان طلب الحظ لا يبقى خاليا ، فدخل فيه من الأعمال كثير ، وإذا عمل على حظه من حيث الأمر; فهو عبادة كما سيأتي; فصار عبادة بعد ما كان عادة ، فهو ساقط من جهته ، ثابت من جهة الأمر; كسائر الطاعات ، ومن هنا صار مسقط الحظ أعبد الناس ، بل يصير أكثر عمله في الواجبات ، وهنا مجال رحب له موضع غير هذا .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (62)
    صـ256 إلى صـ 264

    فصل

    ما تقدم ذكره إنما هو فيما كان من الأعمال يتسبب عنه مشقة وهو من [ ص: 256 ] المأذون فيه ، فإن كان غير مأذون فيه وتسبب عنه مشقة فادحة; فهو أظهر في المنع من ذلك التسبب; لأنه زاد على ارتكاب النهي إدخال العنت والحرج على نفسه .

    إلا أنه قد يكون في الشرع سببا لأمر شاق على المكلف ، ولكن لا يكون قصد من الشارع لإدخال المشقة عليه ، وإنما قصد الشارع جلب مصلحة أو درء مفسدة; كالقصاص ، والعقوبات الناشئة عن الأعمال الممنوعة; فإنها زجر للفاعل ، وكف له عن مواقعة مثل ذلك الفعل ، وعظة لغيره أن يقع في مثله أيضا ، وكون هذا الجزاء مؤلما وشاقا مضاه لكون قطع اليد المتأكلة ، وشرب الدواء البشيع مؤلما وشاقا ، فكما لا يقال للطبيب : إنه قاصد للإيلام بتلك الأفعال ، فكذلك هنا ، فإن الشارع هو الطبيب الأعظم .

    والأدلة المتقدمة في أن الله لم يجعل في الدين من حرج ولا يريد جعله فيه ، ويشبه هذا ما في الحديث من قوله : ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته ، ولا بد له من الموت ; لأن الموت لما كان حتما على المؤمن ، وطريقا إلى وصوله إلى ربه ، وتمتعه بقربه في دار القرار ، صار في القصد إليه معتبرا ، وصار من جهة المساءة فيه مكروها ، وقد يكون لاحقا بهذا المعنى النذور التي يشق على الإنسان [ ص: 257 ] الوفاء بها; لأن المكلف لما أريح من مقتضياتها كان التزامها مكروها ، فإذا وقع وجب الوفاء بها من حيث هي عبادات وإن شقت ، كما لزمت العقوبات بناء على التسبب فيها ، حتى إذا كانت النذور فيما ليس بعبادة ، أو كانت في عبادة لا تطاق وشرعت لها تخفيفات ، أو كانت مصادمة لأمر ضروري أو حاجي في الدين سقطت ، كما إذا حلف بصدقة ماله ، فإنه يجزئه الثلث ، أو نذر المشي إلى مكة راجلا فلم يقدر ، فإنه يركب ويهدي ، أو كما إذا نذر أن لا يتزوج ، أو لا يأكل الطعام ، فإنه يسقط حكمه إلى أشباه ذلك; فانظر كيف صحبه الرفق الشرعي فيما أدخل نفسه فيه من المشقات .

    فعلى هذا كون الشارع لا يقصد إدخال المشقة على المكلف عام في المأمورات والمنهيات .

    ولا يقال : إنه قد جاء في القرآن : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [ البقرة : 194 ] ، فسمي الجزاء اعتداء ، وذلك يقتضي القصد إلى الاعتداء ، ومدلوله المشقة الداخلة على المعتدي .

    لأنا نقول : تسمية الجزاء المرتب على الاعتداء اعتداء مجازا معروف مثله في كلام العرب ، وفي الشريعة من هذا كثير; كقوله تعالى : الله يستهزئ بهم [ البقرة : 15 ] .

    [ ص: 258 ] [ ص: 259 ] [ ص: 260 ] ومكروا ومكر الله [ آل عمران : 54 ] .

    إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا [ الطارق : 15 - 16 ] .

    إلى أشباه ذلك ، فلا اعتراض بمثل ذلك .
    فصل

    وقد تكون المشقة الداخلة على المكلف من خارج ، لا بسببه ولا بسبب دخوله في عمل تنشأ عنه; فهاهنا ليس للشارع قصد في بقاء ذلك الألم وتلك المشقة والصبر عليها ، كما أنه ليس له قصد في التسبب في إدخالها على النفس ، غير أن المؤذيات والمؤلمات خلقها الله تعالى ابتلاء للعباد وتمحيصا ، وسلطها عليهم كيف شاء ولما شاء : لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [ الأنبياء : 23 ] ، وفهم من مجموع الشريعة الإذن في دفعها على الإطلاق ، رفعا للمشقة اللاحقة ، وحفظا على الحظوظ التي أذن لهم فيها ، بل [ ص: 261 ] أذن في التحرز منها عند توقعها وإن لم تقع; تكملة لمقصود العبد وتوسعة عليه ، وحفظا على تكميل الخلوص في التوجه إليه ، والقيام بشكر النعم .

    فمن ذلك الإذن في دفع ألم الجوع والعطش ، والحر والبرد ، وفي التداوي عند وقوع الأمراض ، وفي التوقي من كل مؤذ آدميا كان أو غيره ، والتحرز من المتوقعات حتى يقدم العدة لها ، وهكذا سائر ما يقوم به عيشه في هذه الدار من درء المفاسد وجلب المصالح ، ثم رتب له مع ذلك دفع المؤلمات الأخروية ، وجلب منافعها بالتزام القوانين الشرعية ، كما رتب له ذلك فيما يتسبب عن أفعاله ، وكون هذا مأذونا فيه معلوم من الدين ضرورة .

    إلا أن هذا الدفع المأذون فيه إن ثبت انحتامه; فلا إشكال في علمنا أن الشارع قصد رفع تلك المشقة ، كما أوجب علينا دفع المحاربين والساعين على الإسلام والمسلمين بالفساد ، وجهاد الكفار القاصدين لهدم الإسلام وأهله ، ولا يعتبر هنا جهة التسليط والابتلاء; لأنا قد علمنا بإيجاب الدفع أن ذلك ملغى في التكليف ، وإن كان معتبرا في العقد الإيماني ، كما لا تعتبر جهة التكليف ابتداء ، وإن كان في نفسه ابتلاء; لأنه طاعة أو معصية من جهة [ ص: 262 ] العبد ، خلق للرب; فالفعل والترك فيه بحسب ما يخلق الله في العبد ، فليس له في الأصل حيلة إلا الاستسلام لأحكام القضاء والقدر ، فكذلك هنا .

    وأما إن لم يثبت انحتام الدفع; فيمكن اعتبار جهة التسليط والابتلاء ، وأن ذلك الشاق مرسل من المسلط المبلي ، فيستسلم العبد للقضاء ، ولذلك لما لم يكن التداوي محتما تركه كثير من السلف الصالح ، وأذن عليه الصلاة والسلام في البقاء على حكم المرض ، كما في حديث السوداء المجنونة التي سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو لها; فخيرها في الأجر مع البقاء على حالتها أو زوال ذلك ، وكما في الحديث : ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون .

    ويمكن اعتبار جهة الحظ بمقتضى الإذن ويتأيد بالندب ، كما في التداوي حيث قال عليه الصلاة والسلام : تداووا; فإن الذي أنزل الداء أنزل [ ص: 263 ] الدواء وأما إن ثبت الإباحة; فالأمر أظهر .

    وهنا انقضى الكلام على الوجه الثالث من أوجه المشقات المفهومة من إطلاق اللفظ ، وبقي الكلام على الوجه الرابع ، وذلك مشقة مخالفة الهوى ، وهي :

    [ ص: 264 ]
    المسألة الثامنة

    وذلك أن مخالفة ما تهوى الأنفس شاق عليها ، وصعب خروجها عنه ، ولذلك بلغ أهل الهوى في مساعدته مبالغ لا يبلغها غيرهم ، وكفى شاهدا على ذلك حال المحبين ، وحال من بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المشركين وأهل الكتاب ، وغيرهم ممن صمم على ما هو عليه ، حتى رضوا بإهلاك النفوس والأموال ، ولم يرضوا بمخالفة الهوى ، حتى قال تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم [ الجاثية : 23 ] .

    وقال : إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس [ النجم : 23 ] .

    وقال : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم [ محمد : 14 ] .

    وما أشبه ذلك .

    ولكن الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلف عن اتباع هواه; حتى يكون عبدا لله; فإذا مخالفة الهوى ليست من المشقات المعتبرة في التكليف ، وإن كانت شاقة في مجاري العادات ، إذ لو كانت معتبرة حتى يشرع التخفيف لأجل ذلك; لكان ذلك نقضا لما وضعت الشريعة له ، وذلك باطل ، فما أدى إليه مثله ، وبيان هذا المعنى مذكور بعد إن شاء الله .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (63)
    صـ265 إلى صـ 273

    المسألة التاسعة

    كما أن المشقة تكون دنيوية ، كذلك تكون أخروية ، فإن الأعمال إذا كان الدخول فيها يؤدي إلى تعطيل واجب ، أو فعل محرم فهو أشد مشقة باعتبار الشرع من المشقة الدنيوية التي هي غير مخلة بدين ، واعتبار الدين مقدم على اعتبار النفس وغيرها في نظر الشرع ، وكذلك هنا ، فإذا كان كذلك; فليس للشارع قصد في إدخال المشقة من هذه الجهة ، وقد تقدم من الأدلة التي يدخل تحتها هذا المطلب ما فيه كفاية .
    [ ص: 266 ] المسألة العاشرة

    قد تكون المشقة الناشئة من التكليف تختص بالمكلف وحده ، كالمسائل المتقدمة ، وقد تكون عامة له ولغيره ، وقد تكون داخلة على غيره بسببه .

    ومثال العامة له ولغيره كالوالي المفتقر إليه لكونه ذا كفاية فيما أسند إليه; إلا أن الولاية تشغله عن الانقطاع إلى عبادة الله والأنس بمناجاته ، فإنه إذا لم يقم بذلك عم الفساد والضرر ، ولحقه من ذلك ما يلحق غيره .

    ومثال الداخلة على غيره دونه كالقاضي والعالم المفتقر إليهما; إلا أن الدخول في الفتيا والقضاء يجرهما إلى ما لا يجوز ، أو يشغلهما عن مهم ديني أو دنيوي ، وهما إذا لم يقوما بذلك عم الضرر غيرهما من الناس ، فقد نشأ هنا عن طلبهما لمصالحهما المأذون فيها والمطلوبة منهما فساد عام .

    [ ص: 267 ] وعلى كل تقدير; فالمشقة من حيث هي غير مقصودة للشارع تكون غير مطلوبة ، ولا العمل المؤدي إليها مطلوبا كما تقدم بيانه; فقد نشأ هنا نظر في تعارض مشقتين ، فإن المكلف إن لزم من اشتغاله بنفسه فساد ومشقة لغيره ، فيلزم أيضا من الاشتغال بغيره فساد ومشقة في نفسه ، وإذا كان كذلك تصدى النظر في وجه اجتماع المصلحتين مع انتفاء المشقتين إن أمكن ذلك ، وإن لم يمكن ، فلا بد من الترجيح ، فإذا كانت المشقة العامة أعظم اعتبر جانبها وأهمل جانب الخاصة ، وإن كان بالعكس ، فالعكس ، وإن لم يظهر ترجيح ، فالتوقف كما سيأتي ذكره في كتاب التعارض والترجيح إن شاء الله .
    [ ص: 268 ] المسألة الحادية عشرة

    حيث تكون المشقة الواقعة بالمكلف في التكليف خارجة عن معتاد المشقات في الأعمال العادية ، حتى يحصل بها فساد ديني أو دنيوي; [ ص: 269 ] فمقصود الشارع فيها الرفع على الجملة ، وعلى ذلك دلت الأدلة المتقدمة ، ولذلك شرعت فيها الرخص مطلقا .

    وأما إذا لم تكن خارجة عن المعتاد ، وإنما وقعت على نحو ما تقع المشقة في مثلها من الأعمال العادية ، فالشارع وإن لم يقصد وقوعها ، فليس بقاصد لرفعها أيضا .

    والدليل على ذلك أنه لو كان قاصدا لرفعها لم يكن بقاء التكليف معها; لأن كل عمل عادي أو غير عادي يستلزم تعبا وتكليفا على قدره قل أو جل ، إما في نفس العمل المكلف به ، وإما في خروج المكلف عما كان فيه إلى الدخول في عمل التكليف ، وإما فيهما معا ، فإذا اقتضى الشرع رفع ذلك التعب كان ذلك اقتضاء لرفع العمل المكلف به من أصله ، وذلك غير صحيح ، فكان مما يستلزمه غير صحيح .

    إلا أن هنا نظرا ، وهو أن التعب والمشقة في الأعمال المعتادة مختلفة باختلاف تلك الأعمال; فليست المشقة في صلاة ركعتي الفجر ، كالمشقة في ركعتي الصبح ، ولا المشقة في الصلاة كالمشقة في الصيام ، ولا المشقة في الصيام كالمشقة في الحج ، ولا المشقة في ذلك كله كالمشقة في الجهاد ، إلى غير ذلك من أعمال التكليف ، ولكن كل عمل في نفسه له مشقة معتادة فيه توازي مشقة مثله من الأعمال العادية فلم تخرج عن المعتاد على الجملة .

    ثم إن الأعمال المعتادة ليست المشقة فيها تجري على وزان واحد ، في [ ص: 270 ] كل وقت ، وفي كل مكان ، وعلى كل حال; فليس إسباغ الوضوء في السبرات يساوي إسباغه في الزمان الحار ، ولا الوضوء مع حضرة الماء من غير تكلف في استقائه يساويه مع تجشم طلبه أو نزعه من بئر بعيدة ، وكذلك القيام إلى الصلاة من النوم في قصر الليل أو في شدة البرد ، مع فعله على خلاف ذلك .

    وإلى هذا المعنى أشار القرآن بقوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله [ العنكبوت : 10 ] بعد قوله : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون [ العنكبوت : 2 ] إلى آخرها .

    وقوله : وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا [ الأحزاب : 10 - 11 ] .

    ثم مدح الله من صبر على ذلك وصدق في وعده بقوله : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [ الأحزاب : 23 ] .

    وقصة كعب بن مالك وصاحبيه - رضي الله عنهم - في تخلفهم عن غزوة [ ص: 271 ] تبوك ، ومنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكالمتهم ، وإرجاء أمرهم : حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم [ التوبة : 118 ] .

    وكذلك ما جاء في نكاح الإماء عند خشية العنت ، ثم قال : وأن تصبروا خير لكم [ النساء : 25 ] .

    إلى أشباه ذلك مما يدل على أن المشقة قد تبلغ في الأعمال المعتادة ما يظن أنه غير معتاد ، ولكنه في الحقيقة معتاد ، ومشقته في مثلها مما يعتاد; إذ المشقة في العمل الواحد لها طرفان وواسطة : طرف أعلى بحيث لو زاد شيئا لخرج عن المعتاد ، وهذا لا يخرجه عن كونه معتادا ، وطرف أدنى بحيث لو نقص شيئا لم يكن ثم مشقة تنسب إلى ذلك العمل ، وواسطة هي الغالب والأكثر ، فإذا كان كذلك فكثير مما يظهر ببادئ الرأي من المشقات أنها خارجة عن المعتاد لا يكون كذلك لمن كان عارفا بمجاري العادات وإذا لم تخرج عن المعتاد; لم يكن للشارع قصد في رفعها كسائر المشقات المعتادة في الأعمال الجارية على العادة ، فلا يكون فيها رخصة ، وقد يكون الموضع مشتبها فيكون محلا للخلاف .

    [ ص: 272 ] فحيث قال الله تعالى : انفروا خفافا وثقالا [ التوبة : 41 ] ، ثم قال : إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما [ التوبة : 39 ] ; كان هذا موضع شدة لأنه يقتضي أن لا رخصة أصلا في التخلف ، إلا أنه بمقتضى الأدلة على رفع الحرج محمول على أقصى الثقل في الأعمال المعتادة ، بحيث يتأتى النفير ويمكن الخروج ، وقد كان اجتمع في غزوة تبوك أمران : شدة الحر ، وبعد الشقة ، زائدا على مفارقة الظلال ، واستدرار الفواكه والخيرات ، وذلك كله زائد في مشقة الغزو زيادة ظاهرة ، ولكنه غير مخرج لها عن المعتاد; فلذلك لم يقع في ذلك رخصة; فكذلك أشباهها ، وقد قال تعالى : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم [ محمد : 31 ] .

    وقد قال ابن عباس في قوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] ، إنما ذلك سعة الإسلام ما جعل الله من التوبة والكفارات .

    وقال عكرمة : ما أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع .

    وعن عبيد بن عمير ; أنه جاء في ناس من قومه إلى ابن عباس ، فسأله عن الحرج; فقال : أولستم العرب ؟ فسألوه ثلاثا ، كل ذلك يقول : أولستم العرب ؟ ثم قال : ادع لي رجلا من هذيل; فقال له : ما الحرج فيكم ؟ قال الحرجة من الشجر ما ليس له مخرج . قال ابن عباس : ذلك الحرج ما لا مخرج له .

    [ ص: 273 ] فانظر كيف جعل الحرج ما لا مخرج له ، وفسر رفعه بشرع التوبة والكفارات ، وأصل الحرج الضيق ، فما كان من معتادات المشقات في الأعمال المعتاد مثلها; فليس بحرج لغة ولا شرعا ، كيف وهذا النوع من الحرج وضع لحكمة شرعية ، وهي التمحيص والاختبار حتى يظهر في الشاهد ما علمه الله في الغائب; فقد تبين إذا ما هو من الحرج مقصود الرفع ، وما ليس بمقصود الرفع ، والحمد لله .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (64)
    صـ274 إلى صـ 286

    فصل

    قال ابن العربي : " إذا كان الحرج في نازلة عامة في الناس ، فإنه يسقط ، وإذا كان خاصا لم يعتبر عندنا وفي بعض أصول الشافعي اعتباره " انتهى ما قال .

    وهو مما ينظر فيه ، فإنه إن عنى بالخاص الحرج الذي في أعلى مراتب المعتاد ، فالحكم كما قال ولا ينبغي أن يختلف فيه ، لأنه إن كان من المعتاد ، فقد ثبت أن المعتاد لا إسقاط فيه ، وإلا لزم في أصل التكليف ، فإن تصور وقوع اختلاف; فإنما هو مبني على أن ذلك الحرج من قبيل المعتاد ، أو من قبيل الخارج عن المعتاد لا أنه مختلف فيه مع الاتفاق على أنه من أحدهما .

    وأيضا; فتسميته خاصا يشاح فيه ، فإنه بكل اعتبار عام غير خاص; إذ [ ص: 274 ] ليس مختصا ببعض المكلفين على التعيين دون بعض .

    وإن عنى بالحرج ما هو خارج عن المعتاد ، ومن جنس ما تقع فيه الرخصة والتوسعة; فالعموم والخصوص فيه أيضا مما يشكل فهمه ، فإن السفر مثلا سبب للحرج مع تكميل الصلاة والصوم ، وقد شرع فيه التخفيف ، فهذا عام ، والمرض قد شرع فيه التخفيف وهو ليس بعام ، بمعنى أنه لا يسوغ التخفيف في كل مرض ، إذ من المرضى من لا يقدر على إكمال الصلاة قائما أو قاعدا ، ومنهم من يقدر على ذلك ، ومنهم من يقدر على الصوم ، ومنهم من لا يقدر ، فهذا يخص كل واحد من المكلفين في نفسه ، ومع ذلك فقد شرع فيه التخفيف على الجملة ، فالظاهر أنه خاص ، ولكن لا يخالف فيه مالك الشافعي; إلا أن يكونوا جعلوا هذا من الحرج العام عند تقييد المرض بما يحصل فيه الحرج غير المعتاد ، فيرجع إذ ذاك إلى قسم العام ، ولا يخالف فيه مالك الشافعي أيضا ، وعند ذلك يصعب تمثيل الخاص ، وإلا; فما من حرج يعد أن يكون له تخفيف مشروع باتفاق أو باختلاف إلا وهو عام ، وإن اتفق أن لا يقع منه في الوجود إلا فرد واحد ، وإن قدر أن يكون التشريع له وحده أو لقوم مخصوصين; فهذا غير متصور في الشريعة إلا ما اختص به النبي - صلى الله عليه وسلم - أو خص به أحد من أصحابه كتضحية أبي بردة بالعناق الجذعة وشهادة خزيمة; فذلك مختص بزمان النبوة دون ما بعد ذلك .

    فإن قيل : لعله يريد بالخصوص والعموم ما كان عاما للناس كلهم ، وما كان خاصا ببعض الأقطار ، أو بعض الأزمان ، أو بعض الناس ، وما أشبه [ ص: 275 ] ذلك .

    فالجواب : إن هذا أيضا مما ينظر فيه ; فإن الحرج بالنسبة إلى النوع أو الصنف عام في ذلك الكلي لا خاص ; لأن حقيقة الخاص ما كان الحرج فيه خاصا ببعض الأشخاص المعينين ، أو بعض الأزمان المعينة ، أو الأمكنة المعينة ، وكل ذلك إنما يتصور في زمان النبوة ، أو على وجه لا يقاس عليه غيره ; كنهيه عن ادخار لحوم الأضاحي زمن الدافة ، وكتخصيص الكعبة [ ص: 276 ] بالاستقبال ، والمساجد الثلاثة بما اشتهر من فضلها على سائر المساجد ; فتصور مثل هذا في مسألة ابن العربي غير متأت .

    فإن قيل : ففي النوع أو الصنف خصوص من حيث هو نوع أو صنف داخل تحت جنس شامل له ولغيره .

    قيل : وفيه أيضا عموم من جهة كونه شاملا لمتعدد لا ينحصر ; فليس أحد الطرفين وهو الخصوص أولى به من الطرف الآخر وهو العموم ، بل جهة العموم أولى ; لأن الحرج فيها كلي بحيث لو لحق نوعا آخر أو صنفا آخر للحق به في الحكم ; فنسبة ذلك النوع أو الصنف إلى سائر الأنواع أو الأصناف الداخلة تحت الجنس الواحد نسبة بعض أفراد ذلك الجنس في لحوق المرض أو السفر إلى جميع أفراده ; فإن ثبت الحكم في بعضها ثبت في البعض ، وإن سقط ، سقط في البعض ، وهذا متفق عليه بين الإمامين ، فمسألتنا ينبغي أن يكون الأمر فيها كذلك .

    فإن قيل : لعله يريد بذلك ما كان مثل التغير اللاحق للماء بما لا ينفك عنه غالبا ، وهو عام ; كالتراب والطحلب وشبه ذلك ، أو خاص كما إذا كان عدم [ ص: 277 ] الانفكاك خاصا ببعض المياه ، فإن حكم الأول ساقط لعمومه ، والثاني مختلف فيه لخصوصه ، وكذلك اختلف في ماء البحر : هل هو طهور أم لا ؟ لأنه متغير خاص ، وكالتغير بتفتت الأوراق في المياه خصوصا ففيه خلاف ، والطلاق قبل النكاح إن كان عاما سقط ، وإن كان خاصا ففيه خلاف ، كما إذا قال : كل امرأة أتزوجها من بني فلان ، أو من البلد الفلاني ، أو من السودان ، أو من البيض ، أو كل بكر أتزوجها ، أو كل ثيب ، وما أشبه ذلك ، فهي طالق ، ومثله كل أمة اشتريتها ، فهي حرة ، هو بالنسبة إلى قصد الوطء من الخاص ، كما لو قال : كل حرة أتزوجها طالق ، وبالنسبة إلى قصد مطلق الملك من العام فيسقط ، فإن قال فيه : كل أمة اشتريتها من السودان كان خاصا ، وجرى فيه الخلاف ، وأشباه ذلك من المسائل .

    فالجواب : أن هذا ممكن ، وهو أقرب ما يؤخذ عليه كلامه ; إلا أن نص الخلاف في هذه الأشياء وأشباهها عنمالك بعدم الاعتبار ، وعن الشافعي بالاعتبار يجب أن يحقق في هذه الأمثلة ، وفي غيرها بالنسبة إلى علم الفقه ، لا [ ص: 278 ] بالنسبة إلى نظر الأصول ، إلا أنه إذا ثبت الخلاف ، فهو المراد هنا والنظر الأصولي يقتضي ما قال ; فإن الحرج العام هو الذي لا قدرة للإنسان في الانفكاك عنه ، كالأمثلة المتقدمة ، فأما إذا أمكن الانفكاك عنه ; فليس بحرج عام بإطلاق ، إلا أن الانفكاك عنه قد يكون فيه حرج آخر ، وإن كان أخف إذ لا يطرد الانفكاك عنه دون مشقة ، لاختلاف أحوال الناس في ذلك .

    وأيضا ; فكما لا يطرد الانفكاك عنه دون مشقة كذلك لا يطرد مع وجودها ; فكان بهذا الاعتبار ذا نظرين ، فصارت المسألة ذات طرفين وواسطة : الطرف العام الذي لا انفكاك عنه في العادة الجارية ، ويقابله طرف خاص يطرد الانفكاك عنه من غير حرج كتغير هذا الماء بالخل والزعفران ونحوه ، وواسطة دائرة بين الطرفين هي محل نظر واجتهاد ، والله أعلم .
    [ ص: 279 ] المسألة الثانية عشرة

    الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل ، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه ، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال ، بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال ; كتكاليف الصلاة ، والصيام ، والحج ، والجهاد ، والزكاة ، وغير ذلك مما شرع ابتداء على غير سبب ظاهر اقتضى ذلك ، أو لسبب يرجع إلى عدم العلم بطريق العمل ; كقوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون [ البقرة : 215 ] .

    يسألونك عن الخمر والميسر [ البقرة : 219 ] .

    وأشباه ذلك .

    فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف ، أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى أحد الطرفين ; كان التشريع رادا إلى الوسط الأعدل ، لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر ليحصل الاعتدال فيه ، فعلى الطبيب الرفيق [ أن ] يحمل المريض على ما فيه صلاحه بحسب حاله وعادته ، وقوة مرضه وضعفه ، حتى إذا استقلت صحته هيأ له طريقا في التدبير وسطا لائقا به في جميع أحواله .

    أو لا ترى أن الله تعالى خاطب الناس في ابتداء التكليف خطاب [ ص: 280 ] التعريف بما أنعم عليهم من الطيبات والمصالح التي بثها في هذا الوجود لأجلهم ، ولحصول منافعهم ومرافقهم التي يقوم بها عيشهم ، وتكمل بها تصرفاتهم ; كقوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم [ البقرة : 22 ] .

    وقوله : الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره إلى قوله : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [ إبراهيم : 32 - 34 ] .

    وقوله : هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون [ النحل : 10 ] .

    إلى آخر ما عد لهم من النعم ، ثم وعدوا على ذلك بالنعيم إن آمنوا ، وبالعذاب إن تمادوا على ما هم عليه من الكفر ، فلما عاندوا وقابلوا النعم بالكفران ، وشكوا في صدق ما قيل لهم ; أقيمت عليهم البراهين القاطعة بصدق ما قيل لهم وصحته ، فلما لم يلتفتوا إليها لرغبتهم في العاجلة ; أخبروا [ ص: 281 ] بحقيقتها ، وأنها في الحقيقة كلا شيء ; لأنها زائلة فانية .

    وضربت لهم الأمثال في ذلك ; كقوله تعالى : إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء [ يونس : 24 ] الآية .

    وقوله : أنما الحياة الدنيا لعب ولهو [ الحديد : 20 ] [ إلى آخر الآية ]

    وقوله : وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور [ الحديد : 20 ] وقوله وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون [ العنكبوت : 64 ] .

    بل لما آمن الناس وظهر من بعضهم ما يقتضي الرغبة ربما أمالته عن الاعتدال في طلبها أو نظرا إلى هذا المعنى ; فقال عليه الصلاة والسلام : إن مما أخاف عليكم ما يفتح لكم من زهرات الدنيا .

    ولما لم يظهر ذلك ولا مظنته ; قال تعالى : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة [ الأعراف : 32 ] .

    وقال : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا [ المؤمنون : 51 ] .

    [ ص: 282 ] ووقع لأهل الإسلام النهي عن الظلم ، والوعيد فيه والتشديد ، وقال تعالى : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [ فشق ذلك عليهم ، وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ فنزل : إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : 13 ] ; فخفف عنهم بسبب ذلك ، مع أن قليل الظلم وكثيره منهي عنه ، لكنهم فهموا أن مطلق الظلم لا يحصل معه الأمن في الآخرة والهداية لقوله : " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " [ الأنعام : 82 ] .

    ولما قال عليه الصلاة والسلام : آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ; شق ذلك عليهم ، إذ لا يسلم أحد من شيء منه ، ففسره عليه الصلاة والسلام لهم حين أخبروه بكذب وإخلاف وخيانة مختصة بأهل الكفر .

    وكذلك لما نزل : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [ البقرة : 284 ] الآية ; شق عليهم ; فنزل : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ البقرة : 286 ] .

    وقارف بعضهم بارتداد أو غيره وخاف أن لا يغفر له ، فسئل في ذلك [ ص: 283 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; فأنزل الله : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله [ الزمر : 53 ] الآية .

    [ ص: 284 ] ولما ذم الدنيا ومتاعها ; هم جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أن يتبتلوا ويتركوا النساء واللذة والدنيا ، وينقطعوا إلى العبادة ، فرد ذلك عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : من رغب عن سنتي ; فليس مني .

    ودعا لأناس بكثرة المال والولد بعد ما أنزل الله : إنما أموالكم وأولادكم فتنة [ التغابن : 15 ] والمال والولد هي الدنيا ، وأقر الصحابة على جمع الدنيا والتمتع بالحلال منها ، ولم يزهدهم ولا أمرهم بتركها ; إلا عند ظهور حرص أو وجود منع من حقه ، وحيث تظهر مظنة مخالفة التوسط بسبب ذلك وما سواه ; فلا .

    ومن غامض هذا المعنى أن الله تعالى أخبر عما يجازي به المؤمنين في الآخرة ، وأنه جزاء لأعمالهم ; فنسب إليهم أعمالا وأضافها إليهم بقوله : جزاء بما كانوا يعملون [ السجدة : 17 ] .

    ونفى المنة به عليهم في قوله : فلهم أجر غير ممنون [ التين : 6 ] .

    فلما منوا بأعمالهم قال تعالى : يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين [ الحجرات : 17 ] .

    فأثبت المنة عليهم على ما هو الأمر في نفسه ; لأنه مقطع حق ، وسلب [ ص: 285 ] عنهم ما أضاف إلى الآخرين ، بقوله : أن هداكم للإيمان [ الحجرات : 17 ] ، كذلك أيضا ، أي فلولا الهداية لم يكن ما مننتم به ، وهذا يشبه في المعنى المقصود حديث شراج الحرة حين تنازع فيه الزبير ورجل من الأنصار ; فقال عليه السلام : اسق يا زبير - فأمره بالمعروف - ، وأرسل الماء إلى جارك . فقال الرجل : إن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : اسق يا زبير حتى يرجع الماء إلى الجدر ، واستوفى له حقه ; فقال الزبير : إن هذه الآية نزلت في ذلك : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم [ النساء : 65 ] الآية .

    وهكذا تجد الشريعة أبدا في مواردها ومصادرها .

    وعلى نحو من هذا الترتيب يجري الطبيب الماهر ، يعطي الغذاء ابتداء [ ص: 286 ] على ما يقتضيه الاعتدال في توافق مزاج المغتذي مع مزاج الغذاء ، ويخبر من سأله عن بعض المأكولات التي يجهلها المغتذي : أهو غذاء ، أم سم ، أم غير ذلك ؟ فإذا أصابته علة بانحراف بعض الأخلاط ; قابله في معالجته على مقتضى انحرافه في الجانب الآخر ، ليرجع إلى الاعتدال وهو المزاج الأصلي ، والصحة المطلوبة ، وهذا غاية الرفق ، وغاية الإحسان والإنعام من الله سبحانه .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (65)
    صـ287 إلى صـ 295

    فصل

    فإذا نظرت في كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط ، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف ، فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر .

    فطرف التشديد - وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر - يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين .

    وطرف التخفيف - وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص - يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد ، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحا ، ومسلك الاعتدال واضحا ، وهو الأصل الذي يرجع إليه والمعقل الذي يلجأ إليه .

    وعلى هذا إذا رأيت في النقل من المعتبرين في الدين من مال عن التوسط ; فاعلم أن ذلك مراعاة منه لطرف واقع أو متوقع في الجهة الأخرى ، [ ص: 287 ] وعليه يجري النظر في الورع والزهد وأشباههما ، وما قابلها . والتوسط يعرف بالشرع ، وقد يعرف بالعوائد وما يشهد به معظم العقلاء ; كما في الإسراف والإقتار في النفقات .
    [ ص: 288 ] [ ص: 289 ] النوع الرابع

    في بيان قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة

    ويشتمل على مسائل

    المسألة الأولى

    المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه ; حتى يكون عبدا لله اختيارا ، كما هو عبد لله اضطرارا .

    والدليل على ذلك أمور :

    أحدها : النص الصريح الدال على أن العباد خلقوا للتعبد لله ، والدخول [ ص: 290 ] تحت أمره ونهيه ; كقوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون [ الذاريات : 56 - 57 ] .

    وقوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك [ طه : 132 ] .

    وقوله : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون [ البقرة : 21 ] .

    ثم شرح هذه العبادة في تفاصيل السورة ; كقوله تعالى : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن إلى قوله : وأولئك هم المتقون [ البقرة : 177 ] .

    وهكذا إلى تمام ما ذكر في السورة من الأحكام ، وقوله : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا [ النساء : 36 ] .

    إلى غير ذلك من الآيات الآمرة بالعبادة على الإطلاق ، وبتفاصيلها على العموم ، فذلك كله راجع إلى الرجوع إلى الله في جميع الأحوال ، والانقياد إلى أحكامه على كل حال ، وهو معنى التعبد لله .

    والثاني : ما دل على ذم مخالفة هذا القصد من النهي أولا عن مخالفة أمر الله ، وذم من أعرض عن الله ، وإيعادهم بالعذاب العاجل من العقوبات الخاصة بكل صنف من أصناف المخالفات ، والعذاب الآجل في الدار الآخرة ، وأصل ذلك اتباع الهوى والانقياد إلى طاعة الأغراض العاجلة ، والشهوات الزائلة ; فقد جعل الله اتباع الهوى مضادا للحق ، وعده قسيما له ، كما في قوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله الآية [ ص : 26 ] .

    [ ص: 291 ] وقال تعالى : فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى [ النازعات : 37 - 39 ] .

    وقال في قسيمه : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى [ النازعات : 40 - 41 ] .

    وقال : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [ النجم : 3 - 4 ] .

    فقد حصر الأمر في شيئين : الوحي وهو الشريعة ، والهوى ، فلا ثالث لهما ، وإذا كان كذلك ; فهما متضادان ، وحين تعين الحق في الوحي توجه للهوى ضده ، فاتباع الهوى مضاد للحق .

    وقال تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم [ الجاثية : 23 ] .

    وقال : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن [ المؤمنون : 71 ] .

    وقال : الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم [ محمد : 16 ] . ،

    وقال : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم [ محمد : 14 ] .

    وتأمل ; فكل موضع ذكر الله تعالى فيه الهوى ; فإنما جاء به في معرض الذم له ولمتبعيه ، وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس ; أنه قال : " ما ذكر الله الهوى في كتابه إلا ذمه " . فهذا كله واضح في أن قصد الشارع الخروج عن [ ص: 292 ] اتباع الهوى والدخول تحت التعبد للمولى .

    والثالث : ما علم بالتجارب والعادات من أن المصالح الدينية والدنيوية لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى ، والمشي مع الأغراض ; لما يلزم في ذلك من التهارج والتقاتل والهلاك ، الذي هو مضاد لتلك المصالح ، وهذا معروف عندهم بالتجارب والعادات المستمرة ، ولذلك اتفقوا على ذم من اتبع شهواته ، وسار حيث سارت به ، حتى إن من تقدم ممن لا شريعة له يتبعها ، أو كان له شريعة درست ، كانوا يقتضون المصالح الدنيوية بكف كل من اتبع هواه في النظر العقلي ، وما اتفقوا عليه إلا لصحته عندهم ، واطراد العوائد باقتضائه ما أرادوا من إقامة صلاح الدنيا ، وهي التي يسمونها السياسة المدنية ; فهذا أمر قد توارد النقل والعقل على صحته في الجملة ، وهو أظهر من أن يستدل عليه .

    وإذا كان كذلك لم يصح لأحد أن يدعي على الشريعة أنها وضعت على مقتضى تشهي العباد وأغراضهم ; إذ لا تخلو أحكام الشرع من الخمسة ، أما الوجوب والتحريم ; فظاهر مصادمتها لمقتضى الاسترسال الداخل تحت الاختيار ; إذ يقال له : " افعل كذا " كان لك فيه غرض أم لا ، و " لا تفعل كذا " كان لك فيه غرض أم لا ، فإن اتفق للمكلف فيه غرض موافق ، وهوى باعث على [ ص: 293 ] مقتضى الأمر أو النهي ، فبالعرض لا بالأصل ، وأما سائر الأقسام - وإن كان ظاهرها الدخول تحت خيرة المكلف - ; فإنما دخلت بإدخال الشارع لها تحت اختياره ، فهي راجعة إلى إخراجها عن اختياره ، ألا ترى أن المباح قد يكون له فيه اختيار وغرض ، وقد لا يكون ؟ فعلى تقدير أن ليس له فيه اختيار ، بل في رفعه مثلا ، كيف يقال : إنه داخل تحت اختياره ؟ فكم من صاحب هوى يود لو كان المباح الفلاني ممنوعا ; حتى إنه لو وكل إليه مثلا تشريعه لحرمه ، كما يطرأ للمتنازعين في حق .

    وعلى تقدير أن اختياره وهواه في تحصيله يود لو كان مطلوب الحصول ، حتى لو فرض جعل ذلك إليه لأوجبه ، ثم قد يصير الأمر في ذلك المباح بعينه على العكس ، فيحب الآن ما يكره غدا ، وبالعكس ، فلا يستتب في قضية حكم على الإطلاق ، وعند ذلك تتوارد الأغراض على الشيء الواحد فينخرم النظام بسبب فرط اتباع الأغراض والهوى ; فسبحان الذي أنزل في كتابه : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن [ المؤمنون : 71 ] .

    فإذا ; إباحة المباح مثلا لا توجب دخوله بإطلاق تحت اختيار المكلف ، إلا من حيث كان قضاء من الشارع ، وإذ ذاك يكون اختياره تابعا لوضع الشارع ، وغرضه مأخوذا من تحت الإذن الشرعي لا بالاسترسال الطبيعي ، وهذا هو عين إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله .

    فإن قيل : وضع الشرائع ; إما أن يكون عبثا ، أو لحكمة ; فالأول باطل باتفاق ، وقد قال تعالى : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا [ المؤمنون : 115 ] .

    [ ص: 294 ] وقال : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا [ ص : 27 ] .

    وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق [ الدخان : 38 - 39 ] .

    وإن كان لحكمة ومصلحة ، فالمصلحة إما أن تكون راجعة إلى الله تعالى أو إلى العباد ، ورجوعها إلى الله محال ; لأنه غني ويستحيل عود المصالح إليه حسبما تبين في علم الكلام ، فلم يبق إلا رجوعها إلى العباد ، وذلك مقتضى أغراضهم ، لأن كل عاقل إنما يطلب مصلحة نفسه وما يوافق هواه في دنياه وأخراه ، والشريعة تكفلت لهم بهذا المطلب في ضمن التكليف ; فكيف ينفى أن توضع الشريعة على وفق أغراض العباد ودواعي أهوائهم ؟

    وأيضا ; فقد تقدم بيان أن الشريعة جاءت على وفق أغراض العباد ، وثبتت لهم حظوظهم تفضلا من الله تعالى على ما يقوله المحققون ، أو وجوبا على ما يزعمه المعتزلة ، وإذا ثبت هذا من مقاصد الشارع حقا ; كان ما ينافيه باطلا .

    فالجواب أن وضع الشريعة إذا سلم أنها لمصالح العباد ; فهي عائدة عليهم بحسب أمر الشارع ، وعلى الحد الذي حده لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم ; ولذا كانت التكاليف الشرعية ثقيلة على النفوس ، والحس والعادة والتجربة شاهدة بذلك ، فالأوامر والنواهي مخرجة له عن دواعي طبعه واسترسال أغراضه ، حتى يأخذها من تحت الحد المشروع ، وهذا هو المراد ، وهو عين مخالفة الأهواء والأغراض ، أما أن مصالح التكليف عائدة على المكلف في [ ص: 295 ] العاجل والآجل ، فصحيح ولا يلزم من ذلك أن يكون نيله لها خارجا عن حدود الشرع ، ولا أن يكون متناولا لها بنفسه دون أن يناولها إياه الشرع ، وهذا ظاهر وبه يتبين أن لا تعارض بين هذا الكلام وبين ما تقدم ; لأن ما تقدم نظر في ثبوت الحظ والغرض من حيث أثبته الشارع ; لا من حيث اقتضاه الهوى والشهوة ، وذلك ما أردنا هاهنا .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (66)
    صـ296 إلى صـ 304

    فصل

    فإذا تقرر هذا انبنى عليه قواعد :

    منها : أن كل عمل كان المتبع فيه الهوى بإطلاق من غير التفات إلى الأمر أو النهي أو التخيير ; فهو باطل بإطلاق ; لأنه لا بد للعمل من حامل يحمل عليه ، وداع يدعو إليه ، فإذا لم يكن لتلبية الشارع في ذلك مدخل ، فليس إلا مقتضى الهوى والشهوة ، وما كان كذلك فهو باطل بإطلاق ; لأنه خلاف الحق بإطلاق ، فهذا العمل باطل بإطلاق بمقتضى الدلائل المتقدمة ، وتأمل حديث ابن مسعود رضي الله عنه في الموطأ : إنك في زمان كثير فقهاؤه ، قليل قراؤه ، تحفظ فيه حدود القرآن ، وتضيع حروفه ، قليل من يسأل ، كثير من يعطي ، يطيلون في الصلاة ، ويقصرون في الخطبة ، يبدءون أعمالهم قبل أهوائهم ، [ ص: 296 ] وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه ، كثير قراؤه ، تحفظ فيه حروف القرآن ، وتضيع حدوده ، كثير من يسأل ، قليل من يعطي ، يطيلون فيه الخطبة ، ويقصرون الصلاة ، يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم .

    فأما العبادات ; فكونها باطلة ظاهر ، وأما العادات ; فذلك من حيث عدم ترتب الثواب على مقتضى الأمر والنهي ، فوجودها في ذلك وعدمها سواء ، وكذلك الإذن في عدم أخذ المأذون فيه من جهة المنعم به ، كما تقدم في كتاب الأحكام وفي هذا الكتاب .

    وكل فعل كان المتبع فيه بإطلاق الأمر أو النهي أو التخيير ; فهو صحيح وحق لأنه قد أتى به من طريقه الموضوع له ، ووافق فيه صاحبه قصد الشارع ; [ ص: 297 ] فكان كله صوابا ، وهو ظاهر .

    وأما إن امتزج فيه الأمران ; فكان معمولا بهما ; فالحكم للغالب والسابق ، فإن كان السابق أمر الشارع بحيث قصد العامل نيل غرضه من الطريق المشروع ; فلا إشكال في إلحاقه بالقسم الثاني ، وهو ما كان المتبع فيه مقتضى الشرع خاصة لأن طلب الحظوظ والأغراض لا ينافي وضع الشريعة من هذه الجهة ; لأن الشريعة موضوعة أيضا لمصالح العباد ، فإذا جعل الحظ تابعا ; فلا ضرر على العامل .

    إلا أن هنا شرطا معتبرا ، وهو أن يكون ذلك الوجه الذي حصل أو يحصل به غرضه مما تبين أن الشارع شرعه لتحصيل مثل ذلك الغرض ، وإلا ; فليس السابق فيه أمر الشارع ، وبيان هذا الشرط مذكور في موضعه .

    وإن كان الغالب والسابق هو الهوى وصار أمر الشارع كالتبع ; فهو لاحق بالقسم الأول .

    وعلامة الفرق بين القسمين تحري قصد الشارع وعدم ذلك ; فكل عمل شارك العامل فيه هواه فانظر فإن كف هواه ومقتضى شهوته عند نهي الشارع ; فالغالب والسابق لمثل هذا أمر الشارع ، وهواه تبع ، وإن لم يكف عند ورود النهي عليه ; فالغالب والسابق له الهوى والشهوة ، وإذن الشارع تبع لا حكم له عنده ; فواطئ زوجته وهي طاهر محتمل أن يكون فيه تابعا لهواه ، أو لإذن الشارع ، فإن حاضت فانكف ، دل على أن هواه تبع ، وإلا دل على أنه السابق .
    [ ص: 298 ] فصل

    ومنها : أن اتباع الهوى طريق إلى المذموم وإن جاء في ضمن المحمود ; لأنه إذا تبين أنه مضاد بوضعه لوضع الشريعة ; فحيثما زاحم مقتضاها في العمل كان مخوفا .

    أما أولا ; فإنه سبب تعطيل الأوامر وارتكاب النواهي ; لأنه مضاد لها .

    وأما ثانيا ; فإنه إذا اتبع واعتيد ، ربما أحدث للنفس ضراوة وأنسا به ، حتى يسري معها في أعمالها ، ولا سيما وهو مخلوق معها ملصق بها في الأمشاج ; فقد يكون مسبوقا بالامتثال الشرعي فيصير سابقا له ، وإذ صار سابقا له صار العمل الامتثالي تبعا له وفي حكمه ; فبسرعة ما يصير صاحبه إلى المخالفة ، ودليل التجربة حاكم هنا .

    وأما ثالثا ; فإن العامل بمقتضى الامتثال من نتائج عمله الالتذاذ بما هو فيه ، والنعيم بما يجتنيه من ثمرات الفهوم ، وانفتاح مغاليق العلوم ، وربما أكرم ببعض الكرامات ، أو وضع له القبول في الأرض ; فانحاش الناس إليه ، وحلقوا عليه ، وانتفعوا به ، وأموه لأغراضهم المتعلقة بدنياهم وأخراهم ، إلى غير ذلك مما يدخل على السالكين طرق الأعمال الصالحة ; من الصلاة ، والصوم ، وطلب العلم ، والخلوة للعبادة ، وسائر الملازمين لطرق الخير ، فإذا دخل عليه ذلك ، كان للنفس به بهجة وأنس وغنى ولذة ونعيم ، بحيث تصغر الدنيا وما فيها بالنسبة إلى لحظة من ذلك كما ، قال بعضهم : " لو علم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف " ، أو كما قال ، وإذا كان كذلك ; فلعل النفس تنزع [ ص: 299 ] إلى مقدمات تلك النتائج ، فتكون سابقة للأعمال ، وهو باب السقوط عن تلك الرتبة والعياذ بالله ، هذا وإن كان الهوى المحمود ليس بمذموم على الجملة ; فقد يصير إلى المذموم على الإطلاق ، ودليل هذا المعنى مأخوذ من استقراء أحوال السالكين وأخبار الفضلاء والصالحين ; فلا حاجة إلى تقريره هاهنا .
    فصل

    ومنها : أن اتباع الهوى في الأحكام الشرعية مظنة لأن يحتال بها على أغراضه فتصير كالآلة المعدة لاقتناص أغراضه ; كالمرائي يتخذ الأعمال الصالحة سلما لما في أيدي الناس ، وبيان هذا ظاهر ، ومن تتبع مآلات اتباع الهوى في الشرعيات وجد من المفاسد كثيرا ، وقد تقدم في كتاب الأحكام من هذا المعنى جملة عند الكلام على الالتفات إلى المسببات في أسبابها ، ولعل الفرق الضالة المذكورة في الحديث أصل ابتداعها اتباع أهوائها ، دون توخي مقاصد الشرع .
    [ ص: 300 ] المسألة الثانية

    المقاصد الشرعية ضربان : مقاصد أصلية ، ومقاصد تابعة .

    فأما المقاصد الأصلية ; فهي التي لا حظ فيها للمكلف ، وهى الضروريات المعتبرة في كل ملة ، وإنما قلنا : إنها لا حظ فيها للعبد من حيث هي ضرورية ; لأنها قيام بمصالح عامة مطلقة ، لا تختص بحال دون حال ، ولا بصورة دون صورة ، ولا بوقت دون وقت ، لكنها تنقسم إلى ضرورية عينية ، وإلى ضرورية كفائية .

    فأما كونها عينية ; فعلى كل مكلف في نفسه ، فهو مأمور بحفظ دينه اعتقادا وعملا ، وبحفظ نفسه قياما بضرورية حياته ، وبحفظ عقله حفظا لمورد الخطاب من ربه إليه ، وبحفظ نسله التفاتا إلى بقاء عوضه في عمارة هذه الدار ، ورعيا له عن وضعه في مضيعة اختلاط الأنساب العاطفة بالرحمة على المخلوق من مائه ، وبحفظ ماله استعانة على إقامة تلك الأوجه الأربعة ، ويدل على ذلك أنه لو فرض اختيار العبد خلاف هذه الأمور لحجر عليه ، ولحيل بينه [ ص: 301 ] وبين اختياره ، فمن هنا صار فيها مسلوب الحظ ، محكوما عليه في نفسه ، وإن صار له فيها حظ ، فمن جهة أخرى تابعة لهذا المقصد الأصلي .

    وأما كونها كفائية ; فمن حيث كانت منوطة بالغير أن يقوم بها على العموم في جميع المكلفين ; لتستقيم الأحوال العامة التي لا تقوم الخاصة إلا بها ، إلا أن هذا القسم مكمل للأول ; فهو لاحق به في كونه ضروريا ; إذ لا يقوم العيني إلا بالكفائي ، وذلك أن الكفائي قيام بمصالح عامة لجميع الخلق ; فالمأمور به من تلك الجهة مأمور بما لا يعود عليه من جهته تخصيص ، لأنه لم يؤمر إذ ذاك بخاصة نفسه فقط ، وإلا صار عينيا ، بل بإقامة الوجود ، وحقيقته أنه خليفة الله في عباده على حسب قدرته ، وما هيئ له من ذلك ، فإن الواحد لا يقدر على إصلاح نفسه والقيام بجميع أهله ، فضلا عن أن يقوم بقبيلة ، فضلا عن أن يقوم بمصالح أهل الأرض ; فجعل الله الخلق خلائف في إقامة الضروريات العامة حتى قام الملك في الأرض .

    ويدلك على أن هذا المطلوب الكفائي معرى من الحظ شرعا أن القائمين به في ظاهر الأمر ممنوعون من استجلاب الحظوظ لأنفسهم بما قاموا به من ذلك ; فلا يجوز لوال أن يأخذ أجرة ممن تولاهم على ولايته عليهم ، ولا لقاض أن يأخذ من المقضي عليه أو له أجرة على قضائه ، ولا لحاكم على حكمه ، [ ص: 302 ] ولا لمفت على فتواه ، ولا لمحسن على إحسانه ، ولا لمقرض على قرضه ، ولا ما أشبه ذلك من الأمور العامة التي للناس فيها مصلحة عامة ، ولذلك امتنعت الرشا والهدايا المقصود بها نفس الولاية ; لأن استجلاب المصلحة هنا مؤد إلى مفسدة عامة تضاد حكمة الشريعة في نصب هذه الولايات .

    وعلى هذا المسلك يجري العدل في جميع الأنام ، ويصلح النظام ، وعلى خلافه يجري الجور في الأحكام ، وهدم قواعد الإسلام ، وبالنظر فيه يتبين أن العبادات العينية لا تصح الإجارة عليها ، ولا قصد المعاوضة فيها ، ولا نيل مطلوب دنيوي بها ، وأن تركها سبب للعقاب والأدب ، وكذلك النظر في المصالح العامة موجب تركها للعقوبة ; لأن في تركها أي مفسدة في العالم .

    وأما المقاصد التابعة ; فهي التي روعي فيها حظ المكلف ، فمن جهتها [ ص: 303 ] يحصل له مقتضى ما جبل عليه من نيل الشهوات ، والاستمتاع بالمباحات ، وسد الخلات ، وذلك أن حكمة الحكيم الخبير حكمت أن قيام الدين والدنيا إنما يصلح ويستمر بدواع من قبل الإنسان تحمله على اكتساب ما يحتاج إليه هو وغيره ، فخلق له شهوة الطعام والشراب إذا مسه الجوع والعطش ، ليحركه ذلك الباعث إلى التسبب في سد هذه الخلة بما أمكنه ، وكذلك خلق له الشهوة إلى النساء لتحركه إلى اكتساب الأسباب الموصلة إليها ، وكذلك خلق له الاستضرار بالحر والبرد والطوارق العارضة ، فكان ذلك داعية إلى اكتساب اللباس والمسكن ثم خلق الجنة والنار ، وأرسل الرسل مبينة أن الاستقرار ليس هنا ، وإنما هذه الدار مزرعة لدار أخرى ، وأن السعادة الأبدية والشقاوة الأبدية هنالك ، لكنها تكتسب أسبابها هنا بالرجوع إلى ما حده الشارع أو بالخروج عنه ، فأخذ المكلف في استعمال الأمور الموصلة إلى تلك الأغراض ، ولم يجعل له قدرة على القيام بذلك وحده ، لضعفه عن مقاومة هذه الأمور ، فطلب التعاون بغيره ، فصار يسعى في نفع نفسه واستقامة حاله بنفع غيره ، فحصل الانتفاع للمجموع بالمجموع ، وإن كان كل أحد إنما يسعى في نفع نفسه .

    فمن هذه الجهة صارت المقاصد التابعة خادمة للمقاصد الأصلية ومكملة لها ، ولو شاء الله لكلف بها مع الإعراض عن الحظوظ ، أو لكلف بها مع سلب الدواعي المجبول عليها ، لكنه امتن على عباده بما جعله وسيلة إلى ما أراده من عمارة الدنيا للآخرة ، وجعل الاكتساب لهذه الحظوظ مباحا لا ممنوعا ، لكن على قوانين شرعية هي أبلغ في المصلحة ، وأجرى على الدوام مما يعده العبد مصلحة والله يعلم وأنتم لا تعلمون [ البقرة : 216 ] ولو شاء لمنعنا في الاكتساب الأخروي القصد إلى الحظوظ ، فإنه المالك وله الحجة البالغة ، [ ص: 304 ] ولكنه رغبنا في القيام بحقوقه الواجبة علينا بوعد حظي لنا ، وعجل لنا من ذلك حظوظا كثيرة نتمتع بها في طريق ما كلفنا به ، فبهذا الحظ قيل : إن هذه المقاصد توابع ، وإن تلك هي الأصول ; فالقسم الأول يقتضيه محض العبودية ، والثاني يقتضيه لطف المالك بالعبيد .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله



    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (67)
    صـ305 إلى صـ 312

    المسألة الثالثة

    قد تحصل إذا أن الضروريات ضربان :

    أحدهما : ما كان للمكلف فيه حظ عاجل مقصود ، كقيام الإنسان بمصالح نفسه وعياله في الاقتيات ، واتخاذ السكن ، والمسكن ، واللباس ، وما يلحق بها من المتممات ; كالبيوع ، والإجارات ، والأنكحة ، وغيرها من وجوه الاكتساب التي تقوم بها الهياكل الإنسانية .

    والثاني : ما ليس فيه حظ عاجل مقصود ، كان من فروض الأعيان كالعبادات البدنية والمالية ; من الطهارة ، والصلاة ، والصيام ، والزكاة ، والحج ، وما أشبه ذلك ، أو من فروض الكفايات كالولايات العامة ; من الخلافة ، والوزارة ، والنقابة ، والعرافة ، والقضاء ، وإمامة الصلوات ، والجهاد ، والتعليم ، وغير ذلك من الأمور التي شرعت عامة لمصالح عامة إذا فرض عدمها أو ترك الناس لها انخرم النظام .

    فأما الأول ; فلما كان للإنسان فيه حظ عاجل ، وباعث من نفسه يستدعيه [ ص: 306 ] إلى طلب ما يحتاج إليه ، وكان ذلك الداعي قويا جدا بحيث يحمله قهرا على ذلك ; لم يؤكد عليه الطلب بالنسبة إلى نفسه ، بل جعل الاحتراف والتكسب والنكاح على الجملة مطلوبا طلب الندب لا طلب الوجوب ، بل كثيرا ما يأتي في معرض الإباحة ، كقوله : وأحل الله البيع [ البقرة : 275 ] .

    فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [ الجمعة : 10 ] .

    ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم [ البقرة : 198 ] .

    قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق [ الأعراف : 32 ] .

    كلوا من طيبات ما رزقناكم [ البقرة : 172 ] .

    وما أشبه ذلك ، مع أنا لو فرضنا أخذ الناس له كأخذ المندوب بحيث يسعهم جميعا الترك ; لأثموا لأن العالم لا يقوم إلا بالتدبير والاكتساب ، فهذا من الشارع ; كالحوالة على ما في الجبلة من الداعي الباعث على الاكتساب حتى إذا لم يكن فيه حظ أو جهة نازع طبعي أوجبه الشرع عينا أو كفاية ، كما [ ص: 307 ] لو فرض هذا في نفقة الزوجات والأقارب ، وما أشبه ذلك .

    فالحاصل أن هذا الضرب قسمان :

    قسم يكون القيام بالمصالح فيه بغير واسطة ; كقيامه بمصالح نفسه مباشرة .

    وقسم يكون القيام بالمصالح فيه بواسطة الحظ في الغير ; كالقيام بوظائف الزوجات والأولاد والاكتساب بما للغير فيه مصلحة ; كالإجارات والكراء ، والتجارة ، وسائر وجوه الصنائع والاكتسابات ، فالجميع يطلب الإنسان بها حظه ، فيقوم بذلك حظ الغير ، خدمة دائرة بين الخلق كخدمة بعض أعضاء الإنسان بعضا ، حتى تحصل المصلحة للجميع .

    ويتأكد الطلب فيما فيه حظ الغير على طلب حظ النفس المباشر ، وهذه حكمة بالغة ، ولما كان النظر هكذا وكانت جهة الداعي كالمتروكة إلى ما يقتضيه ، وكان ما يناقض الداعي ليس له خادم ، بل هو على الضد من ذلك ; [ ص: 308 ] أكدت جهة الكف هنا بالزجر والتأديب في الدنيا ، والإيعاد بالنار في الآخرة ; كالنهي عن قتل النفس ، والزنا ، والخمر ، وأكل الربا ، وأكل أموال اليتامى وغيرهم من الناس بالباطل ، والسرقة ، وأشباه ذلك ; فإن الطبع النازع إلى طلب مصلحة الإنسان ، ودرء مفسدته يستدعي الدخول في هذه الأشياء .

    وعلى هذا الحد جرى الرسم الشرعي في قسم الكفاية من الضرب الثاني أو أكثر أنواعه ; فإن عز السلطان ، وشرف الولايات ، ونخوة الرياسة ، وتعظيم المأمورين للآمر مما جبل الإنسان على حبه ، فكان الأمر بها جاريا مجرى الندب لا الإيجاب ، بل جاء ذلك مقيدا بالشروط المتوقع خلافها ، وأكد النظر في مخالفة الداعي ; فجاء كثير من الآيات والأحاديث في النهي عما تنزع إليه النفس فيها ; كقوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله [ ص : 26 ] إلى آخرها .

    وفي الحديث : لا تطلب الإمارة ; فإنك إن طلبتها باستشراف نفس وكلت إليها أو كما قال .

    وجاء النهي عن غلول الأمراء ، وعن عدم النصح في الإمارة ; لما كان [ ص: 309 ] هذا كله على خلاف الداعي من النفس ، ولم يكن هذا كله دليلا على عدم الوجوب في الأصل ، بل الشريعة كلها دالة على أنها في مصالح الخلق من أوجب الواجبات .

    وأما قسم الأعيان ; فلما لم يكن فيه حظ عاجل مقصود ، أكد القصد إلى فعله بالإيجاب ، ونفيه بالتحريم ، وأقيمت عليه العقوبات الدنيوية ، وأعني بالحظ المقصود ما كان مقصود الشارع بوضعه السبب [ الباعث عليه ، وغير المقصود وهو ما لم يكن مقصودا للشارع بوضعه السبب ] ; فإنا نعلم أن الشارع شرع الصلاة وغيرها من العبادات لا لنحمد عليها ، ولا لننال بها في الدنيا شرفا وعزا أو شيئا من حطامها ، فإن هذا ضد ما وضعت له العبادات ، بل هي خالصة لله رب العالمين ، ألا لله الدين الخالص [ الزمر : 3 ] .

    وهكذا شرعت أعمال الكفاية لا لينال بها عز السلطان ، ونخوة الولاية ، وشرف الأمر والنهي ، وإن كان قد يحصل ذلك بالتبع ، فإن عز المتقي لله في الدنيا وشرفه على غيره لا ينكر ، وكذلك ظهور العزة في الولايات موجود معلوم ثابت شرعا ، من حيث يأتي تبعا للعمل المكلف به ، وهكذا القيام بمصالح الولاة من حيث لا يقدح في عدالتهم حسبما حده الشارع غير منكر ولا ممنوع ، بل هو مطلوب متأكد ، فكما يجب على الوالي القيام بمصالح العامة ، فعلى العامة القيام بوظائفه من بيوت أموالهم إن احتاج إلى ذلك ، وقد قال تعالى :

    [ ص: 310 ] وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك [ طه : 132 ] الآية .

    وقال : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب [ الطلاق : 2 - 3 ] .

    وفي الحديث : من طلب العلم ، تكفل الله برزقه .

    إلى غير ذلك مما يدل على أن قيام المكلف بحقوق الله سبب لإنجاز ما عند الله من الرزق .
    فصل

    فقد تحصل من هذا أن ما ليس فيه للمكلف حظ بالقصد الأول يحصل له فيه حظه بالقصد الثاني من الشارع ، وما فيه للمكلف حظ بالقصد الأول [ ص: 311 ] يحصل فيه العمل المبرأ من الحظ .

    وبيان ذلك في الأول ما ثبت في الشريعة أولا من حظ نفسه وماله ، وما وراء ذلك من احترام أهل التقوى والفضل والعدالة ، وجعلهم عمدة في الشريعة في الولايات والشهادات وإقامة المعالم الدينية ، وغير ذلك زائدا إلى ما جعل لهم من حب الله وحب أهل السماوات لهم ، ووضع القبول لهم في الأرض حتى يحبهم الناس ويكرمونهم ويقدمونهم على أنفسهم ، وما يخصون به من انشراح الصدور ، وتنوير القلوب ، وإجابة الدعوات ، والإتحاف بأنواع الكرامات ، وأعظم من ذلك ما في الحديث مسندا إلى رب العزة : من آذى لي وليا ، فقد بارزني بالمحاربة .

    وأيضا ; فإذا كان من هذا وصفه قائما بوظيفة عامة لا يتفرغ بسببها لأموره الخاصة به في القيام بمصالحه ونيل حظوظه ; وجب على العامة أن يقوموا له بذلك ، ويتكفلوا له بما يفرغ باله للنظر في مصالحهم من بيوت أموالهم المرصدة لمصالحهم ، إلى ما أشبه ذلك مما هو راجع إلى نيل حظه على الخصوص ، فأنت تراه لا يعرى عن نيل حظوظه الدنيوية في طريق تجرده عن حظوظه ، وما له في الآخرة من النعيم أعظم .

    وأما الثاني ; فإن اكتساب الإنسان لضرورياته في ضمن قصده إلى المباحات التي يتنعم بها ظاهر ; فإن أكل المستلذات ، ولباس اللينات ، وركوب [ ص: 312 ] الفارهات ، ونكاح الجميلات قد تضمن سد الخلات والقيام بضرورة الحياة ، وقد مر أن إقامة الحياة من حيث هو ضروري لا حظ فيه .

    وأيضا ; فإن في اكتسابه بالتجارات وأنواع البياعات والإجارات وغير ذلك مما هو معاملة بين الخلق قياما بمصالح الغير ، وإن كان في طريق الحظ ; فليس فيه من حيث هو حظ له يعود عليه منه غرض إلا من جهة ما هو طريق إلى حظه ، وكونه طريقا ووسيلة غير كونه مقصودا في نفسه ، وهكذا نفقته على أولاده وزوجته ، وسائر من يتعلق به شرعا من حيوان عاقل وغير عاقل ، وسائر ما يتوسل به إلى الحظ المطلوب ، والله أعلم .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (68)
    صـ313 إلى صـ 327

    فصل

    وإذا نظرنا إلى العموم والخصوص في اعتبار حظوظ المكلف بالنسبة إلى قسم الكفاية ; وجدنا الأعمال ثلاثة أقسام :

    قسم لم يعتبر فيه حظ المكلف بالقصد الأول على حال ، وذلك الولايات العامة والمناصب العامة للمصالح العامة .

    وقسم اعتبر فيه ذلك ، وهو كل عمل كان فيه مصلحة الغير في طريق مصلحة الإنسان في نفسه ; كالصناعات والحرف العادية كلها ، وهذا القسم في الحقيقة راجع إلى مصلحة الإنسان واستجلابه حظه في خاصة نفسه ، وإنما كان استجلاب المصلحة العامة فيه بالعرض .

    وقسم يتوسط بينهما ; فيتجاذبه قصد الحظ ولحظ الأمر الذي لا حظ [ ص: 313 ] فيه ، وهذا ظاهر في الأمور التي لم تتمخض في العموم وليست خاصة ، ويدخل تحت هذا ولاية أموال الأيتام ، والأحباس ، والصدقات ، والأذان ، وما أشبه ذلك ، فإنها من حيث العموم يصح فيها التجرد من الحظ ، ومن حيث الخصوص وأنها كسائر الصنائع الخاصة بالإنسان في الاكتساب يدخلها الحظ ، ولا تناقض في هذا ، فإن جهة الأمر بلا حظ غير وجه الحظ ; فيؤمر انتدابا أن يقوم به لحظ ، ثم يبذل له الحظ في موطن ضرورة أو غير ضرورة ، حين لا يكون ثم قائم بالانتداب ، وأصل ذلك في والي مال اليتيم قوله تعالى : ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف [ النساء : 6 ] .

    وانظر ما قاله العلماء في أجرة القسام والناظر في الأحباس والصدقات الجارية ، وتعليم العلوم على تنوعها ; ففي ذلك ما يوضح هذا القسم .
    [ ص: 314 ] المسألة الرابعة

    ما فيه حظ العبد محضا - من المأذون فيه - يتأتى تخليصه من الحظ ; فيكون العمل فيه لله تعالى خالصا ; فإنه من قبيل ما أذن فيه أو أمر به ، فإذا تلقى الإذن بالقبول من حيث كان المأذون فيه هدية من الله للعبد ; صار مجردا من الحظ ، كما أنه إذا لبى الطلب بالامتثال من غير مراعاة لما سواه تجرد عن الحظ ، وإذا تجرد من الحظ ساوى ما لا عوض عليه شرعا من القسم الأول الذي لا حظ فيه للمكلف .

    وإذا كان كذلك ; فهل يلحق به في الحكم لما صار ملحقا به في القصد ؟ هذا مما ينظر فيه ، ويحتمل وجهين من النظر :

    [ ص: 315 ] أحدهما : أن يقال : إنه يرجع في الحكم إلى ما ساواه في القصد ; لأن قسم الحظ هنا قد صار عين القسم الأول بالقصد ، وهو القيام بعبادة من العبادات مختصة بالخلق في إصلاح أقواتهم ومعايشهم ، أو صار صاحبه على حظ من منافع الخلق يشبه الخزان على أموال بيوت الأموال والعمال في أموال الخلق ، فكما لا ينبغي لصاحب القسم الأول أن يقبل من أحد هدية ولا عوضا على ما ولي عليه ولا على ما تعبد به ; كذلك هاهنا لا ينبغي له أن يزيد على مقدار حاجته يقتطعه من تحت يده ; كما يقتطع الوالي ما يحتاج إليه من تحت يده بالمعروف ، وما سوى ذلك يبذله من غير عوض ; إما بهدية ، أو صدقة ، أو إرفاق ، أو إعراء ، أو ما أشبه ذلك ، أو يعد نفسه في الأخذ كالغير يأخذ الغير ; لأنه لما صار كالوكيل على غيره والقيم بمصالحه عد نفسه مثل ذلك الغير ; لأنها نفس مطلوب إحياؤها على الجملة .

    ومثل هذا محكي التزامه عن كثير من الفضلاء ، بل هو محكي عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ; فإنهم كانوا في الاكتساب ماهرين ودائبين ومتابعين لأنواع الاكتسابات ، لكن لا ليدخروا لأنفسهم ، ولا ليحتجنوا [ ص: 316 ] أموالهم ، بل لينفقوها في سبيل الخيرات ، ومكارم الأخلاق ، وما ندب الشرع إليه ، وما حسنته العوائد الشرعية ; فكانوا في أموالهم كالولاة على بيوت الأموال ، وهم في كل ذلك على درجات حسبما تنصه أخبارهم ; فهذا وجه يقتضي أنهم لما صاروا عاملين لغير حظ ، عاملوا هذه الأعمال معاملة ما لا حظ فيه البتة .

    ويدل على أن هذا مراعى على الجملة وإن قلنا بثبوت الحظ ; أن طلب الإنسان لحظه حيث أذن له لا بد فيه من مراعاة حق الله وحق المخلوقين ، فإن طلب الحاجة إذا كان مقيدا بوجود الشروط الشرعية ، وانتفاء الموانع الشرعية ووجود الأسباب الشرعية على الإطلاق والعموم ، وهذا كله لا حظ فيه للمكلف من حيث هو مطلوب به ; فقد خرج في نفسه عن مقتضى حظه ، ثم إن معاملة الغير في طريق حظ النفس تقتضي ما أمر به من الإحسان إليه في المعاملة ، والمسامحة في المكيال والميزان ، والنصيحة على الإطلاق ، وترك الغش كله ، وترك المغابنة غبنا يتجاوز الحد المشروع ، وأن لا تكون المعاملة عونا له على ما يكره شرعا فيكون طريقا إلى الإثم والعدوان ، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تعود على طالب حظه بحظ أصلا ; فقد آل الأمر في طلب الحظ إلى عدم الحظ .

    هذا والإنسان بعد في طلب حظه قصدا ; فكيف إذا تجرد عن حظه في أعماله ؟ فكما لا يجوز له أخذ عوض على تحري المشروع في الأعمال ، لا [ ص: 317 ] بالنسبة إلى العبادات ولا إلى العادات ، وهو مجمع عليه ; فكذلك فيما صار بالقصد كذلك .

    وأيضا ; فإن فرض هذا القصد لا يتصور مع فرض طلب الحظ ، وإذا كان كذلك ; فهي داخلة في حكم ما لا يتم الواجب إلا به ، فإن ثبت أنه مطلوب بما يقتضي سلب الحظ ، فهو مطلوب بما لا يتم ذلك المطلوب إلا به ، سواء علينا أقلنا : إنه مطلوب به طلبا شرعيا ، أم لا ، فحكمه على الجملة لا يعدو أن يكون حكم ما ليس فيه حظ البتة ، وهذا ظاهر ; فالشارع قد طلب النصيحة مثلا طلبا جازما ، بحيث جعله الشارع عمدة الدين بقوله - صلى الله عليه وسلم - : الدين النصيحة ، وتوعد [ ص: 318 ] على تركه في مواضع ، فلو فرضنا توقفها على العوض أو حظ عاجل ; لكانت موقوفة على اختيار الناصح والمنصوح ، وذلك يؤدي إلى أن لا يكون طلبها جازما .

    وأيضا الإيثار مندوب إليه ممدوح فاعله ; فكونه معمولا به على عوض لا [ ص: 319 ] يتصور أن يكون إيثارا ; لأن معنى الإيثار تقديم حظ الغير على حظ النفس ، وذلك لا يكون مع طلب العوض العاجل ، وهكذا سائر المطلوبات العادية والعبادية ، فهذا وجه نظري في المسألة ، يمكن القول بمقتضاه .

    والوجه الثاني أن يقال : إنه يرجع في الحكم إلى أصله من الحظ ، لأن الشارع قد أثبت لهذا العامل حظه في عمله ، وجعله المقدم على غيره ، حتى إنه إن أراد أن يستبد بجميعه كان سائغا ، وكان له أن يدخره لنفسه ، أو يبذله لمصلحة نفسه في الدنيا أو في الآخرة ; فهي هدية الله إليه ، فكيف لا يقبلها ؟ وهو وإن أخذها بالإذن وعلى مقتضى حدود الشرع ، فإنما أخذ ما جعل له فيه حظ ، ومن حيث جعل له ، وبالقصد الذي أبيح له القصد إليه .

    وأيضا ; فالحدود الشرعية وإن لم يكن له في العمل بمقتضاها حظ ; فهي وسيلة وطريق إلى حظه ، فكما لم يحكم للمقصد بحكم الوسيلة فيما تقدم قبل هذه المسألة من أخذ الإنسان ما ليس له في العمل به حظ لأنه وسيلة إلى حظه كالمعاوضات ; فكذلك لا يحكم هنا للمأذون فيه من الحظ بحكم ما توسل به إليه .

    [ ص: 320 ] وقد وجدنا من السلف الصالح رحمهم الله كثيرا يدخرون الأموال لمصالح أنفسهم ، ويأخذون في التجارة وغيرها بمقدار ما يحتاجون إليه في أنفسهم خاصة ، ثم يرجعون إلى عبادة ربهم حتى إذا نفد ما اكتسبوه عادوا إلى الاكتساب ، ولم يكونوا يتخذون التجارة أو الصناعة عبادة لهم على ذلك الوجه ، بل كانوا يقتصرون على حظوظ أنفسهم ، وإن كانوا إنما يفعلون ذلك من حيث التعفف والقيام بالعبادة ، فذلك لا يخرجهم عن زمرة الطالبين لحظوظهم .

    وما ذكر أولا عن السلف الصالح ليس بمتعين فيما تقدم ; لصحة حمله على أن المقصود بذلك التصرف حظوظ أنفسهم من حيث أثبتها الشارع لهم فيعملون في دنياهم على حسب ما يسعهم من الحظوظ ، ويعملون في أخراهم كذلك ، فالجميع مبني على إثبات الحظوظ ، وهو المطلوب ، وإنما الغرض أن تكون الحظوظ مأخوذة من جهة مما حد الشارع من غير تعد يقع في طريقها .

    وأيضا ; فإنما حدت الحدود في طريق الحظ أن لا يخل الإنسان بمصلحة غيره فيتعدى ذلك إلى مصلحة نفسه ، فإن الشارع لم يضع تلك الحدود إلا لتجري المصالح على أقوم سبيل بالنسبة إلى كل أحد في نفسه ، ولذلك قال تعالى : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها [ فصلت : 46 ] ، وذلك عام في أعمال الدنيا والآخرة .

    [ ص: 321 ] وقال : فمن نكث فإنما ينكث على نفسه [ الفتح : 10 ] .

    وفي أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذكر الظلم وتحريمه : يا عبادي ! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها .

    ولا يختص مثل هذ بالآخرة دون الدنيا ، ولذلك كانت المصائب النازلة بالإنسان بسبب ذنوبه ، لقوله : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [ الشورى : 30 ] .

    وقال : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [ البقرة : 194 ] .

    والأدلة على هذا تفوت الحصر ; فالإنسان لا ينفك عن طلبه حظه في هذه الأمور التي هي طريق إلى نيل حظه ، وإذا ثبت هذا تبين أن هذا القسم لا يساوي الأول في امتناع الحظوظ العاجلة جملة .

    وقد يمكن الجمع بين الطريقين ، وذلك أن الناس في أخذ حظوظهم على مراتب :

    منهم من لا يأخذها إلا بغير تسببه ; فيعمل العمل أو يكتسب الشيء فيكون فيه وكيلا على التفرقة على خلق الله بحسب ما قدر ، ولا يدخر لنفسه من [ ص: 322 ] ذلك شيئا ; بل لا يجعل من ذلك حظا لنفسه من الحظوظ ; إما لعدم تذكره لنفسه لاطراح حظها حتى يصير عنده من قبيل ما ينسى ، وإما قوة يقين بالله ; لأنه عالم به وبيده ملكوت السماوات والأرض وهو حسبه فلا يخيبه ، أو عدم التفات إلى حظه يقينا بأن رزقه على الله فهو الناظر له بأحسن مما ينظر لنفسه ، أو أنفة من الالتفات إلى حظه مع حق الله تعالى ، أو لغير ذلك من المقاصد الواردة على أصحاب الأحوال ، وفي مثل هؤلاء جاء : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ الحشر : 9 ] .

    وقد نقل عن عائشة رضي الله عنها أن ابن الزبير بعث لها بمال في غرارتين - قال الراوي : أراه ثمانين ومائة ألف ، فدعت بطبق وهى يومئذ صائمة ، فجعلت تقسمه بين الناس ، فأمست وما عندها من ذلك درهم ، فلما أمست قالت : " يا جارية هلمي أفطري " ، فجاءتها بخبز وزيت . فقيل لها أما استطعت فيما قسمت أن تشتري بدرهم لحما تفطرين عليه ؟ فقالت : لا تعنيني ، لو كنت ذكرتني لفعلت .

    وخرج مالك أن مسكينا سأل عائشة وهى صائمة وليس في بيتها إلا رغيف ; فقالت لمولاة لها : اعطيه إياه . فقالت : ليس لك ما تفطرين عليه . فقالت : اعطيه إياه . قالت : ففعلت . [ قالت ] : فما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان [ ص: 323 ] - ما [ كان ] يهدي لنا شاة - وكفنها ; فدعتني عائشة ، فقالت : كلي من هذا . هذا خير من قرصك .

    وروى عنها أنها قسمت سبعين ألفا وهي ترقع ثوبها ، وباعت ما لها بمائة ألف وقسمته ، ثم أفطرت على خبز الشعير ، وهذا يشبه الوالي على بعض المملكة ، فلا يأخذ إلا من الملك ، لأنه قام له اليقين بقسم الله وتدبيره مقام تدبيره لنفسه ، ولا اعتراض على هذا المقام بما تقدم ، فإن صاحبه يرى تدبير الله له خيرا من تدبيره لنفسه ، فإذا دبر لنفسه انحط عن رتبته إلى ما هو دونها ، [ ص: 324 ] وهؤلاء هم أرباب الأحوال .

    ومنهم من يعد نفسه كالوكيل على مال اليتيم ; إن استغنى استعف ، وإن احتاج أكل بالمعروف ، وما عدا ذلك صرفه كما يصرف مال اليتيم في منافعه ; فقد يكون في الحال غنيا عنه ; فينفقه حيث يجب الإنفاق ، ويمسكه حيث يجب الإمساك ، وإن احتاج أخذ منه مقدار كفايته بحسب ما أذن له من غير إسراف ولا إقتار ، وهذا أيضا براءة من الحظوظ في ذلك الاكتساب ; فإنه لو أخذ بحظه لحابى نفسه دون غيره ، وهو لم يفعل ، بل جعل نفسه كآحاد الخلق ، فكأنه قسام في الخلق يعد نفسه واحدا منهم .

    وفي الصحيح عن أبي موسى ; قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة ، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد ; فهم مني وأنا منهم .

    [ ص: 325 ] وفي حديث المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار هذا ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يفعل في مغازيه من هذا ما هو مشهور ، فالإيثار بالحظوظ محمود غير مضاد لقوله عليه الصلاة والسلام : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ، [ ص: 326 ] بل يحمل على الاستقامة في حالتين .

    فهؤلاء والذين قبلهم لم يقيدوا أنفسهم بالحظوظ العاجلة ، وما أخذوا لأنفسهم لا يعد سعيا في حظ ; إذ للقصد إليه أثر ظاهر ، وهو أن يؤثر الإنسان نفسه على غيره ، ولم يفعل هنا ذلك ، بل آثر غيره على نفسه ، أو سوى نفسه مع غيره ، وإذا ثبت ذلك كان هؤلاء برءاء من الحظوظ ، كأنهم عدوا أنفسهم بمنزلة من لم يجعل له حظ ، وتجدهم في الإجارات والتجارات لا يأخذون إلا بأقل ما يكون من الربح أو الأجرة ، حتى يكون ما حاول أحدهم من ذلك كسبا لغيره لا له ، ولذلك بالغوا في النصيحة فوق ما يلزمهم ; لأنهم كانوا وكلاء للناس لا لأنفسهم ; فأين الحظ هنا ؟ بل كانوا يرون المحاباة لأنفسهم وإن جازت كالغش لغيرهم ; فلا شك أن هؤلاء لاحقون حكما بالقسم الأول ، بإلزامهم أنفسهم لا باللزوم الشرعي الواجب ابتداء .

    ومنهم من لم يبلغ مبلغ هؤلاء ، بل أخذوا ما أذن لهم فيه من حيث الإذن ، وامتنعوا مما منعوا منه ، واقتصروا على الإنفاق في كل ما لهم إليه حاجة ; [ ص: 327 ] فمثل هؤلاء بالاعتبار المتقدم أهل حظوظ ، لكن مأخوذة من حيث يصح أخذها ، فإن قيل في مثل هذا : إنه تجرد عن الحظ ، فإنما يقال من جهة أنهم لم يأخذوها بمجرد أهوائهم تحرزا ممن يأخذها غير ملاحظ للأمر والنهي ، وهذا هو الحظ المذموم ، إذ لم يقف دون ما حد له ، بل تجرأ كالبهيمة لا تعرف غير المشي في شهواتها ، ولا كلام في هذا ، وإنما الكلام في الأول ، وهو لم يتصرف إلا لنفسه ، فلا يجعل في حكم الوالي على المصالح العامة على المسلمين ، بل هو وال على مصلحة نفسه ، وهو من هذا الوجه ليس بوال عام ، والولاية العامة هي المبرأة من الحظوظ ، فالصواب والله أعلم أن أهل هذا القسم معاملون حكما بما قصدوا من استيفاء الحظوظ ; فيجوز لهم ذلك بخلاف القسمين الأولين ، وهما من لا يأخذ بتسبب أو يأخذ به ، لكن على نسبة القسمة ونحوها .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله



    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (69)
    صـ328 إلى صـ 337

    المسألة الخامسة

    العمل إذا وقع على وفق المقاصد الشرعية ; فإما على المقاصد الأصلية ، أو المقاصد التابعة ، وكل قسم من هذين فيه نظر وتفريع ، فلنضع في كل قسم مسألة ، فإذا وقع على مقتضى المقاصد الأصلية بحيث راعاها في العمل ; فلا إشكال في صحته وسلامته مطلقا ، فيما كان بريئا من الحظ وفيما روعي فيه الحظ ، لأنه مطابق لقصد الشارع في أصل التشريع ; إذ تقدم أن المقصود الشرعي في التشريع إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله ، وهذا كاف هنا .

    وينبني عليه قواعد وفقه كثير :

    من ذلك أن المقاصد الأصلية إذا روعيت أقرب إلى إخلاص العمل وصيرورته عبادة ، وأبعد عن مشاركة الحظوظ التي تغير في وجه محض العبودية .

    وبيان ذلك أن حظ الإنسان ليس بواجب أن يراعيه من حيث هو حظه ، على قولنا : إن إثبات الشرع له وإباحة الالتفات إليه إنما هو مجرد تفضل امتن الله به ; إذ ليس بواجب على الله مراعاة مصالح العبيد ، وهو أيضا جار على القول بالوجوب العقلي ; فمجرد قصد الامتثال للأمر والنهي أو الإذن كاف في [ ص: 329 ] حصول كل غرض ، في التوجه إلى مجرد خطاب الشارع ، فالعامل على وفقه ملبيا له ; برئ من الحظ ، وفعله واقع على الضروريات وما حولها ثم يندرج حظه في الجملة ، بل هو المقدم شرعا على الغير .

    فإذا اكتسب الإنسان امتثالا للأمر ، أو اعتبارا بعلة الأمر ، وهو القصد إلى إحياء النفوس على الجملة وإماطة الشرور عنها ، كان هو المقدم شرعا : " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " ، أو كان قيامه بما قام به قياما بواجب مثلا ، ثم نظره في ذلك الواجب قد يقتصر على بعض النفوس دون بعض ، كمن يقصد القيام بحياة نفسه من حيث هو مكلف بها ، أو بحياة من تحت نظره ، وقد يتسع نظره فيكتسب ليحيي به من شاء الله ، وهذا أعم الوجوه وأحمدها وأعودها بالأجر ; لأن الأول قد يفوته فيه أمور كثيرة ، وتقع نفقته حيث لم يقصد ، ويقصد غير ما كسب وإن كان لا يضره فإنه لم يكل التدبير إلى ربه ، وأما الثاني ; فقد جعل قصده وتصرفه في يد من هو على كل شيء قدير ، وقصد أن ينتفع بيسيره عالم كبير لا يقدر على حصره ، وهذا غاية في التحقق بإخلاص العبودية ، ولا يفوته من [ ص: 330 ] حظه شيء .

    بخلاف مراعاة المقاصد التابعة ; فقد يفوته معها جل هذا أو جميعه ; لأنه إنما يراعي مثلا زوال الجوع أو العطش أو البرد أو قضاء الشهوة أو التلذذ بالمباح مجردا عن غير ذلك ، وهذا وإن كان جائزا ; فليس بعبادة ولا روعي فيه قصد الشارع الأصلي ، وهو منجر معه ، ولو روعي قصد الشارع لكان العمل امتثالا ; فيرجع إلى التعلق بمقتضى الخطاب كما تقدم ، فإذا لم يراع ; لم يبق إلا مراعاة الحظ خاصة ، هذا وجه .

    ووجه ثان أن المقاصد الأصلية راجعة إما إلى مجرد الأمر والنهي من غير نظر في شيء سوى ذلك ، وهو بلا شك طاعة للأمر وامتثال لما أمر لا داخلة فيه ، وإما إلى ما فهم من الأمر من أنه عبد استعمله سيده في سخرة عبيده ; فجعله وسيلة وسببا إلى وصول حاجاتهم إليهم كيف يشاء .

    [ ص: 331 ] وهذا أيضا لا يخرج عن اعتبار مجرد الأمر ; فهو عامل بمحض العبودية ، مسقط لحظه فيها ; فكأن السيد هو القائم له بحظه ، بخلاف العامل لحظه ; فإنه لما لم يقم بذلك من حيث مجرد الأمر ، ولا من حيث فهم مقصود الأمر ، ولكنه قام به من جهة استجلاب حظه أو حظ من له فيه حظ ; فهو إن امتثل الأمر فمن جهة نفسه ، فالإخلاص على كماله مفقود في حقه ، والتعبد بذلك العمل منتف ، وإن لم يمتثل الأمر ; فذلك أوضح في عدم القصد إلى التعبد ، فضلا عن أن يكون مخلصا فيه ، وقد يتخذ الأمر والنهي عاديين لا عباديين ، إذا غلب عليه طلب حظه ، وذلك نقص .

    ووجه ثالث وهو أن القائم على المقاصد الأول قائم بعبء ثقيل جدا ، وحمل كبير من التكليف لا يثبت تحته طالب الحظ في الغالب ، بل يطلب حظه بما هو أخف ، وسبب ذلك أن هذا الأمر حالة داخلة على المكلف شاء أو أبى ، يهدي الله إليها من اختصه بالتقريب من عباده ، ولذلك كانت النبوة أثقل الأحمال وأعظم التكاليف ، وقد قال تعالى : إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا [ المزمل : 5 ] .

    فمثل هذا لا يكون إلا مع اختصاص زائد ، بخلاف طالب الحظ ; فإنه [ ص: 332 ] عامل بنفسه ، وغير مستويين فاعل بربه وفاعل بنفسه ، فالأول محمول ، والثاني عامل بنفسه ، فلذلك قلما تجد صاحب حظ يقوم بتكليف شاق ، فإن رأيت من يدعي تلك الحال ; فاطلبه بمطالب أهل ذلك المقام ، فإن أوفى به ; فهو ذاك ، وإلا ; علمت أنه متقول قلما يثبت عند ما ادعى ، وإذا ثبت أن صاحب المقاصد الأول محمول ; فذلك أثر من آثار الإخلاص ، وصاحب الحظ ليس بمحمول ذلك الحمل إلا بمقدار ما نقص عنده حظه ، فإذا سقط حظه ثبت قصده في المقاصد الأول ، وثبت له الإخلاص ، وصارت أعماله عبادات .

    فإن قيل : فنحن نرى كثيرا ممن يسعى في حظه وقد بلغ الرتبة العليا في أهل الدين ، بل قد جاء عن سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يحب الطيب ، والنساء ، والحلواء والعسل ، وكان تعجبه الذراع ، ويستعذب له الماء ، وأشباه ذلك مما هو اتباع لحظ النفس ; إذا كان لا يمتنع مما يشتهيه من الحلال ، بل كان يستعمله إذا وجده ، وقد بلغ الرتبة العليا في أهل الدين ، وهو أتقى الخلق وأزكاهم ، وكان خلقه القرآن ، فهذا في هذا الطرف .

    ونرى أيضا كثيرا ممن يسقط حظ نفسه ويعمل لغيره أو في مصالح العباد بمقتضى ما قدر عليه صادقا في عمله ، ومع ذلك فليس له في الآخرة من [ ص: 333 ] خلاق ، ككثير من رهبان النصارى وغيرهم ممن تزهد وانقطع عن الدنيا وأهلها ، ولم يلتفت إليها ولا أخطرها بباله ، واتخذ العبادة والسعي في حوائج الخلق دأبا وعادة ; حتى صار في الناس آية ، وكل ما يعمله مبني على باطل محض ، وبين هذين الطرفين وسائط لا تحصى تقرب من الفريقين .

    فالجواب من وجهين :

    أحدهما :

    أن ما زعمت ظواهر ، وغائبات الأمور قد لا تكون معلومة ; فانظر ما قاله الإسكاف في " فوائد الأخبار " في قوله عليه الصلاة والسلام : حبب إلي من دنياكم ثلاث يلح لك من ذلك المطلع خلاف ما توهمت من طلب الحظ الصرف إلى طلب الحق الصرف ، ويدل عليه أنه جعل من الثلاث الصلاة ، وهي أعلى العبادات بعد الإيمان ، وهكذا يمكن أن يقال في سواها .

    وأيضا ; فإنه لا يلزم من حب الشيء أن يكون مطلوبا بحظ لأن الحب أمر باطن لا يملك ، وإنما ينظر فيما ينشأ عنه من الأعمال ; فمن أين لك أنه كان عليه الصلاة والسلام يتناول تلك الأشياء لمجرد الحظ ، دون أن يتناوله من حيث الإذن ؟ وهذا هو عين البراءة من الحظ ، وإذا تبين هذا في القدوة الأعظم - صلى الله عليه وسلم - تبين نحوه في كل مقتدى به ممن اشتهرت ولايته .

    وأما الكلام عن الرهبان ، فلا نسلم أنها مجردة من الحظ ، بل هي عين الحظ ، واستهلاك في هوى النفس ; لأن الإنسان قد يترك حظه في أمر إلى حظ هو أعلى منه ، كما ترى الناس يبذلون المال في طلب الجاه ; لأن حظ النفس في الجاه أعلى ، ويبذلون النفوس في طلب الرياسة حتى يموتوا في طريق ذلك ، وهكذا الرهبان قد يتركون لذات الدنيا للذة الرياسة والتعظيم ; فإنها أعلى ، وحظ الذكر والتعظيم والرياسة والاحترام والجاه القائم في الناس من أعظم الحظوظ [ ص: 334 ] التي يستحقر متاع الدنيا في جنبها ، وذلك أول منهي في مسألتنا ; فلا كلام فيمن هذا شأنه ، ولذلك قالوا : " حب الرياسة آخر ما يخرج من رءوس الصديقين " ، وصدقوا .

    والثاني : أن طلب الحظوظ قد يكون مبرءا من الحظوظ ، وقد لا يكون كذلك ، والفرق بينهما أن الباعث على طلبه أولا إما أن يكون أمر الشارع أو لا ، فإن كان أمر الشارع ، فهو الحظ المبرأ المنزه ; لأن نفسه عنده تنزلت منزلة غيره ، فكما يكون في مصالح غيره مبرء عن الحظ ، كذلك يكون في مصالح نفسه ، وذلك بمقتضى القصد الأول ، وهذا شأن من ذكر في السؤال ، ولا يعد مثل هذا حظا ولا سعيا فيه بحسب القصد ; لأن القصد التابع إذا كان الباعث عليه القصد الأصلي كان فرعا من فروعه ; فله حكمه ، فأما إن لم يرتبط بالقصد الأول ; فإنه سعي في الحظ ، وليس ما نحن فيه هكذا .

    وأما شأن الرهبان ومن أشبههم ; فقد يتفق لهم هذه الحالة وإن كانت فاسدة الوضع ; فينقطعون في الصوامع والديارات ، ويتركون الشهوات واللذات ، ويسقطون حظوظهم في التوجه إلى معبودهم*************** ، ويعملون في ذلك غاية ما يمكنهم من وجوه التقرب إليه ، وما يظنون أنه سبب إليه ، ويعاملونه في الخلق وفي أنفسهم حسبما يفعله المحق في الدين حرفا بحرف ، ولا أقول : " إنهم غير مخلصين ، بل هم مخلصون إلى من عبدوا ، ومتوجهون صدقا إلى ما عاملوا ، إلا أن كل ما يعملون مردود عليهم ، لا ينفعهم الله بشيء منه في الآخرة ; لأنهم بنوا على غير أصل : وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية [ الغاشية : 2 - 4 ] ، والعياذ بالله " .

    [ ص: 335 ] ودونهم في ذلك أهل البدع والضلال من أهل هذه الملة ، وقد جاء في الخوارج ما علمت من قوله عليه الصلاة والسلام في ذي الخويصرة : دعه ; فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم الحديث ; فأخبر أن لهم عبادة تستعظم وحالا يستحسن ظاهره ، لكنه مبني على غير أصل ، فلذلك قال فيهم : يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وأمر عليه الصلاة والسلام بقتلهم ، ويوجد في أهل الأهواء من هذا كثير .

    [ ص: 336 ] [ ص: 337 ] وعلى الجملة ; فالإخلاص في الأعمال إنما يصح خلوصه مع اطراح الحظوظ ; لكنه إن كان مبنيا على أصل صحيح كان منجيا عند الله ، وإن كان على أصل فاسد فبالضد ، ويتفق هذا كثيرا في أهل المحبة ; فمن طالع أحوال المحبين رأى اطراح الحظوظ وإخلاص الأعمال لمن أحبوا على أتم الوجوه التي تتهيأ من الإنسان .

    فإذا ; قد ظهر أن البناء على المقاصد الأصلية أقرب إلى الإخلاص ، وأن المقاصد التابعة أقرب إلى عدمه ، ولا أنفيه .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله



    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (70)
    صـ338 إلى صـ 343

    فصل

    ويظهر من هنا أيضا أن البناء على المقاصد الأصلية يصير تصرفات المكلف كلها عبادات ، كانت من قبيل العبادات أو العادات ; لأن المكلف إذا فهم مراد الشارع من قيام أحوال الدنيا ، وأخذ في العمل على مقتضى ما فهم ، فهو إنما يعمل من حيث طلب منه العمل ، ويترك إذا طلب منه الترك فهو أبدا في إعانة الخلق على ما هم عليه من إقامة المصالح باليد واللسان والقلب .

    أما باليد ; فظاهر في وجوه الإعانات .

    [ ص: 338 ] وأما باللسان ; فبالوعظ والتذكير بالله أن يكونوا فيما هم عليه مطيعين لا عاصين ، وتعليم ما يحتاجون إليه في ذلك من إصلاح المقاصد والأعمال ، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالدعاء بالإحسان لمحسنهم والتجاوز عن مسيئهم .

    وبالقلب لا يضمر لهم شرا ، بل يعتقد لهم الخير ، ويعرفهم بأحسن الأوصاف التي اتصفوا بها ولو بمجرد الإسلام ، ويعظمهم ويحتقر نفسه بالنسبة إليهم ، إلى غير ذلك من الأمور القلبية المتعلقة بالعباد .

    بل لا يقتصر في هذا على جنس الإنسان ، ولكن تدخل عليه الشفقة على الحيوانات كلها ، حتى لا يعاملها إلا بالتي هي أحسن ، كما دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام : في كل ذي كبد رطبة أجر ، وحديث تعذيب المرأة في هرة ربطتها ، وحديث : إن الله كتب الإحسان على كل مسلم ، فإذا قتلتم ; [ ص: 339 ] فأحسنوا القتلة الحديث إلى أشباه ذلك .

    فالعامل بالمقاصد الأصلية عامل في هذه الأمور في نفسه امتثالا لأمر ربه ، واقتداء بنبيه عليه الصلاة والسلام ; فكيف لا تكون تصاريف من هذه سبيله عبادة كلها ؟ بخلاف من كان عاملا على حظه ; فإنه إنما يلتفت إلى حظه أو ما كان طريقا إلى حظه ، وهذا ليس بعبادة على الإطلاق ، بل هو عامل في مباح إن لم يخل بحق الله أو بحق غيره فيه ، والمباح لا يتعبد إلى الله به ، وإن فرضناه قام على حظه من حيث أمره الشارع ; فهو عبادة بالنسبة إليه خاصة ، وإن فرضته كذلك فهو خارج عن داعية حظه بتلك النسبة .
    فصل

    ومن ذلك أن البناء على المقاصد الأصلية ينقل الأعمال في الغالب إلى أحكام الوجوب ; إذ المقاصد الأصلية دائرة على حكم الوجوب ، من حيث كانت حفظا للأمور الضرورية في الدين المراعاة باتفاق ، وإذا كانت كذلك ; صارت الأعمال الخارجة عن الحظ دائرة على الأمور العامة ، وقد تقدم أن غير الواجب بالجزء يصير واجبا بالكل ، وهذا عامل بالكل فيما هو مندوب بالجزء أو مباح يختل النظام باختلاله ; فقد صار عاملا بالوجوب .

    [ ص: 340 ] فأما البناء على المقاصد التابعة ; فهو بناء على الحظ الجزئي ، والجزئي لا يستلزم الوجوب ، فالبناء على المقاصد التابعة لا يستلزم الوجوب ; فقد يكون العمل مباحا ; إما بالجزء ، وإما بالكل والجزء معا ، وإما مباحا بالجزء مكروها ، أو ممنوعا بالكل ، وبيان هذه الجملة في كتاب الأحكام .
    فصل

    ومن ذلك أن المقصد الأول إذا تحراه المكلف يتضمن القصد إلى كل ما قصده الشارع في العمل من حصول مصلحة أو درء مفسدة ; فإن العامل به إنما قصده تلبية أمر الشارع ; إما بعد فهم ما قصد ، وإما لمجرد امتثال الأمر ، وعلى كل تقدير فهو قاصد ما قصده الشارع ، وإذا ثبت أن قصد الشارع أعم المقاصد وأولها ، وأنه نور صرف لا يشوبه غرض ولا حظ ; كان المتلقي له على هذا الوجه آخذا له زكيا وافيا كاملا ، غير مشوب ولا قاصر عن مراد الشارع ; فهو حر أن يترتب الثواب فيه للمكلف على تلك النسبة .

    وأما القصد التابع ; فلا يترتب عليه ذلك كله لأن أخذ الأمر والنهي بالحظ أو أخذ العمل بالحظ قد قصره قصد الحظ عن إطلاقه ، وخص عمومه ; فلا ينهض نهوض الأول .

    شاهده قاعدة " الأعمال بالنيات " ، وقوله عليه الصلاة والسلام : الخيل لرجل أجر ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ، فأما الذي هي له أجر ; فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة ، فما أصابت في طيلها ذلك من [ ص: 341 ] المرج أو الروضة كان له حسنات ، ولو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه لم يرد أن يسقي به كان ذلك له حسنات ; فهي له أجر في هذا الوجه من الحديث لصاحب القصد الأول ; لأنه قصد بارتباطها سبيل الله ، وهذا عام غير خاص ، فكان أجره في تصرفاته عاما أيضا غير خاص ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها ; فهي له ستر ، فهذا في صاحب الحظ المحمود لما قصد وجها خاصا وهو حظه ; كان حكمها مقصورا على ما قصد ، وهو الستر ، وهو صاحب القصد التابع ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام ; فهي على ذلك وزر ; فهذا في الحظ المذموم المستمد من أصل متابعة الهوى ، ولا كلام فيه هنا .

    [ ص: 342 ] ويجري مجرى العمل بالقصد الأول الاقتداء بأفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أو بالصحابة أو التابعين ، لأن ما قصدوا يشمله قصد المقتدي في الاقتداء ، وشاهده الإحالة في النية على نية المقتدى به ; كما في قول بعض الصحابة في إحرامه : " بما أحرم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ، فكان حجة في الحكم كذلك يكون في غيره من الأعمال .
    فصل

    ومن ذلك أن العمل على المقاصد الأصلية يصير الطاعة أعظم ، وإذا خولفت كانت معصيتها أعظم .

    أما الأول ; فلأن العامل على وفقها عامل على الإصلاح [ العام ] لجميع الخلق والدفع عنهم على الإطلاق ; لأنه إما قاصد لجميع ذلك بالفعل وإما قاصر نفسه على امتثال الأمر الذي يدخل تحت قصده كل ما قصده الشارع بذلك الأمر ، وإذا فعل [ ذلك ] جوزي على كل نفس أحياها ، وعلى كل مصلحة عامة قصدها ، ولا شك في عظم هذا العمل ، ولذلك كان من أحيا النفس فكأنما أحيا الناس جميعا ، وكان العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء بخلاف ما إذا لم يعمل على وفقه ، فإنما يبلغ ثوابه مبلغ قصده ; لأن الأعمال بالنيات ، فمتى كان قصده أعم ; كان أجره أعظم ، ومتى لم يعم قصده ; لم يكن [ ص: 343 ] أجره إلا على وزان ذلك ، وهو ظاهر .

    وأما الثاني ; فإن العامل على مخالفتها عامل على الإفساد العام ، وهو مضاد للعامل على الإصلاح العام ، وقد مر أن قصد الإصلاح العام يعظم به الأجر ; فالعامل على ضده يعظم به وزره ، ولذلك كان على ابن آدم الأول كفل من وزر كل من قتل النفس المحرمة ; لأنه أول من سن القتل ، وكان من قتل النفس فكأنما قتل الناس جميعا ، و من سن سنة سيئة ; كان عليه وزرها ووزر من عمل بها .
    فصل

    ومن هنا تظهر قاعدة أخرى ، وهي أن أصول الطاعات وجوامعها إذا تتبعت وجدت راجعة إلى اعتبار المقاصد الأصلية ، وكبائر الذنوب إذا اعتبرت وجدت في مخالفتها ، ويتبين لك بالنظر في الكبائر المنصوص عليها وما ألحق بها قياسا ; فإنك تجده مطردا إن شاء الله .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله



    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (71)
    صـ344 إلى صـ 360

    المسالة السادسة

    العمل إذا وقع على وفق المقاصد التابعة ; فلا يخلو أن تصاحبه المقاصد الأصلية ، أو لا .

    فأما الأول ; فعمل بالامتثال بلا إشكال ، وإن كان سعيا في حظ النفس .

    وأما الثاني ; فعمل بالحظ والهوى مجردا .

    والمصاحبة إما بالفعل ، ومثاله أن يقول مثلا : هذا المأكول ، أو هذا الملبوس ، أو هذا الملموس ، أباح لي الشرع الاستمتاع به ; فأنا أستمتع بالمباح وأعمل باستجلابه لأنه مأذون فيه ، وإما بالقوة ، ومثاله أن يدخل في التسبب إلى ذلك المباح من الوجه المأذون فيه ، لكن نفس الإذن لم يخطر بباله ، وإنما خطر له أن هذا يتوصل إليه من الطريق الفلاني ، فإذا توصل إليه منه فهذا في الحكم كالأول ، إذا كان الطريق التي توصل إلى المباح من جهته مباحا ; إلا أن المصاحبة بالفعل أعلى ، ويجري غير المباح مجراه في الصورتين .

    فإذا تقرر هذا ; فبيان كونه عاملا بالحظ والامتثال أمران :

    [ ص: 345 ] أحدهما : أنه لو لم يكن كذلك ; لم يجز لأحد أن يتصرف في أمر عادي حتى يكون القصد في تصرفه مجرد امتثال الأمر ، من غير سعي في حظ نفسه ولا قصد في ذلك ، بل كان يمتنع للمضطر أن يأكل الميتة حتى يستحضر هذه النية ويعمل على هذا القصد المجرد من الحظ ، وهذا غير صحيح باتفاق ، ولم يأمر الله تعالى ولا رسوله بشيء من ذلك ، ولا نهى عن قصد الحظوظ في الأعمال العادية على حال مع قصد الشارع للإخلاص في الأعمال وعدم التشريك فيها ، وأن لا يلحظ فيها غير الله تعالى ; فدل على أن القصد للحظ في الأعمال إذا كانت عادية لا ينافي أصل الأعمال .

    فإن قيل : كيف يتأتى قصد الشارع للإخلاص في الأعمال العادية وعدم التشريك فيها ؟

    قيل : معنى ذلك أن تكون معمولة على مقتضى المشروع ، لا يقصد بها عمل جاهلي ، ولا اختراع شيطاني ، ولا تشبه بغير أهل الملة ; كشرب الماء أو العسل في صورة شرب الخمر ، وأكل ما صنع لتعظيم أعياد اليهود أو النصارى وإن صنعه المسلم ، أو ما ذبح على مضاهاة الجاهلية ، وما أشبه ذلك مما هو نوع من تعظيم الشرك .

    كما روى ابن حبيب عن ابن شهاب أنه ذكر له أن إبراهيم بن هشام بن [ ص: 346 ] إسماعيل المخزومي أجرى عينا ، فقال له المهندسون عند ظهور الماء : لو أهرقت عليها دما كان أحرى أن لا تغيض ولا تهور فتقتل من يعمل فيها ، فنحر جزائر حين أرسل الماء فجرى مختلطا بالدم ، وأمر فصنع له ولأصحابه منها طعام ، فأكل وأكلوا ، وقسم سائرها بين العمال فيها ، فقال ابن شهاب : بئس والله ما صنع ، ما حل له نحرها ولا الأكل منها ، أما بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يذبح للجن ؟ ; لأن مثل هذا وإن ذكر اسم الله عليه مضاه لما ذبح [ ص: 347 ] على النصب وسائر ما أهل لغير الله به .

    وكذلك جاء النهي عن معاقرة الأعراب ، وهي أن يتبارى الرجلان [ ص: 348 ] فيعقر كل واحد منهما ، يجاود به صاحبه ; فأكثرهما عقرا أجودهما ، نهى عن أكله لأنه مما أهل لغير الله به . قال الخطابي : وفي معناه ما جرت به عادة الناس من ذبح الحيوان بحضرة الملوك والرؤساء عند قدومهم البلدان ، وأوان حوادث يتجدد لهم ، وفي نحو ذلك من الأمور .

    وخرج أبو داود : " نهى عليه الصلاة والسلام عن طعام المتباريين أن يؤكل " ، وهما المتعارضان ليرى أيهما يغلب صاحبه ; فهذا وما كان نحوه إنما [ ص: 349 ] شرع على جهة أن يذبح على المشروع بقصد مجرد الأكل ، فإذا زيد فيه هذا القصد ; كان تشريكا في المشروع ، ولحظا لغير أمر الله تعالى ، وعلى هذا وقعت الفتيا من ابن عتاب بنهيه عن أكل اللحوم في النيروز ، وقوله فيها : إنها مما [ ص: 350 ] أهل لغير الله به وهو باب واسع .

    والثاني : أنه لو كان قصد الحظ مما ينافي الأعمال العادية ; لكان العمل بالطاعات وسائر العبادات رجاء في دخول الجنة أو خوفا من دخول النار عملا بغير الحق ، وذلك باطل قطعا ; فيبطل ما يلزم عنه .

    أما بيان الملازمة ; فلأن طلب الجنة أو الهرب من النار سعي في حظ ، لا فرق بينه وبين طلب الاستمتاع بما أباحه له الشارع وأذن له فيه من حيث هو حظ ; إلا أن أحدهما عاجل والآخر آجل ، والتعجيل والتأجيل في المسألة طردي كالتعجيل والتأجيل في الدنيا لا منافسة فيه ، ولما كان طلب الحظ الآجل سائغا كان طلب العاجل أولى بكونه سائغا .

    وأما بطلان التالي ; فإن القرآن قد جاء بأن من عمل جوزي ، واعملوا يدخلكم الجنة ، واتركوا تدخلوا الجنة ، ولا تعملوا كذا فتدخلوا النار ، ومن يعمل كذا يجز بكذا ، وهذا بلا شك تحريك على العمل بحظوظ النفوس ، فلو كان طلب الحظ قادحا في العمل لكان القرآن مذكرا بما يقدح في العمل ، وذلك باطل باتفاق ، فكذلك ما يلزم عنه .

    وأيضا ; فإن النبي كان يسأل عن العمل الذي يدخل الجنة ويبعد من النار ; فيخبر به من غير احتراز ولا تحذير من طلب الحظ في ذلك ، وقد أخبر الله تعالى عمن قال : إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا [ الإنسان : 9 ] .

    [ ص: 351 ] بقولهم : إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا [ الإنسان : 10 ] .

    وفي الحديث : مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما إلى آخر الحديث ، وهو نص في العمل على الحظ .

    وفي حديث بيعة الأنصار قولهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - : اشترط لربك واشترط لنفسك . فلما اشترط ; قالوا : فما لنا ؟ قال : الجنة الحديث .

    [ ص: 352 ] وبالجملة ; فهذا أكثر من أن يحصى ، وجميعه تحريض على العمل بالحظ ، وإن لم يقل : اعمل لكذا ; فقد قال : اعمل يكن لك كذا ، فإذا لم [ ص: 353 ] يكن مثله قادحا في العبادات ; فأولى أن لا يكون قادحا في العادات .

    فإن قيل : بل مثل هذا قادح في العمل بالنص والمعقول .

    أما المعقول ; فإن العامل بقصد الحظ قد جعل حظه مقصدا والعمل وسيلة ، لأنه لو لم يكن مقصدا لم يكن مطلوبا بالعمل ، وقد فرضناه كذلك ، هذا خلف ، وكذلك العمل ولو لم يكن وسيلة لم يطلب الحظ من طريقه ، وقد فرضناه أنه يعمله ليصل به إلى غيره ، وهو حظه ; فهو بالنسبة إلى ذلك الحظ وسيلة ، وقد تقرر أن الوسائل من حيث هي وسائل غير مقصودة لأنفسها ، وإنما هي تبع للمقاصد بحيث لو سقطت المقاصد سقطت الوسائل ، وبحيث لو توصل إلى المقاصد دونها لم يتوسل بها ، وبحيث لو فرضنا عدم المقاصد جملة لم يكن للوسائل اعتبار ، بل كانت تكون كالعبث ، وإذا ثبت هذا ، فالأعمال المشروعة إذا عملت للتوصل بها إلى حظوظ النفوس ، فقد صارت غير متعبد بها إلا من حيث الحظ ، فالحظ هو المقصود بالعمل لا التعبد ، فأشبهت العمل بالرياء لأجل حظوظ الدنيا من الرياسة والجاه والمال وما أشبه ذلك ، والأعمال المأذون فيها كلها يصح التعبد بها إذا أخذت من حيث أذن فيها ، فإذا أخذت من جهة [ ص: 354 ] الحظوظ سقط كونها متعبدا بها ; فكذلك العمل بالأعمال المأمور بها والمتعبد بها كالصلاة والصيام وأشباههما ، ينبغي أن يسقط التعبد بها ، وكل عمل من عادة أو عبادة مأمور به ; فحظ النفس متعلق به ، فإذا أخذ من ذلك الوجه لا من جهة كونه متعبدا به سقط كونه عبادة ; فصار مهمل الاعتبار في العبادة ، فبطل التعبد فيه ، وذلك معنى كون العمل غير صحيح .

    وأيضا ; فهذا المأمور أو المنهي بما فيه حظه ، يا ليت شعري ما الذي كان يصنع لو ثبت أنه عري عن الحظوظ ؟ ! هل كان يلزمه التعبد لله بالأمر والنهي أم لا ؟ فإذا كان من المعلوم أنه يلزمه ; فالمأمور به والمنهي عنه بلا بد مقصود في نفسه لا وسيلة ، وعلى هذا نبه القائل بقوله :


    هب البعث لم تأتنا رسله وجاحمة النار لم تضرم أليس من الواجب المستحق
    ثناء العباد على المنعم
    ويعني بالوجوب بالشرع ، فإذا جعل وسيلة ; أخرج عن مقتضى المشروع ، وصار العمل بالأمر والنهي على غير ما قصد الشارع ، والقصد المخالف لقصد الشارع باطل ، والعمل المبني ، عليه مثله ; فالعمل المبني على الحظ كذلك .

    وإلى هذا فقد ثبت أن العبد ليس له في نفسه مع ربه حق ، ولا حجة له عليه ، ولا يجب عليه أن يطعمه ولا أن يسقيه ولا أن ينعمه ، بل لو عذب أهل السماوات والأرض لكان له ذلك بحق الملك ، قل فلله الحجة البالغة [ الأنعام : 149 ] ; فإذا لم يكن له إلا مجرد التعبد ; فحقه أن يقوم به من غير طلب حظ ، فإن طلب الحظ بالعمل لم يكن قائما بحقوق السيد بل بحظوظ نفسه .

    [ ص: 355 ] وأما النصوص الدالة على صحة هذا النظر ; فالآيات والأحاديث الدالة على إخلاص الأعمال لله ، وعلى أن ما لم يخلص لله منها ; فلا يقبله الله ، كقوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [ البينة : 5 ] .

    وقوله : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [ الكهف : 110 ] .

    وفي الحديث : أنا أغنى الشركاء عن الشرك .

    وفيه : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ; أي : ليس له من التعبد لله بالأمر بالهجرة شيء ، فإن كل أمر ونهي عقل معناه أو لم يعقل معناه ; ففيه تعبد حسبما يأتي إن شاء الله ; فالعامل لحظه مسقط لجانب التعبد ، ولذلك عد جماعة من السلف المتقدمين العامل للأجر خديم السوء وعبد السوء ، وفي الآثار من ذلك أشياء ، وقد جمع الأمر كله قوله تعالى : ألا لله الدين الخالص [ الزمر : 3 ] .

    وأيضا ; فقد عد الناس من هذا ما هو قادح في الإخلاص ومدخل للشوب في الأعمال ; فقال الغزالي : كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ، ويميل إليه القلب قل أو كثر إذا تطرق إلى العمل ، تكدر به صفوه ، وقل به [ ص: 356 ] إخلاصه .

    قال : " والإنسان منهمك في حظوظه ومنغمس في شهواته ، قلما ينفك فعل من أفعاله ، وعبادة من عباداته عن حظوظ ما وأغراض عاجلة [ من هذه الأجناس ] ، ولذلك [ قيل ] : من سلم له في عمره خطرة واحدة خالصة لوجه الله نجا ، وذلك لعز الإخلاص ، وعسر تنقية القلب عن هذه الشوائب ، بل الخالص هو الذي لا باعث فيه إلا طلب القرب من الله تعالى " .

    ثم قال : " وإنما الإخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها قليلها وكثيرها ، حتى يتجرد فيه قصد التقرب ; فلا يكون فيه باعث سواه " .

    قال : " وهذا لا يتصور إلا من محب لله مستهتر ، مستغرق الهم بالآخرة ، بحيث لم يبق ل [ حب ] الدنيا في قلبه قرار ، حتى لا يحب الأكل والشرب أيضا ، بل تكون رغبته فيه كرغبته في قضاء الحاجة من حيث إنه ضرورة الجبلة ; فلا يشتهي الطعام لأنه طعام ، بل لأنه يقويه على العبادة ، ويتمنى [ أن ] لو كفي شر الجوع حتى لا يحتاج إلى الأكل ; فلا يبقى في قلبه حظ في الفضول الزائدة على الضرورة ، ويكون قدر الضرورة مطلوبا عنده لأنه ضرورة دينية ; فلا يكون له هم إلا الله تعالى ، فمثل هذا الشخص لو أكل أو شرب أو قضى حاجته ; كان خالص العمل صحيح النية في جميع حركاته وسكناته ، فلو نام مثلا ليريح نفسه ليتقوى على العبادة بعده ; كان نومه عبادة وحاز درجة المخلصين ، ومن ليس كذلك ; فباب الإخلاص في الأعمال كالمسدود عليه إلا على سبيل الندور " . ثم تكلم على باقي المسألة ، وله في الإحياء من هذا المعنى مواضع يعرفها من زواله ، فإذا كان كذلك ; فالعامل الملتفت إلى حظ نفسه على [ ص: 357 ] خلاف ما وقع الكلام عليه .

    فالجواب أن ما تعبد العباد به على ضربين :

    أحدهما : العبادات المتقرب بها إلى الله بالأصالة ، وذلك الإيمان وتوابعه من قواعد الإسلام وسائر العبادات .

    والثاني : العادات الجارية بين العباد التي في التزامها نشر المصالح بإطلاق ، وفي مخالفتها نشر المفاسد بإطلاق ، وهذا هو المشروع لمصالح العباد ودرء المفاسد عنهم ، وهو القسم الدنيوي المعقول المعنى ، والأول هو حق الله من العباد في الدنيا ، والمشروع لمصالحهم في الآخرة ودرء المفاسد عنهم .

    فأما الأول ; فلا يخلو أن يكون الحظ المطلوب دنيويا أو أخرويا .

    فإن كان أخرويا ; فهذا حظ قد أثبته الشرع حسبما تقدم ، وإذا ثبت شرعا ; فطلبه من حيث أثبته صحيح ، إذ لم يتعد ما حده الشارع ، ولا أشرك مع الله في ذلك العمل غيره ، ولا قصد مخالفته ; إذ قد فهم من الشارع حين رتب على الأعمال جزاء أنه قاصد لوقوع الجزاء على الأعمال ; فصار العامل ليقع له الجزاء عاملا لله وحده على مقتضى العلم الشرعي ، وذلك غير قادح في [ ص: 358 ] إخلاصه ; لأنه علم أن العبادة المنجية والعمل الموصل ما قصد به وجه الله لا ما قصد به غيره ; لأنه عز وجل يقول : إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم إلى قوله في جنات النعيم [ الصافات : 40 - 43 ] الآية .

    فإذا كان قد رتب الجزاء على العمل المخلص - ومعنى كونه مخلصا أن لا يشرك معه في العبادة غيره - ; فهذا قد عمل على وفق ذلك ، وطلب الحظ ليس بشرك ، إذ لا يعبد الحظ نفسه ، وإنما يعبد من بيده بذل الحظ المطلوب ، وهو الله تعالى ، لكن لو أشرك مع الله من ظن بيده بذل حظ ما من العباد ; فهذا هو الذي أشرك ، حيث جعل مع الله غيره في ذلك الطلب بذلك العمل ، والله لا يقبل عملا فيه شرك ، ولا يرضى بالشرك ، وليست مسألتنا من هذا .

    فقد ظهر أن قصد الحظ الأخروي في العبادة لا ينافي الإخلاص فيها ، بل إذا كان العبد عالما بأنه لا يوصله إلى حظه من الآخرة إلا الله تعالى ; فذلك باعث له على الإخلاص ، قوي لعلمه أن غيره لا يملك ذلك .

    وأيضا ; فإن العبد لا ينقطع طلبه للحظ لا في الدنيا ولا في الآخرة ، على ما نص عليه أبو حامد رحمه الله ; لأن أقصى حظوظ المحبين التنعم في الآخرة بالنظر إلى محبوبهم والتقرب منه ، والتلذذ بمناجاته ، وذلك حظ عظيم ، بل هو أعظم ما في الدارين ، وهو راجع إلى حظ العبد من ذلك ، فإن الله تعالى غني عن العالمين ، قال تعالى : ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين [ العنكبوت : 6 ] .

    [ ص: 359 ] وإلى هذا فإن كون الإنسان يعمل لمجرد امتثال الأمر نادر قليل إن وجد ، والله عز وجل قد أمر الجميع بالإخلاص ، والإخلاص البريء عن الحظوظ العاجلة والآجلة عسير جدا لا يصل إليه إلا خواص الخواص ، وذلك قليل ، فيكون هذا المطلوب قريبا من تكليف ما لا يطاق ، وهذا شديد .

    وعلى أن بعض الأئمة قال : " إن الإنسان لا يتحرك إلا بحظ ، والبراءة من الحظوظ صفة إلهية ، ومن ادعاه فهو كافر ، قال أبو حامد : وما قاله حق ، ولكن القوم إنما أرادوا به - يعني الصوفية - البراءة عما يسميه الناس حظوظا ، وذلك الشهوات الموصوفة في الجنة فقط ، فأما التلذذ بمجرد المعرفة والمناجاة ، والنظر إلى وجه الله العظيم ; فهذا حظ هؤلاء ، وهذا لا يعده الناس حظا ، بل يتعجبون منه " .

    قال : " وهؤلاء لو عوضوا عما هم فيه من لذة الطاعة والمناجاة ، وملازمة الشهود للحضرة الإلهية سرا وجهرا نعيم الجنة ، لاستحقروها ولم يلتفتوا إليها ; فحركتهم لحظ ، وطاعتهم لحظ ، ولكن حظهم معبودهم دون غيره " . هذا ما قال ، وهو إثبات لأعظم الحظوظ ، ولكن هؤلاء على ضربين :

    [ ص: 360 ] أحدهما : من يسبق له امتثال أمر الله الحظ ، فإذا أمر أو نهي لبى قبل حضور الحظ ، فهم عاملون بالامتثال لا بالحظ ، وأصحاب هذا الضرب على درجات ، ولكن الحظ لا يرتفع خطوره على قلوبهم إلا نادرا ، ولا مقال في صحة إخلاص هؤلاء .

    والثاني : من يسبق له الحظ الامتثال ، بمعنى أنه لما سمع الأمر أو النهي خطر له الجزاء ، وسبق له الخوف أو الرجاء ، فلبى داعي الله ، فهو دون الأول ، ولكن هؤلاء مخلصون أيضا ; إذ طلبوا ما أذن لهم في طلبه ، وهربوا عما أذن لهم في الهرب عنه ، من حيث لا يقدح في الإخلاص عما تقدم .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (72)
    صـ361 إلى صـ 373


    فصل

    وإن كان الحظ المطلوب بالعبادات ما في الدنيا ; فهو قسمان :

    قسم يرجع إلى صلاح الهيئة ، وحسن الظن عند الناس ، واعتقاد الفضيلة للعامل بعمله .

    وقسم يرجع إلى نيل حظه من الدنيا ، وهذا ضربان :

    أحدهما : يرجع إلى ما يخص الإنسان في نفسه مع الغفلة عن مراءاة الناس بالعمل .

    والآخر يرجع إلى المراءاة لينال بذلك مالا أو جاها أو غير ذلك ; فهذه ثلاثة أقسام .

    [ ص: 361 ] أحدها : يرجع إلى تحسين الظن عند الناس واعتقاد الفضيلة .

    فإن كان هذا القصد متبوعا ; فلا إشكال في أنه رياء لأنه إنما يبعثه على العبادة قصد الحمد وأن يظن به الخير ، وينجر مع ذلك كونه يصلي فرضه أو نفله ، وهذا بين .

    وإن كان تابعا ; فهو محل نظر واجتهاد ، واختلف العلماء في هذا الأصل ; فوقع في العتبية في الرجل الذي يصلي لله ثم يقع في نفسه أنه يحب أن يعلم ، ويحب أن يلقى في طريق المسجد ، ويكره أن يلقى في طريق غيره ; فكره ربيعة هذا ، وعده مالك من قبيل الوسوسة العارضة للإنسان ; أي أن الشيطان يأتي للإنسان إذ سره مرأى الناس له على الخير ; فيقول له : إنك لمراء وليس كذلك ، وإنما هو أمر يقع في قلبه لا يملك ، وقد قال تعالى : وألقيت عليك محبة مني [ طه : 39 ] .

    وقال عن إبراهيم عليه السلام : واجعل لي لسان صدق في الآخرين [ الشعراء : 84 ] . وفي حديث ابن عمر : وقع في نفسي أنها النخلة ، فأردت أن أقولها ، فقال عمر : لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا .

    وطلب العلم عبادة ، قال ابن العربي : سألت شيخنا الإمام أبا منصور الشيرازي الصوفي عن قوله تعالى : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا [ البقرة : 160 ] [ ص: 362 ] ما بينوا ؟ قال : أظهروا أفعالهم للناس بالصلاح والطاعات . قلت : ويلزم ذلك ؟ قال : نعم ; لتثبت أمانته ، وتصح إمامته ، وتقبل شهادته " .

    قال ابن العربي : ويقتدي به غيره ; فهذه الأمور وما كان مثلها تجري هذا المجرى والغزالي يجعل مثل هذا مما لا تتخلص فيه العبادة .

    والثاني : ما يرجع إلى ما يخص الإنسان في نفسه ، مع الغفلة عن مراءاة الغير ، وله أمثلة :

    أحدها : الصلاة في المسجد للأنس بالجيران ، أو الصلاة بالليل لمراقبة أو مراصدة أو مطالعة أحوال .

    والثاني : الصوم توفيرا للمال ، أو استراحة من عمل الطعام وطبخه ، أو احتماء لألم يجده ، أو مرض يتوقعه أو بطنة تقدمت له .

    والثالث : الصدقة للذة السخاء والتفضل على الناس .

    والرابع : الحج لرؤية البلاد ، والاستراحة من الأنكاد ، أو للتجارة ، أو لتبرمه بأهله وولده ، أو إلحاح الفقر .

    [ ص: 363 ] والخامس : الهجرة مخافة الضرر في النفس أو الأهل أو المال .

    والسادس : تعلم العلم ليحتمي به عن الظلم .

    والسابع : الوضوء تبردا .

    والثامن : الاعتكاف فرارا من الكراء .

    والتاسع : عيادة المرضى والصلاة على الجنائز ليفعل به ذلك .

    والعاشر : تعليم العلم ليتخلص به من كرب الصمت ويتفرج بلذة الحديث .

    والحادي عشر : الحج ماشيا ليتوفر له الكراء .

    وهذا الموضع أيضا محل اختلاف إذا كان القصد المذكور تابعا لقصد العبادة ، وقد التزم الغزالي فيها وفي أشباهها أنها خارجة عن الإخلاص ، لكن بشرط أن يصير العمل عليه أخف بسبب هذه الأغراض ، وأماابن العربي ، فذهب إلى خلاف ذلك ، وكأن مجال النظر في المسألة يلتفت إلى انفكاك القصدين أو عدم انفكاكهما ; فابن العربي يلتفت إلى وجه الانفكاك فيصحح العبادات ، وظاهر الغزالي الالتفات إلى مجرد الاجتماع وجودا ، كان القصدان مما يصح انفكاكهما أو لا ، وذلك بناء على مسألة الصلاة في الدار المغصوبة ، والخلاف فيها واقع ، ورأي أصبغ فيها البطلان ، فإذا كان كذلك ; اتجه [ ص: 364 ] النظران ، وظهر مغزى المذهبين .

    على أن القول بصحة الانفكاك فيما يصح فيه الانفكاك أوجه ; لما جاء [ ص: 365 ] [ ص: 366 ] من الأدلة على ذلك ; ففي القرآن الكريم : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم [ البقرة : 198 ] ، يعني في مواسم الحج .

    وقال ابن العربي في الفرار من الأنكاد بالحج أو الهجرة : إنه دأب المرسلين ; فقد قال الخليل عليه السلام : إني ذاهب إلى ربي سيهدين [ الصافات : 99 ] ، وقال الكليم : ففررت منكم لما خفتكم [ الشعراء : 21 ] ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعلت قرة عينه في الصلاة ; فكان يستريح إليها [ ص: 367 ] من تعب الدنيا ، وكان فيها نعيمه ولذته ، أفيقال : إن دخوله فيها على هذا الوجه قادح فيها ؟ كلا ، بل هو كمال فيها وباعث على الإخلاص فيها .

    وفي الصحيح : يا معشر الشباب ! من استطاع منكم الباءة فليتزوج ; فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع ; فعليه بالصوم فإنه له وجاء .

    ذكر ابن بشكوال عن أبي علي الحداد ; قال : حضرت القاضي أبا بكر بن زرب شكا إلى الترجيلي المتطبب ضعف معدته وضعف هضمه ، على ما لم يكن يعهد من نفسه ، وسأله عن الدواء ، فقال : اسرد الصوم تصلح معدتك . فقال له : يا أبا عبد الله ! على غير هذا دلني ، ما كنت لأعذب نفسي بالصوم إلا لوجهه خالصا ، ولي عادة في الصوم الاثنين والخميس لا أنقل نفسي عنها . قال أبو علي : وذكرت في ذلك المجلس حديث الرسول عليه الصلاة والسلام - يعني : هذا الحديث - وجبنت عن إيراد ذلك عليه في ذلك المجلس ، وأحسبني ذاكرته في ذلك في غير هذا المجلس ; فسلم للحديث .

    [ ص: 368 ] وقد بعث عليه الصلاة والسلام رجلا ليكون رصدا في شعب ، فقام يصلى ولم يكن قصده بالإقامة في الشعب إلا الحراسة والرصد .

    [ ص: 369 ] والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، ويكفي من ذلك ما يراعيه الإمام في صلاته من أمر الجماعة ; كانتظار الداخل ليدرك الركوع معه على ما جاء في الحديث ، وما لم يعمل به مالك فقد عمل به غيره ، وكالتخفيف لأجل [ ص: 370 ] الشيخ والضعيف وذي الحاجة ، وقوله عليه الصلاة والسلام : " إني لأسمع بكاء [ ص: 371 ] الصبي " الحديث .

    وكرد السلام في الصلاة ، وحكاية المؤذن ، وما أشبه ذلك مما هو [ ص: 372 ] عمل خارج عن حقيقة الصلاة ، مفعول فيها مقصود يشرك قصد الصلاة ، ومع ذلك ; فلا يقدح في حقيقة إخلاصها .

    بل لو كان شأن العبادة أن يقدح في قصدها قصد شيء آخر سواه ; لقدح فيها مشاركة القصد إلى عبادة أخرى ، كما إذا جاء المسجد قاصدا للتنفل فيه ، وانتظار الصلاة ، والكف عن إذاية الناس ، واستغفار الملائكة له ، فإن كل قصد منها شاب غيره ، وأخرجه عن إخلاصه عن غيره ، وهذا غير صحيح باتفاق ، بل كل قصد منها صحيح في نفسه ، وإن كان العمل واحدا ; لأن الجميع محمود شرعا ، فكذلك ما كان غير عبادة من المأذون فيه ، لاشتراكهما في الإذن الشرعي ، فحظوظ النفوس المختصة بالإنسان لا يمنع اجتماعها مع العبادات إلا ما كان بوضعه منافيا لها ، كالحديث ، والأكل ، والشرب ، والنوم ، والرياء ، وما أشبه ذلك ، أما ما لا منافاة فيه ، فكيف يقدح القصد إليه في العبادة ؟ هذا لا ينبغي أن يقال ، غير أنه لا ينازع في أن إفراد قصد العبادة عن قصد الأمور الدنيوية أولى ، ولذلك إذا غلب قصد الدنيا على قصد العبادة كان [ ص: 373 ] الحكم للغالب ، فلم يعتد بالعبادة فإن غلب قصد العبادة فالحكم له ، ويقع الترجيح في المسائل بحسب ما يظهر للمجتهد .

    والثالث : ما يرجع إلى المراءات ، فأصل هذا إذا قصد به نيل المال أو الجاه ، فهو الرياء المذموم شرعا ، وأدهى ما في ذلك فعل المنافقين الداخلين في الإسلام ظاهرا بقصد إحراز دمائهم وأموالهم ، ويلي ذلك عمل المرائين العاملين بقصد نيل حطام الدنيا ، وحكمه معلوم ; فلا فائدة في الإطالة فيه .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (73)
    صـ374 إلى صـ 379

    فصل

    وأما الثاني ; وهو أن يكون العمل إصلاحا للعادات الجارية بين العباد ، كالنكاح ، والبيع ، والإجارة ، وما أشبه ذلك من الأمور التي علم قصد الشارع إلى القيام بها لمصالح العباد في العاجلة ; فهو حظ أيضا قد أثبته الشارع وراعاه في الأوامر والنواهي ، وعلم ذلك من قصده بالقوانين الموضوعة له ، وإذا علم ذلك بإطلاق ; فطلبه من ذلك الوجه غير مخالف لقصد الشارع ; فكان حقا وصحيحا ، هذا وجه .

    [ ص: 374 ] ووجه ثان : أنه لو كان طلب الحظ في ذلك قادحا في التماسه وطلبه ; لاستوى مع العبادات كالصيام والصلاة وغيرهما في اشتراط النية والقصد إلى الامتثال ، وقد اتفقوا على أن العادات لا تفتقر إلى نية ، وهذا كاف في كون القصد إلى الحظ لا يقدح في الأعمال التي يتسبب عنها ذلك الحظ ، بل لو فرضنا رجلا تزوج ليرائي بتزوجه ، أو ليعد من أهل العفاف ، أو لغير ذلك لصح تزوجه من حيث لم يشرع فيه نية العبادة من حيث تزوج ، فيقدح فيها الرياء والسمعة ، بخلاف العبادات المقصود بها تعظيم الله تعالى مجردا .

    ووجه ثالث : أنه لو لم يكن طلب الحظ فيها سائغا ، لم يصح النص على الامتنان بها في القرآن والسنة ، كقوله تعالى : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها [ الروم : 21 ] .

    وقال : هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا [ يونس : 67 ] .

    وقال : الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم [ البقرة : 22 ] .

    وقال : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله [ القصص : 73 ] .

    وقال : وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا [ النبأ : 10 - 11 ] .

    إلى آخر الآيات ، إلى غير ذلك مما لا يحصى .

    وذلك أن ما جاء في معرض مجرد التكليف لا يقع النص عليه في معرض الامتنان ; لأنه في نفسه كلفة وخلاف للعادات ، وقطع للأهواء ; كالصلاة ، [ ص: 375 ] والصيام ، والحج ، والجهاد ، إلا ما نحا نحو قوله : وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم [ البقرة : 216 ] ، بعد قوله : كتب عليكم القتال وهو كره لكم [ البقرة : 216 ] ، بخلاف ما تميل إليه النفوس وتقضى به الأوطار ، وتفتح به أبواب التمتع ، واللذات النفسانية ، وتسد به الخلات الواقعة من الغذاء والدواء ، ودفع المضرات ، وأضراب ذلك ; فإن الإتيان بها في معرض الامتنان مناسب ، وإذا كان كذلك اقتضى هذا البساط الأخذ بها من جهة ما وقعت المنة بها ، فلا يكون الأخذ على ذلك قدحا في العبودية ، ولا نقصا من حق الربوبية ، لكنهم مطالبون على أثر ذلك بالشكر للذي امتن بها ، وذلك صحيح .

    فإن قيل : فيلزم على هذا أن يكون الأخذ لها بقصد التجرد عن الحظ قادحا أيضا ; إذ كان المقصود المفهوم من الشارع إثبات الحظ والامتنان به ، وهذا أيضا لا يقال به على الإطلاق ; لما تقدم .

    فالجواب أن أخذها من حيث تلبية الأمر أو الإذن قد حصل في ضمنه الحظ وبالتبعية ; لأنه إذا ندب إلى التزوج مثلا فأخذه من حيث الندب على وجه لو لم يندب إليه لتركه مثلا ، فإن أخذه من هنالك قد حصل له به أخذه من حيث الحظ ; لأن الشارع قصد بالنكاح التناسل ، ثم أتبعه آثارا حسنة ; من التمتع باللذات ، والانغمار في نعم يتنعم بها المكلف كاملة ، فالتمتع بالحلال من جملة ما قصده الشارع ، فكان قصد هذا القاصد بريئا من الحظ ، وقد انجر [ ص: 376 ] في قصده الحظ ; فلا فرق بينه وبين من قصد بالنكاح نفس التمتع ; فلا مخالفة للشارع من جهة القصد ، بل له موافقتان : موافقة من جهة قبول ما قصد الشارع أن يتلقاه بالقبول ، وهو التمتع ، وموافقة من جهة أن أمر الشارع في الجملة يقتضي اعتبار المكلف له في حسن الأدب ، فكان له تأدب مع الشارع في تلبية الأمر زيادة إلى حصول ما قصده من نيل حظ المكلف .

    وأيضا ; ففي قصد امتثال الأمر القصد إلى المقصد الأصلي من حصول النسل ، فهو بامتثال الأمر ملب للشارع في هذا القصد ، بخلاف طلب الحظ فقط ; فليس له هذه المزية .

    فإن قيل : فطالب الحظ في هذا الوجه ملوم ; إذ أهمل قصد الشارع في الأمر من هذه الجهة .

    فالجواب أنه لم يهمله مطلقا ; فإنه حين ألقى مقاليده في نيل هذه الحظوظ للشارع على الجملة حصل له بالضمن مقتضى ما قصد الشارع ، فلم يكن قصد المكلف في نيل الحظوظ منافيا لقصد الشارع الأصلي .

    وأيضا ; فالداخل في حكم هذه الحظوظ داخل بحكم الشرط العادي على أنه يلد ، ويتكلف التربية والقيام بمصالح الأهل والولد ; كما أنه عالم إذا أتى الأمر من بابه أنه ينفق على الزوجة ويقوم بمصالحها ، لكن لا يستوي القصدان : قصد الامتثال ابتداء حتى كان الحظ حاصلا بالضمن ، وقصد الحظ ابتداء حتى صار قصد الامتثال بالضمن ; فثبت أن قصد الحظ في هذا القسم [ ص: 377 ] غير قادح في العمل .

    فإن قيل : فطالب الحظ إذا فرضناه لم يقصد الامتثال على حال ، وإنما طلب حظه مجردا ، بحيث لو تأتى له على غير الوجه المشروع لأخذ به ، لكنه لم يقدر عليه إلا بالوجه المشروع ; فهل يكون القصد الأول في حقه موجودا بالقوة أم لا ؟

    فالجواب أنه موجود له بالقوة أيضا ; لأنه إذا لم يكن له سبيل إلى الوصول إلى حظه على غير المشروع ; فرجوعه إلى الوجه المشروع قصد إليه ، وقصد الوجه المشروع يتضمن امتثال الأمر أو العمل بمقتضى الإذن ، وهو القصد الأول الأصلي وإن لم يشعر به على التفصيل ، وقد مر بيان هذا في موافقة قصد الشارع ، وأما العمل بالحظ والهوى بحيث [ لو ] يكون قصد العامل تحصيل مطلوبه وافق الشارع أو خالفه ، فليس من الحق في شيء ، وهو ظاهر والشواهد عليه أظهر .

    فإن قيل : أما كونه عاملا على قصد المخالفة ; فظاهر أنه عامل بالهوى لا بالحق ، وأما عمله على غير قصد المخالفة فليس عاملا بالهوى بإطلاق ; فقد تبين في موضعه أن العامل بالجهل فيخالف أمر الشارع حكمه حكم الناسي ، فلا ينسب عمله إلى الهوى هكذا بإطلاق ، وإذا وافق أمر الشرع جهلا ، فسيأتي أن يصح عمله على الجملة ، فلا يكون عمله بالهوى أيضا وإلى هذا ، فالعامل بالهوى إذا صادف أمر الشارع فلم تقول : إنه عامل بالهوى وقد وافق قصده مع ما مر آنفا أن موافقة أمر الشارع تصير الحظ محمودا .

    فالجواب أنه إذا عمل على غير قصد المخالفة ; فلا يستلزم أن يكون موافقا له ، بل الحالات ثلاث :

    [ ص: 378 ] حال يكون فيها قاصدا للموافقة ; فلا يخلو أن يصيب بإطلاق ; كالعالم يعمل على وفق ما علم ; فلا إشكال أو يصيب بحكم الاتفاق أو لا يصيب ، فهذان قسمان يدخل فيهما العامل بالجهل ، فإن الجاهل إذا ظن في تقديره أن العمل هكذا ، وأن العمل مأذون فيه على ذلك الوجه الذي دخل فيه لم يقصد مخالفة ، لكن فرط في الاحتياط لذلك العمل ، فيؤاخذ في الطريق ، وقد لا يؤاخذ إذا لم يعد مفرطا ، ويمضي عمله إن كان موافقا .

    وأما إذا قصد مخالفة أمر الشارع فسواء في العبادات وافق أو خالف [ فإنه لا اعتبار بموافقته كما ] لا اعتبار بما يخالف فيه ; لأنه مخالف القصد بإطلاق ، وفي العادات الأصل اعتبار ما وافق دون ما خالف ; لأن ما لا تشترط النية في صحته من الأعمال لا اعتبار بموافقته في القصد الشرعي ولا مخالفته ، كمن عقد [ ص: 379 ] عقدا يقصد أنه فاسد فكان صحيحا ، أو شرب جلابا يظنه خمرا ; إلا أن عليه في قصد المخالفة درك الإثم .

    وأما إذا لم يقصد موافقة ولا مخالفة ; فهو العمل علي مجرد الحظ أو الغفلة ; كالعامل ولا يدري ما الذي يعمل ، أو يدري ولكنه إنما قصد مجرد العاجلة ، معرضا عن كونه مشروعا أو غير مشروع ، وحكمه في العبادات عدم الصحة ; لعدم نية الامتثال ، ولذلك لم يكلف الناسي ولا الغافل ولا غير العاقل ، وفي العادات الصحة إن وافق قصد الشارع ، وإلا ; فعدم الصحة .

    وفي هذا الموضع نظر إذ يقال : إن المقصد هنا لما انتفى ; فالموافقة غير معتبرة لإمكان الاسترسال بها في المخالفة وقد يظهر لهذا تأثير في تصرفات المحجور ; كالطفل والسفيه الذي لا قصد له إلى موافقة قصد الشارع في إصلاح المال ، فلذلك قيل بعدم نفوذ تصرفاته مطلقا ، وإن وافقت المصلحة ، وقيل بنفوذ ما وافق المصلحة منها لا ما خالفها ، على تفصيل أصله هذا النظر ، وهو أن مطلق القصد إلى المصلحة غير منتهض ، فهو بهذا القصد مخالف للشارع ، وقد يقال : القصد إنما يعتبر بما ينشأ عنه ، وقد نشأ هنا مع عدم القصد موافقة قصد الشارع ; فصح .
    فصل

    حيث قلنا بالصحة في التصرفات العادية وإن خالف القصد قصد الشارع ; فإن ما مضى الكلام فيه مع اصطلاح الفقهاء ، وأما إذا اعتبرنا ما هو مذكور في هذا الكتاب في نوع الصحة والبطلان من كتاب الأحكام ; فكل ما خالف قصد الشارع ; فهو باطل على الإطلاق ، لكن بالتفسير المتقدم ، والله أعلم .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (74)
    صـ380 إلى صـ 386

    المسألة السابعة

    المطلوب الشرعي ضربان :

    أحدهما : ما كان من قبيل العاديات الجارية بين الخلق ، في الاكتسابات وسائر المحاولات الدنيوية ، التي هي طرق الحظوظ العاجلة ; كالعقود على اختلافها ، والتصاريف المالية على تنوعها .

    والثاني : ما كان من قبيل العبادات اللازمة للمكلف ، من جهة توجهه إلى الواحد المعبود .

    فأما الأول ; فالنيابة فيه صحيحة ، فيقوم فيها الإنسان عن غيره وينوب منابه فيما لا يختص به منها ; فيجوز أن ينوب منابه في استجلاب المصالح له ودرء المفاسد عنه ، بالإعانة والوكالة ونحو ذلك مما هو في معناه ; لأن الحكمة التي يطلب بها المكلف في ذلك كله صالحة أن يأتي بها سواه ; كالبيع والشراء ، والأخذ والإعطاء ، والإجارة والاستئجارة ، والخدمة ، والقبض ، والدفع ، وما أشبه ذلك ما لم يكن مشروعا لحكمة لا تتعدى المكلف عادة أو شرعا ; كالأكل ، والشرب ، واللبس ، والسكنى ، وغير ذلك مما جرت به العادات ، وكالنكاح وأحكامه التابعة له من وجوه الاستمتاع التي لا تصح النيابة فيها شرعا ، فإن مثل هذا مفروغ من النظر فيه ، لأن حكمته لا تتعدى صاحبها إلى غيره ، ومثل ذلك وجوه العقوبات والازدجار ; لأن مقصود الزجر لا يتعدى صاحب الجناية ما لم يكن ذلك راجعا إلى المال ; فإن النيابة فيه تصح ، فإن كان دائرا بين الأمر المالي [ ص: 381 ] وغيره ; فهو مجال نظر واجتهاد ، كالحج والكفارات ; فالحج بناء على أن المغلب فيه التعبد ; فلا تصح النيابة فيه ، أو المال ; فتصح ، والكفارة بناء على أنها زجر فتختص ، أو جبر فلا تختص ، وكالتضحية في الذبح بناء على ما بني عليه في الحج ، وما أشبه هذه الأشياء .

    فالحاصل أن حكمة العاديات إن اختصت بالمكلف ; فلا نيابة ، وإلا صحت النيابة ، وهذا القسم لا يحتاج إلى إقامة دليل لوضوح الأمر فيه .

    وأما الثاني ; فالتعبدات الشرعية لا يقوم فيها أحد عن أحد ، ولا يغني فيها عن المكلف غيره ، وعمل العامل لا يجتزى به غيره ، ولا ينتقل بالقصد إليه ، ولا يثبت إن وهب ، ولا يحمل إن تحمل ، وذلك بحسب النظر الشرعي القطعي نقلا وتعليلا .

    فالدليل على صحة هذه الدعوى أمور :

    أحدها : النصوص الدالة على ذلك ; كقوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى [ الأنعام : 164 ] .

    [ ص: 382 ] وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [ النجم : 39 ] .

    وفي القرآن : ولا تزر وازرة وزر أخرى [ الإسراء : 15 ] في مواضع .

    وفي بعضها : وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى [ فاطر : 18 ] .

    ثم قال : ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه [ فاطر : 18 ] .

    وقال تعالى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون [ العنكبوت : 12 ] .

    وقال : وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم [ القصص : 55 ] .

    وقال تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء [ الأنعام : 52 ] الآية .

    وأيضا ما يدل على أن أمور الآخرة لا يملك فيها أحد عن أحد شيئا ، كقوله : يوم لا تملك نفس لنفس شيئا [ الانفطار : 19 ] ; فهذا عام في نقل الأجور أو حمل الأوزار ونحوها .

    وقال : واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا [ لقمان : 33 ] .

    وقال : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل [ البقرة : 48 ] الآية .

    [ ص: 383 ] إلى كثير من هذا المعنى .

    وفي الحديث حين أنذر عليه الصلاة والسلام عشيرته الأقربين : يا بني فلان ! إني لا أملك لكم من الله شيئا .

    والثاني : المعنى ، وهو أن مقصود العبادات الخضوع لله ، والتوجه إليه ، والتذلل بين يديه ، والانقياد تحت حكمه ، وعمارة القلب بذكره ; حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرا مع الله ، ومراقبا له غير غافل عنه ، وأن يكون ساعيا في مرضاته ، وما يقرب إليه على حسب طاقته ، والنيابة تنافي هذا المقصود وتضاده ; لأن معنى ذلك أن لا يكون العبد عبدا ولا المطلوب بالخضوع والتوجه خاضعا ولا متوجها ، إذا ناب عنه غيره في ذلك ، وإذا قام غيره في ذلك مقامه ; فذلك الغير هو الخاضع المتوجه ، والخضوع والتوجه ونحوهما إنما هو اتصاف بصفات العبودية ، والاتصاف لا يعدو المتصف به ولا ينتقل عنه إلى غيره ، والنيابة إنما معناها أن يكون المنوب منه بمنزلة النائب ، حتى يعد المنوب عنه متصفا بما اتصف به النائب ، وذلك لا يصح في العبادات كما يصح في التصرفات ; فإن النائب في أداء الدين مثلا لما قام مقام المدان صار المدان متصفا بأنه مؤد لدينه ; فلا مطالبة للغريم بعد ذلك به ، وهذا في التعبد لا يتصور ما لم يتصف المنوب عنه بمثل ما اتصف به النائب ، ولا نيابة إذ ذاك على حال .

    والثالث : أنه لو صحت النيابة في العبادات البدنية لصحت في الأعمال [ ص: 384 ] القلبية ; كالإيمان وغيره من الصبر والشكر ، والرضى والتوكل ، والخوف والرجاء ، وما أشبه ذلك ، ولم تكن التكاليف محتومة على المكلف عينا لجواز النيابة ; فكان يجوز أمره ابتداء على التخيير بين العمل والاستنابة ، ولصح مثل ذلك في المصالح المختصة بالأعيان من العاديات ; كالأكل ، والشرب ، والوقاع ، واللباس ، وما أشبه ذلك ، وفي الحدود والقصاص ، والتعزيرات ، وأشباهها من أنواع الزجر ، وكل ذلك باطل بلا خلاف ; من جهة أن حكم هذه الأحكام مختصة ; فكذلك سائر التعبدات .

    وما تقدم من آيات القرآن كلها عمومات لا تحتمل التخصيص ; لأنها محكمات نزلت بمكة احتجاجا على الكفار ، وردا عليهم في اعتقادهم حمل بعضهم عن بعض أو دعواهم ذلك عنادا ، ولو كانت تحتمل الخصوص في هذا [ ص: 385 ] المعنى ; لم يكن فيها رد عليهم ، ولما قامت عليهم بها حجة ، أما على القول بأن العموم إذا خص لا يبقى حجة في الباقي ; فظاهر ، وأما على قول غيرهم ; فلتطرق احتمال التخصيص بالقياس أو غيره ، وإذا تأمل الناظر العمومات المكية وجد عامتها عرية عن التخصيص والنسخ وغير ذلك من الأمور المعارضة ; فينبغي للبيب أن يتخذها عمدة في الكليات الشرعية ، ولا ينصرف عنها .

    فإن قيل : كيف هذا ؟ وقد جاء في النيابة في العبادات واكتساب الأجر والوزر من الغير ، وعلى ما لم يعمل أشياء :

    أحدها : الأدلة الدالة على خلاف ما تقدم ، وهي جملة منها أن الميت يعذب ببكاء الحي عليه .

    وأن من سن سنة حسنة أو سيئة ; كان له أجرها أو عليه وزرها .

    [ ص: 386 ] وأن " الرجل إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث " .

    وأنه ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها .

    وفي القرآن : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم [ الطور : 21 ] .

    وفسر بأن الأبناء يرفعون إلى منازل الآباء وإن لم يبلغوا ذلك بأعمالهم .

    وفي الحديث : إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ; أفأحج عنه ؟ قال : نعم .

    وفي رواية : أفرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته ، أكان يجزئه ؟ قالت : نعم . قال : فدين الله أحق أن يقضى .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله




    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الثانى
    الحلقة (75)
    صـ387 إلى صـ 400

    ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه .

    وقيل : يا رسول الله ! إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه . قال : فاقضه عنها .

    وقد قال بمقتضى هذه الأحاديث كبراء وعلماء ، وجماعة ممن لم يذهب إلى ذلك قالوا بجواز هبة العمل ، وأن ذلك ينفع الموهوب له عند الله تعالى ; فهذه جملة تدل على ما لم يذكر من نوعها ، وتبين أن ما تقدم في الكلية المذكورة ليست على العموم ; فلا تكون صحيحة .

    والثاني : أن لنا قاعدة يرجع إليها غير مختلف فيها ، وهي قاعدة الصدقة عن الغير ، وهى عبادة ; لأنها إنما تكون صدقة إذا قصد بها وجه الله تعالى وامتثال أمره ، فإذا تصدق الرجل عن الرجل ; أجزأ ذلك عن المتصدق عنه وانتفع [ ص: 388 ] به ، ولا سيما إن كان ميتا ، فهذه عبادة حصلت فيها النيابة ، ويؤكد ذلك ما كان من الصدقة فرضا كالزكاة ; فإن إخراجها عن الغير جائز وجاز عن ذلك الغير ، والزكاة أخية الصلاة .

    والثالث : أن لنا قاعدة أخرى متفقا عليها أو كالمتفق عليها ، وهى تحمل العاقلة للدية في قتل الخطأ ; فإن حاصل الأمر في ذلك أن يتلف زيد فيغرم عمرو ، وليس ذلك إلا من باب النيابة في أمر تعبدي لا يعقل معناه ، ومنه أيضا نيابة الإمام عن المأموم في القراءة وبعض أركان الصلاة مثل القيام ، والنيابة عنه في سجود السهو بمعنى أنه يحمله عنه ، وكذلك الدعاء للغير ; فإن حقيقته خضوع لله وتوجه إليه ، والغير هو المنتفع بمقتضى تلك العبادة ، وقد خلق الله ملائكة عبادتهم الاستغفار للمؤمنين خصوصا ولمن في الأرض عموما ، وقد استغفر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبويه حتى نزل : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين [ التوبة : 113 ] .

    [ ص: 389 ] [ ص: 390 ] وقال في ابن أبي : " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " حتى نزل : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم [ التوبة : 80 ] ، ونزل : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا [ التوبة : 84 ] الآية .

    وإن كان قد نهي عنه ; فلم ينه عن الاستغفار لمن كان حيا منهم ، وقال عليه الصلاة والسلام : اللهم اغفر لقومي ; فإنهم لا يعلمون .

    وعلى الجملة ; فالدعاء للغير مما علم من دين الأمة ضرورة .

    والرابع : إن النيابة في الأعمال البدنية غير العبادات صحيحة ، وكذلك [ ص: 391 ] بعض العبادات البدنية ، وإن كانت واجبة على الإنسان عينا ، وكذلك المالية ، وأولها الجهاد ; فإنه جائز أن يستنيب فيه المكلف به غيره بجعل وبغير جعل ، إذا أذن الإمام ، والجهاد عبادة ، فإذا جازت النيابة في مثل هذا ; فلتجز في باقي الأعمال المشروعة لأن الجميع مشروع .

    والخامس : إن مآل الأعمال التكليفية أن يجازى عليها ، وقد يجازى الإنسان على ما لم يعمل ، خيرا كان الجزاء أو شرا ، وهو أصل متفق عليه في الجملة ، وذلك ضربان :

    أحدهما : المصائب النازلة في نفسه وأهله وولده وعرضه ; فإنه إن كانت باكتساب كفر بها من سيئاته ، وأخذ بها من أجر غيره ، وحمل غيره وزره ، و [ لو ] لم يعمل بذلك ، فضلا عن أن يجد ألمه ، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في المفلس يوم القيامة ، وإن كانت بغير اكتساب ، فهي كفارات فقط ، أو كفارات وأجور ، وكما جاء فيمن " غرس غرسا أو زرع زرعا يأكل منه [ ص: 392 ] إنسان أو حيوان أنه له أجر " ، وفيمن ارتبط فرسا في سبيل الله فأكل في مرج أو روضة ، أو شرب في نهر ، أو استن شرفا أو شرفين ، ولم يرد أن يكون ذلك ; فهي له حسنات " ، وسائر ما جاء في هذا المعنى .

    والضرب الثاني : النيات التي تتجاوز الأعمال كما جاء : " إن المرء يكتب له قيام الليل أو الجهاد إذا حبسه عن عذر " .

    [ ص: 393 ] وكذلك سائر الأعمال ; حتى قال عليه الصلاة والسلام في المتمني أن يكون له مال يعمل به مثل عمل فلان : " فهما في الأجر سواء " ، وفي الآخر : " فهما في الوزر سواء " .

    [ ص: 394 ] وحديث : من هم بحسنة فلم يعملها ; كتبت له حسنة .

    والمسلمان يلتقيان بسيفيهما الحديث .

    إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على عد المكلف بمجرد النية كالعامل نفسه في الأجر والوزر ، فإذا كان كالعامل وليس بعامل ولا عمل عنه غيره ; فأولى أن يكون كالعامل إذا استناب غيره على العمل .

    [ ص: 395 ] فالجواب : أن هذه الأشياء وإن كان منها ما قال بعض العلماء فيه بصحة النيابة ; فإن للنظر فيها متسعا .

    أما قاعدة الصدقة عن الغير وإن عددناها عبادة ; فليست من هذا الباب ; فإن كلامنا في نيابة في عبادة من حيث هي تقرب إلى الله تعالى وتوجه إليه ، والصدقة عن الغير من باب التصرفات المالية ، ولا كلام فيها .

    وأما قاعدة الدعاء ; فظاهر أنه ليس في الدعاء نيابة لأنه شفاعة للغير ; فليس من هذا الباب .

    وأما قاعدة النيابة في الأعمال البدنية والمالية ; فإنها مصالح معقولة المعنى لا يشترط فيها من حيث هي كذلك نية ، بل المنوب عنه إن نوى القربة فيما له سبب فيه ; فله أجر ذلك ، فإن العبادة منه صدرت لا من النائب ، والنيابة على مجرد التفرقة أمر خارج عن نفس التقرب بإخراج المال ، والجهاد وإن كان من الأعمال المعدودة في العبادات ، فهي في الحقيقة معقولة المعنى ، كسائر فروض الكفايات التي هي مصالح الدنيا ، لكن لا يحصل لصاحبها الأجر الأخروي إلا إذا قصد وجه الله تعالى ، وإعلاء كلمة الله ، فإن قصد الدنيا ، فذلك حظه مع أن المصلحة الجهادية قائمة ; كقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد شعبة منها ، على أن من أهل العلم من كره النيابة في الجهاد بالجعل ; لما فيه من تعريض النفس للهلكة في عرض من أعراض الدنيا ، ولو فرض هنا قصد التقرب بالعمل ; لم يصح فيه من تلك الجهة نيابة أصلا ; فهذا الأصل لا اعتراض به أيضا .

    وأما قاعدة المصائب النازلة ; فليست من باب النيابة في التعبد ، وإنما [ ص: 396 ] الأجر والكفارة في مقابلة ما نيل منه لا لأمر خارج عن ذلك ، وكون حسنات الظالم تعطى المظلوم ، أو سيئات المظلوم تطرح على الظالم ; فمن باب الغرامات ; فهي معاوضات ; لأن الأعواض الأخروية إنما تكون في الأجور والأوزار ; إذ لا دينار هناك ولا درهم ، وقد فات القضاء في الدنيا .

    ومسألة الغرس والزرع من باب المصائب في المال ، ومن باب الإحسان به إن كان باختيار مالكه .

    ومسألة العاجز عن الأعمال راجعة إلى الجزاء على الأعمال المختصة بالعامل بلا نيابة ; إذ عد في الجزاء بسبب نيته كمن عمل تفضلا من الله تعالى ، مع أن الأحكام إنما تجري في الدنيا على الظاهر ، ولذلك يقال فيمن عجز عن عبادة واجبة وفي نيته أن لو قدر عليها لعملها إن له أجر من عملها مع أن ذلك لا يسقط القضاء عنه فيما بينه وبين الله إن كانت العبادة مما يقضى ، كما أنه لو تمنى أن يقتل مسلما أو يسرق أو يفعل شرا إلا أنه لم يقدر ; كان له وزر من عمل ، ولا يعد في الدنيا كمن عمل ، حتى يجب عليه ما يجب على الفاعل حقيقة ; فليست من النيابة في شيء ، وإن فرضت النيابة ; فالنائب هو المكتسب ، فعمله عليه أو له ، فهذه القواعد لا تنقض ما تأصل .

    ونرجع إلى ما ذكر أول السؤال ; فإنه عمدة من خالف في المسألة .

    [ ص: 397 ] فحديث تعذيب الميت ببكاء الحي ظاهر حمله على عادة العرب في تحريض المريض - إذا ظن الموت - أهله على البكاء عليه ، وأما " من سن سنة . . . " ، وحديث ابن آدم الأول ، وحديث انقطاع العمل إلا من ثلاث ، وما أشبه ذلك ، فإن الجزاء فيها راجع إلى عمل المأجور أو الموزور ; لأنه الذي تسبب فيه أولا ، فعلى جريان سببه تجري المسببات ، والكفل الراجع إلى المتسبب [ الأول ] ناشئ عن عمله ، لا عن عمل المتسبب الثاني ، وإلى هذا المعنى يرجع قوله تعالى : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم [ الطور : 21 ] الآية ; لأن ولده كسب من كسبه ، فما جرى عليه من خير فكأنه منسوب إلى الأب ، وبذلك فسر قوله تعالى : ما أغنى عنه ماله وما كسب [ المسد : 2 ] أن ولده من كسبه ; فلا غرو أن يرجع إلى منزلته وتقر عينه به ، كما تقر عينه بسائر أعماله الصالحة ، وذلك قوله تعالى : وما ألتناهم من عملهم من شيء [ الطور : 21 ] .

    وإنما يشكل من كل ما أورد ما بقي من الأحاديث ; فإنها كالنص في معارضة القاعدة المستدل عليها ، وبسببها وقع الخلاف فيما نص فيها خاصة - وذلك الصيام والحج - ، وأما النذر ; فإنما كان صياما فيرجع إلى الصيام .

    والذي يجاب به فيها أمور :

    أحدها : أن الأحاديث فيها مضطربة ، نبه البخاري ومسلم على [ ص: 398 ] اضطرابها ; فانظره في الإكمال ، وهو مما يضعف الاحتجاج بها إذا لم تعارض أصلا قطعيا ; فكيف إذا عارضته ؟

    وأيضا ; فإن الطحاوي قال في حديث من مات وعليه صوم صام عنه وليه : إنه لم يرو إلا من طريق عائشة ، وقد تركته فلم تعمل به وأفتت بخلافه ، وقال في حديث التي ماتت وعليها نذر : إنه لا يرويه إلا ابن عباس ، وقد خالفه وأفتى بأنه لا يصوم أحد عن أحد .

    والثاني : أن الناس على أقوال في هذه الأحاديث : منهم من قبل ما صح منها بإطلاق ; كأحمد بن حنبل ، ومنهم من قبل من قال ببعضها ، فأجاز ذلك في الحج دون الصيام ، وهو مذهب الشافعي ، ومنهم من منع بإطلاق ، كمالك بن أنس ، فأنت ترى بعضهم لم يأخذ ببعض الأحاديث وإن صح ، وذلك دليل على ضعف الأخذ بها في النظر ، ويدل على ذلك أنهم اتفقوا في الصلاة على ما حكاه ابن العربي ، وإن كان ذلك لازما في الحج لمكان ركعتي الطواف ; لأنهم تبع ، ويجوز في التبع ما لا يجوز في غيره ; كبيع الشجرة بثمرة قد أبرت ، وبيع العبد بماله ، واتفقوا على المنع في الأعمال القلبية .

    [ ص: 399 ] والثالث : أن من العلماء من تأول الأحاديث على وجه يوجب ترك اعتبارها مطلقا ; وذلك أنه قال : سبيل الأنبياء صلوات الله عليهم أن لا يمنعوا أحدا من فعل الخير ، يريد أنهم سئلوا عن القضاء في الحج والصوم ، فأنفذوا ما سئلوا فيه من جهة كونه خيرا ، لا من جهة أنه جاز عن المنوب عنه ، وقال هذا القائل : لا يعمل أحد عن أحد شيئا ، فإن عمله ; فهو لنفسه كما قال تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [ النجم : 39 ] .

    والرابع : أنه يحتمل أن تكون هذه الأحاديث خاصة بمن كان له تسبب في تلك الأعمال ، كما إذا أمر بأن يحج عنه ، أو أوصى بذلك ، أو كان له فيه سعي حتى يكون موافقا لقوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [ النجم : 39 ] ، وهو قول بعض العلماء .

    والخامس : أن قوله : " صام عنه وليه محمول على ما تصح فيه النيابة ، وهو الصدقة مجازا ; لأن القضاء تارة يكون بمثل المقضي ، وتارة بما يقوم مقامه عند تعذره ، وذلك في الصيام الإطعام ، وفي الحج النفقة عمن يحج عنه ، أو [ ص: 400 ] ما أشبه ذلك .

    والسادس : أن هذه الأحاديث على قلتها معارضة لأصل ثابت في الشريعة قطعي ، ولم تبلغ مبلغ التواتر اللفظي ولا المعنوي ; فلا يعارض الظن القطع ، كما تقرر أن خبر الواحد لا يعمل به إلا إذا لم يعارضه أصل قطعي ، وهو أصل مالك بن أنس وأبي حنيفة ، وهذا الوجه هو نكتة الموضع ، وهو المقصود فيه ، وما سواه من الأجوبة تضعيف لمقتضى التمسك بتلك الأحاديث ، وقد وضح مأخذ هذا الأصل الحسن ، وبالله التوفيق .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •