الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 34 من 34

الموضوع: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات

    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (21)
    صـ318 إلى صـ 327

    فصل

    وأما أن للمكلف القصد إلى المسبب فكما إذا قيل لك : لم تكتسب ؟ قلت : لأقيم صلبي ، وأقوم في حياة نفسي وأهلي أو لغير ذلك من المصالح التي توجد عن السبب ، فهذا القصد إذا قارن التسبب صحيح ; لأنه التفات إلى العادات الجارية ، وقد قال تعالى : الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله [ الجاثية : 12 ] .

    وقال : ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله [ الروم : 23 ] .

    وقال : فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [ الجمعة : 10 ] .

    [ ص: 318 ] فمن حيث عبر بالقصد إلى الفضل عن القصد إلى السبب الذي هو الاكتساب ، وسيق مساق الامتنان من غير إنكار ، أشعر بصحة ذلك القصد ، وهذا جار في أمور الآخرة كما هو جار في أمور الدنيا ; كقوله تعالى : ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات [ الطلاق : 11 ] ، وأشباه ذلك مما يؤذن بصحة القصد إلى المسبب بالسبب .

    وأيضا ; فإنما محصول هذا أن يبتغى ما يهيئ الله له بهذا السبب ، فهو راجع إلى الاعتماد على الله واللجأ إليه في أن يرزقه مسببا يقوم به أمره ، ويصلح به حاله ، وهذا لا نكير فيه شرعا ، وذلك أن المعلوم من الشريعة أنه شرعت لمصالح العباد ، فالتكليف كله إما لدرء مفسدة ، وإما لجلب مصلحة أو لهما معا ، فالداخل تحته مقتض لما وضعت له ، فلا مخالفة في ذلك لقصد الشارع ، والمحظور إنما هو أن يقصد خلاف ما قصده ، مع أن هذا القصد لا ينبني عليه عمل غير مقصود للشارع ، ولا يلزم منه عقد مخالف ، فالفعل موافق ، والقصد [ ص: 319 ] موافق ، فالمجموع موافق .

    فإن قيل : هل يستتب هذان الوجهان في جميع الأحكام العادية ، والعبادية أم لا ؟ فإن الذي يظهر لبادئ الرأي أن قصد المسببات لازم في العاديات ، لظهور وجوه المصالح فيها بخلاف العبادات ; فإنها مبنية على عدم معقولية المعنى ; فهنالك يستتب عدم الالتفات إلى المسببات لأن المعاني المعلل بها راجعة إلى جنس المصالح فيها أو المفاسد ، وهي ظاهرة في العاديات ، وغير ظاهرة في العباديات ، وإذا كان كذلك ; فالالتفات إلى المسببات ، والقصد إليها معتبر في العاديات ، ولا سيما في المجتهد ; فإن المجتهد إنما يتسع مجال اجتهاده بإجراء العلل والالتفات إليها ، ولولا ذلك لم يستقم له إجراء الأحكام على وفق المصالح إلا بنص أو إجماع فيبطل القياس ، وذلك غير صحيح ; فلا بد من الالتفات إلى المعاني التي شرعت لها الأحكام ، والمعاني هي مسببات الأحكام ، أما العباديات فلما كان الغالب عليها فقد ظهور المعاني الخاصة بها ، والرجوع إلى مقتضى النصوص فيها ، [ ص: 320 ] كان ترك الالتفات أجرى على مقصود الشارع فيها ، والأمران بالنسبة إلى المقلد سواء ، في أن حقه أن لا يلتفت إلى المسببات إلا فيما كان من مدركاته ومعلوماته العادية في التصرفات الشرعية .

    فالجواب أن الأمرين في الالتفات وعدمه سواء ، وذلك أن المجتهد إذا نظر في علة الحكم عدى الحكم بها إلى محل هي فيه ; لتقع المصلحة المشروع لها الحكم ، هذا نظره خاصة ، ويبقى قصده إلى حصولها بالعمل أو عدم القصد مسكوتا عنه بالنسبة إليه ، فتارة يقصد إذا كان هو العامل وتارة لا يقصد ، وفي الوجهين لا يفوته في اجتهاده أمر كالمقلد سواء ، فإذا سمع قوله عليه الصلاة والسلام : لا يقضي القاضي وهو غضبان متفق عليه نظر إلى علة منع القضاء ، فرآه الغضب ، وحكمته تشويش الذهن عن استيفاء الحجاج بين الخصوم ، فألحق بالغضب الجوع والشبع المفرطين ، والوجع وغير ذلك مما فيه تشويش الذهن ، فإذا وجد في نفسه شيئا من ذلك ، وكان قاضيا امتنع من القضاء بمقتضى النهي ; فإن قصد بالانتهاء مجرد النهي فقط من غير التفات إلى الحكمة التي لأجلها نهي عن القضاء ; حصل مقصود الشارع ، وإن لم يقصده القاضي ، وإن قصد به ما ظهر قصد الشارع إليه من مفسدة عدم استيفاء الحجاج ; حصل مقصود الشارع أيضا فاستوى قصد القاضي إلى المسبب وعدم قصده ، وهكذا المقلد فيما فهم حكمته من الأعمال ، وما لم يفهم ; فهو [ ص: 321 ] كالعبادات بالنسبة إلى الجميع ، وقد علم أن العبادات وضعت لمصالح العباد في الدنيا أو في الآخرة على الجملة ، وإن لم يعلم ذلك على التفصيل ، ويصح القصد إلى مسبباتها الدنيوية والأخروية على الجملة ; فالقصد إليها أو عدم القصد كما تقدم .
    المسألة السادسة

    إذا تقرر ما تقدم ; فللدخول في الأسباب مراتب تتفرع على القسمين ; فالالتفات إلى المسببات بالأسباب له ثلاث مراتب : أحدها : أن يدخل فيها على أنه فاعل للمسبب أو مولد له ; فهذا شرك أو مضاه له ـ والعياذ بالله ـ والسبب غير فاعل بنفسه ، والله خالق كل شيء ، والله خلقكم وما تعملون [ الصافات : 96 ] .

    وفي الحديث : أصبح من عبادي مؤمن بي ، وكافر الحديث ; فإن [ ص: 322 ] المؤمن بالكوكب الكافر بالله هو الذي جعل الكوكب [ فاعلا بنفسه ، وهذه المسألة قد تولى النظر فيها أرباب الكلام ] .

    والثانية : أن يدخل في السبب على أن المسبب يكون عنده عادة ، وهذا هو المتكلم على حكمه قبل ; ومحصوله طلب المسبب عن السبب لا باعتقاد الاستقلال ، بل من جهة كونه موضوعا على أنه سبب لمسبب ، فالسبب لا بد أن يكون سببا لمسبب لأنه معقوله ، وإلا لم يكن سببا ; فالالتفات إلى المسبب من هذا الوجه ليس بخارج عن مقتضى عادة الله في خلقه ، ولا هو مناف لكون السبب واقعا بقدرة الله تعالى ; فإن قدرة الله تظهر عند وجود السبب ، وعند عدمه فلا ينفي وجود السبب كونه خالقا للمسبب ، لكن هنا قد يغلب الالتفات إليه حتى يكون فقد المسبب مؤثرا ومنكرا ، وذلك لأن العادة غلبت على النظر في السبب بحكم كونه سببا ، ولم ينظر إلى كونه موضوعا بالجعل لا مقتضيا بنفسه ، وهذا هو غالب أحوال الخلق في الدخول في الأسباب .

    والثالثة : أن يدخل في السبب على أن المسبب من الله تعالى ; لأنه المسبب فيكون الغالب على صاحب هذه المرتبة اعتقاد أنه مسبب عن قدرة الله وإرادته من غير تحكيم لكونه سببا ; فإنه لو صح كونه سببا محققا لم يتخلف كالأسباب العقلية ، فلما لم يكن كذلك ; تمحض جانب التسبيب [ ص: 323 ] الرباني بدليل السبب الأول ، وهنا يقال لمن حكمه : فالسبب الأول عن ماذا تسبب ؟ ، وفي مثله قال عليه الصلاة والسلام : فمن أعدى الأول ؟ .

    فإذا كانت الأسباب مع المسببات داخلة تحت قدرة الله ; فالله هو المسبب لا هي ; إذ ليس له شريك في ملكه ، وهذا كله مبين في علم الكلام ، وحاصله يرجع إلى عدم اعتبار السبب في المسبب من جهة نفسه ، واعتباره فيه من جهة أن الله مسببه ، وذلك صحيح .
    فصل

    وترك الالتفات إلى المسبب له ثلاث مراتب :

    إحداها : أن يدخل في السبب من حيث هو ابتلاء للعباد ، [ وامتحان لهم ، لينظر كيف يعملون من غير التفات إلى غير ذلك ، وهذا مبني على أن الأسباب والمسببات موضوعة في هذه الدار ابتلاء للعباد ] ، وامتحانا لهم ; فإنها طريق إلى السعادة أو الشقاوة ، وهي على ضربين :

    [ ص: 324 ] أحدهما : ما وضع لابتلاء العقول ، وذلك العالم كله من حيث هو منظور فيه ، وصنعة يستدل بها على ما وراءها .

    والثاني : ما وضع لابتلاء النفوس ، وهو العالم كله أيضا من حيث هو موصل إلى العباد المنافع والمضار ، ومن حيث هو مسخر لهم ، ومنقاد لما يريدون فيه ، لتظهر تصاريفهم تحت حكم القضاء والقدر ، ولتجري أعمالهم تحت حكم الشرع ; ليسعد بها من سعد ويشقى من شقي ، وليظهر مقتضى العلم السابق ، والقضاء المحتم الذي لا مرد له ; فإن الله غني عن العالمين ، ومنزه عن الافتقار في صنع ما يصنع إلى الأسباب والوسائط ، لكن وضعها للعباد ليبتليهم فيها .

    والأدلة على هذا المعنى كثيرة ، كقوله سبحانه : وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ هود : 7 ] .

    الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ الملك : 2 ] .

    إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا [ الكهف : 7 ] .

    ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون [ يونس : 14 ] .

    ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا [ الكهف : 12 ] .

    [ ص: 325 ] وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا إلى قوله : ويعلم الصابرين [ آل عمران : 142 ] .

    وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم [ آل عمران : 154 ] .

    ثم صرفكم عنهم ليبتليكم [ آل عمران : 152 ] .

    إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن وضع الأسباب ، إنما هي للابتلاء فإذا كانت كذلك ; فالآخذ لها من هذه الجهة آخذ لها من حيث وضعت مع التحقق بذلك فيها ، وهذا صحيح ، وصاحب هذا القصد متعبد لله بما تسبب به منها ; لأنه إذا تسبب بالإذن فيما أذن فيه لتظهر عبوديته لله فيه ، لا ملتفتا إلى مسبباتها ، وإن انجرت معها فهو كالمتسبب بسائر العبادات المحضة .

    والثانية : أن يدخل فيه بحكم قصد التجرد عن الالتفات إلى الأسباب من حيث هي أمور محدثة ، فضلا عن الالتفات إلى المسببات ، بناء على أن تفريد المعبود بالعبادة أن لا يشرك معه في قصده سواه ، واعتمادا على أن التشريك خروج عن خالص التوحيد بالعبادة ; لأن بقاء الالتفات إلى ذلك كله بقاء مع المحدثات ، وركون إلى الأغيار ، وهو تدقيق في نفي الشركة ، وهذا أيضا في موضعه صحيح ، ويشهد له من الشريعة ما دل على نفي الشركة كقوله تعالى : فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [ الكهف : 110 ] .

    وقوله : فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص [ الزمر : 2 - 3 ] .

    وسائر ما كان من هذا الباب ، وكذلك دلائل طلب الصدق في التوجه لله [ ص: 326 ] رب العالمين كل ذلك يشعر بهذا المعنى المستنبط في خلوص التوجه ، وصدق العبودية ، فصاحب هذه المرتبة متعبد لله تعالى بالأسباب الموضوعة على اطراح النظر فيها من جهته ، فضلا عن أن ينظر في مسبباتها ; فإنما يرجع إليها من حيث هي وسائل إلى مسببها وواضعها ، وسلم إلى الترقي لمقام القرب منه ; فهو إنما يلحظ فيها المسبب خاصة .

    والثالثة : أن يدخل في السبب بحكم الإذن الشرعي مجردا عن النظر في غير ذلك ، وإنما توجهه في القصد إلى السبب ; تلبية للأمر لتحققه بمقام العبودية لأنه لما أذن له في السبب أو أمر به لباه من حيث قصد الآمر في ذلك السبب ، وقد تبين له أنه مسببه ، وأنه أجرى العادة به ، ولو شاء لم يجرها ، كما أنه قد يخرقها إذا شاء ، وعلى أنه ابتلاء وتمحيص ، وعلى أنه يقتضي صدق التوجه به إليه ، فدخل على ذلك كله ، فصار هذا القصد شاملا لجميع ما تقدم ، لأنه توخى قصد الشارع من غير نظر في غيره ، وقد علم قصده في تلك الأمور ، فحصل له كل ما في ضمن ذلك التسبب مما علم ومما لم يعلم ، فهو طالب للمسبب من طريق السبب ، وعالم بأن الله هو المسبب ، وهو المبتلي به ، ومتحقق [ ص: 327 ] في صدق التوجه به إليه ، فقصده مطلق وإن دخل فيه قصد المسبب ، لكن ذلك كله منزه عن الأغيار ، مصفى من الأكدار .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات

    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (22)
    صـ328 إلى صـ 338

    المسألة السابعة

    الدخول في الأسباب لا يخلو أن يكون منهيا عنه أو لا .

    فإن كان منهيا عنه فلا إشكال في طلب رفع [ ذلك ] التسبب ; سواء علينا أكان المتسبب قاصدا لوقوع المسبب أم لا ; فإنه يتأتى منه الأمران فقد يقصد بالقتل العدوان إزهاق الروح فيقع ، وقد يقصد بالغصب انتفاعه بالمغصوب فيقع على مقتضى العادة لا على مقتضى الشرع ، وقد لا يقع ألبتة ، وقد يعزب عن نظره القصد إلى المسبب ، والالتفات إليه ; لعارض يطرأ غير العارض المتقدم الذكر ، ولا اعتبار به .

    وإن كان غير منهي عنه فلا يطلب رفع التسبب في المراتب المذكورة كلها .

    أما الأولى ; فإذا فرضنا نفس التسبب مباحا أو مطلوبا على الجملة ; [ ص: 328 ] فاعتقاد المعتقد ـ لكون السبب هو الفاعل ـ معصية قارنت ما هو مباح أو مطلوب فلا يبطله ، إلا إن قيل : إن مثل هذه المقارنة مفسدة ، وإن المقارن للمعصية تصيره منهيا عنه ; كالصلاة في الدار المغصوبة ، والذبح بالمدية المغصوبة ، وذلك مبين في الأصول .

    وأما الثانية : فظاهر أن التسبب صحيح ؛ لأن العامل فيها إذا اعتمد على جريان العادات ، وكان الغالب فيها وقوع المسببات عن أسبابها ، وغلب على الظن ذلك ، كان ترك التسبب كإلقاء باليد إلى التهلكة أو هو هو ، وكذلك إذا بلغ مبلغ القطع العادي فواجب عليه أن يتسبب ، ولأجل هذا قالوا في المضطر : إنه إذا خاف الهلكة ، وجب عليه السؤال أو الاستقراض أو أكل الميتة ونحوها ، ولا يجوز أن يترك نفسه حتى يموت ، ولذلك قال مسروق : " ومن اضطر إلى شيء مما حرم الله عليه فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار " .

    وأما الثالثة : فالتسبب أيضا ظاهر ، إلا أنه يبقى فيها بحث : هل يكون صاحبها بمنزلة صاحب المرتبة الثانية أم لا ؟ هذا مما ينظر فيه ، وإطلاق كلام الفقهاء يقتضي عدم التفرقة ، وأحوال المتوكلين ممن دخل تحت ترجمة التصوف لا تقتضي ذلك ، هذا وإن كان ظاهر كلام الغزالي تساوي المرتبتين في هذا الحكم ، كطريقة الفقهاء على تفصيل له في ذلك ، فالذي يظهر في المسألة نظر آخر ، وذلك أن هذه المرتبة تكون علمية ، وتكون حالية ، والفرق بين العلم [ ص: 329 ] والحال معروف عند أهله ، فإذا كانت علمية ، فهي المرتبة الثانية ; إذ كان واجبا على كل مؤمن أن يعتقد أن الأسباب غير فاعلة بأنفسها ، وإنما الفاعل فيها مسببها سبحانه ، لكن عادته في خلقه جارية بمقتضى العوائد المطردة ، وقد يخرقها إذا شاء لمن شاء ، فمن حيث كانت عادة اقتضت الدخول في الأسباب ، ومن حيث كانت الأسباب فيها بيد خالق المسببات ، اقتضت أن للفاعل أن يفعل بها وبدونها ، فقد يغلب على المكلف أحد الطرفين ; فإن غلب الطرف الأول ، وهو العادي فهو ما تقدم ، وإن غلب الثاني فصاحبه مع السبب أو بدونه على حالة واحدة ; فإنه إذا جاع مثلا فأصابته مخمصة فسواء عليه أتسبب أم لا ; إذ هو على بينة أن السبب كالمسبب بيد الله تعالى فلم يغلب على ظنه ـ والحال هذه ـ أن تركه للسبب إلقاء باليد إلى التهلكة ، بل عقده في كلتا الحالتين واحد ، فلا يدخل تحت قوله : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ; فلا يجب عليه التسبب في رفع ذلك ; لأن علمه [ ص: 330 ] بأن السبب في يد المسبب أغناه عن تطلب المسبب من جهته على التعين ، بل السبب وعدمه في ذلك سواء ، فكما أن أخذه للسبب لا يعد إلقاء باليد إذا كان اعتماده على المسبب ، كذلك في الترك ، ولو فرض أن آخذ السبب أخذه بإسقاط الاعتماد على المسبب لكان إلقاء باليد إلى التهلكة ; لأنه اعتمد على نفس السبب ، وليس في السبب نفسه ما يعتمد عليه ، وإنما يعتمد عليه من جهة كونه موضوعا سببا ; فكذلك إذا ترك السبب لا لشيء ، فالسبب وعدمه في الحالين سواء في عقد الإيمان ، وحقائق الإيقان .

    وكل أحد فقيه نفسه ، وقد مر الدليل على ذلك ، وقد قال في الحديث : جف القلم بما هو كائن ، فلو اجتمع الخلق على أن يعطوك شيئا لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه ، وحكى عياض عن الحسن بن نصر السوسي ـ من فقهاء المالكية ـ أن ابنه قال له في سنة غلا فيها السعر : يا أبت اشتر طعاما ; فإني أرى السعر قد غلا ، فأمر ببيع ما كان في داره من الطعام ، ثم قال لابنه : لست من المتوكلين على الله ، وأنت قليل اليقين ، كأن القمح إذا كان عند أبيك ينجيك من قضاء الله عليك ، من توكل على الله ; كفاه الله .

    ونظير مسألتنا في الفقه ; الغازي إذا حمل وحده على جيش الكفار ، [ ص: 331 ] فالفقهاء يفرقون بين أن يغلب على ظنه السلامة أو الهلكة أو يقطع بإحداهما ; فالذي اعتقد السلامة جائز له ما فعل ، والذي اعتقد الهلكة من غير نفع يمنع من ذلك ، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [ البقرة : 195 ] .

    وكذلك ; داخل المفازة بزاد أو بغير زاد ، إذا غلب على ظنه السلامة فيها جاز له الإقدام ، وإن غلب على ظنه الهلكة لم يجز ، وكذلك إذا غلب على ظنه الوصول إلى الماء في الوقت أمر بالتأخير ولا يتيمم ، فإن غلب على ظنه أن لا ماء يتيمم وكذلك راكب البحر ، وعلى هذا يباح له التيمم مع وجود الماء في رحله أو يمنع ، وإن غلب على ظنه الوصول إلى الماء في الوقت ، وإذا غلب على ظن المريض زيادة المرض أو تأخر البرء أو إصابة المشقة بالصوم أفطر ، إلى غير ذلك من المسائل المبنية على غلبات الظنون ، وإن كانت موجبات الظنون تختلف ; فذلك غير قادح في هذا الأصل ، فمسألتنا داخلة تحت هذه القاعدة .

    فمن تحقق بأن الخروج عن السبب كالدخول فيه بالنسبة إلى ضمان الله تعالى الرزق صح أن يقال : إنه لا يجب عليه التسبب فيه ، ولذلك نجد أصحاب الأحوال يركبون الأهوال ويقتحمون الأخطار ، ويلقون بأيديهم إلى ما هو عند غيرهم تهلكة ; فلا يكون كذلك ، بناء على أن ما هم فيه من مواطن الغرر ، وأسباب الهلكة ، يستوي مع ما هو عندنا من مواطن الأمن ، وأسباب النجاة .

    [ ص: 332 ] وقد حكى عياض عن أبي العباس الإبياني أنه دخل عليه عطية الجزري العابد فقال له : أتيتك زائرا ، ومودعا إلى مكة ، فقال له أبو العباس : " لا تخلنا من بركة دعائك وبكى ، وليس مع عطية ركوة ولا مزود ، فخرج مع أصحابه ، ثم أتاه بأثر ذلك رجل ; فقال له : ـ أصلحك الله ـ عندي خمسون مثقالا ، ولي بغل فهل ترى لي الخروج إلى مكة ؟ فقال له : لا تعجل حتى توفر هذه الدنانير . قال الراوي : فعجبنا من اختلاف جوابه للرجلين مع اختلاف أحوالهما ; فقال أبو العباس : عطية جاءنى مودعا غير مستشير وقد وثق بالله ، وجاءني هذا يستشيرني ، ويذكر ما عنده ، فعلمت ضعف نيته ، فأمرته بما رأيتم " .

    فهذا إمام من أهل العلم أفتى لضعيف النية بالحزم في استعداد الأسباب ، والنظر في مراعاتها ، وسلم لقوي اليقين في طرح الأسباب بناء ـ والله أعلم ـ على القاعدة المتقدمة في الاعتقادات ، وغلبات الظنون في السلامة ، والهلكة ، وهو مظان النظر الفقهي ، ولذلك يختلف الحكم باختلاف الناس في النازلة الواحدة كما تقدم .

    فإن قيل : فصاحب هذه المرتبة أي الأمرين أفضل له ؟ الدخول في السبب ، أم تركه ؟

    [ ص: 333 ] فالجواب من وجهين :

    أحدهما : أن الأسباب في حقه لا بد منها كما أنها كذلك في حق غيره ; فإن خوارق العادات ، وإن قامت له مقام الأسباب في حقه ، فهي في أنفسها أسباب ، لكنها أسباب غريبة ، والتسبب غير منحصر في الأسباب المشهورة ، فالخارج مثلا للحج بغير زاد يرزقه الله من حيث لا يحتسب ، إما من نبات الأرض ، وإما من جهة من يلقى من الناس في البادية ، وفي الصحراء ، وإما من حيوان الصحراء أو من غير ذلك ، ولو أن ينزل عليه من السماء ، أو يخرجه من الأرض بخوارق العادات أسباب جارية ، يعرفها أربابها المخصوصون بها ، فليس هذا الرجل خارجا عن العمل بالأسباب ، ومنها الصلاة ; لقوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها الآية [ طه : 132 ] .

    وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان يأمر أهله بالصلاة إذا لم يجدوا قوتا ، وإذا كان كذلك ; فالسؤال غير وارد .

    [ ص: 334 ] والثاني ـ على تسليم وروده ـ : أن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم قطعا أنهم حازوا هذه المرتبة ، واستيقنوها حالا وعلما ، ولكنه عليه السلام ندبهم إلى الدخول في الأسباب المقتضية لمصالح الدنيا ، كما أمرهم بالأسباب المقتضية لمصالح الآخرة ، ولم يتركهم مع هذه الحالة فدل ذلك على أن الأفضل ما دلهم عليه ، ولأن هذه الحالة لا يعتد بها مقاما يقوم فيه ، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام : قيدها وتوكل ؟

    وأيضا ; فأصحاب هذه الحالة هم أهل خوارق العادات ، ولم يتركوا معها التسبب تأدبا بآداب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ ، وكانوا أهل علم ، ولم يكونوا ليتركوا الأفضل إلى غيره .

    وأما المرتبة الرابعة ، وهي مرتبة الابتلاء فالتسبب فيها أيضا ظاهر ; فإن الأسباب قد صارت عند صاحبها تكليفا يبتلى به على الإطلاق ، لا يختص ذلك بالأسباب العبادية دون العادية ، فكما أن الأسباب العبادية لا يصح فيها الترك اعتمادا على الذي سببها من حيث كانت مصروفة إليه ، كذلك الأسباب العادية ، ومن هنا لما قال عليه السلام : ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار ، قالوا : يا رسول الله فلم نعمل ؟ أفلا نتكل ؟ قال : لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، ثم قرأ فأما من أعطى واتقى [ الليل : 5 ] إلى آخرها فكذلك العاديات ; لأنها عبادات ، فهي عنده جارية على الأحكام [ ص: 335 ] الموضوعة ، ونظر صاحب هذه المرتبة في الأسباب مثل نظره في العبادات ، يعتبر فيها مجرد الأسباب ، ويدع المسببات لمسببها .

    وأما المرتبة الخامسة : فالتسبب فيها صحيح أيضا ; لأن صاحبها ، وإن لم يلتفت إلى السبب من حيث هو سبب ، ولا إلى المسبب من باب أحرى ; فلا بد منه من جهة ما هو راق به ، وملاحظ للمسبب من جهته ، بدليل الأسباب العبادية ، ولأنها إنما صارت قرة عينه لكونها سلما إلى المتعبد إليه بها ، فلا فارق بين العاديات والعباديات ; إلا أن صاحب هذه المرتبة مأخوذ في تجريد الأغيار على الجملة ; فربما رمى من الأسباب بما ليس بضروري ، واقتصر على ما هو ضروري ، وضيق على نفسه المجال فيها ; فرارا من تكاثرها على قلبه حتى يصح له اتحاد الوجهة ، وإذا كانت الأسباب موصلة إلى المطلوب ، فلا شك في أخذها في هذه الرتبة ; إذ من جهتها يصح المطلوب .

    وأما السادسة ; فلما كانت جامعة لأشتات ما ذكر قبلها ، كان ما يشهد لما قبلها شاهدا لها ; غير أن ذلك فيها معتبر من جهة صفة العبودية وامتثال الأمر ، لا من جهة أمر آخر ، فسواء عليه أكان التكليف ظاهر المصلحة أم غير ظاهرها ; كل ذلك تحت قصد العبد امتثال أمر الله ، فإن كان المكلف به مما يرتبط به بعض الوجود أو جميعه ، كان قصده في امتثال الأمر شاملا له ، والله أعلم .
    المسألة الثامنة

    إيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبب قصد ذلك المسبب أو لا ; لأنه لما جعل مسببا عنه في مجرى العادات ، عد كأنه فاعل له مباشرة ، ويشهد لهذا [ ص: 336 ] قاعدة مجاري العادات ; إذ أجري فيها نسبة المسببات إلى أسبابها ; كنسبة الشبع إلى الطعام ، والإرواء إلى الماء ، والإحراق إلى النار ، والإسهال إلى السقمونيا ، وسائر المسببات إلى أسبابها ، فكذلك الأفعال التي تتسبب عن كسبنا منسوبة إلينا ، وإن لم تكن من كسبنا ، وإذ كان هذا معهودا معلوما جرى عرف الشرع في الأسباب الشرعية مع مسبباتها على ذلك الوزان .

    وأدلته في الشرع كثيرة بالنسبة إلى الأسباب المشروعة أو الممنوعة ، كقول الله تعالى : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس إلى قوله : ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا [ المائدة : 32 ] .

    وفي الحديث : ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سن القتل .

    وفيه : من سن سنة حسنة كان له أجرها ، وأجر من عمل بها .

    وكذلك : من سن سنة سيئة .

    [ ص: 337 ] وفيه : " إن الولد لوالديه ستر من النار " " وأن من غرس غرسا كان ما أكل منه له صدقة ، وما سرق منه له صدقة ، وما أكل السبع فهو له صدقة ، وما أكلت الطير فهو له صدقة ، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة " ، وكذلك الزرع ، والعالم يبث العلم ، فيكون له أجر كل من انتفع به .

    ومن ذلك ما لا يحصى ، مع أن المسببات التي حصل بها النفع أو الضر ، ليست من فعل المتسبب .

    [ ص: 338 ] فإذا كان كذلك ; فالداخل في السبب إنما يدخل فيه مقتضيا لمسببه ، لكن تارة يكون مقتضيا له على الجملة والتفصيل ، وإن كان غير محيط بجميع التفاصيل ، وتارة يدخل فيه مقتضيا له على الجملة لا على التفصيل ، وذلك أن ما أمر الله به ; فإنما أمر به لمصلحة يقتضيها فعله ، وما نهى عنه ; فإنما نهى عنه لمفسدة يقتضيها فعله ، فإذا فعل فقد دخل على شرط أنه يتسبب فيما تحت السبب من المصالح أو المفاسد ، ولا يخرجه عن ذلك عدم علمه بالمصلحة أو المفسدة أو بمقاديرهما ; فإن الأمر قد تضمن أن في إيقاع [ المأمور به مصلحة علمها الله ، ولأجلها أمر به ، والنهي قد تضمن أن في إيقاع ] المنهي عنه مفسدة علمها الله ، ولأجلها نهى عنه ، فالفاعل ملتزم لجميع ما ينتجه ذلك السبب من المصالح أو المفاسد ، وإن جهل تفاصيل ذلك .

    فإن قيل : أيثاب أو يعاقب على ما لم يفعل ؟ .

    فالجواب : أن الثواب والعقاب إنما ترتب على ما فعله وتعاطاه لا على ما لم يفعل ، لكن الفعل يعتبر شرعا بما يكون عنه من المصالح أو المفاسد ، وقد بين الشرع ذلك ، وميز بين ما يعظم من الأفعال مصلحته ، فجعله ركنا أو مفسدته فجعله كبيرة ، وبين ما ليس كذلك ; فسماه في المصالح إحسانا ، وفي المفاسد صغيرة ، وبهذه الطريقة يتميز ما هو من أركان الدين ، وأصوله ، وما هو من فروعه ، وفصوله ، ويعرف ما هو من الذنوب كبائر ، وما هو منها صغائر ، فما عظمه الشرع في المأمورات فهو من أصول الدين ، وما جعله دون ذلك فمن فروعه ، وتكميلاته ، وما عظم أمره في المنهيات فهو من الكبائر ، وما كان دون ذلك فهو من الصغائر ، وذلك على مقدار المصلحة أو المفسدة .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات

    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (23)
    صـ339 إلى صـ 348

    المسألة التاسعة

    ما ذكر في هذه المسائل من أن المسببات غير مقدورة للمكلف ، وأن السبب هو المكلف به إذا اعتبر ، ينبني عليه أمور :

    أحدها : أن متعاطي السبب إذا أتى به بكمال شروطه ، وانتفاء موانعه ، ثم قصد أن لا يقع مسببه فقد قصد محالا ، وتكلف رفع ما ليس له رفعه ، ومنع ما لم يجعل له منعه ، فمن عقد نكاحا على ما وضع له في الشرع أو بيعا أو شيئا من العقود ، ثم قصد أن لا يستبيح بذلك العقد ما عقد عليه ، فقد وقع قصده عبثا ، ووقع المسبب الذي أوقع سببه ، وكذلك إذا أوقع طلاقا أو عتقا قاصدا به مقتضاه في الشرع ، ثم قصد أن لا يكون مقتضى ذلك فهو قصد باطل ، ومثله في العبادات إذا صلى أو صام أو حج كما أمر ، ثم قصد في نفسه أن ما أوقع من العبادة لا يصح له أو لا ينعقد قربة ، وما أشبه ذلك فهو لغو ، وهكذا الأمر في الأسباب الممنوعة ، وفيه جاء : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا الآية [ المائدة : 87 ] .

    [ ص: 340 ] ومن هنا كان تحريم ما أحل الله عبثا من المأكول ، والمشروب ، والملبوس ، والنكاح ، وهو غير ناكح في الحال ، ولا قاصد للتعليق في خاص بخلاف العام ، وما أشبه ذلك ; فجميع ذلك لغو ; لأن ما تولى الله حليته بغير سبب من المكلف ظاهر مثل ما تعاطى المكلف السبب فيه ، ومثله قوله عليه الصلاة والسلام : إنما الولاء لمن أعتق ، وقوله : من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط الحديث .

    وأيضا ; فإن الشارع قاصد لوقوع المسببات عن أسبابها كما تقدم ، فقصد هذا القاصد مناقض لقصد الشارع ، وكل قصد ناقض قصد الشارع فباطل ; [ ص: 341 ] فهذا القصد باطل ، والمسألة واضحة .

    فإن قيل : هذا مشكل من وجهين :

    أحدهما : أن اختيار المكلف وقصده شرط في وضع الأسباب ، فإذا كان اختياره منافيا لاقتضاء الأسباب لمسبباتها ، كان معنى ذلك أن الأسباب لم يتعاطها المكلف على كمالها ، بل مفقودة الشرط ، وهو الاختيار فلم تصح من جهة فقد الشرط ; فيلزم أن تكون المسببات الناشئة عن الأسباب غير واقعة لفقد الاختيار .

    والثاني : أن القصد المناقض لقصد الشارع مبطل للعمل حسبما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب ، وتعاطي الأسباب المبيحة مثلا بقصد أن لا تكون مبيحة مناقضة لقصد الشارع ظاهرة ، من حيث كان قصد الشارع التحصيل بوساطة هذه الأسباب ، فيكون إذا تعاطي هذه الأسباب باطلا وممنوعا ، كالمصلي قاصدا بصلاته ما لا تجزئه لأجله ، والمتطهر يقصد أن لا يكون مستبيحا للصلاة ، وما أشبه ذلك ، فالجمع بين هذا الأصل والأصل المذكور جمع بين متنافيين ، وهو باطل .

    فالجواب عن الأول : أن الفرض إنما هو في موقع الأسباب بالاختيار لأن تكون أسبابا ، لكن مع عدم اختياره للمسبب ، وليس الكلام في موقعها بغير اختيار ، والجمع بينهما ممكن عقلا ، لأن أحدهما سابق على الآخر فلا يتنافيان ، كما إذا قصد الوطء واختاره وكره خلق الولد أو اختار وضع البذر في الأرض وكره نباته أو رمى بسهم صوبه على رجل ثم كره أن يصيبه ، وما أشبه [ ص: 342 ] ذلك فكما يمكن اجتماعهما في العاديات فكذلك ; في الشرعيات .

    والجواب عن الثاني : أن فاعل السبب في مسألتنا قاصد أن يكون ما وضعه الشارع منتجا غير منتج ، وما وضعه سببا فعله هنا على أن يكون سببا لا يكون له مسبب ، وهذا ليس له فقصده فيه عبث ، بخلاف ما هو مذكور في قاعدة مقاصد الشارع ; فإن فاعل السبب فيه قاصد لجعله سببا لمسبب لم يجعله الشارع مسببا له ، كنكاح المحلل عند القائل بمنعه ; فإنه قاصد بنكاحه التحليل لغيره ، ولم يضع الشارع النكاح لهذا المسبب ، فقارن هذا القصد العقد فلم يكن سببا شرعيا ; فلم يكن محللا لا للناكح ، ولا للمحلل له لأنه باطل .

    وحاصل الأمر أن أحدهما أخذ السبب على أنه ليس بسبب ، والآخر أخذه على أنه سبب لا ينتج ; فالأول لا ينتج له شيئا ، والآخر ينتج له ; لأنه ليس الإنتاج باختياره ، ولا عدمه فهذا لم يخالف قصد الشارع في السبب من حيث هو سبب ، ولكن زعم أنه لا يقع مسببه ، وهذا كذب أو طمع في غير مطمع ، والأول تعاطاه على أنه ليس بالسبب الموضوع للشارع فاعرف الفرق بينهما فهو دقيق .

    ويوضحه أن القصد في أحدهما مقارن للعمل فيؤثر فيه ، والآخر تابع له بعد استقراره فلا يؤثر فيه .

    [ ص: 343 ] فإن قيل : لم لا يكون هذا في الحكم كالرفض في العبادات ; فإنه في الحقيقة رفض لكونه سببا شرعيا ، فالطهارة مثلا سبب في رفع الحدث ، فإذا قصد أنها لا ترفع الحدث فهو معنى رفض النية فيه ، وقد قالوا : إن رفض النية ينتهض سببا في إبطال العبادة فرجع البحث إلى أن ذلك كله إبطال لأنفس الأسباب لا إبطال المسببات .

    فالجواب : أن الأمر ليس كذلك ; ، وإنما يصح الرفض في أثناء العبادة إذا كان قاصدا بها امتثال الأمر ، ثم أتمها على غير ذلك ، بل بنية أخرى ليست بعبادته التي شرع فيها ، كالمتطهر ينوي رفع الحدث ، ثم ينسخ تلك النية بنية التبرد أو التنظف من الأوساخ البدنية ، وأما بعد ما تمت العبادة ، وكملت على شروطها ; فقصده أن لا تكون عبادة ، ولا يترتب عليها حكم آخر من إجزاء أو استباحة أو غير ذلك غير مؤثر فيها ، بل هي على حكمها لو لم يكن ذلك القصد ; فالفرق بينهما ظاهر .

    ولا يعارض ذلك كلام من تكلم في الرفض ، وقال : إنه يؤثر ، ولم يفصل [ ص: 344 ] القول في ذلك ; فإن كلام الفقهاء في رفض الوضوء ، وخلافهم فيه غير خارج عن هذا الأصل ، من جهة أن الطهارة هنا لها وجهان في النظر ، فمن نظر إلى فعلها على ما ينبغي قال : إن استباحة الصلاة بها لازم ، ومسبب عن ذلك الفعل ، فلا يصح رفعه إلا بناقض طارئ ، ومن نظر إلى حكمها ، ـ أعني حكم استباحة الصلاة مستصحبا إلى أن يصلي ، وذلك أمر مستقبل ـ فيشترط فيه استصحاب النية الأولى المقارنة للطهارة ، وهي بالنية المنافية منسوخة ، فلا يصح استباحة الصلاة الآتية بها ; لأن ذلك كالرفض المقارن للفعل ، ولو قارن الفعل لأثر ، فكذلك هنا فلو رفض نية الطهارة بعدما أدى بها الصلاة ، وتم حكمها ، لم يصح أن يقال : إنه يجب عليه استئناف الطهارة والصلاة ; فكذلك من صلى ، ثم رفض تلك الصلاة بعد السلام منها ، وقد كان أتى بها على ما أمر به ; فإن قال به في مثل هذا فالقاعدة ظاهرة في خلاف ما قال . والله أعلم وبه التوفيق .

    هذا حكم الأسباب إذا فعلت باستكمال شرائطها ، وانتفاء موانعها ، وأما إذا [ ص: 345 ] لم تفعل الأسباب على ما ينبغي ، ولا استكملت شرائطها ، ولم تنتف موانعها ، فلا تقع مسبباتها ، شاء المكلف أو أبى ; لأن المسببات ليس وقوعها أو عدم وقوعها لاختياره .

    وأيضا ; فإن الشارع لم يجعلها أسبابا مقتضية إلا مع وجود شرائطها وانتفاء موانعها ، فإذا لم تتوفر لم يستكمل السبب أن يكون سببا شرعيا ، سواء علينا أقلنا إن الشروط وانتفاء الموانع أجزاء أسباب أم لا فالثمرة واحدة .

    وأيضا ; لو اقتضت الأسباب مسبباتها ، وهي غير كاملة بمشيئة المكلف أو ارتفعت اقتضاءاتها وهي تامة ، لم يكن لما وضع الشارع منها فائدة ، ولكان وضعه له عبثا ; لأن معنى كونها أسبابا شرعية هو أن تقع مسبباتها شرعا ، ومعنى كونها غير أسباب شرعا أن لا تقع مسبباتها شرعا ; فإذا كان اختيار المكلف يقلب حقائقها شرعا لم يكن لها وضع معلوم في الشرع ، وقد فرضناها موضوعة في الشرع على وضع معلوم ، هذا خلف محال ; فما يؤدي إليه مثله ، وبه يصح أن اختيارات المكلف لا تأثير لها في الأسباب الشرعية .

    فإن قيل : كيف هذا مع القول بأن النهي لا يدل على الفساد أو بأنه يدل على الصحة أو بأنه يفرق بين ما يدل على النهي لذاته أو لوصفه ; فإن هذه المذاهب تدل على أن التسبب المنهي عنه ـ وهو الذي لم يستكمل الشروط ، ولا [ ص: 346 ] انتفت موانعه ـ يفيد حصول المسبب ، وفي مذهب مالك ما يدل على ذلك ; فإن البيوع الفاسدة عنده تفيد من أولها شبهة ملك عند قبض المبيع ، وأيضا ; فتفيد الملك بحوالة الأسواق ، وغير ذلك من الأمور التي لا تفيت العين ، وكذلك الغصب ونحوه يفيد عنده الملك ، وإن لم تفت عين المغصوب في مسائل ، والغصب أو نحوه ليس بسبب من أصله ، فيظهر أن السبب المنهي عنه يحصل به المسبب إلا على القول بأن النهي يدل على الفساد مطلقا .

    فالجواب : أن القاعدة عامة ، وإفادة الملك في هذه الأشياء إنما هو لأمور أخر خارجة عن نفس العقد الأول ، وبيان ذلك لا يسع هاهنا ، وإنما يذكر فيما بعد هذا إن شاء الله .
    فصل

    ومن الأمور التي تنبني على ما تقدم أن الفاعل للسبب عالما بأن المسبب ليس إليه إذا وكله إلى فاعله ، وصرف نظره عنه ، كان أقرب إلى الإخلاص والتفويض ، والتوكل على الله تعالى ، والصبر على الدخول في الأسباب المأمور بها ، والخروج عن الأسباب المحظورة ، والشكر وغير ذلك من المقامات السنية ، والأحوال المرضية ، ويتبين ذلك بذكر البعض على أنه ظاهر .

    أما الإخلاص ; فلأن المكلف إذا لبى الأمر والنهي في السبب من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي خارج عن حظوظه ، قائم بحقوق ربه ، واقف [ ص: 347 ] موقف العبودية بخلاف ما إذا التفت إلى المسبب وراعاه ; فإنه عند الالتفات إليه متوجه شطره ، فصار توجهه إلى ربه بالسبب بواسطة التوجه إلى المسبب ، ولا شك في تفاوت ما بين الرتبتين في الإخلاص .

    وأما التفويض ; فلأنه إذا علم أن المسبب ليس بداخل تحت ما كلف به ، ولا هو من نمط مقدوراته كان راجعا بقلبه إلى من إليه ذلك وهو الله سبحانه فصار متوكلا ومفوضا ، هذا في عموم التكاليف العادية ، والعبادية ، ويزيد بالنسبة إلى العبادية أنه لا يزال بعد التسبب خائفا وراجيا ; فإن كان ممن يلتفت إلى المسبب بالدخول في السبب ، صار مترقبا له ناظرا إلى ما يؤول إليه تسببه ، وربما كان ذلك سببا إلى إعراضه عن تكميل السبب ; استعجالا لما ينتجه فيصير توجهه إلى ما ليس له ، وقد ترك التوجه إلى ما طلب بالتوجه إليه ، وهنا تقع حكاية من سمع أن من أخلص لله أربعين صباحا ، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ، فأخذ بزعمه في الإخلاص لينال الحكمة فتم الأمد ولم تأته الحكمة فسأل عن ذلك فقيل له : إنما أخلصت للحكمة ، ولم تخلص لله .

    وهذا واقع كثيرا في ملاحظات المسببات في الأسباب ربما غطت ملاحظاتها [ ص: 348 ] فحالت بين المتسبب ، وبين مراعاة الأسباب ، وبذلك يصير العابد مستكثرا لعبادته ، والعالم مغترا بعلمه إلى غير ذلك .

    وأما الصبر والشكر ; فلأنه إذا كان ملفتا إلى أمر الآمر وحده متيقنا أن بيده ملاك المسببات وأسبابها ، وأنه عبد مأمور ، وقف مع أمر الآمر ، ولم يكن له من ذلك محيد ولا زوال ، وألزم نفسه الصبر على ذلك لأنه تحت حد المراقبة ، وممن عبد الله كأنه يراه ، فإذا وقع المسبب كان من أشكر الشاكرين ; إذ لم ير لتسببه في ذلك المسبب ، وردا ، ولا صدرا ، ولا اقتضى منه في نفسه نفعا ، ولا ضرا ، وإن كان علامة وسببا عاديا فهو سبب بالتسبب ، ومعتبر في عادي الترتيب ، ولو كان ملتفتا إلى المسبب فالسبب قد ينتج وقد يعقم ، فإذا أنتج فرح ، وإذا لم ينتج لم يرض بقسم الله ولا بقضائه ، وعد السبب كلا شيء ، وربما مله فتركه ، وربما سئم منه فثقل عليه ، وهذا يشبه من يعبد الله على حرف ، وهو خلاف عادة من دخل تحت رق العبودية ، ومن تأمل سائر المقامات السنية ، وجدها في ترك الالتفات إلى المسببات ، وربما كان هذا أعظم نفعا في أصحاب الكرامات ، والخوارق .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات

    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (24)
    صـ349 إلى صـ 359


    فصل

    - ومنها : أن تارك النظر في المسبب بناء على أن أمره لله ، إنما همه السبب [ ص: 349 ] الذي دخل فيه فهو على بال منه في الحفظ له ، والمحافظة عليه ، والنصيحة فيه ، لأن غيره ليس إليه ، ولو كان قصده المسبب من السبب ، لكان مظنة لأخذ السبب على غير أصالته ، وعلى غير قصد التعبد فيه ، فربما أدى إلى الإخلال به ، وهو لا يشعر ، وربما شعر به ، ولم يفكر فيما عليه فيه ، ومن هنا تنجر مفاسد كثيرة ، وهو أصل الغش في الأعمال العادية نعم والعبادية ، بل هو أصل في الخصال المهلكة .

    أما في العاديات فظاهر ; فإنه لا يغش إلا استعجالا للربح الذي يأمله في تجارته أو للنفاق الذي ينتظره في صناعته أو ما أشبه ذلك .

    وأما في العبادات ; فإن من شأن من أحبه الله تعالى أن يوضع له القبول في الأرض ، بعد ما يحبه أهل السماء ، فالتقرب بالنوافل سبب للمحبة من الله تعالى ، ثم من الملائكة ، ثم يوضع القبول في الأرض ، فربما التفت العابد لهذا المسبب بالسبب الذي هو النوافل ، ثم يستعجل ، ويداخله طلب ما ليس له فيظهر ذلك السبب ، وهو الرياء ، وهكذا في سائر المهلكات ، وكفى بذلك فسادا .
    فصل

    - ومنها : أن صاحب هذه الحالة مستريح النفس ساكن البال مجتمع الشمل ، فارغ القلب من تعب الدنيا ، متوحد الوجهة ، فهو بذلك طيب المحيا ، مجازى في الآخرة ، قال تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة الآية [ النحل : 97 ] .

    [ ص: 350 ] وروي عن جعفر الصادق أنه قال في الحياة الطيبة : " هي المعرفة بالله ، وصدق المقام مع الله ، وصدق الوقوف على أمر الله " .

    وقال ابن عطاء : " العيش مع الله ، والإعراض عما سوى الله " .

    وأيضا ; ففيه كفاية جميع الهموم بجعل همه هما واحدا ، بخلاف من كان ناظرا إلى المسبب بالسبب ; فإنه ناظر إلى كل مسبب في كل سبب يتناوله ، وذلك مكثر ، ومشتت .

    وأيضا ; ففي النظر إلى كون السبب منتجا أو غير منتج تفرق بال ، وإذا أنتج فليس على وجه واحد ، فصاحبه متبدد الحال ، مشغول القلب في أن لو كان المسبب أصلح مما كان ، فتراه يعود تارة باللوم على السبب ، وتارة بعدم الرضى بالمسبب ، وتارة على غير هذه الوجوه ، وإلى هذا النحو يشير معنى قوله عليه الصلاة والسلام : لا تسبوا الدهر ; فإن الله هو الدهر ، وأمثاله .

    [ ص: 351 ] وأما المشتغل بالسبب معرضا عن النظر في غيره ، فمشتغل بأمر واحد ، وهو التعبد بالسبب أي سبب كان ، ولا شك أن هما واحدا خفيف على النفس جدا بالنسبة إلى هموم متعددة ، بل هم واحد ثابت خفيف بالنسبة إلى هم واحد متغير متشتت في نفسه ، وقد جاء أن : " من جعل همه هما واحدا كفاه الله سائر الهموم ، ومن جعل همه أخراه كفاه الله أمر دنياه " .

    [ ص: 352 ] ويقرب من هذا المعنى قول من قال : " من طلب العلم لله ; فالقليل من العلم يكفيه ، ومن طلبه للناس فحوائج الناس كثيرة " .

    وقد لهج الزهاد في هذا الميدان ، وفرحوا بالاستباق فيه حتى قال بعضهم : " لو علم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف " .

    وروي في الحديث : الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن . والزهد [ ص: 353 ] ليس عدم ذات اليد ، بل هو حال للقلب يعبر عنها ـ إن شئت ـ بما تقرر من الوقوف مع التعبد بالأسباب من غير مراعاة للمسببات التفاتا إليها في [ الأسباب ] ، فهذا أنموذج ينبهك على جملة هذه القاعدة .
    فصل

    - ومنها : أن النظر في المسبب قد يكون على التوسط ، كما سيأتي ذكره [ ص: 354 ] إن شاء الله تعالى ، وذلك إذا أخذه من حيث مجاري العادات ، وهو أسلم لمن التفت إلى المسبب ، وقد يكون على وجه من المبالغة فوق ما يحتمل البشر فيحصل بذلك للمتسبب ; إما شدة التعب ، وإما الخروج عما هو له إلى ما ليس له .

    أما شدة التعب ; فكثيرا ما يتفق لأرباب الأحوال في السلوك ، وقد يتفق أن يكون صاحب التسبب كثير الإشفاق أو كثير الخوف ، وأصل هذا تنبيه الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الكتاب العزيز ـ حالة دعائه الخلق بشدة الحرص ـ على أن الأولى به الرجوع إلى التوسط بقوله تعالى : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون إلى قوله : وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى الآية [ الأنعام : 33 - 35 ] .

    وقوله : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين [ الشعراء : 3 ] .

    وقوله : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر الآية [ المائدة : 41 ] .

    وقوله : فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك الآية إلى قوله : إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل [ هود : 12 ] .

    وقوله : ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون [ النحل : 127 ] .

    إلى غير ذلك مما هو في هذا المعنى مما يشير إلى الحض على الإقصار مما كان يكابد ، والرجوع إلى الوقوف مع ما أمر به مما هو تسبب ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم بقوله : إنما أنت منذر [ الرعد : 7 ] [ ص: 355 ] إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل [ هود : 12 ] وأشباه ذلك .

    وجميعه يشير إلى أن المطلوب منك التسبب ، والله هو المسبب ، وخالق المسبب ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم الآية [ آل عمران : 128 ] ، وهو ينبهك على شدة مقاساته عليه الصلاة والسلام في الحرص على إيمانهم ، ومبالغته في التبليغ طمعا في أن تقع نتيجة الدعوة ، وهي إيمانهم الذي به نجاتهم من العذاب ، حتى جاء في القرآن : عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم [ التوبة : 128 ] .

    ومع هذا فقد ندب عليه الصلاة والسلام إلى أمر هو أوفق ، وأحرى بالتوسط في مقام النبوة ، وأدنى من خفة ما يلقاه في ذلك من التعب والمشقة ، وأجرى في سائر الرتب التي دون النبوة ، هذا وإن كان مقام النبوة على ما يليق به من شرف المنزلة التي لا يدانيه فيها أحد ، فلا يقدح ذلك في صحة الاستدلال بأحكامه فيما دونها من المراتب اللائقة بالأمة ، كما تقرر عند أهل الشريعة من صحة الاستدلال بأحواله ، وأحكامه في أحكام أمته ، ما لم يدل دليل على اختصاصه دون أمته .

    وأما الخروج عما هو له إلى ما ليس له ; فلأنه إذا قصد عين المسبب أن يكون أو لا يكون كان مخالفا لمقصود الشارع ; إذ قد تبين أن المسبب ليس [ ص: 356 ] للمكلف ، ولم يكلف به ، بل هو لله وحده ، فمن قصده فالغالب عليه بحسب إفراطه أن يكون قاصدا لوقوعه بحسب غرضه المعين ، وهو إنما يجري على مقتضى إرادة الله تعالى ، لا على وفق غرض العبد المعين من كل وجه ، فقد صار غرض العبد وقصده مخالفا بالوضع لما أريد به ، وذلك خارج عن مقتضى الأدب ، ومعارضة للقدر أو ما هو ينحو ذلك النحو .

    وقد جاء في " الصحيح " التنبيه على هذا المعنى بقوله عليه الصلاة والسلام : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ، احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ، ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ; فإن لو تفتح عمل الشيطان . فقد نبهك على أن لو تفتح عمل الشيطان ؛ لأنه التفات إلى المسبب في السبب كأنه متولد عنه أو لازم عقلا ، بل ذلك قدر الله ، وما شاء فعل ; إذ لا يعينه وجود السبب ، ولا يعجزه فقدانه .

    فالحاصل أن نفوذ القدر المحتوم هو محصول الأمر ، ويبقى السبب : إن كان مكلفا به عمل فيه بمقتضى التكليف ، وإن كان غير مكلف به لكونه غير داخل في مقدوره استسلم استسلام من يعلم أن الأمر كله بيد الله ، فلا ينفتح [ عليه ] باب الشيطان ، وكثيرا ما يبالغ الإنسان في هذا المعنى حتى يصير منه [ ص: 357 ] إلى ما هو مكروه شرعا من تشويش الشيطان ، ومعارضة القدر ، وغير ذلك .
    فصل

    - ومنها : أن تارك النظر في المسبب أعلى مرتبة ، وأزكى عملا إذا كان عاملا في العبادات ، وأوفر أجرا في العادات ; لأنه عامل على إسقاط حظه ، بخلاف من كان ملتفتا إلى المسببات ; فإنه عامل على الالتفات إلى الحظوظ ; لأن نتائج الأعمال راجعة إلى العباد مع أنها خلق الله ; فإنها مصالح أو مفاسد تعود عليهم كما في حديث أبي ذر : " إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها " ، وأصله في القرآن : من عمل صالحا فلنفسه [ فصلت : 46 ] ; فالملتفت إليها عامل بحظه ، ومن رجع إلى مجرد الأمر والنهي ، [ عامل على إسقاط الحظوظ ، وهو مذهب أرباب الأحوال ] ، ولهذا بسط في موضع آخر .

    فإن قيل : على أي معنى يفهم إسقاط النظر في المسببات ؟ ، وكيف ينضبط ما يعد كذلك ؟ مما لا يعد كذلك ؟

    [ ص: 358 ] فالجواب أن ترك الحظوظ قد يكون ظاهرا ، بمعنى عدم التفات القلب إليها جملة ، وهذا قليل ، وأكثر ما يختص بهذا أرباب الأحوال من الصوفية ، فهو يقوم بالسبب مطلقا من غير أن ينظر هل له مسبب أم لا ، وقد يكون غير ظاهر [ ص: 359 ] بمعنى أن الحظ لا يسقط جملة من القلب ; إلا أنه التفت إليه من وراء الأمر أو النهي ، ويكون هذا مع الجريان على مجاري العادات ، مع علمه بأن الله مجريها كيف شاء ، ويكون أيضا مع طلب المسبب بالسبب ، أي : يطلب من المسبب مقتضى السبب ; فكأنه يسأل المسبب باسطا يد السبب ، كما يسأله الشيء باسطا يد الضراعة أو يكون مفوضا في المسبب إلى من هو إليه ، فهؤلاء قد أسقطوا النظر في المسبب بالسبب ، وإنما الالتفات للمسبب بمعنى الجريان مع السبب ; كالطالب للمسبب من نفس السبب أو كالمعتقد أن السبب هو المولد للمسبب ، فهذا هو المخوف الذي هو حر بتلك المفاسد المذكورة ، وبين هذين الطرفين ، وسائط هي مجال نظر المجتهدين ; فإلى أيهما كان أقرب كان الحكم له ، ومثل هذا مقرر أيضا في مسألة الحظوظ .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات

    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (25)
    صـ360 إلى صـ 368


    المسألة العاشرة

    ما ذكر من أن المسببات مرتبة على فعل الأسباب شرعا ، وأن الشارع يعتبر المسببات في الخطاب بالأسباب ، يترتب عليه بالنسبة إلى المكلف إذا اعتبره أمور :

    - منها : أن المسبب إذا كان منسوبا إلى المتسبب شرعا ، [ أو ] اقتضى أن يكون المكلف في تعاطي السبب ملتفتا إلى جهة المسبب أن يقع منه ما ليس في حسابه ; فإنه كما يكون التسبب مأمورا به كذلك يكون منهيا عنه ، وكما يكون التسبب في الطاعة منتجا ما ليس في ظنه من الخير ; لقوله تعالى : [ ص: 360 ] ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا [ المائدة : 32 ] .

    وقوله عليه السلام : من سن سنة حسنة كان له أجرها ، وأجر من عمل بها ، وقوله : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أنها تبلغ ما بلغت الحديث .

    كذلك يكون التسبب في المعصية منتجا ما لم يحتسب من الشر ; لقوله تعالى : فكأنما قتل الناس جميعا [ المائدة : 32 ] .

    وقوله عليه الصلاة والسلام : ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ، وقوله : ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ، وقوله : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله الحديث . إلى أشباه ذلك .

    [ ص: 361 ] وقد قرر الغزالي من هذا المعنى في كتاب الإحياء ، وفي غيره ما فيه كفاية وقد قال في كتاب الكسب : " ترويج الدرهم الزائف من الدراهم في أثناء النقد ظلم ; إذ به يستضر المعامل إن لم يعرف ، وإن عرف فيروجه على غيره ، وكذلك الثاني والثالث ، ولا يزال يتردد في الأيدي ، ويعم الضرر ويتسع الفساد ، ويكون وزر الكل ووباله راجعا إليه ; فإنه الذي فتح ذلك الباب " ، ثم استدل بحديث : من سن سنة حسنة إلخ .

    ثم حكي عن بعضهم أن إنفاق درهم زائف أشد من سرقة مائة درهم قال : " لأن السرقة معصية واحدة ، وقد تمت وانقطعت ، وإظهار الزائف بدعة أظهرها في الدين وسن سنة سيئة يعمل عليها من بعده ، فيكون عليه وزرها بعد موته إلى مائة سنة ، ومائتي سنة إلى أن يفنى ذلك الدرهم ، ويكون عليه ما فسد ونقص من أموال الناس بسببه ، وطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه ، والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة ، ومائتي سنة يعذب بها في قبره ، ويسأل عنها إلى انقراضها ، وقال تعالى : ونكتب ما قدموا وآثارهم [ يس : 12 ] أي : نكتب أيضا ما أخروه من آثار أعمالهم ، كما نكتب ما قدموه ، ومثله قوله تعالى : ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر [ القيامة : 13 ] ، وإنما أخر أثر أعماله ، من سن سنة سيئة عمل بها غيره " .

    [ ص: 362 ] هذا ما قاله هناك ، وقاعدة إيقاع السبب أنه بمنزلة إيقاع المسبب قد بينت هذا .

    وله في كتاب الشكر ما هو أشد من هذا ، حيث قدر النعم أجناسا ، وأنواعا ، وفصل فيها تفاصيل جمة ، ثم قال : " بل أقول : من عصى الله ولو في نظرة واحدة ، بأن فتح بصره حيث يجب غض البصر ، فقد كفر نعمة الله في السماوات والأرضين وما بينهما ; فإن كل ما خلق الله حتى الملائكة والسماوات والحيوانات والنبات بجملته نعمة على كل واحد من العباد قد تم بها انتفاعه " .

    ثم قرر شيئا من النعم العائدة إلى البصر من الأجفان ، ثم قال : " قد كفر نعمة الله في الأجفان ، ولا تقوم الأجفان إلا بعين ، ولا العين إلا بالرأس ، ولا الرأس إلا بجميع البدن ، ولا البدن إلا بالغذاء ، ولا الغذاء إلا بالماء والأرض والهواء والمطر والغيم والشمس والقمر ، ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالسماوات ، ولا السماوات إلا بالملائكة ; فإن الكل كالشيء الواحد يرتبط البعض منه بالبعض ، ارتباط أعضاء البدن بعضها ببعض " .

    قال : " وكذلك ورد في الأخبار أن البقعة التي يجتمع فيها الناس ; إما أن تلعنهم إذا تفرقوا أو تستغفر لهم " .

    [ ص: 363 ] ولذلك ورد : إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر ، وذلك إشارة إلى أن العاصي بتطريفة واحدة ، جنى على جميع ما في الملك والملكوت ، وقد أهلك نفسه إلى أن يتبع السيئة بحسنة تمحوها ، فيتبدل اللعن بالاستغفار فعسى الله أن يتوب عليه ويتجاوز عنه ، ثم حكى غير ذلك ، ومضى في كلامه .

    فإذا نظر المتسبب إلى مآلات الأسباب ; فربما كان باعثا له على التحرز من أمثال هذه الأشياء ; إذ يبدو له يوم الدين من ذلك ما لم يكن يحتسب ، والعياذ بالله .
    فصل

    - ومنها : أنه إذا التفت إلى المسببات مع أسبابها ، ربما ارتفعت عنه إشكالات ترد في الشريعة بسبب تعارض أحكام أسباب تقدمت مع أسباب أخر حاضرة ، وذلك أن متعاطي السبب قد يبقى عليه حكمه ، وإن رجع عن ذلك السبب أو تاب منه ، فيظن أن المسبب يرتفع حكمه برجوعه عن السبب ، ولا يكون كذلك .

    مثاله : من توسط أرضا مغصوبة ، ثم تاب وأراد الخروج منها ، فالظاهر الآن أنه لما أمر بالخروج فأخذ في الامتثال غير عاص ولا مؤاخذ ; لأنه لم يمكنه أن يكون ممتثلا عاصيا في حالة واحدة ، ولا مأمورا منهيا من جهة واحدة ; لأن ذلك تكليف ما لا يطاق ، فلا بد أن يكون في توسطه مكلفا بالخروج على وجه يمكنه ، ولا يمكن مع بقاء حكم النهي في نفس الخروج ; فلا بد أن يرتفع عنه حكم النهي في الخروج .

    وقال أبو هاشم : هو على حكم المعصية ، ولا يخرج عن ذلك إلا بانفصاله عن الأرض المغصوبة ، ورد الناس عليه قديما وحديثا ، والإمام أشار في البرهان إلى تصور هذا وصحته ، باعتبار أصل السبب الذي هو عصيان ; فانسحب عليه حكم التسبب ، وإن ارتفع بالتوبة ، ونظر ذلك بمسائل ، وهو [ ص: 365 ] صحيح باعتبار الأصل المتقدم ; فإن أصل التسبب أنتج مسببات خارجة عن نظره ، فلو نظر الجمهور إليها لم يستبعدوا اجتماع الامتثال مع استصحاب حكم المعصية إلى الانفصال عن الأرض المغصوبة ، وهذا أيضا ينبني على الالتفات إلى أن المسبب خارج عن نظره ; فإنه إذا رأى ذلك ، وجد نفس الخروج ذا وجهين :

    أحدهما : وجه كون الخروج سببا في الخلوص عن التعدي بالدخول في الأرض ، وهو من كسبه .

    والثاني : كونه نتيجة دخوله ابتداء ، وليس من كسبه بهذا الاعتبار ; إذ ليس [ ص: 366 ] له قدرة عن الكف عنه .

    ومن هذا : مسألة من تاب عن القتل بعد رمي السهم عن القوس ، وقبل وصوله إلى الرمية ، ومن تاب من بدعة بعد ما بثها في الناس ، وقبل أخذهم بها أو بعد ذلك ، وقبل رجوعهم عنها ، ومن رجع عن شهادته بعد الحكم بها وقبل الاستيفاء ، وبالجملة بعد تعاطي السبب على كماله وقبل تأثيره ، ووجود مفسدته أو بعد وجودها ، وقبل ارتفاعها إن أمكن ارتفاعها ، فقد اجتمع على المكلف هنا الامتثال مع بقاء العصيان ; فإن اجتمعا في الفعل الواحد كما في المثال الأول ، كان عاصيا ممتثلا ، إلا أن الأمر والنهي لا يتواردان عليه في هذا التصوير ; لأنه من جهة العصيان غير مكلف به ; لأنه مسبب غير داخل تحت قدرته فلا نهي إذ ذاك ، ومن جهة الامتثال مكلف ; لأنه قادر عليه فهو مأمور بالخروج وممتثل به ، وهذا معنى ما أراده الإمام . وما اعترض به عليه ، وعلى أبي هاشم لا يرد مع هذه الطريقة إذا تأملتها ، والله أعلم .
    فصل

    - ومنها : أن الله عز وجل جعل المسببات في العادة تجري على وزان الأسباب في الاستقامة أو الاعوجاج ، فإذا كان السبب تاما ، والتسبب على ما ينبغي ، كان المسبب كذلك ، وبالضد .

    [ ص: 367 ] ومن هاهنا إذا وقع خلل في المسبب ، نظر الفقهاء إلى التسبب هل كان على تمامه أم لا ؟ فإن كان على تمامه لم يقع على المتسبب لوم ، وإن لم يكن على تمامه رجع اللوم والمؤاخذة عليه ، ألا ترى أنهم يضمنون الطبيب والحجام والطباخ وغيرهم من الصناع إذا ثبت التفريط من أحدهم ، إما بكونه غر من نفسه وليس بصانع ، وإما بتفريط ، بخلاف ما إذا لم يفرط ; فإنه لا ضمان عليه ; لأن الغلط في المسببات أو وقوعها على غير وزان التسبب قليل فلا يؤاخذ ، بخلاف ما إذا لم يبذل الجهد ; فإن الغلط فيها كثير ; فلا بد من المؤاخذة .

    فمن التفت إلى المسببات من حيث كانت علامة على الأسباب في الصحة أو الفساد لا من جهة أخرى ، فقد حصل على قانون عظيم يضبط به جريان الأسباب على وزان ما شرع أو على خلاف ذلك ، ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع دليلا على ما في الباطن ; فإن كان الظاهر منخرما حكم على الباطن بذلك أو مستقيما حكم على الباطن بذلك أيضا ، وهو أصل عام في الفقه وسائر الأحكام العاديات والتجريبيات ، بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جدا ، والأدلة على صحته كثيرة جدا ، وكفى بذلك عمدة أنه الحاكم بإيمان المؤمن وكفر الكافر وطاعة المطيع وعصيان العاصي وعدالة العدل وجرحة المجرح ، وبذلك تنعقد العقود ، وترتبط المواثيق ، إلى غير ذلك من الأمور ، بل هو كلية التشريع ، وعمدة التكليف [ ص: 368 ] بالنسبة إلى إقامة حدود الشعائر الإسلامية الخاصة والعامة .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (26)
    صـ369 إلى صـ 380


    فصل

    - ومنها : أن المسببات قد تكون خاصة ، وقد تكون عامة ، ومعنى كونها خاصة : أن تكون بحسب وقع السبب ، كالبيع المتسبب به إلى إباحة الانتفاع بالمبيع ، والنكاح الذي يحصل به حلية الاستمتاع ، والذكاة التي بها يحصل حل الأكل ، وما أشبه ذلك ، وكذلك جانب النهي ، كالسكر الناشئ عن شرب الخمر ، وإزهاق الروح المسبب عن حز الرقبة .

    وأما العامة ; فكالطاعة التي هي سبب في الفوز بالنعيم ، والمعاصي التي هي سبب في دخول الجحيم ، وكذلك أنواع المعاصي التي يتسبب عنها فساد في الأرض ، كنقص المكيال والميزان المسبب عنه قطع الرزق ، والحكم بغير الحق الناشئ عنه الدم ، وختر العهد الذي يكون عنه تسليط العدو ، والغلول الذي يكون عنه قذف الرعب ، وما أشبه ذلك ، ولا شك أن أضداد [ ص: 369 ] [ ص: 370 ] [ ص: 371 ] هذه الأمور يتسبب عنها أضداد مسبباتها .

    فإذا نظر العامل فيما يتسبب عن عمله من الخيرات أو الشرور ، اجتهد في اجتناب المنهيات ، وامتثال المأمورات ، رجاء في الله وخوفا منه ، ولهذا جاء الإخبار في الشريعة بجزاء الأعمال ، وبمسببات الأسباب ، والله أعلم بمصالح عباده ، والفوائد التي تنبني على هذه الأصول كثيرة .
    فصل

    فإن قيل : تقرر في المسألة التي قبل هذه أن النظر في المسببات يستجلب مفاسد ، والجاري على مقتضى هذا أن لا يلتفت إلى المسبب في التسبب ، وتبين الآن أن النظر في المسببات يستجر مصالح ، والجاري على مقتضى هذا أن يلتفت إليها ; فإن كان هذا على الإطلاق كان تناقضا ، وإن لم يكن على الإطلاق ; فلا بد من تعيين موضع الالتفات الذي يجلب المصالح ، من الالتفات الذي يجر المفاسد بعلامة يوقف عندها أو ضابط يرجع إليه .

    فالجواب : أن هذا المعنى مبسوط في غير هذا الموضع ، ولكن ضابطه أنه إن كان الالتفات إلى المسبب من شأنه التقوية للسبب والتكملة له والتحريض على المبالغة في إكماله ; فهو الذي يجلب المصلحة ، وإن كان [ ص: 372 ] من شأنه أن يكر على السبب بالإبطال أو بالإضعاف أو بالتهاون به ; فهو الذي يجلب المفسدة .

    وهذان القسمان على ضربين :

    أحدهما : ما شأنه ذلك بإطلاق ; بمعنى أنه يقوي السبب أو يضعفه بالنسبة إلى كل مكلف ، وبالنسبة إلى كل زمان ، وبالنسبة إلى كل حال يكون عليها المكلف .

    والثاني : ما شأنه ذلك لا بإطلاق ، بل بالنسبة إلى بعض المكلفين دون بعض أو بالنسبة إلى بعض الأزمنة دون بعض أو بالنسبة إلى بعض أحوال المكلف دون بعض .

    وأيضا ; فإنه ينقسم من جهة أخرى قسمين :

    أحدهما : ما يكون في التقوية أو التضعيف مقطوعا به .

    والثاني : مظنونا أو مشكوكا فيه ; فيكون موضع نظر وتأمل ; فيحكم بمقتضى الظن ، ويوقف عند تعارض الظنون ، وهذه جملة مجملة غير مفسرة ، ولكن إذا روجع ما تقدم وما يأتي ; ظهر مغزاه ، وتبين معناه بحول الله .

    ويخرج عن هذا التقسيم نظر المجتهدين ; فإن على المجتهد أن ينظر في الأسباب ومسبباتها لما ينبني على ذلك من الأحكام الشرعية ، وما تقدم من التقسيم راجع إلى أصحاب الأعمال من المكلفين ، وبالله التوفيق .
    فصل

    [ ص: 373 ] وقد يتعارض الأصلان معا على المجتهدين ; فيميل كل واحد إلى ما غلب على ظنه : فقد قالوا في السكران إذا طلق أو أعتق أو فعل ما يجب عليه الحد فيه أو القصاص : عومل معاملة من فعلها عاقلا اعتبارا بالأصل الثاني ، وقالت طائفة : بأنه كالمجنون اعتبارا بالأصل الأول على تفصيل لهم في ذلك مذكور في الفقه ، واختلفوا أيضا في ترخص العاصي بسفره بناء على الأصلين أيضا ، واختلفوا في قضاء صوم التطوع ، وفي قطع التتابع بالسفر [ ص: 374 ] الاختياري إذا عرض له فيه عذر أفطر من أجله ، وكذلك اختلفوا في أكل الميتة إذا اضطر بسبب السفر الذي عصى بسببه ، وعليهما يجري الخلاف أيضا في المسألة المذكورة قبل هذا بين أبي هاشم وغيره ، فيمن توسط أرضا مغصوبة .
    المسألة الحادية عشرة

    الأسباب الممنوعة أسباب للمفاسد لا للمصالح ، كما أن الأسباب المشروعة أسباب للمصالح لا للمفاسد ، مثال ذلك : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; فإنه أمر مشروع لأنه سبب لإقامة الدين ، وإظهار شعائر الإسلام ، وإخماد الباطل على أي وجه كان ، وليس بسبب ـ في الوضع الشرعي ـ لإتلاف مال أو نفس ، ولا نيل من عرض ، وإن أدى إلى ذلك في الطريق ، وكذلك الجهاد موضوع لإعلاء كلمة الله ، وإن أدى إلى مفسدة في المال أو النفس ، ودفع المحارب مشروع لرفع القتل والقتال وإن أدى إلى القتل والقتال ، والطلب بالزكاة مشروع لإقامة ذلك الركن من أركان الإسلام ، وإن أدى إلى القتال ، كما فعله أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ، وأجمع عليه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ، وإقامة الحدود ، والقصاص مشروع لمصلحة الزجر عن الفساد ، وإن أدى إلى إتلاف النفوس وإهراق الدماء ، وهو في نفسه مفسدة ، وإقرار حكم الحاكم مشروع لمصلحة فصل الخصومات ، وإن أدى إلى [ ص: 375 ] الحكم بما ليس بمشروع هذا في الأسباب المشروعة .

    وأما في الأسباب الممنوعة ; فالأنكحة الفاسدة ممنوعة ، وإن أدت إلى إلحاق الولد ، وثبوت الميراث وغير ذلك من الأحكام وهي مصالح ، والغصب ممنوع للمفسدة اللاحقة للمغصوب منه ، وإن أدى إلى مصلحة الملك عند تغير المغصوب في يد الغاصب أو غيره من وجوه الفوت .

    فالذي يجب أن يعلم أن هذه المفاسد الناشئة عن الأسباب المشروعة ، [ والمصالح الناشئة عن الأسباب الممنوعة ] ليست بناشئة عنها في الحقيقة ، وإنما هي ناشئة عن أسباب أخر مناسبة لها .

    والدليل على ذلك ظاهر ; فإنها إذا كانت مشروعة ; فإما أن تشرع للمصالح أو للمفاسد أو لهما معا أو لغير شيء من ذلك ، فلا يصح أن تشرع للمفاسد ; لأن السمع يأبى ذلك ، فقد ثبت الدليل الشرعي على أن [ تلك ] [ ص: 376 ] الشريعة إنما جيء بالأوامر فيها جلبا للمصالح ، وإن كان ذلك غير واجب في العقول فقد ثبت في السمع ، وكذلك لا يصح أن تشرع لهما معا بعين ذلك الدليل ، ولا لغير شيء لما ثبت من السمع أيضا ; فظهر أنها شرعت للمصالح .

    وهذا المعنى يستمر فيما منع ، إما أن يمنع لأن فعله مؤد إلى مفسدة أو إلى مصلحة أو إليهما أو لغير شيء ، والدليل جار إلى آخره ; فإذا لا سبب مشروع إلا وفيه مصلحة لأجلها شرع ; فإن رأيته وقد انبنى عليه مفسدة ; فاعلم أنها ليست بناشئة عن السبب المشروع .

    وأيضا ; فلا سبب ممنوع إلا وفيه مفسدة لأجلها منع ; فإن رأيته وقد انبنى عليه مصلحة فيما يظهر ، فاعلم أنها ليست بناشئة عن السبب الممنوع ، وإنما ينشأ عن كل واحد منها ما وضع له في الشرع إن كان مشروعا ، وما منع لأجله إن كان ممنوعا ، وبيان ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا ، لم يقصد به الشارع إتلاف نفس ولا مال ، وإنما هو أمر يتبع السبب المشروع لرفع الحق ، وإخماد الباطل ، كالجهاد ليس مقصوده إتلاف النفوس ، بل إعلاء الكلمة ، لكن يتبعه في الطريق الإتلاف من جهة نصب الإنسان نفسه في محل يقتضي تنازع الفريقين ، وشهر السلاح ، وتناول القتال ، والحدود وأشباهها يتبع المصلحة فيها الإتلاف ، من جهة أنه لا يمكن إقامة المصلحة إلا بذلك ، وحكم الحاكم سبب لدفع التشاجر وفصل الخصومات بحسب الظاهر ، حتى تكون المصلحة ظاهرة ، وكون الحاكم مخطئا راجع إلى أسباب أخر ، من تقصير في النظر أو كون [ ص: 377 ] الظاهر على خلاف الباطن ، ولم يكن له على ذلك دليل ، وليس بمقصود في أمر الحاكم ، ولا ينقض الحكم إذا كان له مساغ ما بسبب أمر آخر ، وهو أن الفسخ يؤدي إلى ضد ما نصب له الحاكم من الفصل بين الخصوم ، ورفع التشاجر ; فإن الفسخ ضد الفصل .

    وأما قسم الممنوع ; فإن ثبوت تلك الأحكام إنما نشأ من الحكم بالتصحيح لذلك النكاح بعد الوقوع ، لا من جهة كونه فاسدا حسبما هو مبين في موضعه ، والبيوع الفاسدة من هذا النوع ، لأن لليد القابضة هنا حكم الضمان شرعا ، فصار القابض كالمالك للسلعة بسبب الضمان لا بسبب العقد ، فإذا فاتت عينها تعين المثل أو القيمة ، وإن بقيت على غير تغير ، ولا وجه من وجوه الفوت ، فالواجب ما يقتضيه النهي من الفساد فإذا حصل فيها تغير أو نحوه مما ليس بمفيت للعين ; تواردت أنظار المجتهدين هل يكون ذلك في حكم الفوت جملة بسبب التغير أم لا ؟ فبقي حكم المطالبة بالفسخ ، إلا أن في المطالبة بالفسخ حملا على صاحب السلعة إذا ردت عليه متغيرة مثلا ، كما [ ص: 378 ] أن فيها حملا على المشتري ، حيث أعطى ثمنا ، ولم يحصل له ما تعنى فيه من وجوه التصرفات التي حصلت في المبيع ، فكان العدل النظر فيما بين هذين ، فاعتبر في الفوت حوالة الأسواق ، والتغير الذي لم يفت العين ، وانتقال الملك ، وما أشبه ذلك من الوجوه المذكورة في كتب الفقهاء ، وحاصلها أن عدم الفسخ وتسليط المشتري على الانتفاع ليس سببه العقد المنهي عنه ، بل الطوارئ المترتبة بعده ، والغصب من هذا النحو أيضا ; فإن على اليد العادية حكم الضمان شرعا ، والضمان يستلزم تعين المثل أو القيمة في الذمة ، فاستوى في هذا المعنى مع المالك بوجه ما ، فصار له بذلك شبهة ملك فإذا حدث في المغصوب حادث تبقى معه العين على الجملة ; صار محل اجتهاد ، نظرا إلى حق صاحب المغصوب ، وإلى الغاصب ; إذ لا يجني عليه غصبه أن يحمل عليه في الغرم عقوبة له ، كما أن المغصوب منه لا يظلم بنقص حقه ، فكان في [ ص: 379 ] ذلك الاجتهاد بين هذين ، فالسبب في تملك الغاصب المغصوب ليس نفس الغصب ، بل التضمين أولا ، منضما إلى ما حدث بعد في المغصوب ، فعلى هذا النوع أو شبهه يجري النظر في هذه الأمور .

    والمقصود أن الأسباب المشروعة لا تكون أسبابا للمفاسد ، والأسباب الممنوعة لا تكون أسبابا للمصالح ; إذ لا يصح ذلك بحال .
    فصل

    وعلى هذا الترتيب يفهم حكم كثير من المسائل في مذهب مالك وغيره .

    ففي المذهب أن من حلف بالطلاق أن يقضي فلانا حقه إلى زمان كذا ، ثم خاف الحنث بعدم القضاء فخالع زوجته حتى انقضى الأجل ووقع الحنث وليست بزوجة ثم راجعها ، أن الحنث لا يقع عليه ، وإن كان قصده مذموما وفعله مذموما ; لأنه احتال بحيلة أبطلت حقا ، فكانت المخالعة ممنوعة ، وإن أثمرت عدم الحنث لأن عدم الحنث لم يكن بسبب المخالعة ، بل بسبب أنه حنث ، ولا زوجة له فلم يصادف الحنث محلا .

    وكذلك قول اللخمي فيمن قصد بسفره الترخص بالفطر في رمضان أن له أن يفطر ، وإن كره له هذا القصد ; لأن فطره بسبب المشقة اللازمة للسفر لا بسبب نفس السفر المكروه ، وإن علل الفطر بالسفر فلاشتماله على المشقة لا لنفس السفر ، ويحقق ذلك أن الذي كره له السفر الذي هو من كسبه ، والمشقة خارجة عن كسبه ، فليست المشقة هي عين المكروه له بل سببها ، والمسبب هو السبب في الفطر .

    [ ص: 380 ] فأما لو فرضنا أن السبب الممنوع لم يثمر ما ينهض سببا لمصلحة أو السبب المشروع لم يثمر ما ينهض سببا لمفسدة ، فلا يكون عن المشروع مفسدة تقصد شرعا ، ولا عن الممنوع مصلحة تقصد شرعا ، وذلك كحيل أهل العينة في جعل السلعة واسطة في بيع الدينار بالدينارين إلى أجل ، فهنا طرفان وواسطة : طرف لم يتضمن سببا ثابتا على حال كالحيلة المذكورة ، وطرف تضمن سببا قطعا أو ظنا كتغيير المغصوب في يد الغاصب ، فيملكه على التفصيل المعلوم ، وواسطة لم ينتف فيها السبب ألبتة ، ولا ثبت قطعا ، فهو محل أنظار المجتهدين .






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (27)
    صـ381 إلى صـ 390

    فصل

    هذا كله إذا نظرنا إلى هذه المسائل الفرعية بهذا الأصل المقرر ; فإن تؤملت من جهة أخرى ، كان الحكم آخر ، وتردد الناظرون فيه لأنه يصير محلا للتردد .

    وذلك أنه قد تقرر أن إيقاع المكلف الأسباب في حكم إيقاع المسببات ، وإذا كان كذلك ; اقتضى أن المسبب في حكم الواقع باختياره ، فلا يكون سببا شرعيا ، فلا يقع له مقتضى ، فالعاصي بسفره لا يقصر ولا يفطر ; لأن المشقة كأنها واقعة بفعله ; لأنها ناشئة عن سببه ، والمحتال للحنث بمخالعة امرأته لا يخلصه احتياله من الحنث ، بل يقع عليه إذا راجعها ، وكذلك المحتال لمراجعة زوجته بنكاح المحلل ، وما أشبه ذلك ; فهاهنا إذا روجع الأصلان ، كانت المسائل في محل الاجتهاد ، فمن ترجح عنده أصل قال بمقتضاه ، والله أعلم .
    فصل

    ما تقدم في هذا الأصل نظر في مسببات الأسباب ، من حيث كانت الأسباب مشروعة أو غير مشروعة ، أي : من جهة ما هي داخلة تحت نظر الشرع ، لا من جهة ما هي أسباب عادية لمسبباب عادية ; فإنها إذا نظر إليها من [ ص: 382 ] هذا الوجه كان النظر فيها آخر ; فإن قصد التشفي بقصد القتل متسبب فيما هو عنده مصلحة أو دفع مفسدة ، وكذلك تارك العبادات الواجبة إنما تركها فرارا من إتعاب النفس ، وقصدا إلى الدعة والراحة بتركها ، فهو من جهة ما هو فاعل بإطلاق أو تارك بإطلاق ، متسبب في درء المفاسد عن نفسه أو جلب المصالح لها ، كما كان الناس في أزمان الفترات ، والمصالح والمفاسد هنا هي المعتبرة بملائمة الطبع ومنافرته ; فلا كلام هنا في مثل هذا .
    المسألة الثانية عشرة

    الأسباب ـ من حيث هي أسباب شرعية ـ لمسببات إنما شرعت لتحصيل مسبباتها ، وهي المصالح المجتلبة أو المفاسد المستدفعة ، والمسببات بالنظر إلى أسبابها ضربان :

    أحدهما : ما شرعت الأسباب لها ; إما بالقصد الأول ، وهي متعلق المقاصد الأصلية أو المقاصد الأول أيضا ، وإما بالقصد الثاني ، وهي متعلق المقاصد التابعة ، وكلا الضربين مبين في كتاب المقاصد .

    [ ص: 383 ] والثاني : ما سوى ذلك مما يعلم أو يظن أن الأسباب لم تشرع لها أو لا يعلم ولا يظن أنها شرعت لها أو لم تشرع لها ، فتجيء الأقسام ثلاثة : أحدها : ما يعلم أو يظن أن السبب شرع لأجله ، فتسبب المتسبب فيه صحيح ; لأنه أتى الأمر من بابه ، وتوسل إليه بما أذن الشارع في التوسل به إلى ما أذن أيضا في التوسل إليه ; لأنا فرضنا أن الشارع قصد بالنكاح مثلا التناسل أولا ، ثم يتبعه اتخاذ السكن ، ومصاهرة أهل المرأة لشرفهم أو دينهم ، أو نحو ذلك أو الخدمة أو القيام على مصالحه أو التمتع بما أحل الله من النساء أو التجمل بمال المرأة أو الرغبة في جمالها أو الغبطة بدينها أو التعفف عما حرم الله أو نحو ذلك حسبما دلت عليه الشريعة ، فصار إذا ما قصده هذا المتسبب مقصود الشارع على الجملة ، وهذا كاف ، وقد تبين في كتاب المقاصد أن القصد المطابق لقصد الشارع هو الصحيح ، فلا سبيل إلى القول بفساد هذا التسبب .

    لا يقال : إن القصد إلى الانتفاع مجردا لا يغني دون قصد حل البضع بالعقد أولا ; فإنه الذي ينبني عليه ذلك القصد ، والشارع إنما قصده بالعقد أولا [ ص: 384 ] الحل ، ثم يترتب عليه الانتفاع ، فإذا لم يقصد إلا مجرد الانتفاع فقد تخلف قصده عن قصد الشارع ، فيكون مجرد القصد إلى الانتفاع غير صحيح ، ويتبين هذا بما إذا أراد التمتع بفلانة كيف اتفق بحل أو غيره ، فلم يمكنه ذلك إلا بالنكاح المشروع ، وقصده أنه لو أمكنه بالزنا لحصل مقصوده ، فإذا عقد عليها ، والحال هذه فلم يكن قاصدا لحله ، وإذا لم يقصد حلها فقد خالف قصد الشارع بالعقد فكان باطلا ، والحكم في كل فعل أو ترك جار هذا المجرى .

    لأنا نقول هو على ما فرض في السؤال صحيح ، وذلك أن حاصل قصد هذا القاصد أنه لم يقدر على ما قصد من وجه غير جائز ، فأتاه من وجه قد جعله الشارع موصلا إليه ، ولم يكن قصده بالعقد أنه ليس بعقد ، بل قصد انعقاد النكاح بإذن من إليه الإذن ، وأدى ما الواجب أن يؤدى فيه ، لكن ملجأ إلى ذلك ، فله بهذا التسبب الجائز مقتضاه ، ويبقى النظر في قصده إلى المحظور الذي لم يقدر عليه ; فإن كان عند عزم على المعصية لو قدر عليها أثم عند المحققين ، وإن كان خاطرا على غير عزيمة ، فمغتفر كسائر الخواطر ، فلم يقترن إذا بالعقد ما يصيره باطلا ; لوقوعه كامل الأركان ، حاصل الشروط ، منتفي الموانع ، وقصد القاصد للعصيان لو قدر عليه خارج عن قصده الاستباحة [ ص: 385 ] بالوجه المقصود للشارع ، وهذا القصد الثاني موجود عنده لا محالة ، وهو موافق لقصد الشارع بوضع السبب ، فصح التسبب ، وأما إلزام قصد الحل فلا يلزم ، بل يكفي القصد إلى إيقاع السبب المشروع ، وإن غفل عن وقوع الحل به ; لأن الحل الناشئ عن السبب ليس بداخل تحت التكليف كما تقدم .

    والثاني : ما يعلم أو يظن أن السبب لم يشرع لأجله ابتداء ، فالدليل يقتضي أن ذلك التسبب غير صحيح ، لأن السبب لم يشرع أولا لهذا المسبب المفروض ، وإذا لم يشرع له فلا يتسبب عنه حكمته في جلب مصلحة ولا دفع مفسدة بالنسبة إلى ما قصد بالسبب ، فهو إذا باطل ، هذا وجه .

    ووجه ثان : وهو أن هذا السبب بالنسبة إلى هذا المقصود المفروض غير مشروع ، فصار كالسبب الذي لم يشرع أصلا ، وإذا كان التسبب غير المشروع أصلا لا يصح ، فكذلك ما شرع إذا أخذ لما لم يشرع له .

    ووجه ثالث : أن كون الشارع لم يشرع هذا السبب لهذا المسبب المعين دليل على أن في ذلك التسبب مفسدة لا مصلحة أو أن المصلحة المشروع لها السبب منتفية بذلك المسبب ، فيصير السبب بالنسبة إليه عبثا ; فإن كان الشارع قد نهى عن ذلك التسبب الخاص ، فالأمر واضح ، فإذا قصد بالنكاح [ ص: 386 ] مثلا التوصل إلى أمر فيه إبطاله كنكاح المحلل أو بالبيع التوصل إلى الربا مع إبطال البيع ، وما أشبه ذلك من الأمور التي يعلم أو يظن أن الشارع لا يقصدها ، كان هذا العمل باطلا لمخالفته لقصد الشارع في شرع النكاح والبيع ، وهكذا سائر الأعمال ، والتسببات العادية ، والعبادية .

    فإن قيل : كيف هذا والناكح في المثال المذكور ؟ وإن كان قصد رفع النكاح بالطلاق لتحل للأول ، فما قصده إلا ثانيا عن قصد النكاح ; لأن الطلاق لا يحصل إلا في ملك نكاح ، فهو قصد نكاحا يرتفع بالطلاق ، والنكاح من شأنه ووضعه الشرعي أن يرتفع بالطلاق ، وهو مباح في نفسه فيصح ، لكن كونه قصد مع ذلك التحليل للأول أمر آخر ، وإن كان مذموما ; فإنه إذا اقترن أمران مفترقان في أنفسهما فلا تأثير لأحدهما في الآخر ; لانفكاك أحدهما من الآخر تحقيقا كالصلاة في الدار المغصوبة .

    وفي الفقه ما يدل على هذا : فقد اتفق مالك وأبو حنيفة على صحة التعليق في الطلاق قبل النكاح والعتق قبل الملك ، فيقول للأجنبية إن تزوجتك ; فأنت طالق ، وللعبد إن اشتريتك فأنت حر ، ويلزمه الطلاق إن تزوج ، والعتق إذا اشترى ، وقد علم أن مالكا وأبا حنيفة يبيحان له أن يتزوج المرأة ، وأن يشتري العبد .

    وفي " المبسوطة " عن مالك فيمن حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها إلى ثلاثين سنة ، ثم يخاف العنت قال : " أرى له جائزا أن يتزوج ، ولكن إن تزوج طلقت عليه " ، مع أن هذا النكاح ، وهذا الشراء ليس فيهما شيء مما قصده الشارع [ ص: 387 ] بالقصد الأول ، ولا بالقصد الثاني إلا الطلاق ، والعتق ، ولم يشرع النكاح للطلاق ، ولا الشراء للخروج عن اليد ، وإنما شرعا لأمور أخر ، والطلاق والعتاق من التوابع غير المقصودة في مشروعيتهما ، فما جاز هذا إلا لأن وقوع الطلاق أو العتق ثان عن حصول النكاح أو الملك ، وعن القصد إليه فالناكح قاصد بنكاحه الطلاق ، والمشتري قاصد بشرائه العتق ، وظاهر هذا القصد المنافاة لقصد الشارع ، ولكنه مع ذلك جائز عند هذين الإمامين ، وإذا كان كذلك ; فأحد الأمرين جائز ; إما جواز التسبب بالمشروع إلى ما لم يشرع له السبب ; وإما بطلان هذه المسائل .

    وفي مذهب مالك من هذا كثير جدا ، ففي المدونة فيمن نكح وفي نفسه أن يفارق ، أنه ليس من نكاح المتعة ، فإذا تزوج المرأة ليمين لزمته أن يتزوج على امرأته فقد فرضوا المسألة ، وقال مالك : إن النكاح حلال ; فإن شاء أن يقيم عليه أقام ، وإن شاء أن يفارق فارق ، وقال ابن القاسم : وهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم مما علمنا أو سمعنا قال : وهو عندنا نكاح ثابت ، الذي يتزوج يريد أن يبر في يمينه ، وهو بمنزلة من يتزوج المرأة للذة يريد أن يصيب منها لا يريد حبسها ، ولا ينوي ذلك ، على ذلك نيته وإضماره في تزويجها ; فأمرهما واحد ; فإن شاء أن يقيما أقاما ، لأن أصل النكاح حلال ، ذكر هذه في " المبسوطة " .

    وفي الكافي في الذي يقدم البلدة فيتزوج المرأة ، ومن نيته أن يطلقها بعد السفر : " أن قول الجمهور جوازه " .

    [ ص: 388 ] وذكر ابن العربي مبالغة مالك في منع نكاح المتعة ، وأنه لا يجيزه بالنية ، كأن يتزوجها بقصد الإقامة معها مدة ، وإن لم يلفظ بذلك ، ثم قال : وأجازه سائر العلماء ، ومثل بنكاح المسافرين قال : وعندي أن النية لا تؤثر في ذلك ; فإنا لو ألزمناه أن ينوي بقلبه النكاح الأبدي لكان نكاحا نصرانيا ، فإذا سلم لفظه لم تضره نيته ، ألا ترى أن الرجل يتزوج على حسن العشرة رجاء الأدمة ، فإن وجدها وإلا فارق ، كذلك يتزوج على تحصيل العصمة ; فإن اغتبط ارتبط ، وإن كره فارق ، وهذا كلامه في كتاب الناسخ والمنسوخ ، وحكى اللخمي عن مالك [ فمن نكح لغربة ] أو لهوى ليقضي أربه ، ويفارق فلا بأس .

    فهذه مسائل دلت على خلاف ما تقدم في القاعدة المستدل عليها ، وأشدها مسألة حل اليمين لأنه لم يقصد النكاح رغبة فيه ، وإنما قصد أن يبر في يمينه ، ولم يشرع النكاح لمثل هذا ، ونظائر ذلك كثيرة ، وجميعها صحيح مع القصد المخالف لقصد الشارع ، وما ذلك إلا لأنه قاصد للنكاح أولا ، ثم [ ص: 389 ] الفراق ثانيا ، وهما قصدان غير متلازمين ; [ وإلا ] فإن جعلتهما متلازمين في المسألة الأولى بحيث يؤثر أحدهما في الآخر ، فليكن كذلك في هذه المسائل ، وحينئذ يبطل جميع ما تقدم ، فعلى الجملة يلزم إما بطلان هذا كله ، وإما بطلان ما تقدم .

    فالجواب من وجهين أحدهما إجمالي ، والآخر تفصيلي .

    فأما الإجمالي : فهو أن نقول أصل المسألة صحيح لما تقدم من الأدلة ، وما اعترض به ليس بداخل تحتها ، ولا هي منها بدليل قولهم بالجواز والصحة فيها ، فما اتفقوا منها على جوازه فلسلامته من مقتضى أصل المسألة ، وما اختلفوا فيه فلدخوله عند المانعين تحتها ، ولسلامته عند المجيزين ; لأن العلماء لا يتناقض كلامهم ، ولا ينبغي أن يحمل على ذلك ما وجد إلى غيره سبيل ، وهذا جواب يكفي المقلد في الفقه وأصوله ، ويورد على العالم من باب تحسين الظن بمن تقدم من السلف الصالح ليتوقف ، ويتأمل ، ويلتمس المخرج ، ولا يتعسف بإطلاق الرد .

    وأما التفصيلي : فنقول : إن هذه المسائل لا تقدح فيما تقدم ، أما مسألة [ ص: 390 ] التعليق فقد قال القرافي : " إنها من المشكلات على الإمامين ، وإن من قال بشرعية النكاح في صورة التعليق قبل الملك ، فقد التزم المشروعية مع انتفاء الحكمة المعتبرة فيه شرعا " قال : " وكان يلزم أن لا يصح العقد على المرأة ألبتة ، لكن العقد صحيح إجماعا ; فدل على عدم لزوم الطلاق تحصيلا لحكمة العقد ، قال : فحيث أجمعنا على شرعيته دل ذلك على بقاء حكمته ، وهو بقاء النكاح المشتمل على مقاصده قال : وهذا موضع مشكل على أصحابنا انتهى قوله .

    وهو عاضد لما تقدم ، ولكن النظر فيه راجع إلى أصل آخر ندرجه أثناء هذه المسألة للضرورة إليه ، وهي :


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله



    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (28)
    صـ391 إلى صـ 399

    المسألة الثالثة عشرة

    وذلك أن السبب المشروع لحكمة لا يخلو أن يعلم أو يظن وقوع الحكمة به أو لا فإن علم أو ظن ذلك فلا إشكال في المشروعية ، وإن لم يعلم ، ولا ظن ذلك فهو على ضربين :

    أحدهما : أن يكون ذلك لعدم قبول المحل لتلك الحكمة أو لأمر خارجي .

    فإن كان الأول ; ارتفعت المشروعية أصلا فلا أثر للسبب شرعا ألبتة بالنسبة إلى ذلك المحل ، مثل الزجر بالنسبة إلى غير العاقل إذا جنى ، والعقد [ ص: 391 ] على الخمر ، والخنزير ، والطلاق بالنسبة إلى الأجنبية ، والعتق بالنسبة إلى ملك الغير ، وكذلك العبادات ، وإطلاق التصرفات بالنسبة إلى غير العاقل ، وما أشبه ذلك .

    والدليل على ذلك أمران :

    الأول أن أصل السبب قد فرض أنه لحكمة بناء على قاعدة إثبات المصالح حسبما هو مبين في موضعه ، فلو ساغ شرعه مع فقدانها جملة لم يصح أن يكون مشروعا ، وقد فرضناه مشروعا هذا خلف .

    والثاني : أنه لو كان كذلك ; لزم أن تكون الحدود وضعت لغير قصد الزجر ، والعبادات لغير قصد الخضوع لله ، وكذلك سائر الأحكام ، وذلك باطل باتفاق القائلين بتعليل الأحكام .

    وأما إن كان امتناع وقوع حكم الأسباب ـ وهي المسببات ـ لأمر خارجي مع قبول المحل من حيث نفسه فهل يؤثر ذلك الأمر الخارجي في شرعية السبب أم يجري السبب على أصل مشروعيته ، هذا محتمل ، والخلاف فيه سائغ ، وللمجيز أن يستدل على ذلك بأمور :

    أحدها : أن القاعدة الكلية لا تقدح فيها قضايا الأعيان ولا نوادر التخلف ، وسيأتي لهذا المعنى تقرير في موضعه إن شاء الله .

    [ ص: 392 ] والثاني : وهو الخاص بهذا المكان أن الحكمة إما أن تعتبر بمحلها وكونه قابلا لها فقط ، وإما أن تعتبر بوجودها فيه ، فإن اعتبرت بقبول المحل فقط فهو المدعى ، والمحلوف بطلاقها في مسألة التعليق قابلة للعقد عليها من الحالف وغيره ، فلا يمنع ذلك إلا بدليل خاص في المنع ، وهو غير موجود ، وإن اعتبرت بوجودها في المحل ، لزم أن يعتبر في المنع فقدانها مطلقا لمانع أو لغير مانع ، كسفر الملك المترفه ; فإنه لا مشقة له في السفر أو هو مظنة لعدم وجود المشقة فكان القصر والفطر في حقه ممتنعين ، وكذلك إبدال الدرهم بمثله ، وإبدال الدينار بمثله مع أنه لا فائدة في هذا العقد ، وما أشبه ذلك من المسائل التي نجد الحكم فيها جاريا على أصل مشروعيته ، والحكمة غير موجودة .

    ولا يقال : إن السفر مظنة المشقة بإطلاق ، وإبدال الدرهم بالدرهم [ ص: 393 ] مظنة لاختلاف الأغراض بإطلاق ، وكذلك سائر المسائل التي في معناها ، فليجز التسبب بإطلاق ، بخلاف نكاح المحلوف بطلاقها بإطلاق ; فإنها ليست بمظنة للحكمة ، ولا توجد فيها على حال .

    لأنا نقول : إنما نظير السفر بإطلاق نكاح الأجنبية بإطلاق ; فإن قلتم بإطلاق الجواز مع عدم اعتبار وجود المصلحة في المسألة المقيدة فلتقولوا بصحة نكاح المحلوف بطلاقها ; لأنها صورة مقيدة من مطلق صور نكاح الأجنبيات ، بخلاف نكاح القرابة المحرمة كالأم والبنت مثلا ; فإنها محرمة بإطلاق فالمحل غير قابل بإطلاق ، فهذا من الضرب الأول ، وإذا لم يكن ذلك فلا بد من القول به في تلك المسائل ، وإذ ذاك يكون بعض الأسباب مشروعا ، وإن لم توجد الحكمة ولا مظنتها ، إذا كان المحل في نفسه قابلا ;لأن قبول المحل في نفسه مظنة للحكمة وإن لم توجد وقوعا ، وهذا معقول .

    والثالث : أن اعتبار وجود الحكمة في محل عينا لا ينضبط ; لأن تلك الحكمة لا توجد إلا ثانيا عن وقوع السبب ، فنحن قبل وقوع السبب جاهلون بوقوعها أو عدم وقوعها ، فكم ممن طلق على أثر إيقاع النكاح ، وكم من نكاح فسخ إذ ذاك لطارئ طرأ أو مانع منع ، وإذا لم نعلم وقوع الحكمة فلا يصح [ ص: 394 ] توقف مشروعية السبب على وجود الحكمة ; لأن الحكمة لا توجد إلا بعد وقوع السبب ، وقد فرضنا وقوع السبب بعد وجود الحكمة ، وهو دور محال ، فإذا لا بد من الانتقال إلى اعتبار مظنة قبول المحل لها على الجملة كافيا .

    وللمانع أيضا أن يستدل على ما ذهب إليه بأوجه ثلاثة : أحدها : إن قبول المحل ; إما أن يعتبر شرعا بكونه قابلا في الذهن [ ص: 395 ] خاصة ، وإن فرض غير قابل في الخارج ، فما لا يقبل لا يشرع التسبب فيه ، وإما بكونه توجد حكمته في الخارج ، فما لا توجد حكمته في الخارج لا يشرع أصلا ، كان في نفسه قابلا لها ذهنا أو لا ، فإن كان الأول ; فهو غير صحيح ; لأن الأسباب المشروعة إنما شرعت لمصالح العباد ، وهي حكم المشروعية فما ليس فيه مصلحة ، ولا هو مظنة مصلحة موجودة في الخارج ، فقد ساوى ما لا يقبل المصلحة لا في الذهن ولا في الخارج من حيث المقصد الشرعي ، وإذا استويا امتنعا أو جازا ، لكن جوازهما يؤدي إلى جواز ما اتفق على منعه ، فلا بد من القول بمنعهما مطلقا ، وهو المطلوب .

    الثاني : أنا لو أعملنا السبب هنا مع العلم بأن المصلحة لا تنشأ عن ذلك السبب ، ولا توجد به ; لكان ذلك نقضا لقصد الشارع في شرع الحكم ; لأن التسبب هنا يصير عبثا ، والعبث لا يشرع بناء على القول بالمصالح ، فلا فرق بين هذا وبين القسم الأول ، وهذا هو [ معنى ] كلام القرافي .

    والثالث : أن جواز ما أجيز من تلك المسائل إنما هو باعتبار وجود [ ص: 396 ] الحكمة ; فإن انتفاء المشقة بالنسبة إلى الملك المترفه غير متحقق ، بل الظن بوجودها غالب ; غير أن المشقة تختلف باختلاف الناس ، ولا تنضبط ، فنصب الشارع المظنة في موضع الحكمة ضبطا للقوانين الشرعية ، كما جعل التقاء الختانين ضابطا لمسبباته المعلومة ، وإن لم يكن الماء عنه لأنه مظنته ، وجعل الاحتلام مظنة حصول العقل القابل للتكليف ; لأنه غير منضبط في نفسه ، إلى أشياء من ذلك كثيرة .

    وأما إبدال الدرهم بمثله ، فالمماثلة من كل وجه قد لا تتصور عقلا ; فإنه ما من متماثلين إلا وبينهما افتراق ولو في تعيينهما ، كما أنه ما من مختلفين إلا وبينهما مشابهة ، ولو في نفي ما سواهما عنهما ، ولو فرض التماثل من كل وجه فهو نادر ، ولا يعتد بمثله أن يكون معتبرا ، والغالب المطرد اختلاف الدرهمين ، والدينارين ، ولو بجهة الكسب ، فأطلق الجواز لذلك ، [ وإذا كان ذلك ] كذلك ; فلا دليل في هذه المسائل على مسألتنا .
    فصل

    وقد حصل في ضمن هذه المسألة الجواب عن مسألة التعليق .

    وأما مسألة النكاح للبر في اليمين ، وما ذكر معها ; فإنه موضع فيه احتمال [ ص: 397 ] للاختلاف ، وإن كان وجه الصحة هو الأقوى ، فمن نظر إلى أنه نكاح صدر من أهله في محله القابل له كما تقدم بسطه لم يمنع ، ومن نظر إلى أنه لما كان له نية ـ المفارقة أو كان مظنة لذلك ـ أشبه النكاح المؤقت ; لم يجز هذا ، وإن كان ابن القاسم لم يحك في مسألة نكاح البر خلافا ، فقد غمزه هو أو غيره بأنه لا يقع به الإحصان ، وهذا كاف فيما فيه من الشبهة ، فالموضع مجال نظر المجتهدين .

    وإذا نظرنا إلى مذهب مالك ، وجدنا نكاح البر نكاحا مقصودا لغرضه المقصود ، لكن على أن يرفع حكم اليمين ، وكونه مقصودا به رفع اليمين يكفي بأنه قصد للنكاح المشروع الذي تحل به المرأة للاستمتاع وغيره من مقاصده ، إلا أنه يتضمن رفع اليمين ، وهذا غير قادح ، وكذلك النكاح لقضاء الوطر مقصود أيضا ; لأن قضاء الوطر من مقاصده على الجملة ، ونية الفراق بعد ذلك أمر خارج إلى ما بيده من الطلاق الذي جعل الشارع له ، وقد يبدو له فلا يفارق ، وهذا هو الفرق بينه وبين نكاح المتعة ; فإنه في نكاح المتعة بان على شرط التوقيت .

    وكذلك نكاح التحليل لم يقصد به ما يقصد بالنكاح ، إنما قصد به تحليلها للمطلق الأول بصورة نكاح زوج غيره ، لا بحقيقته ; فلم يتضمن غرضا [ ص: 398 ] من أغراضه التي شرع لها .

    وأيضا ; فمن حيث كان لأجل الغير لا يمكن فيه البقاء معها عرفا أو شرطا ; فلم يمكن أن يكون نكاحا يمكن استمراره .

    وأيضا ; فالنص بمنعه عتيد ، فيوقف عنده على أنه لو لم يكن في نكاح المحلل تراوض ولا شرط ، وكان الزوج هو القاصد لذلك ; فإن بعض العلماء يصحح هذا النكاح اعتبارا بأنه قاصد الاستمتاع على الجملة ثم الطلاق ، فقد قصد على الجملة ما يقصد بالنكاح من أغراضه المقصودة ، ويتضمن ذلك العود إلى الأول إن اتفق على قول ، ولا يتضمنه على قول ، [ ص: 399 ] وذلك بحكم التبعية ، وإن كان هذا من الأقوال المرجوحة فلا يخلو من وجه من النظر .

    ومما يدل على أن حل اليمين إذا قصد بالنكاح لا يقدح فيه ، أنه لو نذر أو حلف على فعل قربة من صلاة أو حج أو عمرة أو صيام أو ما أشبه ذلك من العبادات أنه يفعله ، ويصح منه قربة ، وهذا مثله ، فلو كان هذا من اليمين وشبهه قادحا في أصل العقد ، لكان قادحا في أصل العبادة ; لأن شرط العبادة التوجه بها إلى المعبود قاصدا بذلك التقرب إليه ، فكما تصح العبادة المنذورة أو المحلوف عليها ، وإن لم يقصد بها إلا حل اليمين ، وإلا لم يبر فيه ، فكذلك هنا بل أولى ، وكذلك من حلف أن يبيع سلعة يملكها فالعقد ببيعها صحيح ، وإن لم يقصد بذلك إلا حل اليمين ، وكذلك إن حلف أن يصيد أو يذبح هذه الشاة أو ما أشبه ذلك .

    وهذا كله راجع إلى أصلين :

    أحدهما : إن الأحكام المشروعة للمصالح لا يشترط وجود المصلحة في كل فرد من أفراد محالها ، وإنما يعتبر أن يكون مظنة لها خاصة .

    والثاني : أن الأمور العادية إنما يعتبر في صحتها أن لا تكون مناقضة لقصد الشارع ، ولا يشترط ظهور الموافقة ، وكلا الأصلين سيأتي إن شاء الله تعالى .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (29)
    صـ400 إلى صـ 412

    فصل

    والقسم الثالث من القسم الأول هو أن يقصد بالسبب مسببا لا يعلم ، ولا يظن أنه مقصود الشارع أو غير مقصود له ، وهذا موضع نظر ، وهو محل إشكال ، واشتباه ، وذلك أنا لو تسببنا لأمكن أن يكون ذلك السبب غير موضوع لهذا المسبب المفروض ، كما أنه يمكن أن يكون موضوعا له ولغيره ، فعلى الأول يكون التسبب غير مشروع ، وعلى الثاني : يكون مشروعا ، وإذا دار العمل بين أن يكون مشروعا أو غير مشروع ، كان الإقدام على التسبب غير مشروع .

    لا يقال : إن السبب قد فرض مشروعا على الجملة ; فلم لا يتسبب به ؟

    لأنا نقول : إنما فرض مشروعا بالنسبة إلى شيء معين مفروض معلوم لا مطلقا ، وإنما كان يصح التسبب [ به ] مطلقا ، إذا علم شرعيته لكل ما يتسبب عنه على الإطلاق والعموم ، وليس ما فرضنا الكلام فيه من هذا ، بل علمنا أن كثيرا من الأسباب شرعت لأمور تنشأ عنها ، ولم تشرع لأمور وإن كانت تنشأ عنها ، وتترتب عليها كالنكاح ; فإنه مشروع لأمور كالتناسل وتوابعه ، ولم يشرع عند الجمهور للتحليل ولا ما أشبهه ، فلما علمنا أنه مشروع لأمور مخصوصة ، كان ما جهل كونه مشروعا له مجهول الحكم ، فلا تصح مشروعية الإقدام حتى يعرف الحكم .

    ولا يقال : الأصل الجواز ; لأن ذلك ليس على الإطلاق ، فالأصل في الأبضاع المنع ; إلا بأسباب [ ص: 401 ] مشروعة ، والحيوانات الأصل في أكلها المنع حتى تحصل الذكاة المشروعة ، إلى غير ذلك من الأمور المشروعة بعد تحصيل أشياء لا مطلقا ، فإذا ثبت هذا ، وتبين مسبب لا ندري أهو مما قصده الشارع بالتسبب المشروع أم مما لم يقصده ، وجب التوقف حتى يعرف الحكم فيه ، ولهذا قاعدة يتبين بها ما هو مقصود الشارع من مسببات الأسباب ، وما ليس بمشروع ، وهي مذكورة في كتاب " المقاصد " [ والله المستعان ] .
    المسألة الرابعة عشرة

    كما أن الأسباب المشروعة يترتب عليها أحكام ضمنا ، كذلك غير المشروعة يترتب عليها أيضا أحكام ضمنا ، كالقتل يترتب عليه القصاص ، والدية في مال الجاني أو العاقلة ، وغرم القيمة إن كان المقتول عبدا ، والكفارة ، وكذلك التعدي يترتب عليه الضمان والعقوبة ، والسرقة يترتب عليها الضمان ، والقطع ، وما أشبه ذلك من الأسباب الممنوعة في خطاب التكليف المسببة لهذه الأسباب في خطاب الوضع .

    [ ص: 402 ] وقد يكون هذا السبب الممنوع يسبب مصلحة من جهة أخرى ليس ذلك سببا فيها ; كالقتل يترتب عليه ميراث الورثة ، وإنفاذ الوصايا ، وعتق المدبرين ، وحرية أمهات الأولاد ، [ وكذلك ] الأولاد ، وكذلك الإتلاف بالتعدي يترتب عليه ملك المتعدي للمتلف تبعا لتضمينه القيمة ، والغصب يترتب عليه ملك المغصوب إذا تغير في يديه على التفصيل المعلوم بناء على تضمينه ، وما أشبه ذلك .

    فأما الضرب الأول ; فالعاقل لا يقصد التسبب إليه ; لأنه عين مفسدة عليه لا مصلحة فيها ، وإنما الذي من شأنه أن يقصد .

    الضرب الثاني : وهو إذا قصد فالقصد إليه على وجهين :

    أحدهما : أن يقصد به المسبب الذي منع لأجله لا غير ذلك ; كالتشفي [ ص: 403 ] في القتل ، والانتفاع المطلق في المغصوب والمسروق ، فهذا القصد غير قادح في ترتب الأحكام التبعية المصلحية ; لأن أسبابها إذا كانت حاصلة حصلت مسبباتها ; إلا من باب سد الذرائع كما في حرمان القاتل ، وإن كان لم يقصد إلا التشفي أو كان القتل خطأ عند من قال بحرمانه ، ولكن قالوا : إذا تغير المغصوب في يد الغاصب أو أتلفه ; فإن من أحكام [ ذلك ] التغير أنه إن كان كثيرا فصاحبه غير مخير فيه ، ويجوز للغاصب الانتفاع به على ضمان القيمة ، على كراهية عند بعض العلماء ، وعلى غير كراهية عند آخرين .

    وسبب ذلك أن قصد هذا المتسبب لم يناقض قصد الشارع في ترتب هذه الأحكام ; لأنها ترتبت على ضمان القيمة أو التغير أو مجموعهما ، وإنما ناقضة في إيقاع السبب المنهي عنه ، والقصد إلى السبب بعينه ; ليحصل به غرض مطلق غير القصد إلى هذا المسبب بعينه الذي هو ناشئ عن الضمان أو القيمة أو [ ص: 404 ] مجموعهما ، وبينهما فرق ، وذلك أن الغصب يتبعه لزوم الضمان على فرض تغيره ، فتجب القيمة بسبب التغير الناشئ عن الغصب ، وحين وجبت القيمة وتعينت ، صار المغصوب لجهة الغاصب ملكا له ; حفظا لمال الغاصب أن يذهب باطلا بإطلاق ; فصار ملكه تبعا لإيجاب القيمة عليه لا بسبب الغصب ، فانفك القصدان ، فقصد القاتل التشفي غير قصده لحصول الميراث ، وقصد الغاصب الانتفاع غير قصده لضمان القيمة ، وإخراج المغصوب عن ملك المغصوب منه ، وإذا كان كذلك ; جرى الحكم التابع الذي لم يقصده القاتل والغاصب على مجراه ، وترتب نقيض مقصوده فيما قصد مخالفته وذلك عقابه ، وأخذ المغصوب من يده أو قيمته ، وهذا ظاهر إلا ما سدت فيه الذريعة .

    والثاني أن يقصد توابع السبب ، وهي التي تعود عليه بالمصلحة ضمنا ; كالوارث يقتل الموروث ليحصل له الميراث ، والموصى له يقتل الموصي ليحصل له الموصى به ، والغاصب يقصد ملك المغصوب فيغيره ليضمن قيمته [ ص: 405 ] ويتملكه ، وأشباه ذلك ; فهذا التسبب باطل ; لأن الشارع لم يمنع تلك الأشياء في خطاب التكليف ليحصل بها في خطاب الوضع مصلحة ، فليست إذا بمشروعة في ذلك التسبب ، ولكن يبقى النظر هل يعتبر في ذلك التسبب المخصوص كونه مناقضا في القصد لقصد الشارع عينا حتى لا يترتب عليه ما قصده المتسبب ، فتنشأ من هنا قاعدة المعاملة بنقيض المقصود ، ويطلق الحكم باعتبارها إذا تعين ذلك القصد المفروض ، وهو مقتضى الحديث في حرمان القاتل الميراث ، ومقتضى الفقه في حديث المنع من جمع المفترق ، وتفريق المجتمع خشية الصدقة ، وكذلك ميراث المبتوتة في المرض أو تأبيد التحريم على من نكح في العدة ، إلى كثير من هذا أو يعتبر جعل الشارع ذلك سببا للمصلحة المترتبة ، ولا يؤثر في ذلك قصد هذا القاصد ; فيستوي في الحكم مع الأول ، هذا مجال للمجتهدين فيه اتساع نظر ، ولا سبيل إلى القطع بأحد الأمرين ، فلنقبض عنان الكلام فيه .

    الأسباب المشروعة يترتب عليها أحكام ضمنا
    [ ص: 406 ] النوع الثاني في الشروط

    والنظر فيه في مسائل :

    المسألة الأولى

    أن المراد بالشرط في هذا الكتاب ما كان وصفا مكملا لمشروطه فيما اقتضاه ذلك المشروط ; أو فيما اقتضاه الحكم فيه ; كما نقول : إن الحول أو [ ص: 407 ] [ ص: 408 ] [ ص: 409 ] إمكان النماء مكمل لمقتضى الملك أو لحكمة الغنى ، والإحصان مكمل لوصف الزنى في اقتضائه للرجم ، والتساوي في الحرمة مكمل لمقتضى القصاص أو لحكمة الزجر ، والطهارة والاستقبال وستر العورة مكملة لفعل الصلاة أو لحكمة الانتصاب للمناجاة والخضوع ، وما أشبه ذلك ، وسواء علينا أكان وصفا للسبب أو العلة أو المسبب أو المعلول أو لمحالها أو لغير ذلك مما يتعلق به مقتضى الخطاب الشرعي ; فإنما هو وصف من أوصاف ذلك المشروط ، ويلزم من ذلك أن يكون مغايرا له ، بحيث يعقل المشروط مع الغفلة عن الشروط ، وإن لم ينعكس كسائر الأوصاف مع الموصوفات حقيقة أو اعتبارا ، ولا فائدة في التطويل هنا ; فإنه تقرير اصطلاح .
    [ ص: 410 ] وإذ ذكر اصطلاح هذا الكتاب في الشرط فليذكر اصطلاحه في السبب والعلة والمانع .

    فأما السبب فالمراد به : ما وضع شرعا لحكم لحكمة يقتضيها ذلك الحكم ، كما كان حصول النصاب سببا في وجوب الزكاة ، والزوال سببا في وجوب الصلاة ، والسرقة سببا في وجوب القطع ، والعقود أسبابا في إباحة الانتفاع أو انتقال الأملاك ، وما أشبه ذلك .

    وأما العلة فالمراد بها : الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو [ ص: 411 ] الإباحة ، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي ; فالمشقة علة في إباحة القصر والفطر في السفر ، والسفر هو السبب الموضوع سببا للإباحة ، فعلى الجملة العلة هي المصلحة نفسها أو المفسدة لا مظنتها ، كانت ظاهرة أو غير ظاهرة ، منضبطة أو غير منضبطة ، وكذلك نقول في قوله عليه الصلاة والسلام : لا يقضي القاضي وهو غضبان فالغضب سبب ، وتشويش الخاطر عن استيفاء الحجج هو العلة ، على أنه قد يطلق هنا لفظ السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما ، ولا مشاحة في الاصطلاح .

    وأما المانع : فهو السبب المقتضي لعلة تنافي علة ما منع ; لأنه إنما يطلق بالنسبة إلى سبب مقتض لحكم لعلة فيه ، فإذا حضر المانع وهو مقتض علة تنافي تلك العلة ، ارتفع ذلك الحكم ، وبطلت تلك العلة ، لكن من شرط كونه مانعا أن يكون مخلا بعلة السبب الذي نسب له المانع ; فيكون رفعا [ ص: 412 ] لحكمه ، فإنه إن لم يكن كذلك ; كان حضوره مع ما هو مانع له من باب تعارض سببين أو حكمين متقابلين ، وهذا بابه كتاب التعارض والترجيح فإذا قلنا : الدين مانع من الزكاة ، فمعناه أنه سبب يقتضي افتقار المديان إلى ما يؤدي به دينه ، وقد تعين فيما بيده من النصاب ، فحين تعلقت به حقوق الغرماء انتفت حكمة وجود النصاب ، وهي الغنى الذي هي علة وجوب الزكاة فسقطت ، وهكذا نقول في الأبوة المانعة من القصاص ; فإنها تضمنت علة تخل بحكمة القتل العمد العدوان ، وما أشبه ذلك مما هو كثير .






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (30)
    صـ413 إلى صـ 421

    الشروط على ثلاثة أقسام :

    أحدها : العقلية ; كالحياة في العلم ، والفهم في التكليف .

    والثاني : العادية كملاصقة النار الجسم المحرق ـ في الإحراق ، ومقابلة الرائي للمرئي ، وتوسط الجسم الشفاف في الإبصار ـ ، وأشباه ذلك .

    والثالث : الشرعية كالطهارة في الصلاة ، والحول في الزكاة ، والإحصان في الزنى ، وهذا الثالث هو المقصود بالذكر ; فإن حدث التعرض لشرط من شروط القسمين الأولين ، فمن حيث تعلق به حكم شرعي في خطاب الوضع أو خطاب التكليف ، ويصير إذ ذاك شرعيا بهذا الاعتبار ; فيدخل تحت القسم الثالث .
    افتقرنا إلى بيان أن الشرط مع المشروط كالصفة مع الموصوف ، وليس بجزء ، والمستند فيه الاستقراء في الشروط الشرعية ; ألا ترى أن الحول هو المكمل لحكمة حصول النصاب وهي الغنى ; فإنه إذا ملك فقط لم يستقر عليه حكمه إلا بالتمكن من الانتفاع به في وجوه المصالح ; فجعل الشارع الحول مناطا لهذا التمكن الذي ظهر به وجه الغنى ، والحنث في اليمين مكمل [ ص: 414 ] لمقتضاها ; فإنها لم يجعل لها كفارة إلا وفي الإقدام عليها جناية ما على اسم الله ، وإن اختلفوا في تقريرها ، فعلى كل تقدير لا يتحقق مقتضى الجناية إلا عند الحنث ، فعند ذلك كمل مقتضى اليمين ، والزهوق أيضا مكمل لمقتضى إنفاذ المقاتل الموجب للقصاص أو الدية ، ومكمل لتقرر حقوق الورثة في مال المريض مرضا مخوفا ، والإحصان مكمل لمقتضى جناية الزنى الموجبة للرجم ، وهكذا سائر الشروط الشرعية مع مشروطاتها .

    وربما يشكل هذا التقرير بما يذكر من أن العقل شرط التكليف ، والإيمان شرط في صحة العبادات والتقربات ; فإن العقل إن لم يكن فالتكليف محال عقلا أو سمعا كتكليف العجماوات ، والجمادات فكيف يقال : إنه مكمل ، بل هو العمدة في صحة التكليف ، وكذلك لا يصح أن يقال : إن الإيمان مكمل للعبادات ; فإن عبادة الكافر لا حقيقة لها يصح أن يكملها الإيمان ، وكثير من هذا .

    ويرتفع هذا الإشكال بأمرين :

    أحدهما : أن هذا من الشروط العقلية لا الشرعية ، وكلامنا في الشروط الشرعية .

    [ ص: 415 ] والثاني : أن العقل في الحقيقة شرط مكمل لمحل التكليف وهو الإنسان لا في نفس التكليف ، ومعلوم أنه بالنسبة إلى الإنسان مكمل ، وأما الإيمان فلا نسلم أنه شرط لأن العبادات مبنية عليه ; ألا ترى أن معنى العبادات التوجه إلى المعبود بالخضوع والتعظيم بالقلب والجوارح ؟ وهذا فرع الإيمان ; فكيف يكون أصل الشيء ، وقاعدته التي ينبني عليها شرطا فيه ؟ هذا غير معقول ، ومن أطلق هنا لفظ الشرط ; فعلى التوسع في العبارة .

    وأيضا ; فإن سلم في الإيمان أنه شرط ; ففي المكلف لا في التكليف ، ويكون شرط صحة عند بعض ، وشرط وجوب عند بعض ، فيما عدا التكليف بالإيمان حسبما ذكره الأصوليون في مسألة خطاب الكفار بالفروع .
    الأصل المعلوم في الأصول أن السبب إذا كان متوقف التأثير على شرط فلا يصح أن يقع المسبب دونه ، ويستوي في ذلك شرط الكمال ، وشرط الإجزاء ، فلا يمكن الحكم بالكمال مع فرض توقفه على شرط ، [ كما لا يصح الحكم بالإجزاء مع فرض توقفه على شرط ] ، وهذا من كلامهم ظاهر ; فإنه لو صح وقوع المشروط بدون شرطه لم يكن شرطا فيه ، وقد فرض كذلك ، هذا خلف .

    وأيضا ; لو صح ذلك ، لكان متوقف الوقوع على شرطه غير متوقف الوقوع عليه معا ، وذلك محال .

    وأيضا ; فإن الشرط من حيث هو [ شرط ] يقتضي أنه لا يقع المشروط [ ص: 416 ] إلا عند حضوره فلو جاز وقوعه دونه ، لكان المشروط واقعا وغير واقع معا ، وذلك محال ، والأمر أوضح من الإطناب فيه .

    ولكنه ثبت في كلام طائفة من الأصوليين أصل آخر ، وعزي إلى مذهب مالك أن الحكم إذا حضر سببه وتوقف حصول مسببه على شرط فهل يصح وقوعه بدون شرطه أم لا ؟ قولان ; اعتبارا باقتضاء السبب أو بتخلف الشرط ، فمن راعى السبب وهو مقتض لمسببه ، غلب اقتضاءه ولم يراع توقفه على الشرط ، ومن راعى الشرط وأن توقف السبب عليه مانع من وقوع مسببه ; لم يراع حضور السبب بمجرده إلا أن يحضر الشرط فينتهض السبب عند ذلك في اقتضائه .

    وربما أطلق بعضهم جريان الخلاف في هذا الأصل مطلقا ، ويمثلون ذلك بأمثلة منها : إن حصول النصاب سبب في وجوب الزكاة ، ودوران الحول شرطه ، ويجوز تقديمها قبل الحول على الخلاف .

    واليمين سبب في الكفارة ، والحنث شرطها ، ويجوز تقديمها قبل الحنث على أحد القولين .

    وإنفاذ المقاتل سبب في القصاص أو الدية ، والزهوق شرط ، ويجوز العفو قبل الزهوق وبعد السبب ، ولم يحكوا في هذه الصورة خلافا .

    وفي المذهب : إذا جعل الرجل أمر امرأة يتزوجها بيد زوجة هي في ملكه ، [ ص: 417 ] إن شاءت طلقت أو أبقت ، فاستأذنها في التزويج فأذنت له ، فلما تزوجها أرادت هذه أن تطلق عليه ، وقال مالك : ليس لها ذلك ; بناء على أنها قد أسقطت بعد جريان السبب وهو التمليك ، وإن كان قبل حصول الشرط وهو التزوج .

    وإذا أذن الورثة عند المرض المخوف في التصرف في أكثر من الثلث جاز ، مع أنهم لا يتقرر ملكهم إلا بعد الموت ، فالمرض هو السبب لتملكهم ، والموت شرط فينفذ إذنهم عند مالك ـ خلافا لأبي حنيفة والشافعي ـ ، وإن لم يقع الشرط ، ومن الناس من قال بإنفاذ ; إذنهم في الصحة والمرض ; فالسبب على رأي هؤلاء هو القرابة ، ولا بد لهم من القول بأن الموت شرط .

    وفي المذهب : من جامع فالتذ ولم ينزل فاغتسل ثم أنزل ، ففي وجوب الغسل عليه ثانية قولان ، ونفي الوجوب بناء على أن سبب الغسل انفصال الماء عن مقره ، وقد اغتسل فلا يغتسل له مرة أخرى ، هذه حجة سحنون وابن المواز ، فالسبب هو الانفصال ، والخروج شرط ولم يعتبر ، إلى كثير من المسائل تدار على هذا الأصل .

    وهو ظاهر المعارضة للأصل الأول ; فإن الأول يقضي بأنه لا يصح وقوع المشروط بدون شرطه بإطلاق ، والثاني يقضي بأنه صحيح عند بعض العلماء ، وربما صح باتفاق كما في مسألة العفو قبل الزهوق ، ولا يمكن أن يصح الأصلان معا بإطلاق ، والمعلوم صحة الأصل الأول ; فلا بد من النظر [ ص: 418 ] في كلامهم في الأصل الثاني .

    أما أولا : فنفس التناقض بين الأصلين كاف في عدم صحته عند العلم بصحة الأصل الأول .

    وأما ثانيا : فلا نسلم أن تلك المسائل جارية على عدم اعتبار الشرط ; فإنا نقول :

    من أجاز تقديم الزكاة قبل [ حلول ] الحول مطلقا من غير أهل مذهبنا فبناء على أنه ليس بشرط في الوجوب ، وإنما هو شرط في الانحتام ، فالحول كله كأنه وقت ـ عند هذا القائل ـ لوجوب الزكاة موسع ، ويتحتم في آخر الوقت كسائر أوقات التوسعة ، وأما الإخراج قبل الحول بيسير ـ على مذهبنا ـ فبناء على أن ما قرب من الشيء فحكمه حكمه ، فشرط الوجوب حاصل .

    وكذلك القول في شرط الحنث : من أجاز تقديم الكفارة عليه فهو عنده شرط في الانحتام من غير تخيير لا شرط في وجوبها .

    وأما مسألة الزهوق فهو شرط في وجوب القصاص أو الدية ، لا أنه شرط في صحة العفو ، وهذا متفق عليه ; إذ العفو بعده لا يمكن فلا بد من وقوعه قبله إن وقع ، ولا يصح أن يكون شرطا ; إذ ذاك في صحته ، ووجه صحته [ ص: 419 ] أنه حق من حقوق المجروح التي لا تتعلق بالمال ; فجاز عفوه عنه مطلقا كما يجوز عفوه عن سائر الجراح ، وعن عرضه إذا قذف ، وما أشبه ذلك ، والدليل على أن مدرك حكم العفو ليس ما قالوه ، أنه لا يصح للمجروح ولا لأوليائه استيفاء القصاص أو أخذ دية النفس كاملة قبل الزهوق باتفاق ، ولو كان كما قالوه لكان في هذه المسألة قولان .

    وأما مسألة تمليك المرأة ; فإنها لما أسقطت حق نفسها فيما شرطت على الزوج قبل تزوجه ، لم يبق لها ما تتعلق به بعده ; لأن ما كانت تملكه بالتمليك قد أسقطت حقها فيه بعد ما جرى سببه ، فلم يكن لتزوجه تأثير فيما تقدم من الإسقاط ، وهو فقه ظاهر .

    ومسألة إذن الورثة بينة المعنى ; فإن الموت سبب في صحة الملك لا في تعلقه ، والمرض سبب في تعلق حق الورثة بمال الموروث لا في تملكهم له ، فهما سببان ، كل واحد منها يقتضي حكما لا يقتضيه الآخر ، فمن حيث [ ص: 420 ] كان المرض سببا لتعلق الحق ، وإن لم يكن ملكا ، كان إذنهم واقعا في محله ; لأنهم لما تعلق حقهم بمال الموروث ، صارت لهم فيه شبهة ملك ، فإذا أسقطوا حقهم فيه لم يكن لهم بعد ذلك مطالبة ; لأنهم صاروا ـ في الحال الذي أنفذوا تصرف المريض فيه حالة المرض ـ كالأجانب فإذا حصل الموت لم يكن لهم فيه حق ; كالثلث . و [ قول ] القائل بمنع الإنفاذ يصح مع القول بأن الموت شرط ; لأنهم أذنوا قبل التمليك ، وقبل حصول الشرط ، فلا ينفذ كسائر الشروط مع مشروطاتها .

    وأما مسألة الإنزال ; فيصح بناؤها على أنه ليس بشرط في هذا الغسل ، [ ص: 421 ] أو لأنه لا حكم له ; لأنه إنزال من غير اقتران لذة .

    فعلى الجملة هذه الأشياء لم يتعين فيها التخريج على عدم اعتبار الشرط .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (31)
    صـ422 إلى صـ 435

    الشروط المعتبرة في المشروطات شرعا على ضربين :

    أحدهما : ما كان راجعا إلى خطاب التكليف ; إما مأمورا بتحصيلها كالطهارة للصلاة ، وأخذ الزينة لها ، وطهارة الثوب ، ـ وما أشبه ذلك ـ ، وإما منهيا عن تحصيلها كنكاح المحلل الذي هو شرط لمراجعة الزوج الأول ، والجمع بين المفترق ، والفرق بين المجتمع خشية الصدقة ، الذي هو شرط لنقصان الصدقة ، وما أشبه ذلك فهذا الضرب واضح قصد الشارع فيه ، فالأول مقصود الفعل ، والثاني مقصود الترك ، وكذلك الشرط المخير فيه ـ إن اتفق ـ فقصد الشارع فيه جعله لخيرة المكلف : إن شاء فعله فيحصل المشروط ، وإن شاء تركه فلا يحصل .
    والضرب الثاني : ما يرجع إلى خطاب الوضع ; كالحول في الزكاة ، والإحصان في الزنى ، والحرز في القطع ، وما أشبه ذلك ; فهذا الضرب ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو شرط ، ولا في عدم تحصيله ، فإبقاء النصاب حولا حتى تجب الزكاة فيه ليس بمطلوب الفعل أن يقال : يجب على [ صاحبه ] إمساكه حتى تجب عليه الزكاة فيه ، ولا مطلوب الترك أن يقال : [ ص: 422 ] يجب عليه إنفاقه خوفا أن تجب فيه الزكاة ، وكذلك الإحصان لا يقال : إنه مطلوب الفعل ليجب عليه الرجم إذا زنى ، ولا مطلوب الترك لئلا يجب عليه الرجم إذا زنى .

    وأيضا ; فلو كان مطلوبا لم يكن من باب خطاب الوضع ، وقد فرضناه كذلك ; هذا خلف ، والحكم فيه ظاهر .

    فإذا توجه قصد المكلف إلى فعل الشرط أو إلى تركه ، من حيث هو فعل داخل تحت قدرته ، فلا بد من النظر في ذلك ، وهي :
    المسألة السابعة

    فلا يخلو أن يفعله أو يتركه من حيث هو داخل تحت خطاب التكليف مأمورا به أو منهيا عنه أو مخيرا فيه أو لا ، فإن كان ذلك فلا إشكال فيه ، وتنبني [ ص: 423 ] الأحكام التي تقتضيها الأسباب على حضوره ، وترتفع عند فقده ، كالنصاب إذا أنفق قبل الحول للحاجة إلى إنفاقه أو أبقاه للحاجة إلى إبقائه أو يخلط ماشيته بماشية غيره لحاجته إلى الخلطة أو يزيلها لضرر الشركة أو لحاجة أخرى أو يطلب التحصن بالتزويج لمقاصده أو يتركه لمعنى من المعاني الجارية على الإنسان ، إلى ما أشبه ذلك .

    وإن كان فعله أو تركه من جهة كونه شرطا قصدا لإسقاط حكم الاقتضاء في السبب أن لا يترتب عليه أثره ; فهذا عمل غير صحيح وسعي باطل ، دلت على ذلك دلائل العقل والشرع معا .

    فمن الأحاديث في هذا الباب قوله : لا يجمع بين متفرق ، ولا يفرق [ ص: 424 ] بين مجتمع خشية الصدقة .

    [ ص: 425 ] وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ البيع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار ، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله .

    وقال : من أدخل فرسا بين فرسين ، وهو لا يأمن أن تسبق ، فليس بقمار ، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن تسبق ; فهو قمار .

    [ ص: 426 ] [ ص: 427 ] وقال في حديث بريرة حين اشترط أهلها أن يكون الولاء لهم : من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط الحديث .

    ونهى [ عليه الصلاة والسلام ] عن بيع وشرط ، وعن بيع وسلف ، وعن شرطين في بيع ، وسائر أحاديث الشروط المنهي عنها .

    [ ص: 428 ] ومنه حديث : من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه .

    وحديث : إن اليمين على نية المستحلف .

    وعليه جاءت الآية إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا الآية [ آل عمران : 77 ] .

    وفي القرآن أيضا : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله الآية [ البقرة : 229 ] .

    وآية شهادة الزور والأحاديث فيها من هذا أيضا .

    وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ النساء : 29 ] .

    وما جاء من الأحاديث .

    وقال : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [ البقرة : 230 ] .

    [ ص: 429 ] وما جاء من أحاديث لعن المحلل والمحلل له والتيس المستعار .

    وحديث التصرية في شراء الشاة على أنها غزيرة الدر .

    وسائر أحاديث النهي عن الغش .

    [ ص: 430 ] والخديعة .

    والخلابة .

    والنجش .

    وحديث امرأة رفاعة القرظي حين طلقها ، وتزوجها عبد الرحمن بن [ ص: 431 ] الزبير .

    والأدلة أكثر من أن يؤتى عليها هنا .

    [ ص: 432 ] وأيضا ; فإن هذا العمل يصير ما انعقد سببا لحكم شرعي جلبا لمصلحة أو دفعا لمفسدة ، عبثا لا حكمة له ، ولا منفعة به ، وهذا مناقض لما ثبت في قاعدة المصالح وأنها معتبرة في الأحكام .

    وأيضا ; فإنه مضاد لقصد الشارع من جهة أن السبب لما انعقد ، وحصل في الوجود ، صار مقتضيا شرعا لمسببه ، لكنه توقف على حصول شرط هو تكميل للسبب ، فصار هذا الفاعل أو التارك بقصد رفع حكم السبب قاصدا لمضادة الشارع في وضعه سببا ، وقد تبين [ أن ] مضادة قصد الشارع باطلة فهذا العمل باطل .

    فإن قيل : المسألة مفروضة في سبب توقف اقتضاؤه للحكم على شرط ، فإذا فقد الشرط بحكم القصد إلى فقده ; كان كما لو لم يقصد ذلك ، ولا تأثير للقصد ، وقد تبين أن الشرط إذا لم يوجد لم ينهض السبب أن يكون مقتضيا ; كالحول في الزكاة ; فإنه شرط لا تجب الزكاة بدونه بالفرض ، والمعلوم من قصد الشارع أن السبب إنما يكون سببا مقتضيا عند وجود الشروط لا عند فقدها ، فإذا لم ينتهض سببا ، كانت المسألة كمن أنفق النصاب قبل حلول الحول لمعنى [ ص: 433 ] من معاني الانتفاع فلا تجب عليه الزكاة ; لأن السبب لم يقتض إيجابها لتوقفه على ذلك الشرط الذي ثبت اعتباره شرعا ، فمن حيث قيل فيه : إنه مخالف لقصد الشارع يقال : إنه موافق ، وهكذا سائر المسائل .

    فالجواب : إن هذا المعنى إنما يجري فيما إذا لم يقصد رفع حكم السبب ، وأما مع القصد إلى ذلك فهو معنى غير معتبر لأن الشرع شهد له بالإلغاء على القطع ، ويتبين ذلك بالأدلة المذكورة إذا عرضت المسألة عليها ; فإن الجمع بين المتفرق أو التفرقة بين المجتمع قد نهي عنها إذا قصد بها إبطال حكم السبب ، بالإتيان بشرط ينقصها حتى تبخس المساكين ; فالأربعون شاة فيها شاة بشرط الافتراق ، ونصفها بشرط اختلاطها بأربعين أخرى مثلا ، فإذا جمعها بقصد إخراج النصف فذلك هو المنهي عنه ; كما أنه إذا كانت مائة مختلطة بمائة وواحدة ففرقها قصدا أن يخرج واحدة فكذلك ، وما ذاك إلا أنه أتى بشرط أو رفع شرطا يرفع عنه ما اقتضاه السبب الأول ، فكذلك المنفق نصابه بقصد رفع ما اقتضاه من وجوب الإخراج ، وكذلك قوله : ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله فنهى عن القصد إلى رفع شرط الخيار الثابت [ ص: 434 ] له بسبب العقد ، وعن الإتيان بشرط الفرس المحللة [ للجعل ] بقصد أخذه ، لا بقصد المسابقة معه ، ومثله مسائل الشروط ; فإنها شروط يقصد بها رفع أحكام الأسباب الواقعة ; فإن العقد على الكتابة اقتضى أنه عقد على جميع ما ينشأ عنه ، ومن ذلك الولاء ، فمن شرط أن الولاء له من البائعين ; فقد قصد بالشرط رفع حكم السبب فيه ، واعتبر هكذا سائر ما تقدم تجده كذلك ; فعلى هذا الإتيان بالشروط أو رفعها بذلك القصد هو المنهي عنه ، وإذا كان منهيا عنه [ ص: 435 ] كان مضادا لقصد الشارع فيكون باطلا .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (32)
    صـ436 إلى صـ 444

    فصل

    هذا العمل هل يقتضي البطلان بإطلاق أم لا ؟

    الجواب : إن في ذلك تفصيلا ، وهو أن نقول : لا يخلو أن يكون الشرط الحاصل في معنى المرتفع أو المرفوع في حكم الحاصل معنى أو لا .

    فإن كان كذلك ; فالحكم الذي اقتضاه السبب على حاله قبل هذا العمل ، والعمل باطل ضائع لا فائدة فيه ولا حكم له ، مثل أن يكون وهب المال قبل الحول لمن راوضه على أن يرده عليه بعد الحول بهبة أو غيرها ، وكالجامع بين المفترق ريثما يأتي الساعي ، ثم ترد إلى التفرقة أو المفرق بين المجتمع كذلك ; ، ثم يردها إلى ما كانت عليه ، وكالناكح لتظهر صورة الشرط ، ثم تعود إلى مطلقها ثلاثا ، وأشباه ذلك ; لأن هذا الشرط المعمول فيه لا معنى له ، ولا فائدة فيه تقصد شرعا .

    وإن لم يكن كذلك ; فالمسألة محتملة ، والنظر فيها متجاذب ثلاثة أوجه : أحدها أن يقال : إن مجرد انعقاد السبب كاف ; فإنه هو الباعث على [ ص: 436 ] الحكم ، وإنما الشرط أمر خارجي مكمل ، وإلا لزم أن يكون الشرط جزء العلة والفرض بخلافه ، وأيضا فإن القصد فيه قد صار غير شرعي ، فصار العمل فيه مخالفا لقصد الشارع ، فهو في حكم ما لم يعمل فيه ، واتحد مع القسم الأول في الحكم ، فلا يترتب على هذا العمل حكم ، ومثال ذلك : إن أنفق النصاب قبل الحول في منافعه أو وهبه هبة بتلة لم يرجع فيها أو جمع بين المفترق أو فرق بين المجتمع ، ـ وكل ذلك بقصد الفرار من الزكاة ـ ، لكنه لم يعد إلى ما كان عليه قبل الحول ، وما أشبه ذلك ; فقد علمنا ـ حين نصب الشارع ذلك السبب للحكم ـ ; أنه قاصد لثبوت الحكم به ، فإذا أخذ هذا برفع حكم السبب مع انتهاضه سببا ; كان مناقضا لقصد الشارع ، وهذا باطل ، وكون الشرط ـ حين رفع أو وضع ـ على وجه يعتبره الشارع على الجملة قد أثر فيه القصد الفاسد ; فلا يصح أن ينتهض شرطا شرعيا ، فكان كالمعدوم بإطلاق ، والتحق بالقسم الأول .

    والثاني أن يقال : إن مجرد انعقاد السبب غير كاف ; فإنه وإن كان باعثا ; قد جعل في الشرع مقيدا بوجود الشرط ، فإذا ليس كون السبب باعثا بقاطع في أن الشارع قصد إيقاع المسبب بمجرده ، وإنما فيه أنه قصده إذا وقع شرطه فإذا كان كذلك ; فالقاصد لرفع حكم السبب مثلا بالعمل في رفع الشرط لم يناقض قصده قصد الشارع من كل وجه ، وإنما قصد لما لم يظهر فيه قصد الشارع للإيقاع أو عدمه ، وهو الشرط أو عدمه ، لكن لما كان ذلك القصد آيلا لمناقضة [ ص: 437 ] قصد الشارع على الجملة ، لا عينا ; لم يكن مانعا من ترتب أحكام الشروط عليها .

    وأيضا ; فإن هذا العمل لما كان مؤثرا وحاصلا وواقعا ، لم يكن القصد الممنوع فيه مؤثرا في وضعه شرطا شرعيا أو سببا شرعيا ، كما كان تغير المغصوب سببا أو شرطا في منع صاحبه منه ، وفي تملك الغاصب له ، ولم يكن فعله بقصد العصيان سببا في ارتفاع ذلك الحكم .

    وعلى هذا الأصل ينبني صحة ما يقول اللخمي فيمن تصدق بجزء من ماله لتسقط عنه الزكاة أو سافر في رمضان قصدا للإفطار أو أخر صلاة حضر عن وقتها الاختياري ليصليها في السفر ركعتين أو أخرت امرأة صلاة بعد دخول وقتها رجاء أن تحيض فتسقط عنها ، قال : فجميع ذلك مكروه ، ولا يجب على هذا في السفر صيام ، ولا أن يصلي أربعا ، ولا على الحائض قضاؤها ، وعليه أيضا يجري الحكم في الحالف ليقضين فلانا حقه إلى شهر ، وحلف بالطلاق الثلاث ، فخاف الحنث فخالع زوجته لئلا يحنث ، فلما انقضى الأجل راجعها فهذا الوجه يقتضي أنه لا يحنث لوقوع الحنث ، وليست بزوجة لأن الخلع ماض شرعا ، وإن قصد به قصد الممنوع .

    والثالث : أن يفرق بين حقوق الله تعالى ، وحقوق الآدميين ، فيبطل العمل في الشرط في حقوق الله ، وإن ثبت له في نفسه حكم شرعي ; كمسألة الجمع بين المفترق ، والفرق بين المجتمع ، ومسألة نكاح المحلل على القول بأنه نافذ ماض ولا يحلها ذلك للأول ; لأن الزكاة من حقوق الله ، وكذلك المنع من نكاح المحلل حق الله ، لغلبة حقوق الله في النكاح على حقوق الآدميين ، وينفذ مقتضى الشرط في حقوق الآدميين ; كالسفر ليقصر أو ليفطر أو نحو ذلك .

    [ ص: 438 ] هذا كله ما لم يدل دليل خاص على خلاف ذلك ; فإنه إن دل دليل خاص على خلافه صير إليه ، ولا يكون نقضا على الأصل المذكور ; لأنه إذ ذاك دال على إضافة هذا الأمر الخاص إلى حق الله أو إلى حق الآدميين ، ويبقى بعد ما إذ اجتمع الحقان محل نظر واجتهاد ; فيغلب أحد الطرفين بحسب ما يظهر للمجتهد ، والله أعلم .
    الشروط مع مشروطاتها على ثلاثة أقسام :

    أحدها : أن يكون مكملا لحكمة المشروط ، وعاضدا لها بحيث لا يكون فيه منافاة لها على حال ; كاشتراط الصيام في الاعتكاف عند من يشترطه ، واشتراط الكفء ، والإمساك بالمعروف ، والتسريح بإحسان في النكاح ، واشتراط الرهن والحميل والنقد أو النسيئة في الثمن في البيع ، واشتراط العهدة في الرقيق ، واشتراط مال العبد ، وثمرة الشجر ، وما أشبه ذلك ، وكذا اشتراط الحول في الزكاة ، والإحصان في الزنى ، وعدم الطول في نكاح الإماء ، والحرز في القطع ; فهذا القسم لا إشكال في صحته شرعا ; لأنه مكمل لحكمة كل سبب يقتضي حكما ; فإن الاعتكاف لما كان انقطاعا إلى العبادة على [ ص: 439 ] وجه لائق بلزوم المسجد ، كان للصيام فيه أثر ظاهر ، ولما كان غير الكفء مظنة للنزاع وأنفة أحد الزوجين أو عصبتهما ، وكانت الكفاءة أقرب إلى التحام الزوجين والعصبة ، وأولى بمحاسن العادات ; كان اشتراطها ملائما لمقصود النكاح ، وهكذا الإمساك بمعروف ، وسائر تلك الشروط المذكورة تجري على هذا الوجه ; فثبوتها شرعا واضح .

    والثاني : أن يكون غير ملائم لمقصود المشروط ولا مكمل لحكمته ، بل هو على الضد من الأول ; كما إذا اشترط في الصلاة أن يتكلم فيها إذا أحب أو اشترط في الاعتكاف أن يخرج عن المسجد إذا أراد بناء على رأي مالك أو اشترط في النكاح أن لا ينفق عليها أو أن لا يطأها وليس بمجبوب ولا عنين أو شرط في البيع أن لا ينتفع بالمبيع أو إن انتفع فعلى بعض الوجوه دون بعض أو شرط الصانع على المستصنع أن لا يضمن المستأجر عليه إن تلف ، وأن يصدقه في دعوى التلف ، وما أشبه ذلك ; فهذا القسم أيضا لا إشكال في إبطاله ; لأنه مناف لحكمة السبب ، فلا يصح أن يجتمع معه ; فإن الكلام في الصلاة مناف لما شرعت له من الإقبال على الله تعالى والتوجه إليه والمناجاة له ، وكذلك المشترط في الاعتكاف الخروج مشترط ما ينافي حقيقة الاعتكاف من لزوم المسجد ، واشتراط الناكح أن لا ينفق ينافي استجلاب المودة المطلوبة فيه ، وإذا اشترط أن لا يطأ أبطل حكمة النكاح الأولى وهي التناسل ، وأضر بالزوجة فليس من الإمساك بالمعروف الذي هو مظنة الدوام والمؤالفة ، وهكذا سائر الشروط المذكورة ; إلا أنها إذا كانت باطلة فهل تؤثر في المشروطات أم لا ؟ هذا محل نظر يستمد من المسألة التي قبل هذه .

    [ ص: 440 ] والثالث : أن لا يظهر في الشرط منافاة لمشروطه ولا ملاءمة ، وهو محل نظر ، هل يلحق بالأول من جهة عدم المنافاة أو بالثاني من جهة عدم الملاءمة ظاهرا ؟ ، والقاعدة المستمرة في أمثال هذا التفرقة بين العبادات والمعاملات ، فما كان من العبادات لا يكتفى فيه بعدم المنافاة دون أن تظهر الملاءمة ; لأن الأصل فيها التعبد دون الالتفات إلى المعاني ، والأصل فيها أن لا يقدم عليها إلا بإذن ; إذ لا مجال للعقول في اختراع التعبدات ، فكذلك ما يتعلق بها من الشروط ، وما كان من العاديات يكتفى فيه بعدم المنافاة ; لأن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني دون التعبد ، والأصل فيها الإذن حتى يدل الدليل على خلافه ، والله أعلم .
    النوع الثالث في الموانع

    وفيه مسائل

    المسألة الأولى

    الموانع ضربان :

    أحدهما : ما لا يتأتى فيه اجتماعه مع الطلب .

    والثاني : ما يمكن فيه ذلك ، وهو نوعان : أحدهما : يرفع أصل الطلب .

    والثاني : لا يرفعه ، ولكن يرفع انحتامه .

    وهذا قسمان : أحدهما : أن يكون رفعه بمعنى أنه يصير مخيرا فيه لمن قدر عليه .

    والآخر : أن يكون رفعه بمعنى أنه لا إثم على مخالف الطلب .

    [ ص: 442 ] فهذه أربعة أقسام .

    فأما الأول ; فنحو زوال العقل بنوم أو جنون أو غيرهما ، وهو مانع من أصل الطلب جملة ; لأن من شرط تعلق الخطاب إمكان فهمه ; لأنه إلزام يقتضي التزاما ، وفاقد العقل لا يمكن إلزامه ، كما لا يمكن ذلك في البهائم والجمادات ; فإن تعلق طلب يقتضي استجلاب مصلحة أو درء مفسدة ، فذلك راجع إلى الغير كرياضة البهائم وتأديبها ، والكلام في هذا مبين في الأصول .

    وأما الثاني ; فكالحيض والنفاس ، وهو رافع لأصل الطلب ، وإن أمكن حصوله معه ، لكن إنما يرفع مثل هذا الطلب بالنسبة إلى ما لا يطلب به ألبتة ; كالصلاة ودخول المسجد ومس المصحف وما أشبه ذلك ، وأما ما يطلب به بعد رفع المانع ، فالخلاف بين أهل الأصول فيه مشهور لا حاجة لنا إلى ذكره هنا ، والدليل على أنه غير مطلوب حالة وجود المانع أنه لو كان كذلك ; [ ص: 443 ] لاجتمع الضدان ; لأن الحائض ممنوعة من الصلاة ، والنفساء كذلك ; فلو كانت مأمورة بها أيضا لكانت مأمورة حالة كونها منهية بالنسبة إلى شيء واحد ، وهو محال ، وأيضا ;إذا كانت مأمورة أن تفعل ، وقد نهيت أن تفعل ، لزمها شرعا أن تفعل وأن لا تفعل معا ، وهو محال ، وأيضا فلا فائدة في الأمر بشيء لا يصح لها فعله حالة وجود المانع ، ولا بعد ارتفاعه لأنها غير مأمورة بالقضاء باتفاق .

    وأما الثالث : فكالرق والأنوثة بالنسبة إلى الجمعة والعيدين والجهاد ; فإن هؤلاء قد لصق بهم مانع من انحتام هذه العبادات الجارية في الدين مجرى التحسين والتزيين ; لأنهم من هذه الجهة غير مقصودين بالخطاب فيها إلا [ ص: 444 ] بحكم التبع ، فإن تمكنوا منها جرت بالنسبة إليهم مجراها مع المقصودين بها ، وهم الأحرار الذكور ، وهذا معنى التخيير بالنسبة إليهم مع القدرة عليها ، وأما مع عدم القدرة عليها فالحكم مثل الذي قبل هذا .

    وأما الرابع ; فكأسباب الرخص ، هي موانع من الانحتام ، بمعنى أنه لا حرج على من ترك العزيمة ميلا إلى جهة الرخصة ، كقصر المسافر ، وفطره ، وتركه للجمعة ، وما أشبه ذلك .






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (33)
    صـ445 إلى صـ 458

    الموانع ليست بمقصودة للشارع ، بمعنى أنه لا يقصد تحصيل المكلف لها ولا رفعها ، وذلك أنها على ضربين :

    ضرب منها داخل تحت خطاب التكليف ـ مأمورا به أو منهيا عنه أو مأذونا فيه ـ ، وهذا لا إشكال فيه من هذه الجهة ; كالاستدانة المانعة من انتهاض سبب الوجوب بالتأثير لوجوب إخراج الزكاة ، وإن وجد النصاب فهو متوقف على فقد المانع ، وكذلك الكفر المانع من صحة أداء الصلاة والزكاة أو من وجوبهما ، ومن الاعتداد بما طلق في حال كفره ، إلى غير ذلك من الأمور الشرعية التي منع منها الكفر ، وكذلك الإسلام مانع من انتهاك حرمة الدم والمال والعرض إلا [ ص: 445 ] بحقها ; فالنظر في هذه الأشياء وأشباهها من جهة خطاب التكليف خارج عن مقصود المسألة .

    والضرب الثاني : هو المقصود ، وهو الداخل تحت خطاب الوضع من حيث هو كذلك ; فليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو مانع ، ولا في عدم تحصيله ; فإن المديان ليس بمخاطب برفع الدين إذا كان عنده نصاب لتجب عليه الزكاة ، كما أن مالك النصاب غير مخاطب بتحصيل الاستدانة لتسقط عنه ، لأنه من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف ، وإنما مقصود الشارع فيه أنه إذا حصل ارتفع مقتضى السبب .

    والدليل على ذلك : أن وضع السبب مكمل الشروط ، يقتضي قصد الواضع إلى ترتب المسبب عليه ، وإلا فلو لم يكن كذلك ; لم يكن موضوعا على أنه سبب ، وقد فرض كذلك ، هذا خلف ، وإذا ثبت قصد الواضع إلى حصول المسبب ; ففرض المانع مقصودا له أيضا إيقاعه قصد إلى رفع ترتب المسبب على السبب ، وقد ثبت أنه قاصد إلى نفس الترتب ، هذا خلف ; فإن القصدين متضادان ، ولا هو أيضا قاصد إلى رفعه ; لأنه لو كان قاصدا إلى ذلك لم يثبت في الشرع مانعا .

    وبيان ذلك أنه لو كان قاصدا إلى رفعه من حيث هو مانع ; لم يثبت حصوله معتبرا شرعا ، وإذا لم يعتبر ; لم يكن مانعا من جريان حكم السبب ، وقد فرض كذلك ، وهو عين التناقض .

    فإذا توجه قصد المكلف إلى إيقاع المانع أو إلى رفعه ففي ذلك تفصيل ، وهي :
    [ ص: 446 ] فلا يخلو أن يفعله أو يتركه من حيث هو داخل تحت خطاب التكليف ; مأمورا به أو منهيا عنه أو مخيرا فيه ، أو لا .

    فإن كان الأول فظاهر ; كالرجل يكون بيده له نصاب ، لكنه يستدين لحاجته إلى ذلك ، وتنبني الأحكام على مقتضى حصول المانع .

    وإن كان الثاني ، وهو أن يفعله مثلا من جهة كونه مانعا ، قصدا لإسقاط حكم السبب المقتضي أن لا يترتب عليه ما اقتضاه ، فهو عمل غير صحيح .

    والدليل على ذلك من النقل أمور ، من ذلك قوله جل وعلا : إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا الآية [ القلم : 17 ] ; فإنها تضمنت الإخبار بعقابهم على قصد التحيل لإسقاط حق المساكين ، بتحريهم المانع من إتيانهم ، وهو وقت الصبح الذي لا يبكر في مثله المساكين عادة ، والعقاب إنما يكون لفعل محرم .

    وقوله تعالى : ولا تتخذوا آيات الله هزوا [ البقرة : 231 ] ، نزلت بسبب مضارة الزوجات بالارتجاع أن لا ترى بعده زوجا آخر مطلقا ، [ ص: 447 ] وأن لا تنقضي عدتها إلا بعد طول ; فكان الارتجاع بذلك القصد ; إذ هو مانع من حلها للأزواج .

    وفي الحديث : قاتل الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ، وفي بعض الروايات وأكلوا أثمانها .

    وقال عليه الصلاة والسلام : ليشربن ناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها .

    [ ص: 448 ] وفي رواية : ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير ، والخمر والمعازف الحديث .

    وفي بعض الحديث : يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء : يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها ، والسحت بالهدية ، والقتل بالرهبة ، والزنى بالنكاح ، والربا بالبيع . فكأن المستحل هنا رأى أن المانع [ ص: 449 ] هو الاسم ; فنقل المحرم إلى اسم آخر ، حتى يرتفع ذلك المانع فيحل له .

    وقال تعالى : من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار [ النساء : 12 ] ; فاستثنى الإضرار ، فإذا أقر في مرضه بدين لوارث أو أوصى بأكثر من الثلث قاصدا حرمان الوارث أو نقصه بعض حقه بإبداء هذا المانع من تمام حقه ; كان مضارا ، والإضرار ممنوع باتفاق .

    وقال تعالى : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها الآية [ النحل : 91 ] .

    قال أحمد بن حنبل : عجبت مما يقولون في الحيل والأيمان ، يبطلون الأيمان بالحيل ، [ وقال تعالى : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [ النحل : 91 ] .

    وفي الحديث : لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ .

    وفيه : إذا سمعتم به ـ يعني الوباء ـ بأرض ; فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها ; فلا تخرجوا فرارا منه .

    [ ص: 450 ] والأدلة هنا في الشرع كثيرة من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح ـ رضى الله تعالى عنهم ـ .

    وما تقدم من الأدلة والسؤال والجواب في الشروط جار معناه في الموانع ، ومن هنالك يفهم حكمها ، وهل يكون العمل باطلا أم لا ; فينقسم إلى الضربين ; فلا يخلو أن يكون المانع المستجلب مثلا في حكم المرتفع أو لا ; فإن كان كذلك ; فالحكم متوجه كصاحب النصاب استدان لتسقط عنه الزكاة ، بحيث قصد أنه إذا جاز الحول رد الدين من غير أن ينتفع به ، وإن لم يكن كذلك ; ، بل كان المانع واقعا شرعا ; كالمطلق خوفا من انحتام الحنث عليه ; فهو محل نظر ـ على وزان ما تقدم في الشروط ـ ، ولا فائدة في التكرار .
    [ ص: 451 ] النوع الرابع في الصحة والبطلان

    وفيه مسائل :

    المسألة الأولى

    في معنى الصحة ، ولفظ الصحة يطلق باعتبارين : أحدهما : أن يراد بذلك ترتب آثار العمل عليه في الدنيا ; كما نقول في العبادات : إنها صحيحة بمعنى أنها مجزئة ومبرئة للذمة ومسقطة للقضاء فيما فيه قضاء ، وما أشبه ذلك من العبادات المنبئة عن هذه المعاني ، وكما نقول في العادات إنها صحيحة بمعنى أنها محصلة شرعا للأملاك ، واستباحة الأبضاع ، وجواز الانتفاع ، وما يرجع إلى ذلك .

    والثاني : أن يراد به ترتب آثار العمل عليه في الآخرة ، كترتب الثواب ، فيقال : هذا عمل صحيح ، بمعنى أنه يرجى به الثواب في الآخرة ; ففي [ ص: 452 ] العبادات ظاهر ، وفي العادات يكون فيما نوى به امتثال أمر الشارع ، وقصد به مقتضى الأمر والنهي ، وكذلك في المخير ، إذا عمل به من حيث إن الشارع خيره لا من حيث قصد مجرد حظه في الانتفاع غافلا عن أصل التشريع ، فهذا أيضا يسمى عملا صحيحا بهذا المعنى ، وهو وإن كان إطلاقا غريبا لا يتعرض له علماء الفقه ; فقد تعرض له علماء التخلق كالغزالي وغيره ، وهو مما يحافظ عليه السلف المتقدمون ، وتأمل ما حكاه الغزالي في كتاب النية والإخلاص من ذلك .
    في معنى البطلان ، وهو ما يقابل معنى الصحة ; فله معنيان : أحدهما : أن يراد به عدم ترتب آثار العمل عليه في الدنيا ; كما نقول في العبادات : إنها غير مجزئة ولا مبرئة للذمة ولا مسقطة للقضاء ، فكذلك نقول : إنها باطلة بذلك المعنى ، غير أن هنا نظرا ; فإن كون العبادة باطلة ; إنما هو لمخالفتها لما قصد الشارع فيها حسبما هو مبين في موضعه ، ولكن قد تكون المخالفة راجعة إلى نفس العبادة فيطلق عليها لفظ البطلان إطلاقا ; كالصلاة من غير نية أو ناقصة ركعة أو سجدة أو نحو ذلك مما يخل بها من الأصل ، وقد تكون راجعة إلى وصف خارجي منفك عن حقيقتها وإن كانت [ ص: 453 ] متصفة به ; كالصلاة في الدار المغصوبة مثلا ; فيقع الاجتهاد : في اعتبار الانفكاك ; فتصح الصلاة لأنها واقعة على الموافقة للشارع ، ولا يضر حصول المخالفة من جهة الوصف .

    أو في اعتبار الاتصاف ، فلا تصح بل تكون في الحكم باطلة من جهة أن الصلاة الموافقة إنما هي المنفكة عن هذا الوصف ، وليس الصلاة في الدار المغصوبة كذلك ; ، وهكذا سائر ما كان في معناها .

    ونقول أيضا في العادات : إنها باطلة ، بمعنى عدم حصول فوائدها بها شرعا ; من حصول أملاك واستباحة فروج ، وانتفاع بالمطلوب ، ولما كانت العاديات في الغالب راجعة إلى مصالح الدنيا ; كان النظر فيها راجعا إلى اعتبارين : أحدهما : من حيث هي أمور مأذون فيها أو مأمور بها شرعا .

    والثاني : من حيث هي راجعة إلى مصالح العباد .

    فأما الأول ; فاعتبره قوم بإطلاق ، وأهملوا النظر في جهة المصالح ، وجعلوا مخالفة أمره مخالفة لقصده بإطلاق ; كالعبادات المحضة سواء ، وكأنهم مالوا إلى جهة التعبد ـ وسيأتي في كتاب " المقاصد " بيان أن في كل ما يعقل معناه تعبدا ـ ، وإذا كان كذلك ; فمواجهة أمر الشارع بالمخالفة يقضي بالخروج في ذلك الفعل عن مقتضى خطابه ، والخروج في الأعمال عن خطاب الشارع يقضي بأنها غير مشروعة ، وغير المشروع باطل ، فهذا كذلك ; كما لم تصح [ ص: 454 ] العبادات الخارجة عن مقتضى خطاب الشارع .

    وأما الثاني : فاعتبره قوم أيضا لا مع إهمال الأول ، بل جعلوا الأمر منزلا على اعتبار المصلحة ، بمعنى أن المعنى الذي لأجله كان العمل باطلا ينظر فيه ; فإن كان حاصلا أو في حكم الحاصل ، بحيث لا يمكن التلافي فيه ; بطل العمل من أصله ، وهو الأصل فيما نهى الشرع عنه ; لأن النهي يقتضي أن لا مصلحة للمكلف فيه ، وإن ظهرت مصلحته لبادئ الرأي ، فقد علم الله أن لا مصلحة في الإقدام ، وإن ظنها العامل ، وإن لم يحصل ولا كان في حكم الحاصل ، لكن أمكن تلافيه ، لم يحكم بإبطال ذلك العمل ; كما يقول مالك [ ص: 455 ] في بيع المدبر : إنه يرد إلا أن يعتقه المسترق فلا يرد ; فإن البيع إنما منع لحق العبد في العتق أو لحق الله في العتق الذي انعقد سببه من سيده وهو التدبير ; فإن البيع يفيته في الغالب بعد موت السيد ، فإذا أعتقه المشتري حصل قصد الشارع في العتق ; فلم يرد لذلك ، وكذلك الكتابة الفاسدة ترد ما لم يعتق المكاتب ، وكذلك بيع الغاصب للمغصوب موقوف على إجازة المغصوب منه أو رده لأن المنع إنما كان لحقه ، فإذا أجازه جاز ، ومثله البيع والسلف منهي عنه ، فإذا أسقط مشترط السلف شرطه جاز ما عقداه ، ومضى على بعض الأقوال ، وقد يتلافى بإسقاط الشرط شرعا ، كما في حديث بريرة ، وعلى مقتضاه جرى الحنفية في تصحيح العقود الفاسدة كنكاح الشغار ، والدرهم بالدرهمين ، ونحوهما إلى غير ذلك من العقود التي هي باطلة على وجه ; فيزال ذلك الوجه فتمضي العقدة ، فمعنى هذا الوجه أن نهي الشارع كان لأمر ، فلما زال ذلك الأمر ارتفع النهي ، فصار العقد موافقا لقصد الشارع ; إما على حكم الانعطاف إن قدرنا رجوع الصحة إلى العقد الأول أو غير حكم الانعطاف إن قلنا : إن تصحيحه وقع الآن لا قبل ، وهذا الوجه بناء على أن مصالح العباد مغلبة على حكم التعبد .

    والثاني من الإطلاقين : أن يراد بالبطلان عدم ترتب آثار العمل عليه في [ ص: 456 ] الآخرة ، وهو الثواب ، ويتصور ذلك في العبادات والعادات .

    فتكون العبادة باطلة بالإطلاق الأول ; فلا يترتب عليها جزاء ; لأنها غير مطابقة لمقتضى الأمر بها ، وقد تكون صحيحة بالإطلاق الأول ، ولا يترتب عليها ثواب أيضا .

    فالأول : كالمتعبد رئاء الناس ; فإن تلك العبادة غير مجزئة ، ولا يترتب عليها ثواب .

    والثاني : كالمتصدق بالصدقة يتبعها بالمن والأذى ، وقد قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس الآية [ البقرة : 264 ] .

    وقال : لئن أشركت ليحبطن عملك [ الزمر : 65 ] .

    وفي الحديث : أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ إن لم يتب .

    [ ص: 457 ] على تأويل من جعل الإبطال حقيقة .

    [ ص: 458 ] وتكون أعمال العادات باطلة أيضا ; بمعنى عدم ترتب الثواب عليها ، سواء علينا أكانت باطلة بالإطلاق الأول أم لا ; فالأول كالعقود المفسوخة شرعا ، والثاني كالأعمال التي يكون الحامل عليها مجرد الهوى والشهوة من غير التفات إلى خطاب الشارع فيها كالأكل والشرب والنوم وأشباهها ، والعقود المنعقدة بالهوى ، ولكنها وافقت الأمر أو الإذن الشرعي بحكم الاتفاق لا بالقصد إلى ذلك ; فهي أعمال مقرة شرعا لموافقتها للأمر أو الإذن ; لما يترتب عليها من المصلحة في الدنيا ، فروعي فيها هذا المقدار من حيث وافقت قصد الشارع فيه ، وتبقى جهة قصد الامتثال مفقودة ; فيكون ما يترتب عليها في الآخرة مفقودا أيضا ; لأن الأعمال بالنيات .

    والحاصل أن هذه الأعمال التي كان الباعث عليها الهوى المجرد ، إن وافقت قصد الشارع بقيت ببقاء حياة العامل ; فإذا خرج من الدنيا فنيت بفناء الدنيا وبطلت ما عندكم ينفد وما عند الله باق [ النحل : 96 ] .

    من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [ الشورى : 20 ] .

    أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها [ الأحقاف : 20 ] .

    وما أشبه ذلك مما هو نص أو ظاهر أو فيه إشارة إلى هذا المعنى ; فمن هنا أخذ من تقدم بالحزم في الأعمال العادية أن يضيفوا إليها قصدا يجدون به أعمالهم في الآخرة . وانظر في الإحياء وغيره .






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,368

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (34)
    صـ459 إلى صـ 469

    ما ذكر من إطلاق البطلان بالمعنى الثاني يحتمل تقسيما ، لكن بالنسبة إلى الفعل العادي ; إذ لا يخلو الفعل العادي ـ إذا خلا عن قصد التعبد ـ أن يفعل بقصد أو بغير قصد ، والمفعول بقصد ; إما أن يكون القصد مجرد الهوى والشهوة من غير نظر في موافقة قصد الشارع أو مخالفته ، وإما أن ينظر مع ذلك في الموافقة فيفعل أو في المخالفة فيترك ; إما اختيارا وإما اضطرارا ; فهذه أربعة أقسام :

    أحدها : أن يفعل من غير قصد كالغافل والنائم ، فقد تقدم أن هذا الفعل لا يتعلق به خطاب اقتضاء ولا تخيير ، فليس فيه ثواب ولا عقاب ; لأن الجزاء في الآخرة إنما يترتب على الأعمال الداخلة تحت التكليف ، فما لا يتعلق به خطاب تكليف لا يترتب عليه ثمرته .

    والثاني : أن يفعل لقصد نيل غرضه مجردا ، فهذا أيضا لا ثواب له على ذلك كالأول ، وإن تعلق به خطاب التكليف أو وقع واجبا كأداء الديون ورد الودائع والأمانات ، والإنفاق على الأولاد ، وأشباه ذلك ، ويدخل تحت هذا ترك المنهيات بحكم الطبع ; لأن الأعمال بالنيات ، وقد قال في الحديث : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ، ومعنى الحديث [ ص: 460 ] متفق عليه ، ومقطوع به في الشريعة .

    فهذا القسم والذي قبله باطل بمقتضى الإطلاق الثاني .

    والثالث : أن يفعل مع استشعار الموافقة اضطرارا ، كالقاصد لنيل لذته من المرأة الفلانية ، ولما لم يمكنه بالزنى لامتناعها أو لمنع أهلها ، عقد عليها عقد نكاح ليكون موصلا له إلى ما قصد ، فهذا أيضا باطل بالإطلاق الثاني ; لأنه لم يرجع إلى حكم الموافقة إلا مضطرا ، ومن حيث كان موصلا إلى غرضه لا من حيث أباحه الشرع ، وإن كان غير باطل بالإطلاق الأول ، ومثل ذلك الزكاة المأخوذة كرها ; فإنها صحيحة على الإطلاق الأول ; إذ كانت مسقطة للقضاء أو مبرئة للذمة ، وباطلة على هذا الإطلاق الثاني ، وكذلك ترك المحرمات خوفا من العقاب عليها في الدنيا أو استحياء من الناس أو ما أشبه هذا ، ولذلك كانت الحدود كفارات فقط ، فلم يخبر الشارع عنها أنها مرتبة ثوابا [ ص: 461 ] على حال ، وأصل ذلك كون الأعمال بالنيات .

    والرابع : أن يفعل لكن مع استشعار الموافقة اختيارا ; كالفاعل للمباح بعد علمه بأنه مباح ، حتى إنه لو لم يكن مباحا لم يفعله ; فهذا القسم إنما يتعين النظر فيه في المباح ، أما المأمور به يفعله بقصد الامتثال أو المنهي عنه يتركه بذلك القصد أيضا ; فهو من الصحيح بالاعتبارين ، كما أنه لو ترك المأمور به أو فعل المنهي عنه قصدا للمخالفة ، فهو من الباطل بالاعتبارين ; فإنما يبقى النظر في فعل المباح أو تركه من حيث خاطبه الشرع بالتخيير فاختار أحد الطرفين من الفعل أو الترك لمجرد حظه فتحتمل في النظر ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون صحيحا بالاعتبار الأول باطلا بالاعتبار الثاني ، وهذا هو الجاري على الأصل المتقدم في تصور المباح بالنظر إلى نفسه لا بالنظر إلى ما يستلزم .

    والثاني : أن يكون صحيحا بالاعتبارين ، معا بناء على تحريه في نيل حظه مما أذن له فيه دون ما لم يؤذن له فيه ، وعلى هذا نبه الحديث في الأجر في وطء الزوجة ، وقولهم : أيقضي شهوته ، ثم يؤجر فقال : أرأيتم لو وضعها في حرام ، وهذا مبسوط في كتاب " المقاصد " من هذا الكتاب .

    [ ص: 462 ] والثالث : أن يكون صحيحا بالاعتبارين معا في المباح الذي هو مطلوب الفعل بالكل ، وصحيحا بالاعتبار الأول باطلا بالاعتبار الثاني في المباح الذي هو مطلوب الترك بالكل ، وهذا هو الجاري على ما تقدم في القسم الأول من قسمي الأحكام ، ولكنه مع الذي قبله باعتبار أمر خارج عن حقيقة الفعل المباح ، والأول بالنظر إليه في نفسه .
    فصل

    وأما ما ذكر من إطلاق الصحة بالاعتبار الثاني ، فلا يخلو أن يكون عبادة أو عادة ; فإن كان عبادة فلا تقسيم فيه على الجملة ، وإن كان عادة ; فإما أن يصحبه مع قصد التعبد قصد الحظ أو لا ، والأول إما أن يكون قصد الحظ غالبا أو مغلوبا ; فهذه ثلاثة أقسام :

    أحدها : ما لا يصحبه حظ ; فلا إشكال في صحته .

    والثاني : كذلك ; لأن الغالب هو الذي له الحكم ، وما سواه في حكم [ ص: 463 ] المطرح .

    والثالث : محتمل لأمرين : أن يكون صحيحا بالاعتبار الثاني أيضا ; إعمالا للجانب المغلوب ، واعتبارا بأن جانب الحظ غير قادح في العاديات بخلاف العباديات ، وأن يكون صحيحا بالاعتبار الأول دون الثاني ; إعمالا لحكم الغلبة ، وبيان هذا التقسيم والدليل عليه مذكور في كتاب المقاصد من هذا الكتاب ، والحمد لله .
    [ ص: 464 ] النوع الخامس في العزائم والرخص .

    والنظر فيه في مسائل : المسألة الأولى

    العزيمة : ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء .

    ومعنى كونها " كلية " أنها لا تختص ببعض المكلفين من حيث هم مكلفون دون بعض ، ولا ببعض الأحوال دون بعض ; كالصلاة مثلا ; فإنها مشروعة على الإطلاق والعموم في كل شخص وفي كل حال ، وكذلك الصوم والزكاة والحج والجهاد وسائر شعائر الإسلام الكلية ، ويدخل تحت هذا ما شرع لسبب مصلحي في الأصل ; كالمشروعات المتوصل بها إلى إقامة مصالح الدارين من البيع ، والإجارة ، وسائر عقود المعاوضات ، وكذلك أحكام الجنايات ، والقصاص ، والضمان ، وبالجملة جميع كليات الشريعة .

    ومعنى " شرعيتها ابتداء " أن يكون قصد الشارع بها إنشاء [ ص: 465 ] الأحكام التكليفية على العباد من أول الأمر ، فلا يسبقها حكم شرعي قبل ذلك ، فإن سبقها وكان منسوخا بهذا الأخير ، كان هذا الأخير كالحكم الابتدائي تمهيدا للمصالح الكلية العامة .

    ولا يخرج عن هذا ما كان من الكليات واردا على سبب ; فإن الأسباب قد تكون مفقودة قبل ذلك ، فإذا وجدت اقتضت أحكاما ; كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا [ البقرة : 104 ] .

    وقوله تعالى : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله [ الأنعام : 108 ] .

    وقوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم [ البقرة : 198 ] .

    وقوله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم الآية [ البقرة : 187 ] .

    وقوله : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه [ البقرة : 203 ] .

    وما كان مثل ذلك ; فإنه تمهيد لأحكام وردت [ شيئا ] بعد شيء بحسب [ ص: 466 ] الحاجة إلى ذلك ; فكل هذا يشمله اسم العزيمة ; فإنه شرع ابتدائي حكما ، كما أن المستثنيات من العمومات وسائر المخصوصات كليات ابتدائية أيضا ; كقوله [ تعالى ] : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله [ البقرة : 229 ] .

    وقوله تعالى : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة [ النساء : 19 ] .

    وقوله تعالى : فاقتلوا المشركين [ التوبة : 5 ] .

    ونهى - صلى الله عليه وسلم ـ عن قتل النساء والصبيان ، هذا وما أشبهه من العزائم ; لأنه راجع إلى أحكام كلية ابتدائية .
    وأما الرخصة ; فما شرع لعذر شاق ، استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه .

    فكونه " مشروعا لعذر " هو الخاصة التي ذكرها علماء الأصول .

    [ ص: 467 ] وكونه شاقا ; فإنه قد يكون العذر مجرد الحاجة من غير مشقة موجودة ، فلا يسمى ذلك رخصة ; كشرعية القراض مثلا ; فإنه لعذر في الأصل ، وهو عجز صاحب المال عن الضرب في الأرض ، ويجوز حيث لا عذر ولا عجز ، وكذلك المساقاة والقرض والسلم ، فلا يسمى هذا كله رخصة ، وإن كانت مستثناة من أصل ممنوع ، وإنما يكون مثل هذا داخلا تحت أصل الحاجيات الكليات ، والحاجيات لا تسمى عند العلماء باسم الرخصة ، وقد يكون العذر راجعا إلى أصل تكميلي فلا يسمى رخصة أيضا ، وذلك أن من لا يقدر على الصلاة قائما أو يقدر بمشقة ، فمشروع في حقه الانتقال إلى الجلوس ، وإن كان مخلا بركن من أركان الصلاة ، لكن بسبب المشقة استثني فلم يتحتم عليه القيام ; فهذا رخصة محققة ; فإن كان هذا المترخص إماما ; فقد جاء في الحديث : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، ثم قال : وإن صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون فصلاتهم جلوسا وقع لعذر ; إلا أن العذر في حقهم ليس المشقة ، بل لطلب الموافقة للإمام وعدم المخالفة عليه ، فلا يسمى مثل هذا رخصة ، وإن كان مستثنى لعذر .

    [ ص: 468 ] وكون هذا المشروع لعذر " مستثنى من أصل كلي " يبين لك أن الرخص ليست بمشروعة ابتداء ; فلذلك لم تكن كليات في الحكم ، وإن عرض لها ذلك ; فبالعرض ، فإن المسافر إذا أجزنا له القصر والفطر ; فإنما كان ذلك بعد استقرار أحكام الصلاة والصوم ، هذا وإن كانت آيات الصوم نزلت دفعة واحدة ; فإن الاستثناء ثان عن استقرار حكم المستثنى منه على الجملة ، وكذلك أكل الميتة للمضطر في قوله تعالى : فمن اضطر الآية [ البقرة : 173 ] .

    وكونه " مقتصرا به على موضع الحاجة " خاصة من خواص الرخص أيضا لا بد منه ، وهو الفاصل بين ما شرع من الحاجيات الكلية ، وما شرع من الرخص ; فإن شرعية الرخص جزئية يقتصر فيها على موضع الحاجة ; فإن المصلي إذا انقطع سفره ، وجب عليه الرجوع إلى الأصل من إتمام الصلاة وإلزام الصوم ، والمريض إذا قدر على القيام في الصلاة لم يصل قاعدا ، وإذا قدر على مس الماء لم يتيمم ، وكذلك سائر الرخص بخلاف القرض والقراض والمساقاة ، ونحو ذلك مما هو يشبه الرخصة ; فإنه ليس برخصة في حقيقة هذا الاصطلاح لأنه مشروع أيضا ، وإن زال العذر فيجوز للإنسان أن يقترض ، وإن لم يكن به حاجة إلى الاقتراض ، وأن يساقي حائطه وإن كان قادرا على عمله بنفسه أو بالاستئجار عليه ، وأن يقارض بماله وإن كان قادرا على التجارة فيه بنفسه أو بالاستئجار ، وكذلك ما أشبهه .

    فالحاصل أن العزيمة راجعة إلى أصل كلي ابتدائي ، والرخصة راجعة [ ص: 469 ] إلى جزئي مستثنى من ذلك الأصل الكلي .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •