الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 2 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 160
1اعجابات

الموضوع: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات

    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (21)
    صـ318 إلى صـ 327

    فصل

    وأما أن للمكلف القصد إلى المسبب فكما إذا قيل لك : لم تكتسب ؟ قلت : لأقيم صلبي ، وأقوم في حياة نفسي وأهلي أو لغير ذلك من المصالح التي توجد عن السبب ، فهذا القصد إذا قارن التسبب صحيح ; لأنه التفات إلى العادات الجارية ، وقد قال تعالى : الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله [ الجاثية : 12 ] .

    وقال : ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله [ الروم : 23 ] .

    وقال : فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [ الجمعة : 10 ] .

    [ ص: 318 ] فمن حيث عبر بالقصد إلى الفضل عن القصد إلى السبب الذي هو الاكتساب ، وسيق مساق الامتنان من غير إنكار ، أشعر بصحة ذلك القصد ، وهذا جار في أمور الآخرة كما هو جار في أمور الدنيا ; كقوله تعالى : ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات [ الطلاق : 11 ] ، وأشباه ذلك مما يؤذن بصحة القصد إلى المسبب بالسبب .

    وأيضا ; فإنما محصول هذا أن يبتغى ما يهيئ الله له بهذا السبب ، فهو راجع إلى الاعتماد على الله واللجأ إليه في أن يرزقه مسببا يقوم به أمره ، ويصلح به حاله ، وهذا لا نكير فيه شرعا ، وذلك أن المعلوم من الشريعة أنه شرعت لمصالح العباد ، فالتكليف كله إما لدرء مفسدة ، وإما لجلب مصلحة أو لهما معا ، فالداخل تحته مقتض لما وضعت له ، فلا مخالفة في ذلك لقصد الشارع ، والمحظور إنما هو أن يقصد خلاف ما قصده ، مع أن هذا القصد لا ينبني عليه عمل غير مقصود للشارع ، ولا يلزم منه عقد مخالف ، فالفعل موافق ، والقصد [ ص: 319 ] موافق ، فالمجموع موافق .

    فإن قيل : هل يستتب هذان الوجهان في جميع الأحكام العادية ، والعبادية أم لا ؟ فإن الذي يظهر لبادئ الرأي أن قصد المسببات لازم في العاديات ، لظهور وجوه المصالح فيها بخلاف العبادات ; فإنها مبنية على عدم معقولية المعنى ; فهنالك يستتب عدم الالتفات إلى المسببات لأن المعاني المعلل بها راجعة إلى جنس المصالح فيها أو المفاسد ، وهي ظاهرة في العاديات ، وغير ظاهرة في العباديات ، وإذا كان كذلك ; فالالتفات إلى المسببات ، والقصد إليها معتبر في العاديات ، ولا سيما في المجتهد ; فإن المجتهد إنما يتسع مجال اجتهاده بإجراء العلل والالتفات إليها ، ولولا ذلك لم يستقم له إجراء الأحكام على وفق المصالح إلا بنص أو إجماع فيبطل القياس ، وذلك غير صحيح ; فلا بد من الالتفات إلى المعاني التي شرعت لها الأحكام ، والمعاني هي مسببات الأحكام ، أما العباديات فلما كان الغالب عليها فقد ظهور المعاني الخاصة بها ، والرجوع إلى مقتضى النصوص فيها ، [ ص: 320 ] كان ترك الالتفات أجرى على مقصود الشارع فيها ، والأمران بالنسبة إلى المقلد سواء ، في أن حقه أن لا يلتفت إلى المسببات إلا فيما كان من مدركاته ومعلوماته العادية في التصرفات الشرعية .

    فالجواب أن الأمرين في الالتفات وعدمه سواء ، وذلك أن المجتهد إذا نظر في علة الحكم عدى الحكم بها إلى محل هي فيه ; لتقع المصلحة المشروع لها الحكم ، هذا نظره خاصة ، ويبقى قصده إلى حصولها بالعمل أو عدم القصد مسكوتا عنه بالنسبة إليه ، فتارة يقصد إذا كان هو العامل وتارة لا يقصد ، وفي الوجهين لا يفوته في اجتهاده أمر كالمقلد سواء ، فإذا سمع قوله عليه الصلاة والسلام : لا يقضي القاضي وهو غضبان متفق عليه نظر إلى علة منع القضاء ، فرآه الغضب ، وحكمته تشويش الذهن عن استيفاء الحجاج بين الخصوم ، فألحق بالغضب الجوع والشبع المفرطين ، والوجع وغير ذلك مما فيه تشويش الذهن ، فإذا وجد في نفسه شيئا من ذلك ، وكان قاضيا امتنع من القضاء بمقتضى النهي ; فإن قصد بالانتهاء مجرد النهي فقط من غير التفات إلى الحكمة التي لأجلها نهي عن القضاء ; حصل مقصود الشارع ، وإن لم يقصده القاضي ، وإن قصد به ما ظهر قصد الشارع إليه من مفسدة عدم استيفاء الحجاج ; حصل مقصود الشارع أيضا فاستوى قصد القاضي إلى المسبب وعدم قصده ، وهكذا المقلد فيما فهم حكمته من الأعمال ، وما لم يفهم ; فهو [ ص: 321 ] كالعبادات بالنسبة إلى الجميع ، وقد علم أن العبادات وضعت لمصالح العباد في الدنيا أو في الآخرة على الجملة ، وإن لم يعلم ذلك على التفصيل ، ويصح القصد إلى مسبباتها الدنيوية والأخروية على الجملة ; فالقصد إليها أو عدم القصد كما تقدم .
    المسألة السادسة

    إذا تقرر ما تقدم ; فللدخول في الأسباب مراتب تتفرع على القسمين ; فالالتفات إلى المسببات بالأسباب له ثلاث مراتب : أحدها : أن يدخل فيها على أنه فاعل للمسبب أو مولد له ; فهذا شرك أو مضاه له ـ والعياذ بالله ـ والسبب غير فاعل بنفسه ، والله خالق كل شيء ، والله خلقكم وما تعملون [ الصافات : 96 ] .

    وفي الحديث : أصبح من عبادي مؤمن بي ، وكافر الحديث ; فإن [ ص: 322 ] المؤمن بالكوكب الكافر بالله هو الذي جعل الكوكب [ فاعلا بنفسه ، وهذه المسألة قد تولى النظر فيها أرباب الكلام ] .

    والثانية : أن يدخل في السبب على أن المسبب يكون عنده عادة ، وهذا هو المتكلم على حكمه قبل ; ومحصوله طلب المسبب عن السبب لا باعتقاد الاستقلال ، بل من جهة كونه موضوعا على أنه سبب لمسبب ، فالسبب لا بد أن يكون سببا لمسبب لأنه معقوله ، وإلا لم يكن سببا ; فالالتفات إلى المسبب من هذا الوجه ليس بخارج عن مقتضى عادة الله في خلقه ، ولا هو مناف لكون السبب واقعا بقدرة الله تعالى ; فإن قدرة الله تظهر عند وجود السبب ، وعند عدمه فلا ينفي وجود السبب كونه خالقا للمسبب ، لكن هنا قد يغلب الالتفات إليه حتى يكون فقد المسبب مؤثرا ومنكرا ، وذلك لأن العادة غلبت على النظر في السبب بحكم كونه سببا ، ولم ينظر إلى كونه موضوعا بالجعل لا مقتضيا بنفسه ، وهذا هو غالب أحوال الخلق في الدخول في الأسباب .

    والثالثة : أن يدخل في السبب على أن المسبب من الله تعالى ; لأنه المسبب فيكون الغالب على صاحب هذه المرتبة اعتقاد أنه مسبب عن قدرة الله وإرادته من غير تحكيم لكونه سببا ; فإنه لو صح كونه سببا محققا لم يتخلف كالأسباب العقلية ، فلما لم يكن كذلك ; تمحض جانب التسبيب [ ص: 323 ] الرباني بدليل السبب الأول ، وهنا يقال لمن حكمه : فالسبب الأول عن ماذا تسبب ؟ ، وفي مثله قال عليه الصلاة والسلام : فمن أعدى الأول ؟ .

    فإذا كانت الأسباب مع المسببات داخلة تحت قدرة الله ; فالله هو المسبب لا هي ; إذ ليس له شريك في ملكه ، وهذا كله مبين في علم الكلام ، وحاصله يرجع إلى عدم اعتبار السبب في المسبب من جهة نفسه ، واعتباره فيه من جهة أن الله مسببه ، وذلك صحيح .
    فصل

    وترك الالتفات إلى المسبب له ثلاث مراتب :

    إحداها : أن يدخل في السبب من حيث هو ابتلاء للعباد ، [ وامتحان لهم ، لينظر كيف يعملون من غير التفات إلى غير ذلك ، وهذا مبني على أن الأسباب والمسببات موضوعة في هذه الدار ابتلاء للعباد ] ، وامتحانا لهم ; فإنها طريق إلى السعادة أو الشقاوة ، وهي على ضربين :

    [ ص: 324 ] أحدهما : ما وضع لابتلاء العقول ، وذلك العالم كله من حيث هو منظور فيه ، وصنعة يستدل بها على ما وراءها .

    والثاني : ما وضع لابتلاء النفوس ، وهو العالم كله أيضا من حيث هو موصل إلى العباد المنافع والمضار ، ومن حيث هو مسخر لهم ، ومنقاد لما يريدون فيه ، لتظهر تصاريفهم تحت حكم القضاء والقدر ، ولتجري أعمالهم تحت حكم الشرع ; ليسعد بها من سعد ويشقى من شقي ، وليظهر مقتضى العلم السابق ، والقضاء المحتم الذي لا مرد له ; فإن الله غني عن العالمين ، ومنزه عن الافتقار في صنع ما يصنع إلى الأسباب والوسائط ، لكن وضعها للعباد ليبتليهم فيها .

    والأدلة على هذا المعنى كثيرة ، كقوله سبحانه : وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ هود : 7 ] .

    الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ الملك : 2 ] .

    إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا [ الكهف : 7 ] .

    ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون [ يونس : 14 ] .

    ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا [ الكهف : 12 ] .

    [ ص: 325 ] وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا إلى قوله : ويعلم الصابرين [ آل عمران : 142 ] .

    وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم [ آل عمران : 154 ] .

    ثم صرفكم عنهم ليبتليكم [ آل عمران : 152 ] .

    إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن وضع الأسباب ، إنما هي للابتلاء فإذا كانت كذلك ; فالآخذ لها من هذه الجهة آخذ لها من حيث وضعت مع التحقق بذلك فيها ، وهذا صحيح ، وصاحب هذا القصد متعبد لله بما تسبب به منها ; لأنه إذا تسبب بالإذن فيما أذن فيه لتظهر عبوديته لله فيه ، لا ملتفتا إلى مسبباتها ، وإن انجرت معها فهو كالمتسبب بسائر العبادات المحضة .

    والثانية : أن يدخل فيه بحكم قصد التجرد عن الالتفات إلى الأسباب من حيث هي أمور محدثة ، فضلا عن الالتفات إلى المسببات ، بناء على أن تفريد المعبود بالعبادة أن لا يشرك معه في قصده سواه ، واعتمادا على أن التشريك خروج عن خالص التوحيد بالعبادة ; لأن بقاء الالتفات إلى ذلك كله بقاء مع المحدثات ، وركون إلى الأغيار ، وهو تدقيق في نفي الشركة ، وهذا أيضا في موضعه صحيح ، ويشهد له من الشريعة ما دل على نفي الشركة كقوله تعالى : فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [ الكهف : 110 ] .

    وقوله : فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص [ الزمر : 2 - 3 ] .

    وسائر ما كان من هذا الباب ، وكذلك دلائل طلب الصدق في التوجه لله [ ص: 326 ] رب العالمين كل ذلك يشعر بهذا المعنى المستنبط في خلوص التوجه ، وصدق العبودية ، فصاحب هذه المرتبة متعبد لله تعالى بالأسباب الموضوعة على اطراح النظر فيها من جهته ، فضلا عن أن ينظر في مسبباتها ; فإنما يرجع إليها من حيث هي وسائل إلى مسببها وواضعها ، وسلم إلى الترقي لمقام القرب منه ; فهو إنما يلحظ فيها المسبب خاصة .

    والثالثة : أن يدخل في السبب بحكم الإذن الشرعي مجردا عن النظر في غير ذلك ، وإنما توجهه في القصد إلى السبب ; تلبية للأمر لتحققه بمقام العبودية لأنه لما أذن له في السبب أو أمر به لباه من حيث قصد الآمر في ذلك السبب ، وقد تبين له أنه مسببه ، وأنه أجرى العادة به ، ولو شاء لم يجرها ، كما أنه قد يخرقها إذا شاء ، وعلى أنه ابتلاء وتمحيص ، وعلى أنه يقتضي صدق التوجه به إليه ، فدخل على ذلك كله ، فصار هذا القصد شاملا لجميع ما تقدم ، لأنه توخى قصد الشارع من غير نظر في غيره ، وقد علم قصده في تلك الأمور ، فحصل له كل ما في ضمن ذلك التسبب مما علم ومما لم يعلم ، فهو طالب للمسبب من طريق السبب ، وعالم بأن الله هو المسبب ، وهو المبتلي به ، ومتحقق [ ص: 327 ] في صدق التوجه به إليه ، فقصده مطلق وإن دخل فيه قصد المسبب ، لكن ذلك كله منزه عن الأغيار ، مصفى من الأكدار .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات

    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (22)
    صـ328 إلى صـ 338

    المسألة السابعة

    الدخول في الأسباب لا يخلو أن يكون منهيا عنه أو لا .

    فإن كان منهيا عنه فلا إشكال في طلب رفع [ ذلك ] التسبب ; سواء علينا أكان المتسبب قاصدا لوقوع المسبب أم لا ; فإنه يتأتى منه الأمران فقد يقصد بالقتل العدوان إزهاق الروح فيقع ، وقد يقصد بالغصب انتفاعه بالمغصوب فيقع على مقتضى العادة لا على مقتضى الشرع ، وقد لا يقع ألبتة ، وقد يعزب عن نظره القصد إلى المسبب ، والالتفات إليه ; لعارض يطرأ غير العارض المتقدم الذكر ، ولا اعتبار به .

    وإن كان غير منهي عنه فلا يطلب رفع التسبب في المراتب المذكورة كلها .

    أما الأولى ; فإذا فرضنا نفس التسبب مباحا أو مطلوبا على الجملة ; [ ص: 328 ] فاعتقاد المعتقد ـ لكون السبب هو الفاعل ـ معصية قارنت ما هو مباح أو مطلوب فلا يبطله ، إلا إن قيل : إن مثل هذه المقارنة مفسدة ، وإن المقارن للمعصية تصيره منهيا عنه ; كالصلاة في الدار المغصوبة ، والذبح بالمدية المغصوبة ، وذلك مبين في الأصول .

    وأما الثانية : فظاهر أن التسبب صحيح ؛ لأن العامل فيها إذا اعتمد على جريان العادات ، وكان الغالب فيها وقوع المسببات عن أسبابها ، وغلب على الظن ذلك ، كان ترك التسبب كإلقاء باليد إلى التهلكة أو هو هو ، وكذلك إذا بلغ مبلغ القطع العادي فواجب عليه أن يتسبب ، ولأجل هذا قالوا في المضطر : إنه إذا خاف الهلكة ، وجب عليه السؤال أو الاستقراض أو أكل الميتة ونحوها ، ولا يجوز أن يترك نفسه حتى يموت ، ولذلك قال مسروق : " ومن اضطر إلى شيء مما حرم الله عليه فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار " .

    وأما الثالثة : فالتسبب أيضا ظاهر ، إلا أنه يبقى فيها بحث : هل يكون صاحبها بمنزلة صاحب المرتبة الثانية أم لا ؟ هذا مما ينظر فيه ، وإطلاق كلام الفقهاء يقتضي عدم التفرقة ، وأحوال المتوكلين ممن دخل تحت ترجمة التصوف لا تقتضي ذلك ، هذا وإن كان ظاهر كلام الغزالي تساوي المرتبتين في هذا الحكم ، كطريقة الفقهاء على تفصيل له في ذلك ، فالذي يظهر في المسألة نظر آخر ، وذلك أن هذه المرتبة تكون علمية ، وتكون حالية ، والفرق بين العلم [ ص: 329 ] والحال معروف عند أهله ، فإذا كانت علمية ، فهي المرتبة الثانية ; إذ كان واجبا على كل مؤمن أن يعتقد أن الأسباب غير فاعلة بأنفسها ، وإنما الفاعل فيها مسببها سبحانه ، لكن عادته في خلقه جارية بمقتضى العوائد المطردة ، وقد يخرقها إذا شاء لمن شاء ، فمن حيث كانت عادة اقتضت الدخول في الأسباب ، ومن حيث كانت الأسباب فيها بيد خالق المسببات ، اقتضت أن للفاعل أن يفعل بها وبدونها ، فقد يغلب على المكلف أحد الطرفين ; فإن غلب الطرف الأول ، وهو العادي فهو ما تقدم ، وإن غلب الثاني فصاحبه مع السبب أو بدونه على حالة واحدة ; فإنه إذا جاع مثلا فأصابته مخمصة فسواء عليه أتسبب أم لا ; إذ هو على بينة أن السبب كالمسبب بيد الله تعالى فلم يغلب على ظنه ـ والحال هذه ـ أن تركه للسبب إلقاء باليد إلى التهلكة ، بل عقده في كلتا الحالتين واحد ، فلا يدخل تحت قوله : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ; فلا يجب عليه التسبب في رفع ذلك ; لأن علمه [ ص: 330 ] بأن السبب في يد المسبب أغناه عن تطلب المسبب من جهته على التعين ، بل السبب وعدمه في ذلك سواء ، فكما أن أخذه للسبب لا يعد إلقاء باليد إذا كان اعتماده على المسبب ، كذلك في الترك ، ولو فرض أن آخذ السبب أخذه بإسقاط الاعتماد على المسبب لكان إلقاء باليد إلى التهلكة ; لأنه اعتمد على نفس السبب ، وليس في السبب نفسه ما يعتمد عليه ، وإنما يعتمد عليه من جهة كونه موضوعا سببا ; فكذلك إذا ترك السبب لا لشيء ، فالسبب وعدمه في الحالين سواء في عقد الإيمان ، وحقائق الإيقان .

    وكل أحد فقيه نفسه ، وقد مر الدليل على ذلك ، وقد قال في الحديث : جف القلم بما هو كائن ، فلو اجتمع الخلق على أن يعطوك شيئا لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه ، وحكى عياض عن الحسن بن نصر السوسي ـ من فقهاء المالكية ـ أن ابنه قال له في سنة غلا فيها السعر : يا أبت اشتر طعاما ; فإني أرى السعر قد غلا ، فأمر ببيع ما كان في داره من الطعام ، ثم قال لابنه : لست من المتوكلين على الله ، وأنت قليل اليقين ، كأن القمح إذا كان عند أبيك ينجيك من قضاء الله عليك ، من توكل على الله ; كفاه الله .

    ونظير مسألتنا في الفقه ; الغازي إذا حمل وحده على جيش الكفار ، [ ص: 331 ] فالفقهاء يفرقون بين أن يغلب على ظنه السلامة أو الهلكة أو يقطع بإحداهما ; فالذي اعتقد السلامة جائز له ما فعل ، والذي اعتقد الهلكة من غير نفع يمنع من ذلك ، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [ البقرة : 195 ] .

    وكذلك ; داخل المفازة بزاد أو بغير زاد ، إذا غلب على ظنه السلامة فيها جاز له الإقدام ، وإن غلب على ظنه الهلكة لم يجز ، وكذلك إذا غلب على ظنه الوصول إلى الماء في الوقت أمر بالتأخير ولا يتيمم ، فإن غلب على ظنه أن لا ماء يتيمم وكذلك راكب البحر ، وعلى هذا يباح له التيمم مع وجود الماء في رحله أو يمنع ، وإن غلب على ظنه الوصول إلى الماء في الوقت ، وإذا غلب على ظن المريض زيادة المرض أو تأخر البرء أو إصابة المشقة بالصوم أفطر ، إلى غير ذلك من المسائل المبنية على غلبات الظنون ، وإن كانت موجبات الظنون تختلف ; فذلك غير قادح في هذا الأصل ، فمسألتنا داخلة تحت هذه القاعدة .

    فمن تحقق بأن الخروج عن السبب كالدخول فيه بالنسبة إلى ضمان الله تعالى الرزق صح أن يقال : إنه لا يجب عليه التسبب فيه ، ولذلك نجد أصحاب الأحوال يركبون الأهوال ويقتحمون الأخطار ، ويلقون بأيديهم إلى ما هو عند غيرهم تهلكة ; فلا يكون كذلك ، بناء على أن ما هم فيه من مواطن الغرر ، وأسباب الهلكة ، يستوي مع ما هو عندنا من مواطن الأمن ، وأسباب النجاة .

    [ ص: 332 ] وقد حكى عياض عن أبي العباس الإبياني أنه دخل عليه عطية الجزري العابد فقال له : أتيتك زائرا ، ومودعا إلى مكة ، فقال له أبو العباس : " لا تخلنا من بركة دعائك وبكى ، وليس مع عطية ركوة ولا مزود ، فخرج مع أصحابه ، ثم أتاه بأثر ذلك رجل ; فقال له : ـ أصلحك الله ـ عندي خمسون مثقالا ، ولي بغل فهل ترى لي الخروج إلى مكة ؟ فقال له : لا تعجل حتى توفر هذه الدنانير . قال الراوي : فعجبنا من اختلاف جوابه للرجلين مع اختلاف أحوالهما ; فقال أبو العباس : عطية جاءنى مودعا غير مستشير وقد وثق بالله ، وجاءني هذا يستشيرني ، ويذكر ما عنده ، فعلمت ضعف نيته ، فأمرته بما رأيتم " .

    فهذا إمام من أهل العلم أفتى لضعيف النية بالحزم في استعداد الأسباب ، والنظر في مراعاتها ، وسلم لقوي اليقين في طرح الأسباب بناء ـ والله أعلم ـ على القاعدة المتقدمة في الاعتقادات ، وغلبات الظنون في السلامة ، والهلكة ، وهو مظان النظر الفقهي ، ولذلك يختلف الحكم باختلاف الناس في النازلة الواحدة كما تقدم .

    فإن قيل : فصاحب هذه المرتبة أي الأمرين أفضل له ؟ الدخول في السبب ، أم تركه ؟

    [ ص: 333 ] فالجواب من وجهين :

    أحدهما : أن الأسباب في حقه لا بد منها كما أنها كذلك في حق غيره ; فإن خوارق العادات ، وإن قامت له مقام الأسباب في حقه ، فهي في أنفسها أسباب ، لكنها أسباب غريبة ، والتسبب غير منحصر في الأسباب المشهورة ، فالخارج مثلا للحج بغير زاد يرزقه الله من حيث لا يحتسب ، إما من نبات الأرض ، وإما من جهة من يلقى من الناس في البادية ، وفي الصحراء ، وإما من حيوان الصحراء أو من غير ذلك ، ولو أن ينزل عليه من السماء ، أو يخرجه من الأرض بخوارق العادات أسباب جارية ، يعرفها أربابها المخصوصون بها ، فليس هذا الرجل خارجا عن العمل بالأسباب ، ومنها الصلاة ; لقوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها الآية [ طه : 132 ] .

    وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان يأمر أهله بالصلاة إذا لم يجدوا قوتا ، وإذا كان كذلك ; فالسؤال غير وارد .

    [ ص: 334 ] والثاني ـ على تسليم وروده ـ : أن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم قطعا أنهم حازوا هذه المرتبة ، واستيقنوها حالا وعلما ، ولكنه عليه السلام ندبهم إلى الدخول في الأسباب المقتضية لمصالح الدنيا ، كما أمرهم بالأسباب المقتضية لمصالح الآخرة ، ولم يتركهم مع هذه الحالة فدل ذلك على أن الأفضل ما دلهم عليه ، ولأن هذه الحالة لا يعتد بها مقاما يقوم فيه ، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام : قيدها وتوكل ؟

    وأيضا ; فأصحاب هذه الحالة هم أهل خوارق العادات ، ولم يتركوا معها التسبب تأدبا بآداب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ ، وكانوا أهل علم ، ولم يكونوا ليتركوا الأفضل إلى غيره .

    وأما المرتبة الرابعة ، وهي مرتبة الابتلاء فالتسبب فيها أيضا ظاهر ; فإن الأسباب قد صارت عند صاحبها تكليفا يبتلى به على الإطلاق ، لا يختص ذلك بالأسباب العبادية دون العادية ، فكما أن الأسباب العبادية لا يصح فيها الترك اعتمادا على الذي سببها من حيث كانت مصروفة إليه ، كذلك الأسباب العادية ، ومن هنا لما قال عليه السلام : ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار ، قالوا : يا رسول الله فلم نعمل ؟ أفلا نتكل ؟ قال : لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، ثم قرأ فأما من أعطى واتقى [ الليل : 5 ] إلى آخرها فكذلك العاديات ; لأنها عبادات ، فهي عنده جارية على الأحكام [ ص: 335 ] الموضوعة ، ونظر صاحب هذه المرتبة في الأسباب مثل نظره في العبادات ، يعتبر فيها مجرد الأسباب ، ويدع المسببات لمسببها .

    وأما المرتبة الخامسة : فالتسبب فيها صحيح أيضا ; لأن صاحبها ، وإن لم يلتفت إلى السبب من حيث هو سبب ، ولا إلى المسبب من باب أحرى ; فلا بد منه من جهة ما هو راق به ، وملاحظ للمسبب من جهته ، بدليل الأسباب العبادية ، ولأنها إنما صارت قرة عينه لكونها سلما إلى المتعبد إليه بها ، فلا فارق بين العاديات والعباديات ; إلا أن صاحب هذه المرتبة مأخوذ في تجريد الأغيار على الجملة ; فربما رمى من الأسباب بما ليس بضروري ، واقتصر على ما هو ضروري ، وضيق على نفسه المجال فيها ; فرارا من تكاثرها على قلبه حتى يصح له اتحاد الوجهة ، وإذا كانت الأسباب موصلة إلى المطلوب ، فلا شك في أخذها في هذه الرتبة ; إذ من جهتها يصح المطلوب .

    وأما السادسة ; فلما كانت جامعة لأشتات ما ذكر قبلها ، كان ما يشهد لما قبلها شاهدا لها ; غير أن ذلك فيها معتبر من جهة صفة العبودية وامتثال الأمر ، لا من جهة أمر آخر ، فسواء عليه أكان التكليف ظاهر المصلحة أم غير ظاهرها ; كل ذلك تحت قصد العبد امتثال أمر الله ، فإن كان المكلف به مما يرتبط به بعض الوجود أو جميعه ، كان قصده في امتثال الأمر شاملا له ، والله أعلم .
    المسألة الثامنة

    إيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبب قصد ذلك المسبب أو لا ; لأنه لما جعل مسببا عنه في مجرى العادات ، عد كأنه فاعل له مباشرة ، ويشهد لهذا [ ص: 336 ] قاعدة مجاري العادات ; إذ أجري فيها نسبة المسببات إلى أسبابها ; كنسبة الشبع إلى الطعام ، والإرواء إلى الماء ، والإحراق إلى النار ، والإسهال إلى السقمونيا ، وسائر المسببات إلى أسبابها ، فكذلك الأفعال التي تتسبب عن كسبنا منسوبة إلينا ، وإن لم تكن من كسبنا ، وإذ كان هذا معهودا معلوما جرى عرف الشرع في الأسباب الشرعية مع مسبباتها على ذلك الوزان .

    وأدلته في الشرع كثيرة بالنسبة إلى الأسباب المشروعة أو الممنوعة ، كقول الله تعالى : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس إلى قوله : ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا [ المائدة : 32 ] .

    وفي الحديث : ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سن القتل .

    وفيه : من سن سنة حسنة كان له أجرها ، وأجر من عمل بها .

    وكذلك : من سن سنة سيئة .

    [ ص: 337 ] وفيه : " إن الولد لوالديه ستر من النار " " وأن من غرس غرسا كان ما أكل منه له صدقة ، وما سرق منه له صدقة ، وما أكل السبع فهو له صدقة ، وما أكلت الطير فهو له صدقة ، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة " ، وكذلك الزرع ، والعالم يبث العلم ، فيكون له أجر كل من انتفع به .

    ومن ذلك ما لا يحصى ، مع أن المسببات التي حصل بها النفع أو الضر ، ليست من فعل المتسبب .

    [ ص: 338 ] فإذا كان كذلك ; فالداخل في السبب إنما يدخل فيه مقتضيا لمسببه ، لكن تارة يكون مقتضيا له على الجملة والتفصيل ، وإن كان غير محيط بجميع التفاصيل ، وتارة يدخل فيه مقتضيا له على الجملة لا على التفصيل ، وذلك أن ما أمر الله به ; فإنما أمر به لمصلحة يقتضيها فعله ، وما نهى عنه ; فإنما نهى عنه لمفسدة يقتضيها فعله ، فإذا فعل فقد دخل على شرط أنه يتسبب فيما تحت السبب من المصالح أو المفاسد ، ولا يخرجه عن ذلك عدم علمه بالمصلحة أو المفسدة أو بمقاديرهما ; فإن الأمر قد تضمن أن في إيقاع [ المأمور به مصلحة علمها الله ، ولأجلها أمر به ، والنهي قد تضمن أن في إيقاع ] المنهي عنه مفسدة علمها الله ، ولأجلها نهى عنه ، فالفاعل ملتزم لجميع ما ينتجه ذلك السبب من المصالح أو المفاسد ، وإن جهل تفاصيل ذلك .

    فإن قيل : أيثاب أو يعاقب على ما لم يفعل ؟ .

    فالجواب : أن الثواب والعقاب إنما ترتب على ما فعله وتعاطاه لا على ما لم يفعل ، لكن الفعل يعتبر شرعا بما يكون عنه من المصالح أو المفاسد ، وقد بين الشرع ذلك ، وميز بين ما يعظم من الأفعال مصلحته ، فجعله ركنا أو مفسدته فجعله كبيرة ، وبين ما ليس كذلك ; فسماه في المصالح إحسانا ، وفي المفاسد صغيرة ، وبهذه الطريقة يتميز ما هو من أركان الدين ، وأصوله ، وما هو من فروعه ، وفصوله ، ويعرف ما هو من الذنوب كبائر ، وما هو منها صغائر ، فما عظمه الشرع في المأمورات فهو من أصول الدين ، وما جعله دون ذلك فمن فروعه ، وتكميلاته ، وما عظم أمره في المنهيات فهو من الكبائر ، وما كان دون ذلك فهو من الصغائر ، وذلك على مقدار المصلحة أو المفسدة .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات

    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (23)
    صـ339 إلى صـ 348

    المسألة التاسعة

    ما ذكر في هذه المسائل من أن المسببات غير مقدورة للمكلف ، وأن السبب هو المكلف به إذا اعتبر ، ينبني عليه أمور :

    أحدها : أن متعاطي السبب إذا أتى به بكمال شروطه ، وانتفاء موانعه ، ثم قصد أن لا يقع مسببه فقد قصد محالا ، وتكلف رفع ما ليس له رفعه ، ومنع ما لم يجعل له منعه ، فمن عقد نكاحا على ما وضع له في الشرع أو بيعا أو شيئا من العقود ، ثم قصد أن لا يستبيح بذلك العقد ما عقد عليه ، فقد وقع قصده عبثا ، ووقع المسبب الذي أوقع سببه ، وكذلك إذا أوقع طلاقا أو عتقا قاصدا به مقتضاه في الشرع ، ثم قصد أن لا يكون مقتضى ذلك فهو قصد باطل ، ومثله في العبادات إذا صلى أو صام أو حج كما أمر ، ثم قصد في نفسه أن ما أوقع من العبادة لا يصح له أو لا ينعقد قربة ، وما أشبه ذلك فهو لغو ، وهكذا الأمر في الأسباب الممنوعة ، وفيه جاء : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا الآية [ المائدة : 87 ] .

    [ ص: 340 ] ومن هنا كان تحريم ما أحل الله عبثا من المأكول ، والمشروب ، والملبوس ، والنكاح ، وهو غير ناكح في الحال ، ولا قاصد للتعليق في خاص بخلاف العام ، وما أشبه ذلك ; فجميع ذلك لغو ; لأن ما تولى الله حليته بغير سبب من المكلف ظاهر مثل ما تعاطى المكلف السبب فيه ، ومثله قوله عليه الصلاة والسلام : إنما الولاء لمن أعتق ، وقوله : من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط الحديث .

    وأيضا ; فإن الشارع قاصد لوقوع المسببات عن أسبابها كما تقدم ، فقصد هذا القاصد مناقض لقصد الشارع ، وكل قصد ناقض قصد الشارع فباطل ; [ ص: 341 ] فهذا القصد باطل ، والمسألة واضحة .

    فإن قيل : هذا مشكل من وجهين :

    أحدهما : أن اختيار المكلف وقصده شرط في وضع الأسباب ، فإذا كان اختياره منافيا لاقتضاء الأسباب لمسبباتها ، كان معنى ذلك أن الأسباب لم يتعاطها المكلف على كمالها ، بل مفقودة الشرط ، وهو الاختيار فلم تصح من جهة فقد الشرط ; فيلزم أن تكون المسببات الناشئة عن الأسباب غير واقعة لفقد الاختيار .

    والثاني : أن القصد المناقض لقصد الشارع مبطل للعمل حسبما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب ، وتعاطي الأسباب المبيحة مثلا بقصد أن لا تكون مبيحة مناقضة لقصد الشارع ظاهرة ، من حيث كان قصد الشارع التحصيل بوساطة هذه الأسباب ، فيكون إذا تعاطي هذه الأسباب باطلا وممنوعا ، كالمصلي قاصدا بصلاته ما لا تجزئه لأجله ، والمتطهر يقصد أن لا يكون مستبيحا للصلاة ، وما أشبه ذلك ، فالجمع بين هذا الأصل والأصل المذكور جمع بين متنافيين ، وهو باطل .

    فالجواب عن الأول : أن الفرض إنما هو في موقع الأسباب بالاختيار لأن تكون أسبابا ، لكن مع عدم اختياره للمسبب ، وليس الكلام في موقعها بغير اختيار ، والجمع بينهما ممكن عقلا ، لأن أحدهما سابق على الآخر فلا يتنافيان ، كما إذا قصد الوطء واختاره وكره خلق الولد أو اختار وضع البذر في الأرض وكره نباته أو رمى بسهم صوبه على رجل ثم كره أن يصيبه ، وما أشبه [ ص: 342 ] ذلك فكما يمكن اجتماعهما في العاديات فكذلك ; في الشرعيات .

    والجواب عن الثاني : أن فاعل السبب في مسألتنا قاصد أن يكون ما وضعه الشارع منتجا غير منتج ، وما وضعه سببا فعله هنا على أن يكون سببا لا يكون له مسبب ، وهذا ليس له فقصده فيه عبث ، بخلاف ما هو مذكور في قاعدة مقاصد الشارع ; فإن فاعل السبب فيه قاصد لجعله سببا لمسبب لم يجعله الشارع مسببا له ، كنكاح المحلل عند القائل بمنعه ; فإنه قاصد بنكاحه التحليل لغيره ، ولم يضع الشارع النكاح لهذا المسبب ، فقارن هذا القصد العقد فلم يكن سببا شرعيا ; فلم يكن محللا لا للناكح ، ولا للمحلل له لأنه باطل .

    وحاصل الأمر أن أحدهما أخذ السبب على أنه ليس بسبب ، والآخر أخذه على أنه سبب لا ينتج ; فالأول لا ينتج له شيئا ، والآخر ينتج له ; لأنه ليس الإنتاج باختياره ، ولا عدمه فهذا لم يخالف قصد الشارع في السبب من حيث هو سبب ، ولكن زعم أنه لا يقع مسببه ، وهذا كذب أو طمع في غير مطمع ، والأول تعاطاه على أنه ليس بالسبب الموضوع للشارع فاعرف الفرق بينهما فهو دقيق .

    ويوضحه أن القصد في أحدهما مقارن للعمل فيؤثر فيه ، والآخر تابع له بعد استقراره فلا يؤثر فيه .

    [ ص: 343 ] فإن قيل : لم لا يكون هذا في الحكم كالرفض في العبادات ; فإنه في الحقيقة رفض لكونه سببا شرعيا ، فالطهارة مثلا سبب في رفع الحدث ، فإذا قصد أنها لا ترفع الحدث فهو معنى رفض النية فيه ، وقد قالوا : إن رفض النية ينتهض سببا في إبطال العبادة فرجع البحث إلى أن ذلك كله إبطال لأنفس الأسباب لا إبطال المسببات .

    فالجواب : أن الأمر ليس كذلك ; ، وإنما يصح الرفض في أثناء العبادة إذا كان قاصدا بها امتثال الأمر ، ثم أتمها على غير ذلك ، بل بنية أخرى ليست بعبادته التي شرع فيها ، كالمتطهر ينوي رفع الحدث ، ثم ينسخ تلك النية بنية التبرد أو التنظف من الأوساخ البدنية ، وأما بعد ما تمت العبادة ، وكملت على شروطها ; فقصده أن لا تكون عبادة ، ولا يترتب عليها حكم آخر من إجزاء أو استباحة أو غير ذلك غير مؤثر فيها ، بل هي على حكمها لو لم يكن ذلك القصد ; فالفرق بينهما ظاهر .

    ولا يعارض ذلك كلام من تكلم في الرفض ، وقال : إنه يؤثر ، ولم يفصل [ ص: 344 ] القول في ذلك ; فإن كلام الفقهاء في رفض الوضوء ، وخلافهم فيه غير خارج عن هذا الأصل ، من جهة أن الطهارة هنا لها وجهان في النظر ، فمن نظر إلى فعلها على ما ينبغي قال : إن استباحة الصلاة بها لازم ، ومسبب عن ذلك الفعل ، فلا يصح رفعه إلا بناقض طارئ ، ومن نظر إلى حكمها ، ـ أعني حكم استباحة الصلاة مستصحبا إلى أن يصلي ، وذلك أمر مستقبل ـ فيشترط فيه استصحاب النية الأولى المقارنة للطهارة ، وهي بالنية المنافية منسوخة ، فلا يصح استباحة الصلاة الآتية بها ; لأن ذلك كالرفض المقارن للفعل ، ولو قارن الفعل لأثر ، فكذلك هنا فلو رفض نية الطهارة بعدما أدى بها الصلاة ، وتم حكمها ، لم يصح أن يقال : إنه يجب عليه استئناف الطهارة والصلاة ; فكذلك من صلى ، ثم رفض تلك الصلاة بعد السلام منها ، وقد كان أتى بها على ما أمر به ; فإن قال به في مثل هذا فالقاعدة ظاهرة في خلاف ما قال . والله أعلم وبه التوفيق .

    هذا حكم الأسباب إذا فعلت باستكمال شرائطها ، وانتفاء موانعها ، وأما إذا [ ص: 345 ] لم تفعل الأسباب على ما ينبغي ، ولا استكملت شرائطها ، ولم تنتف موانعها ، فلا تقع مسبباتها ، شاء المكلف أو أبى ; لأن المسببات ليس وقوعها أو عدم وقوعها لاختياره .

    وأيضا ; فإن الشارع لم يجعلها أسبابا مقتضية إلا مع وجود شرائطها وانتفاء موانعها ، فإذا لم تتوفر لم يستكمل السبب أن يكون سببا شرعيا ، سواء علينا أقلنا إن الشروط وانتفاء الموانع أجزاء أسباب أم لا فالثمرة واحدة .

    وأيضا ; لو اقتضت الأسباب مسبباتها ، وهي غير كاملة بمشيئة المكلف أو ارتفعت اقتضاءاتها وهي تامة ، لم يكن لما وضع الشارع منها فائدة ، ولكان وضعه له عبثا ; لأن معنى كونها أسبابا شرعية هو أن تقع مسبباتها شرعا ، ومعنى كونها غير أسباب شرعا أن لا تقع مسبباتها شرعا ; فإذا كان اختيار المكلف يقلب حقائقها شرعا لم يكن لها وضع معلوم في الشرع ، وقد فرضناها موضوعة في الشرع على وضع معلوم ، هذا خلف محال ; فما يؤدي إليه مثله ، وبه يصح أن اختيارات المكلف لا تأثير لها في الأسباب الشرعية .

    فإن قيل : كيف هذا مع القول بأن النهي لا يدل على الفساد أو بأنه يدل على الصحة أو بأنه يفرق بين ما يدل على النهي لذاته أو لوصفه ; فإن هذه المذاهب تدل على أن التسبب المنهي عنه ـ وهو الذي لم يستكمل الشروط ، ولا [ ص: 346 ] انتفت موانعه ـ يفيد حصول المسبب ، وفي مذهب مالك ما يدل على ذلك ; فإن البيوع الفاسدة عنده تفيد من أولها شبهة ملك عند قبض المبيع ، وأيضا ; فتفيد الملك بحوالة الأسواق ، وغير ذلك من الأمور التي لا تفيت العين ، وكذلك الغصب ونحوه يفيد عنده الملك ، وإن لم تفت عين المغصوب في مسائل ، والغصب أو نحوه ليس بسبب من أصله ، فيظهر أن السبب المنهي عنه يحصل به المسبب إلا على القول بأن النهي يدل على الفساد مطلقا .

    فالجواب : أن القاعدة عامة ، وإفادة الملك في هذه الأشياء إنما هو لأمور أخر خارجة عن نفس العقد الأول ، وبيان ذلك لا يسع هاهنا ، وإنما يذكر فيما بعد هذا إن شاء الله .
    فصل

    ومن الأمور التي تنبني على ما تقدم أن الفاعل للسبب عالما بأن المسبب ليس إليه إذا وكله إلى فاعله ، وصرف نظره عنه ، كان أقرب إلى الإخلاص والتفويض ، والتوكل على الله تعالى ، والصبر على الدخول في الأسباب المأمور بها ، والخروج عن الأسباب المحظورة ، والشكر وغير ذلك من المقامات السنية ، والأحوال المرضية ، ويتبين ذلك بذكر البعض على أنه ظاهر .

    أما الإخلاص ; فلأن المكلف إذا لبى الأمر والنهي في السبب من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي خارج عن حظوظه ، قائم بحقوق ربه ، واقف [ ص: 347 ] موقف العبودية بخلاف ما إذا التفت إلى المسبب وراعاه ; فإنه عند الالتفات إليه متوجه شطره ، فصار توجهه إلى ربه بالسبب بواسطة التوجه إلى المسبب ، ولا شك في تفاوت ما بين الرتبتين في الإخلاص .

    وأما التفويض ; فلأنه إذا علم أن المسبب ليس بداخل تحت ما كلف به ، ولا هو من نمط مقدوراته كان راجعا بقلبه إلى من إليه ذلك وهو الله سبحانه فصار متوكلا ومفوضا ، هذا في عموم التكاليف العادية ، والعبادية ، ويزيد بالنسبة إلى العبادية أنه لا يزال بعد التسبب خائفا وراجيا ; فإن كان ممن يلتفت إلى المسبب بالدخول في السبب ، صار مترقبا له ناظرا إلى ما يؤول إليه تسببه ، وربما كان ذلك سببا إلى إعراضه عن تكميل السبب ; استعجالا لما ينتجه فيصير توجهه إلى ما ليس له ، وقد ترك التوجه إلى ما طلب بالتوجه إليه ، وهنا تقع حكاية من سمع أن من أخلص لله أربعين صباحا ، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ، فأخذ بزعمه في الإخلاص لينال الحكمة فتم الأمد ولم تأته الحكمة فسأل عن ذلك فقيل له : إنما أخلصت للحكمة ، ولم تخلص لله .

    وهذا واقع كثيرا في ملاحظات المسببات في الأسباب ربما غطت ملاحظاتها [ ص: 348 ] فحالت بين المتسبب ، وبين مراعاة الأسباب ، وبذلك يصير العابد مستكثرا لعبادته ، والعالم مغترا بعلمه إلى غير ذلك .

    وأما الصبر والشكر ; فلأنه إذا كان ملفتا إلى أمر الآمر وحده متيقنا أن بيده ملاك المسببات وأسبابها ، وأنه عبد مأمور ، وقف مع أمر الآمر ، ولم يكن له من ذلك محيد ولا زوال ، وألزم نفسه الصبر على ذلك لأنه تحت حد المراقبة ، وممن عبد الله كأنه يراه ، فإذا وقع المسبب كان من أشكر الشاكرين ; إذ لم ير لتسببه في ذلك المسبب ، وردا ، ولا صدرا ، ولا اقتضى منه في نفسه نفعا ، ولا ضرا ، وإن كان علامة وسببا عاديا فهو سبب بالتسبب ، ومعتبر في عادي الترتيب ، ولو كان ملتفتا إلى المسبب فالسبب قد ينتج وقد يعقم ، فإذا أنتج فرح ، وإذا لم ينتج لم يرض بقسم الله ولا بقضائه ، وعد السبب كلا شيء ، وربما مله فتركه ، وربما سئم منه فثقل عليه ، وهذا يشبه من يعبد الله على حرف ، وهو خلاف عادة من دخل تحت رق العبودية ، ومن تأمل سائر المقامات السنية ، وجدها في ترك الالتفات إلى المسببات ، وربما كان هذا أعظم نفعا في أصحاب الكرامات ، والخوارق .



    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات

    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (24)
    صـ349 إلى صـ 359


    فصل

    - ومنها : أن تارك النظر في المسبب بناء على أن أمره لله ، إنما همه السبب [ ص: 349 ] الذي دخل فيه فهو على بال منه في الحفظ له ، والمحافظة عليه ، والنصيحة فيه ، لأن غيره ليس إليه ، ولو كان قصده المسبب من السبب ، لكان مظنة لأخذ السبب على غير أصالته ، وعلى غير قصد التعبد فيه ، فربما أدى إلى الإخلال به ، وهو لا يشعر ، وربما شعر به ، ولم يفكر فيما عليه فيه ، ومن هنا تنجر مفاسد كثيرة ، وهو أصل الغش في الأعمال العادية نعم والعبادية ، بل هو أصل في الخصال المهلكة .

    أما في العاديات فظاهر ; فإنه لا يغش إلا استعجالا للربح الذي يأمله في تجارته أو للنفاق الذي ينتظره في صناعته أو ما أشبه ذلك .

    وأما في العبادات ; فإن من شأن من أحبه الله تعالى أن يوضع له القبول في الأرض ، بعد ما يحبه أهل السماء ، فالتقرب بالنوافل سبب للمحبة من الله تعالى ، ثم من الملائكة ، ثم يوضع القبول في الأرض ، فربما التفت العابد لهذا المسبب بالسبب الذي هو النوافل ، ثم يستعجل ، ويداخله طلب ما ليس له فيظهر ذلك السبب ، وهو الرياء ، وهكذا في سائر المهلكات ، وكفى بذلك فسادا .
    فصل

    - ومنها : أن صاحب هذه الحالة مستريح النفس ساكن البال مجتمع الشمل ، فارغ القلب من تعب الدنيا ، متوحد الوجهة ، فهو بذلك طيب المحيا ، مجازى في الآخرة ، قال تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة الآية [ النحل : 97 ] .

    [ ص: 350 ] وروي عن جعفر الصادق أنه قال في الحياة الطيبة : " هي المعرفة بالله ، وصدق المقام مع الله ، وصدق الوقوف على أمر الله " .

    وقال ابن عطاء : " العيش مع الله ، والإعراض عما سوى الله " .

    وأيضا ; ففيه كفاية جميع الهموم بجعل همه هما واحدا ، بخلاف من كان ناظرا إلى المسبب بالسبب ; فإنه ناظر إلى كل مسبب في كل سبب يتناوله ، وذلك مكثر ، ومشتت .

    وأيضا ; ففي النظر إلى كون السبب منتجا أو غير منتج تفرق بال ، وإذا أنتج فليس على وجه واحد ، فصاحبه متبدد الحال ، مشغول القلب في أن لو كان المسبب أصلح مما كان ، فتراه يعود تارة باللوم على السبب ، وتارة بعدم الرضى بالمسبب ، وتارة على غير هذه الوجوه ، وإلى هذا النحو يشير معنى قوله عليه الصلاة والسلام : لا تسبوا الدهر ; فإن الله هو الدهر ، وأمثاله .

    [ ص: 351 ] وأما المشتغل بالسبب معرضا عن النظر في غيره ، فمشتغل بأمر واحد ، وهو التعبد بالسبب أي سبب كان ، ولا شك أن هما واحدا خفيف على النفس جدا بالنسبة إلى هموم متعددة ، بل هم واحد ثابت خفيف بالنسبة إلى هم واحد متغير متشتت في نفسه ، وقد جاء أن : " من جعل همه هما واحدا كفاه الله سائر الهموم ، ومن جعل همه أخراه كفاه الله أمر دنياه " .

    [ ص: 352 ] ويقرب من هذا المعنى قول من قال : " من طلب العلم لله ; فالقليل من العلم يكفيه ، ومن طلبه للناس فحوائج الناس كثيرة " .

    وقد لهج الزهاد في هذا الميدان ، وفرحوا بالاستباق فيه حتى قال بعضهم : " لو علم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف " .

    وروي في الحديث : الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن . والزهد [ ص: 353 ] ليس عدم ذات اليد ، بل هو حال للقلب يعبر عنها ـ إن شئت ـ بما تقرر من الوقوف مع التعبد بالأسباب من غير مراعاة للمسببات التفاتا إليها في [ الأسباب ] ، فهذا أنموذج ينبهك على جملة هذه القاعدة .
    فصل

    - ومنها : أن النظر في المسبب قد يكون على التوسط ، كما سيأتي ذكره [ ص: 354 ] إن شاء الله تعالى ، وذلك إذا أخذه من حيث مجاري العادات ، وهو أسلم لمن التفت إلى المسبب ، وقد يكون على وجه من المبالغة فوق ما يحتمل البشر فيحصل بذلك للمتسبب ; إما شدة التعب ، وإما الخروج عما هو له إلى ما ليس له .

    أما شدة التعب ; فكثيرا ما يتفق لأرباب الأحوال في السلوك ، وقد يتفق أن يكون صاحب التسبب كثير الإشفاق أو كثير الخوف ، وأصل هذا تنبيه الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الكتاب العزيز ـ حالة دعائه الخلق بشدة الحرص ـ على أن الأولى به الرجوع إلى التوسط بقوله تعالى : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون إلى قوله : وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى الآية [ الأنعام : 33 - 35 ] .

    وقوله : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين [ الشعراء : 3 ] .

    وقوله : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر الآية [ المائدة : 41 ] .

    وقوله : فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك الآية إلى قوله : إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل [ هود : 12 ] .

    وقوله : ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون [ النحل : 127 ] .

    إلى غير ذلك مما هو في هذا المعنى مما يشير إلى الحض على الإقصار مما كان يكابد ، والرجوع إلى الوقوف مع ما أمر به مما هو تسبب ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم بقوله : إنما أنت منذر [ الرعد : 7 ] [ ص: 355 ] إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل [ هود : 12 ] وأشباه ذلك .

    وجميعه يشير إلى أن المطلوب منك التسبب ، والله هو المسبب ، وخالق المسبب ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم الآية [ آل عمران : 128 ] ، وهو ينبهك على شدة مقاساته عليه الصلاة والسلام في الحرص على إيمانهم ، ومبالغته في التبليغ طمعا في أن تقع نتيجة الدعوة ، وهي إيمانهم الذي به نجاتهم من العذاب ، حتى جاء في القرآن : عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم [ التوبة : 128 ] .

    ومع هذا فقد ندب عليه الصلاة والسلام إلى أمر هو أوفق ، وأحرى بالتوسط في مقام النبوة ، وأدنى من خفة ما يلقاه في ذلك من التعب والمشقة ، وأجرى في سائر الرتب التي دون النبوة ، هذا وإن كان مقام النبوة على ما يليق به من شرف المنزلة التي لا يدانيه فيها أحد ، فلا يقدح ذلك في صحة الاستدلال بأحكامه فيما دونها من المراتب اللائقة بالأمة ، كما تقرر عند أهل الشريعة من صحة الاستدلال بأحواله ، وأحكامه في أحكام أمته ، ما لم يدل دليل على اختصاصه دون أمته .

    وأما الخروج عما هو له إلى ما ليس له ; فلأنه إذا قصد عين المسبب أن يكون أو لا يكون كان مخالفا لمقصود الشارع ; إذ قد تبين أن المسبب ليس [ ص: 356 ] للمكلف ، ولم يكلف به ، بل هو لله وحده ، فمن قصده فالغالب عليه بحسب إفراطه أن يكون قاصدا لوقوعه بحسب غرضه المعين ، وهو إنما يجري على مقتضى إرادة الله تعالى ، لا على وفق غرض العبد المعين من كل وجه ، فقد صار غرض العبد وقصده مخالفا بالوضع لما أريد به ، وذلك خارج عن مقتضى الأدب ، ومعارضة للقدر أو ما هو ينحو ذلك النحو .

    وقد جاء في " الصحيح " التنبيه على هذا المعنى بقوله عليه الصلاة والسلام : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ، احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ، ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ; فإن لو تفتح عمل الشيطان . فقد نبهك على أن لو تفتح عمل الشيطان ؛ لأنه التفات إلى المسبب في السبب كأنه متولد عنه أو لازم عقلا ، بل ذلك قدر الله ، وما شاء فعل ; إذ لا يعينه وجود السبب ، ولا يعجزه فقدانه .

    فالحاصل أن نفوذ القدر المحتوم هو محصول الأمر ، ويبقى السبب : إن كان مكلفا به عمل فيه بمقتضى التكليف ، وإن كان غير مكلف به لكونه غير داخل في مقدوره استسلم استسلام من يعلم أن الأمر كله بيد الله ، فلا ينفتح [ عليه ] باب الشيطان ، وكثيرا ما يبالغ الإنسان في هذا المعنى حتى يصير منه [ ص: 357 ] إلى ما هو مكروه شرعا من تشويش الشيطان ، ومعارضة القدر ، وغير ذلك .
    فصل

    - ومنها : أن تارك النظر في المسبب أعلى مرتبة ، وأزكى عملا إذا كان عاملا في العبادات ، وأوفر أجرا في العادات ; لأنه عامل على إسقاط حظه ، بخلاف من كان ملتفتا إلى المسببات ; فإنه عامل على الالتفات إلى الحظوظ ; لأن نتائج الأعمال راجعة إلى العباد مع أنها خلق الله ; فإنها مصالح أو مفاسد تعود عليهم كما في حديث أبي ذر : " إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها " ، وأصله في القرآن : من عمل صالحا فلنفسه [ فصلت : 46 ] ; فالملتفت إليها عامل بحظه ، ومن رجع إلى مجرد الأمر والنهي ، [ عامل على إسقاط الحظوظ ، وهو مذهب أرباب الأحوال ] ، ولهذا بسط في موضع آخر .

    فإن قيل : على أي معنى يفهم إسقاط النظر في المسببات ؟ ، وكيف ينضبط ما يعد كذلك ؟ مما لا يعد كذلك ؟

    [ ص: 358 ] فالجواب أن ترك الحظوظ قد يكون ظاهرا ، بمعنى عدم التفات القلب إليها جملة ، وهذا قليل ، وأكثر ما يختص بهذا أرباب الأحوال من الصوفية ، فهو يقوم بالسبب مطلقا من غير أن ينظر هل له مسبب أم لا ، وقد يكون غير ظاهر [ ص: 359 ] بمعنى أن الحظ لا يسقط جملة من القلب ; إلا أنه التفت إليه من وراء الأمر أو النهي ، ويكون هذا مع الجريان على مجاري العادات ، مع علمه بأن الله مجريها كيف شاء ، ويكون أيضا مع طلب المسبب بالسبب ، أي : يطلب من المسبب مقتضى السبب ; فكأنه يسأل المسبب باسطا يد السبب ، كما يسأله الشيء باسطا يد الضراعة أو يكون مفوضا في المسبب إلى من هو إليه ، فهؤلاء قد أسقطوا النظر في المسبب بالسبب ، وإنما الالتفات للمسبب بمعنى الجريان مع السبب ; كالطالب للمسبب من نفس السبب أو كالمعتقد أن السبب هو المولد للمسبب ، فهذا هو المخوف الذي هو حر بتلك المفاسد المذكورة ، وبين هذين الطرفين ، وسائط هي مجال نظر المجتهدين ; فإلى أيهما كان أقرب كان الحكم له ، ومثل هذا مقرر أيضا في مسألة الحظوظ .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات

    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (25)
    صـ360 إلى صـ 368


    المسألة العاشرة

    ما ذكر من أن المسببات مرتبة على فعل الأسباب شرعا ، وأن الشارع يعتبر المسببات في الخطاب بالأسباب ، يترتب عليه بالنسبة إلى المكلف إذا اعتبره أمور :

    - منها : أن المسبب إذا كان منسوبا إلى المتسبب شرعا ، [ أو ] اقتضى أن يكون المكلف في تعاطي السبب ملتفتا إلى جهة المسبب أن يقع منه ما ليس في حسابه ; فإنه كما يكون التسبب مأمورا به كذلك يكون منهيا عنه ، وكما يكون التسبب في الطاعة منتجا ما ليس في ظنه من الخير ; لقوله تعالى : [ ص: 360 ] ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا [ المائدة : 32 ] .

    وقوله عليه السلام : من سن سنة حسنة كان له أجرها ، وأجر من عمل بها ، وقوله : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أنها تبلغ ما بلغت الحديث .

    كذلك يكون التسبب في المعصية منتجا ما لم يحتسب من الشر ; لقوله تعالى : فكأنما قتل الناس جميعا [ المائدة : 32 ] .

    وقوله عليه الصلاة والسلام : ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ، وقوله : ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ، وقوله : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله الحديث . إلى أشباه ذلك .

    [ ص: 361 ] وقد قرر الغزالي من هذا المعنى في كتاب الإحياء ، وفي غيره ما فيه كفاية وقد قال في كتاب الكسب : " ترويج الدرهم الزائف من الدراهم في أثناء النقد ظلم ; إذ به يستضر المعامل إن لم يعرف ، وإن عرف فيروجه على غيره ، وكذلك الثاني والثالث ، ولا يزال يتردد في الأيدي ، ويعم الضرر ويتسع الفساد ، ويكون وزر الكل ووباله راجعا إليه ; فإنه الذي فتح ذلك الباب " ، ثم استدل بحديث : من سن سنة حسنة إلخ .

    ثم حكي عن بعضهم أن إنفاق درهم زائف أشد من سرقة مائة درهم قال : " لأن السرقة معصية واحدة ، وقد تمت وانقطعت ، وإظهار الزائف بدعة أظهرها في الدين وسن سنة سيئة يعمل عليها من بعده ، فيكون عليه وزرها بعد موته إلى مائة سنة ، ومائتي سنة إلى أن يفنى ذلك الدرهم ، ويكون عليه ما فسد ونقص من أموال الناس بسببه ، وطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه ، والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة ، ومائتي سنة يعذب بها في قبره ، ويسأل عنها إلى انقراضها ، وقال تعالى : ونكتب ما قدموا وآثارهم [ يس : 12 ] أي : نكتب أيضا ما أخروه من آثار أعمالهم ، كما نكتب ما قدموه ، ومثله قوله تعالى : ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر [ القيامة : 13 ] ، وإنما أخر أثر أعماله ، من سن سنة سيئة عمل بها غيره " .

    [ ص: 362 ] هذا ما قاله هناك ، وقاعدة إيقاع السبب أنه بمنزلة إيقاع المسبب قد بينت هذا .

    وله في كتاب الشكر ما هو أشد من هذا ، حيث قدر النعم أجناسا ، وأنواعا ، وفصل فيها تفاصيل جمة ، ثم قال : " بل أقول : من عصى الله ولو في نظرة واحدة ، بأن فتح بصره حيث يجب غض البصر ، فقد كفر نعمة الله في السماوات والأرضين وما بينهما ; فإن كل ما خلق الله حتى الملائكة والسماوات والحيوانات والنبات بجملته نعمة على كل واحد من العباد قد تم بها انتفاعه " .

    ثم قرر شيئا من النعم العائدة إلى البصر من الأجفان ، ثم قال : " قد كفر نعمة الله في الأجفان ، ولا تقوم الأجفان إلا بعين ، ولا العين إلا بالرأس ، ولا الرأس إلا بجميع البدن ، ولا البدن إلا بالغذاء ، ولا الغذاء إلا بالماء والأرض والهواء والمطر والغيم والشمس والقمر ، ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالسماوات ، ولا السماوات إلا بالملائكة ; فإن الكل كالشيء الواحد يرتبط البعض منه بالبعض ، ارتباط أعضاء البدن بعضها ببعض " .

    قال : " وكذلك ورد في الأخبار أن البقعة التي يجتمع فيها الناس ; إما أن تلعنهم إذا تفرقوا أو تستغفر لهم " .

    [ ص: 363 ] ولذلك ورد : إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر ، وذلك إشارة إلى أن العاصي بتطريفة واحدة ، جنى على جميع ما في الملك والملكوت ، وقد أهلك نفسه إلى أن يتبع السيئة بحسنة تمحوها ، فيتبدل اللعن بالاستغفار فعسى الله أن يتوب عليه ويتجاوز عنه ، ثم حكى غير ذلك ، ومضى في كلامه .

    فإذا نظر المتسبب إلى مآلات الأسباب ; فربما كان باعثا له على التحرز من أمثال هذه الأشياء ; إذ يبدو له يوم الدين من ذلك ما لم يكن يحتسب ، والعياذ بالله .
    فصل

    - ومنها : أنه إذا التفت إلى المسببات مع أسبابها ، ربما ارتفعت عنه إشكالات ترد في الشريعة بسبب تعارض أحكام أسباب تقدمت مع أسباب أخر حاضرة ، وذلك أن متعاطي السبب قد يبقى عليه حكمه ، وإن رجع عن ذلك السبب أو تاب منه ، فيظن أن المسبب يرتفع حكمه برجوعه عن السبب ، ولا يكون كذلك .

    مثاله : من توسط أرضا مغصوبة ، ثم تاب وأراد الخروج منها ، فالظاهر الآن أنه لما أمر بالخروج فأخذ في الامتثال غير عاص ولا مؤاخذ ; لأنه لم يمكنه أن يكون ممتثلا عاصيا في حالة واحدة ، ولا مأمورا منهيا من جهة واحدة ; لأن ذلك تكليف ما لا يطاق ، فلا بد أن يكون في توسطه مكلفا بالخروج على وجه يمكنه ، ولا يمكن مع بقاء حكم النهي في نفس الخروج ; فلا بد أن يرتفع عنه حكم النهي في الخروج .

    وقال أبو هاشم : هو على حكم المعصية ، ولا يخرج عن ذلك إلا بانفصاله عن الأرض المغصوبة ، ورد الناس عليه قديما وحديثا ، والإمام أشار في البرهان إلى تصور هذا وصحته ، باعتبار أصل السبب الذي هو عصيان ; فانسحب عليه حكم التسبب ، وإن ارتفع بالتوبة ، ونظر ذلك بمسائل ، وهو [ ص: 365 ] صحيح باعتبار الأصل المتقدم ; فإن أصل التسبب أنتج مسببات خارجة عن نظره ، فلو نظر الجمهور إليها لم يستبعدوا اجتماع الامتثال مع استصحاب حكم المعصية إلى الانفصال عن الأرض المغصوبة ، وهذا أيضا ينبني على الالتفات إلى أن المسبب خارج عن نظره ; فإنه إذا رأى ذلك ، وجد نفس الخروج ذا وجهين :

    أحدهما : وجه كون الخروج سببا في الخلوص عن التعدي بالدخول في الأرض ، وهو من كسبه .

    والثاني : كونه نتيجة دخوله ابتداء ، وليس من كسبه بهذا الاعتبار ; إذ ليس [ ص: 366 ] له قدرة عن الكف عنه .

    ومن هذا : مسألة من تاب عن القتل بعد رمي السهم عن القوس ، وقبل وصوله إلى الرمية ، ومن تاب من بدعة بعد ما بثها في الناس ، وقبل أخذهم بها أو بعد ذلك ، وقبل رجوعهم عنها ، ومن رجع عن شهادته بعد الحكم بها وقبل الاستيفاء ، وبالجملة بعد تعاطي السبب على كماله وقبل تأثيره ، ووجود مفسدته أو بعد وجودها ، وقبل ارتفاعها إن أمكن ارتفاعها ، فقد اجتمع على المكلف هنا الامتثال مع بقاء العصيان ; فإن اجتمعا في الفعل الواحد كما في المثال الأول ، كان عاصيا ممتثلا ، إلا أن الأمر والنهي لا يتواردان عليه في هذا التصوير ; لأنه من جهة العصيان غير مكلف به ; لأنه مسبب غير داخل تحت قدرته فلا نهي إذ ذاك ، ومن جهة الامتثال مكلف ; لأنه قادر عليه فهو مأمور بالخروج وممتثل به ، وهذا معنى ما أراده الإمام . وما اعترض به عليه ، وعلى أبي هاشم لا يرد مع هذه الطريقة إذا تأملتها ، والله أعلم .
    فصل

    - ومنها : أن الله عز وجل جعل المسببات في العادة تجري على وزان الأسباب في الاستقامة أو الاعوجاج ، فإذا كان السبب تاما ، والتسبب على ما ينبغي ، كان المسبب كذلك ، وبالضد .

    [ ص: 367 ] ومن هاهنا إذا وقع خلل في المسبب ، نظر الفقهاء إلى التسبب هل كان على تمامه أم لا ؟ فإن كان على تمامه لم يقع على المتسبب لوم ، وإن لم يكن على تمامه رجع اللوم والمؤاخذة عليه ، ألا ترى أنهم يضمنون الطبيب والحجام والطباخ وغيرهم من الصناع إذا ثبت التفريط من أحدهم ، إما بكونه غر من نفسه وليس بصانع ، وإما بتفريط ، بخلاف ما إذا لم يفرط ; فإنه لا ضمان عليه ; لأن الغلط في المسببات أو وقوعها على غير وزان التسبب قليل فلا يؤاخذ ، بخلاف ما إذا لم يبذل الجهد ; فإن الغلط فيها كثير ; فلا بد من المؤاخذة .

    فمن التفت إلى المسببات من حيث كانت علامة على الأسباب في الصحة أو الفساد لا من جهة أخرى ، فقد حصل على قانون عظيم يضبط به جريان الأسباب على وزان ما شرع أو على خلاف ذلك ، ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع دليلا على ما في الباطن ; فإن كان الظاهر منخرما حكم على الباطن بذلك أو مستقيما حكم على الباطن بذلك أيضا ، وهو أصل عام في الفقه وسائر الأحكام العاديات والتجريبيات ، بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جدا ، والأدلة على صحته كثيرة جدا ، وكفى بذلك عمدة أنه الحاكم بإيمان المؤمن وكفر الكافر وطاعة المطيع وعصيان العاصي وعدالة العدل وجرحة المجرح ، وبذلك تنعقد العقود ، وترتبط المواثيق ، إلى غير ذلك من الأمور ، بل هو كلية التشريع ، وعمدة التكليف [ ص: 368 ] بالنسبة إلى إقامة حدود الشعائر الإسلامية الخاصة والعامة .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (26)
    صـ369 إلى صـ 380


    فصل

    - ومنها : أن المسببات قد تكون خاصة ، وقد تكون عامة ، ومعنى كونها خاصة : أن تكون بحسب وقع السبب ، كالبيع المتسبب به إلى إباحة الانتفاع بالمبيع ، والنكاح الذي يحصل به حلية الاستمتاع ، والذكاة التي بها يحصل حل الأكل ، وما أشبه ذلك ، وكذلك جانب النهي ، كالسكر الناشئ عن شرب الخمر ، وإزهاق الروح المسبب عن حز الرقبة .

    وأما العامة ; فكالطاعة التي هي سبب في الفوز بالنعيم ، والمعاصي التي هي سبب في دخول الجحيم ، وكذلك أنواع المعاصي التي يتسبب عنها فساد في الأرض ، كنقص المكيال والميزان المسبب عنه قطع الرزق ، والحكم بغير الحق الناشئ عنه الدم ، وختر العهد الذي يكون عنه تسليط العدو ، والغلول الذي يكون عنه قذف الرعب ، وما أشبه ذلك ، ولا شك أن أضداد [ ص: 369 ] [ ص: 370 ] [ ص: 371 ] هذه الأمور يتسبب عنها أضداد مسبباتها .

    فإذا نظر العامل فيما يتسبب عن عمله من الخيرات أو الشرور ، اجتهد في اجتناب المنهيات ، وامتثال المأمورات ، رجاء في الله وخوفا منه ، ولهذا جاء الإخبار في الشريعة بجزاء الأعمال ، وبمسببات الأسباب ، والله أعلم بمصالح عباده ، والفوائد التي تنبني على هذه الأصول كثيرة .
    فصل

    فإن قيل : تقرر في المسألة التي قبل هذه أن النظر في المسببات يستجلب مفاسد ، والجاري على مقتضى هذا أن لا يلتفت إلى المسبب في التسبب ، وتبين الآن أن النظر في المسببات يستجر مصالح ، والجاري على مقتضى هذا أن يلتفت إليها ; فإن كان هذا على الإطلاق كان تناقضا ، وإن لم يكن على الإطلاق ; فلا بد من تعيين موضع الالتفات الذي يجلب المصالح ، من الالتفات الذي يجر المفاسد بعلامة يوقف عندها أو ضابط يرجع إليه .

    فالجواب : أن هذا المعنى مبسوط في غير هذا الموضع ، ولكن ضابطه أنه إن كان الالتفات إلى المسبب من شأنه التقوية للسبب والتكملة له والتحريض على المبالغة في إكماله ; فهو الذي يجلب المصلحة ، وإن كان [ ص: 372 ] من شأنه أن يكر على السبب بالإبطال أو بالإضعاف أو بالتهاون به ; فهو الذي يجلب المفسدة .

    وهذان القسمان على ضربين :

    أحدهما : ما شأنه ذلك بإطلاق ; بمعنى أنه يقوي السبب أو يضعفه بالنسبة إلى كل مكلف ، وبالنسبة إلى كل زمان ، وبالنسبة إلى كل حال يكون عليها المكلف .

    والثاني : ما شأنه ذلك لا بإطلاق ، بل بالنسبة إلى بعض المكلفين دون بعض أو بالنسبة إلى بعض الأزمنة دون بعض أو بالنسبة إلى بعض أحوال المكلف دون بعض .

    وأيضا ; فإنه ينقسم من جهة أخرى قسمين :

    أحدهما : ما يكون في التقوية أو التضعيف مقطوعا به .

    والثاني : مظنونا أو مشكوكا فيه ; فيكون موضع نظر وتأمل ; فيحكم بمقتضى الظن ، ويوقف عند تعارض الظنون ، وهذه جملة مجملة غير مفسرة ، ولكن إذا روجع ما تقدم وما يأتي ; ظهر مغزاه ، وتبين معناه بحول الله .

    ويخرج عن هذا التقسيم نظر المجتهدين ; فإن على المجتهد أن ينظر في الأسباب ومسبباتها لما ينبني على ذلك من الأحكام الشرعية ، وما تقدم من التقسيم راجع إلى أصحاب الأعمال من المكلفين ، وبالله التوفيق .
    فصل

    [ ص: 373 ] وقد يتعارض الأصلان معا على المجتهدين ; فيميل كل واحد إلى ما غلب على ظنه : فقد قالوا في السكران إذا طلق أو أعتق أو فعل ما يجب عليه الحد فيه أو القصاص : عومل معاملة من فعلها عاقلا اعتبارا بالأصل الثاني ، وقالت طائفة : بأنه كالمجنون اعتبارا بالأصل الأول على تفصيل لهم في ذلك مذكور في الفقه ، واختلفوا أيضا في ترخص العاصي بسفره بناء على الأصلين أيضا ، واختلفوا في قضاء صوم التطوع ، وفي قطع التتابع بالسفر [ ص: 374 ] الاختياري إذا عرض له فيه عذر أفطر من أجله ، وكذلك اختلفوا في أكل الميتة إذا اضطر بسبب السفر الذي عصى بسببه ، وعليهما يجري الخلاف أيضا في المسألة المذكورة قبل هذا بين أبي هاشم وغيره ، فيمن توسط أرضا مغصوبة .
    المسألة الحادية عشرة

    الأسباب الممنوعة أسباب للمفاسد لا للمصالح ، كما أن الأسباب المشروعة أسباب للمصالح لا للمفاسد ، مثال ذلك : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; فإنه أمر مشروع لأنه سبب لإقامة الدين ، وإظهار شعائر الإسلام ، وإخماد الباطل على أي وجه كان ، وليس بسبب ـ في الوضع الشرعي ـ لإتلاف مال أو نفس ، ولا نيل من عرض ، وإن أدى إلى ذلك في الطريق ، وكذلك الجهاد موضوع لإعلاء كلمة الله ، وإن أدى إلى مفسدة في المال أو النفس ، ودفع المحارب مشروع لرفع القتل والقتال وإن أدى إلى القتل والقتال ، والطلب بالزكاة مشروع لإقامة ذلك الركن من أركان الإسلام ، وإن أدى إلى القتال ، كما فعله أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ، وأجمع عليه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ، وإقامة الحدود ، والقصاص مشروع لمصلحة الزجر عن الفساد ، وإن أدى إلى إتلاف النفوس وإهراق الدماء ، وهو في نفسه مفسدة ، وإقرار حكم الحاكم مشروع لمصلحة فصل الخصومات ، وإن أدى إلى [ ص: 375 ] الحكم بما ليس بمشروع هذا في الأسباب المشروعة .

    وأما في الأسباب الممنوعة ; فالأنكحة الفاسدة ممنوعة ، وإن أدت إلى إلحاق الولد ، وثبوت الميراث وغير ذلك من الأحكام وهي مصالح ، والغصب ممنوع للمفسدة اللاحقة للمغصوب منه ، وإن أدى إلى مصلحة الملك عند تغير المغصوب في يد الغاصب أو غيره من وجوه الفوت .

    فالذي يجب أن يعلم أن هذه المفاسد الناشئة عن الأسباب المشروعة ، [ والمصالح الناشئة عن الأسباب الممنوعة ] ليست بناشئة عنها في الحقيقة ، وإنما هي ناشئة عن أسباب أخر مناسبة لها .

    والدليل على ذلك ظاهر ; فإنها إذا كانت مشروعة ; فإما أن تشرع للمصالح أو للمفاسد أو لهما معا أو لغير شيء من ذلك ، فلا يصح أن تشرع للمفاسد ; لأن السمع يأبى ذلك ، فقد ثبت الدليل الشرعي على أن [ تلك ] [ ص: 376 ] الشريعة إنما جيء بالأوامر فيها جلبا للمصالح ، وإن كان ذلك غير واجب في العقول فقد ثبت في السمع ، وكذلك لا يصح أن تشرع لهما معا بعين ذلك الدليل ، ولا لغير شيء لما ثبت من السمع أيضا ; فظهر أنها شرعت للمصالح .

    وهذا المعنى يستمر فيما منع ، إما أن يمنع لأن فعله مؤد إلى مفسدة أو إلى مصلحة أو إليهما أو لغير شيء ، والدليل جار إلى آخره ; فإذا لا سبب مشروع إلا وفيه مصلحة لأجلها شرع ; فإن رأيته وقد انبنى عليه مفسدة ; فاعلم أنها ليست بناشئة عن السبب المشروع .

    وأيضا ; فلا سبب ممنوع إلا وفيه مفسدة لأجلها منع ; فإن رأيته وقد انبنى عليه مصلحة فيما يظهر ، فاعلم أنها ليست بناشئة عن السبب الممنوع ، وإنما ينشأ عن كل واحد منها ما وضع له في الشرع إن كان مشروعا ، وما منع لأجله إن كان ممنوعا ، وبيان ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا ، لم يقصد به الشارع إتلاف نفس ولا مال ، وإنما هو أمر يتبع السبب المشروع لرفع الحق ، وإخماد الباطل ، كالجهاد ليس مقصوده إتلاف النفوس ، بل إعلاء الكلمة ، لكن يتبعه في الطريق الإتلاف من جهة نصب الإنسان نفسه في محل يقتضي تنازع الفريقين ، وشهر السلاح ، وتناول القتال ، والحدود وأشباهها يتبع المصلحة فيها الإتلاف ، من جهة أنه لا يمكن إقامة المصلحة إلا بذلك ، وحكم الحاكم سبب لدفع التشاجر وفصل الخصومات بحسب الظاهر ، حتى تكون المصلحة ظاهرة ، وكون الحاكم مخطئا راجع إلى أسباب أخر ، من تقصير في النظر أو كون [ ص: 377 ] الظاهر على خلاف الباطن ، ولم يكن له على ذلك دليل ، وليس بمقصود في أمر الحاكم ، ولا ينقض الحكم إذا كان له مساغ ما بسبب أمر آخر ، وهو أن الفسخ يؤدي إلى ضد ما نصب له الحاكم من الفصل بين الخصوم ، ورفع التشاجر ; فإن الفسخ ضد الفصل .

    وأما قسم الممنوع ; فإن ثبوت تلك الأحكام إنما نشأ من الحكم بالتصحيح لذلك النكاح بعد الوقوع ، لا من جهة كونه فاسدا حسبما هو مبين في موضعه ، والبيوع الفاسدة من هذا النوع ، لأن لليد القابضة هنا حكم الضمان شرعا ، فصار القابض كالمالك للسلعة بسبب الضمان لا بسبب العقد ، فإذا فاتت عينها تعين المثل أو القيمة ، وإن بقيت على غير تغير ، ولا وجه من وجوه الفوت ، فالواجب ما يقتضيه النهي من الفساد فإذا حصل فيها تغير أو نحوه مما ليس بمفيت للعين ; تواردت أنظار المجتهدين هل يكون ذلك في حكم الفوت جملة بسبب التغير أم لا ؟ فبقي حكم المطالبة بالفسخ ، إلا أن في المطالبة بالفسخ حملا على صاحب السلعة إذا ردت عليه متغيرة مثلا ، كما [ ص: 378 ] أن فيها حملا على المشتري ، حيث أعطى ثمنا ، ولم يحصل له ما تعنى فيه من وجوه التصرفات التي حصلت في المبيع ، فكان العدل النظر فيما بين هذين ، فاعتبر في الفوت حوالة الأسواق ، والتغير الذي لم يفت العين ، وانتقال الملك ، وما أشبه ذلك من الوجوه المذكورة في كتب الفقهاء ، وحاصلها أن عدم الفسخ وتسليط المشتري على الانتفاع ليس سببه العقد المنهي عنه ، بل الطوارئ المترتبة بعده ، والغصب من هذا النحو أيضا ; فإن على اليد العادية حكم الضمان شرعا ، والضمان يستلزم تعين المثل أو القيمة في الذمة ، فاستوى في هذا المعنى مع المالك بوجه ما ، فصار له بذلك شبهة ملك فإذا حدث في المغصوب حادث تبقى معه العين على الجملة ; صار محل اجتهاد ، نظرا إلى حق صاحب المغصوب ، وإلى الغاصب ; إذ لا يجني عليه غصبه أن يحمل عليه في الغرم عقوبة له ، كما أن المغصوب منه لا يظلم بنقص حقه ، فكان في [ ص: 379 ] ذلك الاجتهاد بين هذين ، فالسبب في تملك الغاصب المغصوب ليس نفس الغصب ، بل التضمين أولا ، منضما إلى ما حدث بعد في المغصوب ، فعلى هذا النوع أو شبهه يجري النظر في هذه الأمور .

    والمقصود أن الأسباب المشروعة لا تكون أسبابا للمفاسد ، والأسباب الممنوعة لا تكون أسبابا للمصالح ; إذ لا يصح ذلك بحال .
    فصل

    وعلى هذا الترتيب يفهم حكم كثير من المسائل في مذهب مالك وغيره .

    ففي المذهب أن من حلف بالطلاق أن يقضي فلانا حقه إلى زمان كذا ، ثم خاف الحنث بعدم القضاء فخالع زوجته حتى انقضى الأجل ووقع الحنث وليست بزوجة ثم راجعها ، أن الحنث لا يقع عليه ، وإن كان قصده مذموما وفعله مذموما ; لأنه احتال بحيلة أبطلت حقا ، فكانت المخالعة ممنوعة ، وإن أثمرت عدم الحنث لأن عدم الحنث لم يكن بسبب المخالعة ، بل بسبب أنه حنث ، ولا زوجة له فلم يصادف الحنث محلا .

    وكذلك قول اللخمي فيمن قصد بسفره الترخص بالفطر في رمضان أن له أن يفطر ، وإن كره له هذا القصد ; لأن فطره بسبب المشقة اللازمة للسفر لا بسبب نفس السفر المكروه ، وإن علل الفطر بالسفر فلاشتماله على المشقة لا لنفس السفر ، ويحقق ذلك أن الذي كره له السفر الذي هو من كسبه ، والمشقة خارجة عن كسبه ، فليست المشقة هي عين المكروه له بل سببها ، والمسبب هو السبب في الفطر .

    [ ص: 380 ] فأما لو فرضنا أن السبب الممنوع لم يثمر ما ينهض سببا لمصلحة أو السبب المشروع لم يثمر ما ينهض سببا لمفسدة ، فلا يكون عن المشروع مفسدة تقصد شرعا ، ولا عن الممنوع مصلحة تقصد شرعا ، وذلك كحيل أهل العينة في جعل السلعة واسطة في بيع الدينار بالدينارين إلى أجل ، فهنا طرفان وواسطة : طرف لم يتضمن سببا ثابتا على حال كالحيلة المذكورة ، وطرف تضمن سببا قطعا أو ظنا كتغيير المغصوب في يد الغاصب ، فيملكه على التفصيل المعلوم ، وواسطة لم ينتف فيها السبب ألبتة ، ولا ثبت قطعا ، فهو محل أنظار المجتهدين .






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (27)
    صـ381 إلى صـ 390

    فصل

    هذا كله إذا نظرنا إلى هذه المسائل الفرعية بهذا الأصل المقرر ; فإن تؤملت من جهة أخرى ، كان الحكم آخر ، وتردد الناظرون فيه لأنه يصير محلا للتردد .

    وذلك أنه قد تقرر أن إيقاع المكلف الأسباب في حكم إيقاع المسببات ، وإذا كان كذلك ; اقتضى أن المسبب في حكم الواقع باختياره ، فلا يكون سببا شرعيا ، فلا يقع له مقتضى ، فالعاصي بسفره لا يقصر ولا يفطر ; لأن المشقة كأنها واقعة بفعله ; لأنها ناشئة عن سببه ، والمحتال للحنث بمخالعة امرأته لا يخلصه احتياله من الحنث ، بل يقع عليه إذا راجعها ، وكذلك المحتال لمراجعة زوجته بنكاح المحلل ، وما أشبه ذلك ; فهاهنا إذا روجع الأصلان ، كانت المسائل في محل الاجتهاد ، فمن ترجح عنده أصل قال بمقتضاه ، والله أعلم .
    فصل

    ما تقدم في هذا الأصل نظر في مسببات الأسباب ، من حيث كانت الأسباب مشروعة أو غير مشروعة ، أي : من جهة ما هي داخلة تحت نظر الشرع ، لا من جهة ما هي أسباب عادية لمسبباب عادية ; فإنها إذا نظر إليها من [ ص: 382 ] هذا الوجه كان النظر فيها آخر ; فإن قصد التشفي بقصد القتل متسبب فيما هو عنده مصلحة أو دفع مفسدة ، وكذلك تارك العبادات الواجبة إنما تركها فرارا من إتعاب النفس ، وقصدا إلى الدعة والراحة بتركها ، فهو من جهة ما هو فاعل بإطلاق أو تارك بإطلاق ، متسبب في درء المفاسد عن نفسه أو جلب المصالح لها ، كما كان الناس في أزمان الفترات ، والمصالح والمفاسد هنا هي المعتبرة بملائمة الطبع ومنافرته ; فلا كلام هنا في مثل هذا .
    المسألة الثانية عشرة

    الأسباب ـ من حيث هي أسباب شرعية ـ لمسببات إنما شرعت لتحصيل مسبباتها ، وهي المصالح المجتلبة أو المفاسد المستدفعة ، والمسببات بالنظر إلى أسبابها ضربان :

    أحدهما : ما شرعت الأسباب لها ; إما بالقصد الأول ، وهي متعلق المقاصد الأصلية أو المقاصد الأول أيضا ، وإما بالقصد الثاني ، وهي متعلق المقاصد التابعة ، وكلا الضربين مبين في كتاب المقاصد .

    [ ص: 383 ] والثاني : ما سوى ذلك مما يعلم أو يظن أن الأسباب لم تشرع لها أو لا يعلم ولا يظن أنها شرعت لها أو لم تشرع لها ، فتجيء الأقسام ثلاثة : أحدها : ما يعلم أو يظن أن السبب شرع لأجله ، فتسبب المتسبب فيه صحيح ; لأنه أتى الأمر من بابه ، وتوسل إليه بما أذن الشارع في التوسل به إلى ما أذن أيضا في التوسل إليه ; لأنا فرضنا أن الشارع قصد بالنكاح مثلا التناسل أولا ، ثم يتبعه اتخاذ السكن ، ومصاهرة أهل المرأة لشرفهم أو دينهم ، أو نحو ذلك أو الخدمة أو القيام على مصالحه أو التمتع بما أحل الله من النساء أو التجمل بمال المرأة أو الرغبة في جمالها أو الغبطة بدينها أو التعفف عما حرم الله أو نحو ذلك حسبما دلت عليه الشريعة ، فصار إذا ما قصده هذا المتسبب مقصود الشارع على الجملة ، وهذا كاف ، وقد تبين في كتاب المقاصد أن القصد المطابق لقصد الشارع هو الصحيح ، فلا سبيل إلى القول بفساد هذا التسبب .

    لا يقال : إن القصد إلى الانتفاع مجردا لا يغني دون قصد حل البضع بالعقد أولا ; فإنه الذي ينبني عليه ذلك القصد ، والشارع إنما قصده بالعقد أولا [ ص: 384 ] الحل ، ثم يترتب عليه الانتفاع ، فإذا لم يقصد إلا مجرد الانتفاع فقد تخلف قصده عن قصد الشارع ، فيكون مجرد القصد إلى الانتفاع غير صحيح ، ويتبين هذا بما إذا أراد التمتع بفلانة كيف اتفق بحل أو غيره ، فلم يمكنه ذلك إلا بالنكاح المشروع ، وقصده أنه لو أمكنه بالزنا لحصل مقصوده ، فإذا عقد عليها ، والحال هذه فلم يكن قاصدا لحله ، وإذا لم يقصد حلها فقد خالف قصد الشارع بالعقد فكان باطلا ، والحكم في كل فعل أو ترك جار هذا المجرى .

    لأنا نقول هو على ما فرض في السؤال صحيح ، وذلك أن حاصل قصد هذا القاصد أنه لم يقدر على ما قصد من وجه غير جائز ، فأتاه من وجه قد جعله الشارع موصلا إليه ، ولم يكن قصده بالعقد أنه ليس بعقد ، بل قصد انعقاد النكاح بإذن من إليه الإذن ، وأدى ما الواجب أن يؤدى فيه ، لكن ملجأ إلى ذلك ، فله بهذا التسبب الجائز مقتضاه ، ويبقى النظر في قصده إلى المحظور الذي لم يقدر عليه ; فإن كان عند عزم على المعصية لو قدر عليها أثم عند المحققين ، وإن كان خاطرا على غير عزيمة ، فمغتفر كسائر الخواطر ، فلم يقترن إذا بالعقد ما يصيره باطلا ; لوقوعه كامل الأركان ، حاصل الشروط ، منتفي الموانع ، وقصد القاصد للعصيان لو قدر عليه خارج عن قصده الاستباحة [ ص: 385 ] بالوجه المقصود للشارع ، وهذا القصد الثاني موجود عنده لا محالة ، وهو موافق لقصد الشارع بوضع السبب ، فصح التسبب ، وأما إلزام قصد الحل فلا يلزم ، بل يكفي القصد إلى إيقاع السبب المشروع ، وإن غفل عن وقوع الحل به ; لأن الحل الناشئ عن السبب ليس بداخل تحت التكليف كما تقدم .

    والثاني : ما يعلم أو يظن أن السبب لم يشرع لأجله ابتداء ، فالدليل يقتضي أن ذلك التسبب غير صحيح ، لأن السبب لم يشرع أولا لهذا المسبب المفروض ، وإذا لم يشرع له فلا يتسبب عنه حكمته في جلب مصلحة ولا دفع مفسدة بالنسبة إلى ما قصد بالسبب ، فهو إذا باطل ، هذا وجه .

    ووجه ثان : وهو أن هذا السبب بالنسبة إلى هذا المقصود المفروض غير مشروع ، فصار كالسبب الذي لم يشرع أصلا ، وإذا كان التسبب غير المشروع أصلا لا يصح ، فكذلك ما شرع إذا أخذ لما لم يشرع له .

    ووجه ثالث : أن كون الشارع لم يشرع هذا السبب لهذا المسبب المعين دليل على أن في ذلك التسبب مفسدة لا مصلحة أو أن المصلحة المشروع لها السبب منتفية بذلك المسبب ، فيصير السبب بالنسبة إليه عبثا ; فإن كان الشارع قد نهى عن ذلك التسبب الخاص ، فالأمر واضح ، فإذا قصد بالنكاح [ ص: 386 ] مثلا التوصل إلى أمر فيه إبطاله كنكاح المحلل أو بالبيع التوصل إلى الربا مع إبطال البيع ، وما أشبه ذلك من الأمور التي يعلم أو يظن أن الشارع لا يقصدها ، كان هذا العمل باطلا لمخالفته لقصد الشارع في شرع النكاح والبيع ، وهكذا سائر الأعمال ، والتسببات العادية ، والعبادية .

    فإن قيل : كيف هذا والناكح في المثال المذكور ؟ وإن كان قصد رفع النكاح بالطلاق لتحل للأول ، فما قصده إلا ثانيا عن قصد النكاح ; لأن الطلاق لا يحصل إلا في ملك نكاح ، فهو قصد نكاحا يرتفع بالطلاق ، والنكاح من شأنه ووضعه الشرعي أن يرتفع بالطلاق ، وهو مباح في نفسه فيصح ، لكن كونه قصد مع ذلك التحليل للأول أمر آخر ، وإن كان مذموما ; فإنه إذا اقترن أمران مفترقان في أنفسهما فلا تأثير لأحدهما في الآخر ; لانفكاك أحدهما من الآخر تحقيقا كالصلاة في الدار المغصوبة .

    وفي الفقه ما يدل على هذا : فقد اتفق مالك وأبو حنيفة على صحة التعليق في الطلاق قبل النكاح والعتق قبل الملك ، فيقول للأجنبية إن تزوجتك ; فأنت طالق ، وللعبد إن اشتريتك فأنت حر ، ويلزمه الطلاق إن تزوج ، والعتق إذا اشترى ، وقد علم أن مالكا وأبا حنيفة يبيحان له أن يتزوج المرأة ، وأن يشتري العبد .

    وفي " المبسوطة " عن مالك فيمن حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها إلى ثلاثين سنة ، ثم يخاف العنت قال : " أرى له جائزا أن يتزوج ، ولكن إن تزوج طلقت عليه " ، مع أن هذا النكاح ، وهذا الشراء ليس فيهما شيء مما قصده الشارع [ ص: 387 ] بالقصد الأول ، ولا بالقصد الثاني إلا الطلاق ، والعتق ، ولم يشرع النكاح للطلاق ، ولا الشراء للخروج عن اليد ، وإنما شرعا لأمور أخر ، والطلاق والعتاق من التوابع غير المقصودة في مشروعيتهما ، فما جاز هذا إلا لأن وقوع الطلاق أو العتق ثان عن حصول النكاح أو الملك ، وعن القصد إليه فالناكح قاصد بنكاحه الطلاق ، والمشتري قاصد بشرائه العتق ، وظاهر هذا القصد المنافاة لقصد الشارع ، ولكنه مع ذلك جائز عند هذين الإمامين ، وإذا كان كذلك ; فأحد الأمرين جائز ; إما جواز التسبب بالمشروع إلى ما لم يشرع له السبب ; وإما بطلان هذه المسائل .

    وفي مذهب مالك من هذا كثير جدا ، ففي المدونة فيمن نكح وفي نفسه أن يفارق ، أنه ليس من نكاح المتعة ، فإذا تزوج المرأة ليمين لزمته أن يتزوج على امرأته فقد فرضوا المسألة ، وقال مالك : إن النكاح حلال ; فإن شاء أن يقيم عليه أقام ، وإن شاء أن يفارق فارق ، وقال ابن القاسم : وهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم مما علمنا أو سمعنا قال : وهو عندنا نكاح ثابت ، الذي يتزوج يريد أن يبر في يمينه ، وهو بمنزلة من يتزوج المرأة للذة يريد أن يصيب منها لا يريد حبسها ، ولا ينوي ذلك ، على ذلك نيته وإضماره في تزويجها ; فأمرهما واحد ; فإن شاء أن يقيما أقاما ، لأن أصل النكاح حلال ، ذكر هذه في " المبسوطة " .

    وفي الكافي في الذي يقدم البلدة فيتزوج المرأة ، ومن نيته أن يطلقها بعد السفر : " أن قول الجمهور جوازه " .

    [ ص: 388 ] وذكر ابن العربي مبالغة مالك في منع نكاح المتعة ، وأنه لا يجيزه بالنية ، كأن يتزوجها بقصد الإقامة معها مدة ، وإن لم يلفظ بذلك ، ثم قال : وأجازه سائر العلماء ، ومثل بنكاح المسافرين قال : وعندي أن النية لا تؤثر في ذلك ; فإنا لو ألزمناه أن ينوي بقلبه النكاح الأبدي لكان نكاحا نصرانيا ، فإذا سلم لفظه لم تضره نيته ، ألا ترى أن الرجل يتزوج على حسن العشرة رجاء الأدمة ، فإن وجدها وإلا فارق ، كذلك يتزوج على تحصيل العصمة ; فإن اغتبط ارتبط ، وإن كره فارق ، وهذا كلامه في كتاب الناسخ والمنسوخ ، وحكى اللخمي عن مالك [ فمن نكح لغربة ] أو لهوى ليقضي أربه ، ويفارق فلا بأس .

    فهذه مسائل دلت على خلاف ما تقدم في القاعدة المستدل عليها ، وأشدها مسألة حل اليمين لأنه لم يقصد النكاح رغبة فيه ، وإنما قصد أن يبر في يمينه ، ولم يشرع النكاح لمثل هذا ، ونظائر ذلك كثيرة ، وجميعها صحيح مع القصد المخالف لقصد الشارع ، وما ذلك إلا لأنه قاصد للنكاح أولا ، ثم [ ص: 389 ] الفراق ثانيا ، وهما قصدان غير متلازمين ; [ وإلا ] فإن جعلتهما متلازمين في المسألة الأولى بحيث يؤثر أحدهما في الآخر ، فليكن كذلك في هذه المسائل ، وحينئذ يبطل جميع ما تقدم ، فعلى الجملة يلزم إما بطلان هذا كله ، وإما بطلان ما تقدم .

    فالجواب من وجهين أحدهما إجمالي ، والآخر تفصيلي .

    فأما الإجمالي : فهو أن نقول أصل المسألة صحيح لما تقدم من الأدلة ، وما اعترض به ليس بداخل تحتها ، ولا هي منها بدليل قولهم بالجواز والصحة فيها ، فما اتفقوا منها على جوازه فلسلامته من مقتضى أصل المسألة ، وما اختلفوا فيه فلدخوله عند المانعين تحتها ، ولسلامته عند المجيزين ; لأن العلماء لا يتناقض كلامهم ، ولا ينبغي أن يحمل على ذلك ما وجد إلى غيره سبيل ، وهذا جواب يكفي المقلد في الفقه وأصوله ، ويورد على العالم من باب تحسين الظن بمن تقدم من السلف الصالح ليتوقف ، ويتأمل ، ويلتمس المخرج ، ولا يتعسف بإطلاق الرد .

    وأما التفصيلي : فنقول : إن هذه المسائل لا تقدح فيما تقدم ، أما مسألة [ ص: 390 ] التعليق فقد قال القرافي : " إنها من المشكلات على الإمامين ، وإن من قال بشرعية النكاح في صورة التعليق قبل الملك ، فقد التزم المشروعية مع انتفاء الحكمة المعتبرة فيه شرعا " قال : " وكان يلزم أن لا يصح العقد على المرأة ألبتة ، لكن العقد صحيح إجماعا ; فدل على عدم لزوم الطلاق تحصيلا لحكمة العقد ، قال : فحيث أجمعنا على شرعيته دل ذلك على بقاء حكمته ، وهو بقاء النكاح المشتمل على مقاصده قال : وهذا موضع مشكل على أصحابنا انتهى قوله .

    وهو عاضد لما تقدم ، ولكن النظر فيه راجع إلى أصل آخر ندرجه أثناء هذه المسألة للضرورة إليه ، وهي :


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله



    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (28)
    صـ391 إلى صـ 399

    المسألة الثالثة عشرة

    وذلك أن السبب المشروع لحكمة لا يخلو أن يعلم أو يظن وقوع الحكمة به أو لا فإن علم أو ظن ذلك فلا إشكال في المشروعية ، وإن لم يعلم ، ولا ظن ذلك فهو على ضربين :

    أحدهما : أن يكون ذلك لعدم قبول المحل لتلك الحكمة أو لأمر خارجي .

    فإن كان الأول ; ارتفعت المشروعية أصلا فلا أثر للسبب شرعا ألبتة بالنسبة إلى ذلك المحل ، مثل الزجر بالنسبة إلى غير العاقل إذا جنى ، والعقد [ ص: 391 ] على الخمر ، والخنزير ، والطلاق بالنسبة إلى الأجنبية ، والعتق بالنسبة إلى ملك الغير ، وكذلك العبادات ، وإطلاق التصرفات بالنسبة إلى غير العاقل ، وما أشبه ذلك .

    والدليل على ذلك أمران :

    الأول أن أصل السبب قد فرض أنه لحكمة بناء على قاعدة إثبات المصالح حسبما هو مبين في موضعه ، فلو ساغ شرعه مع فقدانها جملة لم يصح أن يكون مشروعا ، وقد فرضناه مشروعا هذا خلف .

    والثاني : أنه لو كان كذلك ; لزم أن تكون الحدود وضعت لغير قصد الزجر ، والعبادات لغير قصد الخضوع لله ، وكذلك سائر الأحكام ، وذلك باطل باتفاق القائلين بتعليل الأحكام .

    وأما إن كان امتناع وقوع حكم الأسباب ـ وهي المسببات ـ لأمر خارجي مع قبول المحل من حيث نفسه فهل يؤثر ذلك الأمر الخارجي في شرعية السبب أم يجري السبب على أصل مشروعيته ، هذا محتمل ، والخلاف فيه سائغ ، وللمجيز أن يستدل على ذلك بأمور :

    أحدها : أن القاعدة الكلية لا تقدح فيها قضايا الأعيان ولا نوادر التخلف ، وسيأتي لهذا المعنى تقرير في موضعه إن شاء الله .

    [ ص: 392 ] والثاني : وهو الخاص بهذا المكان أن الحكمة إما أن تعتبر بمحلها وكونه قابلا لها فقط ، وإما أن تعتبر بوجودها فيه ، فإن اعتبرت بقبول المحل فقط فهو المدعى ، والمحلوف بطلاقها في مسألة التعليق قابلة للعقد عليها من الحالف وغيره ، فلا يمنع ذلك إلا بدليل خاص في المنع ، وهو غير موجود ، وإن اعتبرت بوجودها في المحل ، لزم أن يعتبر في المنع فقدانها مطلقا لمانع أو لغير مانع ، كسفر الملك المترفه ; فإنه لا مشقة له في السفر أو هو مظنة لعدم وجود المشقة فكان القصر والفطر في حقه ممتنعين ، وكذلك إبدال الدرهم بمثله ، وإبدال الدينار بمثله مع أنه لا فائدة في هذا العقد ، وما أشبه ذلك من المسائل التي نجد الحكم فيها جاريا على أصل مشروعيته ، والحكمة غير موجودة .

    ولا يقال : إن السفر مظنة المشقة بإطلاق ، وإبدال الدرهم بالدرهم [ ص: 393 ] مظنة لاختلاف الأغراض بإطلاق ، وكذلك سائر المسائل التي في معناها ، فليجز التسبب بإطلاق ، بخلاف نكاح المحلوف بطلاقها بإطلاق ; فإنها ليست بمظنة للحكمة ، ولا توجد فيها على حال .

    لأنا نقول : إنما نظير السفر بإطلاق نكاح الأجنبية بإطلاق ; فإن قلتم بإطلاق الجواز مع عدم اعتبار وجود المصلحة في المسألة المقيدة فلتقولوا بصحة نكاح المحلوف بطلاقها ; لأنها صورة مقيدة من مطلق صور نكاح الأجنبيات ، بخلاف نكاح القرابة المحرمة كالأم والبنت مثلا ; فإنها محرمة بإطلاق فالمحل غير قابل بإطلاق ، فهذا من الضرب الأول ، وإذا لم يكن ذلك فلا بد من القول به في تلك المسائل ، وإذ ذاك يكون بعض الأسباب مشروعا ، وإن لم توجد الحكمة ولا مظنتها ، إذا كان المحل في نفسه قابلا ;لأن قبول المحل في نفسه مظنة للحكمة وإن لم توجد وقوعا ، وهذا معقول .

    والثالث : أن اعتبار وجود الحكمة في محل عينا لا ينضبط ; لأن تلك الحكمة لا توجد إلا ثانيا عن وقوع السبب ، فنحن قبل وقوع السبب جاهلون بوقوعها أو عدم وقوعها ، فكم ممن طلق على أثر إيقاع النكاح ، وكم من نكاح فسخ إذ ذاك لطارئ طرأ أو مانع منع ، وإذا لم نعلم وقوع الحكمة فلا يصح [ ص: 394 ] توقف مشروعية السبب على وجود الحكمة ; لأن الحكمة لا توجد إلا بعد وقوع السبب ، وقد فرضنا وقوع السبب بعد وجود الحكمة ، وهو دور محال ، فإذا لا بد من الانتقال إلى اعتبار مظنة قبول المحل لها على الجملة كافيا .

    وللمانع أيضا أن يستدل على ما ذهب إليه بأوجه ثلاثة : أحدها : إن قبول المحل ; إما أن يعتبر شرعا بكونه قابلا في الذهن [ ص: 395 ] خاصة ، وإن فرض غير قابل في الخارج ، فما لا يقبل لا يشرع التسبب فيه ، وإما بكونه توجد حكمته في الخارج ، فما لا توجد حكمته في الخارج لا يشرع أصلا ، كان في نفسه قابلا لها ذهنا أو لا ، فإن كان الأول ; فهو غير صحيح ; لأن الأسباب المشروعة إنما شرعت لمصالح العباد ، وهي حكم المشروعية فما ليس فيه مصلحة ، ولا هو مظنة مصلحة موجودة في الخارج ، فقد ساوى ما لا يقبل المصلحة لا في الذهن ولا في الخارج من حيث المقصد الشرعي ، وإذا استويا امتنعا أو جازا ، لكن جوازهما يؤدي إلى جواز ما اتفق على منعه ، فلا بد من القول بمنعهما مطلقا ، وهو المطلوب .

    الثاني : أنا لو أعملنا السبب هنا مع العلم بأن المصلحة لا تنشأ عن ذلك السبب ، ولا توجد به ; لكان ذلك نقضا لقصد الشارع في شرع الحكم ; لأن التسبب هنا يصير عبثا ، والعبث لا يشرع بناء على القول بالمصالح ، فلا فرق بين هذا وبين القسم الأول ، وهذا هو [ معنى ] كلام القرافي .

    والثالث : أن جواز ما أجيز من تلك المسائل إنما هو باعتبار وجود [ ص: 396 ] الحكمة ; فإن انتفاء المشقة بالنسبة إلى الملك المترفه غير متحقق ، بل الظن بوجودها غالب ; غير أن المشقة تختلف باختلاف الناس ، ولا تنضبط ، فنصب الشارع المظنة في موضع الحكمة ضبطا للقوانين الشرعية ، كما جعل التقاء الختانين ضابطا لمسبباته المعلومة ، وإن لم يكن الماء عنه لأنه مظنته ، وجعل الاحتلام مظنة حصول العقل القابل للتكليف ; لأنه غير منضبط في نفسه ، إلى أشياء من ذلك كثيرة .

    وأما إبدال الدرهم بمثله ، فالمماثلة من كل وجه قد لا تتصور عقلا ; فإنه ما من متماثلين إلا وبينهما افتراق ولو في تعيينهما ، كما أنه ما من مختلفين إلا وبينهما مشابهة ، ولو في نفي ما سواهما عنهما ، ولو فرض التماثل من كل وجه فهو نادر ، ولا يعتد بمثله أن يكون معتبرا ، والغالب المطرد اختلاف الدرهمين ، والدينارين ، ولو بجهة الكسب ، فأطلق الجواز لذلك ، [ وإذا كان ذلك ] كذلك ; فلا دليل في هذه المسائل على مسألتنا .
    فصل

    وقد حصل في ضمن هذه المسألة الجواب عن مسألة التعليق .

    وأما مسألة النكاح للبر في اليمين ، وما ذكر معها ; فإنه موضع فيه احتمال [ ص: 397 ] للاختلاف ، وإن كان وجه الصحة هو الأقوى ، فمن نظر إلى أنه نكاح صدر من أهله في محله القابل له كما تقدم بسطه لم يمنع ، ومن نظر إلى أنه لما كان له نية ـ المفارقة أو كان مظنة لذلك ـ أشبه النكاح المؤقت ; لم يجز هذا ، وإن كان ابن القاسم لم يحك في مسألة نكاح البر خلافا ، فقد غمزه هو أو غيره بأنه لا يقع به الإحصان ، وهذا كاف فيما فيه من الشبهة ، فالموضع مجال نظر المجتهدين .

    وإذا نظرنا إلى مذهب مالك ، وجدنا نكاح البر نكاحا مقصودا لغرضه المقصود ، لكن على أن يرفع حكم اليمين ، وكونه مقصودا به رفع اليمين يكفي بأنه قصد للنكاح المشروع الذي تحل به المرأة للاستمتاع وغيره من مقاصده ، إلا أنه يتضمن رفع اليمين ، وهذا غير قادح ، وكذلك النكاح لقضاء الوطر مقصود أيضا ; لأن قضاء الوطر من مقاصده على الجملة ، ونية الفراق بعد ذلك أمر خارج إلى ما بيده من الطلاق الذي جعل الشارع له ، وقد يبدو له فلا يفارق ، وهذا هو الفرق بينه وبين نكاح المتعة ; فإنه في نكاح المتعة بان على شرط التوقيت .

    وكذلك نكاح التحليل لم يقصد به ما يقصد بالنكاح ، إنما قصد به تحليلها للمطلق الأول بصورة نكاح زوج غيره ، لا بحقيقته ; فلم يتضمن غرضا [ ص: 398 ] من أغراضه التي شرع لها .

    وأيضا ; فمن حيث كان لأجل الغير لا يمكن فيه البقاء معها عرفا أو شرطا ; فلم يمكن أن يكون نكاحا يمكن استمراره .

    وأيضا ; فالنص بمنعه عتيد ، فيوقف عنده على أنه لو لم يكن في نكاح المحلل تراوض ولا شرط ، وكان الزوج هو القاصد لذلك ; فإن بعض العلماء يصحح هذا النكاح اعتبارا بأنه قاصد الاستمتاع على الجملة ثم الطلاق ، فقد قصد على الجملة ما يقصد بالنكاح من أغراضه المقصودة ، ويتضمن ذلك العود إلى الأول إن اتفق على قول ، ولا يتضمنه على قول ، [ ص: 399 ] وذلك بحكم التبعية ، وإن كان هذا من الأقوال المرجوحة فلا يخلو من وجه من النظر .

    ومما يدل على أن حل اليمين إذا قصد بالنكاح لا يقدح فيه ، أنه لو نذر أو حلف على فعل قربة من صلاة أو حج أو عمرة أو صيام أو ما أشبه ذلك من العبادات أنه يفعله ، ويصح منه قربة ، وهذا مثله ، فلو كان هذا من اليمين وشبهه قادحا في أصل العقد ، لكان قادحا في أصل العبادة ; لأن شرط العبادة التوجه بها إلى المعبود قاصدا بذلك التقرب إليه ، فكما تصح العبادة المنذورة أو المحلوف عليها ، وإن لم يقصد بها إلا حل اليمين ، وإلا لم يبر فيه ، فكذلك هنا بل أولى ، وكذلك من حلف أن يبيع سلعة يملكها فالعقد ببيعها صحيح ، وإن لم يقصد بذلك إلا حل اليمين ، وكذلك إن حلف أن يصيد أو يذبح هذه الشاة أو ما أشبه ذلك .

    وهذا كله راجع إلى أصلين :

    أحدهما : إن الأحكام المشروعة للمصالح لا يشترط وجود المصلحة في كل فرد من أفراد محالها ، وإنما يعتبر أن يكون مظنة لها خاصة .

    والثاني : أن الأمور العادية إنما يعتبر في صحتها أن لا تكون مناقضة لقصد الشارع ، ولا يشترط ظهور الموافقة ، وكلا الأصلين سيأتي إن شاء الله تعالى .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (29)
    صـ400 إلى صـ 412

    فصل

    والقسم الثالث من القسم الأول هو أن يقصد بالسبب مسببا لا يعلم ، ولا يظن أنه مقصود الشارع أو غير مقصود له ، وهذا موضع نظر ، وهو محل إشكال ، واشتباه ، وذلك أنا لو تسببنا لأمكن أن يكون ذلك السبب غير موضوع لهذا المسبب المفروض ، كما أنه يمكن أن يكون موضوعا له ولغيره ، فعلى الأول يكون التسبب غير مشروع ، وعلى الثاني : يكون مشروعا ، وإذا دار العمل بين أن يكون مشروعا أو غير مشروع ، كان الإقدام على التسبب غير مشروع .

    لا يقال : إن السبب قد فرض مشروعا على الجملة ; فلم لا يتسبب به ؟

    لأنا نقول : إنما فرض مشروعا بالنسبة إلى شيء معين مفروض معلوم لا مطلقا ، وإنما كان يصح التسبب [ به ] مطلقا ، إذا علم شرعيته لكل ما يتسبب عنه على الإطلاق والعموم ، وليس ما فرضنا الكلام فيه من هذا ، بل علمنا أن كثيرا من الأسباب شرعت لأمور تنشأ عنها ، ولم تشرع لأمور وإن كانت تنشأ عنها ، وتترتب عليها كالنكاح ; فإنه مشروع لأمور كالتناسل وتوابعه ، ولم يشرع عند الجمهور للتحليل ولا ما أشبهه ، فلما علمنا أنه مشروع لأمور مخصوصة ، كان ما جهل كونه مشروعا له مجهول الحكم ، فلا تصح مشروعية الإقدام حتى يعرف الحكم .

    ولا يقال : الأصل الجواز ; لأن ذلك ليس على الإطلاق ، فالأصل في الأبضاع المنع ; إلا بأسباب [ ص: 401 ] مشروعة ، والحيوانات الأصل في أكلها المنع حتى تحصل الذكاة المشروعة ، إلى غير ذلك من الأمور المشروعة بعد تحصيل أشياء لا مطلقا ، فإذا ثبت هذا ، وتبين مسبب لا ندري أهو مما قصده الشارع بالتسبب المشروع أم مما لم يقصده ، وجب التوقف حتى يعرف الحكم فيه ، ولهذا قاعدة يتبين بها ما هو مقصود الشارع من مسببات الأسباب ، وما ليس بمشروع ، وهي مذكورة في كتاب " المقاصد " [ والله المستعان ] .
    المسألة الرابعة عشرة

    كما أن الأسباب المشروعة يترتب عليها أحكام ضمنا ، كذلك غير المشروعة يترتب عليها أيضا أحكام ضمنا ، كالقتل يترتب عليه القصاص ، والدية في مال الجاني أو العاقلة ، وغرم القيمة إن كان المقتول عبدا ، والكفارة ، وكذلك التعدي يترتب عليه الضمان والعقوبة ، والسرقة يترتب عليها الضمان ، والقطع ، وما أشبه ذلك من الأسباب الممنوعة في خطاب التكليف المسببة لهذه الأسباب في خطاب الوضع .

    [ ص: 402 ] وقد يكون هذا السبب الممنوع يسبب مصلحة من جهة أخرى ليس ذلك سببا فيها ; كالقتل يترتب عليه ميراث الورثة ، وإنفاذ الوصايا ، وعتق المدبرين ، وحرية أمهات الأولاد ، [ وكذلك ] الأولاد ، وكذلك الإتلاف بالتعدي يترتب عليه ملك المتعدي للمتلف تبعا لتضمينه القيمة ، والغصب يترتب عليه ملك المغصوب إذا تغير في يديه على التفصيل المعلوم بناء على تضمينه ، وما أشبه ذلك .

    فأما الضرب الأول ; فالعاقل لا يقصد التسبب إليه ; لأنه عين مفسدة عليه لا مصلحة فيها ، وإنما الذي من شأنه أن يقصد .

    الضرب الثاني : وهو إذا قصد فالقصد إليه على وجهين :

    أحدهما : أن يقصد به المسبب الذي منع لأجله لا غير ذلك ; كالتشفي [ ص: 403 ] في القتل ، والانتفاع المطلق في المغصوب والمسروق ، فهذا القصد غير قادح في ترتب الأحكام التبعية المصلحية ; لأن أسبابها إذا كانت حاصلة حصلت مسبباتها ; إلا من باب سد الذرائع كما في حرمان القاتل ، وإن كان لم يقصد إلا التشفي أو كان القتل خطأ عند من قال بحرمانه ، ولكن قالوا : إذا تغير المغصوب في يد الغاصب أو أتلفه ; فإن من أحكام [ ذلك ] التغير أنه إن كان كثيرا فصاحبه غير مخير فيه ، ويجوز للغاصب الانتفاع به على ضمان القيمة ، على كراهية عند بعض العلماء ، وعلى غير كراهية عند آخرين .

    وسبب ذلك أن قصد هذا المتسبب لم يناقض قصد الشارع في ترتب هذه الأحكام ; لأنها ترتبت على ضمان القيمة أو التغير أو مجموعهما ، وإنما ناقضة في إيقاع السبب المنهي عنه ، والقصد إلى السبب بعينه ; ليحصل به غرض مطلق غير القصد إلى هذا المسبب بعينه الذي هو ناشئ عن الضمان أو القيمة أو [ ص: 404 ] مجموعهما ، وبينهما فرق ، وذلك أن الغصب يتبعه لزوم الضمان على فرض تغيره ، فتجب القيمة بسبب التغير الناشئ عن الغصب ، وحين وجبت القيمة وتعينت ، صار المغصوب لجهة الغاصب ملكا له ; حفظا لمال الغاصب أن يذهب باطلا بإطلاق ; فصار ملكه تبعا لإيجاب القيمة عليه لا بسبب الغصب ، فانفك القصدان ، فقصد القاتل التشفي غير قصده لحصول الميراث ، وقصد الغاصب الانتفاع غير قصده لضمان القيمة ، وإخراج المغصوب عن ملك المغصوب منه ، وإذا كان كذلك ; جرى الحكم التابع الذي لم يقصده القاتل والغاصب على مجراه ، وترتب نقيض مقصوده فيما قصد مخالفته وذلك عقابه ، وأخذ المغصوب من يده أو قيمته ، وهذا ظاهر إلا ما سدت فيه الذريعة .

    والثاني أن يقصد توابع السبب ، وهي التي تعود عليه بالمصلحة ضمنا ; كالوارث يقتل الموروث ليحصل له الميراث ، والموصى له يقتل الموصي ليحصل له الموصى به ، والغاصب يقصد ملك المغصوب فيغيره ليضمن قيمته [ ص: 405 ] ويتملكه ، وأشباه ذلك ; فهذا التسبب باطل ; لأن الشارع لم يمنع تلك الأشياء في خطاب التكليف ليحصل بها في خطاب الوضع مصلحة ، فليست إذا بمشروعة في ذلك التسبب ، ولكن يبقى النظر هل يعتبر في ذلك التسبب المخصوص كونه مناقضا في القصد لقصد الشارع عينا حتى لا يترتب عليه ما قصده المتسبب ، فتنشأ من هنا قاعدة المعاملة بنقيض المقصود ، ويطلق الحكم باعتبارها إذا تعين ذلك القصد المفروض ، وهو مقتضى الحديث في حرمان القاتل الميراث ، ومقتضى الفقه في حديث المنع من جمع المفترق ، وتفريق المجتمع خشية الصدقة ، وكذلك ميراث المبتوتة في المرض أو تأبيد التحريم على من نكح في العدة ، إلى كثير من هذا أو يعتبر جعل الشارع ذلك سببا للمصلحة المترتبة ، ولا يؤثر في ذلك قصد هذا القاصد ; فيستوي في الحكم مع الأول ، هذا مجال للمجتهدين فيه اتساع نظر ، ولا سبيل إلى القطع بأحد الأمرين ، فلنقبض عنان الكلام فيه .

    الأسباب المشروعة يترتب عليها أحكام ضمنا
    [ ص: 406 ] النوع الثاني في الشروط

    والنظر فيه في مسائل :

    المسألة الأولى

    أن المراد بالشرط في هذا الكتاب ما كان وصفا مكملا لمشروطه فيما اقتضاه ذلك المشروط ; أو فيما اقتضاه الحكم فيه ; كما نقول : إن الحول أو [ ص: 407 ] [ ص: 408 ] [ ص: 409 ] إمكان النماء مكمل لمقتضى الملك أو لحكمة الغنى ، والإحصان مكمل لوصف الزنى في اقتضائه للرجم ، والتساوي في الحرمة مكمل لمقتضى القصاص أو لحكمة الزجر ، والطهارة والاستقبال وستر العورة مكملة لفعل الصلاة أو لحكمة الانتصاب للمناجاة والخضوع ، وما أشبه ذلك ، وسواء علينا أكان وصفا للسبب أو العلة أو المسبب أو المعلول أو لمحالها أو لغير ذلك مما يتعلق به مقتضى الخطاب الشرعي ; فإنما هو وصف من أوصاف ذلك المشروط ، ويلزم من ذلك أن يكون مغايرا له ، بحيث يعقل المشروط مع الغفلة عن الشروط ، وإن لم ينعكس كسائر الأوصاف مع الموصوفات حقيقة أو اعتبارا ، ولا فائدة في التطويل هنا ; فإنه تقرير اصطلاح .
    [ ص: 410 ] وإذ ذكر اصطلاح هذا الكتاب في الشرط فليذكر اصطلاحه في السبب والعلة والمانع .

    فأما السبب فالمراد به : ما وضع شرعا لحكم لحكمة يقتضيها ذلك الحكم ، كما كان حصول النصاب سببا في وجوب الزكاة ، والزوال سببا في وجوب الصلاة ، والسرقة سببا في وجوب القطع ، والعقود أسبابا في إباحة الانتفاع أو انتقال الأملاك ، وما أشبه ذلك .

    وأما العلة فالمراد بها : الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو [ ص: 411 ] الإباحة ، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي ; فالمشقة علة في إباحة القصر والفطر في السفر ، والسفر هو السبب الموضوع سببا للإباحة ، فعلى الجملة العلة هي المصلحة نفسها أو المفسدة لا مظنتها ، كانت ظاهرة أو غير ظاهرة ، منضبطة أو غير منضبطة ، وكذلك نقول في قوله عليه الصلاة والسلام : لا يقضي القاضي وهو غضبان فالغضب سبب ، وتشويش الخاطر عن استيفاء الحجج هو العلة ، على أنه قد يطلق هنا لفظ السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما ، ولا مشاحة في الاصطلاح .

    وأما المانع : فهو السبب المقتضي لعلة تنافي علة ما منع ; لأنه إنما يطلق بالنسبة إلى سبب مقتض لحكم لعلة فيه ، فإذا حضر المانع وهو مقتض علة تنافي تلك العلة ، ارتفع ذلك الحكم ، وبطلت تلك العلة ، لكن من شرط كونه مانعا أن يكون مخلا بعلة السبب الذي نسب له المانع ; فيكون رفعا [ ص: 412 ] لحكمه ، فإنه إن لم يكن كذلك ; كان حضوره مع ما هو مانع له من باب تعارض سببين أو حكمين متقابلين ، وهذا بابه كتاب التعارض والترجيح فإذا قلنا : الدين مانع من الزكاة ، فمعناه أنه سبب يقتضي افتقار المديان إلى ما يؤدي به دينه ، وقد تعين فيما بيده من النصاب ، فحين تعلقت به حقوق الغرماء انتفت حكمة وجود النصاب ، وهي الغنى الذي هي علة وجوب الزكاة فسقطت ، وهكذا نقول في الأبوة المانعة من القصاص ; فإنها تضمنت علة تخل بحكمة القتل العمد العدوان ، وما أشبه ذلك مما هو كثير .






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (30)
    صـ413 إلى صـ 421

    الشروط على ثلاثة أقسام :

    أحدها : العقلية ; كالحياة في العلم ، والفهم في التكليف .

    والثاني : العادية كملاصقة النار الجسم المحرق ـ في الإحراق ، ومقابلة الرائي للمرئي ، وتوسط الجسم الشفاف في الإبصار ـ ، وأشباه ذلك .

    والثالث : الشرعية كالطهارة في الصلاة ، والحول في الزكاة ، والإحصان في الزنى ، وهذا الثالث هو المقصود بالذكر ; فإن حدث التعرض لشرط من شروط القسمين الأولين ، فمن حيث تعلق به حكم شرعي في خطاب الوضع أو خطاب التكليف ، ويصير إذ ذاك شرعيا بهذا الاعتبار ; فيدخل تحت القسم الثالث .
    افتقرنا إلى بيان أن الشرط مع المشروط كالصفة مع الموصوف ، وليس بجزء ، والمستند فيه الاستقراء في الشروط الشرعية ; ألا ترى أن الحول هو المكمل لحكمة حصول النصاب وهي الغنى ; فإنه إذا ملك فقط لم يستقر عليه حكمه إلا بالتمكن من الانتفاع به في وجوه المصالح ; فجعل الشارع الحول مناطا لهذا التمكن الذي ظهر به وجه الغنى ، والحنث في اليمين مكمل [ ص: 414 ] لمقتضاها ; فإنها لم يجعل لها كفارة إلا وفي الإقدام عليها جناية ما على اسم الله ، وإن اختلفوا في تقريرها ، فعلى كل تقدير لا يتحقق مقتضى الجناية إلا عند الحنث ، فعند ذلك كمل مقتضى اليمين ، والزهوق أيضا مكمل لمقتضى إنفاذ المقاتل الموجب للقصاص أو الدية ، ومكمل لتقرر حقوق الورثة في مال المريض مرضا مخوفا ، والإحصان مكمل لمقتضى جناية الزنى الموجبة للرجم ، وهكذا سائر الشروط الشرعية مع مشروطاتها .

    وربما يشكل هذا التقرير بما يذكر من أن العقل شرط التكليف ، والإيمان شرط في صحة العبادات والتقربات ; فإن العقل إن لم يكن فالتكليف محال عقلا أو سمعا كتكليف العجماوات ، والجمادات فكيف يقال : إنه مكمل ، بل هو العمدة في صحة التكليف ، وكذلك لا يصح أن يقال : إن الإيمان مكمل للعبادات ; فإن عبادة الكافر لا حقيقة لها يصح أن يكملها الإيمان ، وكثير من هذا .

    ويرتفع هذا الإشكال بأمرين :

    أحدهما : أن هذا من الشروط العقلية لا الشرعية ، وكلامنا في الشروط الشرعية .

    [ ص: 415 ] والثاني : أن العقل في الحقيقة شرط مكمل لمحل التكليف وهو الإنسان لا في نفس التكليف ، ومعلوم أنه بالنسبة إلى الإنسان مكمل ، وأما الإيمان فلا نسلم أنه شرط لأن العبادات مبنية عليه ; ألا ترى أن معنى العبادات التوجه إلى المعبود بالخضوع والتعظيم بالقلب والجوارح ؟ وهذا فرع الإيمان ; فكيف يكون أصل الشيء ، وقاعدته التي ينبني عليها شرطا فيه ؟ هذا غير معقول ، ومن أطلق هنا لفظ الشرط ; فعلى التوسع في العبارة .

    وأيضا ; فإن سلم في الإيمان أنه شرط ; ففي المكلف لا في التكليف ، ويكون شرط صحة عند بعض ، وشرط وجوب عند بعض ، فيما عدا التكليف بالإيمان حسبما ذكره الأصوليون في مسألة خطاب الكفار بالفروع .
    الأصل المعلوم في الأصول أن السبب إذا كان متوقف التأثير على شرط فلا يصح أن يقع المسبب دونه ، ويستوي في ذلك شرط الكمال ، وشرط الإجزاء ، فلا يمكن الحكم بالكمال مع فرض توقفه على شرط ، [ كما لا يصح الحكم بالإجزاء مع فرض توقفه على شرط ] ، وهذا من كلامهم ظاهر ; فإنه لو صح وقوع المشروط بدون شرطه لم يكن شرطا فيه ، وقد فرض كذلك ، هذا خلف .

    وأيضا ; لو صح ذلك ، لكان متوقف الوقوع على شرطه غير متوقف الوقوع عليه معا ، وذلك محال .

    وأيضا ; فإن الشرط من حيث هو [ شرط ] يقتضي أنه لا يقع المشروط [ ص: 416 ] إلا عند حضوره فلو جاز وقوعه دونه ، لكان المشروط واقعا وغير واقع معا ، وذلك محال ، والأمر أوضح من الإطناب فيه .

    ولكنه ثبت في كلام طائفة من الأصوليين أصل آخر ، وعزي إلى مذهب مالك أن الحكم إذا حضر سببه وتوقف حصول مسببه على شرط فهل يصح وقوعه بدون شرطه أم لا ؟ قولان ; اعتبارا باقتضاء السبب أو بتخلف الشرط ، فمن راعى السبب وهو مقتض لمسببه ، غلب اقتضاءه ولم يراع توقفه على الشرط ، ومن راعى الشرط وأن توقف السبب عليه مانع من وقوع مسببه ; لم يراع حضور السبب بمجرده إلا أن يحضر الشرط فينتهض السبب عند ذلك في اقتضائه .

    وربما أطلق بعضهم جريان الخلاف في هذا الأصل مطلقا ، ويمثلون ذلك بأمثلة منها : إن حصول النصاب سبب في وجوب الزكاة ، ودوران الحول شرطه ، ويجوز تقديمها قبل الحول على الخلاف .

    واليمين سبب في الكفارة ، والحنث شرطها ، ويجوز تقديمها قبل الحنث على أحد القولين .

    وإنفاذ المقاتل سبب في القصاص أو الدية ، والزهوق شرط ، ويجوز العفو قبل الزهوق وبعد السبب ، ولم يحكوا في هذه الصورة خلافا .

    وفي المذهب : إذا جعل الرجل أمر امرأة يتزوجها بيد زوجة هي في ملكه ، [ ص: 417 ] إن شاءت طلقت أو أبقت ، فاستأذنها في التزويج فأذنت له ، فلما تزوجها أرادت هذه أن تطلق عليه ، وقال مالك : ليس لها ذلك ; بناء على أنها قد أسقطت بعد جريان السبب وهو التمليك ، وإن كان قبل حصول الشرط وهو التزوج .

    وإذا أذن الورثة عند المرض المخوف في التصرف في أكثر من الثلث جاز ، مع أنهم لا يتقرر ملكهم إلا بعد الموت ، فالمرض هو السبب لتملكهم ، والموت شرط فينفذ إذنهم عند مالك ـ خلافا لأبي حنيفة والشافعي ـ ، وإن لم يقع الشرط ، ومن الناس من قال بإنفاذ ; إذنهم في الصحة والمرض ; فالسبب على رأي هؤلاء هو القرابة ، ولا بد لهم من القول بأن الموت شرط .

    وفي المذهب : من جامع فالتذ ولم ينزل فاغتسل ثم أنزل ، ففي وجوب الغسل عليه ثانية قولان ، ونفي الوجوب بناء على أن سبب الغسل انفصال الماء عن مقره ، وقد اغتسل فلا يغتسل له مرة أخرى ، هذه حجة سحنون وابن المواز ، فالسبب هو الانفصال ، والخروج شرط ولم يعتبر ، إلى كثير من المسائل تدار على هذا الأصل .

    وهو ظاهر المعارضة للأصل الأول ; فإن الأول يقضي بأنه لا يصح وقوع المشروط بدون شرطه بإطلاق ، والثاني يقضي بأنه صحيح عند بعض العلماء ، وربما صح باتفاق كما في مسألة العفو قبل الزهوق ، ولا يمكن أن يصح الأصلان معا بإطلاق ، والمعلوم صحة الأصل الأول ; فلا بد من النظر [ ص: 418 ] في كلامهم في الأصل الثاني .

    أما أولا : فنفس التناقض بين الأصلين كاف في عدم صحته عند العلم بصحة الأصل الأول .

    وأما ثانيا : فلا نسلم أن تلك المسائل جارية على عدم اعتبار الشرط ; فإنا نقول :

    من أجاز تقديم الزكاة قبل [ حلول ] الحول مطلقا من غير أهل مذهبنا فبناء على أنه ليس بشرط في الوجوب ، وإنما هو شرط في الانحتام ، فالحول كله كأنه وقت ـ عند هذا القائل ـ لوجوب الزكاة موسع ، ويتحتم في آخر الوقت كسائر أوقات التوسعة ، وأما الإخراج قبل الحول بيسير ـ على مذهبنا ـ فبناء على أن ما قرب من الشيء فحكمه حكمه ، فشرط الوجوب حاصل .

    وكذلك القول في شرط الحنث : من أجاز تقديم الكفارة عليه فهو عنده شرط في الانحتام من غير تخيير لا شرط في وجوبها .

    وأما مسألة الزهوق فهو شرط في وجوب القصاص أو الدية ، لا أنه شرط في صحة العفو ، وهذا متفق عليه ; إذ العفو بعده لا يمكن فلا بد من وقوعه قبله إن وقع ، ولا يصح أن يكون شرطا ; إذ ذاك في صحته ، ووجه صحته [ ص: 419 ] أنه حق من حقوق المجروح التي لا تتعلق بالمال ; فجاز عفوه عنه مطلقا كما يجوز عفوه عن سائر الجراح ، وعن عرضه إذا قذف ، وما أشبه ذلك ، والدليل على أن مدرك حكم العفو ليس ما قالوه ، أنه لا يصح للمجروح ولا لأوليائه استيفاء القصاص أو أخذ دية النفس كاملة قبل الزهوق باتفاق ، ولو كان كما قالوه لكان في هذه المسألة قولان .

    وأما مسألة تمليك المرأة ; فإنها لما أسقطت حق نفسها فيما شرطت على الزوج قبل تزوجه ، لم يبق لها ما تتعلق به بعده ; لأن ما كانت تملكه بالتمليك قد أسقطت حقها فيه بعد ما جرى سببه ، فلم يكن لتزوجه تأثير فيما تقدم من الإسقاط ، وهو فقه ظاهر .

    ومسألة إذن الورثة بينة المعنى ; فإن الموت سبب في صحة الملك لا في تعلقه ، والمرض سبب في تعلق حق الورثة بمال الموروث لا في تملكهم له ، فهما سببان ، كل واحد منها يقتضي حكما لا يقتضيه الآخر ، فمن حيث [ ص: 420 ] كان المرض سببا لتعلق الحق ، وإن لم يكن ملكا ، كان إذنهم واقعا في محله ; لأنهم لما تعلق حقهم بمال الموروث ، صارت لهم فيه شبهة ملك ، فإذا أسقطوا حقهم فيه لم يكن لهم بعد ذلك مطالبة ; لأنهم صاروا ـ في الحال الذي أنفذوا تصرف المريض فيه حالة المرض ـ كالأجانب فإذا حصل الموت لم يكن لهم فيه حق ; كالثلث . و [ قول ] القائل بمنع الإنفاذ يصح مع القول بأن الموت شرط ; لأنهم أذنوا قبل التمليك ، وقبل حصول الشرط ، فلا ينفذ كسائر الشروط مع مشروطاتها .

    وأما مسألة الإنزال ; فيصح بناؤها على أنه ليس بشرط في هذا الغسل ، [ ص: 421 ] أو لأنه لا حكم له ; لأنه إنزال من غير اقتران لذة .

    فعلى الجملة هذه الأشياء لم يتعين فيها التخريج على عدم اعتبار الشرط .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (31)
    صـ422 إلى صـ 435

    الشروط المعتبرة في المشروطات شرعا على ضربين :

    أحدهما : ما كان راجعا إلى خطاب التكليف ; إما مأمورا بتحصيلها كالطهارة للصلاة ، وأخذ الزينة لها ، وطهارة الثوب ، ـ وما أشبه ذلك ـ ، وإما منهيا عن تحصيلها كنكاح المحلل الذي هو شرط لمراجعة الزوج الأول ، والجمع بين المفترق ، والفرق بين المجتمع خشية الصدقة ، الذي هو شرط لنقصان الصدقة ، وما أشبه ذلك فهذا الضرب واضح قصد الشارع فيه ، فالأول مقصود الفعل ، والثاني مقصود الترك ، وكذلك الشرط المخير فيه ـ إن اتفق ـ فقصد الشارع فيه جعله لخيرة المكلف : إن شاء فعله فيحصل المشروط ، وإن شاء تركه فلا يحصل .
    والضرب الثاني : ما يرجع إلى خطاب الوضع ; كالحول في الزكاة ، والإحصان في الزنى ، والحرز في القطع ، وما أشبه ذلك ; فهذا الضرب ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو شرط ، ولا في عدم تحصيله ، فإبقاء النصاب حولا حتى تجب الزكاة فيه ليس بمطلوب الفعل أن يقال : يجب على [ صاحبه ] إمساكه حتى تجب عليه الزكاة فيه ، ولا مطلوب الترك أن يقال : [ ص: 422 ] يجب عليه إنفاقه خوفا أن تجب فيه الزكاة ، وكذلك الإحصان لا يقال : إنه مطلوب الفعل ليجب عليه الرجم إذا زنى ، ولا مطلوب الترك لئلا يجب عليه الرجم إذا زنى .

    وأيضا ; فلو كان مطلوبا لم يكن من باب خطاب الوضع ، وقد فرضناه كذلك ; هذا خلف ، والحكم فيه ظاهر .

    فإذا توجه قصد المكلف إلى فعل الشرط أو إلى تركه ، من حيث هو فعل داخل تحت قدرته ، فلا بد من النظر في ذلك ، وهي :
    المسألة السابعة

    فلا يخلو أن يفعله أو يتركه من حيث هو داخل تحت خطاب التكليف مأمورا به أو منهيا عنه أو مخيرا فيه أو لا ، فإن كان ذلك فلا إشكال فيه ، وتنبني [ ص: 423 ] الأحكام التي تقتضيها الأسباب على حضوره ، وترتفع عند فقده ، كالنصاب إذا أنفق قبل الحول للحاجة إلى إنفاقه أو أبقاه للحاجة إلى إبقائه أو يخلط ماشيته بماشية غيره لحاجته إلى الخلطة أو يزيلها لضرر الشركة أو لحاجة أخرى أو يطلب التحصن بالتزويج لمقاصده أو يتركه لمعنى من المعاني الجارية على الإنسان ، إلى ما أشبه ذلك .

    وإن كان فعله أو تركه من جهة كونه شرطا قصدا لإسقاط حكم الاقتضاء في السبب أن لا يترتب عليه أثره ; فهذا عمل غير صحيح وسعي باطل ، دلت على ذلك دلائل العقل والشرع معا .

    فمن الأحاديث في هذا الباب قوله : لا يجمع بين متفرق ، ولا يفرق [ ص: 424 ] بين مجتمع خشية الصدقة .

    [ ص: 425 ] وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ البيع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار ، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله .

    وقال : من أدخل فرسا بين فرسين ، وهو لا يأمن أن تسبق ، فليس بقمار ، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن تسبق ; فهو قمار .

    [ ص: 426 ] [ ص: 427 ] وقال في حديث بريرة حين اشترط أهلها أن يكون الولاء لهم : من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط الحديث .

    ونهى [ عليه الصلاة والسلام ] عن بيع وشرط ، وعن بيع وسلف ، وعن شرطين في بيع ، وسائر أحاديث الشروط المنهي عنها .

    [ ص: 428 ] ومنه حديث : من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه .

    وحديث : إن اليمين على نية المستحلف .

    وعليه جاءت الآية إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا الآية [ آل عمران : 77 ] .

    وفي القرآن أيضا : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله الآية [ البقرة : 229 ] .

    وآية شهادة الزور والأحاديث فيها من هذا أيضا .

    وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ النساء : 29 ] .

    وما جاء من الأحاديث .

    وقال : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [ البقرة : 230 ] .

    [ ص: 429 ] وما جاء من أحاديث لعن المحلل والمحلل له والتيس المستعار .

    وحديث التصرية في شراء الشاة على أنها غزيرة الدر .

    وسائر أحاديث النهي عن الغش .

    [ ص: 430 ] والخديعة .

    والخلابة .

    والنجش .

    وحديث امرأة رفاعة القرظي حين طلقها ، وتزوجها عبد الرحمن بن [ ص: 431 ] الزبير .

    والأدلة أكثر من أن يؤتى عليها هنا .

    [ ص: 432 ] وأيضا ; فإن هذا العمل يصير ما انعقد سببا لحكم شرعي جلبا لمصلحة أو دفعا لمفسدة ، عبثا لا حكمة له ، ولا منفعة به ، وهذا مناقض لما ثبت في قاعدة المصالح وأنها معتبرة في الأحكام .

    وأيضا ; فإنه مضاد لقصد الشارع من جهة أن السبب لما انعقد ، وحصل في الوجود ، صار مقتضيا شرعا لمسببه ، لكنه توقف على حصول شرط هو تكميل للسبب ، فصار هذا الفاعل أو التارك بقصد رفع حكم السبب قاصدا لمضادة الشارع في وضعه سببا ، وقد تبين [ أن ] مضادة قصد الشارع باطلة فهذا العمل باطل .

    فإن قيل : المسألة مفروضة في سبب توقف اقتضاؤه للحكم على شرط ، فإذا فقد الشرط بحكم القصد إلى فقده ; كان كما لو لم يقصد ذلك ، ولا تأثير للقصد ، وقد تبين أن الشرط إذا لم يوجد لم ينهض السبب أن يكون مقتضيا ; كالحول في الزكاة ; فإنه شرط لا تجب الزكاة بدونه بالفرض ، والمعلوم من قصد الشارع أن السبب إنما يكون سببا مقتضيا عند وجود الشروط لا عند فقدها ، فإذا لم ينتهض سببا ، كانت المسألة كمن أنفق النصاب قبل حلول الحول لمعنى [ ص: 433 ] من معاني الانتفاع فلا تجب عليه الزكاة ; لأن السبب لم يقتض إيجابها لتوقفه على ذلك الشرط الذي ثبت اعتباره شرعا ، فمن حيث قيل فيه : إنه مخالف لقصد الشارع يقال : إنه موافق ، وهكذا سائر المسائل .

    فالجواب : إن هذا المعنى إنما يجري فيما إذا لم يقصد رفع حكم السبب ، وأما مع القصد إلى ذلك فهو معنى غير معتبر لأن الشرع شهد له بالإلغاء على القطع ، ويتبين ذلك بالأدلة المذكورة إذا عرضت المسألة عليها ; فإن الجمع بين المتفرق أو التفرقة بين المجتمع قد نهي عنها إذا قصد بها إبطال حكم السبب ، بالإتيان بشرط ينقصها حتى تبخس المساكين ; فالأربعون شاة فيها شاة بشرط الافتراق ، ونصفها بشرط اختلاطها بأربعين أخرى مثلا ، فإذا جمعها بقصد إخراج النصف فذلك هو المنهي عنه ; كما أنه إذا كانت مائة مختلطة بمائة وواحدة ففرقها قصدا أن يخرج واحدة فكذلك ، وما ذاك إلا أنه أتى بشرط أو رفع شرطا يرفع عنه ما اقتضاه السبب الأول ، فكذلك المنفق نصابه بقصد رفع ما اقتضاه من وجوب الإخراج ، وكذلك قوله : ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله فنهى عن القصد إلى رفع شرط الخيار الثابت [ ص: 434 ] له بسبب العقد ، وعن الإتيان بشرط الفرس المحللة [ للجعل ] بقصد أخذه ، لا بقصد المسابقة معه ، ومثله مسائل الشروط ; فإنها شروط يقصد بها رفع أحكام الأسباب الواقعة ; فإن العقد على الكتابة اقتضى أنه عقد على جميع ما ينشأ عنه ، ومن ذلك الولاء ، فمن شرط أن الولاء له من البائعين ; فقد قصد بالشرط رفع حكم السبب فيه ، واعتبر هكذا سائر ما تقدم تجده كذلك ; فعلى هذا الإتيان بالشروط أو رفعها بذلك القصد هو المنهي عنه ، وإذا كان منهيا عنه [ ص: 435 ] كان مضادا لقصد الشارع فيكون باطلا .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (32)
    صـ436 إلى صـ 444

    فصل

    هذا العمل هل يقتضي البطلان بإطلاق أم لا ؟

    الجواب : إن في ذلك تفصيلا ، وهو أن نقول : لا يخلو أن يكون الشرط الحاصل في معنى المرتفع أو المرفوع في حكم الحاصل معنى أو لا .

    فإن كان كذلك ; فالحكم الذي اقتضاه السبب على حاله قبل هذا العمل ، والعمل باطل ضائع لا فائدة فيه ولا حكم له ، مثل أن يكون وهب المال قبل الحول لمن راوضه على أن يرده عليه بعد الحول بهبة أو غيرها ، وكالجامع بين المفترق ريثما يأتي الساعي ، ثم ترد إلى التفرقة أو المفرق بين المجتمع كذلك ; ، ثم يردها إلى ما كانت عليه ، وكالناكح لتظهر صورة الشرط ، ثم تعود إلى مطلقها ثلاثا ، وأشباه ذلك ; لأن هذا الشرط المعمول فيه لا معنى له ، ولا فائدة فيه تقصد شرعا .

    وإن لم يكن كذلك ; فالمسألة محتملة ، والنظر فيها متجاذب ثلاثة أوجه : أحدها أن يقال : إن مجرد انعقاد السبب كاف ; فإنه هو الباعث على [ ص: 436 ] الحكم ، وإنما الشرط أمر خارجي مكمل ، وإلا لزم أن يكون الشرط جزء العلة والفرض بخلافه ، وأيضا فإن القصد فيه قد صار غير شرعي ، فصار العمل فيه مخالفا لقصد الشارع ، فهو في حكم ما لم يعمل فيه ، واتحد مع القسم الأول في الحكم ، فلا يترتب على هذا العمل حكم ، ومثال ذلك : إن أنفق النصاب قبل الحول في منافعه أو وهبه هبة بتلة لم يرجع فيها أو جمع بين المفترق أو فرق بين المجتمع ، ـ وكل ذلك بقصد الفرار من الزكاة ـ ، لكنه لم يعد إلى ما كان عليه قبل الحول ، وما أشبه ذلك ; فقد علمنا ـ حين نصب الشارع ذلك السبب للحكم ـ ; أنه قاصد لثبوت الحكم به ، فإذا أخذ هذا برفع حكم السبب مع انتهاضه سببا ; كان مناقضا لقصد الشارع ، وهذا باطل ، وكون الشرط ـ حين رفع أو وضع ـ على وجه يعتبره الشارع على الجملة قد أثر فيه القصد الفاسد ; فلا يصح أن ينتهض شرطا شرعيا ، فكان كالمعدوم بإطلاق ، والتحق بالقسم الأول .

    والثاني أن يقال : إن مجرد انعقاد السبب غير كاف ; فإنه وإن كان باعثا ; قد جعل في الشرع مقيدا بوجود الشرط ، فإذا ليس كون السبب باعثا بقاطع في أن الشارع قصد إيقاع المسبب بمجرده ، وإنما فيه أنه قصده إذا وقع شرطه فإذا كان كذلك ; فالقاصد لرفع حكم السبب مثلا بالعمل في رفع الشرط لم يناقض قصده قصد الشارع من كل وجه ، وإنما قصد لما لم يظهر فيه قصد الشارع للإيقاع أو عدمه ، وهو الشرط أو عدمه ، لكن لما كان ذلك القصد آيلا لمناقضة [ ص: 437 ] قصد الشارع على الجملة ، لا عينا ; لم يكن مانعا من ترتب أحكام الشروط عليها .

    وأيضا ; فإن هذا العمل لما كان مؤثرا وحاصلا وواقعا ، لم يكن القصد الممنوع فيه مؤثرا في وضعه شرطا شرعيا أو سببا شرعيا ، كما كان تغير المغصوب سببا أو شرطا في منع صاحبه منه ، وفي تملك الغاصب له ، ولم يكن فعله بقصد العصيان سببا في ارتفاع ذلك الحكم .

    وعلى هذا الأصل ينبني صحة ما يقول اللخمي فيمن تصدق بجزء من ماله لتسقط عنه الزكاة أو سافر في رمضان قصدا للإفطار أو أخر صلاة حضر عن وقتها الاختياري ليصليها في السفر ركعتين أو أخرت امرأة صلاة بعد دخول وقتها رجاء أن تحيض فتسقط عنها ، قال : فجميع ذلك مكروه ، ولا يجب على هذا في السفر صيام ، ولا أن يصلي أربعا ، ولا على الحائض قضاؤها ، وعليه أيضا يجري الحكم في الحالف ليقضين فلانا حقه إلى شهر ، وحلف بالطلاق الثلاث ، فخاف الحنث فخالع زوجته لئلا يحنث ، فلما انقضى الأجل راجعها فهذا الوجه يقتضي أنه لا يحنث لوقوع الحنث ، وليست بزوجة لأن الخلع ماض شرعا ، وإن قصد به قصد الممنوع .

    والثالث : أن يفرق بين حقوق الله تعالى ، وحقوق الآدميين ، فيبطل العمل في الشرط في حقوق الله ، وإن ثبت له في نفسه حكم شرعي ; كمسألة الجمع بين المفترق ، والفرق بين المجتمع ، ومسألة نكاح المحلل على القول بأنه نافذ ماض ولا يحلها ذلك للأول ; لأن الزكاة من حقوق الله ، وكذلك المنع من نكاح المحلل حق الله ، لغلبة حقوق الله في النكاح على حقوق الآدميين ، وينفذ مقتضى الشرط في حقوق الآدميين ; كالسفر ليقصر أو ليفطر أو نحو ذلك .

    [ ص: 438 ] هذا كله ما لم يدل دليل خاص على خلاف ذلك ; فإنه إن دل دليل خاص على خلافه صير إليه ، ولا يكون نقضا على الأصل المذكور ; لأنه إذ ذاك دال على إضافة هذا الأمر الخاص إلى حق الله أو إلى حق الآدميين ، ويبقى بعد ما إذ اجتمع الحقان محل نظر واجتهاد ; فيغلب أحد الطرفين بحسب ما يظهر للمجتهد ، والله أعلم .
    الشروط مع مشروطاتها على ثلاثة أقسام :

    أحدها : أن يكون مكملا لحكمة المشروط ، وعاضدا لها بحيث لا يكون فيه منافاة لها على حال ; كاشتراط الصيام في الاعتكاف عند من يشترطه ، واشتراط الكفء ، والإمساك بالمعروف ، والتسريح بإحسان في النكاح ، واشتراط الرهن والحميل والنقد أو النسيئة في الثمن في البيع ، واشتراط العهدة في الرقيق ، واشتراط مال العبد ، وثمرة الشجر ، وما أشبه ذلك ، وكذا اشتراط الحول في الزكاة ، والإحصان في الزنى ، وعدم الطول في نكاح الإماء ، والحرز في القطع ; فهذا القسم لا إشكال في صحته شرعا ; لأنه مكمل لحكمة كل سبب يقتضي حكما ; فإن الاعتكاف لما كان انقطاعا إلى العبادة على [ ص: 439 ] وجه لائق بلزوم المسجد ، كان للصيام فيه أثر ظاهر ، ولما كان غير الكفء مظنة للنزاع وأنفة أحد الزوجين أو عصبتهما ، وكانت الكفاءة أقرب إلى التحام الزوجين والعصبة ، وأولى بمحاسن العادات ; كان اشتراطها ملائما لمقصود النكاح ، وهكذا الإمساك بمعروف ، وسائر تلك الشروط المذكورة تجري على هذا الوجه ; فثبوتها شرعا واضح .

    والثاني : أن يكون غير ملائم لمقصود المشروط ولا مكمل لحكمته ، بل هو على الضد من الأول ; كما إذا اشترط في الصلاة أن يتكلم فيها إذا أحب أو اشترط في الاعتكاف أن يخرج عن المسجد إذا أراد بناء على رأي مالك أو اشترط في النكاح أن لا ينفق عليها أو أن لا يطأها وليس بمجبوب ولا عنين أو شرط في البيع أن لا ينتفع بالمبيع أو إن انتفع فعلى بعض الوجوه دون بعض أو شرط الصانع على المستصنع أن لا يضمن المستأجر عليه إن تلف ، وأن يصدقه في دعوى التلف ، وما أشبه ذلك ; فهذا القسم أيضا لا إشكال في إبطاله ; لأنه مناف لحكمة السبب ، فلا يصح أن يجتمع معه ; فإن الكلام في الصلاة مناف لما شرعت له من الإقبال على الله تعالى والتوجه إليه والمناجاة له ، وكذلك المشترط في الاعتكاف الخروج مشترط ما ينافي حقيقة الاعتكاف من لزوم المسجد ، واشتراط الناكح أن لا ينفق ينافي استجلاب المودة المطلوبة فيه ، وإذا اشترط أن لا يطأ أبطل حكمة النكاح الأولى وهي التناسل ، وأضر بالزوجة فليس من الإمساك بالمعروف الذي هو مظنة الدوام والمؤالفة ، وهكذا سائر الشروط المذكورة ; إلا أنها إذا كانت باطلة فهل تؤثر في المشروطات أم لا ؟ هذا محل نظر يستمد من المسألة التي قبل هذه .

    [ ص: 440 ] والثالث : أن لا يظهر في الشرط منافاة لمشروطه ولا ملاءمة ، وهو محل نظر ، هل يلحق بالأول من جهة عدم المنافاة أو بالثاني من جهة عدم الملاءمة ظاهرا ؟ ، والقاعدة المستمرة في أمثال هذا التفرقة بين العبادات والمعاملات ، فما كان من العبادات لا يكتفى فيه بعدم المنافاة دون أن تظهر الملاءمة ; لأن الأصل فيها التعبد دون الالتفات إلى المعاني ، والأصل فيها أن لا يقدم عليها إلا بإذن ; إذ لا مجال للعقول في اختراع التعبدات ، فكذلك ما يتعلق بها من الشروط ، وما كان من العاديات يكتفى فيه بعدم المنافاة ; لأن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني دون التعبد ، والأصل فيها الإذن حتى يدل الدليل على خلافه ، والله أعلم .
    النوع الثالث في الموانع

    وفيه مسائل

    المسألة الأولى

    الموانع ضربان :

    أحدهما : ما لا يتأتى فيه اجتماعه مع الطلب .

    والثاني : ما يمكن فيه ذلك ، وهو نوعان : أحدهما : يرفع أصل الطلب .

    والثاني : لا يرفعه ، ولكن يرفع انحتامه .

    وهذا قسمان : أحدهما : أن يكون رفعه بمعنى أنه يصير مخيرا فيه لمن قدر عليه .

    والآخر : أن يكون رفعه بمعنى أنه لا إثم على مخالف الطلب .

    [ ص: 442 ] فهذه أربعة أقسام .

    فأما الأول ; فنحو زوال العقل بنوم أو جنون أو غيرهما ، وهو مانع من أصل الطلب جملة ; لأن من شرط تعلق الخطاب إمكان فهمه ; لأنه إلزام يقتضي التزاما ، وفاقد العقل لا يمكن إلزامه ، كما لا يمكن ذلك في البهائم والجمادات ; فإن تعلق طلب يقتضي استجلاب مصلحة أو درء مفسدة ، فذلك راجع إلى الغير كرياضة البهائم وتأديبها ، والكلام في هذا مبين في الأصول .

    وأما الثاني ; فكالحيض والنفاس ، وهو رافع لأصل الطلب ، وإن أمكن حصوله معه ، لكن إنما يرفع مثل هذا الطلب بالنسبة إلى ما لا يطلب به ألبتة ; كالصلاة ودخول المسجد ومس المصحف وما أشبه ذلك ، وأما ما يطلب به بعد رفع المانع ، فالخلاف بين أهل الأصول فيه مشهور لا حاجة لنا إلى ذكره هنا ، والدليل على أنه غير مطلوب حالة وجود المانع أنه لو كان كذلك ; [ ص: 443 ] لاجتمع الضدان ; لأن الحائض ممنوعة من الصلاة ، والنفساء كذلك ; فلو كانت مأمورة بها أيضا لكانت مأمورة حالة كونها منهية بالنسبة إلى شيء واحد ، وهو محال ، وأيضا ;إذا كانت مأمورة أن تفعل ، وقد نهيت أن تفعل ، لزمها شرعا أن تفعل وأن لا تفعل معا ، وهو محال ، وأيضا فلا فائدة في الأمر بشيء لا يصح لها فعله حالة وجود المانع ، ولا بعد ارتفاعه لأنها غير مأمورة بالقضاء باتفاق .

    وأما الثالث : فكالرق والأنوثة بالنسبة إلى الجمعة والعيدين والجهاد ; فإن هؤلاء قد لصق بهم مانع من انحتام هذه العبادات الجارية في الدين مجرى التحسين والتزيين ; لأنهم من هذه الجهة غير مقصودين بالخطاب فيها إلا [ ص: 444 ] بحكم التبع ، فإن تمكنوا منها جرت بالنسبة إليهم مجراها مع المقصودين بها ، وهم الأحرار الذكور ، وهذا معنى التخيير بالنسبة إليهم مع القدرة عليها ، وأما مع عدم القدرة عليها فالحكم مثل الذي قبل هذا .

    وأما الرابع ; فكأسباب الرخص ، هي موانع من الانحتام ، بمعنى أنه لا حرج على من ترك العزيمة ميلا إلى جهة الرخصة ، كقصر المسافر ، وفطره ، وتركه للجمعة ، وما أشبه ذلك .






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (33)
    صـ445 إلى صـ 458

    الموانع ليست بمقصودة للشارع ، بمعنى أنه لا يقصد تحصيل المكلف لها ولا رفعها ، وذلك أنها على ضربين :

    ضرب منها داخل تحت خطاب التكليف ـ مأمورا به أو منهيا عنه أو مأذونا فيه ـ ، وهذا لا إشكال فيه من هذه الجهة ; كالاستدانة المانعة من انتهاض سبب الوجوب بالتأثير لوجوب إخراج الزكاة ، وإن وجد النصاب فهو متوقف على فقد المانع ، وكذلك الكفر المانع من صحة أداء الصلاة والزكاة أو من وجوبهما ، ومن الاعتداد بما طلق في حال كفره ، إلى غير ذلك من الأمور الشرعية التي منع منها الكفر ، وكذلك الإسلام مانع من انتهاك حرمة الدم والمال والعرض إلا [ ص: 445 ] بحقها ; فالنظر في هذه الأشياء وأشباهها من جهة خطاب التكليف خارج عن مقصود المسألة .

    والضرب الثاني : هو المقصود ، وهو الداخل تحت خطاب الوضع من حيث هو كذلك ; فليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو مانع ، ولا في عدم تحصيله ; فإن المديان ليس بمخاطب برفع الدين إذا كان عنده نصاب لتجب عليه الزكاة ، كما أن مالك النصاب غير مخاطب بتحصيل الاستدانة لتسقط عنه ، لأنه من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف ، وإنما مقصود الشارع فيه أنه إذا حصل ارتفع مقتضى السبب .

    والدليل على ذلك : أن وضع السبب مكمل الشروط ، يقتضي قصد الواضع إلى ترتب المسبب عليه ، وإلا فلو لم يكن كذلك ; لم يكن موضوعا على أنه سبب ، وقد فرض كذلك ، هذا خلف ، وإذا ثبت قصد الواضع إلى حصول المسبب ; ففرض المانع مقصودا له أيضا إيقاعه قصد إلى رفع ترتب المسبب على السبب ، وقد ثبت أنه قاصد إلى نفس الترتب ، هذا خلف ; فإن القصدين متضادان ، ولا هو أيضا قاصد إلى رفعه ; لأنه لو كان قاصدا إلى ذلك لم يثبت في الشرع مانعا .

    وبيان ذلك أنه لو كان قاصدا إلى رفعه من حيث هو مانع ; لم يثبت حصوله معتبرا شرعا ، وإذا لم يعتبر ; لم يكن مانعا من جريان حكم السبب ، وقد فرض كذلك ، وهو عين التناقض .

    فإذا توجه قصد المكلف إلى إيقاع المانع أو إلى رفعه ففي ذلك تفصيل ، وهي :
    [ ص: 446 ] فلا يخلو أن يفعله أو يتركه من حيث هو داخل تحت خطاب التكليف ; مأمورا به أو منهيا عنه أو مخيرا فيه ، أو لا .

    فإن كان الأول فظاهر ; كالرجل يكون بيده له نصاب ، لكنه يستدين لحاجته إلى ذلك ، وتنبني الأحكام على مقتضى حصول المانع .

    وإن كان الثاني ، وهو أن يفعله مثلا من جهة كونه مانعا ، قصدا لإسقاط حكم السبب المقتضي أن لا يترتب عليه ما اقتضاه ، فهو عمل غير صحيح .

    والدليل على ذلك من النقل أمور ، من ذلك قوله جل وعلا : إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا الآية [ القلم : 17 ] ; فإنها تضمنت الإخبار بعقابهم على قصد التحيل لإسقاط حق المساكين ، بتحريهم المانع من إتيانهم ، وهو وقت الصبح الذي لا يبكر في مثله المساكين عادة ، والعقاب إنما يكون لفعل محرم .

    وقوله تعالى : ولا تتخذوا آيات الله هزوا [ البقرة : 231 ] ، نزلت بسبب مضارة الزوجات بالارتجاع أن لا ترى بعده زوجا آخر مطلقا ، [ ص: 447 ] وأن لا تنقضي عدتها إلا بعد طول ; فكان الارتجاع بذلك القصد ; إذ هو مانع من حلها للأزواج .

    وفي الحديث : قاتل الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ، وفي بعض الروايات وأكلوا أثمانها .

    وقال عليه الصلاة والسلام : ليشربن ناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها .

    [ ص: 448 ] وفي رواية : ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير ، والخمر والمعازف الحديث .

    وفي بعض الحديث : يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء : يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها ، والسحت بالهدية ، والقتل بالرهبة ، والزنى بالنكاح ، والربا بالبيع . فكأن المستحل هنا رأى أن المانع [ ص: 449 ] هو الاسم ; فنقل المحرم إلى اسم آخر ، حتى يرتفع ذلك المانع فيحل له .

    وقال تعالى : من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار [ النساء : 12 ] ; فاستثنى الإضرار ، فإذا أقر في مرضه بدين لوارث أو أوصى بأكثر من الثلث قاصدا حرمان الوارث أو نقصه بعض حقه بإبداء هذا المانع من تمام حقه ; كان مضارا ، والإضرار ممنوع باتفاق .

    وقال تعالى : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها الآية [ النحل : 91 ] .

    قال أحمد بن حنبل : عجبت مما يقولون في الحيل والأيمان ، يبطلون الأيمان بالحيل ، [ وقال تعالى : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [ النحل : 91 ] .

    وفي الحديث : لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ .

    وفيه : إذا سمعتم به ـ يعني الوباء ـ بأرض ; فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها ; فلا تخرجوا فرارا منه .

    [ ص: 450 ] والأدلة هنا في الشرع كثيرة من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح ـ رضى الله تعالى عنهم ـ .

    وما تقدم من الأدلة والسؤال والجواب في الشروط جار معناه في الموانع ، ومن هنالك يفهم حكمها ، وهل يكون العمل باطلا أم لا ; فينقسم إلى الضربين ; فلا يخلو أن يكون المانع المستجلب مثلا في حكم المرتفع أو لا ; فإن كان كذلك ; فالحكم متوجه كصاحب النصاب استدان لتسقط عنه الزكاة ، بحيث قصد أنه إذا جاز الحول رد الدين من غير أن ينتفع به ، وإن لم يكن كذلك ; ، بل كان المانع واقعا شرعا ; كالمطلق خوفا من انحتام الحنث عليه ; فهو محل نظر ـ على وزان ما تقدم في الشروط ـ ، ولا فائدة في التكرار .
    [ ص: 451 ] النوع الرابع في الصحة والبطلان

    وفيه مسائل :

    المسألة الأولى

    في معنى الصحة ، ولفظ الصحة يطلق باعتبارين : أحدهما : أن يراد بذلك ترتب آثار العمل عليه في الدنيا ; كما نقول في العبادات : إنها صحيحة بمعنى أنها مجزئة ومبرئة للذمة ومسقطة للقضاء فيما فيه قضاء ، وما أشبه ذلك من العبادات المنبئة عن هذه المعاني ، وكما نقول في العادات إنها صحيحة بمعنى أنها محصلة شرعا للأملاك ، واستباحة الأبضاع ، وجواز الانتفاع ، وما يرجع إلى ذلك .

    والثاني : أن يراد به ترتب آثار العمل عليه في الآخرة ، كترتب الثواب ، فيقال : هذا عمل صحيح ، بمعنى أنه يرجى به الثواب في الآخرة ; ففي [ ص: 452 ] العبادات ظاهر ، وفي العادات يكون فيما نوى به امتثال أمر الشارع ، وقصد به مقتضى الأمر والنهي ، وكذلك في المخير ، إذا عمل به من حيث إن الشارع خيره لا من حيث قصد مجرد حظه في الانتفاع غافلا عن أصل التشريع ، فهذا أيضا يسمى عملا صحيحا بهذا المعنى ، وهو وإن كان إطلاقا غريبا لا يتعرض له علماء الفقه ; فقد تعرض له علماء التخلق كالغزالي وغيره ، وهو مما يحافظ عليه السلف المتقدمون ، وتأمل ما حكاه الغزالي في كتاب النية والإخلاص من ذلك .
    في معنى البطلان ، وهو ما يقابل معنى الصحة ; فله معنيان : أحدهما : أن يراد به عدم ترتب آثار العمل عليه في الدنيا ; كما نقول في العبادات : إنها غير مجزئة ولا مبرئة للذمة ولا مسقطة للقضاء ، فكذلك نقول : إنها باطلة بذلك المعنى ، غير أن هنا نظرا ; فإن كون العبادة باطلة ; إنما هو لمخالفتها لما قصد الشارع فيها حسبما هو مبين في موضعه ، ولكن قد تكون المخالفة راجعة إلى نفس العبادة فيطلق عليها لفظ البطلان إطلاقا ; كالصلاة من غير نية أو ناقصة ركعة أو سجدة أو نحو ذلك مما يخل بها من الأصل ، وقد تكون راجعة إلى وصف خارجي منفك عن حقيقتها وإن كانت [ ص: 453 ] متصفة به ; كالصلاة في الدار المغصوبة مثلا ; فيقع الاجتهاد : في اعتبار الانفكاك ; فتصح الصلاة لأنها واقعة على الموافقة للشارع ، ولا يضر حصول المخالفة من جهة الوصف .

    أو في اعتبار الاتصاف ، فلا تصح بل تكون في الحكم باطلة من جهة أن الصلاة الموافقة إنما هي المنفكة عن هذا الوصف ، وليس الصلاة في الدار المغصوبة كذلك ; ، وهكذا سائر ما كان في معناها .

    ونقول أيضا في العادات : إنها باطلة ، بمعنى عدم حصول فوائدها بها شرعا ; من حصول أملاك واستباحة فروج ، وانتفاع بالمطلوب ، ولما كانت العاديات في الغالب راجعة إلى مصالح الدنيا ; كان النظر فيها راجعا إلى اعتبارين : أحدهما : من حيث هي أمور مأذون فيها أو مأمور بها شرعا .

    والثاني : من حيث هي راجعة إلى مصالح العباد .

    فأما الأول ; فاعتبره قوم بإطلاق ، وأهملوا النظر في جهة المصالح ، وجعلوا مخالفة أمره مخالفة لقصده بإطلاق ; كالعبادات المحضة سواء ، وكأنهم مالوا إلى جهة التعبد ـ وسيأتي في كتاب " المقاصد " بيان أن في كل ما يعقل معناه تعبدا ـ ، وإذا كان كذلك ; فمواجهة أمر الشارع بالمخالفة يقضي بالخروج في ذلك الفعل عن مقتضى خطابه ، والخروج في الأعمال عن خطاب الشارع يقضي بأنها غير مشروعة ، وغير المشروع باطل ، فهذا كذلك ; كما لم تصح [ ص: 454 ] العبادات الخارجة عن مقتضى خطاب الشارع .

    وأما الثاني : فاعتبره قوم أيضا لا مع إهمال الأول ، بل جعلوا الأمر منزلا على اعتبار المصلحة ، بمعنى أن المعنى الذي لأجله كان العمل باطلا ينظر فيه ; فإن كان حاصلا أو في حكم الحاصل ، بحيث لا يمكن التلافي فيه ; بطل العمل من أصله ، وهو الأصل فيما نهى الشرع عنه ; لأن النهي يقتضي أن لا مصلحة للمكلف فيه ، وإن ظهرت مصلحته لبادئ الرأي ، فقد علم الله أن لا مصلحة في الإقدام ، وإن ظنها العامل ، وإن لم يحصل ولا كان في حكم الحاصل ، لكن أمكن تلافيه ، لم يحكم بإبطال ذلك العمل ; كما يقول مالك [ ص: 455 ] في بيع المدبر : إنه يرد إلا أن يعتقه المسترق فلا يرد ; فإن البيع إنما منع لحق العبد في العتق أو لحق الله في العتق الذي انعقد سببه من سيده وهو التدبير ; فإن البيع يفيته في الغالب بعد موت السيد ، فإذا أعتقه المشتري حصل قصد الشارع في العتق ; فلم يرد لذلك ، وكذلك الكتابة الفاسدة ترد ما لم يعتق المكاتب ، وكذلك بيع الغاصب للمغصوب موقوف على إجازة المغصوب منه أو رده لأن المنع إنما كان لحقه ، فإذا أجازه جاز ، ومثله البيع والسلف منهي عنه ، فإذا أسقط مشترط السلف شرطه جاز ما عقداه ، ومضى على بعض الأقوال ، وقد يتلافى بإسقاط الشرط شرعا ، كما في حديث بريرة ، وعلى مقتضاه جرى الحنفية في تصحيح العقود الفاسدة كنكاح الشغار ، والدرهم بالدرهمين ، ونحوهما إلى غير ذلك من العقود التي هي باطلة على وجه ; فيزال ذلك الوجه فتمضي العقدة ، فمعنى هذا الوجه أن نهي الشارع كان لأمر ، فلما زال ذلك الأمر ارتفع النهي ، فصار العقد موافقا لقصد الشارع ; إما على حكم الانعطاف إن قدرنا رجوع الصحة إلى العقد الأول أو غير حكم الانعطاف إن قلنا : إن تصحيحه وقع الآن لا قبل ، وهذا الوجه بناء على أن مصالح العباد مغلبة على حكم التعبد .

    والثاني من الإطلاقين : أن يراد بالبطلان عدم ترتب آثار العمل عليه في [ ص: 456 ] الآخرة ، وهو الثواب ، ويتصور ذلك في العبادات والعادات .

    فتكون العبادة باطلة بالإطلاق الأول ; فلا يترتب عليها جزاء ; لأنها غير مطابقة لمقتضى الأمر بها ، وقد تكون صحيحة بالإطلاق الأول ، ولا يترتب عليها ثواب أيضا .

    فالأول : كالمتعبد رئاء الناس ; فإن تلك العبادة غير مجزئة ، ولا يترتب عليها ثواب .

    والثاني : كالمتصدق بالصدقة يتبعها بالمن والأذى ، وقد قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس الآية [ البقرة : 264 ] .

    وقال : لئن أشركت ليحبطن عملك [ الزمر : 65 ] .

    وفي الحديث : أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ إن لم يتب .

    [ ص: 457 ] على تأويل من جعل الإبطال حقيقة .

    [ ص: 458 ] وتكون أعمال العادات باطلة أيضا ; بمعنى عدم ترتب الثواب عليها ، سواء علينا أكانت باطلة بالإطلاق الأول أم لا ; فالأول كالعقود المفسوخة شرعا ، والثاني كالأعمال التي يكون الحامل عليها مجرد الهوى والشهوة من غير التفات إلى خطاب الشارع فيها كالأكل والشرب والنوم وأشباهها ، والعقود المنعقدة بالهوى ، ولكنها وافقت الأمر أو الإذن الشرعي بحكم الاتفاق لا بالقصد إلى ذلك ; فهي أعمال مقرة شرعا لموافقتها للأمر أو الإذن ; لما يترتب عليها من المصلحة في الدنيا ، فروعي فيها هذا المقدار من حيث وافقت قصد الشارع فيه ، وتبقى جهة قصد الامتثال مفقودة ; فيكون ما يترتب عليها في الآخرة مفقودا أيضا ; لأن الأعمال بالنيات .

    والحاصل أن هذه الأعمال التي كان الباعث عليها الهوى المجرد ، إن وافقت قصد الشارع بقيت ببقاء حياة العامل ; فإذا خرج من الدنيا فنيت بفناء الدنيا وبطلت ما عندكم ينفد وما عند الله باق [ النحل : 96 ] .

    من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [ الشورى : 20 ] .

    أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها [ الأحقاف : 20 ] .

    وما أشبه ذلك مما هو نص أو ظاهر أو فيه إشارة إلى هذا المعنى ; فمن هنا أخذ من تقدم بالحزم في الأعمال العادية أن يضيفوا إليها قصدا يجدون به أعمالهم في الآخرة . وانظر في الإحياء وغيره .






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (34)
    صـ459 إلى صـ 469

    ما ذكر من إطلاق البطلان بالمعنى الثاني يحتمل تقسيما ، لكن بالنسبة إلى الفعل العادي ; إذ لا يخلو الفعل العادي ـ إذا خلا عن قصد التعبد ـ أن يفعل بقصد أو بغير قصد ، والمفعول بقصد ; إما أن يكون القصد مجرد الهوى والشهوة من غير نظر في موافقة قصد الشارع أو مخالفته ، وإما أن ينظر مع ذلك في الموافقة فيفعل أو في المخالفة فيترك ; إما اختيارا وإما اضطرارا ; فهذه أربعة أقسام :

    أحدها : أن يفعل من غير قصد كالغافل والنائم ، فقد تقدم أن هذا الفعل لا يتعلق به خطاب اقتضاء ولا تخيير ، فليس فيه ثواب ولا عقاب ; لأن الجزاء في الآخرة إنما يترتب على الأعمال الداخلة تحت التكليف ، فما لا يتعلق به خطاب تكليف لا يترتب عليه ثمرته .

    والثاني : أن يفعل لقصد نيل غرضه مجردا ، فهذا أيضا لا ثواب له على ذلك كالأول ، وإن تعلق به خطاب التكليف أو وقع واجبا كأداء الديون ورد الودائع والأمانات ، والإنفاق على الأولاد ، وأشباه ذلك ، ويدخل تحت هذا ترك المنهيات بحكم الطبع ; لأن الأعمال بالنيات ، وقد قال في الحديث : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ، ومعنى الحديث [ ص: 460 ] متفق عليه ، ومقطوع به في الشريعة .

    فهذا القسم والذي قبله باطل بمقتضى الإطلاق الثاني .

    والثالث : أن يفعل مع استشعار الموافقة اضطرارا ، كالقاصد لنيل لذته من المرأة الفلانية ، ولما لم يمكنه بالزنى لامتناعها أو لمنع أهلها ، عقد عليها عقد نكاح ليكون موصلا له إلى ما قصد ، فهذا أيضا باطل بالإطلاق الثاني ; لأنه لم يرجع إلى حكم الموافقة إلا مضطرا ، ومن حيث كان موصلا إلى غرضه لا من حيث أباحه الشرع ، وإن كان غير باطل بالإطلاق الأول ، ومثل ذلك الزكاة المأخوذة كرها ; فإنها صحيحة على الإطلاق الأول ; إذ كانت مسقطة للقضاء أو مبرئة للذمة ، وباطلة على هذا الإطلاق الثاني ، وكذلك ترك المحرمات خوفا من العقاب عليها في الدنيا أو استحياء من الناس أو ما أشبه هذا ، ولذلك كانت الحدود كفارات فقط ، فلم يخبر الشارع عنها أنها مرتبة ثوابا [ ص: 461 ] على حال ، وأصل ذلك كون الأعمال بالنيات .

    والرابع : أن يفعل لكن مع استشعار الموافقة اختيارا ; كالفاعل للمباح بعد علمه بأنه مباح ، حتى إنه لو لم يكن مباحا لم يفعله ; فهذا القسم إنما يتعين النظر فيه في المباح ، أما المأمور به يفعله بقصد الامتثال أو المنهي عنه يتركه بذلك القصد أيضا ; فهو من الصحيح بالاعتبارين ، كما أنه لو ترك المأمور به أو فعل المنهي عنه قصدا للمخالفة ، فهو من الباطل بالاعتبارين ; فإنما يبقى النظر في فعل المباح أو تركه من حيث خاطبه الشرع بالتخيير فاختار أحد الطرفين من الفعل أو الترك لمجرد حظه فتحتمل في النظر ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون صحيحا بالاعتبار الأول باطلا بالاعتبار الثاني ، وهذا هو الجاري على الأصل المتقدم في تصور المباح بالنظر إلى نفسه لا بالنظر إلى ما يستلزم .

    والثاني : أن يكون صحيحا بالاعتبارين ، معا بناء على تحريه في نيل حظه مما أذن له فيه دون ما لم يؤذن له فيه ، وعلى هذا نبه الحديث في الأجر في وطء الزوجة ، وقولهم : أيقضي شهوته ، ثم يؤجر فقال : أرأيتم لو وضعها في حرام ، وهذا مبسوط في كتاب " المقاصد " من هذا الكتاب .

    [ ص: 462 ] والثالث : أن يكون صحيحا بالاعتبارين معا في المباح الذي هو مطلوب الفعل بالكل ، وصحيحا بالاعتبار الأول باطلا بالاعتبار الثاني في المباح الذي هو مطلوب الترك بالكل ، وهذا هو الجاري على ما تقدم في القسم الأول من قسمي الأحكام ، ولكنه مع الذي قبله باعتبار أمر خارج عن حقيقة الفعل المباح ، والأول بالنظر إليه في نفسه .
    فصل

    وأما ما ذكر من إطلاق الصحة بالاعتبار الثاني ، فلا يخلو أن يكون عبادة أو عادة ; فإن كان عبادة فلا تقسيم فيه على الجملة ، وإن كان عادة ; فإما أن يصحبه مع قصد التعبد قصد الحظ أو لا ، والأول إما أن يكون قصد الحظ غالبا أو مغلوبا ; فهذه ثلاثة أقسام :

    أحدها : ما لا يصحبه حظ ; فلا إشكال في صحته .

    والثاني : كذلك ; لأن الغالب هو الذي له الحكم ، وما سواه في حكم [ ص: 463 ] المطرح .

    والثالث : محتمل لأمرين : أن يكون صحيحا بالاعتبار الثاني أيضا ; إعمالا للجانب المغلوب ، واعتبارا بأن جانب الحظ غير قادح في العاديات بخلاف العباديات ، وأن يكون صحيحا بالاعتبار الأول دون الثاني ; إعمالا لحكم الغلبة ، وبيان هذا التقسيم والدليل عليه مذكور في كتاب المقاصد من هذا الكتاب ، والحمد لله .
    [ ص: 464 ] النوع الخامس في العزائم والرخص .

    والنظر فيه في مسائل : المسألة الأولى

    العزيمة : ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء .

    ومعنى كونها " كلية " أنها لا تختص ببعض المكلفين من حيث هم مكلفون دون بعض ، ولا ببعض الأحوال دون بعض ; كالصلاة مثلا ; فإنها مشروعة على الإطلاق والعموم في كل شخص وفي كل حال ، وكذلك الصوم والزكاة والحج والجهاد وسائر شعائر الإسلام الكلية ، ويدخل تحت هذا ما شرع لسبب مصلحي في الأصل ; كالمشروعات المتوصل بها إلى إقامة مصالح الدارين من البيع ، والإجارة ، وسائر عقود المعاوضات ، وكذلك أحكام الجنايات ، والقصاص ، والضمان ، وبالجملة جميع كليات الشريعة .

    ومعنى " شرعيتها ابتداء " أن يكون قصد الشارع بها إنشاء [ ص: 465 ] الأحكام التكليفية على العباد من أول الأمر ، فلا يسبقها حكم شرعي قبل ذلك ، فإن سبقها وكان منسوخا بهذا الأخير ، كان هذا الأخير كالحكم الابتدائي تمهيدا للمصالح الكلية العامة .

    ولا يخرج عن هذا ما كان من الكليات واردا على سبب ; فإن الأسباب قد تكون مفقودة قبل ذلك ، فإذا وجدت اقتضت أحكاما ; كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا [ البقرة : 104 ] .

    وقوله تعالى : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله [ الأنعام : 108 ] .

    وقوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم [ البقرة : 198 ] .

    وقوله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم الآية [ البقرة : 187 ] .

    وقوله : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه [ البقرة : 203 ] .

    وما كان مثل ذلك ; فإنه تمهيد لأحكام وردت [ شيئا ] بعد شيء بحسب [ ص: 466 ] الحاجة إلى ذلك ; فكل هذا يشمله اسم العزيمة ; فإنه شرع ابتدائي حكما ، كما أن المستثنيات من العمومات وسائر المخصوصات كليات ابتدائية أيضا ; كقوله [ تعالى ] : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله [ البقرة : 229 ] .

    وقوله تعالى : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة [ النساء : 19 ] .

    وقوله تعالى : فاقتلوا المشركين [ التوبة : 5 ] .

    ونهى - صلى الله عليه وسلم ـ عن قتل النساء والصبيان ، هذا وما أشبهه من العزائم ; لأنه راجع إلى أحكام كلية ابتدائية .
    وأما الرخصة ; فما شرع لعذر شاق ، استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه .

    فكونه " مشروعا لعذر " هو الخاصة التي ذكرها علماء الأصول .

    [ ص: 467 ] وكونه شاقا ; فإنه قد يكون العذر مجرد الحاجة من غير مشقة موجودة ، فلا يسمى ذلك رخصة ; كشرعية القراض مثلا ; فإنه لعذر في الأصل ، وهو عجز صاحب المال عن الضرب في الأرض ، ويجوز حيث لا عذر ولا عجز ، وكذلك المساقاة والقرض والسلم ، فلا يسمى هذا كله رخصة ، وإن كانت مستثناة من أصل ممنوع ، وإنما يكون مثل هذا داخلا تحت أصل الحاجيات الكليات ، والحاجيات لا تسمى عند العلماء باسم الرخصة ، وقد يكون العذر راجعا إلى أصل تكميلي فلا يسمى رخصة أيضا ، وذلك أن من لا يقدر على الصلاة قائما أو يقدر بمشقة ، فمشروع في حقه الانتقال إلى الجلوس ، وإن كان مخلا بركن من أركان الصلاة ، لكن بسبب المشقة استثني فلم يتحتم عليه القيام ; فهذا رخصة محققة ; فإن كان هذا المترخص إماما ; فقد جاء في الحديث : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، ثم قال : وإن صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون فصلاتهم جلوسا وقع لعذر ; إلا أن العذر في حقهم ليس المشقة ، بل لطلب الموافقة للإمام وعدم المخالفة عليه ، فلا يسمى مثل هذا رخصة ، وإن كان مستثنى لعذر .

    [ ص: 468 ] وكون هذا المشروع لعذر " مستثنى من أصل كلي " يبين لك أن الرخص ليست بمشروعة ابتداء ; فلذلك لم تكن كليات في الحكم ، وإن عرض لها ذلك ; فبالعرض ، فإن المسافر إذا أجزنا له القصر والفطر ; فإنما كان ذلك بعد استقرار أحكام الصلاة والصوم ، هذا وإن كانت آيات الصوم نزلت دفعة واحدة ; فإن الاستثناء ثان عن استقرار حكم المستثنى منه على الجملة ، وكذلك أكل الميتة للمضطر في قوله تعالى : فمن اضطر الآية [ البقرة : 173 ] .

    وكونه " مقتصرا به على موضع الحاجة " خاصة من خواص الرخص أيضا لا بد منه ، وهو الفاصل بين ما شرع من الحاجيات الكلية ، وما شرع من الرخص ; فإن شرعية الرخص جزئية يقتصر فيها على موضع الحاجة ; فإن المصلي إذا انقطع سفره ، وجب عليه الرجوع إلى الأصل من إتمام الصلاة وإلزام الصوم ، والمريض إذا قدر على القيام في الصلاة لم يصل قاعدا ، وإذا قدر على مس الماء لم يتيمم ، وكذلك سائر الرخص بخلاف القرض والقراض والمساقاة ، ونحو ذلك مما هو يشبه الرخصة ; فإنه ليس برخصة في حقيقة هذا الاصطلاح لأنه مشروع أيضا ، وإن زال العذر فيجوز للإنسان أن يقترض ، وإن لم يكن به حاجة إلى الاقتراض ، وأن يساقي حائطه وإن كان قادرا على عمله بنفسه أو بالاستئجار عليه ، وأن يقارض بماله وإن كان قادرا على التجارة فيه بنفسه أو بالاستئجار ، وكذلك ما أشبهه .

    فالحاصل أن العزيمة راجعة إلى أصل كلي ابتدائي ، والرخصة راجعة [ ص: 469 ] إلى جزئي مستثنى من ذلك الأصل الكلي .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (35)
    صـ470 إلى صـ 484

    فصل

    وقد تطلق الرخصة على ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع مطلقا ، من غير اعتبار بكونه لعذر شاق فيدخل فيه القرض والقراض والمساقاة ورد الصاع من الطعام في مسألة المصراة ، وبيع العرية بخرصها تمرا ، وضرب الدية على العاقلة ، وما أشبه ذلك ، وعليه يدل قوله : نهى عن بيع ما ليس عندك ، [ ص: 470 ] وأرخص في السلم ، وكل هذا مستند إلى أصل الحاجيات ; فقد اشتركت مع الرخصة بالمعنى الأول في هذا الأصل ، فيجري عليها حكمها في التسمية ، كما جرى عليها حكمها في الاستثناء من أصل ممنوع ، وهنا أيضا يدخل ما تقدم في صلاة المأمومين جلوسا اتباعا للإمام المعذور ، وصلاة الخوف المشروعة بالإمام كذلك أيضا ، لكن هاتين المسألتين تستمدان من أصل التكميلات لا [ ص: 471 ] من أصل الحاجيات ; فيطلق عليها لفظ الرخصة وإن لم تجتمع معها في أصل واحد ، كما أنه قد يطلق لفظ الرخصة وإن استمدت من أصل الضروريات ، كالمصلي لا يقدر على القيام ; فإن الرخصة في حقه ضرورية لا حاجية ، وإنما تكون حاجية إذا كان قادرا عليه لكن بمشقة تلحقه فيه أو بسببه ، وهذا كله ظاهر .
    فصل

    وقد يطلق لفظ الرخصة على ما وضع عن هذه الأمة من التكاليف الغليظة ، والأعمال الشاقة التي دل عليها قوله تعالى : ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا [ البقرة : 286 ] .

    وقوله تعالى : ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [ الأعراف : 157 ] .

    فإن الرخصة في اللغة راجعة إلى معنى اللين ، وعلى هذا يحمل ما جاء في بعض الأحاديث : أنه عليه الصلاة والسلام صنع شيئا ترخص فيه ، [ ص: 472 ] ويمكن أن يرجع إليه معنى الحديث الآخر : إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ، وسيأتي بيانه بعد إن شاء الله ; فكان ما جاء في هذه الملة السمحة من المسامحة واللين رخصة ، بالنسبة إلى ما حملته الأمم السالفة من العزائم الشاقة .
    فصل

    وتطلق الرخصة أيضا على ما كان من المشروعات توسعة على العباد مطلقا ، مما هو راجع إلى نيل حظوظهم ، وقضاء أوطارهم ; فإن العزيمة الأولى هي التي نبه عليها قوله : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ الذاريات : 56 ] .

    وقوله : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا الآية [ طه : 132 ] .

    وما كان نحو ذلك ما دل على أن العباد ملك الله على الجملة والتفصيل ; فحق عليهم التوجه إليه ، وبذل المجهود في عبادته ; لأنهم عباده وليس لهم حق لديه ولا حجة عليه ، فإذا وهب لهم حظا ينالونه ، فذلك كالرخصة لهم لأنه توجه إلى غير المعبود ، واعتناء بغير ما اقتضته العبودية .

    فالعزيمة في هذا الوجه هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي على الإطلاق والعموم ، كانت الأوامر وجوبا أو ندبا ، والنواهي كراهة أو تحريما ، وترك كل [ ص: 473 ] ما يشغل عن ذلك من المباحات ، فضلا عن غيرها ; لأن الأمر من الآمر مقصود أن يمتثل على الجملة ، والإذن في نيل الحظ الملحوظ من جهة العبد رخصة ، فيدخل في الرخصة على هذا الوجه كل ما كان تخفيفا وتوسعة على المكلف ، فالعزائم حق الله على العباد ، والرخص حظ العباد من لطف الله ، فتشترك المباحات مع الرخص على هذا الترتيب من حيث كانا معا توسعة على العبد ورفع حرج عنه ، وإثباتا لحظه ، وتصير المباحات ـ عند هذا النظر ـ تتعارض مع المندوبات على الأوقات ، فيؤثر حظه في الأخرى على حظه في الدنيا أو يؤثر حق ربه على حظ نفسه ; فيكون رافعا للمباح من عمله رأسا أو آخذا له حقا لربه ، فيصير حظه مندرجا تابعا لحق الله ، وحق الله هو المقدم والمقصود ; فإن [ على ] العبد بذل المجهود ، والرب يحكم ما يريد .

    وهذا الوجه يعتبره الأولياء من أصحاب الأحوال ، ويعتبره أيضا غيرهم ممن رقى عن الأحوال ، وعليه يربون التلاميذ ، ألا ترى أن من مذاهبهم الأخذ بعزائم العلم ، واجتناب الرخص جملة ، حتى آل الحال بهم أن عدوا [ ص: 474 ] أصل الحاجيات كلها أو جلها من الرخص ، وهو ما يرجع إلى حظ العبد منها حسبما بان لك في هذا الإطلاق الأخير ، وسيأتي لهذا الذي ذهبوا إليه تقرير في هذا النوع إن شاء الله تعالى .
    فصل

    ولما تقررت هذه الإطلاقات الأربعة ، ظهر أن منها ما هو خاص ببعض الناس ، وما هو عام للناس كلهم ; فأما العام للناس كلهم فذلك الإطلاق الأول ، وعليه يقع التفريع في هذا النوع ، وأما الإطلاق الثاني فلا كلام عليه هنا ; إذ لا تفريع يترتب عليه ، وإنما يتبين به أنه إطلاق شرعي ، وكذلك الثالث ; وأما الرابع فلما كان خاصا بقوم لم يتعرض له على الخصوص ، إلا أن التفريع على الأول يتبين به التفريع عليه ; فلا يفتقر إلى تفريع خاص بحول الله تعالى .
    المسألة الثانية

    حكم الرخصة الإباحة مطلقا من حيث هي رخصة ، والدليل على ذلك أمور :

    أحدها : موارد النصوص عليها كقوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه [ البقرة : 173 ] .

    وقوله : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم [ المائدة : 3 ] .

    وقوله : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة الآية [ ص: 475 ] [ النساء : 101 ] .

    وقوله : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [ النحل : 106 ] الآية إلى آخرها .

    وأشباه ذلك من النصوص الدالة على رفع الحرج والإثم مجردا لقوله : فلا إثم عليه [ البقرة : 173 ] ، وقوله : فإن الله غفور رحيم [ المائدة : 3 ] ، ولم يرد في جميعها أمر يقتضي الإقدام على الرخصة ، بل إنما أتى بما ينفي المتوقع في ترك أصل العزيمة ، وهو الإثم والمؤاخذة على حد ما جاء في كثير من المباحات بحق الأصل ، كقوله تعالى : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة [ البقرة : 236 ] .

    ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم [ البقرة : 198 ] .

    ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء [ البقرة : 235 ] .

    إلى غير ذلك من الآيات المصرحة بمجرد رفع الجناح ، وبجواز الإقدام خاصة .

    [ ص: 476 ] وقال تعالى : ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [ البقرة : 185 ] .

    وفي الحديث : كنا نسافر مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمنا المقصر ومنا المتم ، ولا يعيب بعضنا على بعض .

    والشواهد على ذلك كثيرة .

    [ ص: 477 ] والثاني : أن الرخصة أصلها التخفيف عن المكلف ورفع الحرج عنه ; حتى يكون من ثقل التكليف في سعة واختيار بين الأخذ بالعزيمة والأخذ بالرخصة ، وهذا أصله الإباحة كقوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا [ البقرة : 29 ] .

    قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق [ الأعراف : 32 ] .

    متاعا لكم ولأنعامكم [ النازعات : 33 ] .

    بعد تقرير نعم كثيرة .

    وأصل الرخصة السهولة ، ومادة [ رخ ص ] للسهولة واللين كقولهم : شيء رخص : بين الرخوصة ، ومنه الرخص ضد الغلاء ، ورخص له في الأمر فترخص هو فيه إذا لم يستقص له فيه ، فمال هو إلى ذلك ، وهكذا سائر استعمال المادة .

    والثالث : إنه لو كانت الرخص مأمورا بها ندبا أو وجوبا لكانت عزائم لا رخصا ، والحال بضد ذلك ; فالواجب هو الحتم واللازم الذي لا خيرة فيه ، [ ص: 478 ] والمندوب كذلك من حيث مطلق الأمر ، ولذلك لا يصح أن يقال في المندوبات : إنها شرعت للتخفيف والتسهيل من حيث هي مأمور بها ، فإذا كان كذلك ; ثبت أن الجمع بين الأمر والرخصة جمع بين متنافيين ، وذلك يبين أن الرخصة لا تكون مأمورا بها من حيث هي رخصة .

    فإن قيل : هذا معترض من وجهين :

    أحدهما : إن ما تقدم من الأدلة لا يدل على مقصود المسألة ; إذ لا يلزم من رفع الجناح والإثم عن الفاعل للشيء أن يكون ذلك الشيء مباحا ; فإنه قد يكون واجبا أو مندوبا ، أما أولا ; فقد قال تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما [ البقرة : 158 ] ، وهما مما يجب الطواف بينهما ، وقال تعالى : ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى [ البقرة : 203 ] ، والتأخر مطلوب طلب الندب ، وصاحبه أفضل عملا من المتعجل ، إلى غير ذلك من المواضع التي في هذا المعنى .

    ولا يقال : إن هذه المواضع نزلت على أسباب ، حيث توهموا الجناح كما ثبت في حديث عائشة ; لأنا نقول : مواضع الإباحة أيضا نزلت على أسباب ، [ ص: 479 ] وهي توهم الجناح كقوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم [ البقرة : 198 ] .

    وقوله : ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم [ النور : 61 ] إلى آخرها .

    وقوله : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج [ النور : 61 ] . [ استدراك : 4 ] .

    ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء [ البقرة : 235 ] .

    جميع هذا وما كان مثله متوهم فيه الجناح والحرج ، وإذا استوى الموضوعان لم يكن في النص على رفع الإثم والحرج والجناح دلالة على حكم الإباحة على الخصوص ، فينبغي أن يؤخذ حكمه من محل آخر ودليل خارجي .

    [ ص: 480 ] والثاني : أن العلماء قد نصوا على رخص مأمور بها ، فالمضطر إذا خاف الهلاك وجب عليه تناول الميتة وغيرها من المحرمات الغاذية ، ونصوا على طلب الجمع بعرفة والمزدلفة ، وأنه سنة ، وقيل في قصر المسافر : إنه فرض أو سنة أو مستحب ، وفي الحديث : إن الله يحب أن تؤتى رخصه ، وقال ربنا تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] إلى كثير من ذلك ; فلم يصح إطلاق القول بأن حكم الرخص الإباحة دون التفصيل .

    فالجواب عن الأول : إنه لا يشك أن رفع الحرج والإثم في وضع اللسان إذا تجرد عن القرائن يقتضي الإذن في التناول والاستعمال ، فإذا خلينا واللفظ كان راجعا إلى معنى الإذن في الفعل على الجملة ; فإن كان لرفع الجناح والحرج سبب خاص فلنا أن نحمله على مقتضى اللفظ لا على خصوص السبب ; فقد يتوهم فيما هو مباح شرعا أن فيه إثما بناء على استقرار عادة تقدمت أو رأي عرض كما توهم بعضهم الإثم في الطواف بالبيت بالثياب ، وفي بعض المأكولات حتى نزل : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق [ الأعراف : 32 ] ، وكذلك في الأكل من بيوت الآباء [ ص: 481 ] والأمهات ، وسائر من ذكر في الآية ، وفي التعريض بالنكاح في العدة ، وغير ذلك ، فكذلك قوله : فلا جناح عليه أن يطوف بهما [ البقرة : 158 ] يعطي معنى الإذن ; وأما كونه واجبا فمأخوذ من قوله : إن الصفا والمروة من شعائر الله [ البقرة : 158 ] أو من دليل آخر ; فيكون التنبيه هنا على مجرد الإذن الذي يلزم الواجب من جهة مجرد الإقدام مع قطع النظر عن جواز الترك أو عدمه .

    ولنا أن نحمله على خصوص السبب ، ويكون مثل قوله في الآية من شعائر [ الحج : 36 ] قرينة صارفة للفظ عن مقتضاه في أصل الوضع ; أما ما له سبب مما هو في نفسه مباح فيستوي مع ما لا سبب له في معنى الإذن ولا إشكال فيه ، وعلى هذا الترتيب يجري القول في الآية الأخرى ، وسائر ما جاء في هذا المعنى .

    والجواب عن الثاني أنه قد تقدم أن الجمع بين الأمر والرخصة جمع بين [ ص: 482 ] متنافيين فلا بد أن يرجع الوجوب أو الندب إلى عزيمة أصلية ، لا إلى الرخص بعينها ، وذلك أن المضطر الذي لا يجد من الحلال ما يرد به نفسه ، أرخص له في أكل الميتة قصدا لرفع الحرج عنه وردا لنفسه من ألم الجوع ; فإن خاف التلف وأمكنه تلافي نفسه بأكلها كان مأمورا بإحياء نفسه لقوله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم كما هو مأمور بإحياء غيره من مثلها إذا أمكنه تلافيه ، بل هو مثل من صادف شفا جرف يخاف الوقوع فيه ، فلا شك أن الزوال عنه مطلوب ، وأن إيقاع نفسه فيه ممنوع ، ومثل هذا لا يسمى رخصة ; لأنه راجع إلى أصل كلي ابتدائي ، فكذلك من خاف التلف إن ترك أكل الميتة هو مأمور بإحياء نفسه ، فلا يسمى رخصة من هذا الوجه ، وإن سمي رخصة من جهة رفع الحرج عن نفسه .

    فالحاصل أن إحياء النفس على الجملة مطلوب طلب العزيمة ، وهذا فرد من أفراده ، ولا شك أن الرخصة مأذون فيها لرفع الحرج ، وهذا فرد من أفرادها ; فلم تتحد الجهتان ، وإذا تعددت الجهات زال التدافع ، وذهب التنافي ، [ ص: 483 ] وأمكن الجمع .

    وأما جمع عرفة والمزدلفة ونحوه ، فلا نسلم أنه عند القائل بالطلب رخصة ، بل هو عزيمة متعبد بها عنده ، ويدل عليه حديث عائشة ـ رضى الله عنها ـ في القصر : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين الحديث ، وتعليل القصر بالحرج والمشقة لا يدل على أنه رخصة ; إذ ليس كل ما كان رفعا للحرج يسمى رخصة على هذا الاصطلاح العام ، وإلا فكان يجب أن تكون الشريعة كلها رخصة لخفتها بالنسبة إلى الشرائع المتقدمة أو يكون شرع الصلاة خمسا رخصة ; لأنها شرعت في السماء خمسين ، ويكون القرض والمساقاة والقراض وضرب الدية على العاقلة رخصة ، وذلك لا يكون كما تقدم ، فكل ما خرج عن مجرد الإباحة فليس برخصة .

    وأما قوله : إن الله يحب أن تؤتى رخصه فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

    [ ص: 484 ] وأيضا ; فالمباحات منها ما هو محبوب ومنها ما هو مبغض كما تقدم بيانه في الأحكام التكليفية فلا تنافي .

    وأما قوله : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] ، وما كان نحوه ; فكذلك أيضا لأن شرعية الرخص المباحة تيسير ورفع حرج ، وبالله التوفيق .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (36)
    صـ485 إلى صـ 496

    المسألة الثالثة

    أن الرخصة إضافية لا أصلية ، بمعنى أن كل أحد في الأخذ بها فقيه نفسه ما لم يحد فيها حد شرعي فيوقف عنده ، وبيان ذلك من أوجه : أحدها : إن سبب الرخصة المشقة ، والمشاق تختلف بالقوة والضعف ، وبحسب الأحوال ، وبحسب قوة العزائم وضعفها ، وبحسب الأزمان ، وبحسب الأعمال ، فليس سفر الإنسان راكبا مسيرة يوم وليلة في رفقة مأمونة ، وأرض مأمونة ، وعلى بطء وفي زمن الشتاء ، وقصر الأيام ; كالسفر على الضد من ذلك في الفطر والقصر ، وكذلك الصبر على شدائد السفر ومشقاته يختلف ; فرب [ ص: 485 ] رجل جلد ضري على قطع المهامه ، حتى صار له ذلك عادة لا يحرج بها ، ولا يتألم بسببها ، يقوى على عباداته ، وعلى أدائها على كمالها ، وفي أوقاتها ، ورب رجل بخلاف ذلك ، وكذلك في الصبر على الجوع والعطش ، ويختلف أيضا باختلاف الجبن والشجاعة ، وغير ذلك من الأمور التي لا يقدر على ضبطها ، وكذلك المريض بالنسبة إلى الصوم والصلاة والجهاد وغيرها ، وإذا كان كذلك ; فليس للمشقة المعتبرة في التخفيفات ضابط مخصوص ، ولا حد محدود يطرد في جميع الناس ، ولذلك أقام الشرع في جملة منها السبب مقام العلة ; فاعتبر السفر لأنه أقرب مظان وجود المشقة ، وترك كل مكلف على ما يجد ، أي : إن كان قصر أو فطر ففي السفر ، وترك كثيرا منها موكولا إلى الاجتهاد كالمرض ، وكثير من الناس يقوى في مرضه على ما لا يقوى عليه الآخر ، فتكون الرخصة مشروعة بالنسبة إلى أحد الرجلين دون الآخر ، وهذا لا مرية فيه ; فإذا ليست أسباب الرخص بداخلة تحت قانون أصلي ، ولا ضابط مأخوذ باليد ، بل هو إضافي بالنسبة إلى كل مخاطب في نفسه ; فمن كان من المضطرين معتادا للصبر على الجوع ، ولا تختل حاله بسببه كما كانت العرب ، وكما ذكر عن الأولياء ; فليست إباحة الميتة له على وزان من كان بخلاف ذلك ، هذا وجه .

    والثاني : إنه قد يكون للعامل المكلف حامل على العمل حتى يخف عليه ما يثقل على غيره من الناس ، وحسبك من ذلك أخبار المحبين الذين صابروا [ ص: 486 ] الشدائد ، وحملوا أعباء المشقات من تلقاء أنفسهم ، من إتلاف مهجهم إلى ما دون ذلك ، وطالت عليهم الآماد ، وهم على أول أعمالهم حرصا عليها ، واغتناما لها ; طمعا في رضى المحبوبين ، واعترفوا بأن تلك الشدائد والمشاق سهلة عليهم ، بل لذة لهم ونعيم ، وذلك بالنسبة إلى غيرهم عذاب شديد ، وألم أليم ، فهذا من أوضح الأدلة على المشاق تختلف بالنسب والإضافات ، وذلك يقضي بأن الحكم المبني عليها يختلف بالنسب والإضافات .

    والثالث : ما يدل على هذا من الشرع ; كالذي جاء في وصال الصيام ، وقطع الأزمان في العبادات ; فإن الشارع أمر بالرفق رحمة بالعباد ، ثم فعله من بعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ علما بأن سبب النهي وهو الحرج والمشقة مفقود في حقهم ، ولذلك أخبروا عن أنفسهم أنهم مع وصالهم الصيام لا يصدهم ذلك عن حوائجهم ، ويقطعهم عن سلوك طريقهم ; فلا حرج في حقهم ، وإنما الحرج في حق من يلحقه الحرج حتى يصده عن ضروراته وحاجاته ، وهذا معنى كون سبب الرخصة إضافيا ، ويلزم منه أن تكون الرخصة كذلك ; ، لكن هذا الوجه استدلال بجنس المشقة على نوع من أنواعها ، وهو غير منتهض إلا أن يجعل [ ص: 487 ] منضما إلى ما قبله ، فالاستدلال بالمجموع صحيح حسبما هو مذكور في فصل العموم في كتاب الأدلة .

    فإن قيل : الحرج المعتبر في مشروعية الرخصة ; إما أن يكون مؤثرا في المكلف بحيث لا يقدر بسببه على التفرغ لعادة ولا لعبادة أو لا يمكن له ذلك على حسب ما أمر به أو يكون غير مؤثر ، بل يكون مغلوب صبره ومهزوم عزمه ، فإن كان الأول فظاهر أنه محل الرخصة ، إلا أنه يطلب فيه الأخذ بالرخصة وجوبا أو ندبا على حسب تمام القاطع عن العمل أو عدم تمامه ، وإذا كانت مأمورا بها ; فلا تكون رخصة كما تقدم بل عزيمة ، وإن كان الثاني فلا حرج في العمل ولا مشقة ، إلا [ ما ] في الأعمال المعتادة ، وذلك ينفي كونه حرجا ينتهض علة للرخصة ، وإذا انتفى محل الرخصة في القسمين ولا ثالث لهما ; ارتفعت الرخصة من أصلها ، والاتفاق على وجودها معلوم ، هذا خلف ; [ ص: 488 ] فما انبنى عليه مثله .

    فالجواب من وجهين :

    أحدهما : أن هذا السؤال منقلب على وجه آخر ; لأنه يقتضي أن تكون الرخص كلها مأمورا بها وجوبا أو ندبا ; إذ ما من رخصة تفرض إلا وهذا البحث جار فيها ، فإذا كان مشترك الإلزام لم ينهض دليلا ، ولم يعتبر في الإلزامات .

    والثاني : إنه إن سلم ; فلا يلزم السؤال لأمرين :

    أحدهما : إن انحصار الرخص في القسمين لا دليل عليه ; لإمكان قسم ثالث بينهما ، وهو أن لا يكون الحرج مؤثرا في العمل ، ولا يكون المكلف رخي البال عنده ، وكل أحد يجد من نفسه في المرض أو السفر حرجا في الصوم ، مع أنه لا يقطعه عن سفره ، ولا يخل به في مرضه ، ولا يؤديه إلى الإخلال بالعمل ، وكذلك سائر ما يعرض من الرخص ، جار فيه هذا التقسيم ، والثالث : هو محل الإباحة ; إذ لا جاذب [ له ] يجذبه لأحد الطرفين .

    والآخر : أن طلب الشرع للتخفيف حيث طلبه ليس من جهة كونه [ ص: 489 ] رخصة ، بل من جهة كون العزيمة لا يقدر عليها أو كونها تؤدي إلى الإخلال بأمر من أمور الدين أو الدنيا ، فالطلب من حيث النهي عن الإخلال لا من حيث العمل بنفس الرخصة ، ولذلك نهي عن الصلاة بحضرة الطعام ، ومع مدافعة الأخبثين ، ونحو ذلك ; فالرخصة باقية على أصل الإباحة من حيث هي [ ص: 490 ] رخصة فليست بمرتفعة من الشرع بإطلاق ، وقد مر بيان جهتي الطلب والإباحة ، والله أعلم .
    المسألة الرابعة

    الإباحة المنسوبة إلى الرخصة ; هل هي من قبيل الإباحة بمعنى رفع الحرج ، أم من قبيل الإباحة بمعنى التخيير بين الفعل والترك ؟

    فالذي يظهر من نصوص الرخص أنها بمعنى رفع الحرج لا بالمعنى الآخر ، وذلك ظاهر في قوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه [ البقرة : 173 ] ، وقوله في الآية الأخرى : فإن الله غفور رحيم [ المائدة : 3 ] ; فلم يذكر في ذلك أن له الفعل والترك ، وإنما ذكر أن التناول في حال الاضطرار يرفع الإثم .

    وكذلك قوله : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [ البقرة : 184 ] ، ولم يقل : فله الفطر ، ولا فليفطر ، ولا يجوز له ، بل ذكر نفس العذر وأشار إلى أنه إن أفطر ; فعدة من أيام أخر .

    وكذلك قوله : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة [ النساء : 101 ] على القول بأن المراد القصر من عدد الركعات ، ولم يقل : فلكم أن [ ص: 491 ] تقصروا أو فإن شئتم فاقصروا .

    وقال [ تعالى ] في المكره : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره الآية إلى قوله : ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله [ النحل : 106 ] ; فالتقدير أن من أكره فلا غضب عليه ولا عذاب يلحقه إن تكلم بكلمة الكفر ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولم يقل : فله أن ينطق أو إن شاء فلينطق .

    وفي الحديث : أكذب امرأتي ؟ قال له : لا خير في الكذب . قال له : أفأعدها وأقول لها ؟ قال : لا جناح عليك ، ولم يقل له نعم ، ولا افعل إن [ ص: 492 ] شئت .

    والدليل على أن التخيير غير مراد في هذه الأمور ، أن الجمهور أو الجميع يقولون : من لم يتكلم بكلمة الكفر مع الإكراه مأجور ، وفي أعلى الدرجات ، والتخيير ينافي ترجيح أحد الطرفين على الآخر ; فكذلك غيره من المواضع [ ص: 493 ] المذكورة وسواها .

    وأما الإباحة التي بمعنى التخيير ففي قوله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [ البقرة : 223 ] ، يريد : كيف شئتم : مقبلة ومدبرة وعلى جنب ; فهذا تخيير واضح ، وكذلك قوله : وكلا منها رغدا حيث شئتما [ البقرة : 35 ] ، وما أشبه ذلك ، وقد تقدم في قسم خطاب التكليف فرق ما بين المباحين .

    فإن قيل : ما الذي ينبني على الفرق بينهما ؟

    قيل : ينبني عليه فوائد كثيرة ، ولكن العارض في مسألتنا أنا إن قلنا : الرخصة مخير فيها حقيقة لزم أن تكون مع مقتضى العزيمة من الواجب المخير ، وليس كذلك إذا قلنا : إنها مباحة بمعنى رفع الحرج عن فاعلها ; إذ رفع الحرج لا يستلزم التخيير ; ألا ترى أنه موجود مع الواجب ؟ ، وإذا كان كذلك ; تبينا أن العزيمة على أصلها من الوجوب المعين المقصود شرعا ، فإذا عمل بها لم يكن بين المعذور وبين غيره في العمل بها فرق ، لكن العذر رفع التأثيم عن المنتقل عنها إن اختار لنفسه الانتقال ، وسيأتي لهذا بسط إن شاء الله تعالى .
    المسألة الخامسة

    الترخص المشروع ضربان :

    أحدهما : أن يكون في مقابلة مشقة لا صبر عليها طبعا ; كالمرض الذي يعجز معه عن استيفاء أركان الصلاة على وجهها مثلا أو عن الصوم لفوت [ ص: 494 ] النفس .

    أو شرعا كالصوم المؤدي إلى عدم القدرة على الحضور في الصلاة أو على إتمام أركانها ، وما أشبه ذلك .

    والثاني : أن يكون في مقابلة مشقة بالمكلف قدرة على الصبر عليها ، وأمثلته ظاهرة .

    فأما الأول ; فهو راجع إلى حق الله ; فالترخص فيه مطلوب ، ومن هنا جاء : ليس من البر الصيام في السفر ، وإلى هذا المعنى يشير النهي عن الصلاة بحضرة الطعام أو وهو يدافعه الأخبثان ، و إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء إلى ما كان نحو ذلك ; فالترخص في هذا الموضع ملحق بهذا الأصل ، ولا كلام أن الرخصة هاهنا جارية مجرى العزائم ، ولأجله قال العلماء بوجوب أكل الميتة خوف التلف ، وأن من لم يفعل ذلك فمات دخل النار .

    وأما الثاني : فراجع إلى حظوظ العباد لينالوا من رفق الله وتيسيره بحظ ; إلا أنه على ضربين :

    [ ص: 495 ] أحدهما : أن يختص بالطلب حتى لا يعتبر فيه حال المشقة أو عدمها ; كالجمع بعرفة والمزدلفة ; فهذا أيضا لا كلام فيه أنه لاحق بالعزائم ، من حيث صار مطلوبا مطلقا طلب العزائم حتى عده الناس سنة لا مباحا ، لكنه مع ذلك لا يخرج عن كونه رخصة ; إذ الطلب الشرعي في الرخصة لا ينافي كونها رخصة ; كما يقوله العلماء في أكل الميتة للمضطر ; فإذا هي رخصة من حيث وقع عليها حد الرخصة ، وفي حكم العزيمة من حيث كانت مطلوبة طلب العزائم .

    والثاني : أن لا يختص بالطلب ، بل يبقى على أصل التخفيف ورفع الحرج ، فهو على أصل الإباحة ، فللمكلف الأخذ بأصل العزيمة ، وإن تحمل في ذلك مشقة ، وله الأخذ بالرخصة .

    والأدلة على صحة الحكم على هذه الأقسام ظاهرة ، فلا حاجة إلى إيرادها ، فإن تشوف أحد إلى التنبيه على ذلك فنقول : أما الأول ; فلأن المشقة إذا أدت إلى الإخلال بأصل كلي ; لزم أن لا يعتبر فيه أصل العزيمة ; إذ قد صار إكمال العبادة هنا والإتيان بها على وجهها يؤدي إلى رفعها من أصلها ، فالإتيان بما قدر عليها منها ـ وهو مقتضى الرخصة ـ هو المطلوب ، وتقرير هذا الدليل مذكور في كتاب المقاصد من هذا الكتاب .

    [ ص: 496 ] وأما الثاني ; فإذا فرض اختصاص الرخصة المعينة بدليل يدل على طلب [ العمل بها على الخصوص ، خرجت من هذا الوجه عن أحكام الرخصة في نفسها ، كما ثبت عند مالك ] [ الدليل على ] طلب الجمع بعرفة والمزدلفة ، فهذا وشبهه مما اختص عن عموم حكم الرخصة ، ولا كلام فيه .

    وأما الثالث ; فما تقدم من الأدلة واضح في الإذن في الرخصة أو في رفع الإثم عن فاعلها .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (37)
    صـ497 إلى صـ 511



    المسألة السادسة

    حيث قيل بالتخيير بين الأخذ بالعزيمة ، والأخذ بالرخصة ; فللترجيح [ ص: 497 ] بينهما مجال رحب ، وهو محل نظر ، فلنذكر جملا مما يتعلق بكل طرف من الأدلة .

    فأما الأخذ بالعزيمة ; فقد يقال إنه أولى لأمور :

    أحدها : أن العزيمة هي الأصل الثابت المتفق عليه المقطوع به ، وورود الرخصة عليه ، وإن كان مقطوعا به أيضا ; فلا بد أن يكون سببها مقطوعا به في الوقوع ، وهذا المقدار بالنسبة إلى كل مترخص غير متحقق إلا في القسم المتقدم ، وما سواه لا تحقق فيه ، وهو موضع اجتهاد ; فإن مقدار المشقة المباح من أجلها الترخص غير منضبط ، ألا ترى أن السفر قد اعتبر في مسافته ثلاثة أميال فأكثر كما اعتبر أيضا ثلاثة أيام بلياليهن ، وعلة القصر المشقة ، وقد اعتبر فيها أقل ما ينطلق عليه اسم المشقة ، واعتبر في المرض أيضا أقل ما ينطلق عليه الاسم ; فكان منهم من أفطر لوجع أصبعه ، كما كان منهم من قصر في ثلاثة أميال ، واعتبر آخرون ما فوق ذلك ، وكل مجال الظنون لا موضع فيه للقطع ، وتتعارض فيه الظنون ، وهو محل الترجح والاحتياط ; فكان من مقتضى هذا كله أن لا يقدم على الرخصة مع بقاء احتمال في السبب .

    [ ص: 498 ] والثاني : إن العزيمة راجعة إلى أصل في التكليف كلي ; لأنه مطلق عام على الأصالة في جميع المكلفين ، والرخصة راجعة إلى جزئي بحسب بعض المكلفين ممن له عذر ، وبحسب بعض الأحوال وبعض الأوقات في أهل الأعذار لا في كل حالة ولا في كل وقت ، ولا لكل أحد ، فهو كالعارض الطارئ على الكلي ، والقاعدة المقررة في موضعها أنه إذا تعارض أمر كلي وأمر جزئي ; فالكلي مقدم لأن الجزئي يقتضي مصلحة جزئية ، والكلي يقتضي مصلحة كلية ، ولا ينخرم نظام في العالم بانخرام المصلحة الجزئية ، بخلاف ما إذا قدم اعتبار المصلحة الجزئية ; فإن المصلحة الكلية ينخرم نظام كليتها فمسألتنا كذلك ; إذ قد علم أن العزيمة بالنسبة إلى كل مكلف أمر كلي ثابت عليه ، والرخصة إنما مشروعيتها أن تكون جزئية ، وحيث يتحقق الموجب ، وما فرضنا الكلام فيه لا يتحقق في كل صورة تفرض إلا والمعارض الكلي ينازعه ; فلا ينجي من طلب الخروج عن العهدة إلا الرجوع إلى الكلي ; وهو العزيمة .

    والثالث : ما جاء في الشريعة من الأمر بالوقوف مع مقتضى الأمر والنهي مجردا ، والصبر على حلوه ومره ، وإن انتهض موجب الرخصة ، وأدلة ذلك لا تكاد تنحصر ، من ذلك قوله تعالى : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم [ آل عمران : 173 ] ; فهذا مظنة التخفيف ، فأقدموا على الصبر والرجوع إلى الله ; فكان عاقبة ذلك ما أخبر الله به .

    [ ص: 499 ] وقال تعالى إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر إلى آخر القصة حيث قال : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [ الأحزاب : 10 - 23 ] ; فمدحهم بالصدق مع حصول الزلزال الشديد والأحوال الشاقة التي بلغت القلوب فيها الحناجر ، وقد عرض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أصحابه أن يعطوا الأحزاب من ثمار المدينة ; لينصرفوا عنهم فيخف عليهم الأمر ; فأبوا من ذلك ، وتعززوا بالله وبالإسلام ; فكان ذلك سببا لمدحهم والثناء عليهم .

    وارتدت العرب عند وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان الرأي من الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ أو من بعضهم غير أبي بكر ـ استئلافهم بترك أخذ الزكاة ممن منعها منهم ; حتى يستقيم أمر الأمة ، ثم يكون ما يكون ; فأبى أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ; [ ص: 500 ] فقال : " والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي " ، والقصة مشهورة .

    [ ص: 501 ] وأيضا ; قال الله تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره الآية [ النحل : 106 ] ; فأباح التكلم بكلمة الكفر ، مع أن ترك ذلك أفضل عند جميع الأمة أو عند الجمهور ، وهذا جار في قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; أن الأمر مستحب والأصل مستتب ، وإن أدى إلى الإضرار بالمال والنفس ، لكن يزول الانحتام ، ويبقى ترتب الأجر على الصبر على ذلك .

    ومن الأدلة قوله عليه الصلاة والسلام : إن خيرا لأحدكم أن لا يسأل من أحد شيئا فحمله الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ على عمومه ، ولا بد أن يلحق من التزم هذا العقد مشقات كثيرة فادحة ، ولم يأخذوه إلا على عمومه حتى اقتدى [ ص: 502 ] بهم الأولياء ، منهم أبو حمزة الخراساني ; فاتفق له ما ذكره القشيري وغيره من وقوعه في البئر ، وقد كان هذا النمط مما يناسب استثناؤه من ذلك الأصل .

    وقصة الثلاثة الذين خلفوا حتى أتوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصدقوه ، ولم يعتذروا له في موطن كان مظنة للاعتذار ، فمدحوا لذلك ، وأنزل الله توبتهم ، ومدحهم في القرآن بعد ما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، ولكن ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ، ففتح لهم باب القبول ، وسماهم صادقين ; لأخذهم بالعزيمة دون الترخص .

    [ ص: 503 ] وقصة عثمان بن مظعون وغيره ممن كان في أول الإسلام لا يقدر على دخول مكة إلا بجوار ، ثم تركوا الجوار رضى بجوار الله مع ما نالهم من المكروه ، ولكن هانت عليهم أنفسهم في الله فصبروا إيمانا بقوله : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [ الزمر : 10 ] .

    وقال تعالى : لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [ آل عمران : 186 ] .

    وقال لنبيه عليه [ الصلاة و ] السلام : لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [ الأحقاف : 35 ] .

    وقال : ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل [ الشورى : 41 ] .

    ثم قال : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [ الشورى : 43 ] .

    ولما نزلت هذه الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله الآية [ البقرة : 284 ] ; شق ذلك على الصحابة فقيل لهم : قولوا : سمعنا وأطعنا . فقالوها ; فألقى الله الإيمان في قلوبهم ; [ ص: 504 ] فنزلت : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه الآية [ البقرة : 285 ] .

    وجهز النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسامة في جيش إلى الشام قبيل موته فتوقف خروجه بمرضه عليه السلام ، ثم جاء موته ; فقال الناس لأبي بكر : احبس أسامة بجيشه تستعين به على من حاربك من المجاورين لك ، فقال : لو لعب الكلاب بخلاخيل نساء أهل المدينة ; ما رددت جيشا أنفذه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولكن سأل [ ص: 505 ] أسامة أن يترك له عمر ; ففعل ، وخرج فبلغ الشام ، ونكأ في العدو بها ; فقالت الروم : إنهم لم يضعفوا بموت نبيهم ، وصارت تلك الحالة هيبة في قلوبهم لهم .

    وأمثال هذا كثيرة مما يقتضي الوقوف مع العزائم ، وترك الترخص ; لأن القوم عرفوا أنهم مبتلون ، وهو : الوجه الرابع : وذلك أن هذه العوارض الطارئة وأشباهها مما يقع للمكلفين من أنواع المشاق ، هي مما يقصدها الشارع في أصل التشريع أعني أن المقصود في التشريع إنما هو جار على توسط مجاري العادات ، وكونه شاقا على بعض الناس أو في بعض الأحوال مما هو على غير المعتاد لا يخرجه عن أن يكون مقصودا له ; لأن الأمور الجزئية لا تخرم الأصول الكلية ، وإنما تستثنى حيث تستثنى نظرا إلى أصل الحاجيات بحسب الاجتهاد ، والبقاء على الأصل من العزيمة هو المعتمد الأول للمجتهد ، والخروج عنه لا يكون إلا بسبب قوي ، ولذلك لم يعمل العلماء مقتضى الرخصة الخاصة بالسفر في غيره ; كالصنائع الشاقة في الحضر مع وجود المشقة التي هي العلة في مشروعية الرخصة ، فإذا لا ينبغي الخروج عن حكم العزيمة مع عوارض المشقات التي لا تطرد ولا تدوم ; لأن ذلك جار أيضا في العوائد الدنيوية ، ولم يخرجها ذلك عن أن تكون عادية ، فصار عارض المشقة ـ إذا لم يكن كثيرا أو دائما ـ مع أصل عدم المشقة ، كالأمر المعتاد أيضا ; فلا يخرج عن ذلك بالأصل .

    [ ص: 506 ] لا يقال : كيف يكون اجتهاديا وفيه نصوص كثيرة ; كقوله : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه [ البقرة : 173 ] .

    وقوله : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر الآية [ البقرة : 184 ] .

    و إن الله يحب أن تؤتى رخصه .

    إلى غير ذلك مما تقدم وسواه مما في معناه .

    لأنا نقول : حالة الاضطرار قد تبين أنه الذي يخاف معه فوت الروح ، وذلك لا يكون إلا بعد العجز عن العبادات والعادات ، وهو في نفسه عذر أيضا ; وما سوى ذلك فمحمول على تحقق المشقة التي يعجز معها عن القيام بالوظائف الدينية أو الدنيوية ، بحيث ترجع العزيمة إلى نوع من تكليف ما لا يطاق ، وهو منتف سمعا ، وما سوى ذلك من المشاق مفتقر إلى دليل يدل على دخوله تحت تلك النصوص ، وفيه تضطرب أنظار النظار كما تقدم ، فلا معارضة بين النصوص المتقدمة وبين ما نحن فيه ، وسبب ذلك ـ وهو روح هذا الدليل ـ هو أن هذه العوارض الطارئة تقع للعباد ابتلاء ، واختبارا لإيمان المؤمنين وتردد المترددين ، حتى يظهر للعيان من آمن بربه على بينة ممن هو في شك ، ولو كانت التكاليف كلها يخرم كلياتها كل مشقة عرضت لانخرمت الكليات كما تقدم ، ولم يظهر لنا شيء من ذلك ، ولم يتميز الخبيث من الطيب ، فالابتلاء في [ ص: 507 ] التكاليف واقع ، ولا يكون إلا مع بقاء أصل العزيمة ، فيبتلى المرء على قدر دينه ، قال تعالى : ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ الملك : 2 ] .

    الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم الآية [ العنكبوت : 1 - 3 ] .

    لتبلون في أموالكم وأنفسكم ، ثم قال : وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [ آل عمران : 186 ] .

    ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم [ محمد : 31 ] .

    وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين [ آل عمران : 141 ] .

    ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين [ البقرة : 155 ] إلى آخرها .

    فأثنى عليهم بأنهم صبروا لها ، ولم يخرجوا بها عن أصل ما حملوه إلى غيره ، وقوله : ولنبلونكم بشيء يدل على أن هذه البلوى قليلة الوقوع بالنسبة إلى جمهور الأحوال كما تقدم في أحوال التكليف ; فإذا كان المعلوم من الشرع في مثل هذه الأمور طلب الاصطبار عليها والتثبت فيها حتى يجري التكليف على مجراه الأصلي ، كان الترخص على الإطلاق كالمضاد لما قصده الشارع من تكميل العمل على أصالته لتكميل الأجر .

    والخامس : أن الترخص إذا أخذ به في موارده على الإطلاق ، كان ذريعة إلى انحلال عزائم المكلفين في التعبد على الإطلاق ، فإذا أخذ بالعزيمة ; كان حريا بالثبات في التعبد ، والأخذ بالحزم فيه .

    [ ص: 508 ] بيان الأول " أن الخير عادة والشر لجاجة " ، وهذا مشاهد محسوس لا يحتاج إلى إقامة دليل ، والمتعود لأمر يسهل عليه ذلك الأمر ما لا يسهل على غيره ; كان خفيفا في نفسه أو شديدا ، فإذا اعتاد الترخص ; صارت كل عزيمة في يده كالشاقة الحرجة ، وإذا صارت كذلك ; لم يقم بها حق قيامها ، وطلب الطريق إلى الخروج منها ، وهذا ظاهر ، وقد وقع هذا المتوقع في أصول كلية وفروع جزئية ; كمسألة الأخذ بالهوى في اختلاف أقوال العلماء ، ومسألة إطلاق القول بالجواز عند اختلافهم بالمنع والجواز ، وغير ذلك مما نبه عليه في أثناء الكتاب أو لم ينبه عليه .

    وبيان الثاني ظاهر أيضا مما تقدم ; فإنه ضده .

    وسبب هذا كله أن أسباب الرخص أكثر ما تكون مقدرة ومتوهمة لا محققة ، فربما عدها شديدة وهي خفيفة في نفسها ، فأدى ذلك إلى عدم صحة التعبد ، وصار عمله ضائعا وغير مبني على أصل ، وكثيرا ما يشاهد الإنسان ذلك ، فقد يتوهم الإنسان الأمور صعبة ، وليست كذلك إلا بمحض التوهم ; ألا ترى أن المتيمم لخوف لصوص أو سباع ، إذا وجد الماء في الوقت أعاد عند مالك ; لأنه عده مقصرا ; لأن هذا يعتري في أمثاله مصادمة الوهم المجرد الذي لا دليل عليه ، بخلاف ما لو رأى اللصوص أو السباع ، وقد منعته من الماء ; فلا إعادة هنا ، ولا يعد هذا مقصرا ، ولو تتبع الإنسان الوهم لرمى به في مهاو [ ص: 509 ] بعيدة ، ولأبطل عليه أعمالا كثيرة ، وهذا مطرد في العادات والعبادات وسائر التصرفات .

    وقد تكون شديدة ، ولكن الإنسان مطلوب بالصبر في ذات الله والعمل على مرضاته ، وفي الصحيح : من يصبر يصبره الله ، وجاء في آية الأنفال في وقوف الواحد للاثنين بعد ما نسخ وقوفه للعشرة والله مع الصابرين [ الأنفال : 66 ] ، قال بعض الصحابة لما نزلت : " نقص من الصبر بمقدار ما نقص من العدد " هذا بمعنى الخبر ، وهو موافق للحديث والآية .

    [ ص: 510 ] والسادس : إن مراسم الشريعة مضادة للهوى من كل وجه ; كما تقرر في كتاب المقاصد من هذا الكتاب ، وكثيرا ما تدخل المشقات ، وتتزايد من جهة مخالفة الهوى ، واتباع الهوى ضد اتباع الشريعة ; فالمتبع لهواه يشق عليه كل شيء ، سواء أكان في نفسه شاقا أم لم يكن ; لأنه يصده عن مراده ، ويحول بينه وبين مقصوده ، فإذا كان المكلف قد ألقى هواه ونهى نفسه عنه ، وتوجه إلى العمل بما كلف به خف عليه ، ولا يزال بحكم الاعتياد يداخله حبه ، ويحلو له مره حتى يصير ضده ثقيلا عليه ، بعد ما كان الأمر بخلاف ذلك ، فصارت المشقة وعدمها إضافية تابعة لغرض المكلف ; فرب صعب يسهل لموافقة الغرض ، وسهل يصعب لمخالفته .

    فالشاق على الإطلاق في هذا المقام وهو ما لا يطيقه من حيث هو مكلف ; كان مطيقا له بحكم البشرية ، أم لا ، هذا لا كلام فيه ، إنما الكلام في غيره مما هو إضافي ، لا يقال فيه : [ إنه ] مشقة على الإطلاق ، ولا إنه ليس بمشقة على الإطلاق ، وإذا كان دائرا بين الأمرين ، وأصل العزيمة حقيقي ثابت ; فالرجوع إلى أصل العزيمة حق ، والرجوع إلى الرخصة ينظر فيه بحسب كل شخص ، وبحسب كل عارض ; فإذا لم يكن في ذلك بيان قطعي ، وكان أعلى ذلك الظن الذي لا يخلو عن معارض ; كان الوجه الرجوع إلى الأصل ، [ ص: 511 ] حتى يثبت أن المشقة المعتبرة في حق هذا الشخص حق ، ولا تكون حقا على الإطلاق ; حتى تكون بحيث لا يستطيعها ، فتلحق حينئذ بالقسم الأول الذي لا كلام فيه ، هذا إذا لم يأت دليل من خارج يدل على اعتبار الرخصة والتخفيف مطلقا ; كفطره عليه [ الصلاة و ] السلام في السفر حين أبى الناس من الفطر ، وقد شق الصوم عليهم ; فهذا ونحوه أمر آخر إلى ما تقدم من الأقسام ، وإنما الكلام في غيره .

    فثبت أن الوقوف مع العزائم أولى ، والأخذ بها في محال الترخص أحرى .

    فإن قيل : فهل الوقوف مع أصل العزيمة من قبيل الواجب أو المندوب على الإطلاق أم ثم انقسام ؟

    فالجواب : إن ذلك يتبين بتفصيل أحوال المشقات ، وهي :

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (38)
    صـ512 إلى صـ 518



    المسألة السابعة

    فالمشقات التي هي مظان التخفيفات في نظر الناظر على ضربين :

    أحدهما : أن تكون حقيقية ، وهو معظم ما وقع فيه الترخص كوجود المشقة المرضية والسفرية ، وشبه ذلك مما له سبب معين واقع .

    والثاني : أن تكون توهمية مجردة ، بحيث لم يوجد السبب المرخص [ ص: 512 ] لأجله ، ولا وجدت حكمته ، وهي المشقة ، وإن وجد منها شيء ، لكن غير خارج عن مجاري العادات .

    فأما الضرب الأول ; فإما أن يكون بقاؤه على العزيمة يدخل عليه فسادا لا يطيقه طبعا أو شرعا ، ويكون ذلك محققا لا مظنونا ولا متوهما أو لا ; فإن كان الأول ; فرجوعه إلى الرخصة مطلوب ، ورجع إلى القسم الذي لم يقع الكلام فيه ; لأن الرخصة هنا حق لله ، وإن كان الثاني ـ وهو أن يكون مظنونا ـ ; فالظنون تختلف ، والأصل البقاء على أصل العزيمة ، ومتى قوي الظن ضعف مقتضى العزيمة ، ومتى ضعف الظن قوي ; كالظان أنه غير قادر على الصوم مع وجود المرض الذي مثله يفطر فيه ، ولكن إما أن يكون ذلك الظن مستندا إلى سبب معين ، وهو أنه دخل في الصوم مثلا فلم يطق الإتمام أو الصلاة مثلا فلم يقدر على القيام فقعد فهذا هو الأول ; إذ ليس عليه ما لا يقدر عليه ، وإما [ ص: 513 ] أن يكون مستندا إلى سبب مأخوذ من الكثرة ، والسبب موجود عينا بمعنى أن المرض حاضر ، ومثله لا يقدر معه على الصيام ، ولا على الصلاة قائما أو على استعمال الماء عادة من غير أن يجرب نفسه في شيء من ذلك ، فهذا قد يلحق بما قبله ، ولا يقوى قوته ، أما لحوقه به فمن جهة وجود السبب ، وأما مفارقته له فمن جهة أن عدم القدرة لم يوجد عنده ; لأنه إنما يظهر عند التلبس بالعبادة ، وهو لم يتلبس بها على الوجه المطلوب في العزيمة حتى يتبين له قدرته عليها وعدم قدرته ; فيكون الأولى هنا الأخذ بالعزيمة إلى أن يظهر بعد ما يبتنى عليه .

    وأما الضرب الثاني ، وهو أن تكون توهمية ، بحيث لم يوجد السبب ولا الحكمة ، فلا يخلو أن يكون للسبب عادة مطردة في أنه يوجد بعد أو لا ، فإن كان الأول ; فلا يخلو أن يوجد أو لا ; فإن وجد فوقعت الرخصة موقعها ففيه خلاف ، أعني في إجزاء العمل بالرخصة لا في جواز الإقدام ابتداء ; إذ لا يصح أن يبنى حكم على سبب لم يوجد بعد ، بل لا يصح البناء على سبب لم يوجد شرطه ، وإن وجد السبب ، وهو المقتضي للحكم ; فكيف إذا لم يوجد نفس السبب ، وإنما الكلام في نحو الظان أنه تأتيه الحمى غدا بناء على عادته في أدوارها فيفطر قبل مجيئها ، وكذلك الطاهر إذا بنت على الفطر ظنا أن حيضتها ستأتي ذلك اليوم ، وهذا كله أمر ضعيف جدا ، وقد استدل بعض العلماء على [ ص: 514 ] صحة هذا الاعتبار في إسقاط الكفارة عنها بقوله تعالى : لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم [ الأنفال : 68 ] .

    فإن هذا إسقاط للعقوبة للعلم بأن الغنائم ستباح لهم ، وهذا غير ما نحن فيه ; لأن كلامنا فيما يترتب على المكلف من الأحكام الشرعية ، وترتب العذاب هنا ليس براجع إلى ترتب شرعي ، بل هو أمر إلهي كسائر العقوبات اللاحقة للإنسان من الله تعالى بسبب ذنوبه من قوله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [ الشورى : 30 ] .

    وأما إن لم يكن للسبب عادة مطردة فلا إشكال هنا .

    والحاصل من هذا التقسيم أن الظنون والتقديرات غير المحققة راجعة إلى قسم التوهمات ، وهي مختلفة ، وكذلك أهواء النفوس ; فإنها تقدر أشياء لا حقيقة لها ، فالصواب الوقوف مع أصل العزيمة إلا في المشقة المخلة الفادحة ; فإن الصبر أولى ما لم يؤد ذلك إلى دخل في عقل الإنسان أو دينه ، وحقيقة ذلك أن لا يقدر على الصبر ; لأنه لا يؤمر بالصبر إلا من يطيقه ، فأنت ترى بالاستقراء أن المشقة الفادحة لا يلحق بها توهمها ، بل حكمها أضعف ، بناء على أن التوهم غير صادق في كثير من الأحوال ، فإذا ليست المشقة بحقيقية ، والمشقة الحقيقية هي العلة الموضوعة للرخصة ، فإذا لم توجد كان الحكم غير لازم إلا إذا قامت المظنة ـ وهي السبب ـ مقام الحكمة ; فحينئذ يكون [ ص: 515 ] السبب منتهضا على الجواز لا على اللزوم ; لأن المظنة لا تستلزم الحكمة التي هي العلة على كمالها ، فالأحرى البقاء مع الأصل ، وأيضا ; فالمشقة التوهمية راجعة إلى الاحتياط على المشقة الحقيقية ، والحقيقية ليست في الوقوع على وزان واحد ، فلم يكن بناء الحكم عليها متمكنا .

    وأما الراجعة إلى أهواء النفوس خصوصا ; فإنها ضد الأولى ; إذ قد تقرر أن قصد الشارع من وضع الشرائع إخراج النفوس عن أهوائها وعوائدها ، فلا تعتبر في شرعية الرخصة بالنسبة إلى كل من هويت نفسه أمرا ، ألا ترى كيف ذم الله تعالى من اعتذر بما يتعلق بأهواء النفوس ليترخص ؟ كقوله تعالى : ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني الآية [ التوبة : 49 ] ; لأن الجد بن قيس قال : ائذن لي في التخلف عن الغزو ، ولا تفتني ببنات الأصفر ; فإني لا أقدر على الصبر عنهن ، وقوله تعالى : وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا الآية [ التوبة : 81 ] ، ثم بين العذر الصحيح في قوله تعالى : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله الآيات [ التوبة : 91 ] ; فبين أهل الأعذار هنا وهم الذين لا يطيقون الجهاد ، وهم الزمنى ، والصبيان ، والشيوخ ، والمجانين ، والعميان ، ونحوهم ، وكذلك من لم يجد نفقة أصلا ، ولا وجد من يحمله ، وقال فيه : إذا نصحوا لله ورسوله ، ومن جملة النصيحة لله ورسوله أن لا يبقوا من أنفسهم بقية في طاعة الله ، ألا ترى إلى قوله تعالى : انفروا خفافا وثقالا [ التوبة : 41 ] ، وقال : إلا تنفروا يعذبكم الآية [ التوبة : 39 ] ; فما ظنك بمن كان [ ص: 516 ] عذره هوى نفسه ؟ !

    نعم ، وضع الشريعة على أن تكون أهواء النفوس تابعة لمقصود الشارع فيها ، وقد وسع الله تعالى على العباد في شهواتهم ، وأحوالهم ، وتنعماتهم على وجه لا يفضي إلى مفسدة ، ولا يحصل بها المكلف على مشقة ، ولا ينقطع بها عنه التمتع إذا أخذه على الوجه المحدود له ; فلذلك شرع له ابتداء رخصة السلم ، والقراض ، والمساقاة ، وغير ذلك مما هو توسعة عليه ، وإن كان فيه مانع في قاعدة أخرى ، وأحل له من متاع الدنيا أشياء كثيرة ، فمتى جمحت نفسه إلى هوى قد جعل الشرع له منه مخرجا ، وإليه سبيلا ، فلم يأته من بابه ; كان هذا هوى شيطانيا واجبا عليه الانفكاك عنه ; كالمولع بمعصية من المعاصي فلا رخصة له ألبتة ; لأن الرخصة هنا هي عين مخالفة الشرع بخلاف الرخص المتقدمة ; فإن لها في الشرع موافقة إذا وزنت بميزانها .

    فقد تبين من هذا أن مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها ألبتة ، والمشقة الحقيقية فيها الرخصة بشرطها ، وإذا لم يوجد شرطها ، فالأحرى بمن يريد براءة ذمته وخلاص نفسه الرجوع إلى أصل العزيمة ، إلا أن هذه الأحروية تارة تكون من باب الندب ، وتارة تكون من باب الوجوب ، والله أعلم .
    [ ص: 517 ] فصل

    ومن الفوائد في هذه الطريقة الاحتياط في اجتناب الرخص في القسم المتكلم فيه ، والحذر من الدخول فيه ; فإنه موضع التباس ، وفيه تنشأ خدع الشيطان ومحاولات النفس ، والذهاب في اتباع الهوى على غير مهيع ، ولأجل هذا أوصى شيوخ الصوفية تلامذتهم بترك اتباع الرخص جملة ، وجعلوا من أصولهم الأخذ بعزائم العلم ، وهو أصل صحيح مليح ، مما أظهروا من فوائدهم ـ رحمهم الله ـ ، وإنما يرتكب من الرخص ما كان مقطوعا به أو صار شرعا مطلوبا كالتعبدات أو كان ابتدائيا كالمساقاة ، والقرض ; لأنه حاجي ، وما سوى ذلك ; فاللجأ إلى العزيمة .

    - ومنها : أن يفهم معنى الأدلة في رفع الحرج على مراتبها ; فقوله عليه الصلاة والسلام : إن الله يحب أن تؤتى رخصه فالرخص التي هي محبوبة ما ثبت الطلب فيها ; فإنا إذا حملناها على المشقة الفادحة التي قال في مثلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ : ليس من البر الصيام في السفر ، كان موافقا لقوله [ ص: 518 ] تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] .

    وقوله تعالى : يريد الله أن يخفف عنكم [ النساء : 28 ] .

    بعد ما قال في الأولى : وأن تصوموا خير لكم [ البقرة : 184 ] .

    وفي الثانية : وأن تصبروا خير لكم [ النساء : 25 ] .

    فليتفطن الناظر في الشريعة إلى هذه الدقائق ; ليكون على بينة في المجاري الشرعيات ، ومن تتبع الأدلة الشرعية في هذا المقام تبين له ما ذكر أتم بيان ، وبالله التوفيق ، هذا تقرير وجه النظر في هذا الطرف .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (39)
    صـ519 إلى صـ 530



    فصل

    وقد يقال : إن الأخذ بالعزيمة ليس بأولى من أوجه : أحدها : إن أصل العزيمة ، وإن كان قطعيا ; فأصل الترخص قطعي [ ص: 519 ] أيضا ; فإذا وجدنا المظنة اعتبرناها كانت قطعية أو ظنية ; فإن الشارع قد أجرى الظن في ترتب الأحكام مجرى القطع ، فمتى ظن وجود سبب الحكم استحق السبب للاعتبار ، فقد قام الدليل القطعي على أن الدلائل الظنية تجري في فروع الشريعة مجرى الدلائل القطعية .

    ولا يقال : إن القاطع إذا عارض الظن سقط اعتبار الظن ; لأنا نقول : إنما ذلك في باب تعارض الأدلة بحيث يكون أحدهما رافعا لحكم الآخر جملة ، أما إذا كانا جاريين مجرى العام مع الخاص أو المطلق مع المقيد فلا ، ومسألتنا من هذا الثاني لا من الأول ; لأن العزائم واقعة على المكلف بشرط أن لا حرج ، فإن كان الحرج صح اعتباره ، واقتضى العمل بالرخصة .

    وأيضا ; فإن غلبة الظن قد تنسخ حكم القطع السابق ، كما إذا كان الأصل التحريم في الشيء ، ثم طرأ سبب محلل ظني ، فإذا غلب على ظن الصائد أن موت الصيد بسبب ضرب الصائد ، وإن أمكن أن يكون بغيره أو يعين على موته غيره ; فالعمل على مقتضى الظن صحيح ، وإنما كان هذا ; لأن الأصل وإن كان قطعيا ، فاستصحابه مع هذا المعارض الظني لا يمكن ; إذ لا يصح بقاء القطع بالتحريم مع ، وجود الظن هنا ، بل مع الشك ; فكذلك ما نحن فيه ، وحقيقة الأمر أن غلبة الظن لا تبقي للقطع المتقدم حكما ، وغلبات الظنون معتبرة فلتكن معتبرة في الترخص .

    والثاني : إن أصل الرخصة وإن كان جزئيا بالإضافة إلى عزيمتها ; [ ص: 520 ] فذلك غير مؤثر ، وإلا لزم أن تقدح فيما أمر به بالترخص ، بل الجزئي إذا كان مستثنى من كلي ، فهو معتبر في نفسه ; لأنه من باب التخصيص للعموم أو من باب التقييد للإطلاق ، وقد مر في الأصول الفقهية صحة تخصيص القطعي بالظني ; فهذا أولى ، وأيضا ;إذا كان الحكم الرجوع إلى التخصيص وهو بظني ، دون أصل العموم وهو قطعي ; فكذلك هنا ، وكما لا ينخرم الكلي بانخرام بعض جزئياته كما هو مقرر في موضعه من هذا الكتاب ، فكذلك هنا ، وإلا لزم أن ينخرم بالرخص المأمور بها ، وذلك فاسد ; فكذلك ما أدى إليه .

    والثالث : إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع كقوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] .

    وسائر ما يدل على هذا المعنى ; كقوله : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] .

    يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا [ النساء : 28 ] .

    ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له [ الأحزاب : 38 ] .

    [ ص: 521 ] ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [ الأعراف : 157 ] .

    وقد سمي هذا الدين " الحنيفية السمحة " لما فيها من التسهيل والتيسير ، وأيضا ; قد تقدم في المسائل قبل هذا أدلة إباحة الرخص ، وكلها وأمثالها جارية هنا ، والتخصيص ببعض الرخص دون بعض تحكم من غير دليل .

    ولا يقال : إن المشقة إذا كانت قطعية فهي المعتبرة دون الظنية .

    فإن القطع مع الظن مستويان في الحكم ، وإنما يقع الفرق في التعارض ، ولا تعارض في اعتبارهما معا هاهنا ، وإذ ذاك لا يكون الأخذ بالعزيمة دون الرخصة أولى ، بل قد يقال : الأولى الأخذ بالرخصة لأنها تضمنت حق الله وحق العبد معا ; فإن العبادة المأمور بها واقعة ، لكن على مقتضى الرخصة لا أنها ساقطة رأسا ، بخلاف العزيمة ; فإنها تضمنت حق الله مجردا ، والله تعالى غني عن العالمين ، وإنما العبادة راجعة إلى حظ العبد في الدنيا والآخرة ، فالرخصة أحرى لاجتماع الأمرين فيها .

    والرابع : إن مقصود الشارع من مشروعية الرخصة الرفق بالمكلف عن تحمل المشاق ، فالأخذ بها مطلقا موافقة لقصده بخلاف الطرف الآخر ; فإنه [ ص: 522 ] مظنة التشديد ، والتكلف والتعمق المنهي عنه في الآيات [ والأحاديث ] ; كقوله تعالى : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ ص : 86 ] .

    وقوله : ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] .

    وفي التزام المشاق تكليف وعسر ، وفيها روي عن ابن عباس في قصة بقرة بني إسرائيل : " لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم ، ولكن شددوا فشدد الله عليهم " ، وفي الحديث : هلك المتنطعون .

    ونهى - صلى الله عليه وسلم ـ عن التبتل ، وقال : من رغب عن سنتي فليس مني بسبب من عزم على صيام النهار ، وقيام الليل ، واعتزال النساء إلى أنواع الشدة التي كانت في الأمم ، فخففها الله عليهم بقوله : ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [ الأعراف : 157 ] .

    [ ص: 523 ] وقد ترخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ بأنواع من الترخص خاليا وبمرأى من الناس كالقصر ، والفطر في السفر ، والصلاة جالسا حين جحش شقه ، وكان ـ حين بدن ـ يصلي بالليل في بيته قاعدا حتى إذا أراد أن يركع ; قام فقرأ شيئا ثم ركع ، وجرى أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ ذلك المجرى من غير عتب ولا لوم ، [ ص: 524 ] كما قال : " ولا يعيب بعضنا على بعض " ، والأدلة في هذا المعنى كثيرة .

    والخامس : أن ترك الترخص مع ظن سببه قد يؤدي إلى الانقطاع عن الاستباق إلى الخير ، والسآمة والملل ، والتنفير عن الدخول في العبادة ، وكراهية العمل ، وترك الدوام ، وذلك مدلول عليه في الشريعة بأدلة كثيرة ; فإن الإنسان إذا توهم التشديد أو طلب [ به ] أو قيل له فيه كره ذلك ومله ، وربما عجز عنه في بعض الأوقات ; فإنه قد يصبر أحيانا وفي بعض الأحوال ، ولا يصبر في بعض ، والتكليف دائم ، فإذا لم ينفتح له من باب الترخص إلا ما يرجع إلى مسألة تكليف ما لا يطاق ، وسد عنه ما سوى ذلك ; عد الشريعة شاقة ، وربما ساء ظنه بما تدل عليه دلائل رفع الحرج أو انقطع أو عرض له بعض ما يكره شرعا ، وقد قال تعالى واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم [ الحجرات : 7 ] .

    وقال : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا [ المائدة : 87 ] .

    قيل : إنها نزلت بسبب تحريم ما أحل الله تشديدا على النفس فسمي [ ص: 525 ] اعتداء لذلك .

    وفي الحديث : خذوا من العمل ما تطيقون ; فإن الله لن يمل حتى [ ص: 526 ] تملوا ، وما خير عليه [ الصلاة و ] السلام بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما الحديث .

    ونهى عن الوصال ، فلما لم ينتهوا ; واصل بهم يوما ثم يوما ، ثم رأوا الهلال ، فقال : لو تأخر الشهر لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا ، [ ص: 527 ] وقال : لو مد لنا في الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم ، وقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص حين كبر : يا ليتني قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ ، وفي الحديث : هذه الحولاء بنت تويت زعموا أنها لا تنام الليل ; فقال عليه الصلاة والسلام : لا تنام الليل ؟ خذوا من العمل ما تطيقون الحديث ; [ ص: 528 ] فأنكر فعلها كما ترى .

    وحديث إمامة معاذ حين قال له النبي - صلى الله عليه وسلم ـ أفتان أنت يا معاذ ، وقال رجل : والله يا رسول الله ; إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان ، مما يطيل بنا . قال : فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ في موعظة أشد غضبا منه يومئذ ، ثم قال : إن منكم منفرين الحديث .

    وحديث الحبل المربوط بين ساريتين ، سأل عنه عليه [ الصلاة و ] السلام قالوا : حبل لزينب تصلي فإذا كسلت أو فترت ; أمسكت به ، فقال : حلوه ، ليصل أحدكم نشاطه ، فإذا كسل أو فتر ; قعد .

    [ ص: 529 ] وأشباه هذا كثير ; فترك الرخصة من هذا القبيل ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ليس من البر الصيام في السفر فإذا كان كذلك ; ثبت أن الأخذ بالرخصة أولى ، وإن سلم أنه ليس بأولى فالعزيمة ليست بأولى .

    والسادس : إن مراسم الشريعة إن كانت مخالفة للهوى كما تبين في موضعه من هذا الكتاب ; فإنها أيضا إنما أتت لمصالح العباد في دنياهم ودينهم ، والهوى ليس بمذموم إلا إذا كان مخالفا لمراسم الشريعة ، وليس كلامنا فيه ، فإن كان موافقا فليس بمذموم ، ومسألتنا من هذا ; فإنه إذا نصب لنا الشرع سببا لرخصة ، وغلب على الظن ذلك فأعملنا مقتضاه وعملنا بالرخصة ، فأين اتباع الهوى في هذا ؟ وكما أن اتباع الرخص يحدث بسببه الخروج عن مقتضى الأمر والنهي ، كذلك اتباع التشديدات وترك الأخذ بالرخص يحدث بسببه الخروج عن مقتضى الأمر والنهي ، وليس أحدهما بأولى من الآخر ، والمتبع للأسباب المشروعة في الرخص والعزائم سواء ، فإن كانت غلبة الظن في العزائم [ ص: 530 ] معتبرة ; كذلك في الرخص ، وليس أحدهما أحرى من الآخر ، ومن فرق بينهما فقد خالف الإجماع ، هذا تقرير هذا الطرف .
    فصل

    وينبني عليه أن الأولوية في ترك الترخص إذا تعين سببه بغلبة ظن أو قطع ، وقد يكون الترخص أولى في بعض المواضع ، وقد يستويان ، وأما إذا لم يكن ثم غلبة ظن فلا إشكال في منع الترخص .

    [ وأيضا ] ; فتكون الأدلة الدالة على الأخذ بالتخفيف محمولة على عمومها وإطلاقها من غير تخصيص ببعض الموارد دون بعض ، ومجال النظر بين الفريقين أن صاحب الطريق الأول إنما جعل المعتبر العلة التي هي المشقة من غير اعتبار بالسبب الذي هو المظنة ، وصاحب الطريق الثاني إنما جعل المعتبر المظنة التي هي السبب كالسفر والمرض ، فعلى هذا إذا كانت العلة غير منضبطة ، ولم يوجد لها مظنة منضبطة فالمحل محل اشتباه ، وكثيرا ما يرجع هنا إلى أصل الاحتياط ; فإنه ثابت معتبر حسبما هو مبين في موضعه .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,735

    افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


    الموافقات
    أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
    الجزء الاول
    الحلقة (39)
    صـ531 إلى صـ 538


    فصل

    فإن قيل : الحاصل مما تقدم إيراد أدلة متعارضة ، وذلك وضع إشكال في المسألة ; فهل له مخلص أم لا ؟ قيل : نعم من وجهين :

    أحدهما : أن يوكل ذلك إلى نظر المجتهد ; فإنما أورد هنا استدلال كل فريق من غير أن يقع بين الطرفين ترجيح فيبقى موقوفا على المجتهد حتى يترجح له أحدهما مطلقا أو يترجح له أحدهما في بعض المواضع ، والآخر في بعض المواضع ، أو بحسب الأحوال .

    والثاني : أن يجمع بين هذا الكلام ، وما ذكر في كتاب " المقاصد " في تقرير أنواع المشاق وأحكامها ; فإنه إذا تؤمل الموضعان ظهر فيما بينهما وجه الصواب إن شاء الله ، وبالله التوفيق .
    المسألة الثامنة

    كل أمر شاق جعل الشارع فيه للمكلف مخرجا ، فقصد الشارع بذلك المخرج أن يتحراه المكلف إن شاء ; كما جاء في الرخص شرعية المخرج من المشاق ، فإذا توخى المكلف الخروج من ذلك على الوجه الذي شرع له ; كان ممتثلا لأمر الشارع آخذا بالحزم في أمره ، وإن لم يفعل ذلك ; وقع في [ ص: 532 ] محظورين : أحدهما : مخالفته لقصد الشارع ، كانت تلك المخالفة في واجب أو مندوب أو مباح .

    والثاني : سد أبواب التيسير عليه ، وفقد المخرج عن ذلك الأمر الشاق ، الذي طلب الخروج عنه بما لم يشرع له ، وبيان ذلك من أوجه : أحدها : إن الشارع لما تقرر أنه جاء بالشريعة لمصالح العباد ، وكانت الأمور المشروعة ابتداء قد يعوق عنها عوائق من الأمراض والمشاق الخارجة عن المعتاد ، شرع له أيضا توابع وتكميلات ومخارج بها ينزاح عن المكلف تلك المشقات حتى يصير التكليف بالنسبة إليه عاديا ومتيسرا ، ولولا أنها كذلك ; لم يكن في شرعها زيادة على الأمور الابتدائية ، ومن نظر في التكليفات أدرك هذا بأيسر تأمل ، فإذا كان كذلك ; فالمكلف في طلب التخفيف مأمور أن يطلبه من وجهه المشروع ; لأن ما يطلب من التخفيف حاصل فيه حالا ومآلا على القطع في الجملة ; فلو طلب ذلك من غير هذا الطريق ; لم يكن ما طلب من التخفيف مقطوعا به ولا مظنونا لا حالا ولا مآلا لا على الجملة ولا على التفصيل ; إذ لو كان كذلك ; لكان مشروعا أيضا ، والفرض أنه ليس بمشروع ; فثبت أن طالب التخفيف من غير طريق الشرع لا مخرج له .

    والثاني : إن هذا الطالب إذا طلب التخفيف من الوجه المشروع ; فيكفيه في حصول التخفيف طلبه من وجهه ، والقصد إلى ذلك يمن وبركة كما أن من طلبه من غير وجهه المشروع يكفيه في عدم حصول مقصوده شؤم قصده ، ويدل على هذا من الكتاب قوله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب [ الطلاق : 2 - 3 ] ، ومفهوم الشرط أن من لا يتقي الله لا يجعل له مخرجا .

    [ ص: 533 ] خرج إسماعيل القاضي عن سالم بن أبي الجعد ; قال جاء رجل من أشجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ـ فذكر الجهد فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اذهب فاصبر ، وكان ابنه أسيرا في أيدي المشركين فأفلت من أيديهم فأتاه بغنيمة فأتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبره ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم ـ طيبة فنزلت الآية ، ومن يتق الله الآية [ الطلاق : 2 ] .

    وعن ابن عباس ; أنه جاءه رجل فقال له : إن عمي طلق امرأته ثلاثا فقال : " إن عمك عصى الله ; فأندمه ، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا " فقال : أرأيت إن أحلها له رجل فقال : " من يخادع يخدعه الله " .

    وعن الربيع بن خثيم في قوله : ومن يتق الله يجعل له مخرجا [ الطلاق : 2 ] ، قال : " من كل شيء ضاق على الناس " .

    [ ص: 534 ] وعن ابن عباس : من يتق الله ; ينجه من كل كرب في الدنيا والآخرة . وقيل : من يتق الله والمعصية يجعل له مخرجا إلى الحلال .

    وخرج الطحاوي عن أبي موسى ; قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم : رجل أعطى ماله سفيها ، وقد قال الله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم [ النساء : 5 ] ، ورجل داين بدين ولم يشهد ، ورجل له امرأة سيئة الخلق فلا يطلقها ، ومعنى هذا أن الله لما أمر بالإشهاد على البيع ، وأن [ ص: 535 ] لا نؤتي السفهاء أموالنا حفظا لها ، وعلمنا أن الطلاق شرع عند الحاجة إليه ; كان التارك لما أرشده الله إليه قد يقع فيما يكره ، ولم يجب دعاؤه لأنه لم يأت الأمر من بابه .

    والآثار في هذا كثيرة تدل بظواهرها ومفهوماتها على هذا المعنى ، وقد روي عن ابن عباس ; أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا ; فتلا : إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن حتى بلغ : يجعل له مخرجا [ الطلاق : 1 - 2 ] ، وأنت لم تتق الله ، لم أجد لك مخرجا .

    وخرج مالك في البلاغات في هذا المعنى أن رجلا أتى إلى عبد الله بن مسعود ; فقال : إني طلقت امرأتي ثمان تطليقات . فقال ابن مسعود : فماذا قيل لك ؟ قال : قيل لي إنها قد بانت مني . فقال ابن مسعود : صدقوا ، من طلق كما أمره الله ; فقد بين الله له ، ومن لبس على نفسه لبسا جعلنا لبسه به ، لا تلبسوا على أنفسكم ، ونتحمله عنكم ، هو كما تقولون .

    [ ص: 536 ] وتأمل حكاية أبي يزيد البسطامي حين أراد أن يدعو الله أن يرفع عنه شهوة النساء ، ثم تذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم ـ لم يفعل ذلك فأمسك عنه ; فرفع عنه ذلك حتى كان لا يفرق بين المرأة والحجر .

    والثالث : أن طالب المخرج من وجهه طالب لما ضمن له الشارع النجح فيه ، وطالبه من غير وجهه قاصد لتعدي طريق المخرج ; فكان قاصدا لضد ما طلب من حيث صد عن سبيله ، ولا يتأتى من قبل ضد المقصود إلا ضد المقصود ; فهو إذا طالب لعدم المخرج ، وهذا مقتضى ما دلت عليه الآيات المذكور فيها الاستهزاء والمكر والخداع ; كقوله : ومكروا ومكر الله [ آل عمران : 54 ] .

    [ ص: 537 ] وقوله : الله يستهزئ بهم [ البقرة : 15 ] .

    وقوله : يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون [ البقرة : 9 ] .

    ومنه قوله تعالى : ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه [ الطلاق : 1 ] .

    وقوله : فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما [ الفتح : 10 ] .

    من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها [ فصلت : 46 ] .

    إلى سوى ذلك مما في هذا المعنى ، وجميعه محقق كما تقدم ، من أن المتعدي على طريق المصلحة المشروع ساع في ضد تلك المصلحة ، وهو المطلوب .

    والرابع : إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها ، وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه ، والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له ، فقد يكون ساعيا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها أو يوصله إليها عاجلا لا آجلا أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة أو يكون فيها مفسدة تربي في الموازنة على المصلحة ; فلا يقوم خيرها بشرها ، وكم من مدبر أمرا لا يتم له على كماله أصلا ، ولا يجني منه ثمرة أصلا ، وهو معلوم مشاهد بين العقلاء ، فلهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، فإذا كان كذلك ; [ ص: 538 ] فالرجوع إلى الوجه الذي وضعه الشارع رجوع إلى وجه حصول المصلحة ، والتخفيف على الكمال بخلاف الرجوع إلى ما خالفه ، وهذه المسألة بالجملة فرع من فروع موافقة قصد الشارع أو مخالفته ، ولكن سيق لتعلقه بالموضع في طلب الترخص من وجه لم يؤذن فيه أو طلبه في غير موضعه ; فإن من الأحكام الثابتة عزيمة ما لا تخفيف فيه ولا ترخيص ، وقد تقدم منه في أثناء الكتاب في هذا النوع مسائل كثيرة ، ومنها ما فيه ترخيص ، وكل موضع له ترخيص يختص به لا يتعدى .

    وأيضا ; فمن الأحوال اللاحقة للعبد ما يعده مشقة ، ولا يكون في الشرع كذلك ; فربما ترخص بغير سبب شرعي ، ولهذا الأصل فوائد كثيرة في الفقهيات كقاعدة المعاملة بنقيض المقصود ، وغيرها من مسائل الحيل ، وما كان نحوها .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •