تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 86

الموضوع: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (21)

    صــ109 إلى صــ 114


    [ ص: 109 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَذِي الْقُرْبَى أَيْ: وَوَصَّيْنَاهُم ْ بِذِي الْقُرْبَى أَنْ يَصِلُوا أَرْحَامَهُمْ . وَأَمَّا الْيَتَامَى; فَجَمْعُ: يَتِيمٍ . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْيُتْمُ فِي النَّاسِ ، مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَفِي غَيْرِ النَّاسِ: مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ . قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : قَالَ ثَعْلَبٌ: الْيُتْمُ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الِانْفِرَادُ . فَمَعْنَى صَبِيٍّ يَتِيمٍ: مُنْفَرِدٌ عَنْ أَبِيهِ . وَأَنْشَدْنَا


    أَفَاطِمُ إِنِّي هَالِكٌ فَتَبِينِي وَلَا تَجْزَعِي كُلُّ النِّسَاءِ يَتِيمُ


    قَالَ: يُرْوَى: يَتِيمٌ وَيَئِيمُ . فَمَنْ رَوَى يَتِيمَ بِالتَّاءِ; أَرَادَ: كُلُّ النِّسَاءِ ضَعِيفٌ مُنْفَرِدٌ . وَمَنْ رَوَى بِالْيَاءِ أَرَادَ: كُلُّ النِّسَاءِ يَمُوتُ عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَقَالَ: أَنْشَدَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ :


    ثَلَاثَةُ أَحْبَابٍ: فَحُبُّ عَلَاقَةٍ وَحُبُّ تَمَلَّاقٍ وَحُبٌّ هُوَ الْقَتْلُ


    قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: زِدْنَا ، فَقَالَ: الْبَيْتُ يَتِيمٌ: أَيْ: مُنْفَرِدٌ . وَقَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَنْصُورٍ اللُّغَوِيِّ ، قَالَ: إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ ، زَالَ عَنْهُ اسْمُهُ الْيُتْمُ . يُقَالُ: مِنْهُ يَتَمَ يَيْتَمُ يُتْمًا وَيَتْمًا . وَجَمْعُ الْيَتِيمِ: يَتَامَى ، وَأَيْتَامٌ . وَكُلُّ مُنْفَرِدٍ عِنْدَ الْعَرَبِ يَتِيمٌ وَيَتِيمَةٌ . قَالَ: وَقِيلَ: أَصْلُ الْيُتْمِ: الْغَفْلَةُ ، وَبِهِ سُمِّيَ الْيَتِيمُ ، لِأَنَّهُ يَتَغَافَلُ عَنْ بِرِّهِ . وَالْمَرْأَةُ تُدْعَى: يَتِيمَةٌ مَا لَمْ تُزَوَّجْ ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ زَالَ عَنْهَا اسْمُ الْيُتْمِ ، وَقِيلَ: لَا يَزُولُ عَنْهَا اسْمُ الْيُتْمِ أَبَدًا . وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الْيُتْمُ: الْإِبْطَاءُ ، وَمِنْهُ أُخِذَ الْيَتِيمُ ، لِأَنَّ الْبِرَّ يُبْطِئُ عَنْهُ . "وَالمساكين": جَمْعُ مِسْكِينٍ ، وَهُوَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّكُونِ ، كَأَنَّ الْمِسْكِينَ قَدْ أَسْكَنَهُ الْفَقْرُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَنَافِعٌ ، وَعَاصِمٌ ، وَابْنُ عَامِرٍ: (حُسْنًا) بِضَمِّ الْحَاءِ وَالتَّخْفِيفِ ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ : (حَسَنًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالتَّثْقِيلِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: مَنْ قَرَأَ "حَسَنًا" فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ لُغَةً فِي الْحُسْنِ ، كَالْبُخْلِ ، وَالْبَخَلِ ، وَالرُّشْدِ وَالرَّشَدِ . وَجَاءَ ذَلِكَ فِي الصِّفَةِ كَمَا جَاءَ فِي الِاسْمِ ، أَلَا تَرَاهُمْ قَالُوا: الْعَرَبُ وَالْعُرْبُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ مَصْدَرًا كَالْكُفْرِ وَالشُّكْرِ وَالشُّغْلِ ، وَحُذِفَ الْمُضَافُ مَعَهُ ، كَأَنَّهُ [ ص: 110 ] قَالَ قُولُوا قَوْلًا ذَا حَسَنٍ . وَمَنْ قَرَأَ (حَسَنًا) جَعَلَهُ صِفَةً ، وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: قُولُوا لِلنَّاسِ قَوْلًا حَسَنًا ، فَحُذِفَ الْمَوْصُوفَ .

    وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِ بِهَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ .

    أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ . وَمَعْنَاهُ: اصْدُقُوا وَبَيِّنُوا صِفَةَ النَّبِيِّ .

    وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: قُولُوا لِلنَّاسِ مَعْرُوفًا ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ : كَلِّمُوهُمْ بِمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَقُولُوا لَكُمْ . وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مُسَاهَلَةُ الْكُفَّارِ فِي دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ . فَعَلَى هَذَا; تَكُونُ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ السَّيْفِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أَيْ: أَعْرَضْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ . وَفِيهِمْ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَوْلَّوْهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُبَدِّلُوا . وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَمَانِهِ .
    وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَمَا جَزَاءُ مِنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ أَيْ: لَا يَسْفِكُ بَعْضُكُمْ دَمَ بَعْضٍ ، وَلَا يُخْرِجُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ دَارِهِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ يَوْمَئِذٍ بِالْعَهْدِ ، وَأَنْتُمُ الْيَوْمُ تَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ ، فَالْإِقْرَارُ عَلَى هَذَا مُتَوَجِّهٌ إِلَى سَلَفِهِمْ ، وَالشَّاهِدَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى خَلَفِهِمْ . ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ أَيْ: يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا . رَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْظَةُ خُلَفَاءَ الْأَوْسِ ، وَالنَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ ، فَكَانُوا يُقَاتِلُونَ فِي حَرْبِ سَمِيرٍ فَيُقَاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفَائِهَا النَّضِيرَ وَحُلَفَاءَهَا ، وَكَانَتْ [ ص: 111 ] النَّضِيرُ تُقَاتِلُ قُرَيْظَةَ وَحُلَفَاءَهَا ، فَيَغْلِبُونَهُ مْ وَيُخَرِّبُونَ الدِّيَارَ وَيُخْرِجُونَ مِنْهَا ، فَإِذَا أُسِرَ الرَّجُلُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا ، جَمَعُوا لَهُ حَتَّى يَفْدُوهُ ، فَتُعَيِّرُهُمُ الْعَرَبُ بِذَلِكَ ، فَتَقُولُ: كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُم ْ وَتَفْدُونَهُمْ ؟! فَيَقُولُونَ: أُمِرْنَا أَنْ نَفْدِيَهُمْ ، حَرُمَ عَلَيْنَا قَتْلُهُمْ . فَتَقُولُ الْعَرَبُ: فَلِمَ تُقَاتِلُونَهُم ْ؟ فَيَقُولُونَ: نَسْتَحْيِي أَنْ يَسْتَذِلَّ حُلَفَاؤُنَا ، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ:
    ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَكَانَ إِيمَانُهُمْ بِبَعْضِهِ: فِدَاءَهُمُ الْأَسَارَى ، وَكُفْرَهُمْ: قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: تَظَاهَرُونَ قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ : (تُظَاهِرُونَ) وَفِي (التَّحْرِيمِ) (تَظَاهَرَا) بِتَخْفِيفِ الظَّاءِ . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَافِعٌ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ مَعَ إِثْبَاتِ الْأَلِفِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: مَنْ قَرَأَ (تُظَاهِرُونَ) بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ; أَدْغَمَ التَّاءَ فِي الظَّاءِ ، لِمُقَارَبَتِهَ ا لَهَا ، فَخَفَّفَ بِالْإِدْغَامِ . وَمَنْ قَرَأَ (تُظَاهِرُونَ) خَفِيفَةً; حَذَفَ التَّاءَ الَّتِي أَدْغَمَهَا أُولَئِكَ مِنَ اللَّفْظِ ، فَخَفَّفَ بِالْحَذْفِ . وَالتَّاءُ الَّتِي أَدْغَمَهَا ابْنُ كَثِيرٍ هِيَ الَّتِي حَذَفَهَا عَاصِمٌ . وَرَوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَأَبِي جَعْفَرٍ (تَظَّهَرُونَ) بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ ، فَالتَّظَاهُرُ: التَّعَاوُنُ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَأَصْلُهُ مِنَ الظَّهْرِ ، فَكَأَنَّ التَّظَاهُرَ: أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ [أَوْ مِنَ الْقَوْمِ ] الْآَخَرِ ظَهْرًا لَهُ يَتَقَوَّى بِهِ ، وَيَسْتَنِدُ إِلَيْهِ . قَالَ مُقَاتِلٌ: وَالْإِثْمُ: الْمَعْصِيَةُ ، وَالْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ أَصْلُ الْأَسْرِ: الشَّدُّ . قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ (أَسَارَى) وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ (أَسْرَى) قَالَ الْفَرَّاءُ: أَهْلُ الْحِجَازِ يَجْمَعُونَ الْأَسِيرَ "أَسَارَى" وَأَهْلُ نَجْدٍ أَكْثَرُ كَلَامِهِمْ "أَسْرَى" وَهُوَ أَجْوَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: جَرِيحٌ وَجَرْحَى ، وَصَرِيعٌ وَصَرْعَى . وَرَوَى الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: الْأَسَارَى: مَا شُدُّوا ، وَالْأَسْرَى: فِي أَيْدِيهِمْ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُشَدُّوا . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: "فَعَلَى" جَمْعٍ لِكُلِّ مَا أُصِيبَ بِهِ النَّاسُ فِي أَبْدَانِهِمْ وَعُقُولِهِمْ . يُقَالُ: هَالِكٌ وَهَلْكَى ، وَمَرِيضٌ وَمَرْضَى ، وَأَحْمَقُ [ ص: 112 ] وَحَمْقَى ، وَسَكْرَانُ وَسَكْرَى ، فَمَنْ قَرَأَ: (أَسَارَى); فَهِيَ جَمْعُ الْجَمْعِ . تَقُولُ: أَسِيرٌ وَأَسْرَى وَأُسَارَى جَمْعُ أَسْرَى .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: تُفَادُوهُمْ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عُمَرَ ، وَابْنُ عَامِرٍ: (تَفْدُوهُمْ) وَقَرَأَ نَافِعٌ ، وَعَاصِمٌ ، وَالْكِسَائِيُّ : (تُفَادُوهُمْ) بِأَلِفٍ . وَالْمُفَادَاةُ : إِعْطَاءُ شَيْءٍ وَأَخْذُ شَيْءٍ مَكَانَهُ .

    أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَهُوَ: فِكَاكُ الْأَسْرَى . وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وَهُوَ: الْإِخْرَاجُ وَالْقَتْلُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَفْدِيهِ فِي يَدِ غَيْرِكَ ، وَتَقْتُلُهُ أَنْتَ بِيَدِكَ . ؟!

    وَفِي الْمُرَادِ بِالْخِزْيِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْجِزْيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: قَتْلُ قُرَيْظَةَ وَنَفْيُ النَّضِيرِ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْيَهُودُ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بَاعُوا الْآَخِرَةَ بِمَا يُصِيبُونَهُ مِنَ الدُّنْيَا .
    وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ يُرِيدُ التَّوْرَاةَ . وَقَفَّيْنَا: أَتْبَعْنَا . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَفَا . يُقَالُ: قَفَوْتُ الرَّجُلَ: إِذَا سِرْتُ فِي أَثَرِهِ . وَالْبَيِّنَاتُ : الْآَيَاتُ وَالْوَاضِحَاتُ كَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى . وَأَيَّدْنَاهُ: قَوَّيْنَاهُ . وَالْأَيْدُ: الْقُوَّةُ .

    وَفِي رُوحِ الْقُدُسِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

    أَحَدُهَا: أَنَّهُ جِبْرِيلُ . وَالْقُدْسُ: الطَّهَارَةُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالسُّدِّيِّ ، فِي آَخَرِينَ . وَكَانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَقْرَأُ: (بِرُوحِ الْقُدْسِ) سَاكِنَةَ الدَّالِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: التَّخْفِيفُ وَالتَّثْقِيلُ فِيهِ حَسَنَانِ ، نَحْوُ: الْعُنْقُ وَالْعُنُقُ ، وَالطُّنْبُ وَالطُّنُبُ .

    وَفِي تَأْيِيدِهِ بِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . ذَكَرَهَا الزَّجَّاجُ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَيَّدَ بِهِ ظَاهِرَ حُجَّتِهِ وَأَمْرَ دِينِهِ .

    [ ص: 113 ] . وَالثَّانِي: لِدَفْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْهُ إِذْ أَرَادُوا قَتْلَهُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَيَّدَ بِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ .

    وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ يُحْيِي بِهِ الْمَوْتَى ، رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

    وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْإِنْجِيلُ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
    وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِإِسْكَانِ اللَّامِ ، وَقَرَأَ قَوْمٌ ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّهَا . قَالَ الزَّجَّاجُ: قَرَأَ: (غُلْفٌ) بِتَسْكِينِ اللَّامِ ، فَمَعْنَاهُ: ذَوَاتُ غُلْفٍ ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: قُلُوبُنَا فِي أَوْعِيَةٍ . وَمَنْ قَرَأَ (غُلُفٌ) بِضَمِّ اللَّامِ ، فَهُوَ جَمْعُ "غِلَافٍ" فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ ، فَمَا بِالُهَا لَا تَفْهَمُ وَهِيَ أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ؟! فَعَلَى الْأَوَّلِ ، يَقْصِدُونَ إِعْرَاضَهُ عَنْهُمْ ، كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَا نَفْهَمُ شَيْئًا وَعَلَى الثَّانِي: يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ قَوْلُكَ حَقًّا لِقَبِلَتْهُ قُلُوبُنَا .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ .

    أَحَدُهَا: فَقَلِيلٌ مَنْ يُؤْمَنُ مِنْهُمْ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى قَلِيلٌ مَا يُؤْمِنُونَ بِهِ . قَالَ مُعَمَّرُ: يُؤْمِنُونَ بِقَلِيلٍ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَيَكْفُرُونَ بِأَكْثَرِهِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَعْنَى: فَمَا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا . ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . وَقَالَ: هَذَا عَلَى لُغَةِ قَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ ، يَقُولُونَ: قَلَّمَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ ، وَهُمْ يُرِيدُونَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ . وَالرَّابِعُ: فَيُؤْمِنُونَ قَلِيلًا مِنَ الزَّمَانِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمِنُوا وَجْهَ النَّهَارِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَيْضًا . وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْمَعْنَى: فَإِيمَانُهُمْ قَلِيلٌ ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . وَحَكَى فِي "مَا" قَوْلَيْنِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا زَائِدَةٌ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَا تَجْمَعُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ تَخُصُّ بَعْضَ مَا عَمَّتْهُ بِمَا يُذْكَرُ بَعْدَهَا .
    وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مِنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِين َ عَذَابٌ مُهِينٌ [ ص: 114 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَعْنِي: الْقُرْآَنَ .
    وَ"يستفتحون": يَسْتَنْصِرُونَ . وَكَانَتِ الْيَهُودُ إِذَا قَاتَلْتِ الْمُشْرِكِينَ اسْتَنْصَرُوا بِاسْمِ نَبِيِّ اللَّهِ ، مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ بِئْسَ: كَلِمَةٌ مُسْتَوْفِيَةٌ لِجَمِيعِ الذَّمِّ ، وَنَقِيضِهَا: "نِعْمَ" وَاشْتَرَوْا ، بِمَعْنَى: بَاعُوا . وَالَّذِي بَاعُوهَا بِهِ قَلِيلٌ مِنَ الدُّنْيَا .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَغْيًا) قَالَ قَتَادَةُ: حَسَدًا . وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كَفَرُوا بَغْيًا ، لِأَنْ نَزَّلَ اللَّهُ الْفَضْلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

    وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) خَمْسَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ الْغَضَبَ الْأَوَّلَ لِاتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ . وَالثَّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ، حَكَاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ . وَالثَّانِي: لِعَدَاوَتِهِمْ لِجِبْرِيلَ . رَوَاهُ شَهْرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْأَوَّلَ حِينَ قَالُوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [ الْمَائِدَةِ: 64 ] . وَالثَّانِي: حِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّ اللَّهِ . رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ . وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْأَوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ . وَالثَّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآَنِ . قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْأَوَّلَ لِتَبْدِيلِهِمُ التَّوْرَاةَ . وَالثَّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالْمَهِينُ: الْمُذِلُّ .
    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أَنْزَلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ يَعْنِي: الْقُرْآَنَ; قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا يَعْنُونَ: التَّوْرَاةَ .

    وَفِي قَوْلِهِ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِمَا سِوَاهُ . وَمِثْلُهُ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [ النِّسَاءِ: 24 ] قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: بِمَا بَعْدَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ الْحَقُّ) يَعُودُ عَلَى مَا وَرَاءَهُ .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (22)

    صــ115 إلى صــ 120

    فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ هَذَا جَوَابُ قَوْلِهِمْ: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ ، جَاءُوا بِتَأْيِيدِ التَّوْرَاةِ . وَإِنَّمَا نَسَبَ الْقَتْلَ إِلَى الْمُتَأَخِّرِي نَ لِأَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى رَأْيِ الْمُتَقَدِّمِي نَ . [ ص: 115 ] وَتَقْتُلُونَ بِمَعْنَى: قَتَلْتُمْ ، فَوَضَعَ الْمُسْتَقْبَلَ فِي مَوْضِعِ الْمَاضِي ، لِأَنَّ الْوَهْمَ لَا يَذْهَبُ إِلَى غَيْرِهِ . وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ:


    شَهِدَ الْحَطِيئَةَ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ

    وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فِيهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: مَا فِي الْأَلْوَاحِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: الْآَيَاتُ التِّسْعُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

    وَفِي هَاءِ "بَعْدَهُ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى مُوسَى ، فَمَعْنَاهُ: مِنْ بَعْدِ انْطِلَاقِهِ إِلَى الْجَبَلِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى الْمَجِيءِ ، لِأَنَّ "جَاءَكُمْ" يَدُلُّ عَلَى الْمَجِيءِ وَفِي ذِكْرِ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا إِذَا نَظَرُوا إِلَى الْجَبَلِ ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ، وَإِذَا نَظَرُوا إِلَى الْكِتَابِ; قَالُوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أَيْ: سُقُوا حُبَّ الْعِجْلِ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ ، وَهُوَ الْحُبُّ ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [ الْبَقَرَةِ: 197 ] [أَيْ: وَقْتَ الْحَجِّ ] وَقَوْلُهُ: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ [ التَّوْبَةِ: 19 ] [أَيْ: أَجَعَلْتُمْ صَاحِبَ سِقَايَةِ الْحَاجِّ ] . وَقَوْلُهُ: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [ يُوسُفَ: 82 ] [أَيْ: أَهْلُهُا ] وَقَوْلُهُ: إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ [ الْإِسْرَاءِ: 75 ] . أَيْ: ضِعْفُ عَذَابِ الْحَيَاةِ . وَقَوْلُهُ: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ [ الْحَجِّ: 40 ] . أَيْ: بُيُوتُ صَلَوَاتٍ . وَقَوْلُهُ: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [ سَبَإِ: 30 ] . أَيْ: مَكْرُكُمْ فِيهِمَا . وَقَوْلُهُ: فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ [ الْعَلَقِ: 17 ] أَيْ: أَهْلُهُ . [ ص: 116 ] وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ:


    أُنْبِئَتُ أَنَّ النَّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ يَا كُلَيْبُ الْمَجْلِسُ


    أَيْ: أَهْلُ الْمَجْلِسِ . وَقَالَ الْآَخَرُ


    وَشَرُّ الْمَنَايَا مَيِّتٌ بَيْنَ أَهْلِهِ


    أَيْ: وَشَرُّ الْمَنَايَا مَنِيَّةُ مَيِّتٍ بَيْنَ أَهْلِهِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ أَيْ: أَنْ تُكَذِّبُوا الْمُرْسَلِينَ ، وَتَقْتُلُوا النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَتَكْتُمُوا الْهُدَى .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فِي "إِنْ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِمَعْنَى: الْجَحْدِ ، فَالْمَعْنَى: مَا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِذْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ ، وَعَبَدْتُمُ الْعِجْلَ . وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ "إِنْ" شَرْطًا مُعَلَّقًا بِمَا قَبْلَهُ ، فَالْمَعْنَى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ; فَبِئْسَ الْإِيمَانُ إِيمَانٌ يَأْمُرُكُمْ بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ ، وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ .
    قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَلَتَجِدَنَّهُ مْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ كَانَتِ الْيَهُودُ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقِ الْجَنَّةَ إِلَّا لِإِسْرَائِيلَ وَوَلَدِهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى عِلْمِهِمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَادِقٌ ، أَنَّهُمْ مَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ ، وَأَكْبَرُ الدَّلِيلِ عَلَى صِدْقِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَتَمَنَّوْنَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ فَمَا تَمَنَّاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ . وَالَّذِي قَدَّمَتْهُ أَيْدِيهِمْ: قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ وَتَكْذِيبُهُمْ ، وَتَبْدِيلُ التَّوْرَاةِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلتجدنهم) اللَّامُ: لَامُ الْقَسَمِ ، وَالنُّونُ تَوْكِيدٌ لَهُ ، وَالْمَعْنَى: وَلَتَجِدَنَّ الْيَهُودَ فِي حَالِ دُعَائِهِمْ إِلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ، وَأَحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا . وَفِي "الَّذِينَ أَشْرَكُوا" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ الْمَجُوسُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، [ ص: 117 ] وَالزَّجَّاجُ . وَالثَّانِي: مُشْرِكُو الْعَرَبِ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ فِي الْهَاءِ وَالْمِيمِ مِنْ "أَحَدِهِمْ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ . وَالثَّانِي: تَرْجِعُ إِلَى الْيَهُودِ ، قَالَ مُقَاتِلٌ . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ "أَلْفَ سَنَةٍ" لِأَنَّهَا نِهَايَةٌ مَا كَانَتِ الْمَجُوسُ تَدْعُو بِهَا لِمُلُوكِهَا ، كَانَ الْمَلِكُ يَحْيَا بِأَنْ يُقَالَ: لَهُ عِشْ أَلْفَ نَيْرُوزَ ، وَأَلْفَ مَهْرَجَانَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا هُوَ) فِيهِ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا الزَّجَّاجُ ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ أَحَدِهِمُ الَّذِي جَرَى ذِكْرُهُ ، تَقْدِيرُهُ: وَمَا أَحَدُهُمْ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ تَعْمِيرُهُ . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ هُوَ كِنَايَةٌ عَمَّا جَرَى مِنَ التَّعْمِيرِ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَمَا تَعْمِيرُهُ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ ، ثُمَّ جَعَلَ "أَنْ يُعَمَّرَ" مُبَيِّنًا عَنْهُ ، كَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ الشَّيْءُ الدَّنِيءُ لَيْسَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ .
    قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَقْبَلَتِ الْيَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: مَنْ يَأْتِيكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ ، فَقَالُوا: ذَاكَ يَنْزِلُ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ ، ذَاكَ عَدُوُّنَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ وَالَّتِي تَلِيهَا .

    وَفِي جِبْرِيلَ إِحْدَى عَشْرَةَ لُغَةً .

    إِحْدَاهَا: جِبْرِيلُ ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو . قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ:


    وَجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ وَمِيكَالُ مَعَهُمَا مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلَ
    [ ص: 118 ] وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حَطَّانٍ:


    وَالرُّوحُ جِبْرِيلُ فِيهِمْ لَا كَفَاءَ لَهُ وَكَانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللَّهِ مَأْمُونًا


    وَقَالَ حَسَّانُ:


    وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كَفَاءُ


    وَاللُّغَةُ الثَّانِيَةِ: جَبْرِيلُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، وَبَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ عَلَى وَزْنِ: فَعْلِيلٍ ، وَبِهَا قَرَأَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَابْنُ كَثِيرٍ ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا أَشْتَهِيهَا ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فِعْلِيلٌ ، وَلَا أَرَى الْحَسَنَ قَرَأَهَا إِلَّا وَهُوَ صَوَابٌ ، لِأَنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ .

    وَالثَّالِثَةُ: جَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ ، وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ عَلَى وَزْنِ: جَبْرَعِيلَ ، وَبِهَا قَرَأَ ، الْأَعْمَشُ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ . قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هِيَ أَجْوَدُ اللُّغَاتِ ، وَقَالَ جَرِيرٌ:


    عَبَدُوا الصَّلِيبَ وَكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ وَبَجَبْرَئِيلَ وَكَذَّبُوا مِيكَالَا


    وَالرَّابِعَةُ: جَبْرَئِلُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ وَهَمْزَةٌ بَيْنَ الرَّاءِ وَاللَّامِ ، مَكْسُورَةٌ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ عَلَى وَزْنِ: جَبْرَعِلِ ، رَوَاهَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ .

    وَالْخَامِسَةُ جَبْرَئِلُّ ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبَانَ عَنْ عَاصِمٍ ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ .

    وَالسَّادِسَةُ: جِبْرَائِيلُ ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا يَاءٌ مَعَ الْأَلِفِ .

    وَالسَّابِعَةُ: جِبْرَايِيلُ بِيَائَيْنِ بَعْدَ الْأَلِفِ أَوَّلَهُمَا مَكْسُورَةٌ .

    وَالثَّامِنَةُ: جَبْرِينُ ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَنُونٍ مَكَانَ اللَّامِ .

    وَالتَّاسِعَةُ: جِبْرِينُ ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبَنُونٍ ، قَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ لُغَةُ بَنِي أَسَدٍ . وَقَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَنْصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ قَالَ: فِي جِبْرِيلَ تِسْعُ لُغَاتٍ ، فَذَكَرَهُنَّ .

    [ ص: 119 ] وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ "الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ" جِبْرَائِلَ ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِثْبَاتٍ الْأَلِفِ مَعَ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ لَيْسَ بَعْدَهَا يَاءٌ . وَجَبْرَئِينُ ، بِفَتْحِ الْجِيمِ مَعَ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا يَاءٌ وَنُونٌ .

    فَأَمَّا مِيكَائِيلُ ، فَفِيهِ خَمْسُ لُغَاتٍ .

    إِحْدَاهُنَّ: مِيكَالُ ، مِثْلُ: مِفْعَالُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَبِهَا قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ .

    وَالثَّانِيَةُ: مِيكَائِيلَ بِإِثْبَاتِ يَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ ، مِثْلُ: مِيكَاعِيلُ ، وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ، وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ .

    وَالثَّالِثَةُ: مِيكَائِلُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الْأَلِفِ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ ، مِثْلُ مِيكَاعِلُ ، وَبِهَا قَرَأَ نَافِعٌ ، وَابْنُ شَنَبُوذَ ، وَابْنُ الصَّبَاحِ ، جَمِيعًا عَنْ قُنْبُلٍ .

    وَالرَّابِعَةُ: مِيكَئِلُ ، عَلَى وَزْنِ: مِيكَعِلُ ، وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ .

    وَالْخَامِسَةُ: مِيكَائِينُ بِهَمْزَةٍ مَعَهَا يَاءٌ وَنُونٌ بَعْدَ الْأَلِفِ ، ذَكَرَهَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ .

    قَالَ الْكِسَائِيُّ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ ، اسْمَانِ لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْرِفُهُمَا ، فَلَمَّا جَاءَا عَرَّبَتْهُمَا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ ، كَقَوْلِكَ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، ذَهَبَ إِلَى أَنَّ "إِيلَ" اسْمُ اللَّهِ ، وَاسْمُ الْمَلِكِ ، "جَبْرَ" وَ"مِيكَا" . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنَى جِبْرِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ ، وَمَعْنَى مِيكَائِيلَ: عُبَيْدُ اللهِ ، وَقَدْ دَخَلَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ فِي الْمَلَائِكَةِ ، لَكِنَّهُ أَعَادَ ذِكْرَهُمَا لِشَرَفِهِمَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [ الرَّحْمَنِ: 68 ] . وَإِنَّمَا قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ وَلَمْ يَقُلْ: لَهُمْ ، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَافِرُونَ بِهَذِهِ الْعَدَاوَةِ .
    أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ ص: 120 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا الْوَاوُ وَاوُ الْعَطْفِ ، أُدْخِلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: وَالْمُشَارُ إِلَيْهِمُ: الْيَهُودُ . وَقِيلَ: الْعَهْدُ الَّذِي عَاهَدُوهُ ، أَنَّهُمْ قَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ لَنُؤْمِنَنَّ بِهِ . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهَا الْعُهُودُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَهُمْ ، فَنَقَضُوهَا ، كَفِعْلِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ . وَمَعْنَى نَبَذَهُ: رَفَضَهُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَعْنِي الْيَهُودَ . وَالْكِتَابُ: التَّوْرَاةُ .

    وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كِتَابَ اللَّهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: الْقُرْآَنُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ التَّوْرَاةُ ، لِأَنَّ الْكَافِرِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَبَذُوا التَّوْرَاةَ .
    وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانَ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينُ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْـزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُون َ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُون َ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يُعَلِّمُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ .

    فِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلَانِ .

    أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ عَنْ شَيْءٍ مِنَ التَّوْرَاةِ إِلَّا أَجَابَهُمْ ، فَسَأَلُوهُ عَنِ السِّحْرِ وَخَاصَمُوهُ بِهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ سُلَيْمَانُ فِي الْقُرْآَنِ قَالَتْ يَهُودُ الْمَدِينَةَ: أَلَا تَعْجَبُونَ لِمُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أَنَّ ابْنَ دَاوُدَ كَانَ نَبِيًّا؟! وَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا سَاحِرًا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ .

    و"تَتْلُوَا" بِمَعْنَى: تَلَتْ ، وَ"عَلَى" بِمَعْنَى: فِي ، قَالَهُ الْمُبَرِّدُ . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَقَوْلُهُ: عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ أَيْ: عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ .

    وَفِي كَيْفِيَّةِ مَا تَلَتِ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (23)

    صــ121 إلى صــ 126


    [ ص: 121 ] أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ سُلَيْمَانُ عَنْ مُلْكِهِ; كَتَبَتِ الشَّيَاطِينُ السِّحْرَ ، وَدَفَنَتْهُ فِي مُصَلَّاهُ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ اسْتَخْرَجُوهُ ، وَقَالُوا: بِهَذَا كَانَ يَمْلِكُ الْمُلْكَ ، ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ .

    وَالثَّانِي: أَنْ آَصَفَ كَانَ يَكْتُبُ مَا يَأْمُرُ بِهِ سُلَيْمَانُ ، وَيَدْفِنُهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ ، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ اسْتَخْرَجَتْهُ الشَّيَاطِينُ ، فَكَتَبُوا بَيْنَ كُلِّ سَطْرَيْنِ سِحْرًا وَكَذِبًا ، وَأَضَافُوهُ إِلَى سُلَيْمَانَ ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

    وَالثَّالِثُ: أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَتَبَتِ السِّحْرَ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمَانَ ، ثُمَّ أَضَافَتْهُ إِلَيْهِ ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ .

    وَالرَّابِعُ: أَنَّ الشَّيَاطِينَ ابْتَدَعَتِ السِّحْرَ ، فَأَخَذَهُ سُلَيْمَانُ ، فَدَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ لِئَلَّا يَتَعَلَّمَهُ النَّاسُ ، فَلَمَّا قُبِضَ اسْتَخْرَجَتْهُ ، فَعَلَّمَتْهُ النَّاسَ وَقَالُوا: هَذَا عِلْمُ سُلَيْمَانَ ، قَالَهُ قَتَادَةُ .

    وَالْخَامِسُ: أَنَّ سُلَيْمَانَ أَخَذَ عُهُودَ الدَّوَابِّ ، فَكَانَتِ الدَّابَّةُ إِذَا أَصَابَتْ إِنْسَانًا طَلَبَ إِلَيْهَا بِذَلِكَ الْعَهْدِ ، فَتَخَلَّى عَنْهُ ، فَزَادَ السَّحَرَةُ السَّجْعَ وَالسِّحْرَ ، قَالَهُ أَبُو مِجْلَزٍ .

    وَالسَّادِسُ: أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ ، فَتَسْمَعُ مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَوْتٍ أَوْ غَيْثٍ أَوْ أَمْرٍ ، فَيَأْتُونَ الْكَهَنَةَ فَيُخْبِرُونَهُ مْ ، فَتُحَدِّثُ الْكَهَنَةُ النَّاسَ ، فَيَجِدُونَهُ كَمَا قَالُوا ، حَتَّى إِذَا أَمِنَتْهُمُ الْكَهَنَةُ كَذَبُوا لَهُمْ [وَأَدْخَلُوا فِيهِ غَيْرَهُ ] فَزَادُوا مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ سَبْعِينَ كَلِمَةً ، فَاكْتَتَبَ النَّاسُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي الْكُتُبِ ، وَفَشَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ الْجِنَّ تَعْلَمُ الْغَيْبَ ، فَبَعَثَ سُلَيْمَانُ فِي النَّاسِ ، فَجَمَعَ تِلْكَ الْكُتُبَ فِي صُنْدُوقٍ ، ثُمَّ دَفَنَهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْنُوَ مِنَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا احْتَرَقَ [وَقَالَ: لَا أَسْمَعُ أَحَدًا يَذْكُرُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ ] ، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ; جَاءَ شَيْطَانٌ إِلَى نَفَرٍ مَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَدَلَّهُمْ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ سُلَيْمَانُ يَضْبِطُ أَمْرَ الْخَلْقِ بِهَذَا ، فَفَشَا فِي النَّاسِ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ سَاحِرًا ، وَاتَّخَذَ [ ص: 122 ] بَنُوا إِسْرَائِيلَ تِلْكَ الْكُتُبَ ، فَلَمَّا جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، خَاصَمُوهُ بِهَا ، هَذَا قَوْلُ السُّدِّيُّ .

    وَسُلَيْمَانُ: اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ ، وَقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَقَدْ جَعَلَهُ النَّابِغَةُ سَلِيمًا ضَرُورَةً ، فَقَالَ:


    وَنَسَجَ سَلِيمُ كُلَّ قَضَاءٍ ذَائِلٍ


    وَاضْطَرَّ الْحَطِيئَةُ فَجَعَلَهُ: سَلَامًا ، فَقَالَ:


    فِيهِ الرِّمَاحُ وَفِيهِ كُلُّ سَابِغَةٍ جَدْلَاءُ مَحْكَمَةٌ مَنْ نَسْجَ سَلَامٍ


    وَأَرَادَا جَمِيعًا: دَاوُدَ أَبَا سُلَيْمَانَ ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُمَا الشِّعْرُ ، فَجَعَلَاهُ: سُلَيْمَانَ وَغَيَّرَاهُ .

    كَذَلِكَ قَرَأْتُهُ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَنْصُورٍ اللُّغَوِيِّ . وَفِي قَوْلِهِ: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ دَلِيلٌ عَلَى كُفْرِ السَّاحِرِ ، لِأَنَّهُمْ نُسِبُوا إِلَى السِّحْرِ ، لَا إِلَى الْكُفْرِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا .

    وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَافِعٌ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَعَاصِمٌ بِتَشْدِيدِ نُونِ (وَلَكِنْ) وَنُصْبِ نُونِ (الشَّيَاطِينَ) . وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ بِتَخْفِيفِ النُّونِ مِنْ (لَكِنْ) وَرَفْعِ نُونِ (الشَّيَاطِينَ) .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالزُّهْرِيُّ (الْمَلِكَيْنِ) بِكَسْرِ اللَّامِ ، وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ أَصَحُّ .

    وَفِي "مَا" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى "مَا" الْأُولَى ، فَتَقْدِيرُهُ" وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى السِّحْرِ ، فَتَقْدِيرُهُ: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ، وَيُعَلِّمُونَه ُمْ مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ . فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ السِّحْرُ نَزَلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ، فَلِمَاذَا كَرِهَ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ السَّرِيِّ ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ: مَا السِّحْرُ ، وَيَأْمُرَانِ بِاجْتِنَابِهِ ، وَفِي ذَلِكَ حِكْمَةٌ; لِأَنَّ سَائِلًا لَوْ قَالَ: مَا الزِّنَا؟ لَوَجَبَ [ ص: 123 ] أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ ، وَيَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى امْتَحَنَ النَّاسَ بِالْمَلَكَيْنِ ، فَمَنْ قَبِلَ التَّعَلُّمَ كَانَ كَافِرًا ، وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، كَمَا امْتُحِنَ بِنَهْرِ طَالُوتَ .

    وَفِي الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ السِّحْرُ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ زَيْدٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، لَا السِّحْرُ ، رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالْقَوْلَيْنِ . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا مِنْ بَابِ السِّحْرِ أَيْضًا .

    الْإِشَارَةُ إِلَى قِصَّةِ الْمَلَكَيْنِ .

    ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ إِنَّمَا أُنْزِلَا إِلَى الْأَرْضِ لِسَبَبٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَتْ خَطَايَا بَنِي آَدَمَ; دَعَتْ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَوْ أُنْزِلَتِ الشَّهْوَةُ وَالشَّيَاطِينُ مِنْكُمْ مَنْزِلَتَهُمَا مِنْ بَنِي آَدَمَ ، لَفَعَلْتُمْ مِثْلَ مَا فَعَلُوا ، فَحَدَّثُوا أَنْفُسَهُمْ أَنَّهُمْ إِنِ ابْتُلُوا ، اعْتَصَمُوا ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ [ ص: 124 ] [أَنِ ] اخْتَارُوا مِنْ أَفْضَلِكُمْ مَلَكَيْنِ ، فَاخْتَارُوا هَارُوتَ وَمَارُوتَ . وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ .

    وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: مَاذَا فَعَلَا مِنَ الْمَعْصِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُمَا زَنَيَا ، وَقَتَلَا ، وَشَرِبَا الْخَمْرَةَ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا جَارَا فِي الْحُكْمِ ، قَالَهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُتْبَةَ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا هُمَا بِالْمَعْصِيَةِ فَقَطْ . وَنُقِلَ عَنْ عَلَيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ الزُّهْرَةَ كَانْتِ امْرَأَةً جَمِيلَةً ، وَأَنَّهَا خَاصَمَتْ إِلَى الْمَلَكَيْنِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ، فَرَاوَدَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نَفْسِهَا ، وَلَمْ يَعْلَمْ صَاحِبَهُ ، وَكَانَا يَصْعَدَانِ السَّمَاءَ آَخِرَ النَّهَارِ ، فَقَالَتْ لَهُمَا: بِمَ تَهْبِطَانِ وَتَصْعَدَانِ؟ قَالَا: بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ ، فَقَالَتْ: مَا أَمَّا بِمُوَاتِيَتِكُ مَا إِلَى مَا تُرِيدَانِ حَتَّى تُعَلِّمَانِيهِ ، فَعَلَّمَاهَا إِيَّاهُ ، فَطَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ ، فَمَسَخَهَا اللَّهُ كَوْكَبًا .

    وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَعَنَ الزُّهْرَةَ ، وَقَالَ: إِنَّهَا فَتَنَتْ مَلَكَيْنِ" إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بَعِيدٌ عَنِ الصِّحَّةِ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ ، هَذَا فَقَالَ: إِنَّهُ لَمَّا رَأَى الْكَوْكَبَ ، ذَكَرَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ ، [ ص: 125 ] لَا أَنَّ الْمَرْأَةَ مُسِخَتْ نَجْمًا .

    وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ عَذَابِهِمَا; فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا مُعَلَّقَانِ بِشُعُورِهِمَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنْ جُبًّا مُلِئَ نَارًا فَجُعِلَا فِيهِ .

    فَأَمَّا بَابِلُ; فَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّ أَلْسُنَ النَّاسِ تَبَلْبَلَتْ بِهَا . وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهَا: الْكُوفَةُ وَسَوَادُهَا ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا مِنْ نَصِيبَيْنِ إِلَى رَأْسِ الْعَيْنِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا جَبَلٌ فِي وَهْدَةٍ مِنَ الْأَرْضِ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ أَيِ: اخْتِبَارٌ وَابْتِلَاءٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ يُرِيدُ: بِقَضَائِهِ . وَلَقَدْ عَلِمُوا : إِشَارَةٌ إِلَى الْيَهُودِ لَمَنِ اشْتَرَاهُ يَعْنِي: اخْتَارَهُ ، يُرِيدُ: السِّحْرَ . وَاللَّامُ لَامُ الْيَمِينِ . فَأَمَّا الْخَلَاقُ; فَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ النَّصِيبُ وَالْوَافِرُ مِنَ الْخَيْرِ .

    وَلَهُ تَعَالَى: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَيْ: بَاعُوهَا بِهِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْعِقَابَ فِيهِ .

    [ ص: 126 ] فَصْلٌ

    اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ السَّاحِرِ; فَمَذْهَبُ إِمَامِنَا أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ ، قَتَلَ بِهِ ، أَوْ لَمْ يَقْتُلْ ، وَهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ ، فَإِنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ وَقَالَ: سِحْرِي يَقْتُلُ مِثْلَهُ ، وَتَعَمَّدْتَ ذَلِكَ ، قُتِلَ قَوْدًا . وَإِنْ قَالَ: قَدْ يَقْتُلُ ، قَدْ يُخْطِئُ ، لَمْ يَقْتُلْ ، وَفِيهِ الدِّيَةُ . فَأَمَّا سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ عِنْدَ أَحْمَدَ إِلَّا أَنْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِين َ ، فَيَقْتُلُ لِنَقْضِ الْعَهْدِ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حُكْمُ سَاحِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ حُكْمُ سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي إِيجَابِ الْقَتْلِ ، فَأَمَّا الْمَرْأَةُ السَّاحِرَةُ ، فَقَالَ: تُحْبَسُ ، وَلَا تُقْتَلُ .
    وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِين َ عَذَابٌ أَلِيمٌ

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا يَعْنِي: الْيَهُودَ ، وَالْمَثُوبَةُ: الثَّوَابُ . لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ: يُعَلِّمُونَ بِعِلْمِهِمْ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِلَا تَنْوِينٍ ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّنْوِينِ ، "وَرَاعِنَا" بِلَا تَنْوِينٍ مِنْ رَاعَيْتُ ، وَبِالتَّنْوِين ِ مِنَ الرُّعُونَةِ ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: رَاعِنَا بِالتَّنْوِينِ: هُوَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ [الرَّعْنِ ] وَالرُّعُونَةِ ، أَرَادَ: لَا تَقُولُوا جَهْلًا وَلَا حُمْقًا . وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ اسْتِنْصَاتَ صَاحِبِهِ ، قَالَ: أَرْعِنِي سَمْعَكَ ، فَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُونَ: رَاعِنَا ، يُرِيدُونَ: أَنْتَ أَرْعَنُ . وَقَوْلُهُ: (انْظُرْنَا) بِمَعْنَى: انْتَظِرْنَا ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: انْظُرْنَا: اسْمَعْ مِنَّا ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تُعَجِّلْ عَلَيْنَا .
    مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مِنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ

    قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ يَهُودُ الْمَدِينَةِ ، وَنَصَارَى نَجْرَانَ ، فَالْمُشْرِكُون َ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ .

    أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ أَيْ: عَلَى رَسُولِكُمْ . مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَرَادَ: النُّبُوَّةَ وَالْإِسْلَامَ .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (24)

    صــ127 إلى صــ 132


    وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: أَرَادَ بِالْخَيْرِ: الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ وَالْحِكْمَةُ .

    وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ

    فِي هَذِهِ الرَّحْمَةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا النُّبُوَّةُ ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَمُجَاهِدٌ وَالزَّجَّاجُ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْإِسْلَامُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ .
    مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهَ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ .

    سَبَبُ نُزُولِهَا: أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لَمَّا نُسِخَتِ الْقِبْلَةُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَحِلُّ لِأَصْحَابِهِ إِذَا شَاءَ ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ إِذَا شَاءَ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ .

    قَالَ الزَّجَّاجُ: النَّسْخُ فِي اللُّغَةِ: إِبْطَالُ شَيْءٍ وَإِقَامَةُ آَخَرَ مَقَامِهِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ: إِذَا أَذْهَبَتْهُ ، وَحَلَّتْ مَحَلَّهُ ، وَفِي الْمُرَادِ بِهَذَا النَّسْخِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: رَفْعُ اللَّفْظِ وَالْحُكْمِ . وَالثَّانِي: تَبْدِيلُ الْآَيَةِ بِغَيْرِهَا ، رُوِيَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ السُّدِّيُّ ، . وَالثَّانِي: قَوْلُ مُقَاتِلٍ . وَالثَّالِثُ: رَفْعُ الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ اللَّفْظِ ، رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (مَا نَنْسَخُ) بِضَمِّ النُّونِ ، وَكَسْرِ السِّينِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: أَيْ: مَا نَجِدُهُ مَنْسُوخًا كَقَوْلِكَ: أَحَمَدْتُ فُلَانًا ، أَيْ: وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا ، وَإِنَّمَا يَجِدُهُ مَنْسُوخًا بِنَسْخِهِ إِيَّاهُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ نُنْسِهَا) قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: (نَنَسْأَهَا) بِفَتْحِ النُّونِ مَعَ [ ص: 128 ] الْهَمْزَةُ ، وَالْمَعْنَى نُؤَخِّرُهَا . قَالَ أَبُو زَيْدٍ: نَسَأَتِ الْإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ ، فَإِنْ أَنْسَأَهَا: إِذَا أَخَّرَتْهَا ، وَمِنْهُ: النَّسِيئَةُ فِي الْبَيْعِ . وَفِي مَعْنَى نُؤَخِّرُهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: نُؤَخِّرُهَا عَنِ النَّسْخِ فَلَا نَنْسَخُهَا ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ . وَالثَّانِي: نُؤَخِّرُ إِنْزَالهَا ، فَلَا نَنْزِلُهَا الْبَتَّةَ . وَالثَّالِثُ: نُؤَخِّرُهَا عَنِ الْعَمَلِ بِهَا بِنَسْخِنَا إِيَّاهَا ، حَكَاهُمَا أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ . وَقَرَأَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: (تَنْسَهَا) بِتَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَنُونٍ . وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالضَّحَّاكُ: (تَنْسَهَا) بِضَمِّ التَّاءِ . وَقَرَأَ نَافِعٌ: (أَوَنُنْسُهَا) بِنُونَيْنِ ، الْأُولَى مَضْمُومَةٌ ، وَالثَّانَيَةُ سَاكِنَةٌ . أَرَادَ: أَوْ نُنْسِكَهَا ، مِنَ النِّسْيَانِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِاللِّينِ مِنْهَا ، وَأَيْسَرَ عَلَى النَّاسِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ مِثْلِهَا) أَيْ: فِي الثَّوَابِ وَالْمَنْفَعَةِ ، فَتَكُونُ الْحِكْمَةُ فِي تَبْدِيلِهَا بِمِثْلِهَا الِاخْتِبَارَ . (أَلَمْ تَعْلَمْ) لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ ، وَمَعْنَاهُ التَّوْقِيفُ وَالتَّقْرِيرُ . وَالْمُلْكُ فِي اللُّغَةِ: تَمَامُ الْقُدْرَةِ وَاسْتِحْكَامُه َا ، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَحْكُمُ بِمَا يَشَاءُ عَلَى عِبَادِهِ ، وَبِغَيْرِ مَا يَشَاءُ مِنْ أَحْكَامٍ .
    أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ .

    فِي سَبَبِ نُزُولِهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ .

    أَحَدُهَا: أَنَّ رَافِعَ بْنَ حُرَيْمِلَةَ ، وَوَهْبَ بْنَ زَيْدٍ ، قَالَا لِرَسُولِ اللَّهِ: ائْتِنَا بِكِتَابٍ نَقْرَؤُهُ تُنْزِلُهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْنَا ، وَفَجِّرْ لَنَا أَنْهَارًا حَتَّى نَتَّبِعَكَ ، فَنَزَلَتِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .

    وَالثَّانِي: أَنَّ قُرَيْشًا سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا ، فَقَالَ: "هُوَ لَكُمْ كَالْمَائِدَةِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [إِنْ كَفَرْتُمْ ] فَأَبَوْا" قَالَهُ مُجَاهِدٌ .

    [ ص: 129 ] . وَالثَّالِثُ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كَانَتْ كَفَّارَتُنَا كَكَفَّارَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ لَا نَبْغِيهَا ، مَا أَعْطَاكُمُ اللَّهُ ، خَيْرٌ مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، كَانُوا إِذَا أَصَابَ أَحَدَهُمُ الْخَطِيئَةُ; وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً عَلَى بَابِهِ وَكَفَّارَتَهَا ، فَإِنَّ كَفَّرَهَا كَانَتْ لَهُ خِزْيًا فِي الدُّنْيَا ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْهَا كَانَتْ لَهُ خِزْيًا فِي الْآَخِرَةِ ، فَقَدْ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَقَالَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ] [ النِّسَاءِ: 110 ] . وَقَالَ: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ .

    وَالرَّابِعُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيَّ أَتَى النَّبِيَّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ: وَاللَّهِ لَا أُؤْمِنُ بِكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَة ِ قَبِيلًا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . ذَكَرَهُ ابْنُ السَّائِبِ .

    وَالْخَامِسُ: أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا . وَقَالَ آَخَرُ: لَنْ أُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَسِيرَ لَنَا جِبَالُ مَكَّةَ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: لَنْ أُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ ، فِيهِ: مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى ابْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: اعْلَمْ أَنِّي قَدْ أَرْسَلْتُ مُحَمَّدًا إِلَى النَّاسِ . وَقَالَ آَخَرُ: هَلَّا جِئْتَ بِكِتَابِكَ مُجْتَمِعًا ، كَمَا جَاءَ مُوسَى بِالتَّوْرَاةِ . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيِّ .

    وَفِي الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآَيَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

    أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ قُرَيْشٍ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ . وَالثَّانِي: الْيَهُودُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: جَمِيعُ الْعَرَبِ ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ . [ ص: 130 ] وَفِي "أَمْ" قَوْلَانِ .

    أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِمَعْنَى: بَلْ ، تَقُولُ الْعَرَبُ: هَلْ لَكَ عَلَيَّ حَقٌّ ، أَمْ أَنْتَ مَعْرُوفٌ بِالظُّلْمِ . يُرِيدُونَ: بَلْ أَنْتَ . وَأَنْشَدُوا:


    بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى وَصُورَتَهَا أَمْ أَنْتَ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ


    ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ .

    وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ . فَإِنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ ، فَقَالَ: إِنَّمَا تَكُونُ لِلِاسْتِفْهَام ِ إِذَا كَانَتْ مَرْدُودَةً عَلَى اسْتِفْهَامٍ قَبْلَهَا ، فَأَيْنَ الِاسْتِفْهَامُ الَّذِي تَقَدَّمَهَا؟ فَعَنْهُ جَوَابَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَهَا اسْتِفْهَامٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ . وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : هِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى الْأَلِفِ فِي: (أَلَمْ تَعْلَمْ) فَإِنِ اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ الْعَطْفُ وَلَفْظُ: (أَلَمْ تَعْلَمْ) يُنْبِئُ عَنِ الْوَاحِدِ ، وَ(تُرِيدُونَ) عَنْ جَمَاعَةٍ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ الْخِطَابُ مِنَ التَّوْحِيدِ إِلَى الْجَمْعِ ، لِأَنَّ مَا خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ خُوطِبَتْ بِهِ أُمَّتُهُ ، فَاكْتَفَى بِهِ مِنْ أُمَّتِهِ فِي الْمُخَاطَبَةِ الْأُولَى ، ثُمَّ أَظْهَرَ الْمَعْنَى فِي الْمُخَاطَبَةِ الثَّانِيَةِ . وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطَّلَاقِ: 1 ] . ذَكَرَ هَذَا الْجَوَابَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . فَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي عَنْ (أَمْ); فَهُوَ أَنَّهَا لِلِاسْتِفْهَام ِ ، وَلَيْسَتْ مَرْدُودَةً عَلَى شَيْءٍ . قَالَ الْفَرَّاءُ: إِذَا تَوَسَّطَ الِاسْتِفْهَامُ الْكَلَامَ; ابْتُدِئَ بِالْأَلِفِ وَبِأَمْ ، وَإِذَا لَمْ يَسْبِقْهُ كَلَامٌ; لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِالْأَلِفِ أَوْ بِ"هَلْ" وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : "أَمْ" جَارِيَةٌ مَجْرَى "هَلْ" غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا: أَنَّ "هَلْ" اسْتِفْهَامٌ مُبْتَدَأٌ ، لَا يَتَوَسَّطُ وَلَا يَتَأَخَّرُ ، وَ"أَمْ": اسْتِفْهَامٌ مُتَوَسِّطٌ ، لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ كَلَامٍ .

    فَأَمَّا الرَّسُولُ هَاهُنَا; فَهُوَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالَّذِي سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلِ قَوْلُهُمْ: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النِّسَاءِ: 153 ] . وَهَلْ سَأَلُوا ذَلِكَ نَبِيًّا أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ سَأَلُوا ذَلِكَ ، فَقَالُوا: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَة ِ قُبَيْلًا ) [ الْإِسْرَاءِ: 92 ] قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ بِالَغُوا فِي الْمَسَائِلِ ، [ ص: 131 ] فَقِيلَ لَهُمْ بِهَذِهِ الْآَيَةِ: لَعَلَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا مُحَمَّدًا أَنْ يُرِيَكُمُ اللَّهُ جَهْرَةً ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ .

    وَالْكُفْرُ: الْجُحُودُ . وَالْإِيمَانُ: التَّصْدِيقُ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْمَعْنَى: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الشِّدَّةَ بِالرَّخَاءِ . وَسَوَاءَ السَّبِيلِ: وَسْطُهُ .
    وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ

    فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ ، وَأَبَا يَاسِرٍ كَانَا جَاهِدَيْنِ فِي رَدِّ النَّاسِ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ كَانَ يَهْجُوا النَّبِيَّ ، وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفَّارَ قُرَيْشٍ فِي شِعْرِهِ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ قَدِمَهَا ، فَأَمَرَ النَّبِيَّ بِالصَّفْحِ عَنْهُمْ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْيَهُودِ دَعَوْا حُذَيْفَةَ وَعَمَّارًا إِلَى دِينِهِمْ ، فَأَبَيَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

    وَمَعْنَى "وَدَّ" أَحَبَّ وَتَمَنَّى . وَأَهْلُ الْكِتَابِ: الْيَهُودُ . قَالَ الزَّجَّاجُ: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مَوْصُولٌ: بِـ (وَدَّ كَثِيرٌ) ، لَا بِقَوْلِهِ: حَسَدًا لِأَنَّ حَسَدَ الْإِنْسَانِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ، وَالْمَعْنَى مَوَدَّتُهُمْ لِكُفْرِكُمْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ، لَا أَنَّهُ عِنْدَهُمُ الْحَقُّ . فَأَمَّا الْحَسَدُ ، فَهُوَ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ لِلْحَاسِدِ مِثْلُهَا ، وَتُفَارِقُهُ الْغِبْطَةُ ، فَإِنَّهَا تَمَنِّي مِثْلَهَا مِنْ غَيْرِ حُبِّ زَوَالِهَا عَنِ الْمَغْبُوطِ . وَحَدَّ بَعْضُهُمُ الْحَسَدَ فَقَالَ: هُوَ أَذًى يَلْحَقُ بِسَبَبِ الْعِلْمِ بِحُسْنِ حَالِ الْأَخْيَارِ . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَاضِلُ حَسُودًا ، لِأَنَّ الْفَاضِلَ يَجْرِي عَلَى مَا هُوَ الْجَمِيلُ [ ص: 132 ] وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: كُلُّ أَحَدٍ يُمْكِنُ أَنْ تُرْضِيهِ إِلَّا الْحَاسِدُ ، فَإِنَّهُ لَا يُرْضِيهِ إِلَّا زَوَالُ نِعْمَتِكَ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ ظَالِمًا أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ مِنَ الْحَاسِدِ ، حُزْنٌ لَازِمٌ ، وَنَفَسٌ دَائِمٌ ، وَعَقْلٌ هَائِمٌ ، وَحَسْرَةٌ لَا تَنْقَضِي .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَجَاءَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ فِي النَّضِيرِ بِالْجَلَاءِ وَالنَّفْيِ ، وَفِي قُرَيْظَةَ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ .

    فَصْلٌ

    وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّ الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [ التَّوْبَةِ: 29 ] وَأَبَى هَذَا الْقَوْلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءُ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ إِلَى غَايَةٍ ، وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ حُكْمَ مَا قَبْلَهَا ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ لَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمَنْسُوخِ ، بَلْ يَكُونُ الْأَوَّلُ قَدِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ بِغَايَتِهِ ، وَالْآَخَرُ يَحْتَاجُ إِلَى حُكْمٍ آَخَرَ .
    وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَجِدُوهُ) أَيْ: تَجِدُوا ثَوَابَهُ .
    وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (25)

    صــ133 إلى صــ 138

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى .

    قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اخْتَصَمَ يَهُودُ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتِ الْيَهُودَ: لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا ، وَكَفَرُوا بِالْإِنْجِيلِ وَعِيسَى . وَقَالَتِ النَّصَارَى: لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ، وَكَفَرُوا بِالتَّوْرَاةِ وَمُوسَى; فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ

    وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْآَيَةِ مُجْمَلٌ ، وَمَعْنَاهُ: قَالَتِ الْيَهُودَ: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا ، وَقَالَتِ النَّصَارَى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا . وَالْيَهُودُ ، جَمْعُ: هَائِدٍ . (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) أَيْ: ذَاكَ شَيْءٌ يَتَمَنَّوْنَهُ ، وَظَنٌّ يَظُنُّونَهُ ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ .

    قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ أَيْ: حُجَّتُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا يُدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى . ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا زَعَمُوا فَقَالَ: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ وَأَسْلَمَ ، بِمَعْنَى: أَخْلَصَ . وَفِي الْوَجْهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الدِّينُ . وَالثَّانِي: الْعَمَلُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ مُحْسِنٌ أَيْ: فِي عَمَلِهِ; فَلَهُ أَجْرُهُ قَالَ الزَّجَّاجُ: يُرِيدُ: فَهُوَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَيْ: كُلٌّ مِنْهُمْ يَتْلُوا كِتَابَهُ بِتَصْدِيقِ مَا كَفَرَ بِهِ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ ، وَقَتَادَةُ . كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وَفِيهِمْ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ مُشْرِكُوا الْعَرَبِ قَالَهُ لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ: لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أُمَمٌ كَانُوا قَبْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، كَقَوْمِ نُوحٍ ، وَهُودٍ ، وَصَالِحٍ ، قَالَهُ عَطَاءٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ الزَّجَّاجُ: يُرِيدُ حُكْمَ الْفَصْلِ بَيْنَهُمْ ، فَيُرِيهِمْ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَيَانًا [وَمَنْ يَدْخُلُ النَّارَ عَيَانًا ] فَأَمَّا الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ فِي الْعَقَدِ فَقَدْ بَيَّنَهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِمَا أَقَامَ عَلَى الصَّوَابِ مِنَ الْحُجَجِ .
    وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَزَلَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ .

    [ ص: 134 ] أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الرُّومِ ، كَانُوا ظَاهَرُوا بُخْتِنْصَّرَ عَلَى خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ، فَخَرَّبَ وَطُرِحَتِ الْجِيَفُ فِيهِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي آَخَرِينَ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا فِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَالُوا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَبَيْنَ مَكَّةَ يَوْمَ الْحُدَيْبَيةَ ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ . وَفِي الْمُرَادِ بِخَرَابِهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَقَضَهَا ، . وَالثَّانِي: مَنَعَ ذِكْرَ اللَّهِ فِيهَا .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ أَحْوَالِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَ السُّدِّيُّ: لَا يَدْخُلُ رُومِيٌّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إِلَّا وَهُوَ خَائِفٌ أَنْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ ، أَوْ قَدْ أُخِيفَ بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ خَبَرٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ ، تَقْدِيرُهُ: عَلَيْكُمْ بِالْجِدِّ فِي جِهَادِهِمْ كَيْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ خَائِفٌ .

    لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ خِزْيَهُمُ الْجِزْيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَتَحَ الْقُسْطَنْطِين ِيَّةَ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ طَرَدَهُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَلَا يَدْخُلُهُ مُشْرِكٌ أَبَدًا ظَاهِرًا ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
    وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهِ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ .

    فِي نُزُولِهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزْوَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ ، فَلَمْ يَعْرِفُوا الْقِبْلَةَ ، فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَسْجِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَصَلَّى ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا إِذَا هُمْ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآَيَةَ . رَوَاهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي التَّطَوُّعِ بِالنَّافِلَةِ ، قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غَافِرِ: 60 ] قَالُوا إِلَى أَيْنَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ .

    وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ; قَالُوا إِنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي إِلَى الْقِبْلَةِ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ قَتَادَةُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: فَثَمَّ اللَّهُ يُرِيدُ: عِلْمَهُ مَعَكُمْ أَيْنَ كُنْتُمْ ، [ ص: 135 ] وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ . وَالْوَاسِعُ: الَّذِي وَسِعَ غِنَاهُ مَفَاقِرَ عِبَادِهِ ، وَرَزَقَهُ جَمِيعَ خَلْقِهِ . وَالسِّعَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْغِنَى .

    فَصْلٌ

    وَهَذِهِ الْآَيَةُ مُسْتَعْمَلَةُ الْحُكْمِ فِي الْمُجْتَهِدِ إِذَا صَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، وَفِي صَلَاةِ الْمُتَطَوِّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَالْخَائِفِ . وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى نَسْخِهَا ، فَقَالُوا: إِنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ; تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ الْبَقَرَةِ: 144 ] .

    وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ شَيْخُنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: وَلَيْسَ فِي الْقُرْآَنِ أَمْرٌ خَاصٌّ بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَقَوْلُهُ: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ لَيْسَ صَرِيحًا بِالْأَمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِهَاتِ كُلِّهَا سَوَاءٌ فِي جَوَازِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا; دَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ التَّوَجُّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالسُّنَّةِ ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْقُرْآَنِ .
    وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا .

    اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَزَلَتْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ .

    أَحَدُهَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ إِذْ جَعَلُوا عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .

    وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ حَيْثُ قَالُوا: عِيسَى ابْنُ اللَّهِ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

    وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا فِي النَّصَارَى وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ ، لِأَنَّ النَّصَارَى قَالَتْ: عِيسَى ابْنُ اللَّهِ ، وَالْمُشْرِكِين َ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ ، ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ .

    وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ .

    فَأَمَّا الْقُنُوتُ; فَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَيَيْنِ . أَحَدُهُمَا: الْقِيَامُ . وَالثَّانِي: الطَّاعَةُ . وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ وَالِاسْتِعْمَا لِ أَنَّ الْقُنُوتَ: الدُّعَاءُ فِي الْقِيَامِ ، فَالْقَانِتُ: الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي جَمِيعِ الطَّاعَاتِ ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ قِيَامٌ عَلَى الرِّجْلَيْنِ; فَهُوَ قِيَامٌ بِالنِّيَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَا أَرَى أَصْلَ الْقُنُوتِ [ ص: 136 ] إِلَّا الطَّاعَةَ ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْخِلَال مِنَ الصَّلَاةِ ، وَالْقِيَامِ فِيهَا وَالدُّعَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَكُونُ عَنْهَا .

    وَلِلْمُفَسِّرِ ينَ فِي الْمُرَادِ بِالْقُنُوتِ هَاهُنَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ الطَّاعَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْإِقْرَارُ بِالْعِبَادَةِ ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ ، وَالسُّدِّيُّ . وَالثَّالِثُ: الْقِيَامُ ، قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَالرَّبِيعُ .

    وَفِي مَعْنَى الْقِيَامِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْقِيَامُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ بِالْعُبُودِيَّ ةِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْقِيَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ عَمَّ بِهَذَا الْقَوْلِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ لَيْسَ لَهُ بِمُطِيعٍ؟ فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ . أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهَا ظَاهِرَ الْعُمُومِ ، وَمَعْنَاهَا مَعْنَى الْخُصُوصِ . وَالْمَعْنَى: كُلُّ أَهْلِ الطَّاعَةِ لَهُ قَانِتُونَ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْكُفَّارَ تَسْجُدُ ظِلَالُهُمْ لِلَّهِ بِالْغَدَوَاتِ وَالْعَشِيَّاتِ ، فَنُسِبَ الْقُنُوتُ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ قَانِتٍ هَلْ بِأَثَرِ صُنْعِهِ فِيهِ ، وَجَرْيِ أَحْكَامِهِ عَلَيْهِ ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى ذُلِّهِ لِلرَّبِّ . ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ .
    بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ

    الْبَدِيعُ: الْمُبْدِعُ ، وَكُلُّ مَنْ أَنْشَأَ شَيْئًا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ قِيلَ لَهُ: أَبْدَعْتَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْبَدِيعُ ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى: مُفْعِلٍ ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ فَطَرَ الْخَلَقَ مُخْتَرِعًا لَهُ لَا عَلَى مِثَالٍ سَبَقَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا قَضَى أَمْرًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَى الْقَضَاءِ: الْإِرَادَةُ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِذَا قَضَى أَمْرًا فِي عِلْمِهِ ، فَإِنَّ مَا يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ . وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ نُونِ (فَيَكُونُ) ، بِالرَّفْعِ عَلَى الْقَطْعِ . وَالْمَعْنَى: فَهُوَ يَكُونُ . وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِنَصْبِ النُّونِ . قَالَ مَكِّيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ: النَّصْبُ عَلَى الْجَوَابِ ، لَكِنَّ فِيهِ بُعْدٌ .

    فَصْلٌ

    وَقَدِ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا عَلَى قِدَمِ الْقُرْآَنِ بِقَوْلِهِ: (كُنْ) فَقَالُوا: لَوْ كَانَتْ "كُنْ" مَخْلُوقَةً; لَافْتَقَرَتْ إِلَى إِيجَادِهَا بِمِثْلِهَا وَتَسَلْسُلُ ذَلِكَ ، وَالْمُتَسَلْسِ لُ مُحَالٌ . فَإِنْ قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِمَعْدُومٍ; [ ص: 137 ] فَالْجَوَابُ أَنَّهُ خِطَابُ تَكْوِينٍ يُظْهِرُ أَثَرَ الْقُدْرَةِ ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ مَوْجُودًا ، لِأَنَّهُ بِالْخِطَابِ كَانَ ، فَامْتَنَعَ وَجُودُهُ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ . وَيُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ مَا سَيَكُونُ مُتَصَوِّرَ الْعِلْمِ ، فَضَاهَى بِذَلِكَ الْمَوْجُودَ ، فَجَازَ خِطَابُهُ لِذَلِكَ .
    وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ فِيهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: النَّصَارَى ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّالِثُ: مُشْرِكُو الْعَرَبِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَلَوْلَا بِمَعْنَى: هَلَّا .

    وَفِي الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ . وَالثَّانِي: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، قَالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَالثَّالِثُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ .

    تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ أَيْ: فِي الْكُفْرِ .
    إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ .

    فِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمًا: "لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ!" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَوْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَأْسَهُ بِالْيَهُودِ لَآَمَنُوا" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

    وَفِي الْمُرَادِ (بِالْحَقِّ) هَاهُنَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْقُرْآَنُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: الْإِسْلَامُ ، قَالَهُ ابْنُ كِيسَانَ . وَالثَّالِثُ: الصِّدْقُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُسْأَلُ عَنْ : الْأَكْثَرُونَ بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى الْخَبَرِ ، وَالْمَعْنَى: لَسْتُ بِمَسْؤُولٍ عَنْ أَعْمَالِهِمْ . وَقَرَأَ نَافِعٌ ، وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، عَلَى النَّهْيِ عَنِ السُّؤَالِ عَنْهُمْ .

    [ ص: 138 ] وَجَوَّزَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: لَا تَسْأَلُ عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ . فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لِمَا هُمْ فِيهِ . فَأَمَّا الْجَحِيمُ; فَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَحِيمُ: النَّارُ ، وَالْجَمْرُ عَلَى الْجَمْرِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْجَحِيمُ: النَّارُ الْمُسْتَحْكِمَ ةُ الْمُتَلَظِّيَة ُ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْجَحِيمُ: النَّارُ الشَّدِيدَةُ الْوَقُودِ ، وَقَدْ جَحَمَ فَلَانٌ النَّارَ: إِذَا شَدَّدَ وَقُودَهَا ، وَيُقَالُ: لَعَيْنِ الْأَسَدِ: جُحْمَةٌ لِشِدَّةِ تُوَقُّدِهَا . وَيُقَالُ: لِوَقُودِ الْحَرْبِ ، وَهُوَ شِدَّةُ الْقِتَالِ فِيهَا: جَاحِمٌ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْجَاحِمُ: الْمَكَانُ الشَّدِيدُ الْحُرِّ . قَالَ الْأَعْشَى:


    يُعِدُّونَ لِلْهَيْجَاءِ قَبْلَ لِقَائِهَا غَدَاةَ اخْتِضَارِ الْبَأْسِ وَالْمَوْتُ جَاحِمٌ


    وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْجَحِيمُ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ النَّارُ جَحِيمًا ، لِأَنَّهَا أُكْثِرَ وُقُودُهَا ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: جَحَمْتُ النَّارَ أَجْحَمُهَا: إِذَا أَكْثَرْتَ لَهَا الْوَقُودَ .

    قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ:


    يَرَى طَاعَةَ اللَّهِ الْهُدَى وَخِلَافَهُ الضَّلَالَةُ يُصْلِي أَهْلَهَا جَاحِمُ الْجَمْرِ




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (26)

    صــ139 إلى صــ 144

    وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى .

    فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

    أَحَدُهَا: أَنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ كَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قِبْلَتِهِمْ ، فَلَمَّا صُرِفَ إِلَى الْكَعْبَةِ يَئِسُوا مِنْهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ دَعَوْهُ إِلَى دِينِهِمْ ، فَنَزَلَتْ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ الْهُدْنَةَ ، وَيُطْمِعُونَهُ فِي أَنَّهُ إِنْ هَادَنَهُمْ وَافَقُوهُ; فَنَزَلَتْ ، ذَكَرَ مَعْنَاهُ الزَّجَّاجُ .

    قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْمِلَّةُ فِي اللُّغَةِ: السُّنَّةُ وَالطَّرِيقُهُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَ(هُدَى اللَّهِ) هَاهُنَا: الْإِسْلَامُ . وَفِي الَّذِي جَاءَهُ مِنَ الْعِلْمِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ التَّحَوُّلُ إِلَى الْكَعْبَةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْبَيَانُ بِأَنَّ دِينَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْقُرْآَنُ . وَالرَّابِعُ: [ ص: 139 ] الْعِلْمُ بِضَلَالَةِ الْقَوْمِ . مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ وَلِيٍّ يَنْفَعُكَ وَلا نَصِيرٍ يَمْنَعُكَ مِنْ عُقُوبَتِهِ .
    الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ .

    اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْيَهُودِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ . وَفِي الْكِتَابِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْقُرْآَنُ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ التَّوْرَاةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أَيْ: يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ فِي هَاءِ "بِهِ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى الْكِتَابِ . وَالثَّانِي: عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا بَعْدَ هَذَا قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ وَالِابْتِلَاءُ : الِاخْتِبَارُ . وَفِي إِبْرَاهِيمَ سِتُّ لُغَاتٍ . أَحَدُهَا: إِبْرَاهِيمُ ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْفَاشِيَّةُ . وَالثَّانِيَةُ: إِبْرَاهُمْ . وَالثَّالِثَةُ: إِبْرَاهَمْ وَالرَّابِعَةُ: إِبْرَاهِمْ ، ذَكَرَهُنَّ الْفَرَّاءُ . وَالْخَامِسَةُ: إِبْرَاهَامُ . وَالسَّادِسَةُ: إِبَرَهَمُ . قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ:


    عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبَرَهَمُ مُسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةِ وَهْوَ قَائِمٌ


    وَقَالَ أَيْضًا:


    نَحْنُ آَلُ اللَّهِ فِي كَعْبَتِهِ لَمْ يَزَلْ ذَاكَ عَلَى عَهْدِ إِبَرِهِيمَ


    وَفِي الْكَلِمَاتِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ .

    أَحَدُهَا: أَنَّهَا خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ . أَمَّا الَّتِي فِي الرَّأْسِ; فَالْفَرْقُ ، وَالْمَضْمَضَةُ ، وَالِاسْتِنْشَا قُ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ، وَالسِّوَاكُ . وَفِي الْجَسَدِ: تَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ ، وَحَلْقُ [ ص: 140 ] الْعَانَةِ ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ ، وَالِاسْتِطَابَ ةُ بِالْمَاءِ ، وَالْخِتَانُ ، رَوَاهُ طَاوُسُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

    وَالثَّانِي: أَنَّهَا عَشْرٌ ، سِتٌّ فِي الْإِنْسَانِ ، وَأَرْبَعٌ فِي الْمَشَاعِرِ . فَالَّتِي فِي الْإِنْسَانِ: حَلْقُ الْعَانَةِ ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ ، وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ، وَالسِّوَاكُ ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَالْغَسْلُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ . وَالَّتِي فِي الْمَشَاعِرِ: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ ، وَالْإِفَاضَةُ . رَوَاهُ حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

    وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا الْمَنَاسِكُ ، رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

    وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ ابْتَلَاهُ بِالْكَوْكَبِ ، وَالشَّمْسِ ، وَالْقَمَرِ ، وَالْهِجْرَةِ ، وَالنَّارِ ، وَذَبْحِ وَلَدِهِ ، وَالْخِتَانِ ، قَالَهُ الْحَسَنُ .

    وَالْخَامِسُ: أَنَّهَا كُلُّ مَسْأَلَةٍ فِي الْقُرْآَنِ ، مِثْلُ قَوْلِهِ: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [ إِبْرَاهِيمَ: 35 ] . وَنَحْوَ ذَلِكَ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ فَمَنْ قَالَ: هِيَ أَفْعَالٌ فَعَلَهَا; قَالَ: مَعْنَى فَأَتَمَّهُنَّ: عَمِلَ بِهِنَّ . وَمَنْ قَالَ: هِيَ دَعَوَاتٌ وَمَسَائِلٌ; قَالَ: مَعْنَى فَأَتَمَّهُنَّ: أَجَابَهُ اللَّهُ إِلَيْهِنَّ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَرَأَ: (إِبْرَاهِيمُ) بِرَفْعِ الْمِيمِ (رَبَّهُ) بِنَصْبِ الْبَاءِ ، عَلَى مَعْنَى: اخْتَبَرَ رَبَّهُ هَلْ يَسْتَجِيبُ دُعَاءَهُ ، وَيَتَّخِذُهُ خَلِيلًا أَمْ لَا؟ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) فِي الذُّرِّيَّةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا فِعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ الْخَلْقَ مِنْ صُلْبِ آَدَمَ كَالذَّرِّ . وَالثَّانِي: أَنَّ أَصْلَهَا ذَرُّورَةٌ ، عَلَى وَزْنِ: فَعْلُولَةٌ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَثُرَ التَّضْعِيفُ أُبْدِلَ مِنَ الرَّاءِ الْأَخِيرَةِ يَاءٌ ، فَصَارَتْ: ذُرْوِيَّةً ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الْوَاوُ فِي الْيَاءِ ، فَصَارَتْ: ذُرِّيَّةً ، ذَكَرَهُمَا الزَّجَّاجُ ، وَصَوَّبَ الْأَوَّلَ .

    وَفِي الْعَهْدِ هَاهُنَا سَبْعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْإِمَامَةُ ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الطَّاعَةُ ، رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: الرَّحْمَةُ ، قَالَهُ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ . وَالرَّابِعُ: الدِّينُ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَالْخَامِسُ: [ ص: 141 ] النُّبُوَّةُ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَالسَّادِسُ: الْأَمَانُ ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ . وَالسَّابِعُ: الْمِيثَاقُ ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .

    وَفِي الْمُرَادِ بِالظَّالِمِينَ هَاهُنَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ الْكُفَّارُ ، قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ، وَالسُّدِّيُّ . وَالثَّانِي: الْعُصَاةُ ، قَالَهُ عَطَاءٌ .
    وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ الْبَيْتُ هَاهُنَا: الْكَعْبَةُ ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ تَدْخُلُ لِلْمَعْهُودِ ، أَوْ لِلْجِنْسِ ، فَلَمَّا عَلِمَ الْمُخَاطَبُونَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْجِنْسَ; انْصَرَفَ إِلَى الْمَعْهُودِ ، قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْمُثَابُ وَالْمَثَابَةُ وَاحِدٌ ، كَالْمُقَامِ وَالْمَقَامَةِ ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَالْمَثَابَةُ: الْمَعَادُ ، مِنْ قَوْلِكَ: ثُبْتُ إِلَى كَذَا ، أَيْ: عُدْتُ إِلَيْهِ ، وَثَابَ إِلَيْهِ جِسْمُهُ بَعْدَ الْعِلَّةِ: إِذَا عَادَ ، فَأَرَادَ: أَنَّ النَّاسَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَمْنًا) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ حَدِيثًا فِي غَيْرِهِ ، ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ; فَهُوَ آَمِنٌ ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ لَا يُبَايِعُوهُ ، وَلَا يُطْعِمُوهُ ، وَلَا يَسْقُوهُ ، وَلَا يُؤْوُوهُ ، وَلَا يُكَلَّمْ حَتَّى يَخْرُجَ ، فَإِذَا خَرَجَ; أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَصَفَ الْبَيْتَ بِالْأَمْنِ ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُ الْحَرَمِ ، كَمَا قَالَ: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ وَالْمُرَادُ: الْحَرَمُ كُلُّهُ لِأَنَّهُ لَا يَذْبَحُ فِي الْكَعْبَةِ ، وَلَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ الْحُكْمِ ، لَا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ فَقَطْ .

    وَفِي (مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْحَرَمُ كُلُّهُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: عَرَفَةُ وَالْمُزْدَلِفَ ةُ وَالْجِمَارُ ، قَالَهُ عَطَاءٌ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ كَالْقَوْلَيْنِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، قَالُوا: الْحَجُّ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ . وَالثَّالِثُ: الْحَجَرُ ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ . قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى ، فَنَزَلَتْ .

    [ ص: 142 ] وَفِي سَبَبِ وُقُوفِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْحَجَرِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَاءَ يَطْلُبُ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ ، فَلَمْ يَجِدْهُ ، فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: انْزِلْ ، فَأَبَى ، فَقَالَتْ: فَدَعْنِي أَغْسِلْ رَأْسَكَ ، فَأَتَتْهُ بِحَجْرٍ فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ رَاكِبٌ ، فَغَسَلَتْ شِقَّهُ ، ثُمَّ رَفَعَتْهُ وَقَدْ غَابَتْ رِجْلُهُ فِيهِ ، فَوَضَعَتْهُ تَحْتَ الشِّقِّ الْآَخَرِ وَغَسَلَتْهُ ، فَغَابَتْ رِجْلُهُ فِيهِ ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ شِعَارِهِ ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَامَ عَلَى الْحَجَرِ لِبِنَاءِ الْبَيْتِ ، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .

    قَرَأَ الْجُمْهُورُ ، مِنْهُمُ: ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَعَاصِمٌ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ : (وَاتَّخِذُوا) بِكَسْرِ الْخَاءِ; عَلَى الْأَمْرِ . وَقَرَأَ نَافِعٌ ، وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى الْخَبَرِ . قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيْنَ تَرَوْنَ أَنْ نُصَلِّيَ؟" فَقَالَ عُمَرُ: إِلَى الْمَقَامِ ، فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَجْهُ فَتْحِ الْخَاءِ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَإِذِ اتَّخَذُوا . وَيُؤَكِّدُ الْفَتْحَ فِي الْخَاءِ أَنَّ الَّذِي بَعْدَهُ خَبَرٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَعَهِدْنَا .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَيْ: أَمَرْنَاهُمَا وَأَوْصَيْنَاهُ مَا . وَإِسْمَاعِيلُ: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ ، وَفِيهِ لُغَتَانِ: إِسْمَاعِيلُ ، وَإِسْمَاعِينُ . وَأَنْشَدُوا:


    قَالَ جِوَارِي الْحَيِّ لَمَّا جِينَا هَذَا وَرَبِّ الْبَيْتِ إِسْمَاعِينَا


    قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ قَالَ قَتَادَةُ: يُرِيدُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالشِّرْكِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ . فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَيْتٌ; فَمَا مَعْنَى أَمَرَهُمَا بِتَطْهِيرِهِ؟ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَتْ هُنَاكَ أَصْنَامٌ ، فَأُمِرَا بِإِخْرَاجِهِا ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ: ابْنِيَاهُ مُطَهَّرًا ، قَالَهُ السُّدِّيُّ . وَالْعَاكِفُونَ : الْمُقِيمُونَ ، يُقَالُ: عَكَفَ يَعْكِفُ وَيَعْكُفُ عُكُوفًا: إِذَا أَقَامَ ، وَمِنْهُ: الِاعْتِكَافُ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ فِي [ ص: 143 ] كُلِّ لَيْلَةٍ وَيَوْمَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ يَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتَ: سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ ، وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ ، وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ" .
    وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مِنَ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا الْبَلَدُ: صَدْرُ الْقُرَى ، وَالْبَالِدُ: الْمُقِيمُ بِالْبَلَدِ ، وَالْبَلْدَةُ: الصَّدْرُ ، وَوَضَعَتِ النَّاقَةُ بَلْدَتَهَا: إِذَا بَرَكَتْ ، وَالْمُرَادُ بِالْبَلَدِ هَاهُنَا: مَكَّةُ . وَمَعْنَى (آمِنًا): ذَا أَمْنٍ . وَأَمْنُ الْبَلْدَةِ مَجَازٌ ، وَالْمُرَادُ: أَمِنَ مِنْ فِيهِ . وَفِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْأَمْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ سَأَلَهُ الْأَمْنَ مِنَ الْقَتْلِ . وَالثَّانِي: مِنَ الْخَسْفِ وَالْقَذْفِ . وَالثَّالِثُ: مِنَ الْقَحْطِ وَالْجَدْبِ . قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ إِبْرَاهِيمَ: لِمَنْ آَمَنَ ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ كَفَرَ فَسَأَرْزُقُهُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأُمَتِّعُهُ) وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (فَأُمَتِّعُهُ) بِالتَّخْفِيفِ ، مِنْ أَمْتَعْتَ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ . مِنْ: مُتِّعْتُ . وَالْإِمْتَاعُ: إِعْطَاءُ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْمُتْعَةُ . وَالْمُتْعَةُ: أَخْذُ الْحَظِّ مِنْ لَذَّةِ مَا يَشْتَهِي . وَبِمَاذَا يُمَتِّعُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: بِالْأَمْنِ . وَالثَّانِي: بِالرِّزْقِ .

    وَالِاضْطِّرَار ُ: الْإِلْجَاءُ إِلَى الشَّيْءِ ، وَالْمَصِيرُ: مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْأَمْرُ .
    وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ ص: 144 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ .

    الْقَوَاعِدُ: أَسَاسُ الْبَيْتِ ، وَاحِدُهَا: قَاعِدَةٌ . فَأَمَّا قَوَاعِدُ النِّسَاءِ; فَوَاحِدَتُهَا: قَاعِدٌ ، وَهِيَ الْعَجُوزُ . (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) أَيْ: يَقُولَانِ: رَبَّنَا ، فَحَذَفَ ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ الرَّعْدِ: 25 ] . أَرَادَ: يَقُولُونَ . وَ(السَّمِيعُ) بِمَعْنَى: السَّامِعُ ، لَكِنَّهُ أَبْلُغُ ، لِأَنَّ بِنَاءَ فَعِيلٍ لِلْمُبَالَغَةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيَكُونُ السَّمَاعُ بِمَعْنَى الْقَبُولِ وَالْإِجَابَةِ ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: :"أَعُوذُ بِكَ مِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ" أَيْ: لَا يُسْتَجَابُ . وَقَوْلُ الْمُصَلِّي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، أَيْ: قَبِلَ اللَّهُ حَمْدَ مَنْ حَمَدَهُ . وَأَنْشَدُوا:


    دَعَوْتُ اللَّهَ حَتَّى خِفْتُ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ


    الْإِشَارَةُ إِلَى بِنَاءِ الْبَيْتِ .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (27)

    صــ145 إلى صــ 150

    رَوَى أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَحُجُّ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ آَدَمَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أُهْبِطَ آَدَمُ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آَدَمُ اذْهَبْ فَابْنِ لِي بَيْتًا فَطُفْ بِهِ ، وَاذْكُرْنِي حَوْلَهُ كَمَا رَأَيْتَ مَلَائِكَتِي تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي . فَأَقْبَلَ يَسْعَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ ، وَبَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجُبِلٍ: مِنْ لِبْنَانَ ، وَطُورِ سَيْنَاءَ ، وَطُورِ زِيتَا ، وَالْجُودِيِّ ، وَحِرَاءَ ، فَكَانَ آَدَمُ أَوَّلَ مَنْ أَسَّسَ الْبَيْتَ ، وَطَافَ بِهِ ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ الطُّوفَانَ ، فَدَرَسَ مَوْضِعَ الْبَيْتِ ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ; ضَاقَ بِهِ ذَرْعًا ، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَصْنَعُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَهَيْئَةِ السَّحَابَةِ ، فِيهَا رَأْسٌ يَتَكَلَّمُ ، فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ عَلِّمْ عَلَى ظِلِّي ، فَلَمَّا عَلَّمَ ارْتَفَعَتْ . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَبْنِي عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ ، قَالَ: وَحَفَرَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ تَحْتِ السِّكِّينَةِ ، فَأَبْدَى عَنْ قَوَاعِدَ ، مَا تُحَرِّكُ الْقَاعِدَةَ مِنْهَا دُونَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا . فَلَمَّا بَلَغَ مَوْضِعَ الْحَجَرِ ، قَالَ لِإِسْمَاعِيلَ: [ ص: 145 ] الْتَمِسْ لِي حَجَرًا ، فَذَهَبَ يَطْلُبُ حَجَرًا ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ، فَوَضَعَهُ ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ: مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا الْحَجَرِ؟ قَالَ: جَاءَ بِهِ مَنْ لَمْ يَتَّكِلْ عَلَى بِنَائِي وَبِنَائِكَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ: رَفَعَا الْقَوَاعِدَ الَّتِي كَانَتْ قَوَاعِدَ قَبْلَ ذَلِكَ . وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ; لَمْ يَدْرِ أَيْنَ يَبْنِي ، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُ رِيحًا ، فَكَنَسَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَنِ الْأَسَاسِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ الْبَيْتُ عَلَيْهِ قَبْلَ الطُّوفَانِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمُسْلِمُ فِي اللُّغَةِ: الَّذِي قَدِ اسْتَسْلَمَ لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَخَضَعَ . وَالْمَنَاسِكُ: الْمُتَعَبِّدَا تُ . فَكُلُّ مُتَعَبَّدٍ مَنْسَكٌ وَمَنْسِكٌ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَابِدِ: نَاسِكٌ . وَتُسَمَّى الذَّبِيحَةُ الْمُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ: النَّسِيكَةُ . وَكَأَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّسُكِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الذَّبِيحَةِ لِلَّهِ تَعَالَى .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا أَيْ: مَذَابِحُنَا . قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: (وَأَرِنَا) بِجَزْمِ الرَّاءِ . وَ رَبِّ أَرِنِي [ الْأَعْرَافِ: 143 ] . وَ أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلانَا [ فُصِّلَتْ: 29 ] . وَقَرَأَ نَافِعٌ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ (أَرِنَا) بِكَسْرِ الرَّاءِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ . وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَابْنِ عَامِرٍ كَذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُمَا أَسْكَنَا الرَّاءَ مِنْ (أَرِنَا اللَّذَيْنِ) وَحْدَهَا . قَالَ الْفَرَّاءُ: أَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: (أَرِنَا) وَكَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ يَجْزِمُ الرَّاءَ ، فَيَقُولُ: (أَرْنَا مَنَاسِكَنَا) وَقَرَأَ بِهَا بَعْضُ الثِّقَاتِ . وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:


    قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرِ لَنَا دَقِيقًا وَاشْتَرِ فَعَجِّلْ خَادِمًا لَبِيقًا


    وَأَنْشَدَنِي الْكِسَائِيُّ:


    وَمَنْ يَتَّقِ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَهُ وَرِزْقُ اللَّهِ مُؤْتَابٌ وَغَادِي


    قَالَ قَتَادَةُ: أَرَاهُمَا اللَّهُ مَنَاسِكَهُمَا: الْمَوْقِفُ بِعَرَفَاتٍ ، وَالْإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ ، وَالطَّوَافُ ، وَالسَّعْيُ . وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنَ الْبَيْتِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ، فَأَرَاهُ الطَّوَافَ ، [ ص: 146 ] ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْرَةُ الْعَقَبَةَ ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ ، وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمُ سَبْعًا ، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى غَابَ الشَّيْطَانُ . ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْرَةَ الْوُسْطَى ، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ ، وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ ، فَقَالَ: ارْمِ وَكَبِّرْ ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى غَابَ الشَّيْطَانُ . ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى ، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ ، وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ . فَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى غَابَ الشَّيْطَانُ ، ثُمَّ أَتَى بِهِ مِنَى ، فَقَالَ: هَاهُنَا يَحْلِقُ النَّاسُ رُؤُوسَهُمْ ، ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْعًا ، فَقَالَ: هَاهُنَا يُجْمَعُ النَّاسُ ، ثُمَّ أَتَى بِهِ عَرَفَةَ ، فَقَالَ: أَعَرَفْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ: فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ فِي الْهَاءِ وَالْمِيمِ مِنْ (فِيهِمْ) قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى الذُّرِّيَّةِ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ وَالْفَرَّاءُ . وَالثَّانِي: عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ فِي قَوْلِهِ: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ) وَالْمُرَادُ بِالرَّسُولِ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ؟ قَالَ: "دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ، وَبُشْرَى عِيسَى ، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ" وَالْكِتَابُ: الْقُرْآَنُ . وَالْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَرُوِيَ عَنْهُ: الْحِكْمَةُ: الْفِقْهُ وَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ ، وَمَوَاعِظُ الْقُرْآَنِ . وَسُمِّيَتِ الْحِكْمَةُ حِكْمَةً ، لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ الْجَهْلِ .

    وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَيُزَكِّيهِمْ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْهُمْ فَيُطَهِّرُهُمْ بِهَا ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْفَرَّاءُ . وَالثَّانِي: يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: يَدْعُوهُمْ إِلَى مَا يَصِيرُونَ بِهِ أَزْكِيَاءَ .

    [ ص: 147 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْعِزُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ . أَحَدُهَا: بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ ، يَقُولُونَ: مَنْ عَزَّ بَزَّ . أَيْ: مَنْ غَلَبَ سَلَبَ . يُقَالُ مِنْهُ: عَزَّ يَعُزُّ ، بِضَمِّ الْعَيْنِ مَنْ يَعُزُّ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ ص: 28 ] . وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ ، يُقَالُ مِنْهُ: عَزَّ يَعَزُّ ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَنْ يَعَزُّ . وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى نَفَّاسَةِ الْقِدْرِ ، يُقَالُ مِنْهُ: عَزَّ يَعِزُّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، مَنْ يَعِزُّ . وَيَتَنَاوَلُ مَعْنَى الْعَزِيزِ عَلَى أَنَّهُ الَّذِي لَا يُعَادِلُهُ شَيْءٌ ، وَلَا مِثْلَ لَهُ .
    وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ

    سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ دَعَا ابْنَيْ أَخِيهِ مُهَاجِرًا وَسَلَمَةَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَأَسْلَمَ سَلَمَةُ ، وَرَغِبَ عَنِ الْإِسْلَامِ مُهَاجِرٌ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَ "مِنْ" لَفْظِهَا لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ ، وَمَعْنَاهَا التَّقْرِيرُ وَالتَّوْبِيخُ . وَالْمَعْنَى: مَا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مِنْ سَفِهَ نَفْسَهُ . وَيُقَالُ: رَغِبْتُ فِي الشَّيْءِ: إِذَا أَرَدْتُهُ . وَرَغِبْتُ عَنْهُ: إِذَا تَرَكْتُهُ . وَمِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ: دِينُهُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: إِلَّا مِنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ وَيُونُسُ . قَالَ يُونُسَ: وَلِذَلِكَ تَعَدَّى إِلَى النَّفْسِ فَنَصَبَهَا ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: نُصِبَتِ النَّفْسُ لِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: إِلَّا مَنْ سَفِهَ فِي نَفْسِهِ .

    [ ص: 148 ] قَالَ الشَّاعِرُ:


    نُغَالِي اللَّحْمَ لِلْأَضْيَافِ نِيئًا وَنُرَخِّصُهُ إِذَا نَضِجَ الْقُدُورَ


    وَالثَّانِي: إِلَّا مَنْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ . وَالثَّالِثُ: إِلَّا مَنْ سَفِهَتْ نَفْسُهُ ، كَمَا يُقَالُ: غَبَنَ فُلَانٌ رَأْيَهُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْفَرَّاءِ وَابْنِ قُتَيْبَةَ . قَالَ الْفَرَّاءُ: نَقَلَ الْفِعْلَ عَنِ النَّفْسِ إِلَى ضَمِيرِ "مَنْ" وَنُصِبَتِ النَّفْسُ عَلَى التَّشْبِيهِ بِالتَّفْسِيرِ ، كَمَا يُقَالُ: ضِقْتُ بِالْأَمْرِ ذَرْعًا ، يُرِيدُونَ: ضَاقَ ذَرْعِي بِهِ ، وَمِثْلُهُ: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا [ مَرْيَمَ: 4 ] . وَالرَّابِعُ: إِلَّا مَنْ جَهِلَ نَفْسَهُ ، فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيهَا ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الزَّجَّاجِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : لَمِنَ الصَّالِحِي الْحَالِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الصَّالِحُ فِي الْآَخِرَةِ: الْفَائِزُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ وَذَلِكَ حِينَ وُقُوعِ الِاصْطِفَاءِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا رَأَى الْكَوْكَبَ وَالْقَمَرَ وَالشَّمْسَ ، قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ، أَيْ: أَخْلِصْ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَوَصَّى) قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ: (وَأَوْصَى) بِأَلِفٍ ، مَعَ تَخْفِيفِ الصَّادِ ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِ أَلِفٍ مُشَدَّدَةِ الصَّادِ ، وَهَذَا لِاخْتِلَافِ الْمَصَاحِفِ . أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ قُشَيْشٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّويَهْ ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ ، قَالَ: أَخْبَرْنَا ثَعْلَبٌ ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ قَالَ: اخْتَلَفَ مُصْحَفَا أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ حَرْفًا: كَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: (وَأَوْصَى) وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (وَوَصَّى) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: سَارَعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [ آَلِ عِمْرَانَ: 133 ] . بِغَيْرِ وَاوٍ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (وَسَارَعُوا) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا [ الْمَائِدَةِ: 56 ] . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (وَيَقُولُ) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: مِنْ يَرْتَدِدْ [ الْمَائِدَةِ: 57 ] . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (مَنْ يَرْتَدُّ) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا [ التَّوْبَةِ: 108 ] . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (وَالَّذِينَ) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: خَيْرًا مِنْهُمَا مُنْقَلِبًا [ الْكَهْفِ: 37 ] . وَأَهْلُ [ ص: 149 ] الْعِرَاقِ (مِنْهَا) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: فَتَوَكُّل عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [ الشُّعَرَاءِ: 217 ] . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (وَتَوَكَّلْ) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: وَأَنْ يَظْهَرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادُ [ الْمُؤْمِنِ: 26 ] . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي "حم عسق": (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) بِغَيْرِ فَاءٍ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (فَبِمَا) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَا تَشْتَهِيه الْأَنْف [ الزُّخْرُفِ: 71 ] . بِالْهَاءِ . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (مَا تَشْتَهِي) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيَّ الْحَمِيدَ [ الْحَدِيدِ: 26 ] وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: فُلًّا يَخَافُ عُقْبَاهَا [ الشَّمْسِ: 15 ] . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (وَلَا يَخَافُ) .

    وَوَصَّى أَبْلَغُ مَنْ أَوْصَى ، لِأَنَّهَا تَكُونُ لِمَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ ، وَهَاءُ "بِهَا" تَعُودُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ . قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَالزَّجَّاجُ . قَالَ مُقَاتِلٌ: وَبَنُوهُ أَرْبَعَةٌ: إِسْمَاعِيلُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَمَدِينُ ، وَمَدَائِنُ . وَذَكَرَ غَيْرُ مُقَاتِلٍ أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يُرِيدُ: الْزَمُوا الْإِسْلَامَ ، فَإِذَا أَدْرَكَكُمُ الْمَوْتُ صَادَفَكُمْ عَلَيْهِ .
    أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ

    سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ يَعْقُوبَ أَوْصَى بَنِيهِ يَوْمَ مَاتَ بِالْيَهُودِيَّ ةِ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ أَيْ: مَضَتْ ، يُشِيرُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَنِيهِ ، وَيَعْقُوبُ وَبَنِيهِ .
    وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [ ص: 150 ] وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا .

    مَعْنَاهُ: قَالَتِ الْيَهُودَ: كُونُوا هُودًا ، وَقَالَتِ النَّصَارَى: كُونُوا نَصَارَى ، تَهْتَدُوا .

    بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا الْمَعْنَى: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ فِي حَالِ حَنِيفِيَّتِهِ . وَفِي الْحَنِيفِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْمَائِلُ إِلَى الْعِبَادَةِ . قَالَ الزَّجَّاجُ: الْحَنِيفُ فِي اللُّغَةِ: الْمَائِلُ إِلَى الشَّيْءِ ، أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ أَحْنَفٌ ، وَهُوَ الَّذِي تَمِيلُ قَدَمَاهُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلَى أُخْتِهَا بِأَصَابِعِهَا . قَالَتْ أُمُّ الْأَحْنَفِ تُرَقِّصُهُ:


    وَاللَّهِ لَوْلَا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ وَدِقَّةٌ فِي سَاقِهِ مِنْ هَزْلِهِ مَا كَانَ فِي فِتْيَانِكُمْ مِنْ مِثْلِهِ


    وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْمُسْتَقِيمُ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَعْرَجِ: حَنِيفٌ نَظَرًا لَهُ إِلَى السَّلَامَةِ ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ . وَقَدْ وَصَفَ الْمُفَسِّرُونَ الْحَنِيفَ بِأَوْصَافٍ ، فَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ الْمُخْلِصُ ، وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ: هُوَ الَّذِي يَحُجُّ . وَقَالَ غَيْرُهُمَا: هُوَ الَّذِي يُوَحِّدُ وَيَحُجُّ ، وَيُضَحِّي وَيَخْتَتِنُ ، وَيَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ .

    فَأَمَّا الْأَسْبَاطُ: فَهُمْ بَنَوْا يَعْقُوبَ ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا . قَالَ الزَّجَّاجُ: السِّبْطُ فِي اللُّغَةِ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إِلَى أَبٍ وَاحِدٍ . وَالسِّبْطُ فِي اللُّغَةِ: الشَّجَرَةُ لَهَا قَبَائِلُ ، فَالسِّبْطُ: الَّذِينَ هُمْ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ .
    فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُ مُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ آمَنُوا يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (28)

    صــ151 إلى صــ 156

    قَوْلُهُ تَعَالَى: بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: مِثْلُ إِيمَانِكُمْ ، [ ص: 151 ] فَزِيدَتِ الْبَاءُ لِلتَّوْكِيدِ ، كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِهِ: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [ مَرْيَمَ: 24 ] . قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا: الْكِتَابُ ، وَتَقْدِيرُهُ: فَإِنْ آَمَنُوا بِكِتَابِكُمْ كَمَا آَمَنْتُمْ بِكِتَابِهِمْ ، قَالَهُ أَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَثَلَ هَاهُنَا: صِلَةٌ ، وَالْمَعْنَى ، فَإِنْ آَمَنُوا بِمَا آَمَنْتُمْ بِهِ . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشُّورَى: 11 ] . أَيْ: لَيْسَ كَهُوٍ شَيْءٌ وَأَنْشَدُوا:


    يَا عَاذِلِي دَعْنِي مِنْ عَذْلِكَا مِثْلِي لَا يَقْبَلُ مِنْ مِثْلِكَا


    أَيْ: أَنَا لَا أَقْبَلُ مِنْكَ ، فَأَمَّا الشِّقَاقُ; فَهُوَ الْمُشَاقَّةُ وَالْعَدَاوَةُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ قَدْ شَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ، يُرِيدُونَ: فَارَقَ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّبَاعِ إِمَامِهِمْ ، فَكَأَنَّهُ صَارَ فِي شَقٍّ غَيْرِ شَقِّهِمْ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَيَكْفِيكَهُ مُ اللَّهُ هَذَا ضَمَانٌ لِنَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
    صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةَ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: صِبْغَةَ اللَّهِ سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ وَلَدٌ ، فَأَتَى عَلَيْهِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ ، صَبَغُوهُ فِي مَاءٍ لَهُمْ ، يُقَالُ لَهُ: الْمَعْمُودِيَّ ةُ ، لِيُطَهِّرُوهُ بِذَلِكَ ، وَيَقُولُونَ: هَذَا طَهُورُ مَكَانٍ الْخِتَانِ ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ; قَالُوا: صَارَ نَصْرَانِيًّا حَقًّا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَابْنُ زَيْدٍ: (صِبْغَةُ اللَّهِ) دِينُهُ . قَالَ الْفَرَّاءُ: (صِبْغَةَ اللَّهِ) [نُصِبَ ] مَرْدُودَةٌ عَلَى الْمِلَّةِ . وَقَرَأَ ابْنُ عَبْلَةَ: (صِبْغَةُ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى: هَذِهِ صِبْغَةُ اللَّهِ . وَكَذَلِكَ قَرَأَ: (مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ) بِالرَّفْعِ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى: هَذِهِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُرَادُ بِصِبْغَةِ اللَّهِ: الْخِتَانُ ، فَسَمَّاهُ صِبْغَةً ، لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَصْبُغُونَ أَوْلَادَهُمْ فِي مَاءٍ [وَيَقُولُونَ: هَذَا طُهْرَةٌ لَهُمْ ، كَالْخِتَانِ لِلْحُنَفَاءِ ] فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (صِبْغَةُ اللَّهِ) أَيِ: الْزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ ، صِبْغَةُ النَّصَارَى أَوْلَادَهُمْ ، وَأَرَادَ بِهَا: مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ . وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا سُمِّيَ الدِّينُ صِبْغَةً لِبَيَانِ أَثَرِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ ، كَظُهُورِ الصَّبْغِ عَلَى الثَّوْبِ .
    [ ص: 152 ] قُلْ أَتُحَاجُّونَنَ ا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتُحَاجُّونَنَ ا فِي اللَّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: يَهُودُ الْمَدِينَةِ ، وَنَصَارَى نَجْرَانَ . وَالْمُحَاجَّةُ : الْمُخَاصَمَةُ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ: نَحْنُ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ . وَقِيلَ: ظَاهَرَتِ الْيَهُودُ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ ، فَقِيلَ لَهُمْ: تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مُوَحِّدُونَ ، وَنَحْنُ نُوَحِّدُ ، فَلِمَ ظَاهَرْتُمْ مَنْ لَا يُوَحِّدُ؟!

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ : هَذَا الْكَلَامُ اقْتَضَى نَوْعُ مُسَاهَلَةٍ ، ثُمَّ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ .
    أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ الْآَيَةِ .

    سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ ، وَنَصَارَى نَجْرَانَ قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ : إِنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ كَانُوا مِنَّا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانُوا عَلَى دِينِنَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَمَعْنَى الْآَيَةِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْلَمَنَا بِدِينِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَاأَحَدَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ . قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَبُو عَمُورٍ: (أَمْ يَقُولُونَ) بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْيَهُودِ . وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفَصٌ عَنْ عَاصِمٍ: (تَقُولُونَ) بِالتَّاءِ لِأَنَّ قَبْلَهَا مُخَاطَبَةٌ ، وَهِيَ "أَتحاجوننا" وَبُعْدَهَا (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ) .

    وَفِي الشَّهَادَةِ الَّتِي كَتَمُوهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَهِدَ عِنْدَهُمْ بِشَهَادَةٍ لِإِبْرَاهِيمَ وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ، فَكَتَمُوهَا ، قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كَتَمُوا الْإِسْلَامَ ، وَأَمْرَ مُحَمَّدٍ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ دِينُهُ الْإِسْلَامَ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ .
    [ ص: 153 ] سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مِنَ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ .

    فِيهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ ، قَالَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمُ الْمُنَافِقُونَ ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ قَالُوا ذَلِكَ ، وَالْآَيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ . وَالسُّفَهَاءُ: الْجَهَلَةُ . مَا وَلَّاهُمْ ، أَيْ: صَرَفَهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ: يُرِيدُ: قِبْلَةَ الْمُقْدِسِ .

    وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مُدَّةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ قَدُومِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ ، قَالَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ . وَالثَّانِي: سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، قَالَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ . وَالرَّابِعُ: تِسْعَةُ أَشْهُرٍ ، أَوْ عَشْرَةُ أَشْهُرٍ ، قَالَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ . وَالْخَامِسُ: سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا . وَالسَّادِسُ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، رُوِيَ الْقَوْلَانِ عَنْ قَتَادَةَ .

    وَهَلْ كَانَ اسْتِقْبَالُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِرَأْيِهِ ، أَوْ عَنْ وَحْيٍ؟ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْيِهِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ بِاجْتِهَادِهِ وَرَأْيِهِ ، قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالرَّبِيعُ . وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ النَّاسُ يَتَوَجَّهُونَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاؤُوا بِقَوْلِهِ: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [ الْبَقَرَةِ: 115 ] . ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَفِي سَبَبِ اخْتِيَارِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: لِيَتَأَلَّفَ أَهْلُ الْكِتَابِ ، ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ . وَالثَّانِي: لِامْتِحَانِ الْعَرَبِ بِغَيْرِ مَا أَلِفُوهُ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ .
    [ ص: 154 ] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولُ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهُ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا .

    سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: قَبِلَتُنَا قَبْلَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَنَحْنُ عَدْلٌ بَيْنَ النَّاسِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالْأُمَّةُ: الْجَمَاعَةُ وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْوَسَطُ: الْعَدْلُ ، الْخِيَارُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ أَوْسَطُهُمْ [ الْقَلَمِ: 28 ] . أَيْ: أَعْدَلُهُمْ ، وَخَيْرُهُمْ . قَالَ الشَّاعِرُ:


    هُمْ وَسَطٌ يَرْضَى الْأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ إِذَا نَزَلْتَ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ


    وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ خَيْرَ الْأَشْيَاءِ أَوْسَاطُهُا ، وَالْغُلُوُّ وَالتَّقْصِيرُ مَذْمُومَانِ . وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ مِنَ التَّوَسُّطِ فِي الْفِعْلِ ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُقَصِّرُوا فِي دِينِهِمْ كَالْيَهُودِ ، فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ ، وَبَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ ، وَلَمْ يَغْلُوا كَالنَّصَارَى ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ . وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: فِي هَذَا الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ ، وَمَعْنَاهُ: جَعَلْتُ قَبْلَتَكُمْ وَسَطًا بَيْنَ الْقِبْلَتَيْنِ ، فَإِنَّ الْيَهُودَ يُصَلُّونَ نَحْوَ الْمَغْرِبِ ، وَالنَّصَارَى نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَأَنْتُمْ بَيْنَهُمَا .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: لِتَشْهَدُوا لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَى أُمَمِهِمْ . رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَبَلَغَكُمْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا ، فَيُقَالُ: لِلنَّبِيِّ: أَبْلَغْتَهُمْ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ ، فَيُقَالُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ; فَيَشْهَدُونَ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ، فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: [ ص: 155 ] أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ، فَصَدَّقْنَاهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَهَذَا مَذْهَبُ عِكْرِمَةَ ، وَقَتَادَةَ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَلَى الْأُمَمِ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَاذَا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ؟ فِي ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: بِأَعْمَالِهِمْ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَالثَّانِي: بِتَبْلِيغِهِمُ الرِّسَالَةَ ، قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: بِإِيمَانِهِمْ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . فَيَكُونُ عَلَى هَذَا "عَلَيْكُمْ" بِمَعْنَى: لَكُمْ . قَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يُسْأَلُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا نَبِيُّهَا .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا يُرِيدُ: قِبْلَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . (إِلا لِنَعْلَمَ) فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: لِنَرَى . وَالثَّانِي: لِنُمَيِّزَ . رُوِيَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: لِنُعْلِمَهُ وَاقِعًا ، إِذْ عِلْمُهُ قَدِيمٌ ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "لِنَرَى" وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْعِلْمَ رَاجِعٌ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ ، وَالْمَعْنَى: لِتَعْلَمُوا أَنْتُمْ ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ أَيْ: يَرْجِعُ إِلَى الْكُفْرِ ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ، وَمُقَاتِلٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً فِي الْمُشَارِ إِلَيْهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ التَّوْلِيَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا قِبْلَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ التَّحَوُّلِ عَنْهَا ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالزَّجَّاجُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ نَزَلَ عَلَى سَبَبٍ; وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟! فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ وَالْإِيمَانُ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا أُرِيدَ بِهِ: الصَّلَاةُ فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ . وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ [ ص: 156 ] الصَّلَاةُ إِيمَانًا ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى قَوْلٍ وَنِيَّةٍ وَعَمَلٍ . قَالَ الْفَرَّاءُ: وَإِنَّمَا أَسْنَدَ الْإِيمَانَ إِلَى الْأَحْيَاءِ [مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ] وَالْمَعْنَى: فِيمَنْ مَاتَ [مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ الْقِبْلَةُ ] لِأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ مَعَهُمْ فِي الْمِلَّةِ . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَرَءُوفٌ) قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَافِعٌ ، وَابْنُ عَامِرٍ ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: (لَرَؤُوفٌ) عَلَى وَزْنِ: لَرَعُوفٌ ، فِي جَمِيعِ الْقُرْآَنِ ، وَوَجْهُهَا: أَنْ فَعُولًا أَكْثَرُ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ فَعِلٍ ، فَبَابُ ضَرُوبٍ وَشَكُورٍ ، أَوْسَعُ مِنْ بَابِ حَذِرٍ وَيَقِظٍ . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ: (لَرَؤُفٌ) عَلَى وَزْنِ: رَعُفٍ . وَيُقَالُ: هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْحِجَازِ . قَالَ جَرِيرٌ:


    تَرَى لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْكَ حَقًّا كَفِعْلِ الْوَالِدِ الرَّؤُفِ الرَّحِيمِ


    وَالرَّؤُوفُ بِمَعْنَى: الرَّحِيمُ ، هَذَا قَوْلُ الزَّجَّاجِ . وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الرَّأْفَةَ أَبْلَغُ الرَّحْمَةِ وَأَرَقُّهَا . قَالَ: وَيُقَالُ: الرَّأْفَةُ أَخَصُّ ، وَالرَّحْمَةُ أَعَمُّ .
    قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنّ َكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهِكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ







    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (29)

    صــ157 إلى صــ 162


    سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ ، قَالَهُ الْبَرَاءُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ . وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآَيَةَ مُقَدِّمَةٌ فِي النُّزُولِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ اخْتِيَارِ النَّبِيِّ الْكَعْبَةَ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى قَوْلَيْنِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَانَتْ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ ، رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: لِمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَمَعْنَى تَقَلُّبَ وَجْهِهِ: نَظَرُهُ إِلَيْهَا يَمِينًا وَشِمَالًا . و "فِي" بِمَعْنَى: "إِلَى" وَ "تَرْضَاهَا" بِمَعْنَى: تُحِبُّهَا وَ "الشَّطْرُ": النَّحْوُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَتَى النَّاسَ [ ص: 157 ] آَتٍ وَهُمْ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقِبَاءٍ ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآَنٌ ، وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ ، أَلَا فَاسْتَقْبَلُوه َا [وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ ] فَاسْتَدَارُوا وَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ .

    فَصْلٌ

    اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّ: وَقْتٍ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةَ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهَا حُوِّلَتْ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ الْمَدِينَةَ ، قَالَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا حُوِّلَتْ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا حُوِّلَتْ فِي جُمَادَى الْآَخِرَةَ ، حَكَاهُ ابْنُ سَلَامَةَ الْمُفَسِّرُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ .

    وَفِي الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: الْيَهُودُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ يُشِيرُ إِلَى مَا أَمَرَ بِهِ مِنَ التَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِبَاقِي الْآَيَةِ عَلَى كِتْمَانِهِمْ مَا عَلِمُوا . وَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا أَنَّهُ الْحَقُّ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ فِي كِتَابِهِمُ الْأَمْرُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَالثَّانِي: يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي كِتَابِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ صَادِقٌ ، فَلَا يَأْمُرُ إِلَّا بِحَقٍّ . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ جَوَازَ النَّسْخِ .
    وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [ ص: 158 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ .

    سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ: ائْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أَتَى الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَكَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ يُرِيدُ: الْكَعْبَةَ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ لِأَنَّ الْيَهُودَ يُصَلُّونَ قِبَلَ الْمَغْرِبِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَالنَّصَارَى قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ فَصَلَّيْتَ إِلَى قِبْلَتِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ قَالَ مُقَاتِلٌ: يُرِيدُ بِالْعِلْمِ: الْبَيَانَ .
    الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ فِي هَاءِ "يَعرفونه" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: تَعُودُ عَلَى صَرْفِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمُقَاتِلٌ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا . وَفِي الْحَقِّ الَّذِي كَتَمُوهُ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ التَّوَجُّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ ، وَمُقَاتِلٌ فِي آَخَرِينَ .

    وَفِي قَوْلِهِ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ حَقٌّ . وَالثَّانِي: وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا عَلَى مُخَالِفِهِ مِنَ الْعِقَابِ .
    الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ .

    قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ: هَذَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ . وَالْمُمْتَرُون َ: الشَّاكُّونَ ، وَالْخِطَابُ عَامٌّ .
    وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ ص: 159 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ

    أَيْ: لِكُلِّ أَهْلٍ دِينٌ وَجِهَةٌ . الْمُرَادُ بِالْوِجْهَةِ: الْقِبْلَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي آَخَرِينَ . قَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ: جِهَةٌ ، وَوِجْهَةٌ . وَفِي "هُوَ" ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَالْمَعْنَى: اللَّهُ مُوَلِّيهَا إِيَّاهُمْ ، أَيْ: أَمَرَهُمْ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا . وَالثَّانِي: تَرْجِعُ إِلَى الْمُتَوَلَّى ، فَالْمَعْنَى: هُوَ مُوَلِّيهَا نَفْسَهُ ، فَيَكُونُ "هُوَ" ضَمِيرُ كُلٍّ . وَالثَّالِثُ: يَرْجِعُ إِلَى الْبَيْتِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ: أَمَرَ كُلَّ قَوْمٍ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الْكَعْبَةِ . وَالْجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَ: (مُوَلِّيهَا) وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ ، وَالْوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: "هُوَ مَوْلَاهَا" بِأَلِفٍ بَعْدَ اللَّامِ ، فَضَمِيرُ "هُوَ" لِكُلِّ ، وَمَعْنَى الْقِرَاءَتَيْن ِ مُتَقَارِبٌ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْ: بَادَرُوهَا . وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا تَغْلِبُوا عَلَى قِبْلَتِكُمْ ، أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: هَذَا فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ . فَأَمَّا إِعَادَةُ قَوْلِهِ:
    وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ تَكْرِيرُ تَأْكِيدٍ ، لِيَحْسِمَ طَمَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي رُجُوعِ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا إِلَى قِبْلَتِهِمْ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ فِي النَّاسِ قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ ، . وَالثَّانِي: مُشْرِكُوا الْعَرَبِ ، رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ; قَالَ: احْتِجَاجُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلنَّبِيِّ: مَا لَكَ تَرَكْتَ قِبْلَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟! إِنْ كَانَتْ ضَلَالَةً; فَقَدْ دِنْتَ بِهَا اللَّهَ ، وَإِنْ كَانَتْ هُدًى; فَقَدْ نَقَلْتَ عَنْهَا . وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالُوا اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ وَدِينِ قَوْمِهِ . وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي; قَالَ: احْتِجَاجُ الْمُشْرِكِينَ [ ص: 160 ] أَنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِكُمْ ، وَيُوشِكُ أَنْ يَعُودَ إِلَى دِينِكُمْ .

    وَتَسْمِيَةُ بَاطِلِهِمْ حُجَّةٌ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ عَنِ الْمُحْتَجِّ بِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ الشُّورَى: 16 ] . وَقَوْلُهُ: فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [ غَافِرِ: 83 ] .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ بِاحْتِجَاجِهِ فِيمَا قَدْ وُضَحَ لَهُ ، كَمَا تَقُولُ: مَا لَكَ عَلِيَّ حُجَّةٌ إِلَّا الظُّلْمُ ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَظْلِمَنِي . أَيْ: مَا لَكَ عَلِيَّ الْبَتَّةَ ، وَلَكِنَّكَ تَظْلِمُنِي . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (فَلا تَخْشَوْهُمْ) فِي انْصِرَافِكُمْ إِلَى الْكَعْبَةِ (وَاخْشَوْنِي) فِي تَرْكِهَا .
    كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمُ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: "كَمَا" لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ جَوَابًا لِمَا قَبْلَهَا ، وَالْأَجْوَدُ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً بِقَوْلِهِ: (فَاذْكُرُونِي) وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ عَلَيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، مُقَاتِلٍ . وَالْآَيَةُ خِطَابٌ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ . وَفِي قَوْلِهِ: (وَيُزَكِّيهِمْ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ، قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ . وَالْكِتَابُ: الْقُرْآَنُ . وَالْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ .
    فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاذْكُرُونِي) .

    قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ: اذْكُرُونِي بِطَاعَتِي أَذْكُرْكُمْ بِمَغْفِرَتِي . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ: كَمَا أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ بِالرِّسَالَةِ ، فَاذْكُرُونِي بِتَوْحِيدِي وَتَصْدِيقِ نَبِيِّي . قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ جَوَابُ: (كَمَا أَرْسَلْنَا): (فَاذْكُرُونِي)؟ فَإِنَّ قَوْلَهُ: (فَاذْكُرُونِي) أَمْرٌ . وَقَوْلُهُ: (أَذْكُرْكُمْ) جَزَاؤُهُ; فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَعْنَى: إِنْ تَذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاشْكُرُوا لِي الشُّكْرُ: الِاعْتِرَافُ بِحَقِّ الْمُنْعِمِ ، مَعَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ .
    [ ص: 161 ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ .

    سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: سَيَرْجِعُ مُحَمَّدٌ إِلَى دِينِنَا ، كَمَا رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اسْتَعِينُوا عَلَى طَلَبِ الْآَخِرَةِ بِالصَّبْرِ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ ، بِالصَّلَاةِ ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي الصَّبْرِ ، وَبَيَانِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَبِالصَّلَاةِ .
    وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ) .

    سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِقَتْلَى بَدْرٍ وَأُحُدٍ: مَاتَ فُلَانٌ بِبَدْرٍ ، مَاتَ فُلَانٌ بِأُحُدٍ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَرَفَعَ الْأَمْوَاتَ بِإِضْمَارِ مُكَنَّى مِنْ أَسْمَائِهِمْ ، أَيْ: لَا تَقُولُوا: هُمْ أَمْوَاتٌ ، ذَكَرَ نَحْوَهُ الْفَرَّاءُ . فَإِنْ قِيلَ: فَنَحْنُ نَرَاهُمْ مَوْتَى ، فَمَا وَجْهُ النَّهْيِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا تَقُولُوا: هُمْ أَمْوَاتٌ لَا تَصِلُ أَرْوَاحَهُمْ إِلَى الْجَنَّاتِ ، وَلَا تَنَالُ مِنْ تُحَفِ اللَّهِ مَا لَا يَنَالُهُ الْأَحْيَاءُ بَلْ هُمْ أَحْيَاءٌ ، أَرْوَاحُهُمْ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ ، فَهُمْ أَحْيَاءٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، وَإِنْ كَانُوا أَمْوَاتًا مِنْ جِهَةِ خُرُوجِ الْأَرْوَاحِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ مُنَعَّمِينَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟ فَلِمَ خَصَصْتُمُ الشُّهَدَاءَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الشُّهَدَاءَ فُضِّلُوا عَلَى غَيْرِهِمْ بِأَنَّهُمْ مُرْزَقُونَ مِنْ مَطَاعِمِ الْجَنَّةِ وَمَآَكِلِهَا ، وَغَيْرُهُمْ مُنَعَّمٌ بِمَا دُونَ ذَلِكَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ .
    وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [ ص: 162 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ .

    قَالَ الْفَرَّاءُ: "مَنْ" تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا شَيْئًا مُضْمَرًا ، فَتَقْدِيرُهُ: بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ، وَشَيْءٍ مِنَ الْجُوعِ ، وَشَيْءٍ مِنْ نَقْصِ الْأَمْوَالِ .

    وَفِيمَنْ أُرِيدَ فِي هَذِهِ الْآَيَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ خَاصَّةً ، قَالَهُ عَطَاءٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا يَكُونُ فِي آَخِرِ الزَّمَانِ . قَالَ كَعْبٌ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ إِلَّا ثَمَرَةً . وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْآَيَةَ عَلَى عُمُومِهَا .

    فَأَمَّا الْخَوْفُ; فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ الْفَزَعُ فِي الْقِتَالِ . وَالْجُوعُ: الْمَجَاعَةُ الَّتِي أَصَابَتْ أَهْلَ مَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ . وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ: ذَهَابُ أَمْوَالِهِمْ ، وَالْأَنْفُسِ بِالْمَوْتِ وَالْقَتْلِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ، وَالثَّمَرَاتُ لَمْ تُخْرُجْ كَمَا كَانَتْ تَخْرُجُ . وَحَكَى أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْخَوْفَ فِي الْجِهَادِ ، وَالْجُوعِ فِي فَرْضِ الصَّوْمِ ، وَنَقْصِ الْأَمْوَالِ: مَا فُرِضَ فِيهَا مِنَ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَالْأَنْفُسِ: مَا يُسْتَشْهَدُ مِنْهَا فِي الْقِتَالِ ، وَالثَّمَرَاتُ: مَا فُرِضَ فِيهَا مِنَ الصَّدَقَاتِ . (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) عَلَى هَذِهِ الْبَلَاوِي بِالْجَنَّةِ .

    وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَهُمْ بِمَا سَيُصِيبُهُمْ ، لِيُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَبْعَدَ بِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ . (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ) يُرِيدُونَ: نَحْنُ عَبِيدُهُ يَفْعَلُ بِنَا مَا يَشَاءُ (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) يُرِيدُونَ: نَحْنُ مُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِنَا ، وَالثَّوَابِ عَلَى صَبْرِنَا . قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَقَدْ أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُمْ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَلَوْ أُعْطِيهَا الْأَنْبِيَاءُ لَأُعْطِيهَا يَعْقُوبُ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) قَالَ الْفَرَّاءُ: وَلِلْعَرَبِ فِي الْمُصِيبَةِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: مُصِيبَةٌ ، وَمُصَابَةٌ ، وَمُصْوِبَةٌ ، زَعَمَ الْكِسَائِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: جَبَرَ اللَّهُ مُصْوِبَتَكَ .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (30)

    صــ163 إلى صــ 168

    أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ

    قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : الصَّلَوَاتُ مِنَ اللَّهِ: الْمَغْفِرَةُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ بِالْاسْتِرْجَا عِ .

    قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَعْمَ الْعَدْلَانِ ، وَنَعْمَتِ الْعِلَاوَةُ: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ .
    إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهِ شَاكِرٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنَ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ

    فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

    أَحَدُهَا: أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - وَمَنَاةَ: صَنَمٌ كَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ ، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِهِمَا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ .

    وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الصَّفَا تَمَاثِيلٌ وَأَصْنَامٌ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ وَثَنٌ عَلَى [ ص: 164 ] الصَّفَا يُدْعَى: إِسَافَ ، وَوَثَنٌ عَلَى الْمَرْوَةَ يُدْعَى: نَائِلَةَ ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَ بَيْنَهُمَا وَيُمَسِّحُونَه ُمَا ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَفُّوا عَنِ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ .

    وَالثَّالِثُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا كُنَّا نَطُوفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ لَا نَطُوفُ بِهِمَا; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ: الصَّفَا فِي اللُّغَةِ: الْحِجَارَةُ الصَّلْبَةُ الصَّلْدَةُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا ، وَهُوَ جَمْعٌ ، وَاحِدُهُ صَفَاةً وَصَفًّا ، مِثْلُ: حَصَاةً وَحَصًى . وَالْمَرْوَةُ: الْحِجَارَةُ اللَّيِّنَةُ ، وَهَذَانَ الْمَوْضِعَانِ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ، أَيْ: مِنْ أَعْلَامِ مُتَعَبَّدَاتِه ِ . وَوَاحِدُ الشَّعَائِرِ: شَعِيرَةٌ . وَالشَّعَائِرُ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ مَوْقِفٍ أَوْ سَعْيٍ أَوْ ذَبْحٍ . وَالشَّعَائِرُ: مَنْ شَعَرَتْ بِالشَّيْءِ: إِذَا عَلِمَتْ بِهِ ، فَسُمِّيَتِ الْأَعْلَامُ الَّتِي هِيَ مُتَعَبَّدَاتِ اللَّهِ: شَعَائِرُ اللَّهِ . وَالْحَجُّ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ قَاصِدٍ شَيْئًا فَقَدِ اعْتَمَرَهُ . وَالْجَنَاحُ: الْإِثْمُ ، أُخِذَ مِنْ جَنَحَ: إِذَا مَالَ وَعَدَلَ ، وَأَصْلُهُ مِنْ جَنَاحِ الطَّائِرِ ، وَإِنَّمَا اجْتَنَبَ الْمُسْلِمُونَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ، لِمَكَانِ الْأَوْثَانِ ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّ نَصْبَ الْأَوْثَانِ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُوجِبُ اجْتِنَابَهُمَا ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَا جَنَاحَ فِي التَّطَوُّفِ بِهِمَا ، وَأَنَّ مَنْ تَطَوَّعَ بِذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ . وَالشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ: الْمُجَازَاةُ وَالثَّنَاءُ الْجَمِيلُ ، وَالْجُمْهُورُ قَرَؤُوا (وَمَنْ تَطَوَّعَ) بِالتَّاءِ وَنَصْبِ الْعَيْنِ . مِنْهُمُ: ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَافِعٌ ، وَعَاصِمٌ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ . وَقَرَأَ حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ "يَطَوَّعْ" بِالْيَاءِ وَجَزْمِ الْعَيْنِ . وَكَذَلِكَ خِلَافُهُمْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا بِآَيَاتٍ .

    فَصْلٌ

    اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ إِمَامِنَا أَحْمَدَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، فَنَقَلَ الْأَثْرَمُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ لَمْ يُجِزْهُ حَجُّهُ . وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَهُ . وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ .

    [ ص: 165 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى قَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ ، كَتَمُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ، فَالْبَيِّنَاتُ : الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالْحُدُودُ وَالْفَرَائِضُ . وَالْهُدَى: نَعْتُ النَّبِيِّ وَصِفَتُهُ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ قَالَ مُقَاتِلٌ: لِبَنِي إِسْرَائِيلَ . وَفِي الْكِتَابِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ التَّوْرَاةُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . (أُولَئِكَ) إِشَارَةٌ إِلَى الْكَلِمَتَيْنِ (يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَصْلُ اللَّعْنِ فِي اللُّغَةِ: الطَّرْدُ ، وَلَعَنَ اللَّهُ إِبْلِيسَ ، أَيْ: طَرَدَهُ ، ثُمَّ انْتَقَلَ ذَلِكَ فَصَارَ قَوْلًا . قَالَ الشَّمَّاخُ وَذَكَرَ مَاءً:


    ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ


    أَيِ: الطَّرِيدُ . وَفِي اللَّاعِنِينَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ: دَوَابُّ الْأَرْضِ ، رَوَاهُ الْبَرَاءُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ . قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُونَ: إِنَّمَا مُنِعْنَا الْقَطْرَ بِذُنُوبِكُمْ ، فَيَلْعَنُونَهُ مْ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُون َ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَكُلُّ دَابَّةٍ قَالَهُ عَطَاءٌ .

    فَصْلٌ

    وَهَذِهِ الْآَيَةُ تُوجِبُ إِظْهَارَ عُلُومِ الدِّينِ ، مَنْصُوصَةٌ كَانَتْ أَوْ مُسْتَنْبَطَةٌ ، وَتَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ ، إِذْ غَيْرُ جَائِزٍ اسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ عَلَى مَا يَجِبُ فِعْلُهُ ، وَقَدْ رَوَى الْأَعْرَجُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، [ ص: 166 ] وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ ، وَايْمُ اللَّهِ: لَوْلَا آَيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ أَحَدًا بِشَيْءٍ أَبَدًا ، ثُمَّ تَلَا إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا إِلَى آَخِرِهَا .
    إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلا الَّذِينَ تَابُوا .

    قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الْيَهُودِ وَأَصْلَحُوا أَعْمَالَهُمْ ، وَبَيَّنُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِمْ .

    فَصْلٌ

    وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْآَيَةَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ بِالْاسْتِثْنَا ءِ فِي هَذِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا شَمِلَهُ اللَّفْظُ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّخْصِيصُ دُونَ النَّسْخِ ، وَمِمَّا يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِالْآَخَرِ ، وَهَاهُنَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِالْمُسْتَثْنَ ى وَالْمُسْتَثْنَ ى مِنْهُ .
    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ .

    إِنَّمَا شَرَطَ الْمَوْتَ عَلَى الْكُفْرِ ، لِأَنَّ حُكْمَهُ يَسْتَقِرُّ بِالْمَوْتِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وَأَهْلُ دِينِهِ لَا يَلْعَنُونَهُ ، فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ يَلْعَنُونَهُ فِي الْآَخِرَةِ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [ ص: 167 ] [ الْعَنْكَبُوتِ: 25 ] . وَقَالَ: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [ الْأَعْرَافِ: 38 ] . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هَاهُنَا الْمُؤْمِنُونَ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَمِقَاتِلٌ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّعْنَةَ مِنَ الْأَكْثَرِ يُطْلَقُ عَلَيْهَا: لَعْنَةُ جَمِيعِ النَّاسِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْأَكْثَرِ عَلَى الْأَقَلِّ .
    خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: خَالِدِينَ فِيهَا فِي هَاءِ الْكِنَايَةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى اللَّعْنَةِ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى النَّارِ ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ فَقَدْ عُلِمَتْ .
    وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهٌ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ .

    قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ صِفْ لَنَا رَبَّكَ وَانْسِبْهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ . وَالْإِلَهُ بِمَعْنَى: الْمَعْبُودِ .
    إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنَ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنَ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .

    فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ: اجْعَلْ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا إِنْ كُنْتُ صَادِقًا; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، حَكَاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا انْسِبْ لَنَا رَبَّكَ وَصِفْهُ; فَنَزَلَتْ: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ قَالُوا: فَأَرِنَا آَيَةَ ذَلِكَ; فَنَزَلَتْ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ: (يَعْقِلُونَ) رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: كَيْفَ يَسَعُ النَّاسَ إِلَهٌ وَاحِدٌ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ عَطَاءٌ .

    [ ص: 168 ] فَأَمَّا (السَّمَاوَاتُ); فَتَدُلُّ عَلَى صَانِعِهَا ، إِذْ هِيَ قَائِمَةٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ، وَفِيهَا مِنَ الْآَيَاتِ الظَّاهِرَةِ ، مَا يَدُلُّ يَسِيرُهُ عَلَى مُبْدِعِهِ ، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ فِي ظُهُورِ ثِمَارِهَا ، وَتَمْهِيدِ سُهُولِهَا ، وَإِرْسَاءِ جِبَالِهَا ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، وَزَائِلٌ بَعْدَ أَنْ كَانَ (وَالْفُلْكِ): السُّفُنُ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ . وَقَالَ الْيَزِيدِيُّ: وَاحِدُهُ فَلْكَةٌ ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْفُلْكُ: السُّفُنُ ، وَيَكُونُ وَاحِدًا ، وَيَكُونُ جَمْعًا ، لِأَنَّ فَعَلَ ، وَفُعُلَ جَمْعُهُمَا وَاحِدٌ ، وَيَأْتِيَانِ كَثِيرًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ . يُقَالُ: الْعَجَمُ وَالْعُجُمُ: وَالْعُرُبُ وَالْعَرَبُ ، وَالْفُلْكُ وَالْفَلَكُ . وَالْفُلْكُ: يُقَالُ: لِكُلِّ شَيْءٍ مُسْتَدِيرٌ ، أَوْ فِيهِ اسْتِدَارَةٌ . وَ (الْبَحْرِ): الْمَاءُ الْعُزَيْرُ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ مِنَ الْمَعَايِشِ . وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنَ مَاءٍ يَعْنِي: الْمَطَرَ ، وَالْمَطَرُ يَنْزِلُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَأَجْزَاءُ الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَالْأَنْوَاعُ تَخْتَلِفُ فِي النَّبَاتِ وَالطُّعُومِ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ الْمُخْتَلِفَات ِ ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مِنْ فِعْلِ الطَّبِيعَةِ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَتَّفِقَ مُوجِبُهَا ، إِذِ الْمُتَّفِقُ لَا يُوجِبُ الْمُخْتَلِفَ ، وَقَدْ أَشَارَ سُبْحَانَهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ [ الرَّعْدِ: 4 ] .

    قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبَثَّ) أَيْ: فَرَّقَ .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (31)

    صــ169 إلى صــ 174

    قوله تعالى: وتصريف الرياح قرأ ابن كثير (الرياح) على الجمع في خمسة مواضع: هاهنا . وفي [ الحجر: 22 ] وأرسلنا الرياح لواقح وفي [ الكهف: 46 ] تذروه الرياح وفي [ الروم: 46 ] الحرف الأول (الرياح) . وفي [ الجاثية: 4 ] وتصريف الرياح ، وقرأ باقي القرآن (الريح) . وقرأ أبو جعفر (الرياح) في خمسة عشر موضعا في البقرة ، وفي [ الأعراف: 56 ] يرسل الرياح ، وفي [ إبراهيم: 18 ] اشتدت به الرياح ، وفي [ الحجر: 22 ] الرياح لواقح ، وفي [ سبحان: 19 ] ، وفي [ الكهف: 45 ] تذروه الرياح وفي [ الأنبياء: 81 ] . [ ص: 169 ] وفي [ الفرقان: 48 ] أرسل الرياح ، وفي النمل . والثاني: من [ الروم: 48 ] ، وفي [ سبإ: 12 ] ، وفي [ ص: 36 ] ، وفي [ عسق: 33 ] يسكن الرياح وفي [ الجاثية: 5 ] وتصريف الرياح تابعه نافع إلا في سبحان ، ورياح سليمان [ الأنبياء: 81 ] وتابع نافعا أبو عمرو إلا في حرفين: (الريح) في إبراهيم ، وعسق ، ووافق أبا عمرو ، وعاصما ، وابن عامر . وقرأ حمزة (الرياح) جمعا في موضعين: في الفرقان ، والحرف الأول من الروم ، وباقيهن على التوحيد . وقرأ الكسائي مثل حمزة ، إلا إنه زاد عليه في [ الحجر: 22 ] الرياح لواقح ولم يختلفوا فيما ليس فيه ألف ولام ، فمن جمع; فكل ريح تساوي أختها في الدلالة على التوحيد والنفع ، ومن وحد; أراد الجنس .

    ومعنى تصريف الرياح: تقلبها شمالا مرة ، وجنوبا مرة ، ودبورا أخرى ، وصبا أخرى ، وعذابا ورحمة والسحاب المسخر : المذلل . والآية فيه من أربعة أوجه ، ابتداء كونه ، وانتهاء تلاشيه ، وقيامه بلا دعامة ولا علاقة ، وإرساله إلى حيث شاء الله تعالى . لآيات . الآية: العلامة . أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال: أخبرنا عاصم قال: أخبرنا ابن بشران قال: أخبرنا ابن صفوان قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: حدثني هارون قال: حدثني عفان عن مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول: كانوا يقولون ، يعني: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الرفيق ، الذي لو جعل هذا الخلق خلقا دائما لا يتصرف ، لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق رب لحادثه ، وإن الله تعالى قد حادث بما ترون من الآيات ، أنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين ، وجعل فيها معاشا ، وسراجا وهاجا ، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق ، وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين ، وجعل فيه سكنا ونجوما ، وقمرا منيرا ، وإذا شاء بنى بناء ، جعل فيه المطر ، والبرق ، والرعد ، والصواعق ، ما شاء ، وإذا شاء صرف ذلك ، وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس ، وإذا شاء ذهب بذلك ، وجاء بحر يأخذ [ ص: 170 ] أنفاس الناس ، ليعلم الناس أن لهذا الخلق ربا يحادثه بما ترون من الآيات ، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة .
    ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب .

    قوله تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا .

    وفي الأنداد قولان قد تقدما في أول السورة . وفي قوله: (يحبونهم كحب الله) قولان .

    أحدهما: أن معناه: يحبونهم كحب الذين آمنوا لله ، هذا قول ابن عباس ، وعكرمة ، وأبي العالية ، وابن زيد ، ومقاتل ، والفراء .

    والثاني: يحبونهم كمحبتهم لله ، أي: يسوون بين الأوثان وبين الله تعالى في المحبة .

    هذا اختيار الزجاج ، قال: والقول الأول ليس بشيء ، والدليل على نقضه قوله: (والذين آمنوا أشد حبا لله) قال المفسرون: أشد حبا لله من أهل الأوثان لأوثانهم .

    قوله تعالى: (ولو يرى الذين ظلموا) قرأ أبو عمرو ، وابن كثير ، وعاصم ، وحمزة والكسائي: (يرى) بالياء ، ومعناه: لو يرون عذاب الآخرة; لعلموا أن القوة لله جميعا . وقرأ نافع ، وابن عامر ، ويعقوب: (ولو ترى) بالتاء ، على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد به جميع الناس . وجوابه محذوف ، تقديره: لرأيتم أمرا عظيما ، كما تقول: لو رأيت فلانا والسياط تأخذه . وإنما حذف الجواب ، لأن المعنى واضح بدونه . قال أبو علي: وإنما قال: "إذ" ولم يقل: "إذا" وإن كانت "إذ" لما مضى ، لإرادة تقريب الأمر ، فأتى بمثال الماضي ، وإنما حذف جواب "لو" لأنه أفخم ، لذهاب المتوعد إلى كل ضرب من الوعيد . وقرأ أبو جعفر ، (إن القوة لله) و: (إن الله) بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف ، كأنه يقول: [ ص: 171 ] فلا يحزنك ما ترى من محبتهم أصنامهم (إن القوة لله جميعا) قال ابن عباس: القوة: القدرة ، والمنعة .
    إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار .

    قوله تعالى: (من الذين اتبعوا) فيهم قولان . أحدهما: أنهم القادة والرؤساء ، قاله ابن عباس ، وأبو العالية ، وقتادة ، ومقاتل ، والزجاج . والثاني: أنهم الشياطين ، قاله السدي .

    قوله تعالى: (ورأوا العذاب) يشمل الكل . (وتقطعت بهم الأسباب) أي: عنهم ، مثل قوله: فاسأل به خبيرا [ الفرقان: 59 ] . وفي الأسباب أربعة أقوال . أحدها: أنها المودات ، وإلى نحوه ذهب ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة . والثاني: أنها الأعمال ، رواه السدي عن ابن مسعود ، وابن عباس وهو قول أبي صالح وابن زيد . والثالث: أنها الأرحام . رواه ابن جريج عن ابن عباس . والرابع: أنها تشمل جميع ذلك . قال ابن قتيبة: هي الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا ، فأما تسميتها بالأسباب ، فالسبب في اللغة: الحبل ، ثم قيل لكل ما يتوصل به إلى المقصود: سبب . والكرة: الرجعة إلى الدنيا ، قاله ابن عباس ، وقتادة في آخرين (فنتبرأ منهم) يريدون: من القادة (كما تبرءوا منا) في الآخرة . كذلك يريهم الله أعمالهم قال الزجاج: أي: كتبرؤ بعضهم من بعض ، يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم لأن أعمال الكافر لا تنفعه ، وقال ابن الأنباري: يريهم الله أعمالهم القبيحة حسرات عليهم إذا رأوا أحسن المجازاة للمؤمنين بأعمالهم ، قال: ويجوز أن يكون: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم الصالحة وجزاءها ، فحذف ! الجزاء [ ص: 172 ] وأقام الأعمال مقامه . قاله ابن فارس: والحسرة: التلهف على الشيء الفائت . وقال غيره: الحسرة: أشد الندامة .
    يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين .

    قوله تعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا نزلت في ثقيف ، وخزاعة ، وبني عامر بن صعصعة ، فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام ، وحرموا البحيرة ، والسائبة ، والحام ، قاله ابن السائب .

    قوله تعالى: ولا تتبعوا خطوات الشيطان قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، والكسائي ، وحفص عن عاصم (خطوات) مثقلة . وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، وحمزة (خطوات) ساكنة الطاء خفيفة . وقرأ الحسن ، وأبو الجوزاء (خطوات) بفتح الخاء وسكون الطاء من غير همز . وقرأ أبو عمران الجوني بضم الخاء والطاء مع الهمز . قال ابن قتيبة: خطواته: سبيله ومسلكه ، وهي جمع خطوة ، والخطوة بضم الخاء: ما بين القدمين ، وبفتحها: الفعلة الواحدة . واتباعهم خطواته: أنهم كانوا يحرمون أشياء قد أحلها الله ، ويحلون أشياء قد حرمها الله .

    قوله تعالى: إنه لكم عدو مبين أي: بين . وقيل: أبان عداوته بما جرى له مع آدم .
    إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون .

    قوله تعالى: إنما يأمركم بالسوء السوء: كل إثم وقبح . قال ابن عباس: وإنما سمي سوءا ، لأنه تسوء عواقبه ، وقيل: لأنه يسوء إظهاره (والفحشاء) من: فحش الشيء: إذا جاز قدره . وفي المراد بها هاهنا خمسة أقوال . أحدها: أنها كل معصية لها حد في الدنيا .

    [ ص: 173 ] . والثاني: أنها ما لا يعرف في شريعة ولا سنة . والثالث: أنها البخل ، وهذه الأقوال الثلاثة منقولة عن ابن عباس . والرابع: أنها الزنى ، قاله السدي . والخامس: المعاصي ، قاله مقاتل .

    قوله تعالى: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون أي: أنه حرم عليكم ما لم يحرم .
    وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون .

    قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله .

    اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال . أحدها: أنها في الذين قيل لهم: (كلوا مما في الأرض حلالا طيبا) فعلى هذا تكون الهاء والميم عائدة عليهم ، وهذا قول مقاتل . والثاني: أنها نزلت في اليهود ، وهي قصة مستأنفة ، فتكون الهاء والميم كناية عن غير مذكور ، ذكره ابن إسحاق عن ابن عباس . والثالث: في مشركي العرب وكفار قريش ، فتكون الهاء والميم عائدة إلى قوله: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا فعلى القول الأول; يكون المراد بالذي أنزل الله: تحليل الحلال ، وتحريم الحرام . وعلى الثاني يكون: الإسلام . وعلى الثالث: التوحيد والإسلام . و(ألفينا) بمعنى: وجدنا .

    قوله تعالى: أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من الدين ، ولا يهتدون له ، أيتبعونهم أيضا في خطئهم وافترائهم؟! .
    ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون .

    قوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق

    [ ص: 174 ] في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال .

    أحدها: أن معناها: ومثل الذين كفروا كمثل البهائم التي ينعق بها الراعي ، وهذا قول الفراء ، وثعلب ، قالا جميعا: أضاف المثل إلى الذين كفروا ، ثم شبههم بالراعي ، ولم يقل :كالغنم ، والمعنى: ومثل الذين كفروا كمثل البهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت ، فلو قال لها الراعي: ارعي ، أو اشربي; لم تدر ما يقول لها ، فكذلك الذين كفروا فيما يأتيهم من القرآن ، وإنذار الرسول ، فأضيف التشبيه إلى الراعي ، والمعنى في المرعي ، وهو ظاهر في كلام العرب ، يقولون: فلان يخافك كخوف الأسد ، والمعنى: كخوفه الأسد [لأن الأسد هو المعروف بأنه المخوف ] قال الشاعر:


    كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم


    والمعنى: كما كان الرجم فريضة الزنى .

    والثاني: أن معناها: ومثل الذين كفروا ، ومثلنا في وعظهم ، كمثل الناعق والمنعوق به ، فحذف: ومثلنا ، اختصارا ، إذ كان في الكلام ما يدل عليه ، وهذا قول ابن قتيبة ، والزجاج .

    والثالث: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي يعبدون ، كمثل الذي ينعق ، هذا قول ابن زيد ، والذي ينعق هو الراعي ، يقال: نعق بالغنم ، ينعق نعقا ونعيقا ونعاقا ونعقانا . قال ابن الأنباري: والفاشي في كلام العرب أنه لا يقال: نعق ، إلا في الصياح بالغنم وحدها ، فالغنم تسمع الصوت ولا تعقل المعنى . (صم بكم) إنما وصفهم بالصم والبكم ، لأنهم في تركهم قبول ما يسمعون يمنزلة من لا يسمع ، وكذلك في النطق والنظر ، وقد سبق شرح هذا المعنى .
    إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (32)

    صــ175 إلى صــ 180

    قوله تعالى: إنما حرم عليكم الميتة .

    قرأ أبو جعفر "الميتة" هاهنا ، وفي المائدة ، والنحل: و (بلدة ميتا) [ ق: 11 ] . بالتشديد ، حيث وقع . والميتة في عرف الشرع: اسم لكل حيوان خرجت روحه بغير ذكاة . وقيل إن الحكمة في تحريم الميتة أن جمود الدم فيها بالموت يحدث ، أذى للآكل ، وقد يسمى المذبوح في بعض الأحوال: ميتة حكما ، لأن حكمه حكم الميتة ، كذبيحة المرتد . فأما الدم; فالمحرم منه: المسفوح ، لقوله تعالى: أو دما مسفوحا [ الأنعام: 145 ] . قال القاضي أبو يعلى: فأما الدم الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح ، وما يبقى في العروق; فهو مباح .

    فأما لحم الخنزير; فالمراد: جملته ، وإنما خص اللحم ، لأنه معظم المقصود . قال الزجاج: الخنزير يشتمل على الذكر والأنثى . ومعنى وما أهل به لغير الله [ البقرة: 173 ] . ما رفع فيه الصوت بتسمية غير الله ، ومثله الإهلال بالحج ، إنما هو رفع الصوت بالتلبية .

    قوله تعالى: (فمن اضطر) أي: ألجئ بضرورة . وقرأ أبو جعفر : (فمن اضطر) بكسر الطاء حيث كان . وأدغم ابن محيصن الضاد في الطاء .

    قوله تعالى: (غير باغ) قال الزجاج: البغي: قصد الفساد ، يقال: بغى الجرح: إذا ترامى إلى الفساد . وفي قوله: (غير باغ ولا عاد) أربعة أقوال . أحدها: أن معناه غير باغ على الولاة ، ولا عاد يقطع السبيل ، هذا قول سعيد بن جبير ، ومجاهد . والثاني: غير باغ في أكله فوق حاجته ، ولا متعد بأكلها وهو يجد غيرها ، هذا قول الحسن ، وعكرمة ، وقتادة ، والربيع . والثالث: غير باغ ، أي: مستحل ، ولا عاد: غير مضطر ، روي عن سعيد بن جبير ، ومقاتل . والرابع: غير باغ شهوته بذلك ، ولا عاد بالشبع منه ، قاله السدي .

    فصل

    معنى الضرورة في إباحة الميتة: أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه . سئل أحمد ، [ ص: 176 ] رضي الله عنه ، عن المضطر إذا لم يأكل الميتة ، فذكر عن مسروق أنه قال: من اضطر فلم يأكل فمات دخل النار . فأما مقدار ما يأكل; فنقل حنبل: يأكل مقدار ما يقيمه عن الموت . ونقل ابن منصور: يأكل بقدر ما يستغني . فظاهر الأولى: أنه لا يجوز له الشبع ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، وظاهر الثانية: جواز الشبع ، وهو قول مالك .
    إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم .

    قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب .

    قال ابن عباس: نزلت في اليهود ، كتموا اسم النبي صلى الله عليه وسلم ، وغيروه في كتابهم . والثمن القليل: ما يصيبونه من اتباعهم من الدنيا . أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار قال الزجاج: معناه: إن الذين يأكلونه يعذبون به ، فكأنهم يأكلون النار . (ولا يكلمهم) هذا دليل على أن الله لا يكلم الكفار ولا يحاسبهم .

    قوله تعالى: (ولا يزكيهم) [فيه ] ثلاثة أقوال . أحدها: لا يزكي أعمالهم ، قاله مقاتل . والثاني: لا يثني عليهم ، قاله الزجاج . والثالث: لا يطهرهم من دنس كفرهم وذنوبهم ، قاله ابن جرير .
    أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار .

    قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الضلالة أي: اختاروها على الهدى .

    قوله تعالى: فما أصبرهم على النار فيه أربعة أقوال . أحدها: أن معناه: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار! قاله عكرمة ، والربيع . والثاني: ما أجرأهم على النار; قاله الحسن ، ومجاهد . وذكر الكسائي أن أعرابيا حلف له رجل كاذبا ، فقال الأعرابي: ما أصبرك على الله ، يريد: ما أجرأك . والثالث: ما أبقاهم في النار ، كما تقول: ما أصبر فلانا على الحبس ، [ ص: 177 ] أي: ما أبقاه فيه ، ذكره الزجاج . والرابع: أن المعنى: فأي شيء صبرهم على النار؟! قاله ابن الأنباري . وفي "ما" قولان . أحدهما: أنها للاستفهام ، تقديرها: ما الذي أصبرهم؟ قاله عطاء ، والسدي ، وابن زيد ، وأبو بكر بن عياش . والثاني: أنها للتعجب ، كقولك: ما أحسن زيدا ، وما أعلم عمرا . وقال ابن الأنباري: معنى الآية التعجب ، والله يعجب المخلوقين ، ولا يعجب هو كعجبهم .
    ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد قوله تعالى: ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق الإشارة بذلك إلى ما تقدم من الوعيد بالعذاب ، فتقديره: ذلك العذاب بأن الله نزل الكتاب بالحق ، فكفروا به واختلفوا فيه . وفي "الكتاب" قولان . أحدهما: أنه التوراة . والثاني: القرآن . وفي "الحق" قولان . أحدهما: أنه العدل ، قاله ابن عباس . والثاني: أنه ضد الباطل ، قاله مقاتل .

    قوله تعالى: وإن الذين اختلفوا في الكتاب فيه قولان .

    أحدهما: أنه التوراة . ثم في اختلافهم فيها ثلاثة أقوال . أحدها: أن اليهود والنصارى اختلفوا فيها ، فادعى النصارى فيها صفة عيسى ، وأنكر اليهود ذلك . والثاني: أنهم خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم . والثالث: أنهم خالفوا سلفهم في التمسك بها .

    والثاني: أنه القرآن ، فمنهم من قال: شعر ، ومنهم من قال: إنما يعلمه بشر .

    والشقاق: معاداة بعضهم لبعض . وفي معنى "بعيد" قولان . أحدهما: أن بعضهم متباعد في مشاقة بعض ، قاله الزجاج . والثاني: أنه بعيد من الهدى .
    ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم [ ص: 178 ] إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون .

    قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم .

    قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا سأل عن "البر" فأنزلت هذه الآية ، فدعاه رسول الله ، فتلاها عليه . وفيمن خوطب بها قولان . أحدهما: أنهم المسلمون . والثاني: أهل الكتابين . فعلى القول الأول; معناها: ليس البر كله في الصلاة ، ولكن البر ما في هذه الآية . وهذا المعنى مروي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء ، والضحاك ، وسفيان . وعلى القول الثاني; معناها: ليس البر صلاة اليهود إلى المغرب ، وصلاة النصارى إلى المشرق ، ولكن البر ما في هذه الآية ، وهذا قول قتادة ، والربيع ، وعوف الأعرابي ، ومقاتل .

    وقرأ حمزة ، وحفص عن عاصم: (ليس البر) بنصب الراء . وقرأ الباقون برفعها ، قال أبو علي: كلاهما حسن ، لأن كل واحد من الاسمين; اسم "ليس" وخبرها ، معرفة ، فإذا اجتمعا في التعريف تكافآ في كون أحدهما اسما ، والآخر خبرا ، كما تتكافأ النكرتان .

    وفي المراد بالبر ثلاثة أقوال . أحدها: الإيمان . والثاني: التقوى . والثالث: العمل الذي يقرب إلى الله .

    قوله تعالى: ولكن البر من آمن بالله فيه قولان . أحدهما: أن معناه: ولكن البر بر من آمن بالله . والثاني: ولكن ذا البر من آمن بالله ، حكاهما الزجاج . وقرأ نافع ، وابن عامر: (ولكن البر) بتخفيف نون (لكن) ورفع (البر) وإنما ذكر اليوم الآخر ، لأن عبدة الأوثان لا يؤمنون بالبعث . وفي المراد بالكتاب هاهنا قولان . أحدهما: أنه القرآن . والثاني: أنه بمعنى الكتب ، فيدخل في هذا اليهود ، لتكذيبهم بعض النبيين وردهم القرآن .

    قوله تعالى: وآتى المال على حبه في هاء "حبه" قولان . أحدهما: أنها ترجع إلى المال . والثاني: إلى الإيتاء . وكان الحسن إذا قرأها قال: سوى الزكاة المفروضة .

    [ ص: 179 ] قوله تعالى: (ذوي القربى) يريد: قرابة المعطي . وقد شرحنا معنى: (اليتامى والمساكين) عند رأس ثلاث وثمانين آية من هذه السورة . فأما (ابن السبيل) ففيه ثلاثة أقوال . أحدها: أنه الضيف ، قاله سعيد بن جبير ، والضحاك ، ومقاتل ، والفراء ، وابن قتيبة ، والزجاج . والثاني: أنه الذي يمر بك مسافرا ، قاله الربيع بن أنس ، وعن مجاهد ، وقتادة كالقولين . وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: هو المنقطع به يريد بلدا آخر . وهذا اختيار ابن جرير الطبري ، وأبي سليمان الدمشقي ، والقاضي أبو يعلى ، ويحققه: أن السبيل الطريق ، وابنه: صاحبه الضارب فيه ، فله حق على من يمر به إذا كان محتاجا . ولعل أصحاب القول الأول أشاروا إلى هذا لأنه إن كان مسافرا ، فإنه ضيف لم ينزل . والقول الثالث: أنه الذي يريد سفرا ، ولا يجد نفقة ، ذكره الماوردي وغيره عن الشافعي .

    قوله تعالى: (وفي الرقاب) أي: في فك الرقاب . ثم فيه قولان . أحدهما: أنهم المكاتبون يعانون في كتابتهم بما يعتقون به ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وهو مروي عن علي بن أبي طالب ، والحسن ، وابن زيد ، والشافعي . والثاني: أنهم عبيد يشترون بهذا السهم ويعتقون ، رواه مجاهد عن ابن عباس ، وبه قال مالك بن أنس ، وأبو عبيد ، وأبو ثور . وعن أحمد كالقولين .

    فأما البأساء; فهي: الفقر . والضراء: المرض . وحين البأس: القتال ، قاله الضحاك . (أولئك الذين صدقوا) قال أبو العالية: تكلموا بالإيمان وحققوه بالعمل .
    يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم .

    قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص [ ص: 180 ] روى شيبان عن قتادة أن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان ، وكان الحي منهم إذا كان فيهم عدة ومنعة ، فقتل عبدهم عبد قوم آخرين; قالوا: لن نقتل به إلا حرا ، تعززا لفضلهم على غيرهم . وإذا قتلت امرأة منهم امرأة من آخرين; قالوا: لن نقتل بها إلا رجلا; فنزلت هذه الآية . ومعنى "كتب" فرض ، قاله ابن عباس وغيره . والقصاص: مقابلة الفعل بمثله ، مأخوذ من: قص الأثر . فإن قيل: كيف يكون فرضا والولي مخير بينه وبين العفو؟ فالجواب: أنه فرض على القاتل للولي ، لا على الولي .

    قوله تعالى: فمن عفي له من أخيه شيء أي: من دم أخيه ، أي: ترك له القتل ، ورضي منه بالدية: ودل قوله: (من أخيه) على أن القاتل لم يخرج عن الإسلام ، (فاتباع بالمعروف) أي: مطالبته بالمعروف ، بأمر آخذ الدية بالمطالبة الجميلة التي لا يرهقه فيها: (وأداء إليه بإحسان) يأمر المطالب بأن لا يبخس ولا يماطل ذلك تخفيف من ربكم قال سعيد بن جبير : كان حكم الله على أهل التوراة أن يقتل قاتل العمد ، ولا يعفى عنه ، ولا يؤخذ منه دية ، فرخص الله لأمة محمد ، فإن شاء ولي المقتول عمدا ، قتل وإن شاء عفا ، وإن شاء ، أخذ الدية .

    قوله تعالى: (فمن اعتدى) أي: ظلم ، فقتل قاتل صاحبه بعد أخذ الدية; (فله عذاب أليم) قال قتادة: يقتل ولا تقبل منه الدية .

    فصل

    ذهب جماعة من المفسرين إلى أن دليل خطاب هذه الآية منسوخ ، لأنه لما قال: (الحر بالحر) اقتضى أن لا يقتل العبد بالحر ، وكذلك لما قال: (والأنثى بالأنثى) اقتضى أن لا يقتل الذكر بالأنثى من جهة دليل الخطاب ، وذلك منسوخ بقوله تعالى: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس قال شيخنا علي بن عبد الله: وهذا عند الفقهاء ليس بنسخ ، لأن الفقهاء يقولون: دليل الخطاب حجة ما لم يعارضه دليل أقوى منه .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (33)

    صــ181 إلى صــ 186

    ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون .

    قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة .

    قال الزجاج: إذا علم الرجل أنه إن قتل قتل; أمسك عن القتل ، فكان في ذلك حياة للذي هم بقتله ولنفسه ، لأنه من أجل القصاص أمسك . وأخذ هذا المعنى الشاعر فقال:


    أبلغ أبا مالك عني مغلغلة وفي العتاب حياة بين أقوام


    يريد أنهم إذا تعاتبوا أصلح من بينهم العتاب . والألباب: العقول ، وإنما خصهم بهذا الخطاب وإن كان الخطاب عاما ، لأنهم المنتفعون بالخطاب ، لكونهم يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه .

    قوله تعالى: (لعلكم تتقون) قال ابن عباس: لعلكم تتقون الدماء . وقال ابن زيد: لعلك تتقي أن يقتله فتقتل به .

    فصل

    نقل ابن منصور عن أحمد: إذا قتل رجل رجلا بعصى ، أو خنقه ، أو شدخ رأسه بحجر ، يقتل مثل الذي قتل به . فظاهر هذا: أن القصاص يكون بغير السيف ، ويكون بمثل الآلة التي قتل بها ، وهو قول مالك ، والشافعي . ونقل عنه حرب: إذا قتله بخشبة قبل بالسيف . ونقل أبو طالب: إذا خنقه قتل بالسيف . فظاهر هذا: أنه لا يكون القصاص إلا بالسيف ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله .
    كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين .

    قوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت .

    قال الزجاج: المعنى: وكتب عليكم ، إلا أن الكلام إذا طال استغنى عن العطف [ ص: 182 ] بالواو وعلم أن معناه معنى الواو ، وليس المراد: كتب عليكم أن يوصي أحدكم عند الموت ، لأنه في شغل حينئذ ، وإنما المعنى: كتب عليكم أن توصوا وأنتم قادرون على الوصية ، فيقول الرجل: إذا أنا مت ، فلفلان كذا . فأما الخير هاهنا; فهو المال في قول الجماعة .

    وفي مقدار المال الذي تقع هذه الوصية فيه ستة أقوال . أحدها: أنه ألف درهم فصاعدا ، روي عن علي وقتادة . والثاني: أنه سبعمائة درهم فما فوقها ، رواه طاوس عن ابن عباس . والثالث: ستون دينارا فما فوقها ، رواه عكرمة عن ابن عباس . والرابع: أنه المال الكثير الفاضل عن نفقة العيال . قالت عائشة لرجل سألها: إني أريد الوصية ، فقالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف ، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة . قالت: هذا شيء يسير ، فدعه لعيالك . والخامس: أنه من ألف درهم إلى خمسمائة ، قاله إبراهيم النخعي . والسادس: أنه القليل والكثير ، رواه معمر عن الزهري . فأما المعروف; فهو الذي لا حيف فيه .

    فصل

    وهل كانت الوصية ندبا أو واجبة؟ فيه قولان . أحدهما: أنها كانت ندبا . والثاني: أنها كانت فرضا ، وهو أصح ، لقوله تعالى: (كتب) ومعناه: فرض . قال ابن عمر: نسخت هذه الآية بآية الميراث . وقال ابن عباس: نسختها: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون [ النساء: 7 ] . والعلماء متفقون على نسخ الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون وهم مختلفون في الأقربين الذين لا يرثون: هل تجب الوصية لهم؟ على قولين ، أصحهما أنها لا تجب لأحد .
    فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم .

    قوله تعالى: (فمن بدله) قال الزجاج: من بدل أمر الوصية بعد سماعه إياها ، فإنما إثمه [ ص: 183 ] على مبدله ، لا على الموصي ، ولا على الموصى له (إن الله سميع) لما قد قاله الموصي (عليم) بما يفعله الموصى إليه .
    فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم .

    قوله تعالى: فمن خاف من موص قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم (موص) ساكنة الواو ، وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم "موص" مفتوحة الواو مشددة الصاد . وفي المراد بالخوف هاهنا قولان . أحدهما: أنه العلم . والثاني: نفس الخوف . فعلى الأول; يكون الجور قد وجد . وعلى الثاني: يخشى وجوده . و "الجنف": الميل عن الحق . قال الزجاج: جنفا ، أي: ميلا ، أو إثما ، أي: قصد الإثم . وقال ابن عباس: الجنف: الخطأ ، والإثم: العمد . قال أبو سليمان الدمشقي: الجنف: الخروج عن الحق ، وقد يسمى به المخطئ والعامد ، إلا أن المفسرين عقلوا الجنف على المخطئ ، والإثم على العامد .

    وفي توجيه هذه الآية قولان . أحدهما: أن معناها: من حضر رجلا يموت ، فأسرف في وصيته ، أو قصر عن حق; فليأمره بالعدل ، هذا قول مجاهد . والثاني: أن معناها: من أوصى بجور ، فرد وليه وصيته ، أو ردها إمام من أئمة المسلمين إلى كتاب الله وسنة نبيه; فلا إثم عليه ، وهذا قول قتادة .

    قوله تعالى: (فأصلح بينهم) أي: بين الذين أوصى لهم ، ولم يجر لهم ذكر ، غير أنه لما ذكر الموصي أفاد مفهوم الخطاب أن هناك موصى له ، وأنشد الفراء:


    وما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني؟! أألخير الذي أنا أبتغيه
    أم الشر الذي هو يبتغيني


    فكنى في البيت الأول عن الشر بعد ذكره الخير وحده ، لما في مفهوم اللفظ من الدلالة .
    [ ص: 184 ] يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون .

    قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام .

    الصيام في اللغة: الإمساك في الجملة ، يقال: صامت الخيل: إذا أمسكت عن السير ، وصامت الريح: إذا أمسكت عن الهبوب . والصوم في الشرع: عبارة عن الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع انضمام النية إليه . وفي الذين من قبلنا ثلاثة أقوال . أحدها: أنهم أهل الكتاب ، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس ، وهو قول مجاهد . والثاني: أنهم النصارى ، قاله الشعبي ، والربيع . والثالث: أنهم جميع أهل الملل ، ذكره أبو صالح عن ابن عباس .

    وفي موضع التشبيه في كاف (كما كتب) قولان . أحدهما: أن التشبيه في حكم الصوم وصفته ، لا في عدده . قال سعيد بن جبير : كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم لم يحل له أن يطعم إلى القابلة ، والنساء عليهم حرام ليلة الصيام ، وهو عليهم ثابت . وقد أرخص لكم . فعلى هذا تكون هذه الآية منسوخة بقوله: أحل لكم ليلة الصيام الرفث [ البقرة: 187 ] . فإنها فرقت بين صوم أهل الكتاب وبين صوم المسلمين . والثاني: أن التشبيه في عدد الأيام . ثم في ذلك قولان . أحدهما: أنه فرض على هذه الأمة صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، وقد كان ذلك فرضا على من قبلهم . قال عطية عن ابن عباس في قوله تعالى: كما كتب على الذين من قبلكم قال: كان ثلاثة أيام من كل شهر ، ثم نسخ برمضان . قال معمر عن قتادة: كان الله قد كتب على الناس قبل رمضان ثلاثة أيام من كل شهر ، فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بقوله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن . والثاني: أنه فرض على من قبلنا صوم رمضان بعينه . قال ابن عباس: فقدم النصارى يوما ثم يوما ، وأخروا يوما ، ثم قالوا: نقدم عشرا ونؤخر عشرا . وقال السدي عن أشياخه: اشتد على النصارى صوم رمضان ، فجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف ، فلما رأوا ذلك اجتمعوا [ ص: 185 ] فجعلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف ، وقالوا: نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا . فعلى هذا تكون الآية محكمة غير منسوخة .

    قوله تعالى: لعلكم تتقون لأن الصيام وصلة إلى التقى ، إذ هو يكف النفس عن كثير مما تتطلع إليه من المعاصي ، وقيل: لعلكم تتقون محظورات الصوم .
    أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون .

    قوله تعالى: أياما معدودات قال الزجاج: نصب "أياما" على الظرف ، كأنه قال: كتب عليكم الصيام في هذه الأيام . والعامل فيه "الصيام" كأن المعنى: كتب عليكم أن تصوموا أياما معدودات . وفي هذه الأيام ثلاثة أقوال . أحدها: أنها ثلاثة أيام من كل شهر . والثاني: أنها ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء . والثالث: أنها شهر رمضان ، وهو الأصح . وتكون الآية محكمة في هذا القول ، وفي القولين قبله تكون منسوخة فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام فيه إضمار: فأفطر .

    فصل

    وليس المرض والسفر على الإطلاق ، فإن المريض إذا لم يضر به الصوم; لم يجز له الإفطار ، وإنما الرحمة موقوفة على زيادة المرض بالصوم . واتفق العلماء أن السفر مقدر ، واختلفوا في تقديره ، فقال أحمد ، ومالك ، والشافعي: أقله مسيرة ستة عشر فرسخا; يومان ، وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله مسيرة ثلاثة أيام ، مسيرة أربعة وعشرين فرسخا . وقال الأوزاعي: أقله مرحلة يوم ، مسيرة ثمانية فراسخ . وقيل: إن السفر مشتق من السفر الذي هو الكشف ، يقال: سفرت المرأة عن وجهها ، وأسفر الصبح: إذا أضاء ، فسمي الخروج إلى المكان البعيد: سفرا ، لأنه يكشف عن أخلاق المسافر .

    [ ص: 186 ] قوله تعالى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين نقل عن ابن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وابن عمر ، وابن عباس ، وسلمة بن الأكوع ، وعلقمة ، والزهري في آخرين في هذه الآية أنهم قالوا: كان من شاء صام ، ومن شاء أفطر وافتدى ، يطعم عن كل يوم مسكينا ، حتى نزلت: فمن شهد منكم الشهر فليصمه فعلى هذا يكون معنى الكلام: وعلى الذين يطيقونه ولا يصومونه فدية ، ثم نسخت . وروي عن عكرمة أنه قال: نزلت في الحامل والمرضع . وقرأ أبو بكر الصديق ، وابن عباس: وعلى الذين يطوقونه بضم الياء وفتح الطاء وتشديد الواو . قال ابن عباس: هو الشيخ والشيخة .

    قوله تعالى: فدية طعام مسكين قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي "فدية" منون (طعام المسكين) موحد . وقرأ نافع ، وابن عامر: "فدية" بغير تنوين "طعام" بالخفض "مساكين" بالجمع . قال أبو علي: معنى القراءة الأولى: على كل واحد طعام مسكين . ومثله: فاجلدوهم ثمانين [ النور: 4 ] . أي: اجلدوا كل واحد ثمانين . قال أبو زيد: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة ، وأعطانا كلنا مئة ، أي: فعل ذلك بكل واحد منا . قال: فأما من أضاف الفدية إلى الطعام ، فكإضافة البعض إلى ما هو بعض له ، وذلك أنه سمى الطعام الذي يفدى به: فدية ، ثم أضاف الفدية إلى الطعام الذي يعم الفدية وغيرها ، فهو على هذا من باب: خاتم حديد .

    قوله تعالى: (فمن تطوع خيرا) [فيه ] ثلاثة أقوال . أحدها: أن معناه: من أطعم مسكينين ، قاله ابن عباس ، ومجاهد . والثاني: أن التطوع إطعام مساكين ، قاله طاوس . والثالث: أنه زيادة المسكين على قوته ، وهو مروي عن مجاهد ، وفعله أنس بن مالك لما كبر وأن تصوموا خير لكم عائد إلى من تقدم ذكره من الأصحاء المقيمين المخيرين بين الصوم والإطعام على ما حكينا في أول الآية عن السلف ، ولم يرجع ذلك إلى المرضى والمسافرين ، والحامل ، والمرضع ، إذ الفطر في حق هؤلاء أفضل من الصوم ، وقد نهوا عن تعريض أنفسهم للتلف ، وهذا يقوي قول القائلين بنسخ الآية .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (34)

    صــ187 إلى صــ 192

    شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون .

    قوله تعالى: (شهر رمضان) .

    قال الأخفش: شهر رمضان بالرفع على تفسير الأيام ، كأنه لما قال: (أياما معدودات) فسرها فقال: هي شهر رمضان . قال أبو عبيد: وقرأ مجاهد: (شهر رمضان) بالنصب ، وأراه نصبه على معنى الإغراء: عليكم شهر رمضان فصوموه ، كقوله: (ملة أبيكم) وقوله: (صبغة الله) قلت: وممن قرأ بالنصب معاوية ، والحسن ، وزيد بن علي ، وعكرمة ، ويحيى بن يعمر ، قال ابن فارس: الرمض: حر الحجارة من شدة حر الشمس ، ويقال: شهر رمضان ، من شدة الحر ، لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة ، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها ، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر ، ويجمع على رمضانات ، وأرمضاء ، وأرمضة .

    قوله تعالى: الذي أنزل فيه القرآن فيه ثلاثة أقوال . أحدها: أنه أنزل القرآن فيه جملة واحدة ، وذلك في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا . قاله ابن عباس . والثاني: أن معناه: أنه أنزل القرآن بفرض صيامه ، روي عن مجاهد ، والضحاك . والثالث: أن معناه: إن القرآن ابتدئ بنزوله فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن إسحاق ، وأبو سليمان الدمشقي . قال مقاتل: والفرقان: المخرج في الدين من الشبهة والضلالة .

    قوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه أي: من كان حاضرا غير مسافر . فإن قيل: ما الفائدة في إعادة ذكر المرض والسفر في هذه الآية ، وقد تقدم ذلك؟ قيل: لأن في الآية المتقدمة منسوخا ، فأعاده لئلا يكون مقرونا بالمنسوخ .

    [ ص: 188 ] قوله تعالى: يريد الله بكم اليسر قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك: اليسر: الإفطار في السفر ، والعسر: الصوم فيه . وقال عمر بن عبد العزيز: أي: ذلك كان أيسر عليك فافعل: الصوم في السفر ، أو الفطر .

    قوله تعالى: (ولتكملوا العدة) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي: (ولتكملوا) بإسكان الكاف خفيفة . وقرأ أبو بكر عن عاصم بتشديد الميم ، وذلك مثل: "وصى" و "أوصى" وقال ابن عباس: ولتكملوا عدة ما أفطرتم . وقال بعضهم: المراد به: لا تزيدوا على ما افترض ، كما فعلت النصارى ، ولا تنقلوه عن زمانه كما نقلته (ولتكبروا الله على ما هداكم) قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال ، أن يكبروا لله حتى يفرغوا من عيدهم . فإن قيل: ما وجه دخول الواو في قوله: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله وليس هناك ما يعطف عليه؟ فالجواب: أن هذه الواو عطفت اللام التي بعدها على لام محذوفة ، والمعنى: ولا يريد بكم العسر ليسعدكم ، ولتكملوا العدة ، فحذفت اللام الأولى لوضوح معناها ، ذكره ابن الأنباري .

    فصل

    ومن السنة إظهار التكبير ليلة الفطر ، وليلة النحر ، وإذا غدوا إلى المصلى . واختلفت الرواية عن أحمد ، رضي الله عنه ، متى يقطع في عيد الفطر ، فنقل عنه حنبل: يقطع بعد فراغ الإمام من الخطبة . ونقل الأثرم: إذا جاء المصلى ، قطع . قال القاضي أبو يعلى: يعني: إذا جاء المصلى وخرج الإمام .
    وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون [ ص: 189 ] قوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني .

    في سبب نزولها خمسة أقوال .

    أحدها: أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية ، رواه الصلت بن حكيم عن أبيه عن جده .

    والثاني: أن يهود المدينة قالوا: يا محمد! كيف يسمع ربنا دعاءنا ، وأنت تتزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام؟! فنزلت هذه الآية ، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

    والثالث: أنهم قالوا: يا رسول الله! لو نعلم أية ساعة أحب إلى الله أن ندعو فيها دعوانا ، فنزلت هذه الآية ، قاله عطاء .

    والرابع: أن أصحاب النبي قالوا له: أين الله؟ فنزلت هذه الآية ، قاله الحسن .

    والخامس: أنه لما حرم في الصوم الأول على المسلمين بعد النوم الأكل والجماع; أكل رجل منهم بعد أن نام ، ووطئ رجل بعد أن نام ، فسألوا: كيف التوبة مما عملوا؟ فنزلت هذه الآية ، قاله مقاتل . ومعنى الكلام: إذا سألوك عني; فأعلمهم أني قريب .

    وفي معنى "أجيب" قولان . أحدهما: أسمع ، قاله الفراء ، وابن القاسم . والثاني: أنه من الإجابة (فليستجيبوا لي) أي: فليجيبوني . قال الشاعر:


    وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب


    أراد: فلم يجبه . وهذا قول أبي عبيدة ، وابن قتيبة ، والزجاج . (لعلهم يرشدون) قال أبو العالية: يعني: يهتدون .

    فصل

    إن قال قائل: هذه الآية تدل على أن الله تعلى يجيب أدعية الداعين ، وترى كثيرا من الداعين لا يستجاب لهم!

    [ ص: 190 ] فالجواب: أن أبا سعيد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: "ما من مسلم دعا الله تعالى بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم; إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها" .

    وجواب آخر: وهو أن الدعاء تفتقر إجابته إلى شروط أصلها الطاعة لله ، ومنها أكل الحلال ، فإن أكل الحرام يمنع إجابة الدعاء ، ومنها حضور القلب ، ففي بعض الحديث: "يقبل الله دعاء من قلب غافل لاه" .

    وجواب آخر: وهو أن الداعي قد يعتقد المصلحة في إجابته إلى ما سأل ، وقد لا تكون المصلحة في ذلك ، فيجاب إلى مقصوده الأصلي ، وهو طلب المصلحة ، وقد تكون المصلحة في التأخير أو في المنع .
    أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون .

    قوله تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث .

    سبب نزول هذه الآية أن الصحابة كانوا إذا نام الرجل قبل الأكل والجماع ، حرما عليه [ ص: 191 ] إلى أن يفطر ، فجاء شيخ من الأنصار وهو صائم إلى أهله ، فقال عشوني ، فقالوا: حتى نسخن لك طعاما ، فوضع رأسه فنام ، فجاءوا بالطعام ، فقال ، قد كنت نمت ، فبات يتقلب ظهرا لبطن ، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم; فأخبره ، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! إني أردت أهلي الليلة ، فقالت ، إنها قد نامت ، فظننتها تعتل ، فواقعتها ، فأخبرتني أنها قد نامت ، فأنزل الله تعالى في عمر بن الخطاب: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم وأنزل الله في الأنصاري: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر هذا قول جماعة من المفسرين . واختلفوا في اسم هذا الأنصاري على أربعة أقوال . أحدها: قيس بن صرمة ، قاله البراء . والثاني: صرمة بن أنس ، قاله القاسم بن محمد . وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: صرمة بن مالك . والثالث: ضمرة بن أنس . والرابع: أبو قيس بن عمر . وذكر القولين أبو بكر الخطيب . فأما "الرفث" فقال ابن عمر ، وابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء ، والحسن ، وابن جبير في آخرين: هو الجماع .

    قوله تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن . فيه قولان . أحدهما: أن اللباس السكن . ومثله: جعل لكم الليل لباسا [ الفرقان: 47 ] . أي: سكنا . وهذا قول ابن عباس ، وابن جبير ، ومجاهد ، وقتادة . والثاني: أنهن بمنزلة اللباس ، لإفضاء كل واحد ببشرته إلى بشرة صاحبه ، فكنى عن اجتماعهما متجردين باللباس . قال الزجاج: والعرب تسمي المرأة: لباسا وإزارا ، قال النابغة الجعدي:


    إذا ما الضجيع ثنى جيدها تثنت فكانت عليه لباسا


    [ ص: 192 ] وقال غيره:


    ألا أبلغ أبا حفص رسولا فدى لك من أخي ثقة إزاري


    يريد بالإزار: امرأته .

    قوله تعالى: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم قال ابن قتيبة: يريد: تخونونها بارتكاب ما تحرم عليكم . قال ابن عباس: وعنى بذلك فعل عمر ، فإنه أتى أهله ، فلما اغتسل أخذ يلوم نفسه ويبكي (فالآن باشروهن): أصل المباشرة: إلصاق البشرة بالبشرة . وقال ابن عباس: المراد بالمباشرة هاهنا: الجماع . وابتغوا ما كتب الله لكم فيه أربعة أقوال . أحدها: أنه الولد ، قاله ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد في آخرين . قال بعض أهل العلم: لما كانت المباشرة قد تقع على ما دون الجماع ، أباحهم الجماع الذي يكون من مثله الولد ، فقال: وابتغوا ما كتب الله لكم يريد: الولد . والثاني: أن الذي كتب لهم الرخصة ، وهو قول قتادة ، وابن زيد . والثالث: أنه ليلة القدر . رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس . والرابع: أنه القرآن ، فمعنى الكلام: اتبعوا القرآن ، فما أبيح لكم وأمرتم به فهو المبتغى ، وهذا اختيار الزجاج .





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (35)

    صــ193 إلى صــ 198

    قوله تعالى: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض قال عدي بن حاتم: لما نزلت هذه الآية ، عمدت إلى عقالين ، أبيض وأسود ، فجعلتهما تحت وسادتي ، فجعلت أقوم في الليل ولا أستبين الأسود من الأبيض ، فلما أصبحت; غدوت على رسول الله فأخبرته ، فضحك وقال: "إن كان وسادك إذا لعريض ، إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل" وقال سهل بن سعد: نزلت هذه الآية: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل: (من الفجر) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود [ ص: 193 ] والخيط الأبيض ، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له زيهما ، فأنزل الله بعد ذلك (من الفجر) فعلموا أنما يعني بذلك الليل والنهار .

    فصل

    إذا شك في الفجر ، فهل يدع السحور أم لا؟ فظاهر كلام أحمد يدل على أنه لا يدع السحور ، بل يأكل حتى يستيقن طلوع الفجر . وقال مالك: أكره له أن يأكل إذا شك في طلوع الفجر ، فإن أكل فعليه القضاء . وقال الشافعي: لا شيء عليه .

    قوله تعالى: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد في هذه المباشرة قولان . أحدهما: أنها المجامعة ، وهو قول الأكثرين . والثاني: أنها ما دون الجماع من اللمس والقبلة ، قاله ابن زيد . وقال قتادة: كان الرجل المعتكف إذا خرج من المسجد ، فلقي امرأته باشرها إذا أراد ذلك ، فوعظهم الله في ذلك .

    فصل

    الاعتكاف في اللغة: اللبث ، يقال: فلان معتكف على كذا ، وعاكف . وهو فعل مندوب إليه ، إلا أن ينذره الإنسان ، فيجب . ولا يجوز إلا في مسجد تقام فيه الجماعات ، ولا يشترط في حق المرأة مسجد تقام فيه الجماعة ، إذ الجماعة لا تجب عليها . وهل يصح بغير صوم؟ فيه عن أحمد روايتان .

    قوله تعالى: (تلك حدود الله) قال ابن عباس: يعني: المباشرة (فلا تقربوها) قال الزجاج: الحدود ما منع الله من مخالفتها ، فلا يجوز مجاوزتها . وأصل الحد في اللغة: المنع ، ومنه: حد الدار ، وهو ما يمنع غيرها من الدخول فيها . والحداد في اللغة: الحاجب والبواب ، وكل من منع شيئا فهو حداد . قال الأعشى:


    فقمنا ولما يصح ديكنا إلى جونة عند حدادها
    [ ص: 194 ] أي: عند ربها الذي يمنعها إلا بما يريده . وأحدت المرأة على زوجها وحدت ، فهي حاد ، ومحد: إذا قطعت الزينة ، وامتنعت منها ، وأحددت النظر إلى فلان: إذا منعت نظرك من غيره . وسمي الحديد حديدا ، لأنه يمتنع به الأعداء .

    قوله تعالى: كذلك يبين الله أي: مثل هذا البيان الذي ذكر .
    ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون .

    قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل .

    سبب نزولها: أن امرأ القيس بن عابس ، وعبدان الحضرمي ، اختصما في أرض ، وكان عبدان هو الطالب ولا بينة له ، فأراد امرؤ القيس أن يحلف ، فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا [ آل عمران: 77 ] . فكره أن يحلف ، ولم يخاصم في الأرض ، فنزلت هذه الآية . هذا قول جماعة ، منهم سعيد بن جبير . ومعنى الآية: لا يأكل بعضكم أموال بعض ، كقوله: فاقتلوا أنفسكم قال القاضي أبو يعلى: والباطل على وجهين أحدهما: أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه ، كالسرقة ، والغصب ، والخيانة . والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه ، كالقمار ، والغناء ، وثمن الخمر ، وقال الزجاج: الباطل: الظلم . "وتدلوا" أصله في اللغة من: أدليت الدلو: إذا أرسلتها لتملأها ، ودلوتها: إذا أخرجتها . ومعنى أدلى فلان بحجته: أرسلها ، وأتى بها على صحة . فمعنى الكلام: تعملون على ما يوجبه إدلاء الحجة ، وتخونون في الأمانة ، وأنتم تعلمون أن الحجة عليكم في الباطن .

    وفي ها "بها" قولان . أحدهما: أنها ترجع إلى الأموال ، كأنه قال: لا تصانعوا ببعضها جورة الحكام . والثاني: أنها ترجع إلى الخصومة ، فإن قيل: كيف أعاد ذكر [ ص: 195 ] الأكل فقال: "ولا تأكلوا" "لتأكلوا" فالجواب: أنه وصل اللفظة الأولى بالباطل ، والثانية بالإثم ، فأعادها للزيادة في المعنى ، ذكره ابن الأنباري .
    يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون .

    قوله تعالى: يسألونك عن الأهلة .

    هذه الآية من أولها إلى قوله: "والحج" نزلت على سبب ، وهو أن رجلين من الصحابة قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو دقيقا ، ثم يزيد ويمتلئ حتى يستدير ويستوي ، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان؟ فنزلت: يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج هذا قول ابن عباس .

    ومن قوله تعالى: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها إلى آخرها ، يدل على سبب آخر ، وهو أنهم كانوا إذا حجوا ، ثم قدموا المدينة ، لم يدخلوا من باب ، ويأتون البيوت من ظهورها ، فنسي رجل ، فدخل من باب ، فنزلت: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها هذا قول البراء بن عازب .

    وفيما كانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها لأجله أربعة أقوال . أحدها: أنهم كانوا يفعلون ذلك لأجل الإحرام ، قاله ابن عباس ، وأبو العالية ، والنخعي ، وقتادة ، وقيس النهشلي . والثاني: لأجل دخول الشهر الحرام ، قاله البراء بن عازب . والثالث: أن أهل الجاهلية كانوا إذا هم أحدهم بالشيء فاحتبس عنه; لم يأت بيته من بابه حتى يأتي الذي كان [ ص: 196 ] هم به ، قاله الحسن . والرابع: أن أهل المدينة كانوا إذا رجعوا من عيدهم فعلوا ذلك ، رواه عثمان بن عطاء عن أبيه .

    فأما التفسير; فإنما سألوه عن وجه الحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها ، فأخبرهم أنها مقادير لما يحتاج الناس إليه في صومهم وحجهم وغير ذلك . والأهلة: جمع هلال . وكم يبقى الهلال على هذه التسمية؟ فيه للعرب أربعة أقوال . أحدها: أنه يسمى هلالا لليلتين من الشهر . والثاني: لثلاث ليال ، ثم يسمى: قمرا . والثالث: إلى أن يحجر ، وتحجيره: أن يسير بخطة دقيقة ، وهو قول الأصمعي . والرابع: إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل . حكى هذه الأقوال ابن السري ، واختار الأول ، قال: واشتقاق الهلال من قولهم: استهل الصبي: إذا بكى حين يولد . وأهل القوم بالحج: إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية ، فسمي هلالا ، لأنه حين يرى يهل الناس بذكره .

    قوله تعالى: ولكن البر من اتقى مثل قوله تعالى: ولكن البر من آمن بالله وقد سبق بيانه ، واختلف القراء في البيوت وما أشبهها ، فقرأ ابن كثير ، وابن عامر ، والكسائي بكسر باء "البيوت" وعين "العيون" وغين "الغيوب" وروي عن نافع أنه ضم باء "البيوت" وعين "العيون" وغين "الغيوب" وجيم "الجيوب" وشين "الشيوخ" وروى عنه قالون أنه كسر باء "البيوت" وقرأ أبو عمر ، وأبو جعفر بضم الأحرف الخمسة ، وكسرهن جميعا حمزة ، واختلف عن عاصم . قال الزجاج: من ضم "البيوت" فعلى أصل الجمع: بيت وبيوت ، مثل: قلب وقلوب ، وفلس وفلوس . ومن كسر ، فإنما كسر للياء التي بعد الباء ، وذلك عند البصريين رديء ، لأنه ليس في الكلام فعول بكسر الفاء . وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول: إذا كان الجمع على فعول ، وثانيه ياء; جاز فيه الضم والكسر ، تقول: بيوت وبيوت ، وشيوخ وشيوخ ، وقيود وقيود .
    [ ص: 197 ] وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين .

    قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم .

    سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما صد عن البيت ، ونحر هديه بالحديبية ، وصالحه المشركون على أن يرجع من العام المقبل; رجع ، فلما تجهز في العام المقبل; خاف أصحابه أن لا تفي لهم قريش بذلك ، وأن يصدوهم ويقاتلوهم ، وكره أصحابه القتال في الشهر الحرام; فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس .

    قوله تعالى: ولا تعتدوا أي: ولا تظلموا . وفي المراد بهذا الاعتداء أربعة أقوال . أحدها: أنه قتل النساء والولدان ، قاله ابن عباس ، ومجاهد . والثاني: أن معناه: لا تقاتلوا من لم يقاتلكم قاله سعيد بن جبير ، وأبو العالية ، وابن زيد . والثالث: أنه إتيان ما نهوا عنه ، قاله الحسن . والرابع: أنه ابتداؤهم بالقتال في الحرم في الشهر الحرام ، قاله مقاتل .

    فصل

    اختلف العلماء: هل هذه الآية منسوخة أم لا؟ على قولين .

    أحدهما: أنها منسوخة . واختلف أرباب هذا القول في المنسوخ منها على قولين .

    أحدهما: أنه أولها ، وهو قوله: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم قالوا: وهذا يقتضي أن القتال يباح في حق من قاتل من الكفار ، ولا يباح في حق من لم يقاتل ، وهذا منسوخ بقوله: واقتلوهم حيث ثقفتموهم . والثاني: أن المنسوخ منها: (ولا تعتدوا) ولهؤلاء في هذا الاعتداء قولان . أحدهما: أنه قتل من لم يقاتل . والثاني: أنه ابتداء المشركين بالقتال ، وهذا منسوخ بآية السيف .

    والقول الثاني: أنها محكمة ، ومعناها عند أرباب هذا القول: وقاتلوا في سبيل الله [ ص: 198 ] الذين يقاتلونكم وهم الذين أعدوا أنفسهم للقتال ، فأما من ليس بمعد نفسه للقتال ، كالرهبان والشيوخ الفناة ، والزمنى ، والمكافيف ، والمجانين ، فإن هؤلاء لا يقاتلون ، وهذا حكم باق غير منسوخ .

    فصل

    واختلف العلماء في أول آية نزلت في إباحة القتال على قولين . أحدهما: أنها قوله تعالى: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا [ الحج: 39 ] . قاله أبو بكر الصديق ، وابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والزهري . والثاني: أنها هذه الآية: وقاتلوا في سبيل الله قاله أبو العالية ، وابن زيد .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (36)

    صــ199 إلى صــ 204

    واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين
    .

    قوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم .

    أي: وجدتموهم يقال: ثقفته أثقفه: إذا وجدته . قال القاضي أبو يعلى: قوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم عام في جميع المشركين ، إلا من كان بمكة ، فإنهم أمروا بإخراجهم منها ، إلا من قاتلهم ، فإنهم أمروا بقتالهم ، يدل على ذلك قوله في نسق الآية: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه وكانوا قد آذوا المسلمين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج ، فكأنهم أخرجوهم . أما الفتنة ، ففيها قولان . أحدهما: أنها الشرك ، قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وقتادة في آخرين . والثاني: أنها ارتداد المؤمن إلى عبادة الأوثان . قاله مجاهد . فيكون معنى الكلام على القول الأول: شرك القوم أعظم [ ص: 199 ] من قتلكم إياهم في الحرم . وعلى الثاني: ارتداد المؤمن إلى الأوثان أشد عليه من أن يقتل محقا .

    قوله تعالى: (ولا تقاتلوهم) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم بحذف الألف فيهن . وقد اتفق الكل على قوله: (فاقتلوهم) واحتج من قرأ بالألف بقوله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة واحتج من حذف الألف بقوله: (فاقتلوهم) .

    فصل

    واختلف العلماء في قوله:

    ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه

    : هل هو منسوخ أم لا؟ فذهب مجاهد في جماعة من الفقهاء إلى أنه محكم ، وأنه لا يقاتل فيه إلا من قاتل ، ويدل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه خطب يوم فتح مكة ، فقال: "يا أيها الناس! إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، ولم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي . وإنما أحلت لي ساعة من النهار ، ثم عادت حراما إلى يوم القيامة" فبين صلى الله عليه وسلم أنه خص في تلك الساعة بالإباحة على سبيل التخصيص ، لا على وجه النسخ ، فثبت بذلك خطر القتال في الحرم ، إلا أن يقاتلوا فيدفعون دفعا ، وهذا أمر مستمر ، والحكم غير منسوخ ، وقد ذهب قتادة إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ التوبة: 5 ] . فأمر بقتالهم في الحل والحرم وعلى كل حال . وذهب الربيع بن أنس ، وابن زيد . إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وزعم [ ص: 200 ] مقاتل أنه منسوخ بقوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم [ البقرة: 191 ] . والقول الأول أصح .

    قوله تعالى: فإن قاتلوكم فاقتلوهم قال مقاتل: أي: فقاتلوهم .
    فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم .

    قوله تعالى: (فإن انتهوا) .

    فيه ثلاثة أقوال . أحدها: أن معناه: فإن انتهوا عن شركهم وقتالكم . والثاني: عن كفرهم . والثالث: عن قتالكم دون كفرهم . فعلى القولين الأولين تكون الآية محكمة ، ويكون معنى: فإن الله غفور رحيم غفور لشركهم وجرمهم ، وعلى القول الأخير يكون في معنى قوله غفور رحيم قولان . أحدهما: غفور لكم حيث أسقط عنكم تكليف قتالهم . والثاني: أن معناه: يأمركم بالغفران والرحمة لهم . فعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية السيف .
    وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين .

    قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة .

    قال ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة في آخرين: الفتنة هاهنا: الشرك .

    قوله تعالى: (ويكون الدين لله) قال ابن عباس: أي: يخلص له التوحيد . والعدوان: الظلم ، وأريد به هاهنا: الجزاء ، فسمي الجزاء عدوانا مقابلة للشيء بمثله ، كقوله: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه والظالمون هاهنا: المشركون ، قاله عكرمة ، وقتادة في آخرين .

    [ ص: 201 ] فصل

    وقد روي عن جماعة من المفسرين ، منهم قتادة ، أن قوله تعالى: فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين منسوخ بآية السيف ، وإنما يستقيم هذا إذا قلنا: إن معنى الكلام: فإن انتهوا عن قتالكم مع إقامتهم على دينهم ، فأما إذا قلنا: إن معناه: فإن انتهوا عن دينهم; فالآية محكمة .
    الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين .

    قوله تعالى: الشهر الحرام بالشهر الحرام .

    هذه الآية نزلت على سبب ، واختلفوا فيه على قولين . أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أقبل هو وأصحابه معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي ، فصدهم المشركون ، فصالحهم نبي الله على أن يرجع عنهم ثم يعود في العام المقبل ، فيكون بمكة ثلاث ليال ، ولا يدخلها بسلاح ، ولا يخرج بأحد من أهل مكة ، فلما كان العام المقبل; أقبل هو وأصحابه فدخلوها ، فافتخر المشركون عليه إذ ردوه يوم الحديبة ، فأقصه الله منهم وأدخله مكة في الشهر الذي ردوه فيه ، فقال: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء ، وأبو العالية ، وقتادة ، في آخرين . والثاني: أن مشركي العرب قالوا للنبي ، عليه السلام: أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ قال: "نعم" وأرادوا أن يفتروه في الشهر الحرام ، فيقاتلوه فيه ، فنزلت هذه الآية ، يقول: إن استحلوا منكم شيئا في الشهر الحرام ، فاستحلوا منهم مثله ، هذا قول الحسن ، واختاره إبراهيم بن السري والزجاج . فأما أرباب القول الأول; فيقولون معنى الآية: الشهر الحرام [ ص: 202 ] الذي دخلتم فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه عام أول . (والحرمات قصاص): اقتصصت لكم منهم في ذي القعدة كما صدوكم في ذي القعدة . وقال الزجاج: الشهر الحرام ، أي: قتال الشهر الحرام بالشهر الحرام ، فأعلم الله تعالى أن أمر هذه الحرمات لا تجوز للمسلمين إلا قصاصا ، ثم نسخ ذلك بآية السيف ، وقيل: إنما جمع الحرمات ، لأنه أراد الشهر الحرام بالبلد الحرام ، وحرمة الإحرام .

    قوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه قال ابن عباس: من قاتلكم في الحرم فقاتلوه . وإنما سمى المقابلة على الاعتداء اعتداء ، لأن صورة الفعلين واحدة ، وإن كان أحدهما: طاعة والآخر معصية . قال الزجاج: والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته ، أي: جازيته بظلمه . وجهل فلان علي ، فجهلت عليه . وقد سبق بيان هذا المعنى في أول السورة .

    قوله تعالى: (واتقوا الله) قال سعيد بن جبير : واتقوا الله ، ولا تبدؤوهم بقتال في الحرم .
    وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب .

    قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله) .

    هذه الآية نزلت على سبب ، وفيه قولان .

    [ ص: 203 ] أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بالتجهز إلى مكة ، قال ناس من الأعراب: يا رسول الله! بماذا نتجهز؟ فوالله ما لنا زاد ولا مال! فنزلت ، قاله ابن عباس .

    والثاني: أن الأنصار كانوا ينفقون ويتصدقون ، فأصابتهم سنة ، فأمسكوا; فنزلت ، قاله أبو جبيرة بن الضحاك . والسبيل في اللغة: الطريق . وإنما استعملت هذه الكلمة في الجهاد ، لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين . والتهلكة: بمعنى الهلاك ، يقال: هلك الرجل يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة . قال المبرد: وأراد بالأيدي: الأنفس; فعبر بالبعض عن الكل . وفي المراد بالتهلكة هاهنا أربعة أقوال . أحدها: أنها ترك النفقة في سبيل الله ، قاله حذيفة ، وابن عباس ، والحسن ، وابن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك . والثاني: أنها القعود عن الغزو شغلا بالمال ، قاله أبو أيوب الأنصاري . والثالث: أنها القنوط من رحمة الله قاله البراء ، والنعمان بن بشير ، وعبيدة . والرابع: أنها عذاب الله ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

    قوله تعالى: (وأحسنوا) فيه ثلاثة أقوال . أحدها: أن معناه: أحسنوا الإنفاق ، وهو قول أصحاب القول الأول . والثاني: أحسنوا الظن بالله ، قاله عكرمة ، وسفيان ، وهو يخرج على قول من قال: التهلكة: القنوط . والثالث: أن معناه: أدوا الفرائض ، رواه سفيان عن أبي إسحاق .

    [ ص: 204 ] قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله قال ابن فارس: الحج في اللغة: القصد ، والاعتمار في الحج أصله: الزيارة . قال ثعلب: الحج بفتح الحاء: المصدر ، وبكسرها: الاسم قال: وربما قال الفراء: هما لغتان . وذكر ابن الأنباري في العمرة قولين . أحدهما: الزيارة . والثاني: القصد . وفي إتمامها أربعة أقوال . أحدها: أن معنى إتمامها: أن يفصل بينهما ، فيأتي بالعمرة في غير أشهر الحج ، قاله عمر بن الخطاب ، والحسن ، وعطاء . والثاني: أن يحرم الرجل من دويرة أهله ، قاله علي بن أبي طالب ، وطاووس ، وابن جبير . والثالث: أنه إذا شرع في أحدهما لم يفسخه حتى يتم ، قاله ابن عباس . والرابع: أنه فعل ما أمر الله فيهما ، قاله مجاهد . وجمهور القراء على نصب "العمرة" بإيقاع الفعل عليها . وقرأ الأصمعي عن نافع والقزاز عن أبي عمرو ، والكسائي عن أبي جعفر برفعها ، وهي قراءة ابن مسعود ، وأبي رزين ، والحسن ، والشعبي . وقراءة الجمهور تدل على وجوبها . وممن ذهب إلى أن العمرة واجبة علي ، وابن عمر ، وابن عباس ، والحسن ، وابن سيرين ، وعطاء ، وطاووس ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وأحمد ، والشافعي . وروي عن ابن مسعود ، وجابر ، والشعبي ، وإبراهيم ، وأبي حنيفة ، ومالك ، أنها سنة وتطوع .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (37)

    صــ205 إلى صــ 209

    قوله تعالى: (فإن أحصرتم) قال ابن قتيبة: يقال: أحصره المرض والعدو: إذا منعه من السفر ، ومنه هذه الآية . وحصره العدو: إذا ضيق عليه . وقال الزجاج: يقال للرجل: إذا حبس: قد حصر ، فهو محصور . وللعلماء في هذا الإحصار قولان . أحدهما: أنه لا يكون إلا بالعدو ، ولا يكون المريض محصرا . وهذا مذهب ابن عمر ، وابن عباس ، وأنس ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد . ويدل عليه قوله: (فإذا أمنتم) . والثاني: أنه يكون بكل حابس من مرض أو عدو أو عذر ، وهو قول عطاء ، ومجاهد ، وقتادة ، وأبي حنيفة . وفي الكلام اختصار وحذف ، والمعنى: فإن أحصرتم دون تمام الحج والعمرة فحللتم; فعليكم [ ص: 205 ] ما استيسر من الهدي . ومثله: أو به أذى من رأسه ففدية تقديره: فحلق ، ففدية . والهدي: ما أهدي إلى البيت . وأصله: هدي مشدد ، فخفف ، قاله ابن قتيبة . وبالتشديد يقرأ الحسن ، ومجاهد . وفي المراد ( بما استيسر من الهدي ) ثلاثة أقوال . أحدها: أنه شاة ، قاله علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، والحسن ، وعطاء ، وابن جبير ، وإبراهيم ، وقتادة ، والضحاك . والثاني: أنه ما تيسر من الإبل والبقر لا غير ، قاله ابن عمر ، وعائشة ، والقاسم . والثالث: أنه على قدر الميسرة ، رواه طاوس عن ابن عباس . وروي عن الحسن ، وقتادة قالا: أعلاه بدنه ، وأوسطه بقرة ، وأخسه شاة . وقال أحمد: الهدي من الأصناف الثلاثة ، من الإبل والبقر ، والغنم ، وهو قول أبي حنيفة ، رحمه الله ، ومالك ، والشافعي ، رحمهما الله .

    قوله تعالى: (حتى يبلغ الهدي محله) قال ابن قتيبة: المحل: الموضع الذي يحل به نحره ، وهو من: حل يحل . وفي المحل قولان . أحدهما: أنه الحرم ، قاله ابن مسعود ، والحسن ، وعطاء ، وطاووس ، ومجاهد ، وابن سيرين ، والثوري ، وأبو حنيفة . والثاني: أنه الموضع الذي أحصر به فيذبحه ويحل ، قاله مالك ، والشافعي ، وأحمد .

    قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية هذا نزل على سبب ، وهو أن كعب بن عجرة كثر قمل رأسه حتى تهافت على وجهه ، فنزلت هذه الآية فيه ، فكان يقول: في نزلت خاصة .

    فصل

    قال شيخنا علي بن عبيد الله: اقتضى قوله: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله تحريم حلق الشعر ، سواء وجد به الأذى ، أو لم يجد ، حتى نزل: فمن كان منكم [ ص: 206 ] مريضا أو به أذى من رأسه ففدية فاقتضى هذا إباحة حلق الشعر عند الأذى مع الفدية ، فصار ناسخا لتحريمه المتقدم .

    ومعنى الآية: فمن كان منكم - أي: من المحرمين ، محصرا كان أو غير محصر - مريضا ، واحتاج إلى لبس أو شيء يحظره الإحرام ، ففعله ، أو به أذى من رأسه فحلق ، ففدية من صيام . وفي الصيام قولان . أحدهما: أنه ثلاثة أيام ، روي في حديث كعب بن عجرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول الجمهور . والثاني: أنه صيام عشرة أيام ، روي عن الحسن وعكرمة ، ونافع . وفي الصدقة قولان . أحدهما: أنه إطعام ستة مساكين ، روي في حديث كعب ، وهو قول من قال الصوم ثلاثة أيام . والثاني: أنها إطعام عشرة مساكين ، وهو قول من أوجب صوم عشرة أيام . والنسك: ذبح شاة ، يقال: نسكت لله ، أي: ذبحت له . وفي النسك لغتان . ضم النون والسين ، وبها قرأ الجمهور ، وضم النون مع تسكين السين ، وهي قراءة الحسن .

    قوله تعالى: (فإذا أمنتم) ، أي: من العدو . إذ المرض لا تؤمن معاودته وقال علقمة في آخرين: فإذا أمنتم من الخوف والمرض . فمن تمتع بالعمرة إلى الحج معناه: من بدأ بالعمرة في أشهر الحج ، وأقام الحج من عامه ذلك ، فعليه ما استيسر من الهدي . وهذا قول ابن عمر ، وابن المسيب ، وعطاء ، والضحاك . وقد سبق الكلام فيما استيسر من الهدي . فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج قال الحسن: هي قبل التروية بيوم و [يوم ] التروية ، و [يوم ] عرفة ، وهذا قول عطاء ، والشعبي ، وأبي العالية ، وابن جبير ، وطاووس ، وإبراهيم ، وقد نقل عن علي رضي الله عنه . وقد روي عن الحسن ، وعطاء قالا: في أي العشر شاء صامهن . ونقل عن طاوس ، ومجاهد ، وعطاء ، أنهم قالوا: في أي أشهر الحج شاء فليصمهن . ونقل عن ابن عمر أنه قال: من حين يحرم إلى يوم عرفة . [ ص: 207 ] فصل

    فإن لم يجد الهدي ، ولم يصم الثلاثة أيام قبل يوم النحر ، فماذا يصنع؟ قال عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وابن جبير ، وطاووس ، وإبراهيم: لا يجزئه إلا الهدي ولا يصوم . وقال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام منى . ورواه صالح عن أحمد ، وهو قول مالك . وذهب آخرون إلى أنه لا يصوم أيام التشريق ، بل يصوم بعدهن . روي عن علي . ورواه المروذي عن أحمد ، وهو قول الشافعي .

    فصل

    فإن وجد الهدي بعد الدخول في صوم الثلاثة أيام ، لم يلزمه الخروج منه ، وهو قول مالك ، والشافعي . وقال أبو حنيفة: يلزمه الخروج ، وعليه الهدي . وقال عطاء: إن صام يومين ثم أيسر; فعليه الهدي . وإن صام ثلاثة أيام ثم أيسر; فليصم السبعة ، ولا هدي عليه . وفي معنى قوله: (في الحج) قولان . أحدهما: أن معناه: في أشهر الحج . والثاني: في زمان الإحرام بالحج . وفي قوله تعالى: (وسبعة إذا رجعتم) قولان . أحدهما: إذا رجعتم إلى أمصاركم ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وأبو العالية ، والشعبي ، وقتادة . والثاني: إذا رجعتم من حجكم ، وهو قول عطاء ، وسعيد بن جبير ، وأبي حنيفة ، ومالك . قال الأثرم: قلت لأبي عبيد الله ، يعني: أحمد بن حنبل: فصيام السبعة أيام إذا رجع متى يصومهن؟ أفي الطريق ، أم في أهله؟ قال: كل ذلك قد تأوله الناس . قيل لأبي عبد الله: ففرق بينهن ، فرخص في ذلك .

    قوله تعالى: تلك عشرة كاملة فيه خمسة أقوال .

    أحدها: أن معناه: كاملة في قيامها مقام الهدي ، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس ، والحسن . قال القاضي أبو يعلى: وقد كان يجوز أن يظن ظان أن الثلاثة قد قامت مقام الهدي في باب استكمال الثواب ، فأعلمنا الله تعالى أن العشرة بكمالها هي القائمة مقامه .

    [ ص: 208 ] . والثاني: أن الواو قد تقوم مقام "أو" في مواضع ، منها قوله: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فأزال الله ، عز وجل احتمال التخيير في هذه الآية بقوله: (تلك عشرة كاملة) وإلى هذا المعنى ذهب الزجاج .

    والثالث: أن ذلك للتوكيد وأنشدوا للفرزدق:


    ثلاث واثنتان فهن خمس وسادسة تميل إلى شمامي


    وقال آخر:


    هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أينا


    وقال آخر:


    كم نعمة كانت له كم كم وكم


    والقرآن نزل بلغة العرب ، وهي تكرر الشيء لتوكيده .

    والرابع: أن معناه: تلك عشرة كاملة في الفصل ، وإن كانت الثلاثة في الحج ، والسبعة بعد ، لئلا يسبق إلى وهم أحد أن السبعة دون الثلاثة ، قاله أبو سليمان الدمشقي .

    والخامس: أنها لفظة خبر ومعناها: الأمر ، فتقديره: تلك عشرة فأكملوها .

    قوله تعالى: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام في المشار إليه بذلك قولان . أحدهما: أنه التمتع بالعمرة إلى الحج . والثاني: أنه الجزاء بالنسك والصيام . واللام من "لمن" في هذا القول بمعنى: "على" . فأما حاضروا المسجد الحرام; فقال ابن عباس ، وطاووس ، ومجاهد: هم أهل الحرم . وقال عطاء: من كان منزله دون المواقيت . قال ابن الأنباري: ومعنى الآية: أن هذا الفرض لمن كان من الغرباء ، وإنما ذكر أهله وهو المراد بالحضور ، لأن الغالب على الرجل أن يسكن حيث أهله ساكنون .
    الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في [ ص: 209 ] الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب .

    قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات) .

    في الحج لغتان . فتح الحاء ، وهي لأهل الحجاز ، وبها قرأ الجمهور . وكسرها ، وهي لتميم ، وقيل: لأهل نجد ، وبها قرأ الحسن . قال سيبويه: يقال: حج حجا ، كقولهم: ذكر ذكرا . وقالوا: حجة ، يريدون: عمل سنة . قال الفراء: المعنى: وقت الحج هذه الأشهر . وقال الزجاج: معناه: أشهر الحج أشهر معلومات .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (38)

    صــ210 إلى صــ 214

    وفي أشهر الحج قولان . أحدهما: أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ، قاله ابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس ، وابن الزبير ، والحسن ، وابن سيرين ، وعطاء ، والشعبي ، وطاووس ، والنخعي ، وقتادة ، ومكحول ، والضحاك ، والسدي ، وأبو حنيفة ، وأحمد بن حنبل ، والشافعي ، رضي الله عنهم . والثاني: أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة ، وهو مروي عن ابن عمر أيضا ، وعطاء ، وطاووس ، ومجاهد ، والزهري ، والربيع ، ومالك بن أنس . قال ابن جرير الطبري: إنما أراد هؤلاء أن هذه الأشهر أن ليست أشهر العمرة ، إنما هي للحج ، وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء منى ، وقد كانوا يستحبون أن يفعلوا العمرة في غيرها . قال ابن سيرين: ما أحد من أهل العلم شك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج ، وإنما قال: (الحج أشهر) وهي شهران وبعض الآخر على عادة العرب . قال الفراء: تقول العرب: له اليوم يومان لم أره ، وإنما هو يوم ، وبعض آخر . وتقول: زرتك العام ، وأتيتك اليوم ، وإنما وقع الفعل في ساعة . وذكر ابن الأنباري في هذا قولين . أحدهما: أن العرب توقع الجمع على التثنية ، كقوله تعالى: أولئك مبرءون مما يقولون وإنما يريد عائشة وصفوان . وكذلك قوله: وكنا لحكمهم شاهدين يريد: [ ص: 210 ] داود وسليمان . والثاني: أن العرب توقع الوقت الطويل على الوقت القصير ، فيقولون: قتل ابن الزبير أيام الحج ، وإنما كان القتل في أقصر وقت .

    فصل

    اختلف العلماء فيمن أحرم بالحج قبل أشهر الحج ، فقال عطاء ، وطاووس ، ومجاهد ، والشافعي: لا يجزئه ذلك ، وجعلوا فائدة قوله: (الحج أشهر معلومات) أنه لا ينعقد الحج إلا فيهن . وقال أبو حنيفة ، ومالك ، والثوري ، والليث بن سعد ، وأحمد بن حنبل: يصح الإحرام بالحج قبل أشهر ، فعلى هذا يكون قوله: (الحج أشهر معلومات) أي: معظم الحج يقع في هذه الأشهر ، كما قال النبي ، صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة" .

    قوله تعالى: فمن فرض فيهن الحج قال ابن مسعود: هو الإهلال بالحج ، والإحرام به . وقال طاووس ، وعطاء: هو أن يلبي . وروي عن علي ، وابن عمر ، ومجاهد ، والشعبي في آخرين: أنه إذا قلد بدنته فقد أحرم ، وهذا محمول على أنه قلدها ناويا للحج . ونص الإمام أحمد بن حنبل ، رضي الله عنه ، في رواية الأثرم: أن الإحرام بالنية . قيل له: يكون محرما بغير تلبية؟ قال: نعم إذا عزم على الإحرام ، وهذا قول مالك ، والشافعي . وقال أبو حنيفة: لا يجوز الدخول في الإحرام إلا بالتلبية أو تقليد الهدي وسوقه .

    قوله تعالى: (فلا رفث) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر: (فلا رفث ولا فسوق) بالضم والتنوين . وقرأ نافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي بغير تنوين ، ولم يرفع أحد منهم لام "جدال" إلا أبو جعفر . قال أبو علي: حجة من فتح أنه أشد مطابقة للمعنى المقصود ، لأنه بالفتح قد نفى جميع الرفث والفسوق ، كقوله: (لا ريب [ ص: 211 ] فيه) فإذا رفع ونون ، كان النفي لواحد منه ، وإنما فتحوا لام الجدال ، ليتناول النفي جميع جنسه ، فكذلك ينبغي أن يكون جمع الاسمين قبله . وحجة من رفع أنه قد علم من فحوى الكلام نفي جميع الرفث ، وقد يكون اللفظ واحدا ، والمراد بالمعنى: الجميع .

    وفي الرفث ثلاثة أقوال . أحدها: أنه الجماع ، قاله ابن عمر ، والحسن ، وعكرمة ، ومجاهد ، وقتادة في آخرين . والثاني: أنه الجماع ، وما دونه من التعريض به ، وهو مروي عن ابن عمر أيضا ، وابن عباس ، وعمرو بن دينار في آخرين . والثالث: أنه اللغو من الكلام ، قاله أبو عبد الرحمن اليزيدي . وفي الفسوق ثلاثة أقوال . أحدها: أنه السباب ، قاله ابن عمر ، وابن عباس ، وإبراهيم في آخرين . والثاني: أنه التنابز بالألقاب ، مثل أن تقول لأخيك: يا فاسق ، يا ظالم ، رواه الضحاك عن ابن عباس . والثالث: أنه المعاصي ، قاله الحسن ، وعطاء ، وطاووس ، ومجاهد ، وقتادة في آخرين ، وهو الذي نختاره ، لأن المعاصي تشمل الكل ، ولأن الفاسق: الخارج من الطاعة إلى المعصية .

    قوله تعالى: (ولا جدال في الحج) الجدال: المراء . وفي معنى الكلام قولان .

    أحدهما: أن معناه: لا يمارين أحد أحدا ، فيخرجه المراء إلى الغضب ، وفعل ما لا يليق بالحج ، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عمر ، وابن عباس ، وطاووس ، وعطاء ، وعكرمة ، والنخعي ، وقتادة ، والزهري ، والضحاك في آخرين .

    والثاني: أن معناه: لا شك في الحج ولا مراء ، فإنه قد استقام أمره وعرف وقته وزال النسيء عنه ، قال مجاهد: كانوا يحجون في ذي الحجة عامين ، وفي المحرم عامين ، ثم حجوا في صقر عامين ، وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين حتى وافقت حجة أبي بكر [ ص: 212 ] الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة ، ثم حج النبي من قابل في ذي الحجة ، فذلك حين قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" وإلى هذا المعنى ذهب السدي عن أشياخه ، والقاسم بن محمد .

    قوله تعالى: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى قال ابن عباس: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون ، فيسألون الناس ، فأنزل الله تعالى: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى قال الزجاج: أمروا أن يتزودوا ، وأعلموا أن خير ما تزودوا تقوى الله عز وجل .
    ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم .

    قوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم

    قال ابن عباس: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم ، ويقولون: أيام ذكر; فنزلت هذه الآية . والابتغاء: الالتماس . والفضل هاهنا: التماس الرزق بالتجارة والكسب . قال ابن قتيبة: أفضتم ، بمعنى: دفعتم . وقال الزجاج: معناه: دفعتم بكثرة ، يقال: أفاض القوم في الحديث: إذا اندفعوا فيه ، وأكثروا التصرف .

    وفي تسمية عرفات قولان .

    [ ص: 213 ] أحدهما: أن الله تعالى بعث جبريل إلى إبراهيم فحج به ، فلما أتى عرفات قال: قد عرفت ، فسميت "عرفة" قاله علي رضي الله عنه .

    والثاني: أنها سميت بذلك لاجتماع آدم وحواء ، وتعارفهما بها قاله الضحاك .

    ، قاله الزجاج: والمشعر ، المعلم سمي بذلك ، لأن الصلاة عنده . والمقام والمبيت والدعاء من معالم الحج ، وهو مزدلفة ، وهي جمع يسمى بالاسمين . قال ابن عمر ، ومجاهد: المشعر الحرام: المزدلفة كلها .

    قوله تعالى: (واذكروه كما هداكم) أي: جزاء هدايته لكم ، فإن قيل: ما فائدة تكرير الذكر؟ قيل: فيه أربعة أجوبة . أحدها: أنه كرره للمبالغة في الأمر به . والثاني: أنه وصل بالذكر الثاني: ما لم يصل بالذكر الأول ، فحسن تكريره . فالمعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته . والثالث: أنه كرره ليدل على مواصلته ، والمعنى: اذكروه ذكرا بعد ذكر ، ذكر هذه الأقوال محمد بن القاسم النحوي . والرابع: أن الذكر في قوله: فاذكروا الله عند المشعر الحرام هو: صلاة المغرب والعشاء اللتان يجمع بينهما بالمزدلفة . والذكر في قوله: (كما هداكم) هو الذكر المفعول عند الوقوف بمزدلفة غداة جمع ، حكاه القاضي أبو يعلى .

    قوله تعالى: (وإن كنتم من قبله) في هاء الكناية ثلاثة أقوال . أحدها: أنها ترجع إلى الإسلام ، قاله ابن عباس . والثاني: أنها ترجع إلى الهدى ، قاله مقاتل ، والزجاج . والثالث: أنها ترجع إلى القرآن ، قاله سفيان الثوري .

    قوله تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس قالت عائشة: كانت قريش ومن يدين بدينها ، وهم الحمس ، يقفون عشية عرفة بالمزدلفة ، يقولون: نحن قطن البيت ، وكان بقية [ ص: 214 ] العرب والناس يقفون بعرفات ، فنزلت هذه الآية . قال الزجاج: سموا الحمس لأنهم تحمسوا في دينهم ، أي: تشددوا . والحماسة: الشدة في كل شيء .

    وفي المراد بالناس هاهنا أربعة أقوال . أحدها: أنهم جميع العرب غير الحمس ويدل عليه حديث عائشة ، وهو قول عروة ، ومجاهد ، وقتادة . والثاني: أن المراد بالناس هاهنا: إبراهيم الخليل عليه السلام ، قاله الضحاك بن مزاحم . والثالث: أن المراد بالناس آدم ، قاله الزهري . وقد قرأ أبو المتوكل ، وأبو نهيك ، ومورق العجلي: "الناسي" بإثبات الياء . والرابع: أنهم أهل اليمن وربيعة ، فإنهم كانوا يفيضون من عرفات ، قاله مقاتل .

    وفي المخاطبين بذلك قولان . أحدهما: أنه خطاب لقريش ، وهو قول الجمهور . والثاني: أنه خطاب لجميع المسلمين ، وهو يخرج على قول من قال: الناس آدم ، أو إبراهيم . والإفاضة هاهنا على ما يقتضيه ظاهر اللفظ: هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى صبيحة النحر ، إلا أن جمهور المفسرين على أنها الإفاضة من عرفات ، فظاهر الكلام لا يقتضي ذلك ، كيف يقال: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ثم أفيضوا من عرفات؟! غير أني أقول: وجه الكلام على ما قال أهل التفسير: أن فيه تقديما وتأخيرا ، تقديره: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله .

    و"الغفور" من أسماء الله ، عز وجل ، وهو من قولك: غفرت الشيء: إذا غطيته ، فكأن الغفور هو الساتر لعبده برحمته ، أو الساتر لذنوب عباده . والغفور: هو الذي يكثر المغفرة ، لأن بناء المفعول للمبالغة من الكثرة ، كقولك: صبور ، وضروب ، وأكول .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (39)

    صــ215 إلى صــ 219

    فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس [ ص: 215 ] من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون .

    قوله تعالى: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله

    في سبب نزولها ثلاثة أقوال .

    أحدها: أن أهل الجاهلية كانوا إذا اجتمعوا بالموسم ، ذكروا أفعال آبائهم وأيامهم وأنسابهم في الجاهلية ، فتفاخروا بذلك; فنزلت هذه الآية . وهذا المعنى مروي عن الحسن ، وعطاء ، ومجاهد .

    والثاني: أن العرب كانوا إذا حدثوا أو تكلموا يقولون: وأبيك إنهم لفعلوا كذا وكذا فنزلت هذه الآية . وهذا مروي عن الحسن أيضا .

    والثالث: أنهم كانوا إذا قضوا مناسكهم ، قام الرجل بمنى . فقال: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة ، كثير المال ، فأعطني مثل ذلك ، فلا يذكر الله ، إنما يذكر أباه ، ويسأل أن يعطى في دنياه ، فنزلت هذه الآية ، هذا قول السدي .

    والمناسك: المتعبدات . وفي المراد بها هاهنا قولان . أحدهما: أنها جميع أفعال الحج ، قاله الحسن . والثاني: أنها إراقة الدماء ، قاله مجاهد . وفي ذكرهم آبائهم أربعة أقوال . أحدها: أنه إقرارهم بهم . والثاني: أنه حلفهم بهم . والثالث: أنه ذكر إحسان آبائهم إليهم ، فإنهم كانوا يذكرونهم وينسون إحسان الله إليهم . والرابع: أنه ذكر الأطفال الآباء ، لأنهم أول نطقهم بذكر آبائهم ، روي هذا المعنى عن عطاء ، والضحاك . وفي "أو" قولان . أحدهما: أنها بمعنى "بل" . والثاني: بمعنى الواو . و"الخلاق" قد تقدم ذكره .

    [ ص: 216 ] وفي حسنة الدنيا سبعة أقوال . أحدها: أنها المرأة الصالحة ، قاله علي . والثاني: أنها العبادة ، رواه سفيان بن حسين عن الحسن . والثالث: أنها العلم والعبادة ، رواه هشام عن الحسن . والرابع: المال ، قاله أبو وائل ، والسدي ، وابن زيد . والخامس: العافية ، قاله قتادة . والسادس: الرزق الواسع ، قاله مقاتل . والسابع: النعمة ، قاله ابن قتيبة .

    وفي حسنة الآخرة ثلاثة أقوال . أحدها: أنها الحور العين ، قاله علي ، رضي الله عنه . والثاني: الجنة ، قاله الحسن ، والسدي ، ومقاتل . والثالث: العفو والمعافاة ، روي عن الحسن ، والثوري .

    قوله تعالى: أولئك لهم نصيب مما كسبوا قال الزجاج: معناه: دعاؤهم مستجاب ، لأن كسبهم هاهنا هو الدعاء ، وهذه الآية متعلقة بما قبلها ، إلا أنه قد روي أنها نزلت على سبب يخالف سبب أخواتها ، فروى الضحاك عن ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله: مات أبي ولم يحج ، أفأحج عنه؟ فقال: "لو كان على أبيك دين قضيته ، أما كان ذلك يجزئ عنه؟" قال: نعم ، قال: "فدين الله أحق أن يقضى!" قال: فهل لي من أجر؟ فنزلت هذه الآية .

    وفي معنى سرعة الحساب خمسة أقوال . أحدها: أنه قلته ، قاله ابن عباس . والثاني: أنه قرب مجيئه ، قال مقاتل . والثالث: أنه لما علم ما للمحاسب وما عليه قبل حسابه ، كان سريع الحساب لذلك . والرابع: أن المعنى: والله سريع المجازاة ، ذكر هذا القول والذي قبله الزجاج . والخامس: أنه لا يحتاج إلى فكر وروية كالعاجزين ، قاله أبو سليمان الدمشقي .

    [ ص: 217 ] قوله تعالى: واذكروا الله في أيام معدودات في هذا الذكر قولان . أحدهما: أنه التكبير عند الجمرات ، وأدبار الصلوات ، وغير ذلك من أوقات الحج . والثاني: أنه التكبير عقيب الصلوات المفروضات . واختلف أرباب هذا القول في الوقت الذي يبتدئ فيه بالتكبير ويقطع على ستة أقوال . أحدها: أنه يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة ، إلى [ما ] بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق ، قاله علي ، وأبو يوسف ، ومحمد . والثاني: أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر ، قاله ابن مسعود ، وأبو حنيفة . والثالث: من بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى [ما ] بعد العصر من آخر أيام التشريق ، قاله ابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، وعطاء . والرابع: أنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى [ما ] بعد صلاة الظهر من يوم النفر ، وهو الثاني من أيام التشريق ، قاله الحسن . والخامس: أنه يكبر من الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، قاله مالك بن أنس ، وهو أحد قولي الشافعي . والسادس: أنه يكبر من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، وهذا قول للشافعي . ومذهب إمامنا أحمد أنه كان محلا ، كبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة; أولها الفجر يوم عرفة وآخرها العصر من آخر أيام التشريق ، وإن كان محرما كبر عقيب سبعة عشر صلاة; أولها الظهر من يوم النحر ، وآخرها العصر من آخر أيام التشريق .

    وهل يختص هذا التكبير عقيب الفرائض بكونها في جماعة أم لا؟ فيه عن أحمد روايتان إحداهما: يختص بمن صلاها في جماعة ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله . والثانية: يختص بالفريضة ، وإن صلاها وحده ، وهو قول الشافعي .

    وفي الأيام المعدودات ثلاثة أقوال . أحدها: أنها أيام التشريق ، قاله ابن عمر ، وابن [ ص: 218 ] عباس ، والحسن ، وعطاء ، ومجاهد ، وقتادة في آخرين . والثاني: أنها يوم النحر ويومان بعده ، روي عن علي ، وابن عمر . والثالث: أنها أيام العشر ، قاله سعيد بن جبير ، والنخعي . قال الزجاج: و "معدودات" يستعمل كثيرا للشيء القليل ، كما يقال: دريهمات وحمامات .

    قوله تعالى: فمن تعجل في يومين أي: فمن تعجل النفر الأول في اليوم الثاني من أيام منى ، فلا إثم عليه ، ومن تأخر إلى النفر الثاني ، وهو اليوم الثالث من أيام منى ، فلا إثم عليه . فإن قيل ، إنما يخاف الإثم المتعجل ، فما بال المتأخر ألحق به ، والذي أتى به أفضل؟! فعنه أربعة أجوبة . أحدها: أن المعنى: لا إثم على المتعجل ، والمتأخر مأجور ، فقال: لا إثم عليه ، لتوافق اللفظة الثانية الأولى ، كقوله: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه والثاني: أن المعنى: فلا إثم على المتأخر في ترك استعمال الرخصة . والثالث: أن المعنى: قد زالت آثام المتعجل والمتأخر التي كانت عليها قبل حجهما . والرابع: أن المعنى: طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر إنما يكون بشرط التقوى .

    وفي معنى "لمن اتقى" ثلاثة أقوال . أحدها: لمن اتقى قتل الصيد ، قاله ابن عباس . والثاني: لمن اتقى المعاصي في حجه ، قاله قتادة . وقال ابن مسعود: إنما مغفرة الله لمن اتقى الله في حجه . والثالث: لمن اتقى فيما بقي من عمره ، قاله أبو العالية ، وإبراهيم .
    ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام .

    قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا .

    اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال . أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق ، كان لين الكلام ، كافر القلب ، يظهر للنبي الحسن ، ويحلف له أنه يحبه ، ويتبعه على [ ص: 219 ] دينه وهو يضمر غير ذلك ، هذا قول ابن عباس ، والسدي ومقاتل . والثاني: أنها نزلت فيمن نافق فأظهر بلسانه ما ليس في قلبه . وهذا قول الحسن ، وقتادة ، وابن زيد . والثالث: أنها نزلت في سرية الرجيع ، وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة: إنا قد أسلمنا ، فابعث لنا نفرا من أصحابك يعلمونا ديننا ، فبعث صلى الله عليه وسلم; خبيب بن عدي ، ومرثدا الغنوي ، وخالد بن بكير ، وعبد الله بن طارق ، وزيد بن الدثنة ، وأمر عليهم عاصم بن ثابت ، فساروا نحو مكة ، فنزلوا بين مكة والمدينة ومعهم تمر ، فأكلوا منه ، فمرت عجوز فأبصرت النوى ، فرجعت إلى قومها وقالت: قد سلك هذا الطريق أهل يثرب ، فركب سبعون منهم حتى أحاطوا بهم ، فحاربوهم ، فقتلوا مرثدا ، وخالدا ، وابن طارق ، ونثر عاصم كنانته وفيها سبعة أسهم ، فقتل بكل سهم رجلا من عظمائهم ، ثم قال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار ، فاحم لحمي آخر النهار ، ثم أحاطوا به فقتلوه ، وأرادوا حز رأسه يبيعوه من سلافة بنت سعد ، وكان قتل بعض أهلها ، فنذرت: لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر ، فأرسل الله تعالى رجلا من الدبر - وهي: الزنابير - فحمته ، فلم يقدروا عليه ، فقال دعوه حتى يمسي فتذهب عنه ، فنأخذه ، فجاءت ، سحابة فأمطرت كالعزالي ، فبعث الله الوادي ، فاحتمله فذهب به ، وأسروا خبيبا وزيدا ، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبا ليقتلوه ، لأنه قتل آباءهم ، فلما خرجوا به ليقتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين ، فتركوه فصلى ركعتين ، ثم قال: لولا أن تقولوا: جزع خبيب; لزدت ، وأنشأ يقول:





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



    تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
    جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
    سُورَةُ الْبَقَرَةِ
    الحلقة (40)

    صــ220 إلى صــ 224


    [ ص: 220 ]
    ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان في الله مصرعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشأ
    يبارك على أوصال شلو ممزع



    فصلبوه حيا ، فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد حولي يبلغ رسولك سلامي ، فجاءه رجل منهم يقال له: أبو سروعة ، ومعه رمح ، فوضعه بين يدي خبيب ، فقال له خبيب: اتق الله ، فما زاده ذلك إلا عتوا . وأما زيد ، فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه ، فجاءه أبو سفيان بن حرب حين قدم ليقتله ، فقال: يا زيد! أنشدك الله ، أتحب أن محمدا مكانك ، وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي ، ثم قتل . وبلغ النبي الخبر ، فقال: أيكم يحتمل خبيبا عن خشبته وله الجنة؟ فقال الزبير: أنا وصاحبي المقداد ، فخرجا يمشيان بالليل ويمكثان بالنهار ، حتى وافيا المكان ، وإذا حول الخشبة أربعون مشركا نيام نشاوى ، وإذا هو رطب يتثنى لم يتغير فيه شيء بعد أربعين يوما ، فحمله الزبير على فرسه ، وسار فلحقه سبعون منهم ، فقذف الزبير خبيبا فابتلعته الأرض ، وقال الزبير: ما جرأكم علينا يا معشر قريش؟! ثم رفع العمامة عن رأسه وقال: أنا الزبير بن العوام ، وأمي صفية بنت عبد المطلب ، وصاحبي المقداد ، أسدان رابضان يدفعان عن شبلهما ، فإن شئتم ناضلتكم ، وإن شئتم نازلتكم ، وإن شئتم انصرفتم ، فانصرفوا ، وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عنده ، فقال: "يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك"

    وقال بعض المنافقين في أصحاب خبيب: ويح هؤلاء المقتولين ، لا في بيوتهم قعدوا ، ولا رسالة صاحبهم أدوا ، فأنزل الله تعالى في الزبير والمقداد وخبيب وأصحابه والمنافقين هذه الآية ، وثلاث آيات بعدها .
    وهذا الحديث بطوله مروي عن ابن عباس .

    [ ص: 221 ] قوله تعالى: (ويشهد الله على ما في قلبه) فيه قولان . أحدهما: أنه يقول: إن الله يشهد أن ما ينطق به لساني هو الذي في قلبي . والثاني: أنه يقول: اللهم اشهد علي بهذا القول . وقرأ ابن مسعود: "ويستشهد الله" بزيادة سين وتاء . وقرأ الحسن ، وطلحة بن مصرف ، وابن محيصن وابن عبلة: "ويشهد" بفتح الياء "الله" بالرفع .

    قوله تعالى: (وهو ألد الخصام) الخصام: جمع خصم ، يقال: خصم وخصام وخصوم . قال الزجاج: والألد: الشديد الخصومة ، واشتقاقه من لديدي العنق ، وهما صفحتا العنق ، ومعناه: أن خصمه في أي وجه أخذ من أبواب الخصومة ، غلبه في ذلك .
    وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد .

    قوله تعالى: (وإذا تولى) . فيه أربعة أقوال . أحدها: أنه بمعنى: غضب ، روي عن ابن عباس ، وابن جريج . والثاني: أنه الانصراف عن القول الذي قاله ، قاله الحسن . والثالث: أنه من الولاية ، فتقديره: إذا صار واليا ، قاله مجاهد والضحاك . والرابع: أنه الانصراف بالبدن ، قاله مقاتل وابن قتيبة .

    وفي معنى: "سعى" قولان . أحدهما: أنه بمعنى: عمل ، قاله ابن عباس ومجاهد . والثاني: أنه من السعي بالقدم ، قاله أبو سليمان الدمشقي . وفي الفساد قولان . أحدهما: أنه الكفر . والثاني: الظلم . والحرث: الزرع . والنسل: نسل كل شيء من الحيوان ، هذا قول ابن عباس وعكرمة في آخرين . وحكى الزجاج عن قوم: أن الحرث: النساء ، والنسل: الأولاد . قال: وليس هذا بمنكر ، لأن المرأة تسمى حرثا .

    وفي معنى إهلاكه للحرث والنسل ثلاثة أقوال . أحدها: أنه إهلاك ذلك بالقتل والإحراق والإفساد ، قاله الأكثرون . والثاني: أنه إذا ظلم كان الظلم سببا لقطع القطر ، [ ص: 222 ] فيهلك الحرث والنسل ، قاله مجاهد . وهو يخرج على قول من قال: إنه من التولي . والثالث: أنه إهلاك ذلك بالضلال الذي يؤول إلى الهلاك ، حكاه بعض المفسرين .

    قوله تعالى: والله لا يحب الفساد قال ابن عباس: لا يرضى بالمعاصي . وقد احتجت المعتزلة بهذه الآية ، فأجاب أصحابنا بأجوبة . منها: أنه لا يحبه دينا ، ولا يريده شرعا ، فأما أنه لم يرده وجودا; فلا . والثاني: أنه لا يحبه للمؤمنين دون الكافرين ، والثالث: أن الإرادة معنى غير المحبة ، فإن الإنسان قد يتناول المر ، ويريد بط الجرح ، ولا يحب شيئا من ذلك . وإذا بان في المعقول الفرق بين الإرادة والمحبة; بطل ادعاؤهم التساوي بينهما ، وهذا جواب معتمد . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ولا يرضى لعباده الكفر . [ الزمر: 7 ] .
    وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد .

    قوله تعالى: (أخذته العزة) قال ابن عباس: هي الحمية . وأنشدوا:


    أخذته عزة من جهله فتولى مغضبا فعل الضجر


    ومعنى الكلام: حملته الحمية على الفعل بالإثم . وفي "جهنم" قولان ، ذكرهما ابن الأنباري ، أحدهما: أنها أعجمية لا تجر للتعريف والعجمة . والثاني: أنها اسم عربي ، ولم يجر للتأنيث والتعريف . قال رؤبة: ركية جهنام: بعيدة القعر .

    وقال الأعشى:


    دعوت خليلي مسحلا ودعوا له جهنام جدعا للهجين المذمم


    فترك صرفه يدل على أنه اسم أعجمي معرب .

    وفي معنى الكلام قولان . أحدها: فحسبه جهنم جزاء عن إثمه . والثاني: فحسبه [ ص: 223 ] جهنم ذلا من عزة . والمهاد: الفراش ، ومهدت لفلان: إذا وطأت له ، ومنه: مهد الصبي .
    ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد .

    قوله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على خمسة أقوال .

    أحدها: أنها نزلت في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وهو معنى قول قمر وعلي رضي الله عنهما . والثاني: أنها نزلت في الزبير والمقداد حين ذهبا لإنزال خبيب من خشبته ، وقد شرحنا القصة . وهذا قول ابن عباس والضحاك . والثالث: أنها نزلت في صهيب الرومي ، واختلفوا في قصته ، فروي أنه أقبل مهاجرا نحو النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فاتبعه نفر من قريش ، فنزل ، فانتثل كنانته ، وقال: قد علمتم أني من أرماكم بسهم ، وايم الله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم معي ، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ، فإن شئتم دللتكم على مالي . قالوا: فدلنا على مالك نخل عنك ، فعاهدهم على ذلك ، فنزلت فيه هذه الآية ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ربح البيع أبا يحيى"؟ وقرأ عليه القرآن . هذا قول سعيد بن المسيب ، وذكر نحوه أبو صالح عن ابن عباس ، وقال: إن الذي تلقاه فبشره بما نزل فيه أبو بكر الصديق . وذكر مقاتل أنه قال للمشركين: أنا شيخ كبير لا يضركم إن كنت معكم أو عليكم ، ولي عليكم حق لجواري ، فخذوا مالي غير راحلة ، واتركوني وديني ، فاشترط أن لا يمنع عن صلاة ولا هجرة ، فأقام ما شاء الله ، ثم ركب راحلته ، فأتى المدينة مهاجرا ، فلقيه أبو بكر ، فبشره وقال: نزلت فيك هذه الآية . وقال عكرمة: نزلت في صهيب ، وأبي ذر الغفاري ، فأما صهيب ، فأخذه أهله فافتدى بماله ، وأما أبو ذر ، فأخذه أهله فأفلت منهم حتى قدم مهاجرا . والرابع: أنها نزلت في المجاهدين [ ص: 224 ] في سبيل الله ، قاله الحسن وابن زيد في آخرين . والخامس: أنها نزلت في المهاجرين والأنصار حين قاتلوا على دين الله حتى ظهروا ، هذا قول قتادة . و"يشري" كلمة من الأضداد ، يقال: شرى ، بمعنى: باع ، وبمعنى: اشترى . فمعناها على قول من قال: نزلت في صهيب; معنى: يشتري . وعلى بقية الأقوال بمعنى: يبيع .
    يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور .

    قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال . أحدها: أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب ، كانوا بعد إسلامهم يتقون السبت ولحم الجمل ، وأشياء يتقيها أهل الكتاب . رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبي محمد ، صلى الله عليه وسلم ، أمروا بالدخول في الإسلام . روي عن ابن عباس أيضا ، وبه قال الضحاك . والثالث: أنها نزلت في المسلمين ، يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام كلها ، قاله مجاهد وقتادة .

    وفي "السلم " ثلاث لغات: كسر السين ، وتسكين اللام ، وبها قرأ أبو عمرو ، وابن عامر في "البقرة" وفتحا السين في "الأنفال" وسورة "محمد" وفتح السين مع تسكين اللام . وبها قرأ ابن كثير ، ونافع ، والكسائي في المواضع الثلاثة ، وفتح السين واللام . وبها قرأ الأعمش في "البقرة" خاصة .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •