قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وذلك أن القسمة رباعية؛ لأن مَن جعل الرب هو العبد حقيقة؛ فإما أن يقول بحلوله فيه، أو اتحاده به، وعلى التقديرين، فإما أن يجعل ذلك مختصًّا ببعض الخلق؛ كالمسيح، أو يجعله عامًّا لجميع الخلق؛ فهذه أربعة أقسام:
الأول: هو الحلول الخاص؛ وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول: إن اللاهوت حل في الناسوت؛ كحول الماء في الإناء، وهؤلاء حققوا كفر النصارى بسبب مخالطتهم للمسلمين، وكان أولهم في زمن المأمون؛ وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة؛ كغالية الرافضة الذين يقولون: إنه حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته، وغالية النُّسَّاك الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومن يعتقدون في الولاية أو في بعضهم؛ كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء.
والثاني: هو الاتحاد الخاص؛ وهو قول يعقوبية النصارى وهم أخبث قولًا، وهم السودان والقبط، يقولون: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا؛ كاختلاط اللبن بالماء؛ وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام.
والثالث: هو الحلول العام؛ وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث عن طائفة من الجهمية المتقدمين، وهو قول غالب متعبدة الجهمية الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان؛ ويتمسكون بمتشابه من القرآن؛ كقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 3]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: 4]، والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام أئمة السنة وأهل المعرفة وعلماء الحديث.
الرابع: الاتحاد العام؛ وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات؛ وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين: من جهة أن أولئك قالوا: إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين، وهؤلاء يقولون: ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره. والثاني من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه؛ كالمسيح، وهؤلاء جعلوا ذلك ساريًا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 17]، فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار، والمنافقون، والصبيان، والمجانين، والأنجاس، والأنتان، وكل شيء، وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه ﴾ [المائدة: 18]، وقال لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: 18]، فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ليسوا غيره ولا سواه، ولا يُتصور أن يعذب الله إلا نفسه، وأن كل ناطق في الكون فهو عين السامع؟!»اهـ([1]).


[1])) «مجموع الفتاوى» (2/ 171- 173).