شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 56

الموضوع: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود للعباد
    (عبد المحسن العباد)

    المعاني التي تطلق عليها السنة

    صــ 2إلى صــ6
    الحلقة (1)



    [القرآن والسنة وحي من الله يجب الأخذ به]

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين
    .أما بعد:

    [الأدلة من القرآن على أن السنة وحي من عند الله]
    فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الوحي الثاني بعد القرآن، وهي وحي من الله عز وجل كالكتاب، إلا أن الكتاب تعبد الله تعالى بتلاوته وجعله معجزاً.وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم يجب العمل بها والأخذ بما فيها كالقرآن، وهي ليست من عند الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هي من عند الله،
    قال عز وجل:
    {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3 - 4].
    فكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه العصمة والنجاة، والأخذ به لازم كالأخذ بالقرآن، ولا يجوز أن يفرق بين السنة والقرآن بأن يؤخذ بالقرآن ولا يؤخذ بالسنة، ومن زعم أنه يأخذ بالقرآن ولا يأخذ بالسنة فإنه كافر بالكتاب والسنة؛
    لأن الله عز وجل يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]،
    ويقول عز وجل:
    {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36]،
    ويقول سبحانه:
    {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63].
    فمن زعم أنه يأخذ من الكتاب ولا يأخذ من السنة فقد كفر بمقتضى قول الله عز وجل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]، وقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه لعن النامصة والمتنمصة،
    وقال:
    ما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موجود في كتاب الله،
    فجاءت إليه امرأة وقالت:
    يا أبا عبد الرحمن انظر ماذا تقول،
    فإنك قلت:
    كذا وكذا، وإنني قرأت المصحف من أوله إلى آخره فما وجدت فيه الذي تقول.
    قال: إن كنت قرأته فقد وجدته،
    قال الله عز وجل:
    {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7].
    فالسنة كلها داخلة في قوله عز وجل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]، وطاعته عليه الصلاة والسلام لازمة كطاعة الله،
    ولهذا يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
    (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟
    قال:
    من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)
    .
    [الأدلة من السنة على أنها وحي يجب الأخذ به]
    وجاء في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث تدل على أن السنة وحي من الله، ومن ذلك حديث أنس الطويل في ذكر فرائض الصدقة التي فرضها الله عز وجل، ثم ذكر أسنان الإبل والغنم،
    ثم قال:
    (الفرائض التي فرضها الله عز وجل)، فأضاف فرضها إلى الله تعالى، وهي إنما جاءت في السنة وليست في القرآن، أعني ذكر مقادير الزكاة وأسنان الزكاة من الإبل والبقر والغنم.
    وكذلك جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال:
    (يغفر للشهيد كل شيء،
    ثم قال:
    إلا الدين، سارني به جبريل آنفاً)
    يعني: أن جبريل ساره باستثناء الدين، وهذا يدل على أن السنة وحي من الله.وكذلك الحديث الذي ذكر فيه قصة الرجل الذي يشتكي بطن أخيه،
    وقال له عليه الصلاة والسلام:
    (اسقه عسلاً)، ثم جاء ثانية وثالثة يشتكي،
    ثم أمره بعد ذلك وقال:
    (صدق الله وكذب بطن أخيك)،
    يعني:
    أن هذا من الله عز وجل وليس منه صلى الله عليه وسلم.
    [كفر من لم يأخذ بالسنة وبيان بطلان طريقته]
    من لم يأخذ بالسنة فهو كافر بالكتاب والسنة،
    ومن أوضح ما يبين ذلك:
    أن الصلوات الخمس فرضها الله تعالى بركعات معينة، وما جاء عددها في القرآن، فالظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والفجر ركعتان.
    فالذي يقول: إنه لا يأخذ إلا بالقرآن ولا يأخذ بالسنة كم سيصلي الظهر؟ وكم سيصلي العصر؟ لقد جاء كل ذلك مبيناً في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
    إذاً: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحي من الله، والأخذ بها لازم كالقرآن، ولا يفرق بين السنة والقرآن من حيث العمل والأخذ بمقتضى ما دلت عليه، بل يجب أن يتلقى الإنسان أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام ويعمل بها كما يعمل بما جاء في القرآن الكريم؛ لأن الكل وحي من الله سبحانه وتعالى.
    [حجية خبر الواحد]
    إن السنة حجة في جميع الأمور وليست حجة في شيء دون شيء، المتواتر منها والآحاد سواء، كل ذلك حجة في العقائد والأحكام والأخلاق والآداب وغير ذلك، وقد جاءت النصوص الكثيرة الدالة على ذلك،
    منها:
    كون النبي صلى الله عليه وسلم يبعث الرجل ليعلم الناس أمور دينهم، ويجب على الذين يبعثه إليهم أن يأخذوا بما يأتيهم به من بيان العقائد والعبادات والمعاملات وما إلى ذلك.
    وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن وقال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أجابوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).
    فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذاً إلى اليمن، وأمره بتبليغ الناس أمور دينهم، وقامت الحجة عليهم بذلك في العبادات والمعاملات والعقائد، وأول شيء دعا إليه التوحيد والعقيدة،
    وما جاء عن الصحابة أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم:
    إنه فرد يحتاج إلى من يعززه، ولابد أن يكون العدد كبيراً،
    وما جاء عن الذين بعث إليهم أنهم سألوا واستفسروا وقالوا:
    هل يكفي أن نأخذ بما يأتي عن رجل واحد.وقد جاءت النصوص الكثيرة في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم دالة على الاكتفاء بخبر الواحد، وأنه تقوم به الحجة، ولا يلزم أن يكون الحديث الذي يحتج به متواتراً في العقيدة ودون ذلك في غيرها، بل إن العقائد والعبادات والمعاملات طريقها واحد، وإذا ثبت النص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنه حجة في العقيدة والعبادة والمعاملات ولو كان من قبيل الآحاد.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المعاني التي تطلق عليها السنة

    صــ 7إلى صــ12
    الحلقة (2)

    المعاني التي تطلق عليها السنة
    [إطلاق السنة بمعنى الطريقة والمنهج]
    سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلق إطلاقات: فتطلق إطلاقاً عاماً يشمل كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة، وحينها يراد بها طريقة الرسول ومنهجه.
    ومن ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (فمن رغب عن سنتي فليس مني) يعني: من رغب عن الطريقة التي كنت عليها، وهي الأخذ بما في الكتاب وما جاءت به السنة.
    ولهذا جاء في السنة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم (كان خلقه القرآن)، لأنه كان يتأدب بآدابه، ويتخلق بأخلاقه، ويعمل بما فيه،
    ولهذا لما نزل قول الله عز وجل:
    {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:3] قالت عائشة رضي الله عنها: (ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة إلا قال في ركوعه: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)،
    معناه:
    يطبق القرآن، وينفذ ما جاء به كتاب الله عز وجل.فهذا إطلاق عام يشمل الكتاب والسنة، فكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو سنته.
    [إطلاق السنة بمعنى الحديث]
    المعنى الثاني: تطلق السنة إطلاقاً آخر على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم،
    ومن ذلك ما يذكره العلماء من محدثين ومفسرين وفقهاء عندما يذكرون مسألة من المسائل فيقول أحدهم فيها:
    وهذه المسألة دل عليها الكتاب والسنة والإجماع.أما الكتاب فقول الله عز وجل كذا وكذا، وأما السنة فقول الرسول صلى الله عليه وسلم كذا، وأما الإجماع فقد حكى فلان الإجماع على هذا الحكم.فعطف السنة على الكتاب يقتضي أن يكون المراد بها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فصار معنى السنة هنا أخص من المعنى الأول.فالسنة مطابقة للحديث،
    وهي التي يعرفها علماء المصطلح بقولهم:
    هي ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خَلقي أو خُلقي.فما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول يقوله، أو فعل يفعله، أو عمل يعمل بين يديه ويقره عليه الصلاة والسلام، أو بيان خلقته وصفته صلى الله عليه وسلم، أو أخلاقه الكريمة وسماته الحميدة عليه أفضل الصلاة والسلام؛ كل هذا يقال له سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
    [إطلاق السنة على ما يقابل البدعة]
    المعني الثالث:
    تطلق السنة إطلاقاً ثالثاً يراد به ما يقابل البدعة،
    فيقال:
    سني وبدعي، وسنة وبدعة، ومن ذلك ما يصنعه كثير من المحدثين الذين يؤلفون في العقائد كتباً باسم السنة، مثل السنة لـ عبد الله بن الإمام أحمد، والسنة لـ ابن أبي عاصم، والسنة للطبراني، والسنة للالكائي، والسنة لـ محمد بن نصر المروزي؛ كل هذه الكتب باسم السنة ويراد بها ما يتعلق بالعقيدة مبنياً على سنة ومخالفاً لبدعة، ومنه الكتاب الذي أورده أبو داود في سننه ضمن كتبه الكثيرة حيث جعل ضمن كتاب السنن كتاب السنة، وأورد فيه ما يقرب من مائة وستين حديثاً كلها تتعلق بالعقائد.إذاً: السنة يراد بها ما يقابل البدعة،
    ولذا يقولون: سني وبدعي،
    أي:
    سني يعمل بالسنة، وبدعي يأخذ بما يخالف السنة،
    كما جاء ذلك في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال:
    (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون،
    فقلنا:
    يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا؟
    قال:
    أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)
    .فذكر في هذا الحديث الحق والباطل والسنة والبدعة،
    ورغب في اتباع السنة بقوله:
    (عليكم)،
    وحذر من البدع ومن محدثات الأمور بقوله:
    (وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة).
    وقال عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
    إذاً: يأتي لفظ السنة بمعنى ما يعتقد على وفق السنة وليس على وفق البدعة.
    [إطلاق السنة بمعنى المستحب والمندوب]
    المعنى الرابع: يأتي عند الفقهاء ذكر السنة بمعنى المستحب والمندوب.
    يقال في كتب الفقه: يسن كذا، أو يستحب كذا، أو يندب كذا.فتأتي السنة مرادفة للمندوب وللمستحب، ففي اصطلاح الفقهاء أن السنة تأتي للمأمور به لا على سبيل الإيجاب وإنما على سبيل الاستحباب، وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، ويطلبه الشارع طلباً غير جازم، فمن ترك الفعل المسنون لا يعاقب إلا إذا كان الترك رغبة عن السنة وزهداً فيها، فهذا يؤاخذ على ذلك، أما إذا تركه لأنه ليس بواجب وليس رغبة عن السنة، لكنه يقتصر على الواجب ولا يفعل المستحب، فإنه لا يؤاخذ على ذلك.لكن المستحبات والسنن هي كالسياج للفرائض، ومن تهاون بالسنن جره ذلك إلى التهاون بالفرائض، والنوافل تكمل بها الفرائض إذا حصل نقص،
    كما جاء في الحديث:
    (أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة) وجاء في آخر الحديث نفسه: أنه إذا حصل منه نقص فإنه ينظر إلى ما فعله من النوافل، فيكمل بالنفل ما حصل من النقص في الفرض.فالنوافل مكملة للفرائض وهي كالسياج والحصن الذي يحول دون التساهل بالفرائض؛ لأن من يتساهل بالسنن قد يجره ذلك إلى أن يتساهل في الفرائض، ومن حرص على النوافل فهو على الفرائض أحرص، ومن اشتغل بالنوافل وقصر في الفرائض فهو مخطئ وآثم.
    وقد قال بعض العلماء: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن اشتغل بالنفل عن الفرض فهو مغرور، كالإنسان يكون في وظيفة وله دوام معين عليه أنه يشغله، فإذا كان يقضي جزءاً من النهار وهو يصلي ويتنفل ويترك العمل مشغولاً بالنوافل، فهذا ترك للواجب واشتغال بغير الواجب.
    والله عز وجل يقول كما في الحديث القدسي:
    (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).
    هذه أربعة معان تطلق على السنة:
    إطلاق عام يشمل الكتاب والسنة، وإطلاق يراد به خصوص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإطلاق يراد به ما يعتقد طبقاً للسنة خلافاً للبدعة، وإطلاق يراد به المأمور به على سبيل الندب لا على سبيل الوجوب.
    [فضل العناية بالسنة والاشتغال بها]
    جاءت أحاديث كثيرة تدل على فضل العناية بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام والاشتغال بها وتلقيها وتعلمها وتعليمها،
    ومن أوضح ما جاء فيها الحديث المتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)،
    وجاء في بعض رواياته:
    (رحم الله من سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه).فهذا الحديث المتواتر مشتمل على دعاء من النبي عليه الصلاة السلام لمن اشتغل بسنته عليه الصلاة والسلام وبلغها وعمل بها أن يجعله ذا نضرة وبهجة، بحيث يكون وجهه مشرقاً مضيئاً في الدنيا والآخرة، فتكون عليه البهجة في الدنيا، ويكون ذا نضرة وبهجة في الآخرة.
    وقد جاء في القرآن الكريم: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22 - 23] فالأولى بالضاد أخت الصاد، وهي من النضرة التي معناها الإضاءة والإشراق، والثانية بالظاء أخت الطاء من النظر بالعين، وهي الرؤية.وهي من أدلة أهل السنة والجماعة على إثبات رؤية الله في الدار الآخرة.والدعاء المذكور في الحديث سببه أن هذا المرء يقوم بهذه المهمة العظيمة، فيتلقى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحفظه ويبلغه إلى غيره؛ لأنه إذا حفظه وبلغه إلى غيره قد يستنبط غيره منه ما يخفى على ذلك الذي تحمل،
    ولهذا قال:
    (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) لأنه بذلك حفظ السنن، ومكن غيره من استنباط أحكامها.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المعاني التي تطلق عليها السنة

    صــ 7إلى صــ12
    الحلقة (3)

    فضل الجمع بين الرواية والدراية في الحديث
    [معنى الرواية والدراية]
    إن الاشتغال بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام يتطلب العناية بأمرين: العناية بالرواية والعناية بالدراية.
    فالعناية بالرواية بحيث تعرف الأحاديث بأسانيدها ومتونها،
    وتثبت بأسانيدها ومتونها مثل:
    حدثنا فلان قال: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: كذا وكذا.هذا هو علم الرواية.وبيان ما يتعلق بالأسانيد والمتون، وشرح المتون، واستنباط فقهها، واستنباط أحكامها هو علم الدراية.فلابد من الرواية ولابد من الدراية، فلا يكون هم الإنسان الرواية فقط ويغفل عن الدراية والفقه، ولا يكون همه الاشتغال بمسائل الفقه، وجمعها والكلام فيها دون عناية بالحديث الذي هو علم الرواية.ولهذا جاءت بعض كتب أهل العلم مشتملة على الرواية والدراية،
    كما قالوا في صحيح البخاري:
    إنه كتاب رواية ودراية؛ لأنه مشتمل على الأحاديث بأسانيدها ومتونها، ومشتمل على آثار عن الصحابة والتابعين في بيان معاني تلك السنن، وبيان شيء من فقهها، وتراجمه رحمة الله عليه كلها فقه،
    ويقولون:
    فقه البخاري في تراجمه، فمن أراد أن يعرف فقه البخاري فإنه يعرف ذلك من تراجمه؛ لأنه يأتي بالترجمة ثم يورد الحديث بعدها مستدلاً على الفقه الذي في الترجمة واستنبطه من الحديث.وكذلك الكتب الأخرى التي صنفت على هذا المنوال والتي تأتي بالترجمة، ثم بالحديث مطابقاً للترجمة، فإن هذا الذي في الترجمة فقه، والحديث الذي يورد تحتها رواية، والعناية بهذا وهذا أمر مطلوب.
    [حث طالب العلم على علم الحديث والفقه]
    إن على طالب العلم أن يكون حريصاً على معرفة الأحاديث وما يتعلق بأسانيدها ومتونها، وعلى فقهها والاستنباط منها، وكذلك يعتني بكتب الفقه وما كتبه الفقهاء وجمعوه من المسائل والفروع، وينظر في أدلة تلك المسائل والأقوال، ويأخذ بما يكون راجحاً بالدليل، مع احترام العلماء وتوقيرهم وتعظيمهم، واعتقاد أنهم لا يعدمون الأجر أو الأجرين لأنهم مجتهدون،
    فمن أصاب حصل له أجرين:
    أجر الإصابة وأجر الاجتهاد، ومن أخطأ حصل له أجر الاجتهاد، وخطؤه مغفور له.فالواجب العناية بالحديث وبالفقه معاً، والرجوع إلى كتب الحديث والفقه، والاستفادة من فقه الفقهاء والرجوع إلى كلامهم وأقوالهم وأدلتهم، ولكن مع الاحترام والتوقير والتأدب، ومع ذكرهم بالجميل اللائق بهم دون أن يُنال منهم، أو أن يحط من شأنهم، بل يُستفاد منهم، وُيترحم عليهم، ويُدعى لهم،
    وهذه طريقة أهل السنة والجماعة كما يقول الطحاوي رحمه الله:
    وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.
    [أهمية الحديث للفقه وأهمية الفقه للحديث]
    ذكر أبو سليمان الخطابي في مقدمة كتابه معالم السنن:
    أن الناس انقسموا قسمين وصاروا حزبين: أهل خبر وأثر، وأهل فقه ونظر، وقال: إن كلاً منهم يكمل الآخر، ولا يستغني أحدهما عن صاحبه.
    ثم ضرب لذلك مثلاً فقال:
    إن الذي يعتني بالحديث ولا يشتغل بالفقه ولا باستنباط المسائل من الحديث مقصر.ويقابله الذي يشتغل بحصر مسائل الفقه والاشتغال بكلام فقيه من الفقهاء دون أن يرجع إلى كتب الحديث، ودون أن يرجع إلى الأدلة، فهذا أيضاً مقصر.
    ثم قال:
    إن الحديث والفقه كأساس البنيان والبنيان، فمن عمل أساساً وأحكمه وأتقنه ولم يبن عليه لم يستفد منه.
    قال:
    فهذا مثل من يعتني من الحديث بأسانيده ومتونه ولا يشتغل بفقهه وما يستنبط منه؛ لأن الناس متعبدون بالعمل بالحديث، والعمل بالحديث يأتي عن طريق الفقه والاستنباط.
    ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) والمقصود من الحديث ومن السنن هو فقهها واستنباط ما فيها من أحكام حتى يعمل بها،
    ولهذا يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:
    (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)،
    يعني:
    يبصره ويعرفه بأمور دينه حتى يكون عارفاً بالحق عاملاً به داعياً إليه على بصيرة وهدى.فمن يقوي الأساس ثم لا يبني عليه فروعه لا تحصل ثمرته، ومن اشتغل بمسائل الفقه دون أن يرجع إلى الحديث، ودون أن يبحث عن الصحيح والضعيف؛ فإنه يبني على غير أساس، فهو بنيان ضعيف معرض للانهيار؛ لأنه يستدل بحديث موضوع، فكل من الحديث والفقه لابد له من الآخر.ولكن إذا جمع بين الأمرين فقد جمع بين الحسنيين، وعمل على تحصيل الأساس وتقويته ثم بنى عليه الفروع، فجمع بين الرواية والدراية، فهذا هو المطلوب.ومن المعلوم أن المصيب في مسائل الاجتهاد واحد، وليس كل مجتهد مصيباً، ولو كان كل مجتهد مصيباً لحصل التناقض؛
    لأن المختلفين في حكم يقول أحدهما:
    إنه حلال،
    ويقول الآخر:
    إنه حرام، وكيف يكون الشيء الواحد حلالاً حراماً في وقت واحد على وجه واحد، فمثلاً: بعض المسائل يختلفون فيها فيقول بعضهم: هذا يبطل الصلاة،
    ويقول غيره:
    هذا لا يبطل الصلاة، وهكذا: هذا ينقض الوضوء،
    ويقول الآخر:
    هذا لا ينقض الوضوء، فالمصيب واحد، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى هذا في قوله: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد).
    فالنبي صلى الله عليه وسلم قسم المجتهدين إلى قسمين: مصيب ومخطئ،
    والمصيب له أجران:
    أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، والمخطئ له أجر الاجتهاد، والخطأ مغفور.والفقهاء من الصحابة ومن بعدهم كل يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام فإنه لا كلام لأحد بعد ذلك.
    ولهذا جاء عن الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمة الله عليهم أن كل واحد منهم حث على اتباع الدليل والأخذ بالسنن، وأنه إذا وجد له قول قد جاء حديث صحيح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بخلافه، فإنه يؤخذ بالحديث ويترك قوله.
    وقد قال الشافعي رحمة الله عليه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان.هذه كلمة تتعلق بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام وما ينبغي أن يكون عليه الإنسان وهو يطلب العلم من الجمع بين الفقه والحديث.
    الأسئلة
    [حكم التقيد بالدليل دون التقليد لمذهب]
    q الذي يتمسك بالكتاب والسنة ولا يتقيد بمذهب معين هل يعد خارجياً؟
    a معلوم أن الله تعالى بعث رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وتلقاه عنه أصحابه رضي الله عنهم، ولم يوجد مذهب في القرن الأول الذي هو خير القرون، وإنما كان الناس يرجعون إلى أهل العلم ويقومون باستفتائهم والأخذ بما يفتون به وبما يدل عليه الدليل، ولاشك أن هذا هو الذي يجب أن يكون عليه الناس دائماً وأبداً.ومن المعلوم أنه وجد في القرن الثاني عدد كبير من الفقهاء من التابعين وأتباع التابعين اشتهروا بالفقه، وفيهم من حصل له تلاميذ اعتنوا بفقهه واعتنوا بأقواله وجمعها وترتيبها وتنظيمها، وكان هناك فقهاء في درجة هؤلاء ولكن لم يتهيأ لهم من التلاميذ الذين يعنون بفقه شيوخهم مثل عناية تلاميذ الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في علمهم وفقههم وتنظيمه وترتيبه، والكل من أهل الفقه.
    وكما قلت: الذي كان عليه الناس في القرن الأول لاشك أنه خير،
    ولا يمكن أن يقال:
    إن الناس كانوا على غير خير، ثم جاءهم الخير بعد ذلك، بل ما كان عليه الناس في زمن القرن الأول ينبغي أن يكونوا عليه بعد القرن الأول، ولكن بعدما وجدت المذاهب الأربعة وهي من مذاهب علماء أهل السنة اتبعها الناس، وخدمت تلك المذاهب.والذي ينبغي لطالب العلم أن يرجع إليها، والرجوع إليها شيء طيب، ولكن الذي يعاب ويذم هو التعصب لشخص من الناس سوى الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول هو الذي يتبع في كل شيء، وهو الذي يلتزم بكل ما جاء به، وهو معصوم لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، أما غيره فإنه يخطئ ويصيب.
    وكما قلت: الأئمة الأربعة أرشدوا إلى أنه إذا وجد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف قولاً جاء عن واحد منهم فإنه يترك قوله ويصار إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم،
    وذكرت أثر الشافعي الذي قال فيه:
    أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائن من كان.
    وعلى هذا فكيف يقال: إن الذي يأخذ بالكتاب والسنة ويحرص على معرفة الحق بدليله ولا يكون ملتزماً بقول واحد من الأئمة الأربعة أو غيرهم يكون خارجياً؟ كيف كان القرن الأول وهو خير القرون؟ ولد أبو حنيفة سنة ثمانين، وهو أول الأئمة الأربعة ومات سنة خمسين ومائة، ومالك والشافعي وأحمد كلهم بعده في الزمن، ومعلوم أن القرن الأول هو خير القرون، وقد كان الناس فيه على هذه الطريقة، وهي الرجوع إلى أهل العلم، والأخذ مما يفتون به مما جاء في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.وهذا هو الواجب، ولا يجوز التعصب لأحد من الأئمة، ولكن الاستفادة من كتب الفقهاء الأربعة وغيرهم مطلوبة، ولا يستغني طالب العلم عن كتب الفقه، ولكن عندما يرجع الإنسان إلى كتب الفقه يرجع إليها باحثاً عن الحق بدليله،
    ولا يكون متعصباً لشخص بعينه بأن يقول:
    لو كان هناك شيء لعلمه فلان.وكيف يقال هذا؟ هل يقال في حق واحد من الناس إنه ما من شاردة ولا واردة إلا وهي عنده، وكل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فهو عنده؟ هذا لا يقال في حق أحد، بل كل واحد منهم يقول قولاً ثم يأتيه الحديث فيترك قوله ويصير إليه.والإمام الشافعي رحمة الله عليه كانت هناك مسائل عديدة وصل إليه الحديث فيها من طريق لا يصح، وأخذ بخلاف الحديث لأنه لم يصح عنده، ثم قال: وإن صح الحديث قلت به،
    وقد جاء بعض أصحاب الشافعي كـ البيهقي والنووي وذكروا بعض هذه المسائل على وفق الدليل الذي جاء على خلاف مذهب الشافعي وقالوا:
    وهذا هو مذهب الشافعي؛ أي أن هذا مذهبه حكماً،
    بناء على قوله:
    (إن صح الحديث قلت به)،
    قالوا:
    وقد صح الحديث فهو مذهب الشافعي؛ لأنه علق القول به على صحته.والإنسان عندما يرجع إلى كتب الفقه يستفيد منها، ويكون قصده أن يصل إلى الحق بدليله، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في آخر كتاب الروح مثلاً ضربه للرجوع إلى الفقهاء والاستفادة من علمهم وفقههم وعدم التعصب لهم، وأن الإنسان إنما يرجع إليهم ليستعين بهم في الوصول إلى الحق وإلى الدليل، قال: فهم كالنجوم في السماء يهتدى بها: {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل:16] والناس إذا كانوا في الظلماء يستطيعون أن يعرفوا اتجاه القبلة وغير القبلة بالنظر إلى النجوم في السماء.
    يقول ابن القيم رحمة الله عليه: إن الرجوع إلى كلام العلماء مع احترامهم وتوقيرهم أمر مطلوب، ولكن يستعين بهم في الوصول إلى الحق، وإذا وصل إلى الحق وعرف الدليل الثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ليس له أن يعول على شيء سواه،
    وقال:
    إن هذا مثل الإنسان الذي في الفلاة في الليل يستدل على جهة القبلة بالنجم، لكن إذا وصل الإنسان إلى الكعبة وصار تحتها فإنه لا يرفع نظره إلى السماء يبحث عن النجوم ليهتدي بها إلى القبلة.قال: وكذلك العلماء يرجع إليهم حيث يخفى الحق، ويستعان بهم في الوصول إليه، فإذا عرف الدليل لم يعول على كلام أحد.
    وهذا مقتضى كلام الشافعي: (أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائن من كان).أما الإنسان الذي ليس عنده أحد يفقهه، واحتاج إلى أن يتعلم مذهباً من المذاهب الأربعة؛ لأنه ما أمكنه سواه، فله أن يتعلم ذلك الفقه، وأن يعبد الله عز وجل وفقاً لذلك المذهب الذي تعلمه، ولكنه إذا وجد من يبصره بالدليل ومن يعلمه بالثابت من غير الثابت فإنه يرجع إلى الدليل، وليس لأحد كلام مع كلام رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    [الضابط في خروج الإنسان من السنة]
    q ما هو الضابط في خروج الإنسان من السنة؛ أهو الاعتقاد أم العمل أم هما معاً؟

    a يوجد خروج كلي وخروج جزئي، والخروج الكلي كالبدع التي يكفر أصحابها، وهناك بدع غير مكفرة ولكن أصحابها أهل بدع وإن كانوا داخلين في عداد المسلمين،
    كالفرق الثنتين والسبعين التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    (وستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟
    قال: الجماعة، وهم من كان مثل ما أنا عليه وأصحابي)
    .فاثنتان وسبعون فرقة من المسلمين هم أهل بدع وضلال ولكنهم ما وصلوا إلى حد الكفر، فهؤلاء يعتبرون مسلمين، ولكنهم أهل بدع، والذي على السنة هو من كان مثل ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المعاني التي تطلق عليها السنة

    صــ 1إلى صــ10
    الحلقة (4)

    شرح سنن أبي داود [002]
    بين الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في رسالته إلى أهل مكة منهجه وطريقته في سننه، فذكر أنه وضع في كل باب أصح ما ورد عنده فيه قاصداً الاختصار، ولم يرو عن متروك، واجتهد في الاستقصاء في الأحاديث مبوبة على كتب الفقه.
    [مناهج المحدثين في تصنيف الكتب]
    حفظ الله عز وجل كتابه الكريم،
    كما قال عز وجل:
    {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، وهيأ لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم علماء وقفوا نفوسهم، وشغلوا أعمارهم في العناية بها حفظاً وفهماً وتعلماً وتعليماً، فعنوا بجمعها وحفظها وترتيبها وتنظيمها، وكان ذلك من الله عز وجل حفظاً لهذه السنة المطهرة التي هي وحي من الله عز وجل أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
    [مكانة الكتب االستة في كتب الحديث]
    لقد ألفت المؤلفات الكثيرة الواسعة على مختلف الطرق، فمنها ما جمع فيه الأحاديث ضمن كتب وأبواب، ومنها ما ألف على المسانيد، ومنها ما ألف على المعاجم، ومنها ما ألف على غير ذلك.
    ومن الكتب التي ألفت على الكتب والأبواب: الكتب الستة التي اشتهرت عند العلماء بأنها الأصول التي اشتملت على أحاديث الأحكام وغيرها، وهي صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجة.والخمسة الأولى اتفق على عدها من الكتب الأصول، وكثير من أهل العلم اعتبروا سنن ابن ماجة هو السادس؛ لأن فيه أحاديث كثيرة زائدة على ما في الكتب الخمسة.وقد اعتنى بزوائده الحافظ البوصيري فزادت على ألف حديث، فمن أجل ذلك قدمه بعض أهل العلم على غيره، ومنهم من قدم الموطأ وجعله السادس، وهو الذي مشى عليه صاحب جامع الأصول، وقبله المؤلف الذي بنى عليه ابن الأثير كتابه جامع الأصول.ومنهم من اعتبر السادس سنن الدارمي، لكن الذي اشتهر هو اعتبار سنن ابن ماجة،
    ولهذا ألفت الكتب في الأطراف والرجال على اعتبار أن السادس هو سنن ابن ماجة ومما ألف بالنسبة للأطراف:
    كتاب تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للمزي،
    وبالنسبة للرجال:
    كتاب الكمال في أسماء الرجال للمقدسي، ثم تهذيب الكمال للمزي، ثم تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر، وتقريبه له أيضاً، وفي درجة تهذيب التهذيب تذهيب التهذيب للذهبي، وبعده خلاصة تهذيب الكمال للخزرجي، فهذه كلها كتب مبنية على أن السادس هو سنن ابن ماجة.وهذه الكتب الستة المقدم فيها البخاري، ثم مسلم، ثم سنن أبي داود، ثم النسائي، ثم الترمذي، ثم ابن ماجة، وقد جاء عن بعض أهل العلم الإشارة إلى تقديم بعض هذه الكتب على بعض،
    فمما ذكر في ترجمة أبي داود السجستاني رحمة الله عليه:
    أن أبا عبد الله بن مندة قال: الذين ميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم ثم يليهم أبو داود والنسائي.
    [فضل أبي داود وكتابه السنن]
    جاءت نصوص تدل على عظم شأن سنن أبي داود وعلى عظم منزلة كتابه الذي سنبدأ إن شاء الله بدراسته.
    وأبو داود السجستاني رحمة الله عليه هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني ويقال: السجزي، نسبة إلى سجستان،
    والنسبة إليها يقال فيها:
    سجستاني، ويقال: سجزي.وكانت ولادته سنة اثنتين بعد المائتين في أول القرن الثالث الهجري الذي عرف بالعصر الذهبي لتدوين السنة وجمعها والعناية بها، فلقد ألفت في ذلك العصر المؤلفات الكثيرة الواسعة ومنها الكتب الستة، لأن أصحاب الكتب الستة كلهم عاشوا في القرن الثالث الهجري والبخاري رحمة الله عليه في أول حياته أدرك ستة سنوات من القرن الماضي، والنسائي أدرك القرن الرابع فتوفي بعد مضي ثلاث سنوات منه، وعلى هذا فإن أصحاب الكتب الستة كلهم في القرن الثالث الهجري.وكانت وفاة أبي داود سنة مائتين وخمس وسبعين، وأول أصحاب الكتب الستة وفاة البخاري حيث توفي سنة مائتين وست وخمسين، ويليه مسلم حيث كانت وفاته سنة مائتين وأربع وستين، ثم بعد ذلك أبو داود وابن ماجة وكانت وفاتهما معاً في سنة خمس وسبعين ومائتين، ثم بعد ذلك الترمذي وكانت وفاته سنة تسع وسبعين ومائتين، وآخرهم وفاة النسائي حيث كانت وفاته سنة ثلاثمائة وثلاث من الهجرة.
    ومما جاء في أبي داود قول الحافظ ابن حجر في التقريب: ثقة حافظ، مصنف السنن وغيرها، من كبار العلماء.
    وقال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء: إنه كان مع تبحره في الحديث فقيهاً، وكتابه السنن يدل على فقهه وعلى مكانته في الفقه،
    يعني:
    كونه يأتي بالأبواب والتراجم، ثم يورد أحاديث للاستدلال على تلك التراجم، فذلك من فقهه واستنباطه.وكما ذكروا أن فقه البخاري في تراجمه فكلام الذهبي رحمة الله عليه يشير إلى أن السنن بما فيه من أبواب كثيرة وأحاديث منتقاة، وعناية بأحاديث الأحكام دال على فقه أبي داود بالإضافة إلى روايته، فهو بذلك عالم رواية من حيث ذكر الأحاديث بأسانيدها ومتونها، وعالم دراية من حيث الاستنباط من الأحاديث، وبذكر التراجم التي يضعها ثم يأتي بالأحاديث التي تدل عليها.وكذلك أثنى على كتابه هو نفسه وبين منزلته، لأنه تعب فيه وعرف منزلته ومقداره، فمن أجل ذلك قال ما قال عنه من المدح والثناء الذي ذكره في رسالته لأهل مكة، وكذلك أثنى عليه أهل العلم وبينوا منزلته وعظيم قدره.
    ومما ذكر في ترجمته قالوا: إن سهل بن عبد الله التستري جاء إلى أبي داود وطلب منه أن يخرج لسانه الذي يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبله،
    ومما ذكر أيضاً في ترجمته:
    أنه كان يقول: خير الكلام ما دخل إلى الأذن بدون إذن،
    يعني:
    لوضوحه وسلامته وسلاسته وحسنه وجماله، ذكر ذلك الحافظ الذهبي في ترجمته في سير أعلام النبلاء،
    ونقل عن ابنه أبو بكر بن أبي داود قال:
    سمعت أبي يقول: خير الكلام ما دخل في الأذن بدون إذن.والكلام في أبي داود وفي سننه كثير، وما يتعلق بسنن أبي داود وبيان قيمتها، وكيفية تأليفها، وموضوع الكتاب قد أوضحه في رسالته إلى أهل مكة، وهي رسالة قيمة مختصرة توضح مراده.
    [رسالة أبي داود إلى أهل مكة لبيان منهجه في السنن]
    ومن المناسب قبل أن نبدأ بدراسة الكتاب أن نقرأ هذه الرسالة حتى نكون على علم بالطريقة التي بني عليها الكتاب، والمنهج الذي رسم عليه الكتاب لذلك الأمر من أهمية.
    [ذكر أبي داود لأصح ما عنده في الباب]
    [يقول أبو بكر محمد بن عبد العزيز: سمعت أبا داوود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد السجستاني وسئل عن رسالته التي كتبها إلى أهل مكة وغيرها جواباً لهم فأملى علينا: فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم كلما ذكر،
    أما بعد:
    عافانا الله وإياكم عافية لا مكروه معها، ولا عقاب بعدها؛ فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب؟ ووقفت على جميع ما ذكرتم.
    فاعلموا أنه كذلك كله، إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين فأحدهما أقوم إسناداً والآخر صاحبه أقدم في الحفظ، فربما كتب ذلك ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث].هذه المقدمة لهذه الرسالة هي حمد الله عز وجل، والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم، والدعاء للذين يخاطبهم، وهذه طريقة طيبة في الرسائل والكتابات، سار عليها العلماء في بداية كتبهم.
    وكان من سؤال أهل مكة:
    أنه هل كتب في سننه أصح ما عنده؟
    فقال:
    إنه كذلك، إلا أنه قد يكون الحديث فيه ما يأتي من طريق أقوم وما يأتي من طريق شخص عرف في التقدم في الحفظ.
    قال: فإما أن يكتب ما كان أقوم إسناداً وأصح، وإما أن يكتب ما كان على الطريقة الثانية التي هي التقدم في الحفظ،
    قال:
    وهذا قليل لا يبلغ عشرة أحاديث.
    [غرض أبي داود من عدم الإكثار من الأحاديث في الباب]
    قال رحمه الله: [ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح، فإنه يكثر، وإنما أردت قرب منفعته].بين أنه اختصر كتابه، وأنه يورد في الباب حديثاً أو حديثين؛ لأن مقصوده من إيراد الباب هو بيان الحكم الذي يستدل عليه، ثم يورد الدليل عليه إما من طريق أو طريقين، ولم يشأ أن يورد الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد من طرق كثيرة؛ لأن هذا يؤدي إلى كبر حجم الكتاب، وهو يريد أن يكون الكتاب مختصراً يعرف فيه الحكم من الترجمة، ويعرف فيه الدليل على ذلك الحكم، ولم يرد أن يكثر الطرق حتى لا يكبر حجم الكتاب.
    [غرض أبي داود من إعادة بعض الأحاديث]
    قال رحمه الله: [وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما تكون فيه كلمة زيادة على الأحاديث].أخبر أنه إذا أورد طرقاً في بعض الأحيان فإنما ذلك لشيء جديد زائد، وهو وجود ألفاظ في تلك الطرق التي أتى بها زائدة على الحديث أو الحديثين، فأتى بها من أجل هذه الزيادة، لأن زيادة الثقة إذا جاءت فإنها بمثابة الحديث المستقل.
    [غرض أبي داود من اختصار بعض الأحاديث]
    قال رحمه الله: [وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه، فاختصرته لذلك].وهذا فيه أن أبا داود يختصر الأحاديث، وأنه عندما يورد الحديث بالترجمة لا يعني أن هذا هو الحديث بتمامه دون أن يكون قد دخله اختصار، بل أشار إلى أنه اختصر بعض الأحاديث ولم يوردها بتمامها وكمالها.وهذه طريقة البخاري وطريقة النسائي، تجدهم يقطعون الحديث، ويأتون بالجمل منه في الأماكن التي يستدلون بها على تلك التراجم التي يوردونها؛ لأنهم أرادوا من وراء ذلك أن تكون الكتب رواية ودراية تشتمل على الأسانيد والمتون، وتشتمل على الفقه.
    وقد ذكر سبب اختصاره للحديث حيث قال: إنه لو أورده بكماله قد لا يتنبه بعض من سمعه إلى محل الشاهد، لأنه إذا كان الحديث مثلاً صفحة كاملة ومحل الشاهد منه كلمتان أو ثلاث قد يمر عليه كله فلا يتنبه إلى محل الشاهد، فهو يريد أن يأتي إلى محل الشاهد رأساً فيختصر الحديث ويورد محل الشاهد.
    [طريقة الإمام مسلم في تأليف صحيحه]
    تلك كانت طريقة الذين رأوا الاختصار للأحاديث، وأما الذين لم يفعلوا هذا الفعل فلم يحصل منهم الاختصار ولا حصلت الرواية بالمعنى، وإنما حصل منه العناية بألفاظ الأحاديث والأسانيد، ومنهم الإمام مسلم بن الحجاج رحمة الله عليه، فقد اعتنى بإيراد الأحاديث بألفاظها وبأسانيدها ومتونها، دون أن يكون عنده اختصار أو رواية بالمعنى، بل يورد الحديث بتمامه وبلفظه.
    وقد قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الإمام مسلم:
    قلت: قد حصل للإمام مسلم حظ عظيم في تأليف كتابه، من حيث عنايته بجمع الروايات، وعدم تقطيع الأحاديث وتفريقها.
    يعني:
    عدم الرواية بالمعنى.ولا شك أن المحافظة على ألفاظ الحديث طريقة مثلى، والرواية بالمعنى جائزة، ولكن ينبغي أن تكون عندما لا يتقن اللفظ، أما إذا عرف لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي العدول عنه إلى الرواية بالمعنى، ولكن حيث يضبط المعنى ويعقل ولا يضبط اللفظ تأتي الرواية بالمعنى؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم إذا وجد بلفظه لا ينبغي العدول عنه ولا روايته بالمعنى.وقد كان مسلم رحمه الله يترجم الكتب ولا يبوب تحتها أبواباً، ولهذا جاء بعض العلماء بعده وعملوا أبواباً لأنه في حكم المبوب، حيث جمع الأحاديث التي يتصل بعضها ببعض في مكان واحد فصاروا يضعون له أبواباً كـ النووي وغيره، ولهذا لما عمل النووي حاشية على صحيح مسلم ترك المتن كتباً وأحاديث بدون أبواب، ثم في الحاشية يأتي بذكر الأبواب؛ لأنها من صنعه.فـ مسلم رحمة الله عليه أتى بكتاب الإيمان وهو أول كتاب عنده بعد المقدمة، وأول حديث في كتاب الإيمان هو حديث جبريل وقد ساقه بطوله دون اختصار،
    وهو الحديث المشهور:
    (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد) إلى آخر الحديث، وفي آخره قال عليه الصلاة والسلام: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).الحديث أورده من طريق ابن عمر وكان جاء إليه اثنان من أهل العراق حاجين أو معتمرين، واكتنفاه فكان واحد عن يمينه وواحد عن شماله،
    وقالا له:
    لقد ظهر في بلدنا أناس يقولون بالقدر،
    ويقولون:
    إن الأمر أنف،
    فقال:
    إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم مني براء،
    ثم قال:
    حدثني عمر رضي الله عنه وساق الحديث الطويل.
    ومقصوده من إيراد الحديث قوله: (وتؤمن بالقدر خيره وشره)؛ لأنه أتى به دليلاً على البراءة من هؤلاء، وأنه على خلاف ما صاروا إليه.إذاً أبو داود رحمه الله كـ البخاري وكـ النسائي وغيرهم من الذين يعددون التراجم، ويوردون الأحاديث على تلك التراجم، فيأتون بها في مواضع متعددة، وتكون مشتملة على محل الشاهد، وذلك من الاختصار للأحاديث.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المعاني التي تطلق عليها السنة

    صــ 11إلى صــ20
    الحلقة (5)

    [الكلام على الحديث المرسل وحجيته]
    قال رحمه الله: [وأما المراسيل، فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره رضوان الله عليهم، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل ولم يوجد المسند فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة].
    المرسل عند المحدثين له معنيان: معنى يقال إنه عند الفقهاء وهو في الحقيقة يأتي على ألسنة المحدثين أيضاً، ومرسل في اصطلاح المحدثين، فالمرسل في اصطلاح المحدثين هو الذي يقول فيه التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.هذا هو المشهور في اصطلاح المحدثين، وهناك مرسل أعم من هذا المرسل، وهو المنقطع الذي يرويه الراوي عن شخص ما أدركه، أو أدركه ولم يسمع منه، وهو الذي يسمونه المرسل الخفي.
    أما مرسل جلي فهو: الذي يكون فيه الانقطاع واضحاً، حيث يروي شخص عن شخص ما أدرك عصره.
    كما ذكروا الفرق بين التدليس والمرسل الخفي فقالوا: المدلس هو رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم للسماع، أما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي، فهو ليس تلميذاً له، أما المدلس فهو تلميذ لمن دلس عنه.
    والمشهور عند كثير من المحدثين ومنهم الإمام مسلم كما ذكر ذلك في مقدمته: أنه لا يحتج بالمرسل لما فيه من الانقطاع، والجهل بالساقط، وليس ذلك خشية أن يكون الساقط صحابياً، فإن جهالة الصحابي لا تؤثر،
    فالسبب في عدم الاحتجاج بالمرسل:
    احتمال أن يكون الساقط تابعياً، وذلك التابعي يحتمل أن يكون ثقة ويحتمل أن يكون ضعيفاً، فمن أجل ذلك قالوا بعدم الاحتجاج بالمرسل.
    لكن بعض أهل العلم يقول: إن المرسل إذا ضم إليه مرسل آخر جاء من طريق آخر فإنه يضم بعضهما إلى بعض ويصير من قبيل الحسن لغيره، كالمدلس إذا جاء الحديث فيه تدليس، وجاء من طريق آخر فيه شيء من الضعف اليسير فيضم بعضها إلى بعض ويصير الحديث حجة، ويعول عليه،
    ويقال له: الحسن لغيره،
    والحسن لغيره:
    هو الحديث المتوقف فيه إذا جاء ما يقويه ويعضده.
    إذاً: المرسل غير مقبول عند كثير من المحدثين؛ لأن فيه سقطاً، والساقط يحتمل أن يكون تابعياً، والتابعي قد يكون غير ثقة في الحديث، وليس الإشكال في أن يكون الساقط صحابياً؛ فإن الصحابة لا تضر جهالتهم، ولا يؤثر عدم معرفة أشخاصهم وأحوالهم؛ لأنهم كلهم عدول بتعديل الله عز وجل لهم وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم.
    مزايا سنن أبي داود
    [ليس في سنن أبي داود رجل متروك الحديث]
    قال رحمه الله: [وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء].
    يعني: أنه ما روى عن متروك، والمتروك هو الذي عرف بفحش الغلط، وكثرة الخطأ؛ فترك حديثه بسبب ذلك.
    قال رحمه الله: [وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره].إذا كان الحديث منكراً ذكره وذكر أنه منكر، ولكن ليس في الباب على نحوه غيره،
    أي:
    فإنما ذكره لأنه هو الموجود في الموضوع، ولو كان يوجد حديث صحيح أو غير منكر لأتى به، لكنه لما كان الموضوع الذي ترجم له ليس فيه أحاديث صحيحة أورد الحديث المنكر ونص على أنه منكر.لكن ينبغي أن يعلم أن بعض العلماء يستعمل لفظ المنكر على غير هذا المعنى، وهو: الأحاديث الغرائب التي جاءت من طريق واحد،
    فيقال:
    عنده مناكير، وليس معنى ذلك أنه ضعيف الحديث، ولكن عنده أحاديث ما جاءت إلا من طريقه فهي تعتبر غريبة.ولا يعني أن الحديث إذا جاء من طريق واحد وهو طريق مستقيم صحيح يكون مردوداً، بل يكون مقبولاً،
    وقد ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري في ترجمة أبي بردة بن أبي موسى أو في ترجمة بريد بن أبي بردة عن الإمام أحمد:
    أنه يطلق المناكير على الغرائب، فهذا اصطلاح لبعض العلماء.
    [اشتماله على أحاديث ليست في كتب من قبله]
    قال: [وهذه الأحاديث ليس منها في كتاب ابن المبارك ولا كتاب وكيع إلا الشيء اليسير، وعامته في كتاب هؤلاء مراسيل].
    يعني: أن ما في كتابه ليس في كتب هؤلاء منه إلا الشيء اليسير، وعامة ما عندهم مراسيل، يعني: فيها انقطاع.
    قال رحمه الله:
    [وفي كتاب السنن من موطأ مالك بن أنس شيء صالح، وكذلك من مصنفات حماد بن سلمة وعبد الرزاق، وليس ثلث هذه الكتب فيما أحسبه في كتب جميعهم، أعني مصنفات مالك بن أنس وحماد بن سلمة وعبد الرزاق].هذا فيه إشارة إلى كثرة ما فيه من الأحاديث الزائدة التي لا توجد عند هؤلاء في مصنفاتهم.
    قال رحمه الله: [وقد ألفته نسقاً على ما وقع عندي، فإن ذكر لك عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة ليس مما خرجته فاعلم أنه حديث واهن].وهذا فيه بيان معرفة قدر هذا الكتاب وعظيم منزلته عند مؤلفه، وليس مقصود أبي داود وغيره ممن يثني على مؤلفه التبجح والغرور، وإنما المقصود من ذلك النصح للمسلمين، وحرصه على أن يستفيدوا من هذا الكتاب الذي أفنى كثيراً من عمره في جمعه وترتيبه وتنظيمه وتأليفه، فالمقصود من ذلك النصح وبعث الهمم والترغيب والتشويق إلى الكتاب، والعناية به ودراسته والاستفادة منه، فهذا هو المقصود من هذا الثناء على كتابه.وهذا يفيد أن كتابه جامع، وأنه استوعب واستقصى، وقد عرفنا فيما مضى أنه كان يترك الطرق المتعددة التي هي موجودة فيما يورده حتى لا يكبر حجم الكتاب.
    وقوله: (وإما حديث واهن) هذا على حسب علمه، وليس معنى هذا أنه لا يوجد حديث صحيح ليس عند أبي داود، بل كما هو مشاهد ومعاين أن في صحيح البخاري أحاديث كثيرة ليست عند أبي داود ولكن هذا على حسب علمه واستقصائه، وعلى حسب جهده الذي بذله.
    [جمعه لأحاديث الأحكام واستقصائها حسب علمه]
    قال رحمه الله: [فإن ذكر لك عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة ليس مما خرجته فاعلم أنه حديث واهن إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر].
    هذا استدراك يعني به:
    أن هذا الذي جاء وليس عنده يكون عنده من طريق آخر،
    ومعناه:
    أنه جاء من طريقين أو من ثلاثة فهو أورده من طريق وغيره أورده من طريق آخر.
    قال رحمه الله: [فإني لم أخرج الطرق لأنه يكبر على المتعلم].
    قوله: (لم أخرج الطرق) أي: ما استوعبت طرق الأحاديث لا من حيث الصحابة ولا من دون الصحابة؛ فإن الحديث -كما هو معلوم- قد يبلغ إلى حد التواتر وهو يورده من طريق واحد أو من طريقين؛ لأنه ما أراد الاستيعاب،
    مثل حديث:
    (نضر الله امرأ سمع مقالتي) رواه أبو داود من بعض الطرق عن بعض الصحابة، وجاء عن عدد كبير من الصحابة ليسوا عند أبي داود، لأنه ما أراد استيعاب وجمع الطرق؛ لأنه يكبر بذلك حجم الكتاب.
    قال رحمه الله:
    [ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري].في هذا -كما قلت- بيان لارتياحه واطمئنانه إلى الجد والاجتهاد الذي بذله والنتيجة التي توصل إليها بسبب ذلك، وقصده من ذلك النصح والحث والترغيب والتشويق إلى الاستفادة من كتابه لا التبجح ولا غيره من القصود السيئة التي قد تحصل من بعض الناس فيما يكتبون ويقولون.
    قال رحمه الله: [وكان الحسن بن علي الخلال قد جمع منه قدر تسعمائة حديث، وذكر أن ابن المبارك قال: السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو تسعمائة حديث، فقيل له: إن أبا يوسف قال: هي ألف ومائة، قال ابن المبارك: أبو يوسف يأخذ بتلك الهنات من هنا وهنا نحو الأحاديث الضعيفة].هذا فيه إيضاح استقصائه واستيعابه،
    وقد قال كما سيأتي:
    إن في كتابه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، وهنا ذكر أن بعض العلماء قال: إن السنن تسعمائة حديث،
    فقيل له:
    فلان عنده ألف ومائة،
    فقال:
    هذا عنده شيء من الهنات،
    يعني:
    أنه يتوسع ويكتب أشياء فيها ضعف.
    [بيانه لما فيه وهن شديد من الأحاديث]
    قال رحمه الله: [وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده].
    قوله:
    (وهن شديد) يعني: ضعفاً شديداً،
    قوله:
    (بينته) أي يقول: إنه فيه كذا وفيه كذا.
    وكذلك يبين ما لا يصح سنده ويقول: فيه فلان أو فيه كذا.
    قال رحمه الله: [وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض].
    قوله:
    (وما لم أذكر فيه شيئاً) يعني: ما لم أبين فيه وهناً أو ضعفاً وإنما أسكت عليه فهو صالح للاحتجاج.
    قوله: (ولكنه متفاوت وبعضه أصح من بعض) يعني: هذا الذي لا أتكلم عليه وأسكت عنه ليس على درجة واحدة بل هو متفاوت.
    قال: [وهذا لو وضعه غيري لقلت أنا فيه أكثر].
    يعني: هذا الكلام الذي قلته في كتابي أقوله لأنني عرفت قيمته وعرفت منزلته، ولو كان الذي وضعه غيري وقرأته وعرفت قيمته ومنزلته لقلت فيه أكثر من هذا؛ للترغيب فيه وللحث على الاستفادة منه.
    قال رحمه الله:
    [وهو كتاب لا ترد عليك سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صالح إلا وهي فيه، إلا أن يكون كلام استخرج من الحديث، ولا يكاد يكون هذا].وهذا مثلما تقدم من ناحية الاستيعاب، وأنه إذا وجد شيء ليس عنده فإنه ضعيف إلا أن يكون جاء عنده من طريق آخر، أو أضيف إلى الأحاديث استنباطاً فهذا شيء آخر، ولا يكاد يكون هذا.
    [يكفي المرء السنن مع القرآن في معرفة الأحكام]
    قال رحمه الله: [ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب].وهذا يبين أيضاً عظيم منزلته عنده، وأن على الناس أن يحرصوا على هذا الكتاب، وأن يستفيدوا منه، لأنه مشتمل على الأحكام.
    قال: [ولا يضر رجلاً ألا يكتب من العلم بعدما يكتب هذه الكتب شيئاً، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره].
    يعني: أن الإنسان إذا اشتغل به واستوعبه فلا يضره ألا يشتغل بغيره لاستيعابه! ثم قال: (وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره).
    يعني:
    إذا أردت أن تتحقق فاقرأ الكتاب وقف عليه وتدبره وتأمله لتعرف مقداره، وكما يقولون: التجربة أكبر برهان.
    [في السنن أدلة المسائل التي تكلم فيها أئمة الفقه]
    قال رحمه الله: [وأما هذه المسائل مسائل الثوري ومالك والشافعي فهذه الأحاديث أصولها].يعني هذه أدلة المسائل التي تكلم بها هؤلاء العلماء.
    [حث أبي داود للناس على معرفة آراء الصحابة]
    قال رحمه الله:
    [ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم].بعدما ذكر قيمة هذا الكتاب،
    وأحياناً يقول:
    (الكتب)،
    ويعني بذلك:
    الكتب التي اشتمل عليها الكتاب؛ لأن كتابه اشتمل على خمسة وثلاثين كتاباً، فإذا جاء ذكر الكتب في بعض الأحيان فمعناه الكتب التي في داخل الكتاب، وهي كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة وهكذا؛ لأنه مبني على كتب، والكتب يندرج تحتها أبواباً كثيرة.
    وهو هنا يقول:
    إنه مع هذه العناية بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستيعاب هذا الكتاب وشموله لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، يعجبني أيضاً أن يطلع الرجل على آراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أقوالهم، ولهذا فإن العلم الشرعي عند العلماء هو قال الله وقال رسوله وقال الصحابة، لأن الصحابة رضي الله عنهم هم خير الناس، وهم أعلم الناس، وهم أعلم من غيرهم وأدرى؛ لأنهم الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا معاني النصوص وتلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم من غيرهم وأدرى من غيرهم.
    ولهذا يقول ابن القيم رحمة الله عليه في النونية: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان فبعدما ذكر كلام الرسول صلى الله عليه وسلم في كتابه، أرشد إلى أنه ينبغي أن يحرص على كلام الصحابة، وأن يعتنى بكلامهم ويرجع إليه.وهذا فيه الإشارة إلى منزلة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ومنزلة كلامهم تابعة لمنزلتهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
    قال رحمه الله: [ويكتب أيضاً مثل جامع سفيان الثوري، فإنه أحسن ما وضع الناس في الجوامع].وهذا فيه أيضاً الإرشاد إلى جامع الثوري والعناية به.
    [شهرة أحاديث سنن أبي داود]
    قال رحمه الله: [والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس].ثم ذكر أن الأحاديث التي في كتابه أحاديث مشهورة عند أهل العلم، وليست غريبة لا يقف عليها أحد، ولا يعني هذا أن الغريب لا يعول عليه، فإن من الغريب -وهو ما جاء من طريق واحد- ما هو حجة عند العلماء، وهو موجود في الصحيحين وفي غير الصحيحين، ومن ذلك أول حديث في صحيح البخاري، وكذلك آخر حديث فيه.ففاتحة كتاب البخاري وخامته حديثان غريبان ما جاء كل واحد إلا من طريق واحد، لكنهم ثقات يعول على تفردهم، فأوله حديث إنما الأعمال بالنيات، وهو حجة عند العلماء، وأصل من الأصول في الدين،
    ولهذا يقول بعض العلماء:
    الأحاديث التي يدور عليها الدين أربعة، ومنها: (إنما الأعمال بالنيات)؛
    لأن ما يتعلق بالقلوب والنيات يدل عليه هذا الحديث:
    (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرأ ما نوى).
    وآخر حديث في صحيح البخاري حديث أبي هريرة: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فهذا حديث غريب ما جاء إلا من طريق أبي هريرة يرويه عنه أبو زرعة بن جرير ويرويه عنه آخر وهكذا، وهو مشهور من حيث الثبوت، لكن ليس له طرق كثيرة.
    والعلماء يقولون: إن الآحاد تنقسم إلى: مشهور وعزيز وغريب.
    فالمشهور:
    ما جاء من أكثر من طريقين ولم يبلغ حد التواتر.
    والعزيز: ما جاء من طريقين.
    والغريب:
    ما جاء من طريق واحد.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المعاني التي تطلق عليها السنة

    صــ 1إلى صــ9
    الحلقة (6)

    شرح سنن أبي داود [003]
    جمع أبو داود رحمه الله تعالى في سننه أحاديث مشتهرة عند أهل الحديث، وجانب الغريب منها، ولم يلجأ إلى المراسيل إلا إذا لم يجد في الصحاح ما يغني عنها.
    تابع رسالة أبي داود إلى أهل مكة لبيان منهجه في السنن
    [شهرة أحاديث سنن أبي داود]
    قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى: [والأحاديث التي وضعتها في كتابي السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئا من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم].تقدم ذكر جملة مما اشتملت عليه رسالة أبي داود رحمه الله التي فيها وصفه لكتابه السنن،
    ثم قال:
    [إن الأحاديث التي في سننه مشاهير عند الناس، والمشهور في اصطلاح المحدثين أنه ما روي من أكثر من طريقين ولم يصل إلى حد التواتر، والعزيز: ما روي من طريقين، والغريب: ما جاء من طريق واحد].
    والإمام أبو داود رحمه الله يقول: إن الأحاديث أكثرها مشاهير، وإنها عند الناس الذين ألفوا في الحديث، وكون الحديث تتعدد موارده ويوجد عند المحدثين بطرق مختلفة؛ فإن يدل على شهرته، وعلى تعدد المخارج له، وإذا كانت تلك الطرق فيها ضعف يسير يمكن أن يجبر بعضها ببعض، وأن يعضد بعضها بعضا.
    [قبول الحديث الغريب إذا كان الراوي ممن يحتمل تفرده]
    الحديث الغريب: هو الذي جاء من طريق واحد، ولكن الغريب منه ما هو مقبول، وذلك فيما إذا كان تفرد صاحبه يحتمل، وبعض الأحاديث في الصحيحين وفي غير الصحيحين جاءت من طريق واحد وهي معتبرة عند العلماء ولا يتكلم في ردها أحد، ومنها أول حديث في صحيح البخاري،
    وهو حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
    (إنما الأعمال بالنيات).فإنه ما رواه عمر رضي الله عنه،
    ورواه عن عمر:
    علقمة بن وقاص الليثي،
    ورواه عن علقمة:
    محمد بن إبراهيم التيمي،
    ورواه عن محمد بن إبراهيم التيمي:
    يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم كثر رواته عن يحيى بن سعيد، واتسع.وقد اعتبره العلماء.كذلك الحديث الذي ختم به البخاري صحيحه،
    وهو حديث أبي هريرة: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).فإنه ما جاء إلا من طريق أبي هريرة، ثم يرويه عن أبي هريرة أبو زرعة ابن جرير ويرويه عنه واحد بعد واحد، ثم بعد ذلك تتعدد رواته وطرقه، وهو حديث غريب.فأول وآخر حديث في صحيح البخاري حديث غريب ولكن رجالها ثقات، ويحتج بتفرد الواحد منهم، فهي حجة عند العلماء.
    رد الحديث الغريب إذا كان في رواته من لا يحتمل تفرده أو كان شاذا
    إذا كان الحديث الغريب في رجاله من لا يحتمل تفرده فإنه لا يفيد شيئا، وكذلك إذا جاء شاذا، وذلك بأن يأتي من طريق واحدة مخالفة للطرق الأخرى الصحيحة، فهو صحيح لولم يخالف، لكن الإشكال جاءه من المخالفة للثقات حيث لا يمكن الجمع، ولا يمكن النسخ، ولا يمكن الترجيح.أما إذا أمكن أن يجمع بين الأحاديث، وأن يحمل هذا على شيء وهذا على شيء، فإعمال النصوص أولى من إهمال شيء منها، ولكن إذا لم يمكن إلا أن يرجح بعضها على بعض؛ لأن الراوي روى شيئا خالف فيه الثقات فيصار إلى الترجيح،
    وذلك مثل الحديث الذي في صحيح مسلم في قصة صلاة الكسوف:
    أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلاها بثلاث ركوعات.
    جاء عن الثقات عند البخاري وغيره:
    أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجودان وليس فيها أكثر من سجودين؛ لكن جاء في بعض الروايات في مسلم ثلاثة ركوعات، والقصة واحدة كلها تتحدث عن موت إبراهيم وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم صلاة الكسوف، فلا يمكن أن يجمع بينها ولا يقال بالنسخ لأن القصة واحدة، ولم يبق إلا الترجيح، وهو أن ترجح رواية الثقات على رواية الثقة الذي خالف الثقات.ولهذا عندما يعرفون الحديث الصحيح،
    يقولون:
    ما روي بنقل عدد تام الضبط، متصل السند، غير معلل شاذ.فليس مجرد ثقة الرجال واتصال الإسناد كافيا، بل لابد مع ذلك أن يسلم من الشذوذ والعلة، والشذوذ هو مخالفة الثقة للثقات.
    بعض العلماء قال: من شرط الصحيح: أن يكون له طريقان فأكثر.ولكن هذا رده أكثر العلماء وأنكروه على من قاله؛ لوجود أحاديث معتبرة وصحيحة جاءت من طريق واحد.
    يقول أبو داود رحمه الله:
    [الأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئا من الحديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس].
    أي: أن معرفة الحديث المشهور والحديث الغريب لا يتأتى إلا بجمع الطرق، وأما مجرد أن يقف الإنسان على حديث ولا يفتش عن الشواهد والمتابعات؛ فإن هذا لا يميزه كل أحد ولا يقدر عليه كل أحد، ولا يستطيع أن يحكم على غرابته إلا من عنده اطلاع واستيعاب.

    [مذهب أبي داود في الحديث الغريب]
    قال: [والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم].
    يعني: أن الإنسان يفتخر بهذا، ويطمئن إلى سلامتها وإلى تعدد طرقها ومصادرها وكونها مشهورة.
    أما قوله: (فإنه لا يحتج بالغريب ولو كان من طريق مالك أو يحيى بن سعيد) فلا أدري ما يقصده بقوله بهذا، وهل يرى أن التفرد لا يعتبر ولو كان رجاله ثقات، أو أنه إذا كان من طريقهم ولكن روى عنهم من لا يحتمل تفرده؟ فإذا كان الأمر كذلك فوجود بعض الثقات في الإسناد لا ينفع إذا وجد فيه شخص ضعيف ولم تأت طرق أخرى تقويه وتؤيده، أما إذا كانوا كلهم ثقات وليس فيهم من لا يحتمل تفرده، فإن حديثهم معتبر ومعول عليه، والصحيحان قد اشتملا على ذلك، والعلماء اعتبروا تلك الأحاديث التي جاءت من مثل هذه الطرق صحيحة وثابتة.
    قال: [ولو احتج رجل بحديث غريب ودس من يطعن فيه].
    أي: بكونه ما جاء إلا من طريق واحد، وليس معروفا عند الناس كلهم،
    يعني: أن هناك مجالا للطعن؛ لكن ليس كل حديث غريب يكون فيه مجال كما أسلفت.قال رحمه الله: [ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبا شاذا].هنا إضافة الشذوذ إلى الغرابة، لكن الشذوذ إذا كان سببه الغرابة فلا إشكال في الحديث؛ لأن مخالفة الثقة للثقات إنما ترد بها رواية الثقة حيث لا يمكن الجمع بين رواية الثقات ولا معرفة الناسخ والمنسوخ.فإذا كانت القضية ليس فيها إلا الترجيح؛ فإن الحديث يكون شاذا ولو كان إسناده صحيحا، ولا يعول على ذلك الشاذ بل يعول على المحفوظ الذي هو في مقابلة الشاذ.
    قال: [فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده عليك أحد].الحديث المشهور التي تعددت مخارجه، وهو متصل لا انقطاع فيه، ليس يقدر أحد على أن يرده.
    ولعل هذا يوضح أن مراد أبي داود فيما تقدم من ذكر يحيى بن سعيد ومالك وروايتهم الحديث الغريب: أنه إذا كان في الإسناد من يقدح فيه من أجله، أما حيث يوجد الإسناد المتصل المشهور الذي تعددت مصادره ومخارجه فليس يقدر أحد أن يرده.
    [كراهة بعض العلماء للحديث الغريب]
    قال رحمه الله: [وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث].(كانوا) أي: العلماء (يكرهون الغريب من الحديث)،
    يعني:
    الذي لا يعرف إلا من طريق واحد، ويفضلون الذي جاء من طرق متعددة؛ لأن الحديث إذا تعددت طرقه كان ذلك أقرب إلى سلامته من أن يكون فيه وهن أو خطأ.
    الملقي: [وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة؛ فإن عرف وإلا فدعه].
    معناه:
    أن الإنسان يبحث عنه ويذكره، ويبحث عن شيء يساعده ويؤيده.
    [الإرسال والتدليس في سنن أبي داود]
    قال رحمه الله:
    [وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومدلس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل، وهو مثل الحسن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحسن عن مقسم، وسماع الحكم من مقسم أربعة أحاديث].
    [الفرق بين المرسل والمدلس]
    ذكر أبو داود رحمه الله بأن كتابه مشتمل على المرسل والمدلس،
    وقد سبق ذكر أن المرسل عند العلماء يطلق إطلاقين:
    إطلاقا خاصا وإطلاقا عاما.
    والإطلاق الخاص: هو قول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وهذا هو المشهور عند المحدثين.
    ويطلق إطلاقا أعم منه:
    وهو رواية الراوي عن شخص لم يدرك عصره، أو أدرك عصره ولم يسمع منه.وروايته عمن لم يدرك عصره يسمونه المرسل الجلي لأنه واضح، فإن كان عاصر ذلك الشخص الذي أضاف إليه الحديث ولكنه لم يلقه؛ فإن هذا يسمونه المرسل الخفي؛ لأنه لا يتفطن له، إذ مع المعاصرة يظن اللقاء.
    والمدلس: هو رواية التلميذ عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم للسماع كعن أو قال، والرواية بهذه الطريقة تسمى تدليسا؛ لأن فيها إيهاما بالاتصال، والواقع أنه لا اتصال.
    ولهذا يقولون في الحديث إذا جاء من طريق فيها صيغة تحتمل التدليس كـ: (عن أو قال): يرتفع التدليس إذا صرح التلميذ عن شيخه بالتحديث في موضع آخر بأن قال: حدثني،
    أو قال:
    أخبرني،
    أو قال:
    سمعت فلانا.والمدلس يذكره بعض المحدثين في أسانيدهم حيث لا يوجد غيره، وقد يصل إلى شخص بإسناد فيه تدليس، ثم يصل إلى شخص آخر بإسناد عند محدث آخر فيه التصريح بالسماع أو التحديث، وعند ذلك لا يضر التدليس في بعض الطرق؛ لأنه لزوال الاحتمال بوجوده من طريق آخر.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المعاني التي تطلق عليها السنة

    صــ 10إلى صــ18
    الحلقة (7)

    [تقوي المرسل والمدلس بغيره]
    قال رحمه الله:
    [وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومدلس وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث].ما ليس بمتصل هو المرسل والمدلس؛ لأن المدلس على حسب الظاهر ليس بمتصل؛
    لأن الراوي إذا كان معروفا بالتدليس فمعناه:
    أنه يمكن أن تكون هناك واسطة، والمرسل فيه سقوط إن كان في أعلى الإسناد، وهو المشهور عند المحدثين، أنه قول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.وهذا فيه سقوط بلا شك؛ لأن التابعي ما أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم، والساقط يحتمل أن يكون صحابيا ويحتمل أن يكون تابعيا كما تقدم.فالمدلس والمرسل يذكرهما العلماء لأنه يمكن أن يتقوى بعضهما ببعض، فيمكن أن يتقوى المرسل بالمرسل، والمدلس بالمدلس، والمدلس بالمرسل؛ ما دام أنها في موضوع واحد وتعددت الطرق، فإن الأحاديث التي يتوقف فيها إذا انضم بعضها إلى بعض جبر بعضها بعضا، وانتقل إلى أن يكون من قبيل الحسن لغيره.
    قوله:
    (وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل العلم على معنى أنه متصل).
    يعني:
    أن المدلس أو المرسل يذكره هو ويذكره غيره عندما لا يوجد غيره من الأحاديث المتصلة الصحيحة؛ لأن هذا هو الذي وجد، مثلما قال فيما مضى بالنسبة للمنكر.
    [أمثلة للحديث المدلس]
    قوله: (وهو مثل الحسن عن جابر) لأن الحسن البصري رحمه الله معروف بالتدليس.كـ الحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.وكذلك الحسن عن أبي هريرة.
    قوله:
    والحكم عن مقسم)، هو الحكم بن عتيبة.
    قوله:
    (وسماع الحكم من مقسم أربعة أحاديث) يعني: أن الأحاديث التي وقع فيها السماع أربعة، والبقية مدلسة، وهذا مثلما قالوا في سماع الحسن من سمرة، فمنهم من تكلم فيه مطلقا، ومنهم من اعتبره مطلقا،
    ومنهم من فصل وقال:
    إن حديث العقيقة ثابت لأنه جاء ما يدل على سماعه من سمرة، وغيره يكون من قبيل المدلس.
    وهنا قال: إن سماع الحكم من مقسم أربعة أحاديث.
    قال رحمه الله:
    [وأما أبو إسحاق عن الحارث عن علي فلم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس فيها مسند واحد].وأبو إسحاق مدلس، فإذا جاء غير هذه الأربعة باللفظ الذي فيه العنعنة فإنه يعتبر من قبيل المدلس.
    قوله: (ليس فيها مسند واحد) يعني ليس منها حديث مسند متصل، بل تلك الأحاديث الأربعة التي سمعها والتي لا تدليس فيها ليس فيها شيء مسند.
    قال رحمه الله:
    [وأما ما في كتاب السنن من هذا النحو فقليل، ولعله ليس للحارث الأعور في كتاب السنن إلا حديث واحد، فإنما كتبته بآخرة].
    يقول: وهذا الذي ذكره وفي السنن وأشار إليه فهو قليل، قال: ولعله ليس للحارث الأعور في كتابه إلا حديث واحد كتبه بآخرة،
    ومعناه:
    أنه ليس شيء من هذا عندي، والذي عندي للحارث هو حديث واحد كتبته مؤخرا.
    [توقف أبي داود عن ذكر بعض الأحاديث]
    قال رحمه الله: [وربما كان في الحديث ما تثبت صحة الحديث منه إذا كان يخفى علي، فربما تركت الحديث إذا لم أفقهه، وربما كتبته وبينته، وربما لم أقف عليه، وربما أتوقف عن مثل هذه لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا].
    قوله: (وربما كان في الحديث ما تثبت صحة الحديث منه إذا كان يخفى علي).هذه العبارة غير واضحة؛ لأن الحديث يمكن أن يكون فيه ما يدل على صحته ويقويه من حيث الرواية، أو من حيث الراوي، أو من حيث التقديم والتأخير،
    لكن قوله:
    (إذا كان يخفى ذلك علي) فيه غموض.
    وقوله: (وربما تركت الحديث)،
    يعني: فلا يذكره إذا لم يفقهه، وهذا يدل على أنهم يعنون بالفقه، وأنهم يفقهون ويفهمون الأحاديث ويعرفون معانيها، وأنهم لا يثبتونها وهي موهمة أو خفية أو لا يتضح معناها، فإنهم يصيرون إلى الواضح ويتركون الشيء الذي فيه الخفاء.
    قوله: (وربما كتبته وبينته وربما لم أقف عليه)، أشار به إلى هذا الذي حصل له؛
    لكن قوله:
    (وربما لم أقف عليه) لا أدري ما معنى: (لم أقف عليه)،
    وهل معناه:
    لم أقف على شيء يوضحه، أو أنه ما وقف على الحديث؟
    وقوله:
    (وربما أتوقف عن مثل هذه؛ لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا) معناه: أنه ربما يتوقف عن ذكر كل شيء فيه إشكال؛ لأنه قد يؤثر على الذين لا يفقهون ولا يفهمون، ولا يعرفون عيوب الحديث.
    ومن الأشياء التي كانوا يتركونها لأن فيها إشكالا على الناس: أنهم لا يحدثون بكل حديث في كل مناسبة وفي كل مجال؛ لأن بعض العامة يقصر فهمهم عن مثل ذلك،
    مثلما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الذي فيه:
    (يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وحق العباد على الله؟) ثم بين له ذلك فقال معاذ رضي الله عنه: (أفلا أبشر الناس يا رسول الله؟
    قال:
    لا تبشرهم فيتكلوا)
    ؛ لأن بعض الناس إذا حدث بحديث فيه ترغيب بشيء، أو فيه ذكر سعة جود الله وفضله وإحسانه قد يجره ذلك إلى التساهل، فلا يحدث بالأحاديث في كل مكان أو كل مجال إذا كان يترتب على ذلك ضرر.ولهذا ما حدث به معاذ رضي الله عنه إلا عند موته تأثما،
    يعني: خشية أن يلحقه إثم إذا لم يحدث بحديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ولهذا ذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تبشرهم فيتكلوا).
    وكذلك ما جاء في بعض الأحاديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب إلى حائط وافتقده أصحابه وخشوا أن يكون حصل له مكروه، فذهبوا يبحثون عنه، وكان الذي سبق إليه أبو هريرة رضي الله عنه، فلقيه وأخبره أن الناس انزعجوا، وأنهم لا يعرفون ماذا حصل له، فأمره بأن يرجع وأن يبشر من لقي بالجنة، فلقيه عمر وطعن في صدره،
    وقال:
    اسكت،
    فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره وقال ل عمر:
    لماذا فعلت هكذا؟
    قال:
    خلهم يعملون،
    فقال الرسول:
    خلهم.لأن بعض الناس يعتمد على الأحاديث التي فيها ترغيب،
    وهذا هو الذي بنى عليه المرجئة عقيدتهم الفاسدة حيث قالوا:
    (لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة)، فعولوا على أحاديث الوعد وأغفلوا أحاديث الوعيد، وعكسهم الخوارج الذين عولوا على أحاديث الوعيد وأغفلوا أحاديث الوعد، وأهل السنة والجماعة أعملوا أحاديث الوعد وأحاديث الوعيد، فأخذوا بهذا وبهذا.فهم لا يعولون على أحاديث الوعد ويقعون في المعاصي، ولا يغفلون أحاديث الوعد ويعتبرون من أتى كبيرة أنه كفر أو ارتد أو خرج من الإسلام، بل يعتبرون من حصل له ذلك مؤمنا بإيمانه فاسقا بكبيرته، ولا يعطونه الإيمان المطلق ولا يسلبونه مطلق الإيمان، فهم متوسطون بين طرفي الإفراط والتفريط.ومن الأشياء التي كانوا لا يحدثون بها ما لا يفهمه السامع أو لا يعقله،
    وقد جاء:
    (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!) فكون الإنسان يحدث بشيء لا يعقله ولا يطيقه فهمه قد يترتب عليه مضرة.
    [عدد كتب وأحاديث سنن أبي داود]
    قال رحمه الله: [وعدد كتب هذه السنن ثمانية عشر جزءا مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل].
    أي: وعدد الكتب التي اشتمل عليها كتابه ثمانية عشر جزءا، جزء منها يعتبر مراسيل، يعني: أجزاء حديثية.
    قال رحمه الله: [وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من المراسيل منها ما لا يصح، ومنها ما هو مسند عن غيره وهو متصل صحيح].والمراسيل منها ما لا يصح لأنه ما جاء إلا من طريق وعر، ومنها ما هو مستند على غير هذا المرسل وهو متصل صحيح، والمعنى أنه مرسل من طريق ولكن يأتي طريق آخر يكون فيها متصلا.
    قال رحمه الله: [ولعل عدد الذي في كتابي من الأحاديث قدر أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ونحو ستمائة حديث من المراسيل].
    والمراسيل كما هو معلوم: كتاب مستقل لـ أبي داود جمع فيه المراسيل.
    قال رحمه الله: [فمن أحب أن يميز هذه الأحاديث مع الألفاظ فربما يجيء حديث من طريق وهو عند العامة من طريق الأئمة الذين هم مشهورون، غير أنه ربما طلبت اللفظة التي تكون لها معان كثيرة، وممن عرفت نقل من جميع هذه الكتب].هذه العبارة فيها خفاء.
    قال: [وربما يجيء الإسناد فيعلم من حديث غيره أنه غير متصل، ولا يتبينه السامع إلا بأن يعلم الأحاديث وتكون له فيه معرفة فيقف عليه، مثلما يروى عن جريج قال: أخبرت عن الزهري، ويرويه البرساني عن ابن جريج عن الزهري، فالذي يسمع يظن أنه متصل ولا يصح بتة، فإنما تركناه لذلك، هذا لأن أصل الحديث غير متصل ولا يصح، وهو حديث معلول، ومثل هذا كثير].
    يعني: أن من الأحاديث ما يأتي من طريق غير متصل، ثم يجيء من طريق أخرى وفيه ما يفيد أو ما يحتمل الاتصال فيظن أنه متصل.
    ثم ضرب لذلك مثلا وهو أن ابن جريج قال:
    أخبرت عن الزهري.فكلمة (أخبرت عن الزهري) واضحة بأن فيها انقطاعا، وأن بينه وبين الزهري واسطة ولم يذكر المخبر، وقد جاء الحديث من طريق البرساني عن ابن جريج عن الزهري هكذا.
    فالذي يطلع على هذا الإسناد الذي فيه: عن فلان عن فلان، يظن أنه متصل، وهذا لا يفيد شيئا لأنه ما دام الراوي مدلسا روى بالعنعنة فهو غير متصل؛
    لكن عبارة:
    أخبرت عن الزهري واضحة في أنه لا اتصال، وأن هذا محتمل لأنه مدلس.فمن لا يعرف الحديث قد يجد الإسناد من طريق البرساني عن ابن جريج عن الزهري فيظن أنه متصل، وذلك لا يصح لأنه مدلس.
    قال رحمه الله: [والذي لا يعلم يقول: قد ترك حديثا صحيحا من هذا وجاء بحديث معلول].والذي لا يعرف الحديث إذا وجد هذا الذي فيه (أخبرت عن الزهري) والانقطاع فيه واضح ويجد المؤلف لم يذكر الحديث أنه متصل؛ الذي لا يعرف الحديث يظن أنه متصل ولا يعلم أن وجود هذا الإسناد الثاني كعدمه لأنه مدلس، والمدلس كما هو معلوم محتمل الاتصال ومحتمل الانقطاع، محتمل الواسطة ومحتمل عدم الواسطة.
    [تصنيف سنن أبي داود على الأحكام]
    قال رحمه الله:
    [وإنما لم أصنف في كتابي السنن إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها].أخبر أبو داود رحمة الله عليه بأن كتابه اعتنى بأحاديث الأحكام، ولم يجعل فيه شيئا من الزهد والفضائل، وإنما أراد أن يكون كتاب أحكام.وله في الزهد كتاب مستقل ومؤلفات أخرى، ولكنه أراد أن يكون هذا الكتاب كتاب أحكام، ولهذا يعتبر كتاب أبي داود رحمة الله عليه من الأصول التي يعول عليها في الأحكام، بخلاف بعض العلماء الذين يدخلون في مؤلفاتهم الزهد والرقائق وما إلى ذلك،
    فهو يقول: إنه ما أراد أن يكون كتابه في الزهد والفضائل، وإنما أراد أن تكون عنايته بالأحكام التي يعول عليها الناس في عباداتهم ومعاملاتهم، وكذلك في عقائدهم؛ لأنه ذكر في كتابه كتاب السنة الذي اشتمل على أحاديث كثيرة كلها في العقيدة.
    قال رحمه الله: [فهذه الأربعة الآلاف والثمانمائة كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها من غيرها من غير هذا لم أخرجه، والسلام عليكم ورحمة والله وبركاته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما، وحسبنا الله ونعم الوكيل].هذا هو آخر رسالته التي وصف فيها سننه، ولاشك أنها مشتملة على أمور كثيرة،
    كما قلت سابقا: صاحب البيت أدرى بما فيه، فالمؤلف إذا بين خطته ومنهجه وطريقته فهو أدرى وأخبر.وبعض المؤلفين لا يوجد عنده شيء يوضح منهجه وطريقته، ولهذا يحتاج العلماء إلى أن يبحثوا عن شيء يكشف المنهج والطريقة، مثلما حصل للبخاري رحمة الله عليه في صحيحه فإنه ما ذكر منهجه؛ ولكن العلماء استخلصوا منهجه وطريقته بالاستقراء والتتبع كما فعل الحافظ ابن حجر في فتح الباري، حيث ذكر جملة كبيرة من الأمور التي توصل إليها بالاستقراء والتتبع من منهج البخاري وطريقته في إخراجه للأحاديث التي أوردها في كتابه الجامع الصحيح، وبهذا انتهت تلك الرسالة.
    [شروح سنن أبي داود]
    قبل أن نبدأ بالسنن أحب أن أذكر بعض الكتب التي صنفها العلماء حول هذا الكتاب.فالكتاب قد اختصر وشرح، ومن اختصاره تهذيب الحافظ المنذري له، فإنه هذبه وحذف أسانيده، وبعد إيراد الحديث يذكر من خرجه من أصحاب الكتب الأخرى، فكتاب المنذري رحمة الله عليه تهذيب السنن هو اختصار لسنن أبي داود، وفيه مع الاختصار الإشارة إلى التخريج في بقية الكتب الخمسة من الكتب الستة.وللعلامة ابن القيم تعليقات على مختصر المنذري في بعض الأحاديث وليس كلها، ولكنه أثنى عليه ثناء عظيما،
    وقال:
    إنه قد أحسن في تهذيبه حتى لم يدع للإحسان موضعا، أي ما ترك مجالا؛ لأنه في انتقائه واختصاره وعنايته أحسن إحسانا عظيما وقام بعمل جليل.وله حاشية عليه فيها شرح لبعض الأحاديث، يطيل في بعض الأحيان حتى يكون كلامه على الحديث بمثابة جزء، فإنه يقوم باستيعاب وبيان الفقه والأحكام وأقوال العلماء، ويتوسع في بعض المواضع، وفي بعضها يختصر، وكثير منها لا يعلق عليها شيئا، وقد طبع.وكذلك معالم السنن للخطابي، فإنه يذكر الكتاب، ويذكر الباب،
    ولكنه لا يستوعب حيث يقول:
    من باب كذا ثم يذكر بعض الأحاديث ويشرحها، فهو بمثابة الاختصار،
    ولكنه يشرح تلك الأحاديث التي يوردها وكلامه في التبويب يشير إلى انتقائه واختصاره حيث يقول:
    من باب كذا، ثم يذكر بعض الأحاديث التي انتقاها ويشرحها.وقد طبعت الثلاثة التي هي تهذيب المنذري أو مختصر المنذري، ومعالم السنن للخطابي، وحاشية ابن القيم على مختصر المنذري بمصر بعناية الشيخ محمد حامد الفقي رحمة الله عليه في ثمانية مجلدات.ولكن التمييز بين كلام ابن القيم وكلام المنذري وكلام الخطابي يحتاج إلى جهد، من جهة أن ابن القيم أحيانا يطول فيحتاج إلى أن يسوق صفحات كلها ل ابن القيم، وأحيانا لا يذكر شيئا.وقد طبعت معالم السنن للخطابي وحدها في مجلدين بعناية راغب الطباخ، وطبع كتاب ابن القيم مع عون المعبود في بعض الطبعات، وعون المعبود للطيب الآبادي الهندي شرح مختصر ومفيد، وهناك شروح أطول منه، ولكن منها ما هو غير كامل، وإنما وجد أوله مثل غاية المقصود لأحد علماء الهند، وكذلك أيضا ظهر في مصر المنهل العذب المورود للساعاتي وهو شرح فيه العدد القليل، ولكن الكتاب المشهور والموجود والذي هو كامل هو عون المعبود للطيب الهندي وهو في متناول الأيدي، وله شروح أخرى مذكورة في كشف الظنون وفي غيره من الكتب التي تذكر المؤلفين ومؤلفاتهم.والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    الأسئلة
    [أفعال النبي في الصلاة ليست كلها على الوجوب]
    q هل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) يدل على أن كل فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فهو واجب؟

    a الحديث لا يدل على أن كل فعل يكون واجبا؛ لأن مما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ما ليس بواجب وإنما هو من الأمور التي إذا وجدت في الصلاة لا تؤثر فيها ولا تبطلها، وإنما هي من الأمور المستحبة ومن السنن، والإنسان يحرص على الواجبات والمستحبات.لكن لا يقال: إن كل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يكون من قبيل الواجب، وأنه إذا تركه فإنه يأثم، نعم يأثم إذا ترك ما علمه من السنة زهدا عنها ورغبة فيها، أما إذا صلى الإنسان صلاة وترك شيئا فعله النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقال: إن صلاته غير صحيحة؛ لأنه ما وجد منه ذلك.وليس أيضا كل ما جاء في قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) واجب، بل يستثنى من ذلك بالنسبة للمأمومين أنهم لا يقولون: سمع الله لمن حمده كما يقول الإمام، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس ويقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده.وبعض العلماء احتج بهذا الحديث على أنه يقول: سمع الله لمن حمده، فيجمع بين التسميع والتحميد، وبعض العلماء يقول: إن هذا الحديث يستثنى منه التسميع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرشد الناس إلى أن يصلوا، قال: (وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد).
    [احتجاج بعض المتصوفة بتقبيل لسان أبي داود على بدعهم]
    q استغل بعض الصوفية المعاصرين قصة الذي طلب من أبي داود أن يخرج له لسانه ليقبله على جواز التقبيل المعروف لديهم مما هو مخالف للشرع، فنرجو منكم توضيح المسألة؟

    a التقبيل الذي يقوم به بعض الناس، والذي فيه ذل من المقبل واغترارا من المقبل ليس هو منهج السلف وطريقتهم، بعض العلماء قد يتواضع ويبتعد عن أن يغتر وهذا مطلوب منه، وقصة الذي قال: أخرج لسانك، إنما فعل ذلك مع إمام لسانه مشتغل بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما الصوفية فبماذا اشتغلوا؟ ما اشتغلوا إلا بالبدع والخرافات.فعلى أي أساس يقاس هذا بهذا؟ فهذا محدث ولسانه مشتغل بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولسانه طري بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا فيه بيان عظم قدر اللسان الذي حصل منه هذا.وأما الصوفية فماذا حصل لهم مما يدعو إلى تعظيمهم؟ أهو كونهم يأتون بالبدع وألسنتهم لا تشتغل إلا بالبدع؟ فرق بين هذا وهذا، ولا يلحق هذا بهذا.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المعاني التي تطلق عليها السنة

    صــ 1إلى صــ10
    الحلقة (8)

    شرح سنن أبي داود [004]
    لقضاء الحاجة آداب وأحكام ينبغي على كل مسلم معرفتها والتأدب بها،
    ومن تلك الآداب والأحكام:
    طلب مكان بعيد يستتر به الناس عند قضاء الحاجة، والإتيان بالأذكار الواردة عند التخلي.
    ما جاء في التخلي عند قضاء الحاجة
    [شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد)]قال المصنف رحمه الله تعالى:
    [كتاب الطهارة.
    باب التخلي عند قضاء الحاجة:

    حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد - عن محمد -يعني: ابن عمرو - عن أبي سلمة عن المغيرة بن شعبة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد)].
    قول الإمام أبي داود السجستاني رحمة الله عليه: [كتاب الطهارة]، هذا هو أول كتاب في كتابه السنن، وجرت عادة المحدثين والفقهاء عندما يكتبون في الأحكام أنهم يقدمون كتاب الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، ويجعلون بين يدي الصلاة كتاب الطهارة؛ لأن الطهارة شرط في صحة الصلاة، فلزم أن تكون متقدمة عليها؛ فيجعلون الطهارة قبل الصلاة؛ لأنه لا صلاة إلا بطهارة، ولا صلاة إلا بوضوء،
    كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فمن أجل ذلك كانوا يقدمون كتاب الطهارة على كتاب الصلاة والزكاة والصيام والحج.
    قوله: [باب التخلي عند قضاء الحاجة].
    التخلي هو: الذهاب للخلاء، أو أن يكون الإنسان في مكان خال عن الناس بحيث لا يرى عورته أحد، وكانوا يذهبون إلى المكان الخالي لقضاء الحاجة، وكان هذا قبل أن توضع الكنف في البيوت، ولما وضعت الكنف في البيوت كانوا يقضون حوائجهم فيها.
    ومن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا أرد أن يقضي حاجته أن يذهب بعيدا عن الناس.
    أورد أبو داود رحمة الله عليه حديث المغيرة بن شعبة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد)،
    يعني: كان إذا ذهب إلى المكان الذي يقضي فيه حاجته ذهب بعيدا عن الناس.والذهاب إلى مكان بعيد عن الناس أمر مطلوب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفعله، ولما يترتب على ذلك من فوائد،
    منها:
    ألا يرى عورته أحد، وأما أن يرى شخصه من مكان بعيد وهو يقضي الحاجة فهذا أمر لا يؤثر.
    ومنها: أنه إذا كان بعيدا عن الناس لا يسمع صوت بخلاف ما إذا كان قريبا من الناس فإن الناس يسمعون ذلك الصوت منه.
    فإذا:
    يستدل بهذا الحديث على أن الإنسان إذا كان في مكان خال وعراء وفضاء من الأرض أن عليه أن يذهب بعيدا عن الناس، وهذا من آداب قضاء الحاجة، وأما إذا كان في مكان مستور كالأبنية والحجب التي توضع دون رؤية الناس من القماش أو الجلود أو الخيام أو غير ذلك؛ فإن هذا مما يحصل به المقصود.
    فالمقصود هو:
    التستر والبعد عن الناس حتى لا يروا عورته، فإذا كان في مكان خال بعيدا عن الناس، وإذا كان في مكان أعد لذلك كالكنف فإنه يكون بذلك مستترا عن الناس، ولا سبيل للناس إلى رؤيته.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أذهب المذهب أبعد)]
    قوله:
    [حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي].
    هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتاب الستة إلا ابن ماجة.وقد كان ابن معين وابن المديني وغيرهما لا يقدمان عليه أحدا في الموطأ؛
    لأن الذين رووا الموطأ عن مالك كثيرون ومنهم: عبد الله بن مسلمة بن قعنب.وهذا هو أول شيخ روى عنه أبو داود في سننه، عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي أحد رجال أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.وسبق أن مر بنا في سنن النسائي ومسلم والبخاري أن أول شيخ روى عنه النسائي هو قتيبة بن سعيد، وأول شيخ روى عنه مسلم هو زهير بن حرب أبو خيثمة، وأول شيخ روى عنه البخاري هو عبد الله بن الزبير المكي، وأول شيخ روى عنه ابن ماجة هو قتيبة، كـ النسائي، وأول شيخ روى عنه الترمذي هو أبو بكر بن أبي شيبة، فهؤلاء هم الذين حصل البدء بهم في هذه الكتب الستة.كلهم من الثقات، وفيهم من اتفق أصحاب الكتب الستة على الإخراج له، وفيهم من لم يخرج له بعضهم، ولا يعني عدم التخريج لشخص أو لرجل من الذين كتبوا في الصحيح، أو الذين يروون عن الثقات أن يكون فيه كلام؛ لأن الذين كتبوا في الصحيح ما كتبوا كل حديث صحيح، ولا أوردوا في مؤلفاتهم كل حديث صحيح، وإنما أوردوا جملة كبيرة من الصحيح، وكذلك لم يخرجوا عن كل ثقة، فكم من ثقة لم يخرج له أصحاب الصحيح وغيرهم، ولا يعني هذا أن فيه كلاما؛ لأنهم لم يلتزموا أن يخرجوا كل حديث صحيح، ولم يلتزموا أن يخرجوا عن كل شخص ثقة، فكم من ثقة خرج له البعض ولم يخرج له البعض الآخر! لا لقدح فيه، بل هو عنده حجة ولكنه ما اتفق له أن يخرج عنه؛ لأن الأحاديث التي اختارها ليس في إسنادها ذلك الشخص الثقة.[حدثنا عبد العزيز - يعني: ابن محمد -].
    أي: ابن محمد الدراوردي فكلمة (يعني) هذه جاءت في نسب عبد العزيز الدراوردي؛ لأن تلميذه عبد الله بن مسلمة بن قعنب لما روى عنه ما زاد على كلمة عبد العزيز،
    وإنما قال: حدثنا عبد العزيز فقط، فالذي جاء بعده -وهو أبو داود - أراد أن يوضح من هو عبد العزيز هذا الذي أهمل نسبته عبد الله بن مسلمة بن قعنب تلميذه، فأراد أن يوضحه ولكن لما أراد توضيحه أتى بكلمة (يعني) حتى يفهم منها أن ذكر النسب ليس من التلميذ، ولكنه ممن دون التلميذ.
    ولو أن من دون عبد الله بن مسلمة قال:
    أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي لظن أن القائل هو التلميذ.وهذا من دقة علماء أهل الحديث وعنايتهم؛ إذ أن الشخص إذا كان مهملا في الإسناد فإن من دون تلميذه لا ينسبه أو يزيد في نسبه بدون أن يبين،
    بل يأتي بشيء يوضح به ذلك المهمل بكلمة مثل:
    (يعني) حتى يفهم منها أنها للتوضيح والبيان زادها من دون التلميذ.وعلى هذا فكلمة (يعني) فعل مضارع له فاعل وله قائل،
    ففاعله: ضمير مستتر يرجع إلى التلميذ، وهو عبد الله بن مسلمة بن قعنب، وقائل هذه العبارة هو من دون التلميذ، سواء كان أبو داود تلميذ عبد الله بن مسلمة بن قعنب أو الذي روى عن أبي داود، أو الذين تحت أبي داود؛ إذ من المعلوم كلمة (يعني) تأتي أحيانا في شيخ المصنف، وقد مر بنا في سنن النسائي مثل هذا،
    حيث يقول النسائي:
    أخبرنا فلان يعني: ابن فلان، أو أخبرنا فلان وهو ابن فلان.وهذه لا تكون من النسائي، وإنما تكون ممن دونه؛ لأن النسائي كما سبق أن عرفنا أحيانا يذكر بعض شيوخه في سطر،
    حيث ينسبه ويقول:
    فلان بن فلان بن فلان بن فلان إلى آخره، وأحيانا لا ينسبه، فيأتي من دونه فيأتي بكلمة (يعني) أو كلمة (هو).وعلى هذا فإن من دون التلميذ إذا أراد أن يوضح هذا المجمل الذي لم ينسبه شيخه فإنه يأتي بما يوضح، لكن يأتي بكلمة (يعني) أو بكلمة (هو).فقائل (هو) أو: (يعني): هو من دون التلميذ.وعبد العزيز بن محمد الدراوردي صدوق أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن محمد -يعني: ابن عمرو -].هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي صدوق له أوهام أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وكلمة (يعني) يقال فيها كما قيل في التي قبلها، يعني: أن تلميذه عبد العزيز بن محمد الدراوردي لما روى عنه ما زاد على قوله: عن محمد، فلم يزد ابن عمرو، فـ عبد الله بن مسلمة القعنبي الذي هو تلميذ تلميذه أو أبو داود أو من دونه هو الذي زاد كلمة (يعني)، فالتي عند عبد العزيز بن محمد الزائد لها أبو داود أو من دونه، وأما (يعني) التي جاءت مع محمد بن عمرو فالزائد لها عبد الله بن مسلمة القعنبي أو من دونه؛ لأن عبد الله بن مسلمة القعنبي ليس تلميذه وإنما تلميذه عبد العزيز بن محمد الدراوردي، فـ عبد العزيز بن محمد، قال: حدثنا محمد، ومن دونه إما عبد الله بن مسلمة القعنبي أو أبو داود أو من دون أبي داود هو الذي أضاف أو أتى بكلمة (يعني): ابن عمرو.
    [فقهاء المدينة السبعة]
    [عن أبي سلمة]
    .هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف تابعي ثقة، معروف بكنيته،
    وقيل فيه:
    إنه سابع الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم؛ وذلك أنه اشتهر في المدينة في عصر التابعين سبعة من الفقهاء بلقب الفقهاء السبعة.وإذا ذكر المحدثون في كتب الحديث،
    أو الفقهاء في مسائل الفقه مسألة من المسائل اتفق عليه هؤلاء السبعة قالوا: وقال بها الفقهاء السبعة.فكلمة الفقهاء السبعة تعني سبعة من التابعين، وستة منهم لا خلاف في عدهم من الفقهاء السبعة، والسابع منهم فيه ثلاثة أقوال،
    أما الستة الذين اتفق على عدهم من الفقهاء السبعة فهم:
    عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، هؤلاء ستة متفق على عدهم في فقهاء المدينة السبعة.
    وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال:
    قيل: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الذي معنا في هذا الإسناد،
    وقيل:
    هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب،
    وقيل:
    هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.وقد ذكر ابن القيم في أول كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين) جملة كبيرة من المفتين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في مختلف الأقطار والبلاد، فذكر أهل الفتوى في المدينة من الصحابة والتابعين، وكذلك ذكر أهل الفتوى في البصرة والكوفة ومصر ومكة وهكذا.فذكر في أول كتابه (إعلام الموقعين) جملة من أهل الفتوى الذي عرفوا بالفتوى وبالفقه، والذين يرجع إليهم في المسائل يستفتون فيها، ولما جاء عند المدينة والفقهاء من التابعين ذكر من فقهاء التابعين في المدينة سبعة، وجعل السابع منهم أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وليس أبا سلمة الذي معنا في الإسناد.وذكر بعضهم بيتين من الشعر ثانيهما مشتمل على أسماء الفقهاء السبعة،
    على أن السابع هو:
    أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام،
    البيتان هما:
    إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة فقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة عبيد الله هو: عبيد الله بن عتبة بن مسعود،
    وقاسم هو:
    القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق،
    وعروة هو: عروة بن الزبير بن العوام،
    وسعيد هو:
    سعيد بن المسيب،
    وسليمان هو:
    سليمان بن يسار،
    وخارجة هو:
    خارجة بن زيد بن ثابت،
    وأبو بكر هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.فذكر في هذا البيت أوائل أسماء هؤلاء الفقهاء السبعة،
    والسابع منهم على أحد الأقوال:
    أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
    ومن المسائل التي اتفق عليها الفقهاء السبعة: مسألة وجوب الزكاة في عروض التجارة،
    فيقولون: وقال بها الأئمة الأربعة،
    أي:
    أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، والفقهاء السبعة، وهذا يغني عن عدهم وسردهم، ومن أراد أن يعرفهم فهم مذكورون في كتب المصطلح.فـ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف تابعي ثقة أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.
    [عن المغيرة بن شعبة].
    هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحابي مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.وكأن الحديث فيه اختصار، ففي بعض رواياته ذكر قصة، وأنه كان مرة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وطلب منه أن يأتي بوضوء فتوضأ،
    ولما أراد أن يغسل رجليه أراد المغيرة أن ينزعهما ليغسلهما فقال:
    (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).
    [شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)]
    قال المصنف: رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)].أورد أبو داود رحمه الله حديث جابر بن عبد الله الأنصاري وهو بمعنى حديث المغيرة بن شعبة المتقدم، بل هو موضح له؛ لأنه هنا عبر بالبراز،
    يعني:
    المكان الذي تقضى فيه الحاجة، وهو الفضاء.
    وقوله:
    [(كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)]، هذا أيضا كناية عن قضاء الحاجة،
    ومعناه:
    أنه كان يذهب بعيدا عن الأنظار حتى لا يراه أحد، وليس المقصود أنه كان يتوارى بحيث أنه يكون بعيدا جدا، بل المقصود أنه كان يبعد حيث لا يراه أحد، ويمكن أن يبعد حتى يرى رؤية غير واضحة، والعورة لا سبيل إلى رؤيتها بهذا، فهذا الحديث هو بمعنى الحديث المتقدم.
    [تراجم رحال إسناد حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)]
    قوله: [حدثنا مسدد بن مسرهد].
    هو مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.[حدثنا عيسى بن يونس]
    .هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا إسماعيل بن عبد الملك]
    .هو إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء وهو صدوق كثير الوهم، أخرج حديثه البخاري في جزء رفع اليدين وأبو داود والترمذي وابن ماجة، ولم يخرج له النسائي، ففي كتاب النسائي الذي درسناه لم يمر بنا إسماعيل بن عبد الملك هذا؛ لأنه ليس من رجال النسائي، وهو صدوق كثير الوهم.
    [عن أبي الزبير].
    هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي صدوق يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن جابر بن عبد الله].
    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم،
    ولأن الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم سبعة من الصحابة هم:
    أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأنس وجابر وأبو سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين.ستة رجال وامرأة واحدة.
    يقول السيوطي في الألفية مشيرا إلى هؤلاء: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والحبر -وهو ابن عباس - كالخدري وجابر وزوجة النبي.فهؤلاء سبعة من الصحابة رضي الله عنهم عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.وجابر بن عبد الله الأنصاري الذي في هذا الإسناد هو أحد هؤلاء السبعة من الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.والإسناد فيه إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء وهو صدوق كثير الوهم، وفيه أيضا أبو الزبير المكي وهو مدلس، لكن الحديث هو بمعنى الحديث المتقدم، فوجود شخص كثير الوهم، وآخر مدلس لا يؤثر؛ لأن الحديث هو بمعنى الحديث الذي قبله، فهو شاهد له، ويدل على ما يدل عليه الحديث الذي قبله.
    ما جاء في الرجل يتبوأ لبوله
    شرح حديث: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعا)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرجل يتبوأ لبوله: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا أبو التياح حدثني شيخ قال: لما قدم عبد الله بن عباس البصرة فكان يحدث عن أبي موسى فكتب عبد الله إلى أبي موسى يسأله عن أشياء فكتب إليه أبو موسى: (إني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثا في أصل جدار فبال،
    ثم قال:
    إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعا)
    ].
    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب الرجل يتبوأ لبوله،
    يعني:
    يبحث أو يختار مكانا مناسبا لبوله؛ لأنه لما ذكر في الباب الأول ما يتعلق بالتستر عند قضاء الحاجة، ذكر أنه إذا كان في فضاء يذهب بعيدا حتى لا يراه أحد، وإذا كان في مكان كالأبنية أو الخيام أو ما إلى ذلك فليكن في مكان يستره عن الناس.فالباب الأول يتعلق بالتستر، وأن الإنسان يبتعد عن الناس عند قضاء حاجته إذا كان في فضاء، أو يذهب إلى الأماكن المخصصة لقضاء الحاجة في البيوت مثل الكنف والمراحيض.
    وفي هذه الترجمة المقصود: أن ينظر المكان المناسب الذي يبول فيه؛ لأن المكان قد يكون صلبا وإذا وقع عليه البول تطاير على البائل؛ وأما إذا كان رخوا فإن الأرض تشربه ولا يرتد عليه، فيختار الإنسان مكانا مناسبا ليبول فيه بأن يكون دمثا،
    والدمث:
    هو الأرض السهلة الرخوة الترابية التي إذا وقع عليها البول راح وغاص فيها.أما إذا كانت الأرض صلبة فإن وقوعه على الأرض يكون معه التطاير، وأيضا ما لم تشربه الأرض فقد يسيل ويرجع على البائل إذا كان في مكان أعلى منه، وعلى هذا فالذي ينبغي على الإنسان أنه إذا جلس في الأرض ليقضي الحاجة أن يختار أرضا رخوة، وأن يكون أعلى من المكان الذي يبول فيه؛ لأنه إذا كان المكان أعلى منه قد ينزل البول ويرتد عليه، ولكنه إذا كان المكان أنزل منه فإنه لا مجال إلى ارتداه، وإذا كانت الأرض رخوة فإن الأرض تشرب البول ويذهب في الأرض ولا يتطاير على صاحبه.
    أورد أبو داود رحمة الله عليه حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (إني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثا في أصل جدار)،
    يعني:
    مكانا سهلا في أسفل الجدار أو بجوار الجدار، وإذا كان الجدار أمامه فهذا أكمل في الاستتار.
    والدماثة هي السهولة،
    ولهذا يقال عمن فيه سهولة في خلقه:
    دمث الأخلاق، أو فيه دماثة؛ إشارة إلى السهولة وعدم الشدة،
    كما أن الأرض التي بهذه السهولة يقال لها:
    دمثة.فالنبي صلى الله عليه وسلم اختار مكانا دمثا في أصل جدار،
    يعني:
    مكانا رخوا في أسفل الجدار بحيث يكون الجدار أمامه يستتر به، فكون الجدار أمامه فيه سترة فلا يراه أحد من أمامه، وكذلك أيضا كون الأرض دمثة، معناه: أن البول ينزل فيها ولا يرجع ولا يتطاير على صاحبه.
    وقوله:
    {فبال ثم قال صلى الله عليه وسلم: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعا))،
    يعني:
    يبحث أو يختار لبوله مكانا وموضعا مناسبا فيه السهولة،
    وهذا هو المقصود من إيراد الحديث:
    أنه يبحث عن مكان سهل، ويختار موضعا مناسبا من حيث الاستتار كما استتر صلى الله عليه وسلم بالجدار أن يكون مكانا دمثا أو أرضا سهلة رخوة ينزل فيها البول وليست صلبة.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعا)
    قوله:
    [(حدثنا موسى بن إسماعيل)].هو موسى بن إسماعيل التبوذكي أبو سلمة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا حماد].
    هو ابن سلمة، وهنا حماد مهمل، ويحتمل أن يكون حماد بن زيد وأن يكون حماد بن سلمة لكن موسى بن إسماعيل كثير الرواية عن حماد بن سلمة وقليل الرواية عن حماد بن زيد فالعادة جرت أن التلميذ عندما يكون مكثرا عن شيخ لا ينسبه؛ اكتفاء بما هو معروف عنه من كثرة الرواية عنه، فإذا كان التلميذ له شيخان أحدهما قد أكثر عنه والثاني لم يكثر عنه، ثم أهمله فلم ينسبه، فيحمل على الذي أكثر عنه،
    كما قال هنا:
    عن حماد،
    وما قال:
    ابن سلمة ولا قال: ابن زيد مع أنه تلميذ لهذا ولهذا إلا أنه مكثر عن ابن سلمة ومقل عن حماد بن زيد.
    إذا: يحمل المهمل على من له به خصوصية، ككونه مكثرا عنه كما هنا.وحماد بن سلمة بن دينار البصري ثقة أخرج له البخاري تعليقا ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
    [أخبرنا أبو التياح].
    هو يزيد بن حميد، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته.ومن علوم المصطلح معرفة الكنى والألقاب، فمن له كنية ولقب ينبغي معرفتهما،
    وفائدة معرفة الكنى:
    ألا يظن الشخص الواحد شخصين،
    فإذا جاء في بعض الأسانيد يزيد بن حميد لزم أن يقال: هو أبو التياح وإذا أتى في بعضها أبو التياح لزوم أن يقال: هو يزيد بن حميد.فالذي لا يعرف أن يزيد بن حميد كنيته أبو التياح يظن أن أبا التياح شخص، وأن يزيد بن حميد شخص آخر.
    إذا: فائدة معرفة ذلك: ألا يظن الشخص الواحد شخصين؛ فإنه إذا ذكر باسمه مرة وبكنيته أخرى لا يظن أن هذا غير هذا، بل إن هذا هو هذا، وإنما ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته.[حدثني شيخ].
    هذا مبهم،
    وأما الذي مر وهو قوله:
    (حدثنا حماد) فهذا مهمل؛
    ففي علم المصطلح إذا ذكر الشخص ولم ينسب قيل له:
    المهمل،
    وإذا ذكر بدون اسمه فقيل:
    شيخ أو رجل،
    فهذا يقال له: مبهم، والمهمل لابد من معرفة نسبته، والمبهم لابد من معرفة اسمه ونسبه وحاله، وإذا كان مبهما ولم يعرف فإن هذا قدح وضعف في الإسناد.
    [لما قدم عبد الله بن عباس البصرة فكان يحدث عن أبي موسى]،
    يعني:
    أن الصحابة كانوا يحدثون عن الصحابة.[فكتب عبد الله إلى أبي موسى يسأله عن أشياء،
    فكتب إليه أبو موسى:
    (إني كنت مع رسول الله)] يعني: أن ابن عباس قدم البصرة فكان يحدث بأحاديث، وكان يحدث عن أبي موسى، فكتب إلى أبي موسى يسأله عن أشياء كان منها هذا الذي يتعلق بهذا الحديث،
    فقال:
    (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم …).عبد الله بن عباس هو ابن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذين مر ذكرهم آنفا عند حديث جابر بن عبد الله،
    وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة وهم:
    عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير بن العوام، فهؤلاء أربعة من صغار الصحابة اشتهروا بلقب العبادلة الأربعة،
    وفي الصحابة عدد كبير من الصحابة يقال لهم:
    عبد الله، ومنهم أبو موسى الاشعري فهو مشهور بكنيته واسمه عبد الله بن قيس،
    وعبد الله بن مسعود وعدد كبير من الصحابة يقال لهم:
    عبد الله لكن اشتهر منهم أربعة لقبوا بالعبادلة الأربعة.
    فإذا قيل:
    العبادلة الأربعة من الصحابة، انصرف الذهن إلى ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم.
    [فكتب عبد الله إلى أبي موسى].
    أبو موسى هو عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.وهذا الحديث ضعيف لكن معناه صحيح؛ لأن الإنسان يجب عليه التنزه من البول، وكذلك يجب عليه أن يحتاط بحيث لا يتطاير عليه البول، وكونه بال إلى أصل متصل بالجدار جاء ما يدل عليه في الأحاديث الأخرى.فهذا الحديث من حيث الإسناد ضعيف؛ لأن فيه راو لم يسم، وهو الشيخ الذي أبهم، ولكن الحديث من حيث المعنى صحيح.فالإنسان عندما يريد أن يبول عليه أن يستتر، وقد جاءت الأحاديث في الاستتار، ويختار المكان المناسب للبول، كالمكان الرخو الذي لا يكون صلبا يضرب فيه البول ثم يتطاير، وهذا أمر مطلوب.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المعاني التي تطلق عليها السنة

    صــ 11إلى صــ19
    الحلقة (9)

    ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء
    [شرح حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء: حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا حماد بن زيد وعبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: عن حماد قال: اللهم إني أعوذ بك، وقال عن عبد الوارث قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)].
    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة وهي:
    (ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء)،
    يعني: إذا أراد الدخول؛ لأن (دخل) هنا ليس المقصود بها أن يقولها وهو في الخلاء، وإنما إذا أراد الدخول،
    ومثل هذا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة:6]،
    يعني:
    إذا أردتم القيام،
    فقوله: (إذا دخل) أي: إذا أراد الدخول قال هذا، وليس معنى ذلك أنه يقوله بعد الدخول؛ لأنه لا يجوز أن يذكر الله في الخلاء وداخل المراحيض.هذه الترجمة معقودة لبيان الدعاء الذي يدعى به عند دخول الخلاء.
    أورد أبو داود رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:
    (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)،
    يعني: إذا أراد الدخول دعا بهذا الدعاء، فاللهم نداء، وهو طلب من الله عز وجل.
    وقوله: (اللهم) بمعنى: يا الله، لكن جاء في اللغة حذف ياء النداء والتعويض عنها بميم بعد الله، فكلمة (اللهم) هي (يا الله) حذفت ياء النداء وجاء بدلها الميم المشددة، ولا يجمع بين ياء النداء وبين الميم؛ لأنه لا يجمع بين العوض والمعوض،
    فلا يقال:
    يا اللهم وإنما يقال: يا الله أو اللهم.
    ولهذا يقول ابن مالك رحمه الله في الألفية:
    والأكثر اللهم بالتعويض وشذ يا اللهم في قريض قوله: (والأكثر) يعني: في الاستعمال (اللهم بالتعويض) يعني: استعمال الميم عوضا عن (يا).وقوله: (وشذ يا اللهم في قريض) يعني: في الشعر.فاللهم هي نداء حذفت (يا) التي قبل لفظ الجلالة وعوضت عنها الميم المشددة بعد لفظ الجلالة.
    وقوله: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)،
    الخبث:
    جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة،
    والمقصود بذلك:
    التعوذ بالله من شياطين الجن الذكران والإناث؛ لأن (الخبث) ترجع للذكور، و (الخبائث) ترجع للإناث.
    فالاستعاذة بالله عز وجل عند دخول الخلاء تكون بهذا اللفظ الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    قوله:
    [قال: عن حماد: (قال: اللهم إني أعوذ بك وقال عبد الوارث قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)].
    يعني:
    الإسناد فيه شخصان في درجة واحدة: حماد بن زيد وعبد الوارث بن سعيد ولكنهما اختلفا في العبارة في رواية متن الحديث،
    فالذي جاء من طريق حماد بن زيد قال:
    (اللهم إني أعوذ بك)،
    أي: فيه لفظ: (اللهم) وفيه: (بك) أما عبد الوارث فبلفظ: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، وليس فيه (اللهم) وفيه (بالله).
    إذا: الفرق بين رواية حماد بن زيد ورواية عبد الوارث بن سعيد: أن حماد بن زيد قال في روايته: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)،
    وعبد الوارث بن سعيد قال في روايته:
    (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، وهما بمعنى واحد، وكلاهما صحيح، والنتيجة والمؤدى واحد.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)]
    قوله:
    [حدثنا مسدد بن مسرهد].مسدد بن مسرهد ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، ولم يخرج له مسلم ولا ابن ماجة.
    [حدثنا حماد بن زيد].
    هو حماد بن زيد بن درهم البصري وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.[وعبد الوارث].هو عبد الوارث بن سعيد العنبري وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عبد العزيز بن صهيب].
    ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أنس بن مالك].
    رضي الله عنه، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذين مر ذكرهم آنفا رضي الله عنهم وأرضاهم.
    [توضيح اختلاف الروايات في حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)]
    [قال أبو داود: رواه شعبة عن عبد العزيز: (اللهم إني أعوذ بك)،
    وقال مرة: (أعوذ بالله) وقال وهيب: (فليتعوذ بالله).حدثنا الحسن بن عمرو
    -يعني: السدوسي - حدثنا وكيع عن شعبة عن عبد العزيز -هو ابن صهيب
    - عن أنس بهذا الحديث قال: (اللهم إني أعوذ بك) وقال شعبة: وقال مرة: (أعوذ بالله)].
    ثم أورد أبو داود رحمه الحديث من طريق أخرى من طريق شعبة وفيه:
    أنه جاء عن شعبة من وجهين: (اللهم إني أعوذ بك) و (أعوذ بالله)،
    يعني: مثلما جاء عن حماد بن زيد في الأول وعبد الوارث بن سعيد في الثاني.
    وقوله:
    (وقال وهيب) وهو ابن خالد: (فليتعوذ بالله)، وهذا يكون على اعتبار أن هذا قولي، وأما الرواية المتقدمة فهي فعلية؛ لأنها تضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من فعله، وأنه كان يقول إذا دخل الخلاء كذا وكذا،
    وأما هنا فقوله:
    (فليتعوذ) يعني: أن هذا أمر من النبي صلى الله عليه وسلم للناس أو للذي يريد أن يدخل الخلاء أن يتعوذ بالله من الخبث والخبائث.وأبو داود رحمه الله ذكر الإسناد فيما يتعلق بالرواية عن شعبة ولكنه أشار إلى رواية وهيب بن خالد حين ذكرها بعد ذلك.
    [سبب استعمال المحدثين كلمة (يعني) و (هو) في نسبة الراوي]
    قوله: [حدثنا الحسن بن عمرو -يعني: السدوسي -] هذا الراوي روى عنه أبو داود وحده، وهو صدوق.
    وقوله:
    (يعني: السدوسي) هذا مثال لما أشرت إليه آنفا عن النسائي من أن في شيوخه من يقال فيه: يعني، والذي قال هذا هو من دون النسائي، وهذا الذي عند أبي داود مثله؛ لأن الحسن بن عمرو السدوسي شيخ لـ أبي داود،
    فـ أبو داود لن يقول:
    حدثنا الحسن
    -يعني: السدوسي -،
    وإنما سيقول:
    الحسن بن عمرو فقط ويسكت،
    لكن من دون أبي داود هو الذي يقول:
    يعني؛ لأن كلمة (يعني) فاعلها ضمير مستتر يرجع إلى أبي داود، وقائلها هو من دون أبي داود.فإذا مر استعمال كلمة (يعني) في شيخ أبي داود فالذي قالها هو من فوق أبي داود،
    كحديث عبد الله بن مسلمة بن قعنب الذي يروي عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي وعبد العزيز بن محمد الدراوردي يروي عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي وكل منهما قيل فيه:
    يعني.هذا المثال يوضح لنا أنه قد يأتي في شيوخ أبي داود التعبير بكلمة (يعني)، ولكن الذي قالها هو من دون أبي داود؛ لأن أبا داود ما زاد في روايته عند ذكر شيخه على كلمة الحسن بن عمرو، وكلمة السدوسي أضافها من دون أبي داود.والحسن بن عمرو هذا انفرد أبو داود بالرواية عنه، وقد مر بنا في النسائي رواة لن يأتي ذكرهم في هذا الكتاب، وهم كثيرون،
    مثل:
    إسماعيل بن مسعود الذي يروي عنه النسائي كثيرا، وكذلك سليمان بن سيف الحراني لم يرو عنه إلا النسائي.
    ومعنى هذا:
    أنه سيأتينا أشخاص وأسماء جدد ما مرت بنا في النسائي.
    [حدثنا وكيع].
    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن شعبة].
    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع يدل على علو منزلة الرجل وعلى حفظه وإتقانه؛ لأن الوصف بأمير المؤمنين في الحديث من أعلى صفات وألقاب التعديل التي إذا عدل بها الشخص تدل على علو مكانته ومنزلته بمثل هذا اللقب، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن عبد العزيز هو ابن صهيب].
    عبد العزيز بن صهيب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكلمة (هو) هذه هي اللفظة الثانية التي تذكر للتوضيح،
    فيؤتى بكلمتين:
    إما (يعني) وإما (هو)،
    وهذا الإسناد الذي معنا فيه اللفظتان:
    لفظة (يعني) عند السدوسي الذي هو شيخ أبي داود، ولفظة (هو) عند ذكر عبد العزيز؛ لأن شعبة عندما روى عن عبد العزيز ما زاد على كلمة عبد العزيز،
    بل قال:
    حدثنا عبد العزيز، ولم يزد،
    فمن دون شعبة أتى بنسبه فقال: وهو ابن صهيب، وأتى بكلمة (هو) حتى يعرف أنها ليست من تلميذه وإنما هي ممن دون تلميذه.
    [عن أنس].
    رضي الله عنه، وهو صاحب رسول الله، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    [الخلاف في شذوذ رواية شعبة في حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)]ذكر الألباني بأن الحديث شاذ،
    يعني:
    أن رواية شعبة عن عبد العزيز فيها شذوذ، ولا أعرف وجه هذا الشذوذ؛
    لأن الحديث جاء من طريق آخر مثلما جاء من تلك الطرق المتقدمة التي فيها أنه يقول:
    (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) أو (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، فهي طريق أخرى مثل الطرق السابقة وليس فيها مخالفة حتى تكون شاذة، فلا أدري وجه إضافة الشذوذ إلى هذا الحديث مع أنه بمعنى الحديث المتقدم وليس فيه مخالفة بحيث لا يمكن التوفيق، بل هذا مثل ذاك، فالحديث الشاذ مثاله حديث صلاة الكسوف؛
    فقد رواه بعضهم:
    (أنه صلى كل ركعة بركوعين) ورواه ثقات آخرون: (أنه صلى كل ركعة بثلاث ركوعات)، وهي قصة واحدة لا يمكن أن تتعدد، ولا يمكن أن يجمع بينها، وليس هناك لا ناسخ ولا منسوخ.ورواية ثلاث ركوعات شاذة وهي رواية ثقة لكن فيها خطأ، ورواية الركوعين هي المحفوظة.وكذلك ما جاء في صحيح مسلم في حديث السبعين ألفا، فإن في أكثر الروايات (لا يسترقون)، وفي صحيح مسلم (لا يرقون) ولكنها شاذة.
    [شرح حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:
    [حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)].
    سبق تحت ترجمة ما يقوله إذا دخل الخلاء: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد دخول الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) أو: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، إما هذه العبارة وإما هذه العبارة.
    وقد ذكر أبو داود رحمه الله هاتين الصفتين:
    الأولى من طريق حماد بن زيد،
    والثانية من طريق عبد الوارث بن سعيد ثم ذكر أن رواه شعبة رواه عن عبد العزيز وأنه قال:
    (اللهم إني أعوذ بك) وقال مرة: (أعوذ بالله).
    ثم قال: (وقال وهيب: (فليتعوذ بالله)
    يعني:
    بصيغة الأمر،
    وسبق أن أورد أبو داود رحمه الله الحديث من طريق شعبة وفيه الإشارة إلى الطريقين:
    الطريق الموافقة لطريق حماد المتقدمة في الإسناد الذي قبله، والطريق الموافقة لطريق عبد الوارث بن سعيد،
    وبعد ذلك قال وهيب عن شعبة:
    (فليتعوذ)، ولم يأت ذكر الرواية التي فيها وهيب التي أشار إليها المصنف، فلا أدري هل تركت وأشار الشارح إليها دون أن يسند الحديث، أو ذكر وهيب فيه شيء من التصريف والتحريف؛ لأن الحديث الذي بعده عن عمرو بن مرزوق هو عن زيد بن أرقم وهو بنفس الصيغة التي ذكرها عن وهيب،
    وهي بلفظ الأمر:
    (فليتعوذ بالله من الخبث والخبائث) وهناك نسخة أخرى فيها: (وقال وهيب: عن عبد العزيز) ورمز لها (ع) و (س) وهذه النسخة هي نسخة محمد عواض وعلى حسب الرموز هي عند ابن داسة وابن الأعرابي.
    إذا: هي الرواية المتقدمة إلا أنها لم تذكر،
    فما دام أنه قال:
    عن عبد العزيز فمعناه أن الرواية لم تذكر، وإنما ذكرت رواية شعبة ولم تذكر رواية وهيب.
    والحديث الذي أورده أبو داود رحمه بعد الحديث الأول هو حديث عمرو بن مرزوق وهو عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).وهو مثل اللفظ الذي أشار إليه المصنف من رواية وهيب عن عبد العزيز التي لم يذكرها المصنف.وقوله: (فليتعوذ بالله من الخبث والخبائث) هذا الحديث حديث قولي وليس حديثا فعليا؛ لأن الروايات المتقدمة فعلية،
    أي: من فعله صلى الله عليه وسلم، وأما هذا فهو من أمره صلى الله عليه وسلم.
    وجاء في بعض الأحاديث: (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله)،
    وعلى هذا فيجمع بين الذكر والتسمية فيقال:
    (بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
    والخبث: جمع خبيث،
    والخبائث:
    جمع خبيثة، وفيه الإشارة إلى أن المقصود شياطين الجن ذكورهم وإناثهم؛
    لأنه قال في أثناء الحديث:
    (إن هذه الحشوش محتضرة)،
    يعني:
    أن الكنف أو أماكن قضاء الحاجة تحضرها الشياطين،
    أي: شياطين الجن.ومن المعلوم أن الجن يتخلص منهم بذكر اسم الله عز وجل، وأما الإنس فلا يتخلص منهم إلا بالمعاملة الطيبة، ولهذا جمع الله عز وجل بين ذكر المعاملة التي يعامل بها الإنس ويحصل بها اكتسابهم وبين ما يقال للتخلص من شر الجن،
    فقال سبحانه:
    {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت:34]، فالإنسي إذا حصل منه شيء وقوبلت إساءته بالإحسان فإن ذلك ينفع بإذن الله.وقد يحصل من بعض الناس أنه لا ينفع فيه الإحسان، ومع الإحسان يتمرد،
    لكن في الغالب أن المعاملة الطيبة ومقابلة الإساءة بالإحسان أن ذلك ينفع: {فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت:34 - 35]، وليس كل أحد يصبر على أن يقابل السيئة بالإحسان، بل هناك من يقابل السيئة بالسيئة.ومقابلة السيئة بالسيئة سائغ؛
    لقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى:40]،
    وقوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل:126]، لكن الصبر والتحمل ومقابلة الإساءة بالإحسان هذا هو الذي ينفع في التخلص من أذى الإنس.
    أما الجن فقال الله عز وجل فيهم: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} [فصلت:36]،
    يعني:
    أن هذا هو الذي يخلص منه،
    ولهذا جاء في بعض الأحاديث:
    أن الإنسان إذا دخل بيته وقال: بسم الله،
    قال الشيطان لأتباعه ولأصحابه ولجنده:
    لا مبيت لكم.
    معناه: أنه إذا دخل بيته وسمى الله،
    ثم إذا أكل أو شرب سمى الله عز وجل قال الشيطان: لا مبيت ولا عشاء؛ لأن ذكر الله عز وجل يطردهم ولا يتمكنون من الوصول إلى ما يريدون مع ذكر اسم الله عز وجل.
    وقوله: (إن هذه الحشوش محتضرة)،
    أي:
    تحضرها شياطين الجن؛
    ولذا قال:
    (فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث).
    [تراجم رجال إسناد حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة)]
    قوله: [حدثنا عمرو بن مرزوق].
    هو الباهلي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود، وهذا من الرجال الذين لم يسبق أن مر ذكرهم في سنن النسائي؛ لأنه ما خرج له النسائي ولا خرج له إلا البخاري وأبو داود، فهو من الأسماء الجديدة التي لم تمر بنا في سنن النسائي؛ لأنه ليس من رجال النسائي.
    [عقيدة أهل السنة في الصحابة رضي الله عنهم]
    ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري كلمة جيدة عن عمرو بن مرزوق قالها لبعض الخوارج فقال:
    وقال عمرو بن مرزوق لرجل من الخوارج: ما أرى الله إلا مخزيك؛ لأنك شتمت واحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
    يعني: أن واحدا من الخوارج سب واحدا من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم،
    فقال له عمرو بن مرزوق:
    ما أرى الله إلا مخزيك.
    يعني: أن الذي يتوقع أن يحصل لك وأن يحل بك من العقوبة أن الله تعالى يخزيك؛ لأنك شتمت واحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يبين لنا أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يجب أن تكون الألسنة والقلوب نظيفة في حقهم،
    كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية:
    ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.فالقلوب لابد أن تكون سليمة من الغيظ والحقد والضغينة لهم، والألسنة تكون سليمة ونظيفة من أن تتكلم فيهم بما لا ينبغي،
    والله عز وجل يقول بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار:
    {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر:10]، وهذا فيه سلامة اللسان؛ لأن قولهم: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) دعاء لهم، فاللسان يستغفر لهم، ثم قال: ((ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا))، وهذا فيه طلب سلامة القلب،
    وأن يسلم الله القلوب من أن يكون فيها شيء لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} [الحشر:10].فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم يجب احترامهم وتوقيرهم واعتقاد أنهم خير الناس؛
    لشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بقوله:
    (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فهذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي خير الأمم، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم خير هذه الأمة، فهم أفضل من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته على رسله ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.فالواجب هو البعد عن نيلهم والكلام فيهم بما لا ينبغي، وعلى هذا أجمع أهل السنة والجماعة؛ لأن الله تعالى عدلهم وعدلهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاجون بعد تعديل الله ورسوله إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين، ولا يعني التعديل أنهم معصومون؛ فإن العصمة ليست إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصحابة يخطئون ويصيبون وليسوا بمعصومين، ولكن من حيث العدالة هم عدول، ولهذا فإن المجهول فيهم بحكم المعلوم،
    ولهذا نجد أن الذين يؤلفون في الرجال وبيان أحوالهم عندما يكون الشخص من الصحابة يكتفون بأن يقولوا:
    صحابي، أو يذكرون شيئا من ميزاته التي هي زائدة على الصحبة، كأن يكون شهد بدرا أو الحديبية، أو أنه من السابقين الأولين، أو أن عنده صفة زائدة على الصحبة فينصون عليها، وأما غيرهم فإنهم يحتاج إلى معرفة أشخاصهم وأعيانهم وأحوالهم.
    ولهذا قال الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية:
    إن الذي عليه العلماء: أنه ما من رجل من رجال الإسناد إلا ويحتاج إلى معرفته إلا الصحابة.ولهذا درج العلماء على الاكتفاء بذكر أن الرجل من الصحابة ولو كان مبهما غير مسمى ما دام أنه أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم،
    فإذا قيل:
    عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج أن يقال: من هو هذا الرجل؟ وهذا الرجل مبهم لا يحتاج إلى معرفة عينه، ولأنه صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم فهو من العدول الذين يعول على حديثهم.لكن لا يعني هذا أنهم معصومون؛ لأن العصمة إنما هي للأنبياء، ولكن من حيث البحث عن أحوالهم، وهل أحدهم ثقة أو ليس بثقة؟ لا يبحث،
    ولهذا يأتي في بعض التراجم أن الشخص يقال فيه:
    قيل: إنه صحابي،
    وقيل:
    إنه تابعي،
    فقولهم:
    قيل: إنه صحابي،
    معناه:
    أنه يكفي أن يقال: إنه صحابي،
    وإذا قيل: ليس بصحابي بل هو ثقة،
    فمعناه: أنه بناه على أنه تابعي يذكر حاله، فالذي يذكر أنه ليس بصحابي يتكلم في حاله، والذي يعرف أنه صحابي يكفي في شرفه وبيان منزلته أنه صحابي.ولهذا لا ينظر إلى من يقلل من شأن الصحابة، أو تحدثه نفسه أن يتكلم في الصحابة، أو ينال من الصحابة فيما يتعلق ببيان أحوالهم وما كانوا عليه، أو البحث عن عيوبهم ومثالبهم وما إلى ذلك؛ فإن هذا لا يليق بالمسلم الناصح لنفسه.
    ويذكر عن بعض المخذولين أنه قال: إن الصحابة يجب أن يكونوا مثل غيرهم تحت المجهر! يعني: أنهم يعاملون معاملة غيرهم، وأن يفتش عنهم ويذكر كل شيء قيل عنهم كما يقال في حق غيرهم، وأن يبحث عنهم، وهل هم ثقات أو ليسوا بثقات؟ وما إلى ذلك، وهذه ليست طريقة أهل السنة والجماعة، بل هذه طريقة مخالفة لأهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة يكفي عندهم أن يعرف أن الواحد صحابي، ولا يزيدون على ذلك شيئا إلا أن يضيفوا بيان منزلته وعظيم قدره، وأن له منزلة جاء فيها نص إما لكونه مشهودا له بالجنة، أو لكونه شهد بدرا أو الحديبية، أو من السابقين الأولين أو من المهاجرين أو كذا أو كذا إلى آخره.أما أن يتكلم فيهم فهذا لا يليق بالمسلم الناصح لنفسه،
    كما ذكرت عن شيخ الإسلام أنه قال: ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وأبو زرعة الرازي من علماء القرن الثالث الهجري روى عنه الخطيب البغدادي بإسناده في كتابه الكفاية أنه قال:
    إذا رأيتم أحدا ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلموا أنه زنديق، وذلك أن الكتاب حق والرسول حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء
    -أي: الذين يريدون أن يتكلموا في الصحابة- إنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة.
    يعني: أن القدح في الناقل قدح في المنقول؛ لأن الصحابة إذا قدح فيهم فماذا يبقى عند من قدح فيهم؟! وإذا كان الصحابة ليسوا عدولا والكتاب ما جاء إلا عن طريقهم، والسنة كذلك، فليس بأيدي من سبوا الصحابة إلا الخذلان، وليس بأيديهم شيئا من الحق؛ لأن الحق جاء عن طريق الصحابة، وإذا قدح في الناقل فهو قدح في المنقول.
    ولهذا يقول أبو زرعة:
    وإنما يريد هؤلاء أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة،
    يعني:
    أن النتيجة التي تترتب على القدح في الصحابة هي إبطال الكتاب والسنة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول.
    فمنهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يجب احترامهم وتوقيرهم، واعتقاد أنهم خير الناس، وأنه ما كان مثلهم قبلهم ولا يكون بعدهم مثلهم، وهم خير من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته على رسله ورضي الله عن الصحابة أجمعين.فـ عمرو بن مرزوق الذي في هذا الإسناد هو الذي نقل عنه الحافظ ابن حجر هذه الجملة في مخاطبة ذلك الخارجي الذي سب واحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
    وقال له عمرو بن مرزوق:
    ما أرى الله إلا مخزيك.
    يعني: توقع العقوبة من الله وتوقع الخزي الذي يحل بك؛ لأنك سببت واحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
    [أخبرنا شعبة].
    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا لقب رفيع من أعلى صيغ التعديل والتوثيق، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن قتادة].هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مدلس، ولكن المعروف عند المحدثين أن شعبة إذا روى عن مدلس فقد أمن تدليسه؛ لأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وإلا ما أمن تدليسهم فيه.وهنا شعبة هو الذي يروي عن قتادة، وقتادة مدلس.وهذا من القواعد التي ذكرها العلماء في معرفة السلامة من تدليس المدلس، وأنه إذا روى شعبة عن مدلس فإن تدليسه مأمون؛ لأنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقتادة بن دعامة السدوسي البصري أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن النضر بن أنس].
    هو النضر بن أنس بن مالك ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن زيد بن أرقم].

    زيد بن أرقم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    ما جاء في كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة

    صــ 1إلى صــ7
    الحلقة (10)


    شرح سنن أبي داود [005]
    من آداب قضاء الحاجة:
    ألا تستقبل القبلة أو تستدبر عند البول أو الغائط، إلا إذا وجد حائط، وألا يستنجى باليد اليمنى، أو بأقل من ثلاثة أحجار، وألا يستنجي برجيع أو عظم.
    ما جاء في كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة
    [شرح حديث: (نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة.حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال: قيل له: (لقد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة! قال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وألا نستنجي باليمين، وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم)].
    أورد أبو داود رحمه الله تعالى: باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة،
    والمقصود من هذه الترجمة:
    بيان أن القبلة
    -وهي: الجهة التي يستقبلها الناس في صلاتهم ودعائهم- لا تستقبل ببول ولا بغائط، بل الإنسان يتجه إلى جهة أخرى غير جهة القبلة، لا من حيث استقبالها ولا من حيث استدبارها فلا يجعلها أمامه ولا وراءه، ولكن يجعلها عن يمينه أو شماله، فإذا كان الإنسان في جهة المدينة أو كانت مكة من جهة الشمال أو الجنوب فإنه يشرق أو يغرب وبذلك يسلم من استقبال القبلة واستدبارها.
    قوله: [باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة].
    أورد أبو داود رحمه الله تحت هذه الترجمة حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أنه قيل له:
    (علمكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة)،
    يعني:
    حتى الهيئة التي تفعلونها عند قضاء الحاجة،
    والمقصود بذلك:
    بيان كيفية التصرف وكيفية العمل عند قضاء الحاجة، والآداب التي تفعل عند قضاء الحاجة.
    قوله: [قيل له: (علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة)].
    الذين قالوا له هم المشركون،
    ولهذا قالوا:
    نبيكم،
    وما قالوا:
    النبي، فأضافوه إليهم.
    وقوله: (الخراءة) وهي الفعل عند قضاء الحاجة،
    يعني:
    علمهم كيف يفعل الإنسان عند قضاء حاجته، فعلمهم أنه لا يستقبل ولا يستدبر القبلة، ولا يستنجي بيمينه، ولا برجيع أو عظم، ولا بأقل من ثلاثة أحجار.فهذه آداب بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يريد قضاء الحاجة.
    قوله: [(لقد نهانا صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول)].
    يعني: عند قضاء الحاجة سواء الغائط أو البول أو هما جميعا، فما دام أنه يقضي حاجته فإنه لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها.وهذا فيه توقير القبلة واحترامها، وأن الإنسان لا يستقبلها ولا يستدبرها وهو يقضي حاجته.
    قوله: [(وألا نستنجي باليمين)].
    يعني:
    عندما نريد أن ننظف السبيلين من الخارج لا نستعمل اليمين في التنظيف وإنما نستعمل اليسار؛ لأن اليمين تستعمل في الأمور الطيبة المحترمة المحمودة، وأما الأمور التي فيها امتهان كتنظيف السبيلين بعد الخارج منهما فإنه يكون باليسار لا باليمين.
    قوله: (نهانا أن نستنجي باليمين) هذه من الآداب من حيث الجلوس لا نستقبل ولا نستدبر بل نشرق ونغرب، وإذا كنا في شرق مكة أو غربها فنستقبل الجنوب أو الشمال ولا نشرق ولا نغرب؛ لئلا نستقبل القبلة أو نستدبرها،
    ولكن هذا الذي قيل فيه:
    يشرق أو يغرب إنما يراد به من كان عن مكة من جهة الشمال كالمدينة، أو من كان عن مكة من جهة الجنوب كاليمن، فإن هؤلاء يشرقون ويغربون.وأما من كان عن مكة من جهة الغرب أو من جهة الشرق فإنهم يجنبون ويشملون فيتجهون إلى جهة الجنوب وإلى جهة الشمال ولا يشرقون ولا يغربون.وهذا من الآداب عند إرادة الجلوس.
    وكذلك ينبغي عند بناء موضع قضاء الحاجة في المراحيض:
    أن توجه إلى غير جهة القبلة، فلا يكون فيها استقبال ولا استدبارها، فالذي ينبغي أنه عندما يراد وضع الكراسي التي يقضى عليها الحاجة في المراحيض أن يلاحظ في اتجاهها أن تكون ليست في استقبال القبلة ولا استدبارها.ثم إذا جلس الإنسان على الهيئة المشروعة لا مستقبل ولا مستدبر القبلة فإن الهيئة التي يتصرف فيها عند قضاء الحاجة ألا يستنجي باليمين،
    يعني:
    لا يستعملها في الاستنجاء بل يستعمل اليسار وهذا من الآداب.
    قوله: ((وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار)).
    يعني: إذا لم يستعمل الماء؛ لأن الماء إذا وجد فاستعماله هو الأصل، لكن إذا لم يوجد ماء فإنه يستنجى بالحجارة أو غيرها مما يقوم مقامها من الأشياء التي ليس فيها شيء محذور بأن يستعمل حجارة أو مناديل أو ورقا ليس فيه كتابة، وكذلك لا يستعمل الأشياء المحترمة كالأطعمة أو ما إلى ذلك.وإذا استنجى الإنسان بالحجارة فيستنجي بثلاثة أحجار، وإن استعمل حجرا واحدا كبيرا وله ثلاث شعب فإنه يقوم مقام الثلاثة الأحجار؛ لأن المقصود هو استعمال هذا العدد أو ما يقوم مقام هذا العدد؛ من أن يكون حجرا له ثلاث شعب؛ لأن الثلاث الشعب مثل الثلاثة الأحجار.
    قوله: ((أو نستنجي برجيع أو عظم)).
    والرجيع هو:
    الروث، والروث قد يكون نجسا كرجيع بني آدم أو الحمير أو غيرها، فكل ما يكون محرم الأكل فإن رجيعه نجس، ومن المعلوم أن إزالة النجاسة بنجاسة لا يزيدها إلا شدة، فكون الإنسان يأتي بعذرة ويستنجي بها فمعناه أنه زاد الطين بلة، وزاد السوء سوءا والنجاسة نجاسة،
    ولكن المقصود هنا هو: الروث أو الرجيع من مأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم؛ لأن هذه أرواثها طاهرة وليست بنجسة، ولكن لا يجوز أن يستنجى بها.وكذلك العظم لا يستنجى به، وقد جاء في بعض الروايات بيان الحكمة في ذلك، وأنها طعام إخواننا من الجن، والروث علف دوابهم، وأن الله تعالى يجعل في تلك العظام والأرواث ما فيه الفائدة لهم ولدوابهم.فإذا: السنة جاءت مبينة أن الحكمة في ذلك عدم تقذيرها وإفسادها على من هي طعام لهم؛ لأنها إذا استعملت فيها النجاسة ففيها إفساد.
    وقيل أيضا: إن فيها لزوجة، ومعنى ذلك أنه لا يحصل بها التنظيف والإنقاء تماما.لكن العلة التي جاءت مبينة سبب ذلك هي أن في ذلك تقذيرا لها على الجن، وأنها طعام لهم، والأرواث علف لدوابهم.هذه هي العلة المعتبرة في قضية المنع؛ لأنها جاءت مبينة في السنة.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول)]
    قوله: [حدثنا مسدد بن مسرهد].مسدد بن مسرهد ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.[حدثنا أبو معاوية].أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته (أبو معاوية).[عن الأعمش].الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.[عن إبراهيم].هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة،
    وهو الذي جاء عنه العبارة المشهورة عند الفقهاء:
    ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه.
    ومعنى ما لا نفس له سائلة:
    أي ليس فيه دم كالذباب وكالجراد وما إلى ذلك مما لا دم فيه، فهذا إذا وقع في الماء ومات فيه لا ينجسه.
    وهذه قاعدة عند الفقهاء فإنهم يقولون:
    ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه.
    ويستدلون على ذلك بحديث الذباب الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه في الماء؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)، وهو عندما يقع ينزل بالذي فيه الداء ويرفع الذي فيه الشفاء، فإذا غمس جاء الدواء بعد الداء.
    فالفقهاء قالوا: إن قوله صلى الله عليه وسلم: (فليغمسه) يعني: ثم يستعمله ويشرب،
    قالوا:
    قد يكون الماء حارا فإذا غمس فيه مات، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر باستعماله.
    إذا:
    هذا دليل على أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه.وقد قال ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين): (إن أول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه هو إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده)، وهي عبارة تشتمل على قاعدة من القواعد الفقهية في الطهارة،
    وهي:
    أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، وكل شيء لا دم فيه أو ليس مشتملا على دم إذا مات في ماء فإن ذلك الماء يكون طاهرا.[عن عبد الرحمن بن يزيد].هو عبد الرحمن بن يزيد النخعي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.[عن سلمان].سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [بيان النبي صلى الله عليه وسلم لأصول الشريعة وفروعها]
    هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بين آداب قضاء الحاجة، ويستدل به العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أصول الدين كما بين فروعه، وأن أمور العقيدة مبينة من رسول الله صلى الله عليه وسلم،
    ويحتجون بهذا على من يقولون: إن أحاديث وآيات الصفات من قبيل المتشابه الذي لا يعرف معناه، وأنه ما حصل بيان للمراد به.
    ويقولون:
    إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم بين آداب قضاء الحاجة فكيف يغفل أصول الدين، ولا يبين أمور العقيدة، ويجعل الناس في حيرة فواحد يؤول وواحد يفوض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما بين؟! فالناس خوطبوا بكلام يفهمون معناه؛ لأنهم عرب يفهمون ما خوطبوا به؛ ولهذا ما احتاجوا إلى أن يسألوه عن معاني هذه الصفات؛ لأنهم يعرفون معناها لكن لا يعرفون كيفيتها،
    كما قال الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه:
    الاستواء معلوم
    -يعني: معناه معلوم- والكيف مجهول.فالاستواء معلوم أي: أن معناه الارتفاع والعلو، ولكن كيفية ذلك الارتفاع والعلو الله تعالى أعلم به.
    فبعض هؤلاء قالوا: إن معناها لا يعرف، وإن معناها مجهول،
    وإن الناس لا يعرفون معاني الصفات ويقولون:
    إن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه:5] مثل (آلم) و (حم) وغيرها من الحروف المقطعة في أوائل السور التي يقال فيها: الله أعلم بالمراد بها،
    لكن لا يقال:
    إن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه:5] الله أعلم بمراده، بل الرحمن ارتفع على عرشه، فهو عال على خلقه وهو فوق كل شيء وعال على كل شيء سبحانه وتعالى، له علو الذات وعلو القدر وعلو القهر.فأنواع العلو الثلاثة كلها له سبحانه وتعالى، فهو عال في ذاته وقدره ومنزلته، كما أن له علو القهر، فهو قاهر غالب لكل أحد، وهو القاهر لكل شيء سبحانه وتعالى ولا يغلبه غالب، ولا يرد حكمه سبحانه وتعالى راد.
    فإذا: هذا مما يستدل به علماء أهل السنة والجماعة على الذين يقولون: إن آيات وأحاديث الصفات هذه ما بينت معانيها ولهذا إما نفوضها وإما نؤولها، والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ما جاء عنهم لا التفويض ولا التأويل بما يتعلق بالنسبة لمعانيها؛ لأنهم خوطبوا بكلام يفهمون معناه.فهذا من الأدلة التي يذكرونها على أن الذي بين آداب قضاء الحاجة كيف لا يبين للناس أصول دينهم ويجعلهم في حيرة يترددون بين التفويض والتأويل؟
    [حكم الاستنجاء باليمين]
    جاء في قول سلمان رضي الله عنه النهي عن الاستنجاء باليمين،
    والكثير من العلماء يقولون:
    هذا نهي تأديب وإرشاد، وإنه للكراهة، ولو أن الإنسان استنجى بيمينه حصل المقصود.
    وبعض أهل الظاهر يقول:
    لو استنجى بيمينه لا يحصل المقصود؛ لمجيء النهي عن الاستنجاء باليمين، فلا يحصل الاستنجاء والطهارة إلا باليسار.وسواء قيل بحمله على التنزيه أو التحريم فالإنسان يحرص على أن يبتعد عن شيء نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ولو كان نهي تنزيه.
    وقول الإمام أبي داود عندما قال:
    كراهية استقبال القبلة، فإن الكراهية أحيانا يأتي إطلاقها عند المحدثين وعند المتقدمين ويريدون بها التحريم،
    فالمتقدمون يطلقون الكراهية على التحريم بخلاف الفقهاء الذين قسموا الأحكام إلى خمسة:
    واجب ومندوب ومحرم ومكروه ومباح.وجعلوا المكروه هو كراهة التنزيه،
    والمندوب: هو المأمور به ليس على سبيل الوجوب.
    [شرح حديث: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة)].
    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم)، وهذا من كمال وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم، ورفقه بأمته، وحرصه على إفادتها والنصح لها، فهو أنصح الناس للناس، وهو أكمل الناس نصحا، وأكملهم بيانا، وأفصحهم لسانا عليه الصلاة والسلام.وهذا الكلام الذي قاله فيه التبسط معهم، وأنهم لا يتوقفون عن سؤاله عما يريدون معرفته، فكما أن الولد من السهل عليه أن يسأل أباه عما يعن له ويعرض من الأمور لقوة ولكثرة الاتصال فيما بين الوالد والولد،
    فكذلك قال عليه الصلاة والسلام:
    (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد).وهذا فيه بيان أن الأبناء عليهم أن يطيعوا الآباء فيما يأمرون به ويرشدون إليه في غير معصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إذا كان في ذلك مصلحة، وأن على الآباء أن يعلموا أبناءهم؛ لأن هذا فيه إشارة إلى التعليم من الآباء للأبناء، وإشارة إلى أن الأبناء يطيعون الآباء، وهو عليه الصلاة والسلام خير من الوالدين، ويجب أن يكون في كل نفس مسلم أحب من والديه وأولاده والناس أجمعين،
    كما قال عليه الصلاة والسلام:
    (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)؛ لأن النعمة التي ساقها الله تعالى للمسلمين على يديه -وهي نعمة الإسلام- أعظم وأجل نعمة، ولهذا كانت محبته يجب أن تكون في القلوب والنفوس أعظم من محبة الوالد والولد والزوجة والصديق والقريب والحميم وكل من تربطه بالإنسان رابطة؛ لأن النعمة التي ساقها الله للمسلمين علي يدي النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وأجل نعمة؛ لأنها نعمة الإسلام، والهداية إلى الصراط المستقيم، والخروج من الظلمات إلى النور.
    ثم بين عليه الصلاة والسلام أمورا تتعلق بقضاء الحاجة فقال:
    (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها)،
    يعني:
    إذا ذهب لقضاء الحاجة لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها.
    قوله: [(ولا يستطب بيمينه)].
    يعني:
    لا يستنج؛ لأن بالاستنجاء يصير الموضع طيبا، فبدل ما كان سيئا فيه نجاسة يكون فيه نظافة ونزاهة وطيب.
    فقوله: (لا يستطب بيمينه) يعني: لا يقطع أثر الخارج بيمينه، ولا يستنج بيمينه، وإنما يستعمل الشمال،
    كما جاء في الرواية السابقة:
    (وألا نستنجي باليمين)، فلا تستعمل اليمين في ذلك؛ لأن اليمين تستعمل للمصافحة وللأخذ والإعطاء وللأمور الطيبة الحسنة، أما الأشياء التي فيها قبح أو عدم نظافة فيستعمل لها الشمال.
    قوله: [(وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة)].
    يعني: أن الاستنجاء يكون بثلاثة أحجار، وأما الروث والرمة فنهى عن الاستنجاء بهما،
    والرمة هي:
    العظام البالية،
    ولكن في الحديث السابق:
    (برجيع أو عظم) وهو يشمل أي عظم سواء كان جديدا حديث العهد أو كان قديما قد بلي وصار رميما.فذكر الرمة هنا وهو العظم البالي لا يعني أن العظم إذا كان حديث عهد ولم يكن باليا فإنه يستنجى به؛ لأن الحكمة من النهي أنه طعام إخواننا من الجن، فلا يستعمل استعمالا يقذره عليهم بوضع النجاسة عليه أو بمباشرته النجاسة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    ما جاء في كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة

    صــ 8إلى صــ14
    الحلقة (11)

    [تراجم رجال إسناد حديث: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم)]
    قوله:
    [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي]
    .
    عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
    [حدثنا ابن المبارك].
    هو عبد الله بن المبارك المروزي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن محمد بن عجلان].
    هو محمد بن عجلان المدني صدوق أخرج حديثه البخاري تعليقا ومسلم وأصحاب السنن.
    [عن القعقاع بن حكيم].

    القعقاع بن حكيم ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
    [عن أبي صالح]
    .
    هو ذكوان السمان،
    وأبو صالح كنيته واسمه ذكوان ولقبه السمان ويقال:
    الزيات؛ لأنه كان يجلب الزيت والسمن فلقب بـ الزيات ولقب بـ السمان، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو صالح.
    [عن أبي هريرة].
    أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه وأرضاه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثا على الإطلاق، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثرهم على الإطلاق، وقد سبق أن مر ذكره وذكر ابن عمر وابن عباس وأنس وجابر وهنا ذكر أبي هريرة، وبقي أبو سعيد وعائشة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.فهؤلاء السبعة معروفون بكثرة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة كان إسلامه متأخرا؛ فإنه أسلم عام خيبر في السنة السابعة، ومع ذلك كان أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، وذلك له أسباب،
    منها:
    أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له بالحفظ، فكان لا ينسى شيئا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ومنها:
    أنه كان مقيما في المدينة، ومن المعلوم أن المدينة كان الناس يردون عليها ويصدرون عنها، بخلاف بعض الصحابة فإنهم راحو يمينا وشمالا، وكان من يأتي إلى المدينة يقصد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في المدينة ويأخذ منه، فكثر حديث أبي هريرة رضي الله عنه حديثه لذلك.
    ومنها:
    أن أبا هريرة رضي الله عنه طالت حياته وعمر بعد الخلفاء الراشدين لمدة طويلة حتى لقيه من لم يلقهم، وأخذ عنه من لم يأخذ عنهم، ولهذا كثرت أحاديثه وكثر الآخذون عنه، فلهذه الأسباب وغيرها كثر حديث أبي هريرة.
    ومنها: أنه كان ملازما للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان الناس يذهبون للبيع والشراء وهو يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، ويأكل مما يأكل، ويسمع حديثه إذا حدث.فملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، ومكثه في المدينة، وكونه عمر بعد الخلفاء الراشدين كل هذه أسباب جعلت أبا هريرة رضي الله عنه يكون أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا وإن كان متأخر الإسلام.
    [شرح حديث: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد، حدثنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب رواية قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا.فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله)].
    سبق أن ذكر معنى هذه الترجمة وهي: كراهة استقبال القبلة عند قضاء الحاجة،
    وهذا حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه الذي فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
    (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا.قال: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله).هذا الحديث مع ما تقدمه من الأحاديث يدل على أن القبلة لا تستقبل عند قضاء الحاجة وكذلك لا تستدبر، وهذا فيه احترام القبلة وتوقيرها، وأن الإنسان عندما يقضي حاجته لا يستقبل ولا يستدبر القبلة.
    وجاء: (ولكن شرقوا أو غربوا)، وهذا إنما يكون في حق من كان في جهة المدينة، وكذلك من كان جنوب مكة فإنه يشرق أو يغرب، وأما من كان عن مكة من جهة الغرب والشرق فإنه لا يشرق ولا يغرب؛ لأنه إذا شرق أو غرب استقبل القبلة أو استدبرها ولكنه يجنب أو يشمل؛ لأن النهي عن الاستقبال والاستدبار هو المقصود، والأمر بالتشريق والتغريب إنما ذكر حتى لا يكون هناك الاستقبال والاستدبار، وهذا إنما يتأتى في حق أهل المدينة ومن كان على جهة المدينة، وكذلك من الجهة الجنوبية من كان عن مكة من جهة الجنوب فإنه يشرق أو يغرب، ومن كان عنها غربا أو شرقا فإنه يشمل أو يجنب عند استقباله القبلة.
    وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يقول:
    (قدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة -يعني: فيها استقبال الكعبة- فكنا ننحرف عنها يسيرا ونستغفر الله) وهذا يدلنا على أن أبا أيوب رضي الله عنه يرى التعميم في ترك الاستقبال سواء كان في البنيان أو في غير البنيان مطلقا.وقد ذهب عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه إلى أن هذا المنع إنما يكون في الفضاء، وأما ما كان في البنيان فإنه لا بأس أن يستقبل أو يستدبر، وسيأتي الحديث الذي يدل على ذلك حيث رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبلا الشام مستدبرا الكعبة.
    قالوا:
    فالجمع بين هذه الأحاديث: أن ما جاء في حديث أبي أيوب يحمل على ما كان في الفضاء، وما كان في حديث ابن عمر يحمل على ما كان في البنيان.وأبو أيوب كما ذكرت يرى التعميم، ولهذا لما قدم الشام ووجد المراحيض التي بنيت نحو الكعبة كان ينحرف عنها ويستغفر الله.والذي ينبغي إذا بنيت البيوت وجعلت فيها أماكن لقضاء الحاجة أن يلاحظ عدم توجيه المراحيض إلى القبلة أو استدبارها؛ لأنه وإن كان جائزا أن الإنسان يستقبل أو يستدبر في داخل البنيان كما جاء في حديث ابن عمر ولكن لاشك أنه إذا أمكن عدم الاستقبال أو الاستدبار ولو كان ذلك في البنيان فإنه يكون أولى، فالأولى عدم الاستقبال والاستدبار في البنيان وغير البنيان.ولكن من حيث الجواز فإن حديث ابن عمر يدل عليه، وأن ذلك سائغ ولا بأس به، لكن عندما تبنى أماكن قضاء الحاجة في البيوت ينبغي أن توضع على هيئة متفقة مع ما جاء في حديث أبي أيوب من حيث إن الاستقبال أو الاستدبار لا يكون إلى القبلة، وإن كان ذلك جائزا في البنيان إلا أن غيره لاشك أنه أولى وأفضل.وإذا لم يمكن ذلك فإن ذلك جائز.
    وقوله هنا: (فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله) ذكر الاستغفار يحتمل أن يكون المراد به أن الانحراف ليس بكامل؛
    لأنه جاء في بعض الروايات:
    (يسيرا) لأن الأماكن وضعت على هيئة تستقبل أو تستدبر، فالانحراف معها يكون فيه عدم تمام، فيستغفر الله مما حصل من التقصير.
    وقد جاء عن بعض أهل العلم أنه قال: إن قوله: (نستغفر الله) أي: لبانيها، وهذا لا يستقيم؛ لأنه قد يكون الذي بناها غير مسلم وغير المسلم لا يستغفر له، ولكن الذي يبدو أنه استغفار من أبي أيوب لنفسه حيث إنه لم يحصل منه أن يترك الاستقبال أو الاستدبار على التمام والكمال؛ لأن الأماكن وضعت على هيئة يكون فيها الاستقبال أو الاستدبار إلى جهة القبلة، ولكن من أجل الابتعاد عن الاستقبال والاستدبار صار ينحرف عنها يسيرا ويستغفر الله أيضا مما حصل من التقصير.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة)]
    [حدثنا مسدد بن مسرهد].
    مسدد بن مسرهد ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
    [حدثنا سفيان].
    سفيان هو سفيان بن عيينة المكي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.وإذا جاء سفيان غير منسوب كما هنا فإنه يحمل على ابن عيينة؛ لأنه مكثر من الرواية عن الزهري، ولا يحمل على الثوري؛ لأنه ليس معروفا بالرواية عنه، وسفيان بن عيينة مكي والزهري مدني، ومعروف أن ابن عيينة من الرواة عنه والثوري كان في الكوفة وليس معروفا بالرواية عن الزهري، وإنما المعروف هو سفيان بن عيينة.
    إذا: إذا جاء سفيان مهملا
    -أي: غير منسوب كما هنا- عن الزهري فيحمل على ابن عيينة ولا يحمل على الثوري.
    [عن الزهري]

    الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة فقيه،
    وهو مشهور بنسبتين: نسبة الزهري كما هنا إلى جده زهرة، ونسبة ابن شهاب نسبة إلى جده شهاب،
    وغالبا يقال فيه:
    ابن شهاب أو الزهري هذه شهرته، وهو ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة،
    وهو الذي قيل:
    إنه أول من عني بجمع سنة رسول الله صلى الله عليه بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه.وهذه الأولية تحمل على الأولية من جهة التكليف من ولي الأمر، وإلا فإن العناية بكتابة السنن حصلت في زمن الصحابة، وحصلت من بعض الصحابة، كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يكتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الأولية التي أضيفت إلى الزهري هي من جهة أنه كلف من ولي الأمر وهو الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه.
    ولهذا يقول السيوطي في الألفية: أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر أي: عمر بن عبد العزيز.وابن شهاب الزهري حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن عطاء بن يزيد الليثي].
    عطاء بن يزيد الليثي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي أيوب رواية].
    هو أبو أيوب الأنصاري واسمه خالد بن زيد وهو مشهور بكنيته أبي أيوب رضي الله تعالى عنه، وأبو أيوب الأنصاري هذا هو الذي نزل الرسول صلى الله عليه وسلم في ضيافته أول ما قدم المدينة قبل أن يبني المسجد والحجرات المجاورة له.
    وقد جاء في صحيح مسلم: أن بيته كان مكونا من دورين، وكان قد أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدور السفلي، ثم جاء وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحول إلى الدور الأعلى، وأن يكون هو في الدور السفلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عند أصحاب الكتب الستة.
    وكلمة: (رواية) هذه هي بمعنى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،
    يعني: أنه يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم،
    وهناك عبارات تؤدي معنى:
    (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) مثل: رواية أو مرفوعا أو يرفعه أو ينميه، وهي عبارات معروفة عند علماء الحديث والمصطلح وهي بمعنى إضافة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنها مختصرة،
    وهنا قال:
    رواية،
    يعني:
    أنه يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    [شرح حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا عمرو بن يحيى عن أبي زيد عن معقل بن أبي معقل الأسدي قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط).قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة].
    أورد أبو داود رحمه الله حديث معقل بن أبي معقل الأسدي رضي الله عنه:
    (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط)،
    وقوله هنا:
    (نهى أن نستقبل القبلتين) القبلتان هما: الكعبة المشرفة وبيت المقدس؛ لأن بيت المقدس هو القبلة الأولى، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبلها قبل أن يهاجر، وبعد أن هاجر ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ثم حول إلى الكعبة المشرفة بعد ستة عشر شهرا.
    وقيل في معنى القبلتين:
    إن المقصود بذلك أنه لا يستقبل القبلة
    -أي: الكعبة- ولا يستدبرها؛ لأنه إذا استدبرها فإنه يكون بذلك مستقبلا بيت المقدس.وهنا يستقيم المعنى مع الأحاديث من جهة أن فيه استقبالا للكعبة أو استدبارا لها؛ لأن الاستدبار لها يكون فيه استقبال لبيت المقدس.
    وقيل:
    إن المقصود بذلك: أن بيت المقدس كان قبلة فيما مضى، فمن أجل ذلك قيل فيه ما قيل هنا، وأنه لا يستقبل، لكن هذا لا يستقيم؛
    لأن مقتضى هذا: أن من كان عن بيت المقدس من جهة الشرق لا يتجه إلى الغرب، ومن كان عنه من جهة الغرب لا يتجه إلى الشرق، وأن يعامل معاملة القبلة التي هي الكعبة المشرفة.وهذا لم يأت في غير هذا الحديث، والحديث غير صحيح، واستقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط هذا جاءت فيه أحاديث أخرى، ولكن الإشكال هو أن بيت المقدس يعامل معاملة القبلة، وهذا لم يأت إلا في هذا الحديث فلا يعول عليه؛ لأنه ليس بثابت، أما إذا كان المقصود به أنه لا يستدبر القبلة حيث يكون من جهة الشمال؛ لأنه يكون بذلك جمع بين الأمرين مستقبلا لبيت المقدس ومستدبرا للكعبة فهذا مستقيم من جهة استدبار الكعبة، والنهي عن الاستدبار قد جاءت فيه أحاديث صحيحة.
    لكن إذا عمل بالحديث فمعناه: أن من كان شرق بيت المقدس لا يستقبل جهة الغرب، ومن كان غرب بيت المقدس لا يستقبل جهة الشرق فيكون بذلك معاملا معاملة الكعبة، وذلك لم يأت إلا في هذا الحديث، والحديث غير ثابت.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط)]
    قوله:

    [حدثنا موسى بن إسماعيل].
    موسى بن إسماعيل هو التبوذكي أبو سلمة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو جد ابن أبي عاصم صاحب كتاب (السنة) من جهة أمه، فـ أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد جده من جهة أبيه هو أحمد بن عمرو بن الضحاك، وموسى بن إسماعيل هذا جده من قبل أمه.وموسى بن إسماعيل هذا ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا وهيب].
    هو وهيب بن خالد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا عمرو بن يحيى].
    عمرو بن يحيى ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي زيد].
    أبو زيد هو مولى بني ثعلبة،
    وقيل:
    إن اسمه الوليد، وهو مجهول، وحديثه أخرجه أبو داود وابن ماجة.
    [عن معقل بن أبي معقل الأسدي].
    معقل بن أبي معقل الأسدي صحابي أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
    [شرح أثر ابن عمر في جواز استقبال القبلة عند البول إذا وجد ساتر]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا صفوان بن عيسى عن الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر قال: (رأيت ابن عمر رضي الله عنهما أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن! أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس)].
    أورد أبو داود رحمه الله أن مروان الأصفر قال:
    (إن ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة وجعل يبول) يعني: وراءها، فجعلها له سترة بينه وبين القبلة،
    فقال له:
    (أليس قد نهى عن هذا؟) يعني: عن استقبال القبلة بالبول والغائط واستدبارها،
    فقال: (بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء)،
    يعني:
    إذا لم يكن هناك ما يستره، أما إذا كان هناك ما يستره فلا بأس بذلك.وهذا يفيد بأن استقبال القبلة ببول أو غائط ينهى عنه إذا كان ذلك في الفضاء ومن غير ساتر، أما إذا كان هناك سترة بينه وبين القبلة فإن ذلك لا بأس به، وهذا الحديث محتمل بأن يكون في سفر وأن يكون في الحضر.فالإنسان عليه أن يحرص دائما وأبدا على ألا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، وإذا كان الأمر في فضاء وكان الأمر يتطلب كون الإنسان يقضي حاجته إلى سترة، أو أن يكون متجها إلى جهة أخرى فإن مقتضى هذا أنه يستتر بشيء، وهذا هو الأولى، فإذا أمكن أن يكون استتاره بالشيء إلى غير جهة القبلة فهذا هو الذي ينبغي؛ بحيث يجمع بين السترة بينه وبين من قد يراه من جهة الأمام وبين كونه غير مستقبلا القبلة.وهذا الحديث محتمل لأن يكون في السفر، وأن يكون في العراء والفضاء، وأن يكون في أماكن خالية، ويكون بذلك مستقبلا القبلة، ولكن بينه وبينها راحلته التي يقضي حاجته متجها إليها.
    [تراجم رجال إسناد أثر ابن عمر في جواز استقبال القبلة عند البول إذا وجد ساتر]
    قوله:
    [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس].
    محمد بن يحيى بن فارس هو الذهلي، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.
    [حدثنا صفوان بن عيسى].
    صفوان بن عيسى ثقة أخرج له البخاري تعليقا ومسلم وأصحاب السنن.
    [عن الحسن بن ذكوان].
    الحسن بن ذكوان صدوق يخطئ ويدلس وحديثه أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
    [عن مروان الأصفر].
    مروان الأصفر اسم أبيه خاقان أو سالم والأصفر لقبه، وهو ثقة أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
    [قال: رأيت ابن عمر].
    عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم: عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس،
    وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم:
    أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وأنس وجابر وأم المؤمنين عائشة، وقد مر ذكرهم فيما مضى.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    كيفية التكشف عند قضاء الحاجة

    صــ 1إلى صــ8
    الحلقة (12)

    شرح سنن أبي داود [006]
    من الآداب الشرعية والأخلاق النبوية التي ينبغي لكل مسلم أن يمتثلها اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم: آداب قضاء الحاجة،
    ومن ذلك:
    عدم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة، ألا يكشف الإنسان ثوبه إذا أراد أن أن يقضي حاجته إلا بعد أن يدنو من الأرض؛ لئلا ترى عورته وهو لا يدري، وينبغي عدم الكلام أثناء قضاء الحاجة إلا لحاجة وبالقدر اليسير، وغير ذلك من الآداب التي تبين عظمة هذا الدين ومكانته السامية.
    الرخصة في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة
    [شرح حديث ابن عمر: (لقد ارتقيت على ظهر البيت)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في ذلك.حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر قال: (لقد ارتقيت على ظهر البيت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته)].أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة في الرخصة في ذلك، يعني: في استقبال القبلة واستدبارها؛ لأنه ذكر قبل ذلك كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وهنا قال: الرخصة في ذلك،
    يعني:
    في الاستقبال والاستدبار.
    وأورد حديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على لبنتين -يعني: في البيت- يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة)، وهذا يدل على أن الاستقبال والاستدبار عند الحاجة في البنيان مرخص به، وأنه لا بأس بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، فيدل هذا على جوازه.وقد جمع بعض أهل العلم بين هذا الحديث وبين حديث أبي أيوب المتقدم الذي هو عام بأن حديث أبي أيوب يحمل على ما إذا كان في العراء وفي الخلاء والصحراء وأما إذا كان في البنيان فإنه يؤخذ بما جاء في حديث ابن عمر.ولكن لاشك أن وضع الكراسي التي تقضى عليها الحاجة عند بناء العمارات والبيوت الأولى ألا توضع إلى اتجاه القبلة ولا استدبارها بل إلى جهة لا يكون الإنسان مستقبلا للقبلة ولا مستدبرا لها، وإن كان ذلك جائزا إلا أنه لاشك أن ترك ذلك وعدم الاستقبال هو الأولى، لاسيما وقد جاء عن أبي أيوب أن ذلك عام في البنيان وغير البنيان،
    وأيضا قد قال بعض أهل العلم:
    إن حديث أبي أيوب قولي وحديث ابن عمر فعلي، والقول أقوى من الفعل؛ لأن الفعل يحتمل الخصوصية.ولكن كما هو معلوم أن الفعل الأصل فيه التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يصار إلى الخصوص إلا إذا وجد دليل يدل على الخصوصية.وعلى هذا فإن الحرص على الأخذ بحديث أبي أيوب حيث أمكن ذلك هو الذي ينبغي، ويجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان عند الحاجة ولا بأس بذلك؛ لأنه ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم.
    [تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (لقد ارتقيت على ظهر البيت)]
    قوله:

    [حدثنا عبد الله بن مسلمة].
    عبد الله بن مسلمة هو ابن قعنب القعنبي الذي مر بنا أنه أول شيخ من شيوخ أبي داود في هذه السنن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
    [عن مالك].
    مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو محدث فقيه، جمع بين الفقه والحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن يحيى بن سعيد].
    يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.ويحيى بن سعيد الأنصاري في طبقة صغار التابعين؛
    لأن التابعين هم ثلاث طبقات:
    طبقة الكبار، وطبقة الأوساط، وطبقة الصغار، ويحيى بن سعيد الأنصاري من طبقة الصغار، وأول حديث في صحيح البخاري يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري هذا عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر.وهؤلاء الثلاثة هم أمثلة لكبار التابعين وأوساط التابعين وصغار التابعين؛ فإن علقمة بن وقاص الذي يروي عن عمر من كبار التابعين ومحمد بن إبراهيم الذي يروي عن علقمة بن وقاص من أوساط التابعين،
    ويحيى بن سعيد الذي يروي عن محمد بن إبراهيم حديث: (إنما الأعمال بالنيات) وهو أول حديث في صحيح البخاري هو من طبقة صغار التابعين،
    وصغار التابعين هم: الذين أدركوا صغار الصحابة ورأوهم صغار الصحابة.
    وفي طبقة يحيى بن سعيد شخص آخر يقال له: يحيى بن سعيد وهو أبو حيان التيمي، وهو في طبقة صغار التابعين.
    وهناك اثنان كل منهما يحيى بن سعيد ولكنهما متأخران عن طبقة يحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد التيمي أبو حيان وهما: يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن سعيد الأموي؛ فإن هذين من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة.ويحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد التيمي متقدمان على يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن سعيد الأموي؛ لأن يحيى الأنصاري ويحيى التيمي من طبقة صغار التابعين، وأما القطان والأموي فهما من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة.
    [عن محمد بن يحيى بن حبان].
    محمد بن يحيى بن حبان ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن عمه واسع بن حبان].
    واسع بن حبان قيل عنه: إنه صحابي ابن صحابي،
    وقيل:
    ليس بصحابي، ولكنه ثقة، وكلمة (ثقة) لا تطلق على الصحابة؛ لأنهم لا يحتاجون إلى توثيق الموثقين وتعديل المعدلين بعد أن عدلهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم،
    بل يكفي الواحد منهم أن يقال:
    إنه صحابي، وإذا كان الشخص مختلفا فيه -منهم من قال: صحابي ومنهم من قال: تابعي
    - فالذي قال: صحابي يكتفي بأن يقول: هو صحابي،
    والذي يقول: إنه غير صحابي،
    يقول: هو ثقة أو نحو ذلك.
    ولهذا قال في التقريب: صحابي ابن صحابي،
    وقيل:
    بل ثقة.
    يعني:
    قيل قول آخر: بأنه تابعي وهو ثقة؛ لأن التابعين ومن دون التابعين يحتاج الأمر إلى النظر فيهم ومعرفة أحوالهم من الثقة والضعف وغير ذلك.
    [عن عبد الله بن عمر].
    عبد الله بن عمر قد مر ذكره.
    [شرح حديث: (نهى نبي الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال: (نهى نبي الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)].
    أورد أبو داود رحمه الله حديث جابر:
    (نهى نبي الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها).وهذا فيه بيان أن جابر رضي الله عنه رآه يستقبل القبلة، وكان ذلك في آخر حياته صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعام، ولكن لا يعني هذا النسخ؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن الجمع.ومن المعلوم أن حديث أبي أيوب وغيره من الأحاديث الدالة على المنع يجمع بينها وبين ما جاء في حديث ابن عمر وجابر على أن الجواز إنما هو في البنيان والمنع إذا كان في غير البنيان، أو يحمل إذا كان في غير البنيان إذا لم يكن هناك سترة يستتر بها.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (نهى نبي الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول)]
    قوله:

    [حدثنا محمد بن بشار].
    هو البصري الملقب بـ بندار، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه كلهم مباشرة وبدون واسطة، فهو شيخ للبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة كلهم يروون عنه مباشرة.وفي طبقته -أو من يشاركه في كونه من مشايخ أصحاب الكتب الستة
    - وأيضا مات في نفس السنة التي مات فيها اثنان من طبقة صغار شيوخ البخاري هما: محمد بن المثنى العنزي ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فإن هؤلاء الثلاثة من شيوخ أصحاب الكتب الستة وأيضا ماتوا في سنة واحدة، فكلهم توفي قبل وفاة البخاري بأربع سنوات؛ لأن البخاري توفي سنة (256هـ)، وهؤلاء الثلاثة الذين هم من صغار شيوخه ماتوا قبله بأربع سنوات،
    أي: ماتوا سنة (252هـ).فـ محمد بن بشار من صغار شيوخ البخاري ومثله محمد بن مثنى العنزي الزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، والثلاثة ماتوا في سنة واحدة وهي سنة (252هـ).
    [حدثنا وهب بن جرير].
    هو وهب بن جرير بن حازم، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا أبي].
    هو جرير بن حازم، وهو أيضا ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [سمعت محمد بن إسحاق].
    هو محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق مدلس، أخرج حديثه البخاري تعليقا ومسلم وأصحاب السنن.
    [عن أبان بن صالح].
    قال ابن حجر: وثقه الأئمة.
    أي: عدد من الأئمة.أخرج حديثه البخاري تعليقا وأصحاب السنن.
    [عن مجاهد].
    هو مجاهد بن جبر المكي ثقة إمام في التفسير، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن جابر].
    جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره.
    كيفية التكشف عند قضاء الحاجة
    [شرح حديث: (أن النبي كان إذا أراد حاجة)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف التكشف عند الحاجة.حدثنا زهير بن حرب حدثنا وكيع عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)].
    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة بعنوان: باب كيف التكشف عند الحاجة.
    يعني: كيف يكون؟ هل يكون إذا دنا من الأرض، أو يكون واقفا قبل أن يدنو من الأرض؟
    والمقصود من ذلك: أنه يكشف عورته إذا قرب من الأرض لا يكشفها وهو قائم؛ لأن هذا أستر له، وهذا هو المقصود من الترجمة.
    وقد أورد حديث ابن عمر:
    (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)،
    يعني: حتى يقرب من الأرض، ولا شك أن هذا الذي دل عليه الحديث فيه التستر، وفيه عدم تعريض العورة لرؤيتها إذا كشفها الإنسان وهو قائم؛ لأنه قد يرى في حال القيام ما لا يرى في حال الجلوس، فالإنسان قد تكون أمامه سترة قصيرة فإذا جلس ودنا من الأرض سترته، لكنه لو كشف وهو قائم فإنه يرى من فوق هذه السترة.فالتستر يقتضي أن الإنسان لا يرفع ثوبه إلا إذا دنا من الأرض، وهذا الحديث يدل على ذلك.
    وهذا الحديث قال عنه الألباني: صحيح، وفي إسناده رجل مبهم،
    وقد ذكر في عون المعبود:
    أنه القاسم بن محمد،
    وقيل:
    إنه شخص آخر ضعيف، والألباني صححه، ولا أدري هل هذا التصحيح لوجود شواهد أخرى أو أن هناك شيء يوضح هذا الرجل وأنه القاسم بن محمد، فإذا كان الرجل المبهم هو القاسم بن محمد فهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، ولا أدري ما هو المستند في بيان أنه القاسم بن محمد،
    ولكن قد قيل أيضا:
    إنه شخص آخر، وأظنه إياس بن إبراهيم وهو ضعيف.فما أدري ما وجه التصحيح عند الشيخ الألباني، ولكن المعنى لا شك أنه صحيح ومستقيم، وأن حفظ العورة وعدم كشفها يقتضي ألا تكشف إلا في حدود ما هو على قدر الحاجة، ومن المعلوم أن قدر الحاجة يحصل أو يتم حين يدنو الإنسان من الأرض، وأنه قد يحصل في حال كشفه في القيام قبل أن يدنو من الأرض أن ترى، بخلاف ما لو دنا من الأرض فإنها لا ترى؛ لوجود شجرة أو نحوها يتوارى بها الإنسان، وخاصة إذا كانت ليست بعالية بحيث تستره إذا كان دانيا من الأرض، ولا تستره إذا كان قائما، فمعنى الحديث صحيح.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    كيفية التكشف عند قضاء الحاجة

    صــ 9إلى صــ 16
    الحلقة (13)

    [تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا أراد حاجة)]

    قوله:

    [حدثنا زهير بن حرب].
    هو أبو خيثمة زهير بن حرب، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وقد أخرج عنه مسلم كثيرا، ولهذا يأتي ذكره في صحيح مسلم كثيرا.
    قال في التقريب: روى عنه مسلم في صحيحه أكثر من ألف حديث، لكن أكثر منه أبو بكر بن أبي شيبة؛ لأنه روى عنه مسلم أكثر من ألف وخمسمائة حديث.
    [حدثنا وكيع].
    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن الأعمش].
    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة يدلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن رجل]
    .
    هذا الرجل مبهم.
    وقد جاء في عون المعبود: (عن رجل) قيل: هو القاسم بن محمد أحد الأئمة الثقات، وقيل: هو غياث بن إبراهيم وهو ضعيف.وأورد البيهقي هذا السند في سننه الكبرى مع تحديد أن الرجل هو القاسم بن محمد،
    قال البيهقي: وأخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الخسروجردي أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي حدثنا عبد الله بن محمد بن مسلم من أصل كتابه حدثنا أحمد بن محمد بن أبي رجاء المصيصي شيخ جليل حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن القاسم بن محمد عن ابن عمر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة تنحى، ولا يرفع ثيابه حتى يدنو من الأرض).ولعل هذا هو الوجه الذي صحح الحديث به.وعلى كل حال فإن معنى الحديث صحيح ولو لم يصح سنده، والأخذ به مطلوب؛ لأن الأمر بستر العورة مطلوب ولا تكشف إلا على قدر الحاجة، والحاجة إنما تكون عند الدنو من الأرض؛ لأنه يحصل به من التستر ما لا يحصل عند رفع الثوب في حال القيام قبل أن يهوي إلى الأرض.
    [ذكر الاختلاف في روايات حديث: (أن النبي كان إذا أراد حاجة)]
    [قال أبو داود: رواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس بن مالك، وهو ضعيف].
    قول أبي داود رحمه الله:
    (رواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس وهو ضعيف)، الضعف الذي في هذه الرواية التي أشار إليها أبو داود هو من جهة الإرسال والانقطاع بين الأعمش وأنس؛
    لأنه قيل:
    إن الأعمش لم يسمع من أنس شيئا، وقد جاء أنه لقيه لكن ما جاء أنه سمع منه.وهي رواية أيضا موجودة عند الترمذي،
    وفيه أيضا طريق أخرى عن ابن عمر لكنه قال:
    وكلاهما مرسل؛ لأن الأعمش ليس له رواية لا عن أنس ولا عن ابن عمر.وعبد السلام بن حرب هذا ثقة،
    قال عنه الحافظ في التقريب:
    ثقة له مناكير، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[قال أبو عيسى الرملي: حدثنا أحمد بن الوليد حدثنا عمرو بن عون أخبرنا عبد السلام به].الذي ذكر هذا هو أحد رواة أبي داود وهو أبو عيسى الرملي،
    وهو وراق أبي داود يقول:
    إن هذا الذي أشار إليه أبو داود وصل إليه من غير طريق أبي داود متصلا إلى عبد السلام.
    قوله:
    [حدثنا أحمد بن الوليد].
    وأحمد بن الوليد هذا ليس له ترجمة في التقريب.
    [حدثنا عمرو بن عون].
    عمرو بن عون ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [أخبرنا عبد السلام].
    هو ابن حرب، وهو الذي أشار إليه أبو داود، وعبد السلام يروي عن الأعمش عن أنس، وقد عرفنا العلة التي أشار إليها أبو داود في ذلك وهي أنه ضعيف بسبب الإرسال.وإطلاق أن رواية الأعمش عن الصحابة مرسلة هذا من باب إطلاق المرسل إطلاقا عاما،
    وهو غير الإطلاق الخاص المشهور الذي هو قول التابعي:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا،
    يعني:
    أن المرسل المشهور عند المحدثين هو: ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا.ولكن يأتي الإطلاق العام، وهو أن يروي الراوي عمن لم يدرك عصره أو عمن أدرك عصره ولم يسمع منه، وهذا هو الذي يسمى المرسل الخفي، فالمرسل الخفي يكون الراوي مدركا لمن أرسل عنه ولقيه ولكن لم يسمع منه، ولهذا فإنهم يفرقون بين المرسل الخفي وبين المدلس، فالتدليس يختص برواية الراوي عن شيخ سمع منه ما لم يسمعه منه بلفظ محتمل، أما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه، أو لقيه ولم يسمع منه، فهذا هو المرسل الخفي.
    كراهية الكلام عند الحاجة
    [شرح حديث: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:
    [باب كراهية الكلام عند الحاجة.حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا ابن مهدي حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض قال: حدثني أبو سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله عز وجل يمقت على ذلك).قال أبو داود: لم يسنده إلا عكرمة بن عمار].
    أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان:
    باب كراهية الكلام عند الحاجة،
    يعني: كون الإنسان يقضي حاجته ويتكلم مع غيره، نعم إذا كان هناك حاجة وضرورة إلى الكلام فله أن يتكلم بحدود الحاجة والضرورة،
    مثلا:
    إذا كان الإنسان في الخلاء وطرق عليه الباب فلا بأس أن يجيبه، لكن كون الرجل يقضي الحاجة وهذا يقضي الحاجة ويتحدثان كأنهما جالسان للحديث فهذا لا يليق ولا ينبغي، بل على الإنسان أن يسكت عند قضاء الحاجة ولا يتكلم ولا يذكر الله عز وجل، ولكن إذا اضطر إلى الكلام أو كان هناك أمر يقتضي الكلام فليتكلم في حدود ما تدعو إليه الحاجة.
    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط) يعني: لفعل الغائط،
    يقال:
    ضرب الغائط إذا قضى حاجته،
    وأما إذا قيل:
    يضرب في الأرض فمعناه: أنه يسافر،
    وأما إذا قيل:
    ضرب الغائط فمعناه: أنه قضى الحاجة، فـ (ضرب) إذا عدي بنفسه فالمراد به قضاء الحاجة، وإذا عدي بـ (في) فالمراد به السفر في الأرض.
    وقوله: (فإن الله يمقت على ذلك) يعني: أن الله يبغض ذلك،
    والمقت هو: شدة البغض،
    والممقوت هو:
    المبغوض.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما)]
    [حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة].
    عبيد الله بن عمر بن ميسرة ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
    [حدثنا ابن مهدي].
    هو عبد الرحمن بن مهدي، وهو ثقة، بل من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد قال عنه الذهبي في كتاب (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل): إن يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي إذا تكلما في شخص أو جرحا شخصا فهو لا يكاد يندمل الجرح،
    يعني:
    أنهما إذا اتفقا على تجريح شخص فإنهما يصيبان الهدف ويصلان إلى الغاية في الجرح والتعديل.وابن مهدي إمام من أئمة الجرح والتعديل.
    [حدثنا عكرمة بن عمار].
    عكرمة بن عمار صدوق يغلط، وروايته عن يحيى بن أبي كثير فيها اضطراب، وهنا روايته في هذا الإسناد هي عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، ويحيى بن أبي كثير اليمامي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة،
    وهو الذي قال الكلمة المشهورة التي رواها عنه مسلم في صحيحه:
    (لا يستطاع العلم براحة الجسم)،
    يعني:
    من أراد أن يحصل العلم فلابد أن يتعب ولابد أن ينصب؛ لأنه لا يحصل أحد العلم بدون مقابل، بل لابد من بذل النفس والنفيس والغالي والرخيص، فبذلك يحصل العلم، أما أن يريد علما وهو كسول مخلد إلى الراحة، لا يصبر على النصب والمشقة والتعب، فإن هذا لا يحصل شيئا، وطلبه للعلم أو رغبته في العلم مع كسله وخموله من الأماني الكاذبة، ولكن من أراد العلم فليبذل ما يستطيع لتحصيله.
    ويحيى بن أبي الكثير اليمامي يروي هذا الحديث عن هلال بن عياض ويقال:
    عياض بن هلال وهو مجهول، تفرد بالرواية عنه يحيى بن أبي كثير، وأخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
    [حدثني أبو سعيد].
    هو سعد بن مالك بن سنان،
    مشهور بكنيته ونسبته:
    أبي سعيد الخدري، وهو من أكثر الصحابة حديثا، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    والحديث ضعيف من جهتين:
    من جهة عكرمة بن عمار؛ لأن في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطرابا، ومن جهة أيضا هلال بن عياض أو عياض بن هلال؛ لأنه مجهول تفرد بالرواية عنه يحيى بن أبي كثير اليمامي.ولكن المعنى صحيح من جهة أن الإنسان لا يجعل حالته وهو يقضي حاجته كحالته في غير ذلك، فلا يتحدث كيف شاء من غير الحاجة ومن غير شيء يدفع إلى ذلك؛ ولأن الكلام أيضا قد يكون فيه ذكر الله، والإنسان لا يذكر الله عز وجل في أماكن قضاء الحاجة.
    [الدفاع عن رجال الصحيح الذين تكلم فيهم]
    [قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار].
    وعكرمة بن عمار عرفنا ما قيل فيه، وفي هذا إشارة إلى علة الحديث، وفيه العلة الأخرى وهي: الرجل مجهول الذي هو هلال بن عياض أو عياض بن هلال.وعكرمة بن عمار أخرج حديثه البخاري تعليقا ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.ولكن ينبغي أن يعلم أن الأشخاص الذين تكلم فيهم وقد أخرج لهم البخاري على أحوال، وابن حجر رحمه الله في كتابه (هدي الساري) الذي هو مقدمة الفتح ذكر الذين تكلم فيهم من رجال البخاري على حروف المعجم، وأجاب عن الكلام فيهم من جهة أن الكلام لم يثبت أو أن المتكلم هو نفسه مجروح ولا يقبل جرحه وكلامه، أو من جهة أن رواية هذا الذي تكلم فيه تكلم فيها في شخص أو من جهة شخص، والرواية في الصحيح ليست من جهة الشخص المتكلم فيه، أو لأنه روى عنه حديثا أو حديثين متابعة أو ما إلى ذلك، فذكر الجواب عن هؤلاء الذين انتقدوا وتكلم فيهم، وبين أن الكلام في ذلك أو فيهم لا يؤثر للأسباب التي ذكرها والتوجيهات التي أشار إليها.
    وفي بعض النسخ زيادة على كلام أبي داود الأخير: [قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة وهو من حديث أهل المدينة حدثناه أبو سلمة حدثنا أبان حدثنا يحيى بهذا.يعني: موقوفا].
    يعني: موقوفا على أبي سعيد الخدري.والله أعلم.
    الأسئلة
    [صلاة المتأخر على الجنازة]
    q إذا أتيت بعد التكبيرة الثالثة من صلاة الجنازة فكبرت وتبعت الإمام فقرأت الفاتحة ماذا أفعل؟ وإذا كان الإمام يطول في الدعاء هل أصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وأدعو للميت بدون تكبير، فإذا سلم الإمام أسرد التكبير الباقي، أم ماذا أفعل؟

    a الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، فالإنسان يدخل معه، وإذا تمكن أن يقرأ الفاتحة والصلاة على النبي والدعاء فعل، وإذا لم يمكن إلا أحدها فالدعاء هو الأولى؛ لأن الدعاء هو الأصل في صلاة الجنازة، وإذا سلم يكبر، وإذا كبر يدعو للميت دعاء قصيرا فيقول: الله أكبر، اللهم اغفر له، ثم يقول: الله أكبر، اللهم اغفر له، ويسلم.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    ذكر الله تعالى على غير طهر

    صــ 1إلى صــ 10
    الحلقة (14)

    شرح سنن أبي داود [007]
    من آداب قضاء الحاجة ألا يذكر الله عز وجل عند قضاء الحاجة؛ لأن ذكر الله عز وجل يجب أن ينزه عن مثل هذه الأحوال، فلا يذكر في المواضع المستقذرة، ويستحب أن يذكر عز وجل على طهارة.
    رد السلام في حال البول
    [شرح حديث: (مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:
    [باب: أيرد السلام وهو يبول؟ حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: حدثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: (مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه).
    قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم ثم رد على الرجل السلام)].
    قوله:
    [باب: أيرد الرجل السلام وهو يبول؟] أي: هل الإنسان إذا كان على قضاء الحاجة وسلم عليه أحد يرد عليه السلام أو لا يرد؟و a أنه لا يرد؛ وذلك أن السلام ذكر لله عز وجل؛ ولأنه دعاء ورده دعاء، والسلام من أسماء الله عز وجل.وذكر الله لا يكون عند قضاء الحاجة، ومن ذلك رد السلام،
    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:
    (أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه)، وهذا يدل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يسلم على من يقضي حاجته؛ لأن كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه فيه إشارة وتنبيه إلى أنه ليس للإنسان أن يسلم على من يبول، وأنه إذا سلم عليه وهو يبول لا يرد؛ لأن ترك النبي صلى الله عليه وسلم الرد عليه يدل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يرد السلام وهو يقضي الحاجة.وعلى هذا فيفهم من الحديث أن الإنسان لا ينبغي له أن يسلم على من يبول، وعلى المسلم عليه الذي يقضي حاجته ألا يرد السلام، وفيه أيضا دليل على أن ذكر الله عز وجل لا يكون في حال قضاء الحاجة.وفيه أيضا دليل على أن الإنسان إذا كان يقضي حاجته لا ينبغي له أن يتكلم، ولا أن يخاطب الناس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أجاب المسلم بشيء، لا بكلام ولا برد السلام؛ لأن التحية ورد السلام لا يناسب أن يكون في مثل هذه الحال، فهذا يفيد أن الإنسان لا يتكلم وهو يقضي حاجته.وإذا كانت هناك ضرورة تدعو إلى الكلام فللإنسان أن يتكلم على قدر الحاجة.ثم أشار أبو داود رحمه الله إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام بعدما تيمم رد عليه،
    فقال:
    وروي عن ابن عمر وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم ثم رد عليه السلام)،
    يعني:
    أنه بعدما انتهى من بوله تيمم ثم رد عليه السلام.وهذا فيه أن الإنسان حينما يرد السلام ينبغي أن يكون على طهارة، ولكن إذا كان الإنسان ليس على قضاء الحاجة وكان غير متوضئ وغير متيمم فيجوز له أن يذكر الله وأن يرد السلام؛ ولكن الأولى والأشرف أن يكون على طهارة، وقد أورد أبو داود رحمه الله هذا الحديث مسندا في باب التيمم في الحضر.
    والمقصود من هذا:
    أن يكون رد السلام على حال أكمل وأفضل، وإلا فإن ذكر الله عز وجل والإنسان محدث وليس على وضوء سائغ وجائز، وسيأتي الحديث الذي يدل على ذلك،
    وهو:
    (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه)،
    يعني:
    سواء كان متوضئا أو غير متوضئ.
    ولكن الذي حصل في هذا:
    هو الإشارة إلى ما هو أكمل وإلى ما هو أفضل، والحديث الذي سيأتي يدل على أن ذلك سائغ وجائز،
    ولا تنافي بين هذا الحديث والحديث الذي سيأتي والذي فيه:
    (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).
    [تراجم رجال إسناد حديث: (مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه)]
    قوله:
    [حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة].أبو شيبة هو محمد بن إبراهيم،
    ويكنى بـ أبي شيبة وابناه هما:
    عثمان وأبو بكر، وأبو بكر اسمه عبد الله ولكنه مشهور بكنيته، وكل منهما ثقة، وكل منهما خرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.وأبو بكر هو المشهور أكثر من عثمان في كثرة الرواية، وكثرة الحديث؛ ولهذا خرج له مسلم في صحيحه -
    أي: لـ أبي بكر - أكثر من ألف وخمسمائة حديث، وهو أكثر الشيوخ الذين روى عنهم مسلم،
    يعني:
    أن الأحاديث التي حدث بها مسلم عن شيوخه أكثرها ما كان عن أبي بكر بن أبي شيبة.وقد اشتهر أبو بكر بن أبي شيبة بكنيته، وكذلك ينسب إلى أبيه بالكنية،
    فيقال:
    أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو بكر اسمه عبد الله، وأبو شيبة اسمه محمد، وهذا فيه الاشتهار بالكنى، والاشتهار بكنية الأب أيضا، ومثل هذا شهرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أبو بكر بن أبي قحافة، فهو مشهور بكنيته وينسب إلى أبيه مكنى، وهو عبد الله بن عثمان رضي الله عنه، وليس مشهورا باسمه واسم أبيه، وأبوه ليس مشهورا باسمه، وإنما اشتهر بالكنية.وهنا أبو بكر بن أبي شيبة اشتهر بكنيته وكنية أبيه.وأبو بكر رضي الله عنه ليس له ولد اسمه بكر، ولا لـ عمر ابن اسمه حفص، ولكن هذه كنى حصل الاشتهار بها، ولعلها حصلت في زمن مبكر وقبل أن يولد للإنسان ولد، فاستمر عليها وعلى ذكرها.[حدثنا عمر بن سعد].هو أبو داود الحفري،
    والحفر: محلة من الكوفة، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن سفيان].هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.وهنا جاء غير منسوب، لأن أبا داود الحفري من أهل الكوفة، وهو يروي عن سفيان الثوري، وكذلك الضحاك بن عثمان يروي عنه أيضا سفيان الثوري، وحديث سفيان الثوري أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    وكما قلت: هو من الذين وصفوا باللقب الرفيع الذي هو من أعلى صيغ التعديل: أمير المؤمنين في الحديث، وهو مشهور بالفقه، ومشهور بالحديث رحمة الله عليه.
    [عن الضحاك بن عثمان].
    هو الضحاك بن عثمان الأسدي، وهو صدوق يهم، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
    [عن نافع].
    هو نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.(عن ابن عمر).هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
    [حكم ذكر الله عز وجل عند قضاء الحاجة]
    والنهي في هذا الحديث الذي يبدو أنه على التحريم؛ لأن الإنسان عند أن يقضي حاجته لا يذكر الله، بل يجب أن ينزه ذكر الله عز وجل عن أن يكون في حال مكروهة أو حال فيها قذر، أو فيها خروج شيء مستقذر.
    [شرح حديث: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حضين بن المنذر أبي ساسان عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه: (أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، أو قال: على طهارة)].أورد أبو داود رحمه الله تعالى حديث المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه: (أنه مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه السلام، حتى توضأ ورد عليه السلام، ثم اعتذر النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر).أي: أن حالة البول هذه حالة ليست محلا لذكر الله عز وجل، ولكن بعد أن يقضي الإنسان حاجته -حتى قبل أن يتوضأ- هذه حالة لا مانع فيها من ذكر اسم الله عز وجل، ولا مانع من قراءة القرآن، والقرآن هو خير الذكر وأفضل الذكر.ولكن كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه السلام إلا بعد أن توضأ، وأشار إلى أنه كره أن يرد إلا وهو على طهارة فيه إشارة إلى الأكمل، وفي هذا أيضا إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على أن يكون على طهارة؛ حتى يكون أكمل في ذكره لله عز وجل وفي قراءته للقرآن.وإن كان ذكره لله عز وجل بعدما ينتهي من بوله وقبل أن يتوضأ سائغ وجائز، إلا أن هذا فيه إشارة إلى الأكمل وإشارة إلى الأفضل، وفيه حسن خلقه صلى الله عليه وسلم في اعتذاره للمهاجر بن قنفذ وبيانه له حتى يكون في ذلك بيان لهذا الحكم الشرعي، ولتطييب خاطره ونفسه من كونه سلم ولم يرد عليه، وفيه تنبيه أيضا كما أسلفت إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يسلم على من يقضي حاجته.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)]
    قوله:
    [حدثنا محمد بن المثنى].هو أبو موسى العنزي الملقب: الزمن البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فكل منهم روى عنه مباشرة بدون واسطة.وسبق أن ذكرت في درس مضى أن ثلاثة من صغار شيوخ البخاري هم من رجال الكتب الستة وماتوا في سنة واحدة،
    وهم:
    محمد بن المثنى هذا، ومحمد بن بشار بندار ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء ثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ماتوا في سنة واحدة قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وهي سنة (252هـ).وذكروا عن محمد بن المثنى أنه مثل محمد بن بشار في أمور كثيرة،
    فقالوا:
    اتفقا في سنة الولادة، وسنة الوفاة، وكلاهما من أهل البصرة، وكانا متفقين في كثير من الشيوخ والتلاميذ، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في ترجمة محمد بن المثنى: وكان هو وبندار كفرسي رهان.
    يعني:
    متماثلين، لا أحد منهما يسبق الآخر، كما أن فرسي الرهان يكون بينهما تماثل.
    وقال:
    إن هذين الاثنين ماتا في سنة واحدة، وكانا كفرسي رهان، واتفقا في أمور كثيرة.
    [حدثنا عبد الأعلى].
    هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا سعيد].
    هو ابن أبي عروبة، وإذا جاء سعيد يروي عن قتادة فالمقصود به ابن أبي عروبة.وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن قتادة].
    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن الحسن].
    هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن حضين بن المنذر أبي ساسان]
    .حضين بن المنذر أبي ساسان ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
    [عن المهاجر بن قنفذ].
    المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه صحابي، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.وفي هذا الحديث أنه توضأ، وفي الحديث الذي روي عن ابن عمر وغيره أنه تيمم، والذي يبدو أنهما قصتان، إحداهما فيها وضوء، والأخرى فيها تيمم.
    ذكر الله تعالى على غير طهر
    [شرح حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر.حدثنا محمد بن العلاء حدثنا ابن أبي زائدة عن أبيه عن خالد بن سلمة -يعني: الفأفاء- عن البهي عن عروة عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله عز وجل على كل أحيانه)].
    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة بعنوان: باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر، بعد أن ذكر الترجمة السابقة التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد السلام إلا بعدما توضأ أو تيمم.ومن المعلوم أن الوقت الذي بين قضاء الحاجة وبين التيمم أو الوضوء يجوز للإنسان أن يذكر الله عز وجل فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم ما حصل منه رد السلام إلا بعد الوضوء أو التيمم، وهذا فيه إشارة إلى الأكمل، وأن الإنسان إذا ذكر الله في حال طهارته فهذا أكمل وأفضل.وبعد هذا أورد هذه الترجمة الدالة على جواز ذكر الله عز وجل على غير طهارة، لكن ليس في حال قضاء الحاجة، ففي حال قضاء الحاجة لا يرد الإنسان السلام، ولكن فيما بين قضاء الحاجة وبين الوضوء أو التيمم يجوز للإنسان أن يذكر الله عز وجل.فأورد أبو داود رحمه الله هذا الباب بعد الباب الذي قبله إشارة إلى أن ما جاء في الباب الذي قبله إنما هو إشارة إلى الأكمل، وفي هذا الباب إشارة إلى الجواز وعدم الحرج، وأنه لا بأس بذلك، وأن الذكر قبل الوضوء خلاف الأولى، ولكن ليس من قبيل التحريم، وإنما الأولى والأفضل والأكمل أن يكون الذكر على طهارة، ولكن ذكر الله عز وجل على غير طهارة جائز لحديث عائشة هذا الذي أورده أبو داود رحمه الله.وكثيرا ما يأتي في التراجم وفي الأحاديث ذكر الرجل، ولا مفهوم له، بمعنى: أن حكم المرأة لا يخالف حكم الرجل، بل حكم الرجل والمرأة واحد، والأحكام هي للرجال والنساء، ولكن يذكر الرجال في التراجم ويأتي ذكرهم في الأحاديث بلفظ الرجل أو الرجال؛ لأن الغالب أن الخطاب مع الرجال؛ لا لأن الحكم يختص بالرجال؛ فبعض الرجال لا يذكر الله على كل أحيانه وبعض النساء كذلك.وقد جاءت أحاديث كثيرة فيها ذكر الرجال، ولا مفهوم لذكر الرجال،
    بمعنى:
    أن النساء ليس لها حكم آخر، بل حكم النساء هو حكم الرجال، والأصل هو تساوي النساء والرجال في الأحكام، إلا ما جاء يخص الرجال دون النساء، وما جاء يخص النساء دون الرجال، فعند ذلك يصار إلى التفريق، أما حيث لا تفريق وحيث لا يأتي شيء يدل على أن هذا خاص بالرجال أو هذا خاص بالنساء فالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء.وقد جاءت جملة كبيرة من الأحاديث في هذا المعنى الذي هو ذكر الرجل، ولا مفهوم له،
    ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه) وكذلك المرأة التي تصوم صوما تداوم عليه فلها أن تصوم.فقوله: (إلا رجل) هذا لا مفهوم له، بل المرأة مثل الرجل.
    وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام:
    (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس…)، كذلك المرأة إذا كانت مفلسة وقد بيع لها شيء والمبيع موجود عندها فالذي وجده من الغرماء أحق به، سواء وجده عند رجل أو عند امرأة،
    فقوله:
    (من وجد متاعه عند رجل) لا مفهوم للرجل، فالمرأة مثل الرجل.
    وعلى هذا فالقاعدة: أن أحكام الرجال والنساء واحدة، ولا يختص الرجال بحكم دون النساء، ولا النساء بحكم دون الرجال، إلا إذا جاء شيء يدل على التخصيص؛ إما لأنها أحكام تتعلق بالنساء أو لأنها أحكام يفرق فيها بين الرجال والنساء.وهذه الأحكام التي يفرق بها بين الرجال والنساء كثيرة، وقد أشرت إلى جملة منها في الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى، وهذه هي الفائدة الوحيدة التي ما عزوتها إلى كتاب؛ لأنني لم أنقلها من كتاب، ولكنني كنت أدون ما يعرض لي من فروق بين الرجال والنساء، فتجمعت جملة كبيرة، فأوردتها في ذلك الكتاب، وهي غير معزوة إلى أحد؛ لأنها مسائل كثيرة يفرق فيها بين الرجال والنساء، فهي الفائدة الوحيدة التي لم تنسب ولم تعز إلى مصدر أو كتاب معين، وهي جملة كبيرة من الأحكام التي يختلف فيها الرجال عن النساء، ويفرق فيها بين الرجال والنساء.
    والحاصل:
    أن ذكر الرجل في التراجم وكذلك في الأحاديث لا مفهوم له،
    وإنما المقصود من ذلك:
    أن الغالب أن الخطاب مع الرجال دون النساء.
    وبعد ذلك أورد حديث عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).
    [تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه)]
    قوله:
    [حدثنا محمد بن العلاء].
    هو محمد بن العلاء أبو كريب، مشهور بكنيته أبي كريب، وبعض المحدثين يذكره بكنيته،
    فيقول: أبو كريب ويكتفي بها، وبعضهم يذكره باسمه منسوبا،
    فيقول:
    محمد بن العلاء، وبعضهم يجمع بين الاسم والكنية والنسبة، ومعرفة الكنى للمحدثين مهمة،
    وفائدتها:
    ألا يظن الشخص الواحد شخصين،
    وذلك فيما لو جاء في أحد الأسانيد: أبو كريب، وجاء في إسناد آخر محمد بن العلاء.فالذي لا يعرف أن أبا كريب هو محمد بن العلاء يظن أن أبا كريب شخص، وأن محمد بن العلاء شخص آخر، لكن من يعرف أنه واحد فسواء جاء أبو كريب أو جاء محمد بن العلاء فالنتيجة واحدة؛ إذا إنها يراد بها شخص واحد، وإنما يذكر باسمه في بعض الأحيان، ويذكر بلقبه في بعض الأحيان، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا ابن أبي زائدة]
    .هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبيه].
    وهو ثقة يدلس، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن خالد بن سلمة -يعني: الفأفاء -]
    .كلمة (يعني) سبق أن مر التنبيه عليها، وأن المقصود منها: أن تلميذ الراوي اكتفى باسمه، وتلميذه هو زكريا بن أبي زائدة، وهو ما زاد على أن قال: خالد بن سلمة، لكن يحيى بن زكريا، أو من دونه هو الذي قال: الفأفاء، وكلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل، ففاعلها زكريا بن أبي زائدة، وقائلها: من دون زكريا بن أبي زائدة.وخالد بن سلمة صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن البهي].
    البهي لقب، واسم صاحب اللقب عبد الله بن يسار، وهو صدوق يخطئ، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
    [عن عروة]
    .هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة فقيه، من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وقد مر ذكرهم فيما مضى، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عائشة]
    .عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكرهم قريبا.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    الاستبراء من البول

    صــ 11إلى صــ 20
    الحلقة (15)

    الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء

    [شرح حديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء.حدثنا نصر بن علي عن أبي علي الحنفي عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه).قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه) والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام].
    ثم أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة بعنوان:
    باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل فيه الخلاء.
    وهذه الترجمة المقصود منها:
    أن ما كان فيه ذكر الله عز وجل هل يدخل به الخلاء أو لا يدخل به في محل الخلاء أو محل قضاء الحاجة؟
    وهذا يقال فيه:
    إن الأولى والذي ينبغي أنه إذا تيسر ألا يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله فليفعل، ولكنه إذا حصل أمر يقتضي ذلك فإنه لا بأس بذلك، لكن حيث أمكن ألا يدخل بشيء فيه ذكر الله فهذا هو الذي ينبغي.ولكن إن دعت إلى ذلك الحاجة فإنه لا بأس بإدخاله مع الإنسان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه خاتم مكتوب فيه (محمد رسول الله) (محمد) سطر، و (رسول) سطر، و (الله) سطر، وهذا فيه ذكر الله؛ لأنه مكتوب فيه (محمد رسول الله) صلى الله عليه وسلم؛
    ومن أجل ذلك قال في الترجمة:
    فيه ذكر الله.
    ثم أورد حديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)،
    يعني:
    أنه لا يدخل به الخلاء، وإنما يدخل بدون الخاتم؛ وذلك لأن فيه ذكر الله عز وجل.فأورد أبو داود رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في هذا، وأنه كان صلى الله عليه وسلم يضع الخاتم.
    ثم بعد ذلك قال أبو داود:
    إنه حديث منكر.وبين أن المعروف أنه عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري، عن أنس: (أنه اتخذ خاتما من ورق فألقاه).والفرق إنما هو في وضع الخاتم عند دخول الخلاء،
    كما جاء في حديث الطريق الأولى التي هي: همام عن ابن جريج،
    ولكن قال أبو داود:
    إن الحديث منكر، والوهم فيه من همام، والمخالفة فيه من همام، مع أن هماما ليس من الضعفاء،
    والمشهور في تعريف المنكر:
    رواية الضعيف مخالفا الثقة، وهمام ليس بضعيف، ولكنه من الثقات، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو ثقة ربما وهم.
    قالوا:
    ولعل المقصود بذلك: التوسع في معنى المنكر، وهو ما فيه المخالفة من الثقة لمن هو أوثق منه، ومن الضعيف للثقة،
    وعلى هذا فيكون المقصود به:
    الشاذ؛ لأن مخالفة الثقة للثقات يسمى شاذا ولا يسمى منكرا، لكن بعض أهل العلم يتوسع في إطلاق المنكر على ما فيه المخالفة.
    قالوا:
    وهذا يتفق مع هذا التوسع، وهو أنه لا توجد هنا المخالفة؛ لأنه ليس هنا ضعيف خالف ثقة، وإنما ثقة خالف من هو أوثق منه.
    ولهذا فإن بعض أهل العلم قال: إن أبا داود نوزع في بيان أنه منكر، وأنه ليس فيه إلا تدليس ابن جريج، فإنه مدلس، فإن صرح بالسماع فإنه يصحح، وإلا فإن العلة فيه ليست من همام، وإنما هي من تدليس ابن جريج.وأما الحكم فهو أنه حيث أمكن ألا يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله عز وجل فهذا هو الذي ينبغي، ولكن إذا احتيج إلى ذلك أو دعا الأمر إلى ذلك -كأن خيف أن يسرق ذلك الشيء الذي فيه ذكر الله عز وجل لو وضعه في الخارج- فإنه يدخل به ولا بأس بذلك، وقد عمت البلوى في أن الناس لابد أن يكون في جيوبهم شيء فيه ذكر الله عز وجل من الأوراق النقدية وغير النقدية، فالدخول بها الخلاء مما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن التحرز منه.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)]
    قوله:
    [حدثنا نصر بن علي].
    هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وقد وافق اسمه واسم أبيه اسم جده وجد أبيه، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي علي الحنفي].
    هو عبيد الله بن عبد المجيد، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن همام].
    هو همام بن يحيى، وهو ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن ابن جريج].
    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن الزهري]
    .هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أنس].
    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنس بن مالك من صغار الصحابة، والزهري من صغار التابعين.وهذا الحديث فيه رواية تابعي صغير عن صحابي صغير؛ لأن أنسا رضي الله عنه عمر، وطالت حياته، فأدركه صغار التابعين، ومنهم من روى عنه، ومنهم من لم يرو عنه، وهنا الزهري يروي عنه، وقد سبق أن ذكرنا أن حديث الأعمش عنه مرسل؛ لأن الأعمش لم يرو عن أنس.
    [قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد].
    وزياد بن سعد أخرج له أصحاب الكتب الستة.وهو يعني بهذا أن المعروف ذكر الواسطة بين ابن جريج وبين الزهري، وهو زياد بن سعد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    وبعض أهل العلم قال: إنه يمكن أن يكونا حديثين، فيكون هذا حديث وهذا حديث، فالذي جاء من هذا الطريق حديث، والذي جاء من ذلك الطريق حديث آخر.
    وقال: يمكن أن يصحح الحديث الذي قال عنه أبو داود: إنه منكر؛ وذلك لأنه ليس فيه إلا احتمال تدليس ابن جريج، فإن صرح بالسماع حكم له بالصحة والثبوت، وإلا فالعلة فيه ليست من همام، وإنما هي من تدليس ابن جريج.قوله: (اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه)].
    الورق هو: الفضة، والمعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب ثم ألقاه فألقى الناس خواتيمهم، وبين لهم أنه حرام، وأما الورق فإنه حلال ومباح اتخاذه، والنبي صلى الله عليه وسلم قد اتخذ خاتما من ورق واستمر عليه الصلاة والسلام عليه،
    وجاء عن أنس: (أنه كان يرى وبيص خاتمه في يده صلى الله عليه وسلم)، وكان اتخذ الخاتم من أجل أن يختم به كتبه إلى الزعماء والملوك والرؤساء؛
    لأن أصله أنه قيل:
    إنهم لا يقبلون الكتاب إلا مختوما،
    فاتخذ خاتما وكتب فيه:
    (محمد رسول الله) صلى الله عليه وسلم.فهذا الحديث الذي فيه وضع الخاتم هو من طريق زياد بن سعد عن الزهري، لكن فيه أن الخاتم من فضة، والذي أعرف أن الذي نزعه النبي صلى الله عليه وسلم ونزع الناس خواتيمهم هو أنه كان من ذهب، فما أدري هل قضية الفضة حصل فيها شيء من هذا أم لا؟ ولكن الفضة بقيت مباحة واستمرت إباحتها، وعلى هذا فيجوز اتخاذ الخاتم من الفضة.
    الاستبراء من البول
    [شرح حديث: (أما هذا فكان لا يستنزه من البول)]قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستبراء من البول.حدثنا زهير بن حرب وهناد بن السري قالا: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش قال: سمعت مجاهدا يحدث عن طاوس عن ابن عباس قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة.ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا وقال: لعله يخفف عنها ما لم ييبسا).قال هناد: (يستتر) مكان (يستنزه)].
    الاستبراء من البول:
    هو الاستنزاه منه، والحرص على السلامة من أن يتطاير على الثوب أو الجسد، فلا يتهاون الإنسان في البول بأن يقع على جسده أو ملابسه ثم لا يستنزه منه، بل عليه أن يحرص على ألا يكون في ثيابه على بدنه نجاسة؛ لأنه ورد الوعيد الشديد فيه، وبيان أنه من الكبائر؛ وذلك لأنه جاء فيه عذاب القبر.
    ومن المعلوم أن الكبائر هي: الذنوب التي عليها حد في الدنيا، أو توعد عليها بلعنة أو غضب أو نار.وهنا بين أن صاحب ذلك القبر يعذب في قبره؛ بسبب عدم الاستنزاه من البول، فالإنسان إذا علم النجاسة فعليه أن يبادر إلى إزالتها.لكنه إذا صلى ثم علم أن في ثوبه أو على بدنه نجاسة فإن صلاته صحيحة، وإن علم في أثناء الصلاة فإن عليه أن ينزع الذي فيه نجاسة إذا كان يمكن نزعه ويواصل الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في نعليه وفي أثناء الصلاة نزعهما، فالناس نزعوا نعالهم، ولما فرغ أخبرهم بأن جبريل جاءه وأخبره بأن فيهما نجاسة.فكون النبي صلى الله عليه وسلم بنى على ما قبل النزع دلنا على أن الصلاة تصح في الثوب إذا كان فيه نجاسة أو البدن إذا كان عليه نجاسة إذا لم يعلم إلا بعد الفراغ من الصلاة.وسواء كان قد أصابته النجاسة ولا يدري عنها ولا عرفها إلا بعد الصلاة، أو كان يعلمها من قبل ولكنه نسيها فإن الصلاة تصح، وهذا بخلاف الوضوء، فإن الإنسان إذا صلى بدون وضوء فعليه أن يعيد الصلاة، وإذا صلى وفي ثوبه نجاسة أو عليه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الفراغ من الصلاة فإن صلاته صحيحة، بدليل حديث نزع الرسول صلى الله عليه وسلم نعليه وهو في الصلاة، وقد اعتبر ما مضى من صلاته قبل النزع، فلو كان ذلك غير سائغ وغير صحيح لاستأنف النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة من أولها.
    أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عباس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)،
    يعني: أن الله تعالى أطلع نبيه على أن صاحبي هذين القبرين يعذبان،
    وقال:
    (وما يعذبان في كبير)،
    وليس معنى قوله:
    (وما يعذبان في كبير) يعني: تسهيل أو تهوين النميمة وعدم الاستبراء من البول،
    وإنما المقصود:
    أن تركه شيء سهل عليهما ويسير عليهما، وليس عليهما في تركه مشقة، وليس فيه تعب عليهما، بل تركه هين عليهما، ولكنهما تهاونا في ذلك ووقعا في هذا الأمر المحرم، مع أنه ليس بشيء كبير يشق عليهما، بل هو هين إذا وفقهما الله عز وجل للتخلص منه والسلامة منه.فلا يعني ذلك أنه ليس من الكبائر؛ لأن الذنب كبير، ولهذا فالإنسان يعذب عليه في قبره، ولكن المقصود بالنفي هو أنه هين عليهما التخلص منه والسلامة منه، وعدم الوقوع فيه، ومع ذلك فقد وجد منهما التهاون حتى وقعا فيما وقعا فيه.
    وقوله:
    (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول أو لا يستبرئ من البول) هذا فيه إثبات عذاب القبر، والأحاديث فيه متواترة، بل قد جاء في القرآن إثبات عذاب القبر،
    كما قال الله عز وجل في آل فرعون:
    {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر:46]، فهم يعرضون على النار غدوا وعشيا، أي: وهم في القبور قبل أن تقوم الساعة.فهذا فيه إثبات عذاب القبر من القرآن الكريم، وأما الأحاديث فهي أحاديث كثيرة جدا ومتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن عذاب القبر حق، وأنه يصل إلى من يستحقه، فالكفار يعذبون في قبورهم كما جاء في آل فرعون، والعصاة من شاء الله عز وجل أن يعذب عذب ومن شاء ألا يعذب فإن الله تعالى يعفو عنه ويتجاوز.والحديث الذي معنا يفهم منه أنهما كانا مسلمين؛ لأنهما لو كانا كافرين لكان العذاب على الكفر، فالكفر والشرك أعظم الذنوب وأخطرها،
    ولكن المقصود: أنهما عذبا بهذا الذنب الكبير الذي هو المشي بالنميمة وعدم الاستبراء من البول.ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ جريدة رطبة وشقها قطعتين، وغرز في كل قبر قطعة، وقال: (لعله يخفف عنهما مالم ييبسا)، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد أن يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على هذا الغيب الذي هو حصول العذاب في هذا القبر،
    وعلى سبب العذاب:
    وهو النميمة وعدم الاستبراء من البول، وأما الناس فإنهم لا يعلمون، ولا يحصل لهم ما يحصل للرسول صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يطلعه الله عز وجل من الغيب على مالم يطلع عليه أمته،
    وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
    (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع).فالرسول صلى الله عليه وسلم قد أطلعه الله على ما يجري في القبور، ويسمع ما يحصل في القبور من العذاب والصراع والصياح الذي يكون بسبب ذلك، والبهائم كذلك تسمع ما يجري في القبور،
    والله تعالى أخفى ذلك على المكلفين:
    الجن والإنس؛ حتى يتبين أولياء الله من أعداء الله، وحتى يتبين من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب؛ لأنهم لو أطلعوا على ما يجري في الغيب وما يجري في القبور لما بقي هناك تمييز بين من يكون وليا وبين من كان غير ولي،
    والله تعالى شاء أن يكون الناس فريقين:
    (فريق في الجنة وفريق في السعير)، فريق يؤمن بالغيب، وفريق لا يؤمن إلا بما يشاهده ويعاينه.فالبهائ -كما جاء في بعض الأحاديث- تسمع، والرسول صلى الله عليه وسلم يسمع، وقد قال: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)،
    يعني:
    أنهم لو سمعوا ما يجري في القبور من الصراخ والصياح لما قر لهم قرار ولا هدأ لهم بال، بل يمكن أن يصيبهم المرض، ويصيبهم التعب حتى يموتوا، ولا يتمكن بعضهم من أن يدفن بعضا، والله أطلع نبيه على مالم يطلعهم عليه.
    إذا: هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد أن يأتي ويغرز أو يضع شيئا على المقابر، أو ما إلى ذلك من الأشياء التي تفعل في بعض الجهات وفي بعض البلاد؛ فإن هذا من الأمور المنكرة.
    [تراجم رجال إسناد حديث (أما هذا فكان لا يستنزه من البول)]
    قوله:
    [حدثنا زهير بن حرب].
    هو أبو خيثمة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
    [وهناد بن السري].
    هناد بن السري ثقة، أخرج له البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا وكيع].هو وكيع بن الجراح الرؤاسي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا الأعمش]
    .هو سليمان بن مهران الكاهلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.والأعمش لقب، ومعرفة الألقاب أمر مهم، وفائدته مثل فائدة معرفة الكنى التي أشرت إليها سابقا، وهي ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر باسمه في موضع وذكر لقبه في موضع آخر، فإن الذي لا يعرف يظن أن هذا غير هذا، وهذا غير هذا، ومن يعرف يعلم أنه لا فرق بين هذا وهذا، وأن كلها تطلق على شخص واحد، وإنما ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته.
    [سمعت مجاهدا].
    هو مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن طاوس]
    .هو ابن كيسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن ابن عباس].
    وهو أحد العبادلة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكر ذلك قريبا.
    [قال هناد: (يستتر) مكان (يستنزه)].هناد هو شيخ أبي داود الثاني؛
    لأن أبا داود له في هذا الحديث شيخان:
    الأول: زهير بن حرب والثاني: هناد، وقد ساق أبو داود الحديث على لفظ زهير الذي هو شيخه الأول، ونبه في الآخر إلى أن هنادا خالف زهيرا بلفظ (يستنزه)، فأتى مكانها بلفظ (يستتر)، فساق لفظ الشيخ الأول، وأتى بمخالفة الشيخ الثاني للشيخ الأول في هذه الكلمة، وهي (يستتر) مكان (يستنزه) يعني: يستتر عند البول، وطبعا هذا المعنى يختلف، وهذا على هذه الرواية فيه لزوم الاستتار وعدم كشف العورة أمام الناس عند قضاء الحاجة.
    [شرح حديث: (كان لا يستتر من بوله)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه قال: (كان لا يستتر من بوله) وقال أبو معاوية: (يستنزه (].
    عقد أبو داود السجستاني رحمه الله هذه الترجمة بعنوان:
    باب الاستبراء من البول.
    والمقصود من ذلك:
    التنزه منه، والتحرز والتوقي من أن يقع شيء من النجاسة على جسد الإنسان، وعلى ثوب الإنسان، فعلى الإنسان أن يتوقى ذلك،
    وسبق أن مر حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
    (مر النبي عليه الصلاة والسلام بقبرين فقال: إنهما -أي: صاحبي القبرين- ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول أو فكان لا يستنزه من البول، ثم دعا بجريدة رطبة فشقها اثنتين،
    وغرس على كل واحد منهما قطعة وقال:
    لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا).وهذا يدل على أن عدم التنزه من البول من الكبائر؛ لأنه جاء الإخبار بالعذاب عليه في القبر،
    ومن المعلوم أن الكبيرة هي:
    ما كان عليها حد في الدنيا أو توعد عليها بلعنة أو غضب أو نار.وهنا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وجود العذاب في حق هذين الرجلين اللذين كان أحدهما لا يستبرئ من البول، وكان الثاني يمشي بالنميمة، وهو دال على أنهما من الكبائر، وقد ذكرنا أن عذاب القبر حق، وأنه جاء في القرآن ما يدل عليه في حق الكفار،
    كما قال الله عز وجل عن آل فرعون:
    {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر:46].
    وهذا الحديث فيه:
    أن من الناس من يعذب في قبره،
    وفيه:
    بيان سبب العذاب، وهو المشي بالنميمة، وعدم التنزه من البول، ففيه ذكر العذاب وذكر سببه،
    وفيه:
    أن النبي عليه الصلاة والسلام وضع في كل قبر قطعة من عسيب أو من جريدة رطبة،
    وقال:
    (لعله يخفف عنهما مالم ييبسا).وهذا يشعر بأن صاحبي القبر من المسلمين، ولكنهما عذبا بهذين الذنبين، ولو كانا كافرين لكان التعذيب للكفر؛ لأن كل ذنب يعتبر دون الكفر ودون الشرك بالله عز وجل، وذكرنا أنه لا يجوز لأحد أن يفعل كما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام من وضع الشيء الرطب وغرزه في القبور؛ لأن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وذلك أن الله تعالى أطلعه على الغيب، وأطلعه على أن صاحبي القبر معذبان، وأطلعه على سبب عذابهما، وهو مشي أحدهما بالنميمة، وعدم استبراء الآخر من البول، وليس أحد يحصل له ما حصل للرسول صلى الله عليه وسلم من الاطلاع على الغيب، فلا يجوز فعل ذلك.وعذاب القبر حق على كل من يستحقه، ومن شاء الله عز وجل أن يعذب به من المسلمين فإنه يصل إليه ذلك ولابد، وسواء دفن أو لم يدفن؛ لأنه لا يختص الأمر بمن دفن في الأرض، بل من يستحق العذاب في البرزخ يصل إليه العذاب،
    فلا يقال:
    من أكلته السباع وهو مستحق لعذاب القبر يسلم منه، ولا لمن أحرق وذر في الهواء وهو مستحق لعذاب القبر فإنه يسلم منه، بل إن عذاب القبر يصل إلى كل من شاء الله تعالى أن يعذب فيه.وعذاب القبر من الأمور الغيبية التي لا تقاس على أمور وأحوال الدنيا، فإننا نؤمن بعذاب القبر، ونعرف أن القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، ولو فتحنا القبور فلن نرى جنة ولا نارا، ولكن ذلك لا يجعل الإنسان يتردد أو يتوقف أو يشك، بل عليه أن يصدق وإن لم ير؛ لأن أمور الآخرة أو أمور البرزخ تختلف عن أمور الدنيا، فأمور الدنيا يعرف فيها الناس النار وعذابها وحصول ذلك، وما جاء في الكتاب والسنة من حصول العذاب على المقبورين، فنحن نؤمن به وإن لم نره، وإن لم نشاهده ونعاينه، وهذا هو الفرق بين من يؤمن بالغيب وبين من لا يؤمن بالغيب ولا يؤمن إلا بما يشاهده ويعاينه.وبهذا يكون التمييز بين أولياء الله وأعداء الله، ويكون التمييز بين من يكون موفقا ومن يكون مخذولا، وبين من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب.
    وهناك مثال في الدنيا يوضح لنا هذا المعنى: وهو أن الأرواح يحصل لها في النوم نعيم، ويحصل لها عذاب، فينام الشخصان في مكان واحد ثم يقومان من نومهما، وأحدهما كان مرتاحا في نومه ووجد في نومه ما يسره، ووجد أنه يأكل من النعيم ما لذ وطاب ثم يقوم من نومه ولعابه يسيل! والآخر معه في نفس الغرفة، أو في نفس المكان، ولكنه رأى في منامه أن الوحوش تطارده، والحيات تلاحقه، والعقارب تلسعه، ثم قام من نومه فزعا، خائفا مذعورا، وريقه ناشف! فهذان اثنان في مكان واحد، وقد حصل لأرواحهما ما حصل من الفرق الشاسع، والبون البعيد، فكذلك ما يجري في القبور، فإنه قد يكون الاثنان مقبورين في قبر واحد، وأحدهما منعم والآخر معذب، ولا يصل إلى المنعم من عذاب المعذب شيء، ولا يصل إلى المعذب من نعيم المنعم شيء، بل هذا له نعيمه وهذا له عذابه، والله تعالى على كل شيء قدير.
    والمهم في الأمر: أن المسلم لا يتردد ولا يتوقف في الإيمان والتصديق بما جاء به كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، سواء أدركه أو لم يدركه، وسواء عقله أو لم يعقله، مع العلم بأن أمور الآخرة ليست مثل أمور الدنيا، وأمور البرزخ ليست مثل أمور الدنيا، حتى يقيس الإنسان هذا على هذا، فإن هناك فرقا، ولا تستوي أمور الدنيا وأمور الآخرة، فإذا وجد الإنسان الشيء الذي لا يعرفه فلا يتوقف ويترد أو يشك فيما جاء به الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل الواجب التصديق والإيمان.والقبو فيها أصوات، وفيها صياح وأهوال،
    ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
    (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع).وقد مر بنا الحديث، وعرفنا ما يتعلق بإسناده، وقد أورد أبو داود رحمه الله له إسنادا آخر حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
    وقال:
    بمعناه، يعني: لم يسق متن الحديث الذي جاء بهذا الإسناد، وإنما أحال إلى المتن المتقدم، ولكن من حيث المعنى،
    يعني:
    أنه موافق للمتن من حيث المعنى، وليس من حيث اللفظ، ولهذا قال: بمعناه.
    وفرق بين أن يقول: بمثله أو بنحوه أو بمعناه؛ لأنه إذا قال: بمثله فمعناه: أن المتن مطابق للمتن لفظا ومعنى،
    وإذا قال: بنحوه فمعناه: أنه قريب منه،
    وإذا قال:
    بمعناه فالمراد: بمعنى الحديث المتقدم وليس بلفظه.
    فهنا أحال إلى المتن المتقدم وقال:
    بمعناه، ولكنه ذكر كلمة جاءت عن شخص على صيغة، وجاءت عن شخص آخر على صغيرة أخرى.وهي مثلما تقدم في الحديث المتقدم ذكر الاستنزاه والاستتار،
    حيث قال أحد الرواة:
    (كان أحدهما لا يستتر)،
    وقال راو آخر: (كان أحدهما لا يستنزه من البول)،
    والاستنزاه هو:
    التحرز، والاستتار: فسر أيضا بأنه التحرز والتوقي، وأنهما بمعنى واحد، وفسر أنه بمعنى عدم كشف العورة والتهاون في ذلك.ولكن المطابق لما جاء في الحديث من ذكر البول يدل على أن المقصود من ذلك هو عدم التنزه وعدم التحرز منه؛ لأن كشف العورة يمكن أن تكون مع البول ومع قضاء الحاجة ومع غير ذلك، ولكن الشيء الذي يتعلق ويضاف إلى البول هو عدم التوقي وعدم التحرز منه.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (كان لا يستتر من بوله)]
    قوله:
    [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
    عثمان بن أبي شيبة سبق أن مر بنا، وهو عثمان بن محمد بن إبراهيم العبسي، وأبوه مشهور بكنيته أبي شيبة، وهو محمد بن إبراهيم، وعثمان هذا ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا الترمذي.
    [حدثنا جرير].
    هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن منصور].
    هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن مجاهد].
    هو مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن ابن عباس].
    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله عمر وعبد الله بن عمرو، وابن عباس أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكرهم مرارا.ومجاهد يروي عن ابن عباس بواسطة وبغير واسطة، وكل منهما صحيح.
    [وقال أبو معاوية].
    أبو معاوية لم يأت ذكره في الإسناد، وهو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    وقوله: (مالم ييبسا) يعني: ما دامت الرطوبة موجودة، وهذا يعني أنه يخفف العذاب بسبب الرطوبة التي في الجريدتين،
    ومعنى هذا:
    أن التخفيف مؤقت وليس بدائم، وهذا يبين أن التخفيف إنما هو في حق المسلمين وليس في حق الكفار؛ لأن الكفار لا يخفف عنهم العذاب،
    كما قال الله عز وجل: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور} [فاطر:36]، والذي خفف عنه عذاب النار هو أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بسبب شفاعته له، وهي شفاعة في التخفيف، والذي حصل له مستثنى مما جاء في هذه الآية،
    وهذا التخفيف الذي حصل له قد جاء بيانه في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
    (إنه في ضحضاح من نار، عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه) وهو أخف الناس.وهذا الذي هو أخف الناس يرى أنه لا أحد أشد منه عذابا؛ لأن كون نعليه في رجليه وشدة حرارتهما يصل إلى دماغه، فالدماغ يغلي من شدة حرارة ما يحصل للرجلين، فإن هذا يبين أن عذاب الله شديد، وأن عذاب النار شديد، وأن أهل النار متفاوتون فيها، وأقلهم عذابا يرى أنه ليس هناك أحد أشد منه عذابا والعياذ بالله!
    [شرح حديث: (كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم)]
    [حدثنا مسدد قال:
    حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة قال: (انطلقت أنا وعمرو بن العاص رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج ومعه درقة، ثم استتر بها، ثم بال،
    فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمع ذلك،
    فقال:
    ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم، فعذب في قبره)
    .قال أبو داود: قال منصور عن أبي وائل عن أبي موسى رضي الله عنه في هذا الحديث قال: (جلد أحدهم) وقال عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (جسد أحدهم)].
    أورد أبو داود رحمه الله حديث عبد الرحمن بن حسنة رضي الله عنه أنه قال:
    (انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج ومعه درقة)، وهي: الترس الذي يتخذ للوقاية في الحرب،
    ويكون من الجلد قال: (فاستتر بها ثم بال،
    فقلنا:
    انظروا إليه يبول كما تبول المرأة)
    ،
    يعني:
    تعجبا من هذا الفعل.وهذا الذي قالاه -أو قاله أحدهما أو قاله أحد معهما- يحتمل أن يكون المراد به أنه جهل من قائله، أو أنه كان قبل إسلام عمرو وقبل إسلام عبد الرحمن بن حسنة وعند ذلك لا يكون هناك إشكال من حيث صدور هذه المقالة، والمذموم هو الكلام الذي فيه تشبيه الرسول صلى الله عليه وسلم في عمله -وهو يبول- بالنساء، وهذا أمر منكر؛ لأن الواجب هو أن كل ما يصدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على التمام والكمال، وهو أحسن حال وأحسن هيئة.
    والرسول عليه الصلاة والسلام لما سمع ذلك قال: (ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟) يعني: بسبب الكلام الذي قاله لهم، ثم ذكر أنه عذب في قبره؛ لأنهم كانوا في شرعهم ودينهم أن الواحد منهم إذا أصابته نجاسة فإنه يقطع مكان النجاسة ولا يغسلها، وهذا من الأمور الشاقة التي كلف بها بنو إسرائيل وخففها الله عن هذه الأمة، فجعل ما تحصل فيه النجاسة يغسل بالماء، وأما أولئك فكانوا يقرضونه بالمقاريض ويقطعونه، وإذا أصابت الثوب نجاسة لا يغسلونه ولكنهم يقطعون القطعة التي عليها النجاسة ويرمونها، وهذا يتطلب منهم الاحتراز الشديد؛ حتى لا تفسد عليهم ثيابهم، إذ يلزمهم أن يقطعوها إذا أصابها شيء من البول أو شيء من النجاسة.فكانوا يفعلون ذلك اعتمادا على ما في دينهم، فهذا الذي عبر عنه بصاحب بني إسرائيل نهاهم أن ينفذوا هذا الشيء الذي فيه مشقة عليهم، وقد جاء في دينهم وشرعهم، فعذب في قبره؛ لأنه نهاهم أن يفعلوا شيئا هم مكلفون به ومطلوب منهم.ففي قول الرسول صلى الله عليه وسلم هذا تنبيه إلى أنه إذا كان صاحب بني إسرائيل عذب في قبره بسبب ذلك، فإن الذي يحصل منه شيء يتعلق بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قد يناله ما نال صاحب بني إسرائيل ووجد منه ما قد يكون سببا في تعذيبه في قبره.وفي هذا الحديث بيان أن من أسباب عذاب القبر الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف؛ لأن صاحب بني إسرائيل نهاهم عن شيء هو مشروع في دينهم، وأمر واجب عليهم في دينهم، فنهاهم أن يطبقوا ما جاء في دينهم، ولو كان في ذلك مشقة عليهم؛ لأن التكاليف لابد أن تنفذ ولو كان فيها مشقة على النفوس؛
    لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات)، وهذه الأمة خفف الله عنها ما هو شديد مما كلفت به الأمم السابقة.
    ولهذا جاء في حديث الإسراء: (لما أسري برسول الله عليه الصلاة والسلام وفرضت عليه وعلى أمته خمسون صلاة، ومر بموسى اقترح عليه ونصحه بأن يرجع ويطلب من الله التخفيف،
    وقال:
    إن بني إسرائيل كلفوا بشيء وما قاموا به)
    أي: أنه قد جرب، فهو ينصح نبينا محمدا عليه الصلاة والسلام أن يطلب التخفيف؛ حتى لا يحصل لهذه الأمة من العجز عما كلفت به ويحصل منهم التقصير كما حصل من بني إسرائيل الذين كلفوا وما قاموا بما كلفوا به.فالحديث يفيد أن من أسباب عذاب القبر مثل هذا العمل الذي فيه الاعتراض على الأحكام الشرعية والنهي عن تنفيذ ما جاء به الشرع؛ لأن ذلك الرجل نهاهم أن ينفذوا ما جاء في شرعهم فعذب في قبره.[قال أبو داود: قال منصور عن أبي وائل عن أبي موسى في هذا الحديث قال: (جلد أحدهم)].هذا الحديث جاء أيضا من طريق أبي موسى وفيه قصة، وهذا مما حصل لبني إسرائيل من الآصار التي حملوها وما فيها المشقة عليهم، والله تعالى خفف عنا ولم يكلفنا ما كلفوا به،
    وكان فيما جاء في حديث أبي موسى: (جلد أحدهم)،
    يعني:
    إذا أصابت النجاسة جلد أحدهم قطعه، وفسر الجلد بأنه الجلد الذي يلبس؛
    لأنه كان مما يلبس:
    الجلود، وعلى هذا فالمقصود به: الجلد الذي يلبس، وفسر بأنه على ظاهره، وأن النجاسة كانت إذا أصابت جلد الإنسان فإنه يقطع أو يزيل هذه التي وقعت عليها النجاسة من جلده، ففسر بهذا، وفسر بهذا، ويكون هذا مما كلفوا به مما هو شاق عليهم.
    ولهذا قال الله عز وجل في آخر سورة البقرة:
    {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة:286]، فإن هذا يكون من الآصار التي كلفوا بها والتي خففها الله عز وجل عن هذه الأمة رحمة بها.
    [وقال عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (جسد أحدهم)].
    ثم ذكر طريقا آخر لحديث أبي موسى غير الطريق السابق وفيه بدل (جلد أحدهم): (جسد أحدهم)،
    ولكن قد جاء عند غير أبي داود من هذا الطريق: (ثياب أحدهم).والشيخ الألباني جعل هذه الرواية التي هي ذكر الجسد ضعيفة، وكما ذكرت: جاء في بعض الأحاديث عند غير أبي داود من هذه الطريق: (ثياب أحدهم) بدل (جسد أحدهم).ويحتمل أن يكون المقصود هو إزالة ما حصل من النجاسة من على الجلد، لا أن الجسد يقطع، بل تكون مثل الرواية السابقة، لكن الروايات التي جاءت وفيها ذكر الثياب تبين أن تلك هي المحفوظة أو المعروفة، وهذه تكون ضعيفة أو أنها تفسر بما فسرت تلك، أو تحمل على ما تقدم من ذكر الجلد،
    وأن المقصود به: أنه يزال كما يزال الجلد، ويراد بالجسد: الجلد، وليس المراد به جسد الإنسان بمعنى أنه يقطع ويمزق.
    ومحتمل أن يكون المراد بجلد أحدهم:
    الجلد الذي يلبسه؛ لأنهم كانوا يلبسون الجلود،
    ويحتمل أن يكون جلده بمعنى:
    أن القطعة من جلد الإنسان التي وقعت عليها النجاسة يزيلها.وفي ذلك شدة عليهم، وذلك يتطلب منهم أن يحذروا من أن يحصل منهم ذلك؛ حتى لا يحصل هذا الجزاء أو هذا الذي كلفوا به؛ لأن الإنسان إذا عرف أن جسده سيحصل له شيء بسبب ذلك فإنه سوف يحذر من أن يقع منه ذلك الذي يسبب قطعه أو يسبب إزالة الجلد.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم)]
    قوله:
    [حدثنا مسدد].
    هو ابن مسرهد الذي مر ذكره مرارا، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
    [حدثنا عبد الواحد بن زياد].
    عبد الواحد بن زياد ثقة، وفي حديثه عن الأعمش مقال، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وهذا الحديث رواه عبد الواحد عن الأعمش، ولكن الحديث جاء من طرق متعددة.
    [حدثنا الأعمش].
    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقبه.
    [عن زيد بن وهب].
    زيد بن وهب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عبد الرحمن بن حسنة].
    عبد الرحمن بن حسنة رضي الله عنه صحابي، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
    [قال أبو داود: قال منصور]
    .يعني: في حديث أبي موسى الأشعري، وهذا أشار إليه إشارة، ومنصور هو: ابن المعتمر الذي مر ذكره قريبا، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي وائل].
    هو شقيق بن سلمة، وهو ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي وائل، ويأتي ذكره أحيانا باسمه.
    [عن أبي موسى].
    هو أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    [وقال عاصم: عن أبي وائل].
    هو عاصم بن أبي النجود بهدلة، وأبوه مشهور بكنيته أبي النجود، واسمه بهدلة، وهو صدوق له أوهام، وهو أحد القراء وصاحب القراءة المشهورة: قراءة عاصم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، ولكن حديثه في الصحيحين مقرون، يعني: أنه لم يرو عنه صاحبا الصحيح استقلالا، وإنما رويا عنه مقرونا مع غيره، ومن المعلوم أن من كان كذلك يكون أقل ممن روي عنه على سبيل الاستقلال.
    [عن أبي وائل عن أبي موسى].
    وأبو وائل وأبو موسى قد مر ذكرهما.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المواضع التي نهي عن البول فيها

    صــ 1إلى صــ 12
    الحلقة (16)

    شرح سنن أبي داود [008]

    من آداب قضاء الحاجة:
    ألا يقضي الإنسان حاجته في الأماكن التي يستفيد منها غيره، أو يتأذى الناس من قضاء الحاجة في هذا المكان، كالطريق وأماكن الظل ونحوها.
    البول قائما
    شرح حديث: (أتى رسول الله سباطة قوم فبال قائما)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب البول قائما.حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: حدثنا شعبة ح وحدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة وهذا لفظ حفص عن سليمان عن أبي وائل عن حذيفة أنه قال: (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء فمسح على خفيه).قال أبو داود: قال مسدد: قال: (فذهبت أتباعد، فدعاني حتى كنت عند عقبه)].
    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة: (باب: البول قائما)، يعني: ما حكمه؟ والمعروف من عادته صلى الله عليه وسلم أنه كان يبول قاعدا، والبول قائما جاء عنه نادرا وقليلا، وهو يدل على أن ذلك جائز، ولكن ما داوم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأولى والأفضل والأكمل، وهو أن يكون الإنسان عن قعود لا عن قيام، ولكنه إذا فعل ذلك قائما في بعض الأحيان فلا بأس بذلك إذا أمن ألا يقع عليه شيء من البول بسبب ذلك، ويكون فعل الرسول صلى الله عليه وسلم له في بعض الأحيان أو نادرا فيه بيان الجواز عندما يحتاج الإنسان إلى ذلك.وقد يكون الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك نادرا لضرورة دعته إلى ذلك، ولكن كونه صلى الله عليه وسلم حصل منه ذلك وهو قائم يدلنا على أن الإنسان يجوز له أن يبول قائما إذا دعا الأمر إلى ذلك، لكن بشرط ألا يصل إليه شيء من رشاش البول بسبب كونه يبول عن قيام.ذكر المصنف حديث حذيفة رضي الله عنه أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء سباطة قوم،
    والسباطة هي:
    المكان الذي يلقى فيه الأتربة والقمائم وما إلى ذلك، فإنه إذا كنست البيوت وجمع ما يحصل عن كنسها فإنه يلقى في أفنية البيوت،
    يعني:
    خارجها وقريبا منها.وغالبا ما يكون ذلك المكان فيه أتربة وأشياء إذا وقع عليها البول فإن الأرض تشربه ولا يحصل من ذلك تطاير رشاش البول؛ لأن الأرض تكون سهلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء سباطة قوم فبال قائما، وكان معه حذيفة فأراد أن يتباعد، فطلب منه أن يرجع إليه وأن يكون في مكان قريب منه حتى يستره.وقد يكون هذا الذي جاء في الحديث فيه إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم اضطر إلى ذلك، وأنه احتاج إلى أن يفعله، وأنه ما استطاع أن يصبر إلى أن يصل إلى مكان آخر، ولهذا فعل ذلك وطلب من حذيفة أن يقرب منه حتى يستتر به.والحديث يدل على أنه يجوز البول قائما للحاجة، والأصل أن يبال في حال الجلوس.
    قوله:
    [(ثم دعا بماء فمسح على خفيه)].
    يعني:
    توضأ ومسح على خفيه، وهذا الحديث مختصر؛
    لأن الحديث فيه:
    (توضأ ومسح على خفيه) يعني: أنه غسل أعضاء الوضوء، وأما الخفان فقد مسح عليهما؛ لأنه كان عليه خفان فمسح عليهما.فالمقصود: أنه توضأ ومسح على الخفين، والحديث فيه اختصار ذكر آخره، والذي هو ذكر المسح دون أوله الذي فيه ذكر الوضوء.
    تراجم رجال إسناد حديث: (أتى رسول الله سباطة قوم فبال قائما)
    قوله:
    [حدثنا حفص بن عمر].
    حفص بن عمر ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي.
    [ومسلم بن إبراهيم].
    هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي الأزدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [قالا: حدثنا شعبة].
    هو ابن حجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، وصف بأنه أمير للمؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [(ح) وحدثنا مسدد]
    .هذه الحاء هي للتحويل، وهذا أول موضع في سنن أبي داود يأتي فيه ذكر التحويل بالحاء التي تكتب حاء مفردة.والمقصود منها: الدلالة على التحول من إسناد إلى إسناد؛ لأنه ذكر الإسناد الأول ثم أراد أن يرجع ويذكر إسنادا آخر من شيخه إلى أن يلتقي مع الإسناد الأول عند شخص، ثم يستمران إلى الآخر.وهذا يسمى التحويل.وحاء التحويل تكتب حاء مفردة،
    وينطق بها فيقال: حاء؛ حتى يسمع السامع أن هناك تحولا، وأنه رجع من جديد ليذكر إسنادا آخر ليبدأ فيه من شيخ بإسناد غير الإسناد الذي ذكر شيخه أو شيوخه من قبل، ولكن الإسنادين يلتقيان عند شخص ثم يستمران طريقا واحدا إلى الآخر.وحاء التحويل فيها التفريق أو الفصل بين أثناء الإسناد وأول الإسناد، ولهذا يأتي بعدها واو،
    فما يقول:
    ح حدثنا،
    وإنما يقول: ح وحدثنا؛ لأن هناك عطفا على الإسناد الأول، ولكن الإسناد الثاني يمشي إلى أن يلتقي عند المكان الذي وقف عنده الإسناد الأول ثم يستمران بعد ذلك.ومسدد قد عرفناه.
    [حدثنا أبو عوانة].
    هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة وهو مشهور بكنية أبي عوانة.
    [وهذا لفظ حفص].
    قال أبو داود:
    وهذا لفظ حفص، يعني: أن اللفظ الذي سيسوقه هو لفظ الشيخ الأول؛
    لأن له ثلاثة:
    حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم ومسدد، الشيخان الأولان في الإسناد الأول والشيخ الثاني في الإسناد الثاني، ولكن قد أشار أبو داود إلى أن هذا لفظ حفص، يعني: أن الكلام الذي سيسوقه هو لفظ حفص، والذي هو الشيخ الأول.
    [عن سليمان].
    يعني: أن الالتقاء كان عند سليمان، فالإسناد الأول شيخ شيخ أبي داود هو شعبة، وفي الإسناد الثاني شيخ شيخه أبو عوانة، ويلتقي الإسنادان عند سليمان ثم يتحدان فوق ذلك، وسليمان هو سليمان بن مهران الأعمش، وقد جاء هنا باسمه غير منسوب.وقد سبق أن مر بنا مرارا أنه يذكر بلقبه الأعمش، وهذا يظهر فيه فائدة معرفة الألقاب،
    وهي كما قال علماء المصطلح:
    ألا يظن الشخص الواحد شخصين؛
    لأن الذي لا يعرف أن سليمان هو الأعمش يظن أنه إذا جاء في إسناد:
    الأعمش،
    وجاء في إسناد آخر:
    سليمان أن سليمان غير الأعمش، وأن هذا شخص وذاك شخص آخر، لكن من يعرف الأسم والكنية لا يلتبس عليه الأمر.
    [عن أبي وائل].
    شقيق بن سلمة، وقد مر ذكره قريبا.
    [عن حذيفة].
    هو ابن اليمان، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي ابن صحابي، ووالده استشهد يوم أحد، وحذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    [قال أبو داود: قال مسدد: قال: فذهبت أتباعد].
    يعني:
    أن الشيخين الأولين -وهما: حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم - قد انتهى الحديث عندهما إلى قوله: (فمسح على خفيه).وأما مسدد الذي هو شيخه في الطريق الثاني فعنده زيادة ليست عند شيخيه الأولين.
    قال حذيفة: (فذهبت أتباعد) يعني: أردت أن أبتعد عنه، [(فدعاني حتى كنت عند عقبه)].والدعوة هنا يحتمل أن يكون قد ناداه وكلمه، وهذا يفيد أن الإنسان عندما يبول ويكون هناك حاجة للكلام وأمر يقتضي الكلام أنه يجوز له أن يفعل ذلك، ويمكن أن يكون بالإشارة،
    يعني: أشار إليه بأن يأتي حتى كان عند عقبه قريبا منه ليستره.
    الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده
    [شرح حديث: (كان للنبي قدح من عيدان تحت سريره)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده.حدثنا محمد بن عيسى حدثنا حجاج عن ابن جريج عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة عن أمها أنها قالت: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)].أورد أبو داود رحمه الله باب في الرجل يبول في الليل في الإناء ثم يضعه عنده.وقد ذكرت فيما مضى أنه يأتي مرارا ذكر الرجل في التراجم وفي المتون، وليس المقصود به خصوص الرجل، بل الحكم للرجال والنساء، وإنما ذكر الرجل لأن الخطاب غالبا يكون مع الرجال.فالأحكام التي للرجال هي للنساء والتي للنساء هي للرجال مالم يأت شيء يخص الرجال أو يخص النساء.هذا هو الأصل، وهو قاعدة من قواعد الشرع،
    أي:
    التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام إلا ما جاء فيه شيء يخصص للرجال أو يخصص للنساء في الأحكام.
    وأورد أبو داود رحمه الله حديث أميمة بنت رقيقة:
    (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له قدح من عيدان) والمقصود بالعيدان: النخل، ولعل المقصود أن هذا القدح كان يتكون من ساق النخل؛ لأن العيدان هو النخل الباسق الذي تتخذ الأوعية من ساقها.وقد سبق أن مر بنا في سنن النسائي وكذلك في صحيح البخاري وصحيح مسلم ذكر النهي عن الإنتباذ في أوعية ومنها النقير،
    والنقير هو:
    ما يتخذ من جذوع النخل أو سيقانها، وذلك بأن ينقر وسط الساق ثم يتخذ وعاء.
    وبعض المفسرين قال: إن المقصود: أنه من عيدان النخل إذا قطع خوصها وضم بعضها إلى بعض، لكن مثل هذا غالبا لا يحصل منه أنه يمسك الماء؛ لأنه يذهب الماء بين تلك الأعواد، ويمكن أن يعمل على طريقة محكمة بحيث لا يذهب، لكن العيدان الذي هو النخل الطوال والذي ينقر ساقه أو قطعة من ساقها لا يذهب منه الماء؛ لأنه يتخذ وعاء، وقد سبق أن مر بنا أنهم كانوا يتخذون الأوعية من ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتباذ في النقير، وهو ما ينقر من جذوع النخل ومن سيقانها.
    قوله:
    [(كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)].
    يعني: أنه كان يتخذ هذا الإناء ويبول فيه، ثم يضعه عنده، وقد جاء في بعض الروايات أن هذا كان في مرضه عليه الصلاة والسلام، وأنه كان مضطرا ومحتاجا إلى ذلك.والحديث الذي معنا في إسناده حكيمة، وهي لا تعرف، ولكن قد جاءت أحاديث صحيحة تدل على ذلك، ولكنها مقيدة بمرضه صلى الله عليه وسلم، فيكون ما جاء في هذا الحديث متفقا مع ما جاء في الأحاديث الأخرى، فهو وإن كان فيه مقال إلا أن الأحاديث الأخرى تشهد له وتدل على ما دل عليه.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (كان للنبي قدح من عيدان تحت سريره)]
    قوله:
    [حدثنا محمد بن عيسى].

    هو محمد بن عيسى البغدادي الطباع، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقا وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
    [حدثنا حجاج].
    هو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن ابن جريج].
    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة].
    حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة لا تعرف،
    يعني:
    مجهولة، وحديثها أخرجه أبو داود والنسائي.
    [عن أمها].
    هي أميمة رضي الله عنها، وهي صحابية، أخرج حديثها أصحاب السنن.والله أعلم.
    [المواضع التي نهي عن البول فيها]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:
    [باب المواضع التي نهي عن البول فيها.حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟! قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم) حدثنا إسحاق بن سويد الرملي وعمر بن الخطاب أبو حفص -وحديثه أتم- أن سعيد بن الحكم حدثهم قال: أخبرنا نافع بن يزيد حدثني حيوة بن شريح أن أبا سعيد الحميري حدثه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل)].
    أورد الإمام أبو داود رحمه الله هنا: باب المواضع التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البول فيها.وهذه الترجمة معقودة لبيان الأماكن التي ليس للإنسان أن يقضي حاجته فيها؛ لأن في قضاء الحاجة فيها ضرر على الناس؛ لحاجتهم إلى تلك المواضع، فنهى عن البول فيها من أجل دفع الضرر عن الناس وعدم إفساد تلك الأماكن التي يكون الناس بحاجة إليها.
    [شرح حديث أبي هريرة: (اتقوا اللاعنين)]
    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟! قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم)، و (أو) هنا للعطف،
    يعني:
    هذا أو هذا، فأي واحد منهما فإنه يمنع منه.
    وقوله عليه الصلاة والسلام:
    (اتقوا اللاعنين)،
    أي:
    ابتعدوا عن قضاء الحاجة في تلك الأماكن، وأطلق على هذين المكانين
    -وهما: قارعة الطريق والظل الذي يستظل به الناس- أنهما لاعنان، والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم سألوا عن اللاعنين: ما هما؟
    فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن المقصود بذلك:
    الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم.
    قوله:
    [(الذي يتخلى)] يعني: الذي يقضي حاجته ويتغوط أو يبول في طريق الناس أو ظلهم؛ لأن الطريق الذي يسلكونه هو معبرهم ومسلكهم؛ ولأنه إذا حصل منه قضاء الحاجة في الطريق فإنه يعرض الناس إلى أن يطئوا النجاسة أو يجعل هناك منظرا يسوءهم ويكون في نفوسهم شيء من هذا المنظر الكريه الذي رأوه.والظل هنا هو الذي يحتاج الناس إليه بأن يستظلوا من الشمس إذا مروا في الطريق أو في أي مكان يحتاجون إليه للاستظلال به للقيلولة أو الجلوس تحته، فإن الإنسان لا يجوز له أن يقضي حاجته في هذا المكان.ولا يعني هذا أن كل ظل لا تقضى الحاجة فيه، بل من الظل ما هو يسير وليس معروفا أنه محل استظلال للناس، فمثل هذا لا بأس بقضاء الحاجة فيه.وإنما الذي يكون فيه المنع هو ما كان يحتاج الناس إليه،
    ولهذا قال:
    (في طريق الناس أو في ظلهم)،
    أي:
    الذي يستظلون به لكونهم يأتون وهناك شجر كبار في الطريق، فالناس يحتاجون إلى أن يجلسوا تحتها ويستظلوا بها، فمن جاء وقضى حاجته تحتها فإنه يكون بذلك قد أفسد الظل على الناس الذي هم بحاجة إليه.
    وإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم على هذين الموضعين بأنهما لاعنان قد فسر بتفسيرين:
    الأول: إما أن يكون المقصود أن فعل ذلك سبب ووسيلة لأن يلعن من فعل ذلك، فأطلق على المكانين بأنهما اللاعنان.
    الثاني: أن لاعن: بمعنى ملعون؛ لأنه يأتي فاعل بمعنى مفعول،
    كما يقال عيشة راضية بمعنى:
    مرضية، وسر كاتم بمعنى مكتوم.
    والمعنى: أن من فعل ذلك فإنه يلعنه الناس ويسبونه ويشتمونه ويذمونه، لأنه حصل منه التسبب في إيذائهم،
    يعني:
    أنه عرض نفسه لأن يذمه.ومن المعلوم أن هذا اللعن ليس للمعين، وإنما هو لعن بالوصف،
    من باب:
    لعن الله من فعل هذا، ومن المعلوم أن اللعن بالوصف سائغ وجائز، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في اللعن بالأوصاف لا بالأعيان،
    كقوله عليه الصلاة والسلام:
    (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال)،
    وقوله:
    (لعن الله النامصة والمتنمصة)، ونحو ذلك من اللعن بالوصف لا بالعين.وأما لعن المعين فإن ذلك لا يجوز، إلا إذا علم وأنه كان كافرا ومات على الكفر، فإذا كان كافرا وعرف موته على الكفر فإنه يلعن، أما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يلعن؛ لأن المعين قد يتوب وقد يمن الله عز وجل عليه بالهداية ويرجع من الكفر إلى الإسلام.فلعن المعين هو الذي جاء المنع منه، وأما اللعن بالوصف فإن ذلك سائغ؛ لأنه لا تعيين فيه.
    فإذا: من فعل ذلك فإنه يلعن بفعله،
    ومن وجد هو يفعل ذلك فلا يقال:
    لعن الله فلانا؛ لأن لعن المعين لا يجوز.
    [شرح حديث معاذ: (اتقوا الملاعن الثلاثة)]
    ثم أورد أبو داود حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل).هذا الحديث مثل الذي قبله؛ حيث أطلق على الأماكن بأنها ملاعن؛ لأن من فعل ذلك فيها يكون سببا في لعن الناس له فيها.
    والبراز في الموارد يعني: قضاء الحاجة فيها.والأصل في البراز أنه الفضاء الواسع، ولكن كني به عن قضاء الحاجة في موارد الماء،
    وموارد الماء هي:
    الأماكن التي يرد الناس فيها على الماء أو الطرق التي تؤدي إليه؛ فإن ذلك مما يحتاج الناس إليه، وقضاء الحاجة فيه يعرض المار لوطء النجاسة أو لرؤية المنظر الكريه والمنظر السيء، وكل ذلك فيه إيذاء للناس.وكذلك قارعة الطريق،
    وقارعة الطريق هي:
    المكان الذي يسلكه الناس، وهي الجادة، وسميت (قارعة)؛ لأن أقدامهم تقرعها، فيكون الطريق بينا واضحا بسبب توارد الأقدام وتكررها عليه، وقد يكون الطريق -إذا كان في أرض سهلة- حفرة على طول الطريق؛ بحيث يحفر في الأرض على مقدار الجادة التي تطؤها الأقدام، وهذا شيء مشاهد ومعاين ومعروف في الأماكن التي ليست مزفلتة وليست مرصوفة بأشياء صلبة، فإن تكرر وطء الأقدام على مكان معين أو على طريق معين يؤثر ذلك فيه حتى يكون واضحا.
    فالقارعة:
    هي وسط الطريق أو المكان الذي تقرعه أقدام الناس، فتؤثر فيه بتكرر مشيها ووطئها عليه،
    والظل أي:
    الذي يحتاج الناس إليه، وليس كل ظل يمنع قضاء الحاجة فيه، وكذلك لا يمنع الطريق الذي هو مهجور أو أن سلوكه نادر.فالمكان الذي اعتاد الناس أن يمشوا فيه وأن يسلكوه، أو الظل الذي يستظلون به، لكونه ظلا واسعا تحت شجرة كبيرة مثلا، فاعتاد الناس أن ينزلوا تحت مثل هذه الشجرة، فحينئذ لا يجوز لأحد أن يفسد ذلك عليهم.
    [تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (اتقوا اللاعنين)]
    قوله:

    [حدثنا قتيبة بن سعيد].
    هو ابن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وبلخ هي من أكبر بلاد خراسان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا إسماعيل بن جعفر].
    إسماعيل بن جعفر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن العلاء بن عبد الرحمن].
    هو العلاء بن عبد الرحمن الجهني الحرقي وهو صدوق ربما وهم، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن أبيه].
    هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، أي: أن الذين رووا عن الأب هم الذين رووا عن الابن.
    [عن أبي هريرة].
    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثا على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.
    [تراجم رجال إسناد حديث معاذ: (اتقوا الملاعن الثلاثة)]
    قوله:

    [حدثنا إسحاق بن سويد الرملي].
    إسحاق بن سويد الرملي ثقة أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
    [عمر بن الخطاب أبو حفص].
    وهو صدوق أخرج حديثه أبو داود وحده، وهو على اسم الصحابي الخليفة رضي الله عنه وكنيته، فهذا عمر بن الخطاب أبو حفص والخليفة الراشد أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب، فهو على اسمه وهذا شيخ لـ أبي داود.ولم يرو عنه إلا أبو داود ولهذا لا يأتي في الكتب الأخرى، فلم يمر بنا لا في البخاري ولا في مسلم ولا في النسائي؛ لأنه ليس من رجالهم، وكذلك لا يأتي لا في الترمذي ولا في ابن ماجة؛ لأنه من رجال أبي داود وحده.
    قوله:
    [وحديثه أتم].
    يعني:
    أن الشيخ الثاني الذي هو أبو حفص عمر بن الخطاب حديثه أتم من حديث شيخه الأول.
    [أن سعيد بن الحكم حدثهم].
    سعيد بن الحكم ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [أخبرنا نافع بن يزيد].
    نافع بن يزيد ثقة أخرج حديثه البخاري تعليقا ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
    [حدثني حيوة بن شريح].
    حيوة بن شريح ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [أن أبا سعيد الحميري حدثه].
    أبو سعيد الحميري شامي مجهول أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة].
    وروايته عن معاذ مرسلة وهنا روايته هي عن معاذ، فهو مجهول وأيضا السند فيه انقطاع؛ لأن روايته عن معاذ مرسلة، وهذا من قبيل إطلاق المرسل على ما ليس من قول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا؛ لأنه هنا يروي عن معاذ وروايته عن معاذ مرسلة بمعنى: أن فيها انقطاعا.
    [عن معاذ].
    معاذ بن جبل رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    [وفي رواية ابن الأعرابي: قال أبو داود: هذا مرسل وهو مما انفرد به أهل مصر].
    يعني:
    أن هذا حديث مرسل، وهو مثلما ذكر الحافظ ابن حجر أبو سعيد الحميري روايته عن معاذ مرسلة.
    قوله:
    [هو مما انفرد به أهل مصر] يعني: أن في الإسناد ثلاثة من أهل مصر وهم: سعيد بن الحكم، ثم نافع بن يزيد، ثم حيوة بن شريح، وهؤلاء كلهم مصريون.ومن المعلوم أن الحديث هذا وإن كان مرسلا إلا أنه مع الحديث الأول مؤداهما واحد ونتيجتهما واحدة، والذي يفيده لفظ الحديث من جهة الطريق ومن جهة الظل ومن جهة الموارد يدخل في ذلك كل ما في معناها من الأشياء أو الأماكن التي هي محل جلوس الناس أو تجمعاتهم أو مسالكهم، كل ذلك يمنع منه؛ لأن العلة هي دفع الأذى.فهذه الأماكن كل ما كان في معناها فإنه يكون مثلها؛ لأن الحكم واحد والحكمة واحدة والعلة واحدة وهي دفع الأذى عن الناس وعدم إيصال الأذى إليهم.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المواضع التي نهي عن البول فيها

    صــ 1إلى صــ 13
    الحلقة (17)

    شرح سنن أبي داود [009]
    من الآداب التي جاء بها الشرع في التخلي:
    ألا يبول الإنسان في الماء الراكد ثم يغتسل فيه، وألا يبول في جحر؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد، وإذا فرغ الإنسان من قضاء حاجته فعليه أن يأتي بالذكر الوارد في ذلك.
    البول في المستحم
    [شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في البول في المستحم.حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل والحسن بن علي قالا: حدثنا عبد الرزاق قال أحمد حدثنا معمر أخبرني أشعث وقال الحسن: عن أشعث بن عبد الله عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)،
    قال أحمد:
    (ثم يتوضأ فيه؛ فإن عامة الوسواس منه).أورد أبو داود رحمه الله باب البول في المستحم،
    والمستحم هو:
    مكان الاستحمام،
    أي: مكان الاغتسال،
    وقيل له:
    استحمام لأنه مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار؛ فإنه يغتسل بالماء الحار لاسيما في الشتاء.
    وقوله:
    (يستحم) يعني: يغتسل، وسواء كان الماء حاراً أو بارداً.
    وقد أورد أبو داود حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)،
    وقال أحمد:
    (ثم يتوضأ فيه).وأحمد هو أحد الشيخين اللذين روى عنهما أبو داود وهو الإمام أحمد بن حنبل.والحديث يدل على النهي عن أن يبول الإنسان في المستحم ثم يتوضأ ويغتسل فيه، وقيل: إن المنع إنما هو في المكان الذي يستحم فيه إذا كان أرضاً سهلة، بمعنى: أنه يمسك البول ويمسك النجاسة.
    ومن العلماء من قال:
    إن المقصود به إذا كان صلباً بحيث إن الإنسان إذا بال يتطاير البول على الإنسان فيلحقه الضرر، وكذلك إذا كان المكان مكاناً صلباً ينحبس فيه البول ويتجمع فيه البول فإنه يحصل بذلك تعرض للوقوع في النجاسة،
    أما إذا كان له مجرى يمشي فيه كالأماكن الموجودة في البيوت في هذا الزمان من كون الماء له مسالك يذهب فيها فقالوا:
    إنه لا بأس ولا مانع من الاغتسال فيها.
    قوله:
    [(فإن عامة الوسواس منه)
    يعني:
    أن الإنسان إذا بال في مكان يستحم فيه ثم وقع البول على أرض ترابية فإن النجاسة يمسكها التراب وتبقى في التراب، والإنسان قد يطأ على هذا المكان النجس ورجله مبلولة إذا كان قد يبس، وإذا كانت الأرض صلبة فإنه يترتب على ذلك أن يتطاير عليه رشاش البول، فيؤدي ذلك إلى الوسواس،
    ويظل يقول: هل حصلت نجاسة أو لم تحصل نجاسة؟ هل علقت نجاسة أو لم تعلق نجاسة؟ فيكون في ذلك وسواس.فهذا هو معنى الحديث، وهذا هو التعليل للنهي عن الاغتسال أو البول في المستحم، لكن إذا كان مثل ما هو موجود في هذا الزمان من وجود أماكن يبول الناس ويستحمون فيها والنجاسة تذهب ولا يبقى لها أثر فإن ذلك لا محذور فيه ولا مانع عنه، وإنما النهي فيما إذا لم يكن هناك مجرى والأرض ترابية ويبقى البول على التراب ويطأ الإنسان عليه ويكون منه ملامسة للنجاسة أو كانت الأرض صلبة فيجتمع الماء والبول فيها فيؤدي ذلك إلى الوطء عليه أو كونه يبقى وينشف وتكون الأرض نجسة، أما إذا كان البول يمشي والماء يلحقه فإنه لا يحصل بذلك الذي يحصل في هذه الأحوال.
    إذاً: النهي فيما إذا ترتب على ذلك مساسه، فإذا لم يترتب عليه مساسه بأن النجاسة تذهب والبول يذهب والماء يتبعه ولا يبقى شيء يؤثر فإنه لا بأس ويجوز البول في مكان الاستحمام.
    والحديث ورد لأوله طرق أخرى،
    وأما قوله:
    (فإن عامة الوسواس منه) فما جاء إلا من طريق واحدة والطريق هذه فيها كلام، لكن أوله إذا ضمت الطرق بعضها إلى بعض يكون ثابتاً، وأما ما جاء من ذكر الوسواس الذي جاء من طريق واحدة فهذا هو الذي يضعف.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)]
    قوله:

    [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل].
    أحمد بن محمد بن حنبل الإمام الجليل المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو آخر الأئمة الأربعة؛
    والأئمة الأربعة هم:
    أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة توفي سنة (150هـ) وتوفي مالك سنة (179هـ) وتوفي الشافعي سنة (204هـ) وتوفي أحمد سنة (241هـ).فالإمام أحمد هو آخر الأئمة الأربعة وفاة، وهو الذي اشتهر بكثرة الحديث، وكتابه المسند يبلغ أربعين ألف حديث، فهو موسوعة ضخمة واسعة، وله مؤلفات أخرى غير المسند، لكن المسند كتاب جامع وواسع.وهو محدث فقيه وإمام مشهور وأحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة.
    [والحسن بن علي].
    الحسن بن علي هو الحلواني الهذلي، وهو ثقة حافظ أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا النسائي ولم يمر بنا ذكره في النسائي؛ لأنه ليس من رجاله،
    ويقال له:
    الحلواني نسبة إلى بلد،
    ويقال له:
    الهذلي نسبة إلى قبيلة.
    [حدثنا عبد الرزاق].
    عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني محدث مشهور مصنف، صاحب المصنف وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [قال أحمد: حدثنا معمر]
    يعني: أن عبد الرزاق قال: حدثنا معمر، والمصنف هنا أراد أن يبين اختلاف شيخيه بالتعبير فيما بعد عبد الرزاق؛
    لأنهما اتفقا على قولهما: حدثنا عبد الرزاق، ثم افترقا؛ فواحد ذكر صيغة التحديث وواحد جاء بالعنعنة.
    وأحمد قال في روايته:
    أخبرني أشعث فقط،
    وأما الحسن بن علي الحلواني فقال: عن أشعث بن عبد الله فأتى بعن بدل أخبرني وأتى بالنسب؛ لأن ذاك ذكره مهملاً غير منسوب،
    يعني:
    في إسناد أحمد، وأما في إسناد الحسن بن علي فجاء مسمى منسوباً،
    حيث قال:
    عن أشعث بن عبد الله.
    فإذاً: الفرق بين الاثنين هو: أن هذا عبر بالإخبار ولم ينسبه وهذا عبر بعن ونسبه.ومعمر هو ابن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو شيخ عبد الرزاق، وعبد الرزاق أكثر من الرواية عنه وصحيفة همام بن منبه التي تبلغ مائة وأربعين حديثاً روايات مسلم التي أوردها في صحيحه هي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام.فهو من شيوخ عبد الرزاق الذين أكثر عنهم، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أشعث].
    هو ابن عبد الله وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن الحسن].
    الحسن هو ابن أبي الحسن البصري، وهو ثقة يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن عبد الله بن مغفل].
    عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.والحديث فيه الحسن وهو مدلس وقد روى بالعنعنة، ولكن الحديث الذي سيأتي والطريق الآخر فيه ما يشهد للجملة الأولى التي هي النهي عن البول في المغتسل.
    وأما قوله: (فإن عامة الوسواس منه) فهذه ما جاءت إلا من طريق الحسن وهو مدلس ولم يصرح بالسماع، فتكون غير ثابتة، لكن أول الحديث قد جاء ما يشهد له وما يدل عليه من طريق أخرى وهي التي ذكرها أبو داود رحمه الله بعد ذلك.
    وقوله:

    [وقال الحسن: عن أشعث].
    يعني:
    عن عبد الرزاق عن معمر عن أشعث بن عبد الله.
    وهذا الحديث فيه زيادة في نسخة ابن الأعرابي: [وروى شعبة وسعيد عن قتادة عن عقبة بن صهبان قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: (البول في المغتسل يؤخذ منه الوسواس) وحديث شعبة أولى].وهذا ما دام أنه ما نسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يكون موقوفاً.
    قال:
    [ورواه يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن ابن مغفل قوله].
    يعني:
    أنه موقوف.
    [شرح حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري -وهو ابن عبد الرحمن - قال: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وآله سلم كما صحبه أبو هريرة قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله)].
    أورد أبو داود رحمه الله حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم صحبه كما صحبه أبو هريرة:
    (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم)،
    يعني: يوماً بعد يوم، (وأن يبول في مغتسله)، وهذا يوافق الجزء الأول من الحديث المتقدم فيكون شاهداً له.
    وقوله: (نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم)،
    المقصود بذلك: الإشارة إلى الابتعاد عن الترفه وعن كون الإنسان يشغل نفسه دائماً وأبداً في حاله وتجمله وما إلى ذلك، وإنما يكون الإنسان متوسطاً لا مهملاً ولا متوسعاً وشاغلاً وقته في إظهار نفسه بمظهر أحسن؛ لأن ذلك الشغل يكون فيه ترفه ويكون فيه أيضاً اشتغال عن أمور أخرى يكون بحاجة إليها.فعلى الإنسان ألا يكون شاغلاً باله في نفسه وفي هيئته وفي شكله وفي لباسه وفي شعره وعنايته به وما إلى ذلك، لكن إذا كان الأمر يحتاج إلى ذلك بأن يكون شعثاً ويكون كثيفاً أو يكون هناك أشغال تؤدي إلى أن يكون شعثاً فلا بأس بإصلاحه وترجيله، وقد سبق أن ذكرنا ما يدل على ذلك في شرح كتاب الزينة في آخر سنن النسائي، فيكون المنع إنما هو في الذي لا تدعو إليه حاجة ولا تدعو إليه ضرورة، أما إذا كان الإنسان صاحب عمل وصاحب شغل ويصيبه الشعث ويصيبه التراب ويصيبه كذا وكذا فهذا لا بأس أن يعنى بشعره كل يوم.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم)]
    قوله:

    [حدثنا أحمد بن يونس].
    أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    الملقي:
    [حدثنا زهير].
    زهير بن معاوية، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن داود بن عبد الله].
    داود بن عبد الله ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
    [عن حميد الحميري -وهو ابن عبد الرحمن -].
    حميد بن عبد الرحمن الحميري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة،
    وهنا قال:
    هو ابن عبد الرحمن يعني: أن هذا من زيادات من دون التلميذ من أجل توضيح هذا الراوي.
    وكما ذكرت سابقاً هناك عبارتان لهذا الغرض: إحداهما: (يعني) والثانية: (هو) والذي هنا هو لفظ (هو) وليس لفظ (يعني).
    [عدالة الصحابة وما جاء في تحديد مدة صحبة بعضهم للنبي]
    قوله:
    [قال: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة]
    .هذا فيه ذكر الرجل بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي الصحبة دون أن يسميه، ولكن أثبت صحبته وأنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة، وأبو هريرة معروفة صحبته للرسول صلى الله عليه وسلم.ويحتمل أن يكون المراد بالصحبة الملازمة، ويحتمل أن يكون المراد بالصحبة التي أشار إليها وأضافها إلى أبي هريرة التحقق من أنه صحابي، فكما أن أبا هريرة محقق أنه صحابي فهذا محقق أنه صحابي،
    فيحتمل أن يكون ذكر أبي هريرة المقصود منه:
    التحقق من أنه صحابي كما أن أبا هريرة حقيقة صحابي أو أن المقصود به كثرة ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه لازم النبي صلى الله عليه وسلم.وقد ذكر الحافظ ابن عبد الهادي في (المحرر في الحديث) عند حديث حميد الحميري،
    قال:
    لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين كما صحبه أبو هريرة.قال: الرجل المبهم قيل: هو الحكم بن عمرو وقيل: عبد الله بن سرجس،
    وقيل:
    عبد الله بن مغفل.
    وتحديد مدة الصحبة بأربع سنين جاء في سنن أبي داود في باب النهي عن وضوء الرجل بفضل المرأة ووضوء المرأة بفضل الرجل حيث قال: (حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن داود بن عبد الله ح وحدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري قال: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين كما صحبه أبو هريرة).فالإسناد هو الإسناد الأول إلا أن له طريقاً أخرى تنتهي إلى داود بن عبد الله، وعلى هذا فكون المجهول فلان أو فلان أو فلان هذا يتوقف على معرفة أن كل واحد منهم صحبه أربع سنين.وعلى كل -سواء عرف أو لم يعرف- فالصحابة رضي الله عنهم المجهول فيهم في حكم المعلوم سواء سمي أو لم يسم، ولا تؤثر جهالة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فكل تؤثر جهالته إلا الصحابة، وكل يحتاج إلى البحث عنه إلا الصحابة؛ لأن الصحابة عدلوا من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاجون إلى تعديل أحد، وغيرهم هو الذي يحتاج إلى أن تعرف أفعاله فيعدل أو يجرح.
    النهي عن البول في الحجر
    [شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:
    [باب النهي عن البول في الجحر.حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن سرجس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر).قال: قالوا لـ قتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: كان يقال: إنها مساكن الجن].
    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة وهي: [باب النهي عن البول في الجحر]، والجحر هو: الثقوب التي تكون في الأرض والتي تحفرها بعض الحيوانات أو بعض هوام ودواب الأرض وتدخلها وتكون فيها.
    ثم أورد حديث عبد الله بن سرجس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى أن يبال في الجحر) وأحد رواة قتادة قال له: ما يكره من البول في الجحر؟
    يعني: ما هو السبب في كراهية البول في الجحر؟
    فقال: يقال: إنها مساكن الجن،
    يعني:
    أن هذا هو التعليل للنهي عن البول فيها.
    وهذا من كلام قتادة وأيضاً قال:
    يقال: إنه كذا وكذا، لكن لاشك أن الإنسان عليه أن يجتنب البول في الجحر سواء كان فيها مساكن جن أو كان فيها دواب وحيوانات، فالإنسان لو بال في الجحر ثم خرج عليه من ذلك الجحر حية أو عقرب أو شيء ففزعه وقام ولوث نفسه بالنجاسة فإن ذلك يكون بسبب هذا التصرف الذي فعله.فليس للإنسان أن يبول في الجحر، وهذا الحديث غير ثابت، لكن معناه صحيح، وهو أن الإنسان لا يؤذي تلك الحيوانات بالبول؛ لأن فيه إيذاء لها، ثم أيضاً قد تخرج وتؤذيه ويتأذى هو، إما تؤذيه بكونها ضارة فتصيبه بضرر أو على أقل الأحوال يفزع فيتناثر البول على جسده أو على ثيابه فيترتب على ذلك مضرة ومفسدة.فالحديث لم يصح،
    ولكن معناه:
    أن الإنسان يجتنب ذلك؛ لما قد يترتب على ذلك من المفاسد ومن الأذى، وذلك بكونه يؤذي غيره ممن هو في الجحر سواء كان جناً أو حيوانات أو دواباً من دواب الأرض، وأيضاً قد يناله هو الضرر بكونه يخرج منه شيء يؤذيه أو على أقل الأحوال يفزع منه فتقع عليه النجاسة بسبب ذلك.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر)]
    قوله:

    [حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة].
    عبيد الله بن عمر بن ميسرة ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
    [عن معاذ بن هشام].
    معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي صدوق ربما وهم وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبيه].
    أبوه هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن قتادة].
    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة مدلس، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عبد الله بن سرجس].
    عبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنه صحابي، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.وهذا الحديث معلول،
    والعلة التي فيه هي:
    أن قتادة قيل: إنه لم يسمع من عبد الله بن سرجس وأيضاً هو مدلس وقد روى بالعنعنة، فلو كان سمع منه فإن هناك علة أخرى وهي التدليس؛ لأن قتادة مدلس وقد روى بالعنعنة.
    فإذاً:
    العلة هي: رواية قتادة عن عبد الله بن سرجس وهو إما أنه لم يلقه فيكون السند منقطعاً، أو لقيه ولكن روى عنه بالعنعنة، فيكون الإسناد فيه تدليس.
    ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء
    [شرح حديث: (أن النبي كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)]

    قال المصنف رحمه الله تعالى:
    [باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء.حدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)].
    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة وهي:
    [ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء]؛ لأنه سبق أن مر ذكر ما يقول إذا أراد أن يدخل الخلاء.
    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها:
    (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك).
    يعني:
    أطلب وأسأل غفرانك، وهو مفعول به حذف عامله،
    والتقدير:
    أسألك غفرانك أو أطلب غفرانك، فهو كلام مختصر ذكر فيه المفعول وحذف الفعل والفاعل، ومن المعلوم أن الفاعل هو المتكلم، وهو ضمير مستتر في أطلب،
    أي:
    أطلب أنا غفرانك.
    وقيل:
    إن الحكمة في كونه يقول: (غفرانك)، هي أنه يحصل التقصير من الإنسان إذا كان في مكان قضاء الحاجة حيث يمتنع من ذكر الله.
    ويمكن أيضاً أن يكون المراد به: غفرانك مما يحصل مني من التقصير في عبادتك وفي شكرك؛ لأنك قد أنعمت علي بالنعم، وحصل لي فائدة المطاعم والمشارب، وأنت تفضلت علي بسهولة دخولها وخروجها، وهي نعمة عظيمة أنعمت بها علي، فأنا أسألك المغفرة لما حصل مني من التقصير في شكر هذه النعم ومقابلة هذه النعم التي أنعمت بها علي، وهي أن الطعام يأكله الإنسان ويتغذى به ويستفيد منه، ثم يتحول إلى رجيع وإلى بول ويخرج منه بسهولة ويسر بدون مشقة، ولم يحبس الله الغائط والبول فيتضرر الإنسان.كل ذلك محتمل، وكل ذلك صالح بأن يكون طلب المغفرة يرجع إليه،
    يعني: إما لكون الإنسان جلس فترة وهو لا يذكر الله، أو لأنه حصلت له هذه النعم التي لا يقوم بشكرها ولا يؤدي شكرها، وهي نعم عظيمة تستوجب من الإنسان الشكر لله عز وجل، ولكنه مقصر؛ ولذا يطلب من الله تعالى المغفرة.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)]
    قوله:
    [حدثنا عمرو بن محمد الناقد].
    عمرو بن محمد الناقد ثقة أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
    [عن هاشم بن القاسم].
    هاشم بن القاسم ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا إسرائيل].
    إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن يوسف بن أبي بردة]
    .يوسف بن أبي بردة مقبول،
    أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن قال عنه الحافظ في التقريب:
    مقبول، وذكر في تهذيب التهذيب أن ابن حبان ذكره في الثقات وأن العجلي وثقه، يعني: توثيقه جاء عن ابن حبان والعجلي، ولم يذكر فيه جرح.
    [عن أبيه].
    وهو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عائشة].
    وهي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    وما قاله الحافظ عن يوسف عنه: بأنه مقبول وأنه يحتاج إلى متابعة، لا يحتاج إلى متابعة؛ لأنه وثقه ابن حبان والعجلي،
    وصحح الحديث عدد من الأئمة:
    صححه الحاكم وابن خزيمة وابن حبان وأبو حاتم والنووي والذهبي وابن الجارود، فهؤلاء سبعة أشخاص صححوا هذا الحديث، فهو ثابت وصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
    ولا يضر قول الحافظ ابن حجر فيه:
    إنه مقبول، وإنه يحتاج إلى متابعة.فهو لم يأت من طرق أخرى وإنما أتى هو من طريق واحدة عن إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة، ويوسف قال عنه الحافظ: إنه مقبول،
    والمقبول في اصطلاح ابن حجر هو:
    ما يحتاج إلى متابعة،
    ولكن كما قلت:
    الحديث صححه سبعة من العلماء، ويوسف وثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات.فالحديث صحيح،
    وعلى هذا يقول الإنسان عند الخروج:
    غفرانك،
    وقد جاء في بعض الأحاديث:
    (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)، لكن هذا لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو ضعيف،
    والثابت هو هذا الذي جاء في هذا الحديث وهو:
    (غفرانك).والله تعالى أعلم.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المواضع التي نهي عن البول فيها

    صــ 1إلى صــ 13
    الحلقة (18)

    شرح سنن أبي داود [010]
    من آداب قضاء الحاجة:
    عدم الاستنجاء والاستبراء باليمين؛ لأن اليمين مكرمة، فلا تستعمل إلا في الأمور الطيبة، والشمال تستخدم في عكس ذلك،
    ومن الآداب أيضاً:
    الاستتار عند قضاء الحاجة.
    كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء
    [شرح حديث: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:
    [باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء.حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا أبان حدثنا يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفساً واحداً)].أورد أبو داود رحمه الله تعالى باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء،
    يعني:
    عند قضاء الحاجة، فإن الإنسان عندما يستنجي أو يستجمر يبتعد عن مس ذكره وإزالة ما حصل في قبله من شيء على إثر قضاء الحاجة بيمينه، فإن ذلك يكون بالشمال ولا يكون باليمين؛ لأن اليمين إنما هي للأكل والشرب والأخذ والإعطاء وغير ذلك من الأمور الطيبة.وأما الأمور الأخرى التي فيها إزالة أذى كالاستنجاء والاستجمار والتمخط وغير ذلك فإنما تكون بالشمال.
    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)، يعني: عند تنزهه واستجماره واستنجائه لا يستعمل اليمين في ذلك، وإنما يستعمل الشمال، وهذا هو مقصود أبي داود رحمه الله من إيراد هذا الحديث تحت هذه الترجمة.
    قوله: [(وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه)
    يعني:
    أنه لا يستعمل اليمين لا في مس الذكر ولا في إزالة آثار البول، وإنما يستعمل اليسار سواء في قبله أو دبره.فكل ما يتعلق بإزالة الأذى إنما يكون بالشمال ولا يكون باليمين سواء بالنسبة للقبل أو الدبر.
    قوله: [(وإذا شرب فلا يشرب نفساً واحداً)
    يعني:
    أنه لا يستمر في الشرب والإناء في فمه؛ لأنه لابد أن يتنفس في الإناء إذا استمر، ولكن عليه أن يخرج الإناء ويتنفس ثم يعيده، ويكون ذلك ثلاث مرات كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.فلا يشرب الإنسان نفساً واحداً؛ لأن الشرب بنفس فيه مضرة على الإنسان في شربه وفيما يترتب على استعمال الماء بهذه الطريقة الذي يعب فيها الماء عباً ويسرع ويكون ذلك بنفس واحد.وتنفس الإنسان في الماء الذي يشربه شيء سيئ وليس بحسن، وإنما عليه أن يشرب بثلاثة أنفاس وليس بنفس واحد، بحيث يزيل الإناء عن فمه ثم يعيده ثم يخرجه ويتنفس ثم يعيده؛ هكذا جاء في السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)]
    قوله:

    [حدثنا مسلم بن إبراهيم].
    مسلم بن إبراهيم هو الأزدي الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [وموسى بن إسماعيل].
    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [قالا: حدثنا أبان].
    أبان هو ابن يزيد العطار ثقة، أخرج له أصحاب الكتاب الستة إلا ابن ماجة.
    [حدثنا يحيى].
    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن عبد الله بن أبي قتادة].
    عبد الله بن أبي قتادة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    (عن أبيه)
    .
    وهو أبو قتادة رضي الله، واسمه الحارث بن ربعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشهور بكنيته أبي قتادة، وهو صحابي جليل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وقد ذكروا عدة أقوال في اسمه والمشهور أنه الحارث بن ربعي.
    ويقال:
    عمرو ويقال: النعمان بن ربعي.
    [ذكر الخلاف في تخصيص النهي عن مس الذكر بحال قضاء الحاجة]
    وأما النهي عن مس الذكر فقد يقال:
    هل هو خاص في حال قضاء الحاجة أو على العموم؟و a أن الحديث جاء في قضاء الحاجة، وأبو داود إنما عقد الترجمة في حال قضاء الحاجة،
    فقال:
    في الاستبراء،
    وبعض أهل العلم يقول:
    إن ذلك يكون عاماً في جميع الأحوال،
    ومنهم من يقول:
    إنه إذا حصل هذا في حال الاستبراء فغيره من باب أولى، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن كونه يمسه وليس فيه نجاسة ولا فيه شيء يستقذر ليس من باب أولى مما إذا كان في حال وجود النجاسة عليه وإزالة القذر منه، بل الذي جاء في هذا الحديث والذي جاء هذا النص هو لأن فيه إزالة أذى، واليمين إنما تستعمل في الأمور التي هي بعيدة عن تلك الأماكن، فلا يظهر المنع في غير حال الاستبراء.
    [شرح حديث: (أن النبي كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:
    [حدثنا محمد بن آدم بن سليمان المصيصي حدثنا ابن أبي زائدة قال: حدثني أبو أيوب -يعني: الإفريقي - عن عاصم عن المسيب بن رافع ومعبد عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: حدثتني حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك)].
    أورد أبو داود رحمه الله حديث حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك)،
    يعني:
    أن اليمين تكون للطعام، فيأكل بها ويشرب بها، وكذلك عندما يلبس الثياب يبدأ باليمين.وكذلك تستعمل اليمين في كل أمر مستحسن؛ فعند دخول المسجد تقدم اليمين، وهكذا المصافحة، والأخذ والإعطاء، وكل ذلك إنما يكون باليمين لا يكون بالشمال، والشمال تستعمل في الأمور التي هي دون ذلك مما فيه إزالة أذىً أو امتهان.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه)]
    قوله:

    [حدثنا محمد بن آدم بن سليمان المصيصي].
    وهو محمد بن آدم بن سليمان المصيصي الجهني صدوق، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
    [حدثنا ابن أبي زائدة].
    ابن أبي زائدة هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثني أبو أيوب -يعني: الإفريقي -].
    أبو أيوب الإفريقي هو عبد الله بن علي صدوق يخطئ، أخرج له أبو داود والترمذي، وكلمة (يعني: الإفريقي) هذه كما ذكرنا مراراً وتكراراً هي زيادة ممن دون التلميذ.
    [عن عاصم].
    هو عاصم بن أبي النجود بهدلة صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وحديثه في الصحيحين مقرون،
    أي:
    أنهما لم يرويا عنه على سبيل الاستقلال وإنما على سبيل التبع.
    [عن المسيب بن رافع].
    المسيب بن رافع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [ومعبد].
    هو معبد بن خالد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن حارثة بن وهب الخزاعي].
    حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن حفصة].
    هي حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
    [شرح حديث: (كانت يد رسول الله اليمنى لطهوره)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثني عيسى بن يونس عن ابن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة قالت: (كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى)].
    أورد أبو داود رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
    (كانت يدر سول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره)،
    يعني:
    كانت لاستعمال الطهور بحيث يدخلها الإناء ويغرف بها بحيث يخرج الماء من الإناء بها لطهوره عندما يريد أن يتوضأ، فإذا أراد أن يتطهر ويتوضأ فإنه يستعمل يده اليمنى في طهوره.وهكذا طعامه.
    قوله: (وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى) يعني: إذا ذهب للخلاء فإنه يستعمل يده اليسرى، وما كان من أذى مثل المخاط وإخراجه من الأنف كل ذلك يكون باليسرى.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (كانت يد رسول الله اليمنى لطهوره)]
    [حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع].
    هو أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وأبو توبة الحلبي هذا هو الذي اشتهرت عنه الكلمة المشهورة في حق الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وفيما يتعلق ب معاوية، وهي أن معاوية رضي الله عنه ستر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اجترأ عليه اجترأ على غيره، ومن تكلم فيه تكلم في غيره.
    ولهذا قال:
    هو ستر لأصحاب رسول الله.
    يعني:
    هو حاجز وحاجب، ومن اجترأ عليه فقد تجاوز ذلك الحجاب،
    بمعنى أنه:
    عرض نفسه وسهل لنفسه أن يتكلم في الصحابة؛ لأنه تكلم في واحد منهم،
    ولذا قال: هو ستر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن اجترأ عليه اجترأ على غيره،
    يعني:
    أن من سهل عليه أو أقدم على الكلام فيه بما لا ينبغي وبما لا يليق فإنه يسهل عليه أيضاً أن يقع في بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهي كلمة عظيمة وواضحة؛ لأن ذلك الصحابي الجليل رضي الله عنه تكلم فيه بعض من لم يوفق ومن خذل ولم يحالفه الصواب، فتكلم فيه وقدح فيه، وهو أحد كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب رسول عليه الصلاة والسلام.والكلام في أي واحد من الصحابة إنما هو علامة على خذلان فاعله، كما قال أبو المظفر منصور السمعاني في كتابه الاصطلاح -وهو رد على أبي زيد الدبوسي من الحنفية-: إن القدح في أحد من الصحابة علامة على خذلان فاعله وهو بدعة وضلالة، فالتكلم في أي واحد من الصحابة إنما هو دليل على سوء المتكلم ودليل على أن المتكلم أقدم على الإضرار بنفسه.ولهذا الحافظ ابن حجر رحمه الله لما جاء عند حديث المصراة في صحيح البخاري وذكر أن بعض الحنفية لا يقولون بمقتضاه فيما يتعلق بكونه يرد الشاة ومعها صاعاً من تمر؛
    لأن أحد الحنفية قال:
    إن الحديث من رواية أبي هريرة، وأبو هريرة ليس في الفقه مثل عبد الله بن مسعود! أبو هريرة له آلاف الأحاديث، وإذا تُكلم فيه في حديث سهل الكلام في الأمور الأخرى، وما الفرق بين حديث وحديث؟
    فالحافظ ابن حجر رحمه الله قال:
    وقائل هذا الكلام إنما آذى نفسه بكلامه.يعني: أنه قال كلاماً أذاه ومضرته عليه هو، وليست على أبي هريرة.
    فالاعتذار الذي حصل من أن الحديث من رواية أبي هريرة وهو في الفقه ليس مثل عبد الله بن مسعود معناه:
    أنه ليس بفقيه، وهذا كلام ساقط وكلام باطل.
    ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وقائل هذا الكلام إنما آذى نفسه وتصوره كافٍ في الرد عليه.
    يعني:
    أنه لا يحتاج إلى رد، بل مجرد تصور هذا الكلام يعرف أنه سيء وأنه كلام ساقط وأنه لا قيمة له، وهذا يغني عن أن الإنسان يشغل نفسه في الرد عليه؛ لأن هذا كلام في غاية السوء.فالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يجب احترامهم وتوقيرهم واعتقاد أنهم خير الناس وأنهم ما كان مثلهم في الماضي ولا يكون مثلهم في المستقبل.
    والذي يتكلم فيهم وقد مضى على عصرهم أزمان معنى هذا:
    أن الحسنات تجري عليهم حتى ممن يقع في نفسه شيء عليهم، فيؤخذ من حسنات المتكلم للذي تكلم فيه،
    كما جاء في حديث المفلس في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع)،
    يعني:
    أن المفلس حقاً هو الذي ليس عنده درهم ولا متاع، نعم هو مفلس في الدنيا لكن المفلس حقاً هو المفلس في الآخرة،
    ولذا النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا وأخذ مال هذا، فيعطى لهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار).ف أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي قال هذه الكلمة العظيمة التي فيها بيان قدر الصحابة، وأن من سهل عليه أن يتكلم في واحد منهم فمن السهل عليه أن يتكلم في غيره.
    [حدثني عيسى بن يونس].
    هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن ابن أبي عروبة].
    ابن أبي عروبة هو سعيد بن أبي عروبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن أبي معشر].
    أبو معشر هو زياد بن كليب الحمصي ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
    [عن إبراهيم].
    هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو يرسل كثيراً.وهنا يروي عن عائشة، وهذا من قبيل المرسل؛ لأن الحديث الذي سيأتي يبين أن هناك واسطة بينه وبينها، وهو الأسود بن يزيد النخعي، وأيضاً هو توفي سنة (96هـ) وعائشة توفيت سنة (59هـ) وعندما توفي كان عمره قريباً من خمسين سنة،
    يعني:
    أنه ما أدرك من حياتها إلا الشيء اليسير، وهي كانت بالمدينة وهو كان بالكوفة.والحديث الذي بعده يوضح هذا؛ لأنه من رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ففيه واسطة، وهذا يبين أنه مرسل،
    والمرسل في اصطلاح المحدثين المشهور فيه:
    أنه قول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه يطلق إطلاقاً عاماً على رواية الراوي عمن لم يدركه أو أدركه ولم يلقه.
    [عن عائشة].
    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق وهي التي حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاسيما بما يتعلق في أمور البيت وما يجري بين الرجل وأهل بيته مما لا يطلع عليه إلا النساء؛ فإن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها حفظت الكثير ووعت الكثير من السنن التي لا يطلع عليها إلا النساء مما كان يجري بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين زوجاته.فهي من أوعية السنة، وقد رفع الله شأنها وأعلى ذكرها وأنزل الله براءتها فيما رميت فيه من الإفك في آيات تتلى من سورة النور، ومع ما أعطاها الله عز وجل من الفضل وما أكرمها به من الرفعة كانت تتواضع لله عز وجل،
    كما جاء في الصحيح أنها رضي الله عنها وأرضاها هجرها رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة طويلة وكان يقول لها:
    (يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفري)،
    ولما أنزل الله براءتها كانت تقول:
    (وكنت أتمنى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرئني الله بها -لأن رؤيا الأنبياء وحي- ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله فيّ آيات تتلى) أي: أنها تقول عن نفسها: أنا لا أستحق أن ينزل فيَّ القرآن، وإنما كانت تتمنى أن يأتي وحي عن طريق المنام، يرى النبي صلى الله عليه وسلم فيه براءتها، ولكن الله برئها مما رميت به بآيات، ولكن هذا يدل على تواضعها.وابن القيم رحمه الله في كتابه (جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام) عندما جاء إلى الكلام على الصلاة الإبراهيمية وعندما جاء في الكلام على آل محمد ذكر كلاماً عن أمهات المؤمنين، وكل واحدة منهن عقد لها فصلاً وأتى بكلاماً يخصها،
    ولما جاء عند عائشة رضي الله عنها وأرضاها وبين ما أكرمها الله تعالى به وأشار إلى تواضعها في قولها:
    (ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله في آيات تتلى)،
    قال معلقاً على كلامها: فما شأن من يصلي ركعتين في الليل ثم يقول: أنا كذا، أو يصوم يوماً من الدهر ويقول: أنا كذا؟!
    يعني:
    أنه يتبجح بعمله، وهي التي أعطاها الله عز وجل من الإكرام ما أعطاها ومع ذلك تتواضع،
    كما قال الله عز وجل في حق أوليائه:
    {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}،
    أي:
    يؤتون ما آتوا من الأعمال الصالحة ويتقربون له بالأعمال الصالحة ومع ذلك قلوبهم وجلة، وهم وجلون خائفون ألا يتقبل منهم، {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون:60]،
    فهذا هو شأن أولياء الله:
    جمعوا بين العمل والمخافة والتواضع.
    [طريق أخرى لحديث: (كانت يد رسول الله اليمنى لطهوره) وتراجم رجال إسنادها]
    قال المصنف رحمه الله: [حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن أبي معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه].أورد أبو داود رحمه الله هذه الطريق الثانية التي ساق إسنادها وأحال متنها إلى المتن المتقدم،
    أي:
    بمعنى الحديث المتقدم أو المتن المتقدم.
    والإسناد هو نفس الإسناد المتقدم إلا أن فيه بين إبراهيم وعائشة الأسود،
    يعني:
    أن الإرسال الذي في الإسناد الأول أمن وعرف الواسطة فيه وهو الأسود بن يزيد النخعي.قوله:
    [حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع].
    محمد بن حاتم بن بزيع ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
    [حدثنا عبد الوهاب بن عطاء].
    عبد الوهاب بن عطاء صدوق يخطئ، أخرج حديثه البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
    [حدثنا سعيد].
    سعيد هو بن أبي عروبة؛
    لأنه في الإسناد الأول قال:
    ابن أبي عروبة فذكره منسوباً ولم يذكر اسمه، وفي الإسناد الثاني ذكر اسمه وما ذكر نسبته، وسعيد الذي في الإسناد الثاني هو ابن أبي عروبة الذي في الإسناد الأول؛
    لأنه في الإسناد الأول ما ذكر اسمه وإنما تلميذه روى عنه بقوله:
    ابن أبي عروبة، وأما تلميذه في الإسناد الثاني فذكره باسمه سعيد،
    وما قال:
    ابن أبي عروبة.فمعرفة الأشخاص بأنسابهم وأسمائهم وألقابهم وكناهم من الأمور المهمة، والإنسان إذا عرف ذلك يأمن الخطأ في أن يظن أن الشخص الواحد شخصان؛ لأن الذي لا يعرف هذه الأمور إذا جاء ابن أبي عروبة في إسناد وجاء سعيد في إسناد آخر فإنه يظن هذا شخصاً وهذا شخصاً آخر مع أنهما شخص واحد، وإنما ذكر باسمه غير منسوب مرة وذكر بنسبه غير مسمى مرة أخرى، فذكر بنسبه غير مسمى في الإسناد الأول وذكر في الإسناد الثاني مسمى غير منسوب.
    [عن الأسود]
    .الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    الاستتار في الخلاء
    [شرح حديث: (ومن أتى الغائط فليستتر)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستتار في الخلاء.حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس عن ثور عن الحصين الحبراني عن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره؛ فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج).
    قال أبو داود:
    رواه أبو عاصم عن ثور قال: حصين الحميري، ورواه عبد الملك بن الصباح عن ثور فقال: أبو سعيد الخير.
    قال أبو داود:
    أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم].أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة (باب الاستتار في الخلاء)،
    يعني:
    أنه إذا ذهب الإنسان يقضي حاجته في فضاء وفي خلاء فإنه يبحث عن شيء يستتر به يجعله أمامه؛ بحيث إنه لو مر أحد فإنه لا يرى عورته، فالاستتار مطلوب، والنبي صلى الله عليه وسلم بال في أصل جدار،
    يعني: جعله ستراً له،
    وكذلك جاء في حديث ابن عمر:
    (أنه أناخ راحلته واستقبلها وجعلها أمامه)،
    يعني:
    جعلها ستراً له، فالاستتار مطلوب عند قضاء الحاجة.فإذا لم يكن في الأماكن المخصصة كالتي في البيوت وغيرها وإنما كان في العراء أو في الخلاء أو في الأماكن البارزة التي يمكن أن يرى الناس فيها الإنسان إذا قضى حاجته فإنه يستتر بأن يجعل أمامه شيئاً إما حجرة أو شجرة لا يستظل بها؛ لأنه ورد النهي عن التخلي في ظل الناس، وأن ذلك لا يجوز، لكن يجوز تحت الشجرة الصغيرة التي يجعلها الإنسان سترة له أو فيها ظل لا يحتاج الناس إليه؛ لأنه ظل ليس بواسع وإنما هو قليل، فمثل ذلك لا بأس بجعله سترة، والاستتار مطلوب.وقد أورد فيه أبو داود رحمه الله حديثاً لا يصح؛ لأن في إسناده مجهولاً أو مجهولين؛ فهو غير ثابت، ولكن الاستتار ثابت ومطلوب، وفائدته معروفة ومحققة.
    والحديث الذي أورده أبو داود في هذه الترجمة هو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اكتحل فليوتر)،
    أي:
    فليكتحل وتراً، والوتر هو واحد ثلاثة خمسة، هذا هو الوتر، فهناك أوتار وأشفاع، ولكن ليكن انتهاؤه بوتر أو ختامه بوتر.
    قوله:
    [(من فعل فقد أحسن)
    يعني:
    من أوتر عند اكتحاله فقد أحسن.
    قوله:
    [(ومن لا فلا حرج عليه)
    يعني:
    ومن لم يوتر بمعنى أنه جعله شفعاً ولم يجعله وتراً فلا بأس.
    قوله: [(ومن استجمر فليوتر)] أي: قطع الخارج أو أثر الخارج بالجمار،
    وهي:
    الحجارة،
    ويقال له:
    استجمار لأنه مأخوذ من استعمال الحجارة في إزالة آثار الخارج من بول أو غائط،
    وقيل له:
    استجمار لأنه فعل للجمار وهي الحجارة.
    ولهذا يقال للحصى الذي يرمى به الجمار في منى:
    جمار،
    فقوله:
    (من استجمر) يعني: من استعمل الحجارة في قضاء الحاجة (فليوتر)،
    يعني: فليكن استجماره وتراً.وقد سبق أن مر بنا أنه لا يستنجي الإنسان بأقل من ثلاثة أحجار.
    قوله:
    [(ومن أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبلع)
    يعني:
    إذا خلل أسنانه وأخرج شيئاً من أسنانه فإنه يلفظه، وما كان كان في لسانه فإنه يبلعه.
    قوله: [(ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره)].هذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث للترجمة،
    فقوله: (فمن أتى الخلاء فليستتر)،
    يعني:
    من ذهب إلى قضاء الحاجة في مكان خالٍ وفي مكان في فضاء فليجعل أمامه شيئاً يستره.
    قوله: [(فإن لم يجد إلا يجمع كثيباً من رمل فليستدبره)].
    يعني: فإن لم يجد شيئاً يستره فليجمع كثيباً من رمل وذلك بأن يلم التراب حتى يبرز أمامه ويقضي حاجته وراءه،
    ثم قال:
    (من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج عليه) لكن الاستتار كما هو معلوم قد جاء في غير هذا الحديث كما أشرت إلى ذلك آنفاً.
    قوله:
    [(فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم)] وهذا كما هو معلوم أن الشياطين تحضر في أماكن قضاء الحاجة، ولهذا سبق أن مر أن هذه الحشوش محتضرة،
    يعني:
    تحضرها الشياطين، ولأن الحالة التي يكون الإنسان عليها لا يذكر فيها الله عز وجل، وهم يأتون إلى الأماكن التي لا ذكر لله عز وجل فيها وإلى الأماكن القذرة.ولهذا شرع أن يقال عند دخول الخلاء: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
    [تراجم رجال إسناد حديث: (ومن أتى الغائط فليستتر)]
    [قال أبو داود: رواه عاصم عن ثور قال: حصين الحميري].
    يعني: بدل حصين الحبراني؛
    لأنه قال في الأول:
    الحبراني،
    وهنا قال:
    الحميري، والحميري والحبراني بمعنى واحد؛ لأن حبران فخذ من حمير، فهي نسبة خاصة ونسبة عامة مثل أبو إسحاق السبيعي الهمداني: السبيعي نسبة خاصة والهمداني نسبة عامة؛ لأن سبيع من همدان، وهكذا حبران هم من حمير، فإذا جاء في بعض المواضع حبراني وجاء في بعضها حميري فالمؤدى واحد؛ لأن حمير نسبة عامة وحبران نسبة خاصة.
    والحاصل:
    أن أبا داود رحمه الله أراد أن يبين اللفظ الذي جاء عن أبي ثور من طريق أبي عاصم، وأنه عبر بـ الحميري بدل الحبراني في الإسناد المتقدم.
    [ورواه عبد الملك بن الصباح عن ثور فقال: أبو سعيد الخير]
    أي: أضاف إليه الخير.
    [قال أبو داود: أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم].
    [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي].
    إبراهيم بن موسى الرازي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [أخبرنا عيسى بن يونس].
    عيسى بن يونس مر ذكره.
    [عن ثور].
    هو ثور بن يزيد الحمصي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.
    [عن الحصين الحبراني].
    الحصين الحبراني هو الحميري، وقد عرفنا أنه لا فرق بينهما، وهو مجهول، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
    [عن أبي سعيد].
    وأبو سعيد هذا هو حبراني أيضاً، وهو مجهول، وحديثه أخرجه أبو داود وابن ماجة،
    فـ أبو داود ذكر أن عبد الملك بن الصباح رواه وقال:
    أبو سعيد الخير،
    ثم قال أبو داود:
    أبو سعيد الخير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    والحافظ ابن حجر في التقريب قال:
    إن هذا غير هذا، وقد وهم من خلط بينهما، بل هذا شخص وهذا شخص، فـ أبو سعيد الخير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الذي في الإسناد فهو أبو سعيد الحبراني مجهول، وحديثه أخرجه أبو داود وابن ماجة.
    [عن أبي هريرة].
    أبو هريرة رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
    وقوله:
    [رواه أبو عاصم عن ثور].
    أبو عاصم الضحاك بن مخلد، وهناك أبو عاصم خشيش بن أصرم النسائي، لكن خشيش بن أصرم مات سنة (253هـ) والضحاك بن مخلد مات سنة (21هـ) أو بعدها، فبين وفاتيهما فترة، وعلى هذا فيكون هو الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، وهو من أتباع التابعين،
    وهو الذي روى عنه البخاري عدداً من الأحاديث الثلاثية التي بين البخاري فيها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص:
    صحابي وتابعي وتابع تابعي.فـ أبو عاصم النبيل هو من أتباع التابعين، وهو الذي يمكن أنه يروي عن ثور بن يزيد الحمصي.والضحاك بن مخلد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [ورواه عبد الملك بن الصباح].
    عبد الملك بن الصباح صدوق،
    قال في التقريب:
    أخرج له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.ولم يذكر أبا داود مع أنه موجود عند أبي داود في هذا الإسناد، فكأنه يرى أنه ليس من رواته، وإنما ذكر هذه الرواية تعليقاً وتنبيهاً فقط على الرواية المتقدمة.فلا أدري هل الأشخاص الذين يأتون هكذا لا يذكرون أو أنه سها عن ذلك، والمسألة تحتاج إلى معرفة الاصطلاح.وأبو عاصم كما هو معلوم له أحاديث كثيرة عند أبي داود بطريقة متصلة لكن عبد الملك هو الذي ما ذكر أنه روى له أبو داود، فهذا يحتاج إلى معرفة اصطلاح المزي هل ترك مثل هؤلاء أم لا؟ لأنه لا أحد يذكر تعليقاً إلا البخاري، وأما غيره فلا يذكر، لكن هل هذه الإشارة يغفلونها نهائياً ولا يعتبرون الرجل من رجال أبي داود؟ يحتاج هذا الأمر إلى أن يبحث.
    وأبو داود قال: أبو سعيد الخير هو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو بناءً على هذا، لكن كلام الحافظ ابن حجر يفيد بأن هناك خطأً، وأن هذا شخص آخر ليس الذي في هذا الإسناد، وأن من جمعهما وخلط بينهما فقد أخطأ،
    والذي في الإسناد ذكره الحافظ ابن حجر في التقريب وقال: إنه مجهول، كتلميذه الذي هو الحصين الحبراني، فهذا مجهول وهذا مجهول،
    وكل منهما ليس له إلا هذا الحديث أيضاً في هذين الكتابين:
    كتاب أبي داود وكتاب ابن ماجة، لكن أبا سعيد الخير ذكر تمييزاً، فـ الحافظ لما ذكر ترجمة لـ أبي سعيد الخير ما رمز لأحد خرج له،
    فإنه قال:
    أبو سعيد الحبراني،
    بضم المهملة الحمصي ويقال:
    أبو سعيد الخير،
    اسمه زياد وقيل: عامر وقيل: عمر، مجهول من الثالثة.
    ثم قال:
    أبو سعيد الخير الأنماري صحابي له حديث، وقد وهم من خلطه بالذي قبله ووهم أيضاً من صحف الذي قبله به.تمييز.
    يعني: أن أبا سعيد هذا هو الحبراني وهو المجهول.وأما أبو سعيد الخير فله حديث واحد، ولكن ما ذكر من الذي رواه،
    وإنما رمز له بقوله:
    تمييز،
    يعني:
    أنه له حديث واحد ليس في الكتب الستة.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المواضع التي نهي عن البول فيها

    صــ 1إلى صــ 24
    الحلقة (19)

    شرح سنن أبي داود [011]
    لقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالطهارة والنظافة عند التبول أو التبرز،
    ونهانا أن نستنجي بأحد ثلاثة أشياء:
    برجيع أو عظم أو حممة؛ وعلل ذلك بأن هذه الأشياء هي من طعام الجن وعلف دوابهم، والطهارة من النجاسة واجبة، ويكون ذلك بالاستنجاء بالماء أو بالحجارة، فكل ذلك جائز ووارد.
    ما ينهى عنه أن يستنجى به
    [شرح حديث: (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:
    [باب ما ينهى عنه أن يستنجى به.حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني حدثنا المفضل
    - يعني: ابن فضالة المصري -
    عن عياش بن عباس القتباني:
    أن شييم بن بيتان أخبره عن شيبان بن أمية أن مسلمة بن مخلد استعمل رويفع بن ثابت على أسفل الأرض قال شيبان: فسرنا معه من كوم شريك إلى علقماء أو من علقماء إلى كوم شريك، يريد علقام،
    فقال رويفع:
    (إن كان أحدنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح،
    ثم قال:
    قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً -صلى الله عليه وسلم- منه بريء)
    ].أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله باب ما نهي عنه أن يستنجى به.وهذه الترجمة معقودة لأمور نهي عن الاستنجاء بها، وقد مرت أحاديث فيها النهي عن أشياء يستنجى بها، ولكنها جاءت من أجل الاستدلال على أمور أخرى غير الذي يستنجى به، وهذه الترجمة معقودة لما نهي أن يستنجى به.
    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث رويفع بن ثابت رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:
    (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعد، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً -صلى الله عليه وسلم- بريء منه).
    والمقصود بالترجمة هو قوله في آخر الحديث: (أو استنجى برجيع أو عظم)، وأما الباقي فإنه لا علاقة له بالترجمة، وإنما يدل على أمور أخرى لا علاقة لها بالترجمة، وإيراد الحديث إنما هو من أجل الجملة الأخيرة؛ لأنه اشتمل على ثلاث جمل كلها إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه بريء ممن فعلها، وآخرها كونه استنجى برجيع دابة أو عظم.
    قوله: [(من عقد لحيته)].
    فسر بتفسيرين: أحدهما: أنهم كانوا في الجاهلية في الحرب يفتلون لحاهم ويعقدونها.
    الثاني: أنه معالجة الشعر حتى ينكمش ويتجعد ويتعقد بدلاً من أن يسترسل، فيحتمل هذا ويحتمل هذا.
    قوله: [(أو تقلد وتراً)].
    وهو:
    ما يجعل على الدواب في رقابها.
    وقيل:
    إن المقصود من ذلك: أنهم كانوا يجعلون فيها تمائم وتعويذات يستعيذون بها لتدفع الآفات وترد الأمور المكروهة، وهذه عقيدة جاهلية وأمور منكرة ومحرمة، فلا يعول الإنسان إلا على الله عز وجل في جلب النفع ودفع الضر، ولا يجوز تعليق التمائم أو غيرها من أجل أنه يدفع المكروه والآفات؛ فإن هذا من الأمور المحرمة التي لا يسوغ تعاطيها ولا يسوغ الإقدام عليها.
    قوله: [(أو استنجى برجيع دابة أو عظم)]، إذا كانت الدابة مما يؤكل لحمه فهو ممنوع الاستنجاء برجيعها؛ لأنه جاء ما يدل على أن الروث يكون علفاً لدواب الجن، والعظم يكون طعاماً للجن، وأما إذا كان من غير مأكول اللحم فإنه نجس، والنجاسة لا تزال بالنجاسة، فما يؤكل لحمه كالإبل والبقر والخيل وغير ذلك من مأكول اللحم فهذا هو الذي يكون رجيعه علفاً لدواب الجن، وأما ما لا يؤكل لحمه فأرواثه نجسة، فلا تزال بها النجاسة؛ لأنها تزيد النجاسة نجاسة، ويمكن أيضاً أنها تنشر النجاسة في أماكن أخرى غير المكان الذي عليه النجاسة في الأصل.
    قوله:
    [(فإن محمداً -صلى الله عليه وسلم- بريء منه)]، هذا يدل على تحريم ذلك،
    وفيه: أن هذه الأمور التي وصف من فعلها بأن النبي صلى الله عليه وسلم بريء منه من الكبائر، وأنها حرام، وأنها لا تسوغ ولا تجوز.
    وفي الحديث قصة وهي:
    أن مسلمة بن مخلد كان أميراً لـ معاوية على مصر فاستناب رويفع بن ثابت على جزء من أرض مصر، وكان شييم بن بيتان صاحب رويفع رضي الله عنه، فلما ذهب إلى البلد الذي عين فيه والذي استنيب فيه من قبل والي مصر مسلمة بن مخلد،
    كان يمشي هو وإياه في الطريق إلى ذلك المكان الذي يقال له:
    علقام، وكانا يسيران من بلد إلى بلد،
    من كوم شريك إلى علقماء أو من علقماء إلى كوم شريك يريد علقام يعني:
    يريد البلد الذي أسند إليه القيام بولايته، فكانا في هذه المسافة التي بين هاتين البلدتين في أثناء الطريق يتحدثان بهذا الحديث أو بهذا الكلام،
    أي:
    أنه في مسافة معينة من الطريق من هذا البلد إلى هذا البلد في أثناء الطريق حدث بهذا الحديث،
    فقال:
    (إنا كنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ أحدنا النضو)،
    والنضو:
    هو البعير الذي يكد ويعمل عليه، وقد هزل بسبب العمل عليه، فكان أحدهم يأخذ البعير على النصف مما يغنم، على أن صاحب البعير -الذي هو مالكه- له نصف ما ينتج من الفوائد عن طريق استعمال هذا البعير، والذي استعمله واستأجره له النصف، وهذا يدل على جواز مثل هذه المعاملة.
    فمثلاً:
    كون الإنسان عنده سيارة ويعطيها إنساناً ليستعملها بالأجرة، وما حصل من ريع أو نقود لكل واحد منهما جزء، هذا له النصف، وهذا له النصف، أو هذا له الربع وهذا له ثلاثة أرباع، المهم أن يكون هناك نسبة معلومة بحيث يكون كل واحد منهما له نصيب من الريع والناتج الذي ينتج بسبب هذا العمل فهذا يدل على جواز ذلك.
    وقد أجازه بعض أهل العلم ومنعه كثير من أهل العلم وقالوا:
    إن ذلك لا يجوز إلا بأجرة المثل، لكن هذا العمل الذي جاء عن رويفع أنهم كانوا يفعلونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن ذلك جائز، ثم أيضاً هو شبيه بالمضاربة التي أجمع المسلمون عليها، وهي كون الإنسان يدفع المال إلى عامل ليعمل به وما حصل من ربح فهو بينهما على النسبة التي يتفقان عليها.هذه معاملة كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، وهي محل إجماع بين أهل العلم لا خلاف بينهم في ذلك، وهي مثل المزارعة والمساقاة،
    والمزارعة هي:
    أن الإنسان يعطي الأرض لشخص يزرعها على النصف مما يخرج منها أو يعطيه نخلاً ليسقيه على النصف من الثمرة، وذلك جائز، وقد جاء في ذلك قصة خيبر، ومعاملة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود في خيبر، وأنه عاملهم على نصف ما يخرج منها من ثمر أو زرع.فكون الإنسان يدفع دابته أو سيارته إلى إنسان ليستعملها في الأجرة وما حصل من ريع ونتاج وفائدة تكون بينهما على النصف لا بأس بذلك؛ لأن هذا من جنس المضاربة، ومن جنس المزارعة والمساقاة، والمضاربة مجمع عليها، والمساقاة والمزارعة فيها خلاف بين أهل العلم، لكن النصوص جاءت في جوازها، وذلك في قصة خيبر.فاستعمال الدابة أو السيارة على أن الإنسان يعمل بها وما حصل من شيء فهو بينهما، أو يؤجرها بالنقود وما حصل من شيء بينهما لا بأس بذلك، هذا هو الصحيح في هذه المعاملة؛ لأنه وجد ما يدل على ذلك، ومنه ما جاء في قصة رويفع أنهم كانوا يفعلون ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أن ذلك مماثل للمضاربة، وقد أجمع أهل العلم عليها، ومماثل للمزارعة والمساقاة، وقد جاء ما يدل عليها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    قوله:
    [(وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح)] يعني: أنه عند القسمة يكون لهذا هذا الشيء، ولهذا هذا الشيء، وفي هذا دليل على أنه ما يمكن أن يقسم قسمته عندما يطلب أحد الشريكين القسمة، أما إذا كان الشيء لا يصلح للقسمة ولا يقبل القسمة فإن هذا لا سبيل إلا بيعه، ثم يقتسمون نقوده على حسب النسبة، وعلى حسب الملك للأصل، فإذا كان أنصافاً يقتسمون القيمة أنصافاً، وإذا كان ثلثاً وثلثين فيقتسمونها على هذا الأساس.فالأصل في القسمة أن ما يمكن قسمته وطلب أحد الشريكين القسمة فإنه يقسم، وأما إذا كان لا يقبل القسمة أو كان في قسمته مضرة فإنه يباع وتقسم قيمته.
    ثم بعد ذلك أخبر عما حدثه به رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (يا رويفع! لعل الحياة تطول بك فأخبر الناس)، وقد طالت الحياة بـ رويفع رضي الله عنه، وعُمِّر، وحصل ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن الحياة تطول بـ رويفع وحدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي)]
    قوله:

    [حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني].
    يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني شيخ أبي داود، وقد أطال في نسبه، وقد ذكرنا أن التلميذ يذكر نسب شيخه كما يريد، فيمكن أن يختصره، ويمكن أن يطوله، ويمكن أن يذكره باسمه فقط ولا يضيف إلى ذلك شيئاً إذا كان معروفاً ومشهوراً، ويمكن أن ينسبه ويطيل في نسبه كما فعل أبو داود هنا؛ فإنه أطال في نسبه، وأحياناً لا يزيد على كلمتين، وإنما يذكر اسمه واسم أبيه.وقد سبق أن مر بنا أن من دون أبي داود أحياناً يضيف في نسبة شيخ أبي داود ويأتي بكلمة (يعني) أو (هو) ابن فلان، كما سبق ذكر ذلك وبيانه.فالحاصل أن التلميذ يذكر شيخه إما مختصراً نسبه، وقد يذكر اسمه فقط، وكثيراً ما يأتي من هذا القبيل، وإما قد يذكره ويطيل في نسبه كما فعل أبو داود هنا، لكن إذا اختصر نسبه، وأراد أحد ممن دون التلميذ أن يوضح فيزيد، ولكن بعبارة تشعر بأن الزيادة ممن دون التلميذ وهي إما (هو) وإما (يعني).
    [ويزيد بن خالد].
    هذا ثقة أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
    [حدثنا المفضل يعني: ابن فضالة المصري].
    المفضل بن فضالة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    ويزيد بن خالد الذي هو شيخ أبي داود والذي أطال في ذكر نسبه ما زاد في ذكر شيخه على أن قال: المفضل فقط ولم ينسبه، فهو مهمل،
    فجاء أبو داود أو من دون أبي داود فقال: ابن فضالة وأتى بكلمة (يعني).
    [عن عياش بن عباس القتباني].
    عياش بن عباس القتباني، ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن، وعياش وعباس من الألفاظ المتقاربة في الرسم والشكل، وإنما الفرق بينهما في النقط.والتصحيف والتحريف يأتي في مثل هذه الألفاظ المتقاربة التي رسمها واحد وشكلها واحد، ويسمونها المؤتلف والمختلف،
    أي:
    ما تتفق فيه الألفاظ من حيث الرسم والشكل وتختلف في النطق؛ لأن رسمها متقارب، والفرق إنما هو في النقط والنطق.
    [أن شييم بن بيتان أخبره].
    شييم بن بيتان، ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.
    [عن شيبان القتباني].
    شيبان بن أمية أبو حذيفة ذكره أبو داود في آخر الإسناد، وهو مجهول، أخرج حديثه أبو داود وحده.
    [عن رويفع].
    رويفع بن ثابت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي.
    [طريق أخرى لحديث: (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي) وتراجم رجال إسناده]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يزيد بن خالد حدثنا مفضل عن عياش أن شييم بن بيتان أخبره بهذا الحديث أيضاً عن أبي سالم الجيشاني عن عبد الله بن عمرو يذكر ذلك وهو معه مرابط بحصن باب أليون.قال أبو داود: حصن أليون على جبل بالفسطاط، قال أبو داود: وهو شيبان بن أمية يكنى أبا حذيفة].
    أورد أبو داود رحمه الله إسناداً آخر عن عبد الله بن عمرو بن العاص بمثل ما جاء في الإسناد المتقدم والمتن المتقدم.
    والمقصود منه: أن شييم بن بيتان رواه عن شيبان وعن أبي سالم الجيشاني، وبهذا يتبين أن الحديث سليم وصحيح؛ لأن في الإسناد الأول مجهولاً، لكن جاء في الإسناد الثاني ما يرفع ضعف الحديث، وعلى هذا فالحديث ثابت؛ لأنه جاء من طريق أخرى.فليس التعويل على الطريق الأولى التي فيها رجل مجهول وهو شيبان بن أمية؛ لأن هذه الطريق التي فيها مجهول جاءت من طريق لا جهالة فيها، بل رجالها ثقات، فالإسناد هو نفس الإسناد إلا أنه بعد شييم جاء إسناد آخر غير إسناد شيبان الذي هو مجهول، وبذلك يصح الحديث.
    وأحال بالمتن على ما تقدم فقال: أخبره بهذا الحديث أيضاً.
    قوله:
    [يذكر ذلك وهو معهم مرابط]،
    يعني:
    يذكر المكان الذي حدثه به وهو مرابط، وهو حصن باب أليون، وفسره بعد ذلك بأنه حصن على جبل.
    قوله: [حدثنا يزيد بن خالد حدثنا مفضل عن عياش عن شييم بن بيتان عن أبي سالم الجيشاني].هؤلاء مر ذكرهم في الإسناد السابق الذي وصل إلى شييم بن بيتان، ثم صار هناك طريق آخر عن أبي سالم الجيشاني وهو سفيان بن هانئ، ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي،
    ويقال:
    له صحبة.والمخضرم: هو الذي أدرك الجاهلية والإسلام ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، وأما إذا لقي النبي صلى الله عليه وسلم فيكون صحابياً.
    [عن عبد الله بن عمرو].
    عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، صحابي جليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
    والعبادلة هم:
    عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير بن العوام وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، وأحاديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    [شرح حديث: (نهانا رسول الله أن نتمسح بعظم أو بعر)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا روح بن عبادة حدثنا زكريا بن إسحاق حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتمسح بعظم أو بعر)].
    أورد أبو داود رحمه الله حديث جابر وفيه: النهي عن شيء يستنجى به وهو العظم والبعر،
    والبعر:
    هو الروث،
    يعني:
    روث ما يؤكل لحمه، وهو كما تقدم.
    وقوله:
    (نتمسح) يعني: نستنجي.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (نهانا رسول الله أن نتمسح بعظم أو بعر)]
    قوله:
    [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل].
    أحمد بن محمد بن حنبل الإمام الفقيه المحدث المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو آخر الأئمة الأربعة في الزمن؛ لأن وفاته كانت في سنة (241هـ) وأولهم أبو حنيفة توفي سنة (150هـ) ومالك توفي بعده سنة (179هـ) والشافعي توفي سنة (204هـ) فهذه سنوات وفيات هؤلاء الأئمة الأربعة.وبعض الناس يستعمل في هذا حروف أبجد بدلاً من ذكر السنين؛ لأنها تكون أخصر وأسهل في الحفظ، وإذا عرف الكلمة ثم فكها وعرف مقدار الأعداد التي تخرج منها يكون بذلك قد عرف سنة الوفاة، ويستعمل بعض الشعراء ذلك بأن يذكر الكلمات استغناءً عن ذكر الأرقام والأعداد.
    وقد ذكر بيت من أبيات الشعر فيه وفيات الأئمة الأربعة بحروف الأبجد قال فيه الشاعر: فـ نعمان هم قن وطعق لـ مالك وللشافعي در ورام ابن حنبل فـ نعمان هم قن قن: يعني: قاف ونون مائة وخمسين.وطعق لـ مالك طاء وعين وقاف تصير مائة وتسعة وسبعين.وللشافعي در دال وراء تساوي مائتين وأربعة.ورام ابن حنبل تكون مائتين وواحداً وأربعين.فهذا بيت اشتمل على وفيات الأئمة الأربعة بالحروف الأبجدية.وأصحاب الكتب الستة كلهم خرجوا حديثه.
    [حدثنا روح بن عبادة].
    روح بن عبادة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا زكريا بن إسحاق].
    زكريا بن إسحاق، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [حدثنا أبو الزبير].
    أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، فقيه يدلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [أنه سمع جابر بن عبد الله].
    جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    وهذا الحديث رجال إسناده كلهم من رجال الكتب الستة:
    الإمام أحمد بن حنبل عن روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن أبي الزبير عن جابر، هؤلاء كلهم خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة، فالحديث مسلسل بالرواة الذين خرج لهم أصحاب الكتب الستة.
    [شرح حديث: (قدم وفد الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا حيوة بن شريح الحمصي حدثنا ابن عياش عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن مسعود قال: (قدم وفد الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد! انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة؛ فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقاً، قال: فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك)].
    أورد أبو داود رحمه الله حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن وفد الجن جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن ينهى أمته عن أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة، والعظم والروث سبق أن تكلمنا عليهما،
    والحممة قيل:
    إنها العظام التي أحرقت أو الأخشاب التي قد أحرقت، ولكن الذي يناسب ما جاء في قصة الجن هو العظام، وأيضاً إذا كانت قد أحرقت فبالإضافة إلى أن فيها إفساداً لطعام الجن، فكذلك لا يحصل المقصود منها إذا استنجى بها؛ وذلك لاحتراقها ولتفتتها، فلا يمكن الاستفادة منها في هذا المجال الذي هو الاستنجاء وقطع الخارج.وفي هذا دليل على أن التعليل للنهي عن الاستنجاء بالروث والعظام أنه طعام الجن،
    وقد جاء في بعض الأحاديث: أن الله يجعل على العظم شيئاً من اللحم يستفيد منه الجن، ويجعل على الروث شيئاً تستفيد منه دواب الجن.
    قوله:
    [(انه أمتك)] المقصود: انه الإنس؛ وإلا فإن الجن من أمته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس،
    فالمراد: أمتك الذين هم من جنسك،
    أي:
    من البشر.
    يتبع


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,905

    افتراضي رد: شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن أبي داود
    (عبد المحسن العباد)

    المواضع التي نهي عن البول فيها

    صــ 1إلى صــ 24
    الحلقة (20)

    [تراجم رجال إسناد حديث: (قدم وفد الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم)]

    قوله:
    [حدثنا حيوة بن شريح الحمصي].
    حيوة بن شريح الحمصي، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة.وهناك حيوة بن شريح المصري وهو فوقه، فإن طبقة الحمصي متأخرة، وأما حيوة بن شريح المصري فطبقته متقدمة، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة ولم يخرج له النسائي، ولهذا لم يمر بنا في سنن النسائي أن من شيوخه حيوة بن شريح.
    [عن ابن عياش].
    إسماعيل بن عياش الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، وإذا روى عن غيرهم يكون مخلطاً، وهنا روايته عن أهل بلده؛ لأنه حمصي، والذي روى عنه حمصي، أخرج حديثه البخاري في (رفع اليدين) وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن يحيى بن أبي عمرو السيباني].
    يحيى بن أبي عمرو السيباني، ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة.
    [عن عبد الله بن الديلمي].
    عبد الله بن فيروز بن الديلمي، ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
    [عن عبد الله بن مسعود]
    .
    عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين، وهو من فقهاء الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة،
    وبعض العلماء يقول:
    إنه أحد العبادلة الأربعة، ولكن المشهور أن العبادلة الأربعة ليس فيهم عبد الله بن مسعود؛ لأنهم من صغار الصحابة وكانوا في أسنان متقاربة، وأما عبد الله بن مسعود فهو من كبار الصحابة، وهو ممن تقدمت وفاته؛ لأنه توفي سنة (32هـ)، وأما أولئك فقد عاشوا وأدركهم جم غفير لم يدركوا عبد الله بن مسعود، فالصحيح أنهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير.
    الاستنجاء بالحجارة
    [شرح حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائظ فليذهب معه بثلاثة أحجار)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [باب الاستنجاء بالحجارة.حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن مسلم بن قرط عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن؛ فإنها تجزئ عنه)].
    أورد أبو داود رحمه الله باب الاستنجاء بالحجارة،
    والاستجمار:
    هو الاستنجاء والاستطابة، وهذان اللفظان يستعملان أو يطلقان على ما يحصل بالماء وعلى ما يحصل بالحجارة؛
    لأن هذا كله يقال له:
    استنجاء واستطابة، فإذا استعمل الماء فهو استطابة، وإن استعمل الحجارة فهو استنجاء، وهو استطابة، فالاستطابة تحصل سواء بالماء أو بالحجارة،
    كل ذلك يقال له:
    استطابة، لكن الاستجمار إنما يكون بالحجارة فقط ولا يكون بالماء؛ لأنه مأخوذ من استعمال الجمار، وهو استعمال الحصى في إزالة الخارج، والجمار هو الحصى، فهو خاص بإزالتها بالحجارة، أما الاستنجاء والاستطابة فإنها تصلح للماء وللحجارة،
    وهنا قال:
    الاستنجاء بالحجارة، فعبر بالاستنجاء لأنه يكون بالماء ويكون بالحجارة، والاستنجاء مأخوذ من النجو وهو القطع، وقطع أثر الخارج يكون بالماء ويكون بالحجارة، فهذا هو معنى الاستنجاء.
    أورد أبو داود رحمه الله حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليأخذ ثلاثة أحجار؛ يستطيب بهن؛ فإنها تجزئ عنه) يعني: يستنجي بهن؛ لأن الاستطابة والاستنجاء بمعنى واحد وتستعمل للماء وللحجارة.
    وقوله: (فليأخذ) يدل على أن الإنسان يحرص على أن يحصل على هذا الذي يكون به قطع الخارج، فإذا ذهب الإنسان إلى الخلاء فليأخذ معه ثلاثة أحجار إذا كانت الأرض التي ذهب إليها ليس فيها حجارة، لكن إذا كانت الأرض التي ذهب إليها فيها حجارة فليأخذ من الأرض التي ذهب إليها.وهذا الحديث فيه دلالة على استعمال الحجارة واستعمال الثلاث، وأنه لا يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، إلا إذا كان الحجر كبيراً وله ثلاث شعب فإن كل شعبة بمنزلة الحجر،
    كما قال بعض أهل العلم:
    إذا استنجى بحجر كبير له ثلاث شعب فإن ذلك يقوم مقام الثلاثة الأحجار.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار)]
    قوله:
    [حدثنا سعيد بن منصور].
    سعيد بن منصور، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [وقتيبة بن سعيد].
    قتيبة بن سعيد بن جميل البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن].
    يعقوب بن عبد الرحمن هو القاري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
    [عن أبي حازم].
    أبو حازم هو سلمة بن دينار مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن مسلم بن قرط].
    مسلم بن قرط، مقبول، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
    [عن عروة].
    عروة بن الزبير بن العوام، ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
    [عن عائشة]
    عائشة رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    [شرح حديث: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:
    [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع).قال أبو داود كذا رواه أبو أسامة وابن نمير عن هشام يعني: ابن عروة].
    أورد أبو داود رحمه الله حديث خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستطابة، فقال بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع) يعني: ليس فيها روث مطلقاً، ولكن المقصود الذي يكون طاهراً وهو رجيع ما يؤكل لحمه، هذا هو الذي يكون طاهراً، وأما إذا كان نجساً فإنه لا يزيد النجاسة إلا نجاسة.وقد سبق أن مر أنه لا يستنجي بعظم ولا روث؛ لأنها طعام الجن ودوابهم.
    قال أبو داود:
    [كذا رواه أبو أسامة وابن نمير عن هشام يعني: ابن عروة].
    هذه إشارة إلى أن هناك طريقاً أخرى مثل الطريق السابقة.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع)]
    قوله:
    [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي].
    عبد الله بن محمد النفيلي، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.
    [حدثنا أبو معاوية].
    أبو معاوية محمد بن خارم بن الضرير الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن هشام بن عروة].
    هشام بن عروة بن الزبير، ثقة ربما دلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن عمرو بن خزيمة].
    عمرو بن خزيمة، مقبول، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
    [عن عمارة بن خزيمة].
    عمارة بن خزيمة، ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
    [عن خزيمة بن ثابت].
    خزيمة بن ثابت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب الشهادتين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين، وهذا من خصائصه رضي الله تعالى عنه،
    وفي ذلك قصة وهي:
    أن النبي صلى الله عليه وسلم حصل بينه وبين أعرابي بيع وشراء،
    فالأعرابي قال له النبي صلى الله عليه وسلم كذا وهو قال كذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
    (من يشهد؟ فما أحد تقدم للشهادة،
    فجاء خزيمة بن ثابت وقال:
    (أنا أشهد)
    فقال له: كيف تشهد؟
    فقال:
    الله تعالى أرسلك ونصدقك فيما يأتي من السماء وما يأتي من الوحي ولا نصدقك في كلام مع أعرابي؟!)
    يعني:
    أن كل ما تقوله صدق، فأنت قلت هذا الكلام فأنا أشهد أنك صادق، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين،
    ولهذا قالوا:
    ذو الشهادتين.
    فالحافظ ابن حجر في التقريب عندما ذكر ترجمته قال:
    ذو الشهادتين.
    يعني:
    أن شهادته بشهادة رجلين، وهذا من خصائص هذا الرجل، وكان ذلك بهذه المناسبة العظيمة التي وفق فيها لفهم الصواب والاعتراف به، مع أنه ما حضر الذي جرى بينهما، ولكنه شهد لقول الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الصادق في كل ما يقول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وحديثه أخرجه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
    وقوله:
    [قال أبو داود: كذا رواه أبو أسامة].
    هو حماد بن أسامة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [وابن نمير].
    هو عبد الله بن نمير، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
    [عن هشام].
    هشام بن عروة وقد مر ذكره.
    الاستبراء من النجاسة
    [شرح حديث: (ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ)]
    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [باب في الاسبتراء.حدثنا قتيبة بن سعيد وخلف بن هشام المقرئ قالا: حدثنا عبد الله بن يحيى التوأم ح وحدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا أبو يعقوب التوأم عن عبد الله بن أبي مليكة عن أمه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (بال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عمر رضي الله عنه خلفه بكوز من ماء فقال: ما هذا يا عمر؟! فقال: هذا ماء تتوضأ به قال: ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة)].
    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة:
    باب الاستبراء،
    والاستبراء:
    هو الاستطابة والاستنجاء والتخلص من أثر الخارج من الإنسان، وقد سبق أن مرت ترجمة أخرى متقدمة في التحذير من عدم التنزه من البول في قصة اللذين يعذبان في قبريهما؛ وأحدهما كان لا يستبرئ من بوله، فذكر الاستبراء هناك، وذكره هنا على اعتبار أن هناك فيه التحذير من التهاون في مسألة البول، وكونه يقع على جسد الإنسان أو يقع على ثيابه فلا يبالي به، وهنا معناه أنه يتخلص منه عندما يجلس لقضاء الحاجة، فلا يقوم إلا وقد تخلص من البول ولم يبق شيء يترتب على استعجاله، بل يبقى في مكانه حتى ينتهي من قضاء حاجته، ويزيل أثر الخارج بالماء أو الحجارة،
    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (بال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عمر خلفه بكوز من ماء فقال: ما هذا يا عمر؟!
    فقال:
    هذا ماء تتوضأ به،
    قال:
    ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة)
    ].
    فسر قوله:
    (تتوضأ) بشيئين: إما بالوضوء اللغوي الذي هو الاستنجاء به، وهو النظافة والنزاهة وقطع الخارج.وإما الوضوء الشرعي الذي هو غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، ففسر بهذا وبهذا.
    والمقصود:
    أنه في حال قضاء الحاجة يمكن الاستغناء عن الماء بالحجارة، وأنه لا يلزم أن يكون الماء هو الذي يستطاب ويستنجى به، بل يمكن أن الحجارة تكفي، وهذا فيه إشارة إلى أن هذا سائغ وأن هذا سائغ، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم التزم الماء لكان ذلك سنة، ولشق على الناس، فهناك مشقة على الناس إذا كان يلزمهم دائماً أن يكون معهم ماء، وإذا كانوا لا يستنجون إلا بالماء ولا يستنجون بالحجارة، ففي هذا تخفيف على هذه الأمة، وبيان أن الاستنجاء بالحجارة يمكن حتى مع وجود الماء، لكن لا شك أن الماء أتم وأكمل، وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فيه بيان أن إزالة آثار الخارج من الإنسان في حال قضاء حاجته تحصل بالماء وبالحجارة، وأن الماء ليس بمتعين، وأن هذا من تخفيف الله عز وجل وتيسيره على هذه الأمة، ويحتمل أن يكون المراد به الوضوء الشرعي الذي له فروض، وهو يدل على أنه لا يلزم بعد كل قضاء حاجة أن الإنسان يتوضأ الوضوء الشرعي، وكذلك أيضاً لا يلزم أن يستنجي بالماء، بل يمكن أن يستنجي بالحجارة، فكل ذلك يدل عليه الحديث، فيحتمل هذا، ويحتمل هذا.وبعض أهل العلم رجح أنه الوضوء الشرعي، وبعضهم رجح أنه الوضوء اللغوي، وكما هو معلوم لزوم ذلك وتعينه ليس هناك ما يدل عليه، ولكن لا شك أن كون الإنسان يكون دائماً على وضوء أنه أحسن، ولا شك أنه خير للإنسان أن يكون على وضوء.
    [تراجم رجال إسناد حديث: (ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ)]
    قوله:

    [حدثنا قتيبة بن سعيد وخلف بن هشام المقرئ]
    .قتيبة بن سعيد مر ذكره.وخلف بن هشام المقرئ، ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود.
    [قالا: حدثنا عبد الله بن يحيى التوأم].
    عبد الله بن يحيى التوأم، ضعيف، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
    قوله:

    [ح وحدثنا عمرو بن عون أخبرنا أبو يعقوب التوأم].
    (ح)
    هذه تستخدم للتحول من إسناد إلى إسناد كما سبق أن ذكرنا؛ لأنه رجع من جديد وأتى بإسناد آخر، وذكر شيخاً له وهو عمرو بن عون، وكل من الشيخين يروي عن التوأم إلا أن الأول ذكره باسمه ونسبه ولقبه، وأما الثاني فذكره بكنيته ولقبه.وأبو يعقوب التوأم هو عبد الله بن يحيى التوأم، فذكره في الإسناد الأول باسمه ونسبه ولقبه، وفي الإسناد الثاني بكنيته ولقبه.وعمرو بن عون شيخ أبي داود في الطريق الثاني، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن عبد الله بن أبي مليكة].
    عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    [عن أمه].
    هي: ميمونة بنت الوليد، ثقة، أخرج حديثها أبو داود وابن ماجة.
    [عن عائشة].
    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وقد مر ذكرها.والحديث كما هو معلوم ضعيف؛ لأنه يدور على عبد الله بن يحيى التوأم أبي يعقوب، لكن معناه وهو كون الإنسان يكتفي بالحجارة عن الاستنجاء جاء ما يدل عليه؛ لأن استعمال ثلاثة أحجار في الاستنجاء يطهر، ولذا لا يتعين الماء، ولو تعين الماء لكان في ذلك مشقة على الناس.
    الأسئلة
    [عرض الأعمال على الله عز وجل يوم الإثنين والخميس]
    q هل أعمال الأمة كلها تعرض يوم الإثنين والخميس على الله وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض عمله على الله في هذين اليومين؟

    a الحديث ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تعرض ولذا قال: (أحب أن يعرض عملي وأنا صائم) وهذا فيه أن أعمال الأمة تعرض وعمله صلى الله عليه وسلم كذلك يعرض؛ لأن قوله: (عملي) يدل على أن كل الأعمال تعرض.
    [حكم تعدد الزوجات]
    q قول النبي صلى الله عليه وسلم في فاطمة ابنته (يسوءني ما يسوءها) لما أراد علي رضي الله عنه أن يتزوج عليها هل يدل على كراهيته صلى الله عليه وسلم في أن يتزوج على ابنته؟ وما الصحيح في حكم التعدد في الزواج؟

    a التعدد في الزواج كما هو معلوم جاء به القرآن، وجاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكون النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه أنه يسوءه ما يسوء فاطمة جاء عنه ما يدل على التعدد، فالتعدد ثابت في الكتاب والسنة، ومن المعلوم أن ابنة الرجل إذا تزوج زوجها عليها يحصل له شيء من التأثر؛ لأنه قد يحصل لها شيء من الضرر، فكون التعدد جائز شيء، وكون الإنسان يسوءه أو يتألم إذا حصل شيء فيه مضرة لابنته شيء آخر.وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على كراهية التعدد، ولكنه يدل على أنه يسوءه أن فاطمة ابنته يتزوج عليها علي، هذا الذي ساءه؛ لأن الإنسان لا يفرح بأن ابنته يتزوج عليها.
    [بيان على من يكون إصلاح السيارة المؤجرة إذا تعطلت]
    qإذا استخدم شخص سيارة أخيه على أن يقسما فائدة الأجرة نصفين، ثم تعطلت السيارة عند المستعير، فمن الذي عليه دفع قيمة الإصلاح؟

    a يكون إصلاحها منها؛ لأن هذا الإصلاح مثل العلف، والعلف يكون مما ينتج، وما يخلص بعد ذلك فهو الذي يقتسم، فحمل البضاعة ونقلها وما إلى ذلك من التكاليف يكون على هذا المال الذي باليد سواء كان رأس مال أو رأس مال مع الربح؛ لأن الربح عندما يستوفى يقتسم الموجود.
    [حكم تقصير المرأة شعر رأسها]
    q ما حكم تقصير المرأة شعر رأسها تجملاً لزوجها؟

    a إذا كان الشعر كثيفاً ويشق عليها معالجته وإصلاحه، وأرادت أن تخفف شيئاً من ذلك فلا بأس بذلك، ولكن إبقاء النساء على شعورهن هو من زينتهن وجمالهن، ولا شك أن هذا هو الأولى، وهو الذي ينبغي، ولكن إذا فعلت ذلك وخففت منه للتجمل ولم تقصد التشبه بالكفار فنرجو ألا بأس بذلك.
    [حكم صبغ المرأة شعرها بالسواد]
    q ما حكم صبغ المرأة لشعرها بالسواد؟

    a كل بياض لا يغير بالسواد، لا من الرجل ولا من المرأة.
    [بيان موضع التورك والافتراش في الصلاة]
    q إذا صلى الإنسان الوتر ركعة واحدة فهل يجلس متوركاً أو يجلس مفترشاً؟

    a التورك إنما يكون في حالة واحدة، وهي: فيما إذا كانت الصلاة رباعية أو ثلاثية، فإن التشهد الأخير يكون فيه التورك، فالتورك يكون في صلاة لها تشهدان ويكون في الآخر، وما عدا ذلك كله افتراش.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •