كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله - الصفحة 4
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 4 من 10 الأولىالأولى 12345678910 الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 80 من 200

الموضوع: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب الزكاة
    الحلقة (61)
    صــــــــــ 56 الى صـــــــــــ60




    ( قال الشافعي ) :
    وإذا عرف الرجل اللقطة سنة ثم ملكها فحال عليها أحوال ولم يزكها ثم جاء صاحبها فلا زكاة على الذي وجدها ، وليس هذا كصداق المرأة ; لأن هذا لم يكن لها مالكا قط حتى جاء صاحبها ، وإن أدى عنها زكاة منها ضمنها لصاحبها .

    ( قال الشافعي ) :
    والقول في أن لا زكاة على صاحبها الذي اعترفها ، أو أن عليه الزكاة في مقامها في يدي غيره كما وصفت أن تسقط الزكاة في مقامها في يدي الملتقط بعد السنة ; لأنه أبيح له أكلها بلا رضا من الملتقط ، أو يكون عليه فيها الزكاة ; لأنها [ ص: 56 ] ماله وكل ما قبض من الدين الذي قلت عليه فيه زكاة زكاه إذا كان في مثله زكاة لما مضى ، فكلما قبض منه شيئا فكذلك ، وإن قبض منه ما لا زكاة في مثله فكان له مال ، أضافه إليه ، وإلا حسبه ، فإذا قبض ما تجب فيه الزكاة معه ، أدى زكاته لما مضى عليه من السنين .
    باب الذي يدفع زكاته فتهلك قبل أن يدفعها إلى أهلها

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى وإذا أخرج رجل زكاة ماله قبل أن تحل فهلكت قبل أن يدفعها إلى أهلها لم تجز عنه ، وإن حلت زكاة ماله زكى ما في يديه من ماله ولم يحسب عليه ما هلك منه من المال في هذا كله ، وسواء في هذا زرعه وثمره ، إن كانت له .

    ( قال الشافعي ) :
    وإن أخرجها بعدما حلت فهلكت قبل أن يدفعها إلى أهلها ، ، فإن كان لم يفرط والتفريط أن يمكنه بعد حولها دفعها إلى أهلها ، أو الوالي فتأخر ، لم يحسب عليه ما هلك ولم تجز عنه من الصدقة ; لأن من لزمه شيء لم يبرأ منه إلا بدفعه إلى من يستوجبه عليه .

    ( قال الشافعي ) :
    ورجع إلى ما بقي من ماله ، فإن كان فيما بقي منه زكاة زكاه ، وإن لم يكن فيما بقي منه زكاة لم يزكه كأن حل عليه نصف دينار في عشرين دينارا فأخرج النصف فهلك قبل أن يدفعه إلى أهله فبقيت تسعة عشر ونصف فلا زكاة عليه فيها ، وإن كانت له إحدى وعشرون دينارا ونصف فهلك قبل أن يدفعه إلى أهله فبقيت تسعة عشر ونصف فلا زكاة عليه فيها ، وإن كانت له إحدى وعشرون دينارا ونصف فأراد أن يزكيها فيخرج عن العشرين نصفا وعن الباقي عن العشرين ربع عشر الباقي ; لأن ما زاد من الدنانير والدراهم والطعام كله على ما يكون فيه الصدقة ففيه الصدقة بحسابه ، فإن هلكت الزكاة وقد بقي عشرون دينارا وأكثر فيزكي ما بقي بربع عشره

    ( قال الشافعي ) :
    وهذا هكذا مما أنبتت الأرض والتجارة وغير ذلك من الصدقة والماشية إلا أن الماشية تخالف هذا في أنها بعدد وأنها معفو عنها بين العددين ، فإن حال عليه حول ، هو في سفر فلم يجد من يستحق السهمان ، أو هو في مصر فطلب فلم يحضره في ساعته تلك من يستحق السهمان ، أو سجن ، أو حيل بينه وبين ماله ، فكل هذا عذر ، لا يكون به مفرطا ، وما هلك من ماله بعد الحول لم يحسب عليه في الزكاة كما لا يحسب ما هلك قبل الحول ، وإن كان يمكنه إذا حبس من يثق به فلم يأمره بذلك ، أو وجد أهل السهمان فأخر ذلك قليلا ، أو كثيرا ، هو يمكنه فلم يعطهم بوجود المال وأهل السهمان فهو مفرط وما هلك من ماله فالزكاة لازمة له فيما بقي في يديه منه كأن كانت له عشرون دينارا فأمكنه أن يؤدي زكاتها فأخرها فهلكت العشرون فعليه نصف دينار يؤديه متى وجده ، لو كان له مال يمكنه أن يؤدي زكاته فلم يفعل فوجبت عليه الزكاة سنين ثم هلك أدى زكاته لما فرط فيه ، وإن كانت له مائة شاة فأقامت في يده ثلاث سنين وأمكنه في مضي السنة الثالثة أداء زكاتها فلم يؤدها أدى زكاتها لثلاث سنين ، وإن لم يمكنه في السنة الثالثة أداء زكاتها حتى هلكت فلا زكاة عليه في السنة الثالثة وعليه الزكاة في السنتين اللتين فرط في أداء الزكاة فيهما .
    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال :
    وإذا كانت لرجل خمس من الإبل فحال عليها أحوال وهي في يده لم يؤد زكاتها فعليه فيها زكاة عام واحد ; لأن الزكاة في أعيانها ، وإن خرجت منها شاة في السنة فلم يبق له خمس تجب فيهن الزكاة .

    ( قال الربيع ) : وفيه قول آخر أن عليه في كل خمس من الإبل أقامت عنده أحوالا أداء زكاتها في كل عام أقامت عنده شاة في كل عام ; لأنه إنما يخرج الزكاة من غيرها عنها .

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى وكذلك إن كانت له أربعون شاة ، أو ثلاثون من البقر ، أو عشرون دينارا ، أو مائتا درهم أخرج زكاتها لعام واحد ; لأن زكاتها خارجة من ملكه مضمونة في يده لأهلها ضمان ما غصب .

    ( قال الشافعي ) :
    لو كانت إبله ستا فحال عليها ثلاثة أحوال وبعير منها يسوى شاتين فأكثر أدى زكاتها لثلاثة أحوال ; لأن بعيرا منها إذا ذهب بشاتين ، أو أكثر كانت عنده خمس من الإبل فيها زكاة .

    ( قال الشافعي ) :
    لو كانت عنده اثنان وأربعون شاة ، أو واحد وعشرون دينارا فحالت عليه ثلاثة أحوال أخذت من الغنم ثلاث شياه ; لأن شاتين يذهبان ويبقى أربعون فيها شاة وأخذت منه زكاة الدنانير دينار ونصف وحصة الزيادة ; لأن الزكاة تذهب ويبقى في يده ما فيه زكاة وهكذا لو كانت له أربعون شاة أول سنة ثم زادت شاة فحالت عليها سنة ثانية وهي إحدى وأربعون ثم زادت شاة في السنة الثالثة فحالت عليها سنة وهي اثنتان وأربعون شاة كانت فيها ثلاث شياه ; لأن السنة لم تحل إلا وربها يملك فيها أربعين شاة ( قال الشافعي ) : فعلى هذا هذا الباب كله فيه الزكاة
    ( قال الشافعي ) :
    لو كانت له أربعون شاة فحال عليها أحوال ولم تزد فأحب إلي أن يؤدي زكاتها لما مضى عليها من السنين ولا يبين لي أن نجبره إذا لم يكن له إلا الأربعون شاة فحالت عليها ثلاثة أحوال أن يؤدي ثلاث شياه .

    ( قال الربيع ) : وفي الإبل إذا كانت عنده خمس من الإبل فحال عليها أحوال كانت عليه في كل حول شاة ; لأن الزكاة ليست من عينها إنما تخرج من غيرها وهي مخالفة للغنم التي في عينها الزكاة .
    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال : لو باع رجل رجلا مائتي درهم بخمسة دنانير بيعا فاسدا فأقامت في يد المشتري شهرا ثم حال عليها الحول من يوم ملكها البائع ففيها الزكاة من مال البائع وهي مردودة عليه ; لأنها لم تخرج من ملكه بالبيع الفاسد وهكذا كل مال وجبت فيه الزكاة فبيع بيعا فاسدا من ماشية ، أو غيرها زكي على أصل ملك المالك الأول ; لأنه لم يخرج من ملكه ، لو كان البائع باعها بيعا صحيحا على أنه بالخيار ثلاثا وقبضها المشتري ، أو لم يقبضها فحال عليها حول من يوم ملكها البائع وجبت فيها الزكاة ; لأنه لم يتم خروجها من ملك البائع حتى حال عليها الحول ولمشتريها ردها للنقص الذي دخل عليها بالزكاة ، وكذلك لو كان الخيار للبائع والمشتري معا .

    ( قال الشافعي ) :
    لو كان الخيار للمشتري دون البائع فاختار إنفاذ البيع بعدما حال عليها الحول ففيها قولان : أحدهما أن على البائع الزكاة ; لأن البيع لم يتم إلا بعد الحول ولم يتم خروجها من ملكه بحال ( قال ) : والقول الثاني أن الزكاة على المشتري ; لأن الحول حال وهي ملك له ، وإنما له خيار الرد إن شاء دون البائع .

    ( قال الربيع ) : وكذلك لو كانت له أمة كان للمشتري وطؤها في أيام الخيار دون البائع فلما كان أكثر الملك للمشتري كانت الزكاة [ ص: 58 ] عليه إذا حال عليها الحول من يوم اشتراها وقبضت وسقطت الزكاة عن البائع ; لأنها قد خرجت من ملكه ببيع صحيح
    ( قال الشافعي ) : لو باع الرجل صنفا من مال وجبت فيه الزكاة قبل حوله بيوم على أن البائع فيه بالخيار يوما ، فاختار إنفاذ البيع بعد يوم ، وذلك بعد تمام حوله كانت في المال الزكاة ; لأن البيع لم يتم حتى حال عليه الحول قبل أن يخرج من ملكه وكان للمشتري رده بنقص الزكاة منه ، لو اختار إنفاذ البيع قبل أن يمضي الحول لم يكن فيه زكاة ; لأن البيع قد تم قبل حوله .

    ( قال الشافعي ) :
    وهكذا كل صنف من المال باعه قبل أن تحل الصدقة فيه وبعده من دنانير ودراهم وماشية لا اختلاف فيها ولا عليه بفرق بينها .

    ( قال الشافعي ) :
    وإذا باع دنانير بدراهم ، أو دراهم بدنانير ، أو بقرا بغنم ، أو بقرا ببقر ، أو غنما بغنم ، أو إبلا بإبل ، أو غنم فكل ذلك سواء فأي هذا باع قبل حوله فلا زكاة على البائع فيه ; لأنه لم يحل عليه الحول في يده ولا على المشتري حتى يحول عليه حول من يوم ملكه .

    ( قال الشافعي ) :
    وسواء إذا زالت عين المال من الإبل ، أو الذهب بإبل ، أو ذهب ، أو بغيرها لا اختلاف في ذلك ، فإذا باع رجل رجلا نخلا فيها تمر ، أو تمرا دون النخل فسواء ; لأن الزكاة إنما هي في التمر دون النخل ، فإذا ملك المشتري الثمرة بأن اشتراها بالنخل ، أو بأن اشتراها منفردة شراء يصح ، أو وهبت له وقبضها ، أو أقر له بها ، أو تصدق بها عليه ، أو أوصي له بها ، أو أي وجه من وجوه الملك صح له ملكها به ، فإذا صح له ملكها قبل أن ترى فيها الحمرة ، أو الصفرة ، وذلك الوقت الذي يحل فيه بيعها على أن يترك حتى يبلغ ، فالزكاة على مالكها الآخر ; لأن أول وقت زكاتها أن ترى فيها حمرة ، أو صفرة فيخرص ثم يؤخذ ذلك تمرا .

    ( قال الشافعي ) :
    فإن ملكها بعدما رئيت فيها حمرة ، أو صفرة فالزكاة في التمر من مال مالكها الأول ، لو لم يملك الزكاة المالك الآخر خرصت الثمرة قبل تملكها ، أو لم تخرص .

    ( قال الشافعي ) :
    ولا يختلف الحكم في هذا في أي وجه ملك به الثمرة بحال في الزكاة ولا في غيرها إلا في وجه واحد ، هو أن يشتري الثمرة بعدما يبدو صلاحها فيكون العشر في الثمرة لا يزول ويكون البيع في الثمرة مفسوخا كما يكون لو باعه عبدين أحدهما له والآخر ليس له مفسوخا ولكنه يصح ، لا يصح غيره إذا باعه على ترك الثمرة أن يبيعه تسعة أعشار الثمرة إن كانت تسقى بعين ، أو كانت بعلا وتسعة أعشارها ونصف عشرها إن كانت تسقى بغرب ويبيعه جميع ما دون خمسة أوسق إذا لم يكن للبائع غيره فيصح البيع ، لو تعدى المصدق فأخذ مما ليست فيه الصدقة وزاد فيما فيه الصدقة فأخذ أكثر منها لم يرجع فيه المشتري على البائع وكانت مظلمة دخلت على المشتري .

    ( قال الشافعي ) :
    لو كان لواحد حائط فيه خمسة أوسق فباع ثمره من واحد ، أو اثنين بعدما يبدو صلاحها ففيه الزكاة كما وصفت في مال البائع نفسه ، لو باعه قبل أن يبدو صلاحه ولم يشترط أن يقطع من واحد ، أو اثنين ففيه الصدقة والبيع فيه فاسد .

    ( قال الشافعي ) : وإن استهلك المشتري الثمرة كلها أخذ رب الحائط بالصدقة ، وإن أفلس أخذ من المشتري قيمتها بما اشترى من ثمنها العشر ، ورد ما بقي على رب الحائط ، وإن لم يفلس البائع أخذ بعشرها ; لأنه كان سبب هلاكها .

    [ ص: 59 ] وإن كان للمشتري غرماء فكان ثمن ما استهلك من العشر عشرة ولا يوجد مثله وثمن عشر مثله عشرون يوم تؤخذ الصدقة اشترى بعشرة نصف العشر ; لأنه ثمن العشر الذي استهلكه ، هو له دون الغرماء وكان لولي الصدقة أن يكون غريما يقوم مقام أهل السهمان في العشرة الباقية على رب الحائط .

    ( قال الشافعي ) :
    فإن باع رب الحائط ثمرته وهي خمسة أوسق من رجلين قبل أن يبدو صلاحها على أن يقطعاها كان البيع جائزا ، فإن قطعاها قبل أن يبدو صلاحها ، فلا زكاة فيها ، وإن تركاها حتى يبدو صلاحها ; ففيها الزكاة ، فإن أخذهما رب الحائط بقطعها فسخنا البيع بينهما ; لأن الزكاة وجبت فيها فلا يجوز أن يقطع فيمنع الزكاة وهي حق لأهلها ولا أن تؤخذ بحالها تلك وليست الحال التي أخذها فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يثبت للمشتري على البائع ثمرة في نخلة وقد شرط قطعها ولا يكون في هذا البيع إلا فسخه ، لو رضي البائع بتركها حتى تجد في نخلة ورضي المشتريان لم يرجعا على البائع بالعشر ; لأنه قد أقبضهما جميع ما باعهما من الثمرة ولا عشر فيه ، وعليهما أن يزكيا بما وجب من العشر .

    ( قال الشافعي ) :
    لو كانت المسألة بحالها فتركها المشتريان حتى بدا صلاحها فرضي البائع بتركها ولم يرضه المشتريان كان فيها قولان ( أحدهما ) : أن يجبرا على تركها ولا يفسخ البيع بما وجب فيها من الصدقة ( والثاني ) : أن يفسخ البيع ; لأنهما شرطا القطع ثم صارت لا يجوز قطعها بما استحق من الصدقة فيها

    ( قال الشافعي ) :
    لو رضي أحد المشتريين إقرارها والبائع ولم يرضه الآخر جبرا في القول الأول على إقرارها وفي القول الآخر يفسخ نصيب الذي لم يرض ويقر نصيب الذي رضي وكان كرجل اشترى نصف الثمرة وإذا رضي إقرارها ثم أراد قطعها قبل الجداد لم يكن له قطعها كلها ، ولا فسخ للبيع إذا ترك رده مرة لم يكن له رده بعدها ، وكل هذا إذا باع الثمرة مشاعا قبل أن يبدو صلاحها
    ( قال الشافعي ) : فإن كان لرجل حائط في ثمره خمسة أوسق فباع رجلا منه نخلات بأعيانهن وآخر نخلات بأعيانهن بعدما يبدو صلاحه ففيه العشر والبيع مفسوخ إلا أن يبيع من كل واحد منهما تسعة أعشاره ، وإن كان هذا البيع قبل أن يبدو صلاح الثمرة على أن يقطعاها فقطعا منها شيئا وتركا شيئا حتى يبدو صلاحه ، فإن كان فيما يبقى خمسة أوسق ففيه الصدقة والبيع فيه كما وصفت في المسألة قبله ، فإن لم يكن فيما بقي من الثمرة خمسة أوسق فالبيع جائز لا يفسخ ويؤخذ بأن يقطعها إلا أن يتطوع البائع بتركها لهما ، وإن قطعا الثمرة بعدما يبدو صلاحها فقالا : لم يكن فيها خمسة أوسق ، فالقول قولهما مع أيمانهما ولا يفسخ البيع في هذا الحال ، فإن قامت بينة على شيء أخذ بالبينة ، وإن لم تقم بينة قبل قول رب المال فيما طرح عن نفسه به الصدقة ، أو بعضها إذا لم تقم عليه بينة بخلاف ما قال .

    ( قال الشافعي ) :
    وإذا قامت بينة بأمر يطرح عنه الصدقة ، أو بعضها وأقر بما يثبت عليه الصدقة ، أو يزيدها أخذت بقوله لأني إنما أقبل بينته إذا كانت كما ادعى فيما يدفع به عن نفسه ، فإذا أكذبها قبلت قوله في الزيادة على نفسه وكان أثبت عليه من بينته ( قال الشافعي ) : وإذا كان للرجل الحائط لم يمنع قطع ثمره من حين تطلع إلى أن ترى فيه الحمرة ، فإذا رئيت فيه الحمرة منع قطعه حتى يخرص ، فإن قطعه قبل يخرص بعدما يرى فيه الحمرة فالقول قوله فيما قطع منه ، وإن أتى عليه كله مع يمينه ، إلا أن يعلم غير قوله ببينة أهل مصره فيؤخذ ذلك منه بالبينة .

    ( قال الشافعي ) :
    وإذا أخذت ببينته ، أو قوله أخذ بتمر وسط سوى ثمر حائطه حتى يستوفى منه عشره ولا يؤخذ منه ثمنه .

    ( قال الشافعي ) :
    فهذا إن خرص عليه ثم استهلكه أخذ بتمر مثل وسط تمره .
    [ ص: 60 ]
    باب ميراث القوم المال
    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال : وإذا ورث القوم الحائط فلم يقتسموا وكانت في ثمره كله خمسة أوسق فعليهم الصدقة ; لأنهم خلطاء يصدقون صدقة الواحد .

    ( قال الشافعي ) :
    فإن اقتسموا الحائط مثمرا قسما يصح فكان القسم قبل أن يرى في الثمرة صفرة ، أو حمرة فلا صدقة على من لم يكن في نصيبه خمسة أوسق وعلى من كان في نصيبه خمسة أوسق صدقة .

    ( قال الشافعي ) :
    فإن اقتسموا بعدما يرى فيه صفرة ، أو حمرة صدق كله صدقة الواحد إذا كانت في جميعه خمسة أوسق أخذت منه الصدقة ; لأن أول محل الصدقة أن يرى الحمرة والصفرة في الحائط ، خرص الحائط ، أو لم يخرص .

    ( قال الشافعي ) :
    فإن قال قائل : كيف جعلت صدقة النخل والعنب اللذين يخرصان أولا وآخرا دون الماشية والورق والذهب ، وإنما أول ما تجب فيه الصدقة عندك وآخره الحول دون المصدق ؟ قيل له إن شاء الله تعالى : لما خرصت الثمار من الأعناب والنخل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين طابت علمنا أنه لا يخرصها ولا زكاة له فيها ، ولما قبضها تمرا وزبيبا علمنا أن آخر ما تجب فيه الصدقة منها أن تصير تمرا ، أو زبيبا على الأمر المتقدم ، فإن قال : ما يشبه هذا ؟ قيل : الحج له أول وآخران ، فأول آخريه رمي الجمرات والحلق ، وآخر آخريه زيارة البيت بعد الجمرة والحلق ، وليس هكذا العمرة ولا الصوم ولا الصلاة كلها لها أول وآخر واحد وكل كما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    ( قال الشافعي ) :
    لو اقتسموا ولم تر فيه صفرة ولا حمرة ثم لم يقترعوا عليه حتى يعلم حق كل واحد منه ، أو لم يتراضوا حتى يعلم كل واحد منهم حقه حتى يرى فيه صفرة ، أو حمرة كانت فيه صدقة الواحد ; لأن القسم لم يتم إلا بعد وجوب الصدقة فيه .

    ( قال الشافعي ) :
    والقول قول أرباب المال في أنهم اقتسموا قبل أن يرى فيه صفرة ، أو حمرة إلا أن تقوم فيه بينة بغير ذلك .

    ( قال الشافعي ) :
    فإن كان الحائط خمسة أوسق فاقتسمه اثنان فقال أحدهما : اقتسمناه قبل أن ترى فيه حمرة ، أو صفرة وقال الآخر : بعدما رئيت فيه أخذت الصدقة من نصيب الذي أقر أنهما اقتسماه بعدما حلت فيه الصدقة بقدر ما يلزمه ولم تؤخذ من نصيب الذي لم يقر .

    ( قال الشافعي ) :
    لو اقتسما الثمرة دون الأرض والنخل قبل أن يبدو صلاحها كان القسم فاسدا وكانوا فيه على الملك الأول ( قال ) : لو اقتسماه بعدما يبدو صلاحه كانت فيه الزكاة كما يكون على الواحد في الحالين معا
    ( قال الشافعي ) :
    وإذا ورث الرجل حائطا فأثمر ، أو أثمر حائطه ولم يكن بالميراث أخذت الصدقة من ثمر الحائط ، وكذلك لو ورث ماشية ، أو ذهبا ، أو ورقا فلم يعلم ، أو علم فحال عليه الحول ، أخذت صدقتها ; لأنها في ملكه وقد حال عليها حول ، وكذلك ما ملك بلا علمه



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب الزكاة
    الحلقة (62)
    صــــــــــ 61 الى صـــــــــــ65


    ( قال الشافعي ) :
    وإذا كان لرجل مال تجب فيه الزكاة فارتد عن الإسلام وهرب ، أو جن ، أو عته ، أو حبس ليستتاب ، أو يقتل فحال الحول على ماله من يوم ملكه ففيها قولان أحدهما : أن فيها الزكاة ; لأن ماله لا يعدو أن يموت على ردته فيكون للمسلمين وما كان لهم ففيه الزكاة ، أو يرجع إلى الإسلام فيكون له فلا تسقط الردة عنه شيئا وجب عليه ، والقول الثاني : أن لا يؤخذ منها زكاة حتى ينظر ، فإن أسلم تملك ماله وأخذت زكاته ; لأنه لم يكن سقط عنه الفرض ، وإن لم يؤجر عليها ، وإن قتل على ردته لم يكن في المال زكاة ; لأنه مال مشترك مغنوم ، فإذا صار لإنسان منه شيء فهو كالفائدة ويستقبل به حولا ثم يزكيه ، لو أقام في ردته زمانا كان كما وصفت ، إن رجع إلى الإسلام أخذت منه صدقة ماله ، وليس كالذمي الممنوع المال بالجزية ولا المجاب ولا المشرك غير الذمي الذي لم تجب في ماله زكاة قط ، ألا ترى أنا نأمره بالإسلام ، فإن امتنع قتلناه وأنا نحكم عليه في حقوق [ ص: 61 ] الناس بأن نلزمه ، فإن قال : فهو لا يؤجر على الزكاة ، قيل : ولا يؤجر عليها ولا غيرها من حقوق الناس التي تلزمه ويحبط أجر عمله فيما أدى منها قبل أن يرتد ، وكذلك لا يؤجر على أن يؤخذ الدين منه فهو يؤخذ .
    باب ترك التعدي على الناس في الصدقة

    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن القاسم بن محمد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : " مر على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بغنم من الصدقة فرأى فيها شاة حافلا ذات ضرع " فقال عمر : " ما هذه الشاة ؟ " فقالوا : شاة من الصدقة فقال عمر : " ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون لا تفتنوا الناس لا تأخذوا حزرات المسلمين نكبوا عن الطعام " .

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى توهم عمر أن أهلها لم يتطوعوا بها ولم ير عليهم في الصدقات ذات در فقال هذا ، لو علم أن المصدق جبر أهلها على أخذها لردها عليهم إن شاء الله تعالى وكان شبيها أن يعاقب المصدق ، ولم أر بأسا أن تؤخذ بطيب أنفس أهلها .

    ( قال الشافعي ) :
    وقد بلغنا { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن مصدقا إياكم وكرائم أموالهم } وفي كل هذا دلالة على أن لا يؤخذ خيار المال في الصدقة ، وإن أخذ فحق على الوالي رده وأن يجعله من ضمان المصدق ; لأنه تعدى بأخذه حتى يرده على أهله ، وإن فات ضمنه المصدق وأخذ من أهله ما عليهم إلا أن يرضوا بأن يرد عليهم فضل ما بين القيمتين فيردها المصدق وينفذ ما أخذ هو مما هو فوق ذلك لمن قسم له من أهل السهمان ، أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان أنه قال : أخبرني رجلان من أشجع أن محمد بن مسلمة الأنصاري كان يأتيهم مصدقا فيقول لرب المال : أخرج إلي صدقة مالك فلا يقود إليه شاة فيها وفاء من حقه إلا قبلها .

    ( قال الشافعي ) :
    وسواء أخذها المصدق وليس فيها تعد ، أو قادها إليه رب المال وهي وافية ، وإن قال المصدق لرب المال : أخرج زكاة مالك فأخرج أكثر مما عليه ، فإن طاب به نفسا بعد علمه ، أخذه منه وإلا أخذ منه ما عليه ، ولا يسعه أخذه إلا حتى يعلمه أن ما أعطاه أكثر مما عليه .
    باب غلول الصدقة

    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال : فرض الله عز وجل الصدقات وكان حبسها حراما ثم أكد تحريم حبسها فقال عز وعلا { ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر [ ص: 62 ] لهم } الآية وقال تبارك وتعالى { والذين يكنزون الذهب والفضة } إلى قوله { ما كنتم تكنزون } ( قال الشافعي ) : وسبيل الله والله أعلم ما فرض من الصدقة أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة قال أخبرنا جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين سمعا أبا وائل يخبر عن عبد الله بن مسعود يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة شجاع أقرع يفر منه ، هو يتبعه حتى يطوقه في عنقه ثم قرأ علينا { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } } أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار قال سمعت عبد الله بن عمر ، هو يسأل عن الكنز فقال هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة .

    ( قال الشافعي ) :
    وهذا كما قاله ابن عمر إن شاء الله تعالى ; لأنهم إنما عذبوا على منع الحق فأما على دفن أموالهم وحبسها فذلك غير محرم عليهم ، وكذلك إحرازها والدفن ضرب من الإحراز ، لولا إباحة حبسها ما وجبت فيها الزكاة في حول ; لأنها لا تجب حتى تحبس حولا ، أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن أبي هريرة أنه كان يقول : " من كان له مال لم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطلبه حتى يمكنه يقول أنا كنزك " أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه قال : { استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت على صدقة فقال اتق الله يا أبا الوليد لا تأتي يوم القيامة ببعير تحمله على رقبتك له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة لها ثؤاج فقال يا رسول الله ، وإن ذا لكذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إي والذي نفسي بيده إلا من رحم الله تعالى فقال : والذي بعثك بالحق لا أعمل على اثنين أبدا } .
    باب ما يحل للناس أن يعطو من أموالهم
    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله : قال الله تبارك وتعالى { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } الآية .

    ( قال الشافعي ) :
    يعني والله أعلم تأخذونه لأنفسكم ممن لكم عليه حق فلا تنفقوا ما لا تأخذون لأنفسكم ، يعني لا تعطوا مما خبث عليكم والله أعلم وعندكم طيب .

    ( قال الشافعي ) :
    فحرام على من عليه صدقة أن يعطي الصدقة من شرها وحرام على من له تمر أن يعطي العشر من شره ، ومن له الحنطة أن يعطي العشر من شرها ، ومن له ذهب أن يعطي زكاتها من شرها ، ومن له إبل أن يعطي الزكاة من شرها إذا ولي إعطاءها أهلها ، وعلى السلطان أن يأخذ ذلك منه ، وحرام عليه إن غابت أعيانها عن السلطان فقبل قوله أن يعطيه من شرها ويقول : ماله كله هكذا ، قال الربيع : أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن جرير بن عبد الله البجلي قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم { إذا أتاكم المصدق فلا يفارقكم إلا عن رضا } ( قال الشافعي ) : يعني والله أعلم أن يوفوه طائعين ولا يلووه لا أن يعطوه من أموالهم ما ليس عليهم فبهذا نأمرهم ونأمر المصدق .
    باب ما يحل للناس أن يعطو من أموالهم ( قال الشافعي ) : رحمه الله : قال الله تبارك وتعالى { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } الآية .

    ( قال الشافعي ) :
    يعني والله أعلم تأخذونه لأنفسكم ممن لكم عليه حق فلا تنفقوا ما لا تأخذون لأنفسكم ، يعني لا تعطوا مما خبث عليكم والله أعلم وعندكم طيب .

    ( قال الشافعي ) :
    فحرام على من عليه صدقة أن يعطي الصدقة من شرها وحرام على من له تمر أن يعطي العشر من شره ، ومن له الحنطة أن يعطي العشر من شرها ، ومن له ذهب أن يعطي زكاتها من شرها ، ومن له إبل أن يعطي الزكاة من شرها إذا ولي إعطاءها أهلها ، وعلى السلطان أن يأخذ ذلك منه ، وحرام عليه إن غابت أعيانها عن السلطان فقبل قوله أن يعطيه من شرها ويقول : ماله كله هكذا ، قال الربيع : أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن جرير بن عبد الله البجلي قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم { إذا أتاكم المصدق فلا يفارقكم إلا عن رضا } ( قال الشافعي ) : يعني والله أعلم أن يوفوه طائعين ولا يلووه لا أن يعطوه من أموالهم ما ليس عليهم فبهذا نأمرهم ونأمر المصدق .
    [ ص: 63 ] باب الهدية للوالي بسبب الولاية أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أبي حميد الساعدي قال : { استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال : هذا لكم ، وهذا أهدي إلي فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال : ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول هذا لكم ، وهذا أهدي إلي ؟ فهلا جلس في بيت أبيه ، أو بيت أمه فينظر أيهدى له أم لا ؟ فوالذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه ثم قال اللهم : هل بلغت ، اللهم هل بلغت ؟ } أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي حميد الساعدي قال : بصر عيني وسمع أذني رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلوا زيد بن ثابت ، يعني مثله
    ( قال الشافعي ) :
    فيحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم في ابن اللتبية تحريم الهدية إذا لم تكن الهدية له إلا بسبب السلطان ويحتمل أن الهدية لأهل الصدقات إذا كانت بسبب الولاية لأهل الصدقات كما يكون ما تطوع به أهل الأموال مما ليس عليهم لأهل الصدقات لا لوالي الصدقات .

    ( قال الشافعي ) :
    وإذا أهدى واحد من القوم للوالي هدية ، فإن كانت لشيء ينال به منه حقا ، أو باطلا ، أو لشيء ينال منه حق ، أو باطل ، فحرام على الوالي أن يأخذها ; لأن حراما عليه أن يستعجل على أخذه الحق لمن ولي أمره ، وقد ألزمه الله عز وجل أخذ الحق لهم وحرام عليه أن يأخذ لهم باطلا والجعل عليه أحرم ، وكذلك إن كان أخذ منه ليدفع به عنه ما كره ، أما أن يدفع عنه بالهدية حقا لزمه فحرام عليه دفع الحق إذا لزمه ، وأما أن يدفع عنه باطلا فحرام عليه إلا أن يدفع عنه بكل حال .

    ( قال الشافعي ) :
    وإن أهدى له من غير هذين الوجهين أحد من أهل ولايته فكانت تفضلا عليه ، أو شكر الحسن في المعاملة فلا يقبلها ، وإن قبلها كانت في الصدقات ، لا يسعه عندي غيره إلا أن يكافئه عليه بقدرها فيسعه أن يتمولها .

    ( قال الشافعي ) :
    وإن كان من رجل لا سلطان له عليه وليس بالبلد الذي له به سلطان شكرا على حسن ما كان منه فأحب إلي أن يجعلها لأهل الولاية إن قبلها ، أو يدع قبولها فلا يأخذ على الحسن مكافأة ، وإن قبلها فتمولها لم تحرم عليه عندي ، أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال وقد أخبرنا مطرف بن مازن عن شيخ ثقة سماه لا يحضرني ذكر اسمه أن رجلا ولي عدن فأحسن فيها فبعث إليه بعض الأعاجم بهدية حمدا له على إحسانه فكتب فيها إلى عمر بن عبد العزيز فأحسبه قال قولا معناه : تجعل في بيت المال . أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا تخالط الصدقة مالا إلا أهلكته } .

    ( قال الشافعي ) :
    يعني والله أعلم أن خيانة الصدقة تتلف المال المخلوط بالخيانة من الصدقة .

    ( قال الشافعي ) :
    وما أهدى له ذو رحم ، أو ذو مودة كان يهاديه [ ص: 64 ] قبل الولاية لا يبعثه للولاية فيكون إعطاؤه على معنى من الخوف ، فالتنزه أحب إلي وأبعد لقالة السوء ، ولا بأس أن يقبل ويتمول إذا كان على هذا المعنى ما أهدي ، أو وهب له .
    باب ابتياع الصدقة
    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال : حدثني شيخ من أهل مكة قال : سمعت طاووسا وأنا واقف على رأسه يسأل عن بيع الصدقة قبل أن تقبض فقال طاووس : ورب هذا البيت ما يحل بيعها قبل أن تقبض ، ولا بعد أن تقبض .

    ( قال الشافعي ) : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فقراء أهل السهمان ، فترد بعينها ولا يرد ثمنها .

    ( قال الشافعي ) :
    وإن باع منها المصدق شيئا لغير أن يقع لرجل نصف شاة ، أو ما يشبه هذا فعليه أن يأتي بمثلها ، أو يقسمها على أهلها لا يجزيه إلا ذلك ( قال ) : وأفسخ بيع المصدق فيها على كل حال إذا قدرت عليه وأكره لمن خرجت منه أن يشتريها من يد أهلها الذي قسمت عليهم ولا أفسخ البيع إن اشتروها منهم ، وإنما كرهت ذلك منهم ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا حمل على فرس في سبيل الله فرآه يباع أن لا يشتريه وأنه يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { العائد في هبته ، أو صدقته كالكلب يعود في قيئه } ولم يبن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم شراء ما وصفت على الذي خرج من يديه فأفسخ في البيع وقد تصدق رجل من الأنصار بصدقة على أبويه ثم ماتا فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخذ ذلك بالميراث فبذلك أجزت أن يملك ما خرج من يديه بما يحل به الملك .

    ( قال الشافعي ) :
    ولا أكره لمن اشترى من يد أهل السهمان حقوقهم منها إذا كان ما اشترى منها مما لم يؤخذ منه في صدقته ولم يتصدق به متطوعا ، أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا الثقة عن عمرو بن مسلم ، أو ابن طاووس أن طاووسا ولي صدقات الركب لمحمد بن يوسف فكان يأتي القوم فيقول : زكوا يرحمكم الله مما أعطاكم الله فما أعطوه قبله ثم يسألهم " أين مساكينهم ؟ " فيأخذها من هذا ويدفعها إلى هذا وأنه لم يأخذ لنفسه في عمله ولم يبع ولم يدفع إلى الوالي منها شيئا ، وأن الرجل من الركب كان إذا ولى عنه لم يقل له : هلم .

    ( قال الشافعي ) :
    وهذا يسع من وليهم عندي وأحب إلي أن يحتاط لأهل السهمان فيسأل ويحلف من اتهم ; لأنه قد كثر الغلول فيهم وليس لأحد أن يحتاط ولا يحلف ولا يلي حتى يكون يضعها مواضعها ، فأما من لم يكن يضعها مواضعها فليس له ذلك .
    باب ما يقول المصدق إذا أخذ الصدقة لمن يأخذها منه أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم } الآية ( قال ) : والصلاة عليهم الدعاء لهم عند أخذ الصدقة منهم ( قال ) : فحق على الوالي إذا أخذ صدقة امرئ أن يدعو له وأحب إلي أن يقول : آجرك الله فيما أعطيت وجعلها لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت " وما دعا له به أجزأه إن شاء الله .
    باب ما يقول المصدق إذا أخذ الصدقة لمن يأخذها منه أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم } الآية ( قال ) : والصلاة عليهم الدعاء لهم عند أخذ الصدقة منهم ( قال ) : فحق على الوالي إذا أخذ صدقة امرئ أن يدعو له وأحب إلي أن يقول : آجرك الله فيما أعطيت وجعلها لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت " وما دعا له به أجزأه إن شاء الله .
    باب كيف تعد الصدقة وكيف توسم
    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال حضرت عمي محمد بن العباس تؤخذ الصدقات بحضرته يأمر [ ص: 65 ] بالحظار فيحظر ويأمر قوما فيكتبون أهل السهمان ثم يقف رجال دون الحظار قليلا ثم تسرب الغنم بين الرجال والحظار فتمر الغنم سراعا واحدة واثنتان وفي يد الذي يعدها عصا يشير بها ويعد بين يدي محمد بن العباس وصاحب المال معه ، فإن قال أخطأ أمره بالإعادة حتى يجتمعا على عدد ثم يأخذ ما وجب عليه بعدما يسأل رب المال : هل له من غنم غير ما أحضره ؟ فيذهب بما أخذ إلى الميسم فيوسم بميسم الصدقة ، هو كتاب الله عز وجل ، وتوسم الغنم في أصول آذانها والإبل في أفخاذها ثم تصير إلى الحظيرة حتى يحصى ما يؤخذ من المجمع ثم يفرقها بقدر ما يرى .

    ( قال الشافعي ) :
    وهكذا أحب أن يفعل المصدق أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : إن في الظهر ناقة عمياء فقال " أمن نعم الجزية أم من نعم الصدقة ؟ " فقال أسلم : بل من نعم الجزية وقال : إن عليها ميسم الجزية .
    باب الفضل في الصدقة

    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان عن ابن عجلان عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : { والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا طيب إلا كان كأنما يضعها في يد الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه حتى إن اللقمة لتأتي يوم القيامة ، وإنها لمثل الجبل العظيم ، ثم قرأ { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } } أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم { مثل المنفق والبخيل كمثل رجلين عليهما جبتان ، أو جنتان من لدن ثديهما إلى تراقيهما ، فإذا أراد المنفق أن ينفق سبغت عليه الدرع ، أو مرت حتى تخفي بنانه وتعفو أثره ، وإذا أراد البخيل أن ينفق تقلصت ولزمت كل حلقة موضعها حتى تأخذ بعنقه ، أو ترقوته فهو يوسعها ولا تتسع : } أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاوس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، إلا أنه قال : " فهو يوسعها ولا تتوسع " ( قال الشافعي ) : حمد الله عز وجل الصدقة في غير موضع من كتابه ، فمن قدر على أن يكثر منها فليفعل .


    ( قال الشافعي ) :
    وهذا يدل على أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يسم وسمين ، وسم جزية ، ووسم صدقة . وبهذا نقول .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب الزكاة
    الحلقة (63)
    صــــــــــ 66 الى صـــــــــــ70

    باب صدقة النافلة على المشرك

    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن أمه { أسماء بنت أبي بكر قالت أتتني أمي راغبة في عهد قريش فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أأصلها ؟ قال نعم } .

    ( قال الشافعي
    ) :
    ولا بأس أن يتصدق على المشرك من النافلة وليس له في الفريضة من الصدقة [ ص: 66 ] حق ، وقد حمد الله تعالى قوما فقال { ويطعمون الطعام } الآية .
    اب اختلاف زكاة ما لا يملك أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال : وإذا سلف الرجل الرجل مائة دينار في طعام موصوف ، أو غيره سلفا صحيحا فالمائة ملك للمسلف ويزكيها كان له مال غيرها يؤدي دينه ، أو لم يكن يزكيها لحولها يوم قبضها ، لو أفلس بعد الحول والمائة قائمة في يده بعينها زكاها وكان للذي له المائة أخذ ما وجد منها واتباعه بما يبقى عن الزكاة وعما تلف منها
    وهكذا لو أصدق رجل امرأة مائة دينار فقبضتها وحال عليها الحول في يديها ثم طلقها زكت المائة ورجع عليها بخمسين ; لأنها كانت مالكة للكل ، وإنما انتقض الملك في خمسين بعد تمام ملكها لها حولا ، وهكذا لو لم تقبضها وحال عليها حول في يده ثم طلقها وجبت عليها فيها الزكاة إذا قبضت الخمسين منه أدت زكاة المال ; لأنها كانت في ملكها وكانت كمن له على رجل مائة دينار فقبض خمسين بعد الحول وأبرأه من خمسين ، هو قادر على أخذها منه ، يزكي منها مائة .

    ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى :
    لو طلقها قبل الحول من يوم نكحها لم يكن عليها إلا زكاة الخمسين إذا حال الحول ; لأنها لم تقبضها ولم يحل الحول حتى انتقض ملكها في الخمسين
    ( قال الشافعي ) :
    لو أكرى رجل رجلا دارا بمائة دينار أربع سنين فالكراء حال إلا أن يشترطه إلى أجل ، فإذا حال عليه الحول من يوم أكرى الدار أحصى الحول وعليه أن يزكي خمسة وعشرين دينارا والاختيار له ولا يجبر على ذلك أن يزكي المائة ، فإن تم حول ثان فعليه أن يزكي عن خمسين دينارا لسنتين يحتسب منها زكاة الخمسة والعشرين التي أداها في أول سنة ، ثم إذا حال حول ثالث فعليه أن يزكي خمسة وسبعين لثلاث سنين يحتسب منها ما مضى من زكاته عن الخمسة والعشرين والخمسين ، فإذا مضى حول رابع فعليه أن يزكي مائة لأربع سنين يحتسب منها كل ما أخرج من زكاته قليلها وكثيرها .

    ( قال الربيع وأبو يعقوب ) : عليه زكاة المائة .

    ( قال الربيع ) : سمعت الكتاب كله إلا أني لم أعارض به من ها هنا إلى آخره .

    ( قال الشافعي ) :
    لو أكرى بمائة فقبض المائة ثم انهدمت الدار انفسخ الكراء من يوم تنهدم ولم يكن عليه زكاة إلا فيما سلم له من الكراء قبل الهدم ولهذا قلت ليس عليه أن يزكي المائة حتى يسلم الكراء فيها وعليه أن يزكي ما سلم من الكراء منه ، وهكذا إجارة الأرض بالذهب والفضة وغير ذلك مما أكراه المالك من غيره .

    ( قال الشافعي ) :
    وإنما فرقت بين إجارة الأرضين والمنازل والصداق ; لأن الصداق شيء تملكته على الكمال ، فإن ماتت ، أو مات الزوج ، أو دخل بها ، كان لها بالكمال ، وإن طلقها رجع إليها بنصفه ، والإجارات لا يملك منها شيء بكماله إلا بسلامة منفعة ما يستأجره مدة فيكون لها حصة من الإجارة فلم نجز إلا الفرق بينهما بما وصفت .

    ( قال الشافعي ) :
    وملك الرجل نصف المهر بالطلاق يشبه ملكه الشفعة تكون ملكا للذي هي في يديه حتى تؤخذ من يديه ( قال ) : وكتابة المكاتب والعبد يخارج والأمة فلا يشبه هذا هذا لا يكون عليه ولا على سيده فيه زكاة ، وإن ضمنه مكاتبه ، أو عبده حتى يقبضه السيد ويحول عليه الحول من يوم قبضه ; لأنه ليس بدين لازم للمكاتب ولا العبد ولا الأمة ، فليس يتم ملكه عليه بحال حتى يقبضه وما كان في ذمة حر فملكه قائم عليه .

    ( قال الشافعي ) :
    وهكذا كل ما ملك مما في أصله صدقة تبر ، أو فضة ، أو غنم ، أو بقر ، أو إبل .

    فأما ما ملك من طعام ، أو تمر ، أو غيره فلا زكاة فيه ، إنما الزكاة فيما أخرجت الأرض بأن تكون أخرجته ، هو يملك ما أخرجت فيكون فيه حق يوم [ ص: 67 ] حصاده
    ( قال الشافعي ) :
    وما أخرجت الأرض فأديت زكاته ثم حبسه صاحبه سنين فلا زكاة عليه فيه ; لأن زكاته إنما تكون بأن تخرجه الأرض له يوم تخرجه ، فأما ما سوى ذلك فلا زكاة فيه بحال إلا أن يشتري لتجارة ، فأما إن نويت به التجارة ، هو ملك لصاحبه بغير شراء فلا زكاة فيه
    ( قال الشافعي ) :
    فإذا أوجف المسلمون على العدو بالخيل والركاب فجمعت غنائمهم فحال عليها حول قبل أن تقسم ، فقد أساء الوالي إذا لم يكن له عذر ، ولا زكاة في فضة منها ولا ذهب ولا ماشية حتى تقسم ، يستقبل بها بعد القسم حولا ; لأن الغنيمة لا تكون ملكا لواحد دون صاحبه ، فإنه ليس بشيء ملكوه بشراء ولا ميراث فأقروه راضين فيه بالشركة ، وإن للإمام أن يمنعه قسمه إلى أن يمكنه ولأن فيها خمسا من جميعها قد يصير في القسم في بعضها دون بعض فليس منها مملوك لأحد بعينه بحال .

    ( قال الشافعي ) :
    لو قسمت فجمعت سهام مائة في شيء برضاهم وكان ذلك الشيء ماشية ، أو شيئا مما تجب فيه الزكاة فلم يقتسموه بعد أن صار لهم حتى حال عليه الحول زكوه ; لأنهم قد ملكوه دون غيره من الغنيمة ودون غيرهم من أهل الغنيمة ، لو قسم ذلك الوالي بلا رضاهم لم يكن له أن يلزمهم ذلك ، لو قسمه وهم غيب ودفعه إلى رجل فحال عليه حول لم يكن عليهم فيه زكاة ; لأنهم لم يملكوه ، وليس للوالي جبرهم عليه ، فإن قبلوه ورضوا به ملكوه ملكا مستأنفا واستأنفوا له حولا من يوم قبلوه
    ( قال الشافعي ) :
    لو عزل الوالي سهم أهل الخمس ثم أخرج لهم سهمهم على شيء بعينه ، فإن كان ماشية لم يجب عليهم فيه الصدقة ; لأنه لقوم متفرقين لا يعرفهم فهو كالغنيمة بين الجماعة لا يحصون ، وإذا صار إلى أحد منهم شيء استأنف به حولا ، وكذلك الدنانير والتبر والدراهم في جميع هذا .

    ( قال الشافعي ) :
    وإذا جمع الوالي الفيء ذهبا ، أو ورقا فأدخله بيت المال فحال عليه حول ، أو كانت ماشية فرعاها في الحمى فحال عليها حول فلا زكاة فيها ; لأن مالكيها لا يحصون ولا يعرفون كلهم بأعيانهم ، وإذا دفع منه شيئا إلى رجل استقبل به حولا .

    ( قال الشافعي ) :
    لو عزل منها الخمس لأهله كان هكذا ; لأن أهله لا يحصون ، وكذلك خمس الخمس ، فإن عزل منها شيئا لصنف من الأصناف فدفعه إلى أهله فحال عليه في أيديهم حول قبل أن يقتسموه صدقوه صدقة الواحد ; لأنهم خلطاء فيه ، وإن اقتسموه قبل الحول ، فلا زكاة عليهم فيه .
    باب زكاة الفطر
    أخبر
    نا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين } ، أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى ممن يمونون } . أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : { كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من زبيب ، أو صاعا من أقط } .

    ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى :
    وبهذا كله نأخذ وفي حديث نافع دلالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرضها إلا على المسلمين ، وذلك موافقة لكتاب الله عز وجل ، فإنه جعل الزكاة للمسلمين طهورا والطهور لا يكون إلا للمسلمين وفي حديث جعفر دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها على المرء في نفسه ومن يمون [ ص: 68 ] قال الشافعي ) : وفي حديث نافع دلالة سنة بحديث جعفر إذ فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحر والعبد ، والعبد لا مال له ، وبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما فرضها على سيده وما لا اختلاف فيه أن على السيد في عبده وأمته زكاة الفطر وهما ممن يمون .

    ( قال الشافعي ) :
    فعلى كل رجل لزمته مؤنة أحد حتى لا يكون له تركها أداء زكاة الفطر عنه ، وذلك من جبرناه على نفقته من ولده الصغار والكبار الزمنى الفقراء وآبائه وأمهاته الزمنى الفقراء وزوجته وخادم لها ، فإن كان لها أكثر من خادم لم يلزمه أن يزكي زكاة الفطر عنه ولزمها تأدية زكاة الفطر عمن بقي من رقيقها .

    ( قال الشافعي ) :
    وعليه زكاة الفطر في رقيقه الحضور والغيب رجا رجعتهم ، أو لم يرج إذا عرف حياتهم ; لأن كلا في ملكه ، وكذلك أمهات أولاده والمعتقون إلى أجل من رقيقه ومن رهن من رقيقه ; لأن كل هؤلاء في ملكه ، وإن كان فيمن يمون كافر لم يلزمه زكاة الفطر عنه ; لأنه لا يطهر بالزكاة .

    ( قال الشافعي ) :
    ورقيق رقيقه رقيقه ، فعليه أن يزكي عنهم .

    ( قال الشافعي ) :
    فإن كان ولده في ولايته لهم أموال فعليه أن يخرج من أموالهم عنهم زكاة الفطر إلا أن يتطوع فيخرجها من ماله عنهم فتجزي عنهم ، فإذا تطوع حر ممن يمون الرجل فأخرج زكاة الفطر عن نفسه ، أو امرأته كانت ، أو ابن له ، أو أب ، أو أم أجزأ عنهم ولم يكن عليه أن يخرج زكاة الفطر عنهم ثانية ، فإن تطوعوا ببعض ما عليهم كان عليه أن يتم الباقي عنهم من زكاة الفطر

    ( قال ) : ومن قلت يجب عليه أن يزكي عنه زكاة الفطر ، فإذا ولد له ولد ، أو كان أحد في ملكه ، أو عياله في شيء من نهار آخر يوم من شهر رمضان فغابت الشمس ليلة هلال شوال وجبت عليه زكاة الفطر عنه ، وإن مات من ليلته ، وإذا غابت الشمس من ليلة الفطر ثم ولد بينهم ، أو صار واحد منهم في عياله لم تجب عليه زكاة الفطر في عامه ذلك عنه ، وكان في سقوط زكاة الفطر عنه كالمال يملكه بعد الحول ، وإن كان عبد بينه وبين رجل فعلى كل واحد منهما أن يزكي عنه من زكاة الفطر بقدر ما يملك منه
    ( قال الشافعي ) :
    وإن باع عبدا على أن له الخيار فأهل هلال شوال ولم يختر إنفاذ البيع ثم أنفذه فزكاة الفطر على البائع .

    ( قال الربيع ) : وكذلك لو باعه على أن البائع والمشتري بالخيار فأهل هلال شوال والعبد في يد المشتري فاختار المشتري والبائع إجازة البيع ، أو رده فهما سواء وزكاة الفطر على البائع .

    ( قال الشافعي ) :
    لو باع رجل رجلا عبدا على أن المشتري بالخيار فأهل هلال شوال قبل أن يختار الرد ، أو الأخذ كانت زكاة الفطر على المشتري ، وإن اختار رد البيع إلا أن يختاره قبل الهلال وسواء كان العبد المبيع في يد المشتري ، أو البائع إنما أنظر إلى من يملكه فأجعل زكاة الفطر عليه
    ( قال ) :
    لو غصب رجل عبد رجل كانت زكاة الفطر في العبد على مالكه ، وكذلك لو استأجره وشرط على المستأجر نفقته
    ( قال الشافعي ) :
    ويؤدي زكاة الفطر عن رقيقه الذي اشترى للتجارة ويؤدي عنهم زكاة التجارة معا وعن رقيقه للخدمة وغيرها وجميع ما يملك من خدم
    ( قال الشافعي ) :
    وإن وهب رجل لرجل عبدا في شهر رمضان فلم يقبضه الموهوب له حتى أهل شوال وقفنا زكاة الفطر ، فإن أقبضه إياه فزكاة الفطر على الموهوب له ، وإن لم يقبضه فالزكاة على الواهب ، لو قبضه قبل الليل ثم غابت الشمس ، هو في ملكه مقبوضا له كانت عليه فيه زكاة الفطر ، لو رده من ساعته ( قال ) : وكذلك كل ما ملك به رجل رجلا عبدا ، أو أمة
    ( قال الشافعي ) :
    وإذا أعتق رجل نصف عبد بينه وبين رجل ولم يكن موسرا فبقي نصفه رقيقا لرجل فعليه في نصفه نصف زكاة الفطر ، وإن كان للعبد ما يقوت نفسه ليلة الفطر ويومه ويؤدي النصف عن نفسه فعليه أداء زكاة النصف عن [ ص: 69 ] نفسه ; لأنه مالك ما اكتسب في يومه
    ( قال الشافعي ) :
    وإذا دفع الرجل إلى الرجل مالا قراضا فاشترى به رقيقا فأهل شوال قبل أن يباعوا فزكاتهم على رب المال
    ( قال الشافعي ) :
    لو مات رجل له رقيق فورثه ورثته قبل هلال شوال ثم أهل هلال شوال ولم يخرج الرقيق من أيديهم فعليهم فيه زكاة الفطر بقدر مواريثهم منه .

    ( قال الشافعي ) :
    لو أراد بعضهم أن يدع نصيبه من ميراثه لزمه زكاة الفطر فيه ; لأنه قد لزمه ملكه له بكل حال ، لو أنه مات حين أهل هلال شوال وورثه ورثته كانت زكاة الفطر عنه وعمن يملك في ماله مبداة على الدين وغيره من الميراث والوصايا
    ( قال الشافعي ) :
    لو مات رجل فأوصى لرجل بعبد ، أو بعبيد ، فإن كان موته بعد هلال شوال فزكاة الفطر عن الرقيق في ماله ، وإن كان موته قبل شوال فلم يرد الرجل الوصية ولم يقبلها ، أو علمها ، أو لم يعلمها حتى أهل شوال فصدقة الفطر عنهم موقوفة ، فإذا أجاز الموصى له قبول الوصية فهي عليه ; لأنهم خارجون من ملك الميت ، وإن ورثته غير مالكين لهم ، فإن اختار رد الوصية فليست عليه صدقة الفطر عنهم ، وعلى الورثة إخراج الزكاة عنهم ; لأنهم كانوا موقوفين على ملكهم ، أو ملك الموصى له .

    ( قال الشافعي ) :
    لو مات الموصى له بهم قبل أن يختار قبولهم ، أو ردهم قام ورثته مقامه في اختيار قبولهم ، أو ردهم ، فإن قبلوهم فزكاة الفطر عنهم في مال أبيهم ; لأنهم بملكه ملكوهم إلا أن يتطوعوا بها من أموالهم .

    ( قال الشافعي ) :
    وهذا إذا أخرجوا من الثلث وقبل الموصى له الوصية ، فإن لم يخرجوا من الثلث فهم شركاء الورثة فيهم ، وزكاة الفطر بينهم على قدر ميراث الورثة ووصية أهل الوصايا
    ( قال الشافعي ) :
    لو أوصى برقبة عبد لرجل وخدمته لآخر حياته ، أو وقتا فقبلا ، كانت صدقة الفطر على مالك الرقبة ، لو لم يقبل كانت صدقة الفطر على الورثة ; لأنهم يملكون رقبته
    ( قال الشافعي ) :
    لو مات رجل وعليه دين وترك رقيقا ، فإن زكاة الفطر في ماله عنهم ، فإن مات قبل شوال زكى عنهم الورثة ; لأنهم في ملكهم حتى يخرجوا بأن يباعوا بالموت ، أو الدين وهؤلاء يخالفون العبيد يوصى بهم ، العبيد يوصى بهم خارجون بأعيانهم من ماله إذا قبل الوصية الموصى له وهؤلاء إن شاء الورثة لم يخرجوا من ماله بحال إذا أدوا الدين ، فإن كان لرجل مكاتب كاتبه كتابة فاسدة ، فهو مثل رقيقه يؤدي عنه زكاة الفطر ، وإن كانت كتابته صحيحة فليست عليه زكاة الفطر ; لأنه ممنوع من ماله وبيعه ولا على المكاتب زكاة الفطر ; لأنه غير تام الملك على ماله ، وإن كانت لرجل أم ولد ، أو مدبرة فعليه زكاة الفطر فيهما معا ; لأنه مالك لهما
    ( قال الشافعي ) :
    ويؤدي ولي المعتوه والصبي عنهما زكاة الفطر وعمن تلزمهما مؤنته كما يؤدي الصحيح عن نفسه .

    ( قال الشافعي ) :
    ولا يقف الرجل عن زكاة عبده الغائب عنه ، وإن كان منقطع الخبر عنه حتى يعلم موته قبل هلال شوال ، فإن فعل فعلم أنه مات قبل شوال لم يؤد عنه زكاة الفطر ، وإن لم يستيقن أدى عنه .

    ( قال الشافعي ) :
    وإذا غاب الرجل عن بلد الرجل ، لم يعرف موته ولا حياته في ساعة زكاة الفطر فليؤد عنه أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يخرج زكاة الفطر عن غلمانه الذين بوادي القرى وخيبر
    ( قال الشافعي ) :
    وكل من دخل عليه شوال وعنده قوته وقوت من يقوته يومه وما يؤدي به زكاة الفطر عنه وعنهم أداها عنهم وعنه ، وإن لم يكن عنده إلا ما يؤدي عن بعضهم أداها عن بعض ، وإن لم يكن عنده إلا سوى مؤنته ومؤنتهم يومه فليس عليه ولا على من يقوت عنه زكاة الفطر .

    ( قال الشافعي ) :
    فإن كان أحد ممن يقوت [ ص: 70 ] واجدا لزكاة الفطر لم أرخص له أن يدع أداءها عن نفسه ، ولا يبين لي أن تجب عليه ; لأنها مفروضة على غيره فيه .

    ( قال الشافعي ) :
    ولا بأس أن يؤدي زكاة الفطر ويأخذها إذا كان محتاجا وغيرها من الصدقات المفروضات وغيرها ، وكل مسلم في الزكاة سواء .

    ( قال الشافعي ) :
    وليس على من لا عرض له ولا نقد ولا يجد قوت يومه أن يستسلف زكاة .
    باب زكاة الفطر الثاني

    أخبرنا الربيع قال ( قال الشافعي ) :
    أخبرنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من شهر رمضان على الناس صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين } ( قال الشافعي ) : رحمه الله لا زكاة فطر إلا على مسلم ، وعلى الرجل أن يزكي عن كل أحد لزمه مؤنته صغارا ، أو كبارا .

    ( قال الشافعي ) :
    ويلزمه نفقة امرأته وخادم لها لا أكثر منها ويلزم امرأته تأدية الزكاة عمن بقي من رقيقها ويلزم من كان له رقيق حضورا ، أو غيبا كانوا للتجارة ، أو لخدمة رجا رجوعهم ، أو لم يرجه إذا عرف حياتهم أن يزكي عنهم ، وكذلك يزكي عن رقيق رقيقه ويزكي عن أمهات الأولاد والمعتقين إلى أجل ، ولا زكاة على أحد في عبد كافر ولا أمة كافرة ، ومن قلت تجب عليه زكاة الفطر ، فإذا ولد ، أو كان في ملكه ، أو عياله في شيء من نهار آخر يوم من شهر رمضان فغابت الشمس ليلة هلال شوال وجبت عليه زكاة الفطر عنه ، وإن مات من ليلته ، وإذا غابت الشمس في آخر يوم من شهر رمضان ثم ولد له ، أو ثار أحد في عياله لم تجب عليه زكاة الفطر ، وذلك كمال يملكه بعد الحول ، وإنما تجب إذا كان عنده قبل أن يحل ثم حل هو عنده

    ، وإذا اشترى رجل عبدا على أن المشتري بالخيار فأهل شوال قبل أن يختار الرد ، أو الأخذ فاختار الرد ، أو الأخذ فالزكاة على المشتري ; لأنه إذا وجب بيعه ولم يكن الخيار إلا له ، فالبيع له ، وإن اختار رده بالشرط فهو كمختار رده بالعيب وسواء كان العبد المبيع في يد المشتري ، أو البائع إنما أنظر إلى من يملكه فأجعل زكاة الفطر عليه
    ، لو غصب رجل عبدا كانت زكاة الفطر على مالكه ، لو استأجر رجل عبدا وشرط عليه نفقته كانت زكاة الفطر على سيد العبد ، وإن وهب رجل لرجل عبدا في شهر رمضان فلم يقبضه الموهوب له حتى أهل شوال وقفنا زكاة الفطر ، فإن أقبضه إياه زكاه الموهوب له ، وإن لم يقبضه زكاه الواهب ، وإن قبضه قبل الليل ثم غابت الشمس فرده فعلى الموهوب له زكاة الفطر ، وكذلك كل ما ملك به رجل رجلا عبدا ، أو أمة لو مات رجل وله رقيق فورثه ورثته قبل هلال شوال ثم أهل شوال ولم يخرج الرقيق من أيديهم فعليهم فيهم زكاة الفطر بقدر مواريثهم ، لو أراد أحدهم أن يدع نصيبه من ميراثه بعدما أهل شوال فعليه زكاة الفطر ; لأن الملك لزمه بكل حال وإذا كان العبد بعضه حر وبعضه رقيق ، أدى الذي له فيه الملك بقدر ما يملك وعلى العبد أن يؤدي ما بقي وللعبد ما كسب في يومه إن كان له ما يقوته يوم الفطر وليلته ، وإن لم يكن له فضل ما يقوت نفسه ليلة الفطر ويومه فلا شيء عليه وإذا اشترى المقارض رقيقا فأهل شوال وهم عنده فعلى رب المال زكاتهم ، وإذا مات الرجل حين أهل شوال فالزكاة عليه في ماله مبداة على الدين والوصايا يخرج عنه وعمن يملك ويمون من المسلمين الذين تلزمه النفقة عليهم




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب الزكاة
    الحلقة (64)
    صــــــــــ 71 الى صـــــــــــ75

    لو مات رجل وأوصى لرجل بعبد ، فإن كان موته بعد هلال شوال وخرج من الثلث فالزكاة على السيد في ماله ، وإن مات قبل هلال شوال فالزكاة على الموصى له إن قبل الوصية ، وإن لم يقبلها ، أو علمها ، أو [ ص: 71 ] لم يعلمها فالزكاة موقوفة ، فإن اختار أخذه فالزكاة عليه ، وإن رده فعلى الورثة إخراج الزكاة عن العبد ، وإن لم يخرج من الثلث فهو شريك للورثة إن قبل الوصية والزكاة عليهم كهي على الشركاء ، وإن مات الموصى له قبل أن يختار قبولهم ، أو ردهم فورثته يقومون مقامه ، فإن اختاروا قبوله فعليهم زكاة الفطر في مال أبيهم
    لو أوصى لرجل برقبة عبد وخدمته لآخر حياة الموصى له فزكاة الفطر على مالك الرقبة ، لو لم يقبل الموصى له بالرقبة كانت زكاة الفطر على الورثة
    ( قال الشافعي ) :
    وإن مات رجل وله رقيق وعليه دين بعد هلال شوال فالزكاة عليه في ماله عنه وعنهم ، وإن مات قبل الهلال فالزكاة على الورثة ; لأنهم في ملكهم حتى يخرجوا في الدين .
    ولا يؤدي الرجل عن مكاتبه إذا كانت كتابته صحيحة ولا على المكاتب أن يؤدي عن نفسه ، فإن كانت كتابته فاسدة فهو مثل رقيقه فيؤدي عنه زكاة الفطر
    ( قال الشافعي ) :
    ويؤدي ولي الصبي والمعتوه عنهما وعمن تلزمهما مؤنته كما يؤدي الصحيح .
    وكل من دخل عليه هلال شوال وعنده قوته وقوت من يقوته يومه وليلته وما يؤدي به زكاة الفطر عنهم وعنه أداها عنه وعنهم ، فإن لم يكن عنده إلا ما يؤدي به زكاة الفطر عنه ، أو عن بعضهم أداها ، فإن لم يكن عنده إلا قوته وقوتهم فلا شيء عليه ، فإن كان فيهم واجد للفضل عن قوت يومه أدى عن نفسه إذا لم يؤد عنه ولا يتبين لي أن تجب عليه ; لأنها مفروضة على غيره فيه ولا بأس أن يؤدي الرجل زكاة الفطر ويأخذها وغيرها من الصدقات المفروضات والتطوع وكل مسلم في الزكاة سواء وليس على أحد لا شيء عنده أن يستسلف زكاة الفطر ، وإن وجد من يسلفه ، لو أيسر بعد هلال شوال لم يجب عليه أن يؤدي ; لأن وقتها قد زال هو غير واجد ، لو أخرجها كان أحب إلي
    ( قال الشافعي ) :
    وإذا باع الرجل عبدا بيعا فاسدا فزكاة الفطر على البائع ; لأنه لم يخرج من ملكه ، وكذلك لو رهنه رهنا فاسدا ، أو صحيحا فزكاة الفطر على مالكه
    وإذا زوج الرجل أمته عبدا فعليه أن يؤدي عنها زكاة الفطر ، وكذلك المكاتب ، فإن زوجها حرا فعلى الحر الزكاة إذا خلى بينه وبينها ، فإن لم يخل بينه وبينها فعلى السيد الزكاة ، فإن كان الزوج الحر معسرا فعلى سيد الأمة الزكاة .
    وإذا وهب الرجل لولده الصغير أمة ، أو عبدا ولا مال لولده غيره فلا يتبين أن تجب الزكاة على أبيه ; لأن مؤنته ليست عليه إلا أن يكون مرضعا ، أو من لا غنى بالصغير عنه فيلزم أباه نفقتهم والزكاة عنهم ، وإن حبسهم أبوه لخدمة نفسه ، فقد أساء ولا يتبين أن عليه زكاة الفطر فيهم ; لأنهم ليسوا ممن تلزمه النفقة عليهم ، فإن كان لابنه مال أدى منه عن رقيق ابنه ، وإن استأجر لابنه مرضعا فليس على أبيه زكاة الفطر عنها ، وليس لغير ولي الصبي أن يخرج عنه زكاة فطر ، وإن أخرجها بغير أمر حاكم ضمن .
    باب مكيلة زكاة الفطر أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير } ، أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : { كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من زبيب ، أو صاعا من أقط } أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا أنس بن عياض عن داود بن قيس سمع عياض بن عبد الله بن سعد يقول : إن أبا سعيد الخدري يقول : { كنا نخرج في زمان النبي صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام ، أو صاعا من أقط ، أو صاعا من زبيب ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا [ ص: 72 ] من شعير فلم نزل نخرج ذلك حتى قدم معاوية حاجا ، أو معتمرا فخطب الناس فكان فيما كلم الناس به أن قال إني أرى : مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر فأخذ الناس بذلك } .

    ( قال الشافعي ) :
    ولا يخرج من الحنطة في صدقة الفطر إلا صاع .

    ( قال الشافعي ) :
    والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التمر والشعير ولا أرى أبا سعيد الخدري عزا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرضه ، إنما عزا أنهم كانوا يخرجونه ( قال الشافعي ) : وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن زكاة الفطر مما يقتات الرجل ومما فيه زكاة ( قال ) : وأي قوت كان الأغلب على رجل أدى منه زكاة الفطر ، وإن وجد من يسلفه ، فإذا أفلس ليس عليه زكاة الفطر فلو أيسر من يومه ، أو من بعده لم يجب عليه إخراجها من وقتها ; لأن وقتها كان وليست عليه ، لو أخرجها كان أحب إلي له
    ( قال الشافعي ) :
    وإذا باع الرجل العبد بيعا فاسدا فزكاة الفطر على البائع ; لأنه لم يخرجه من ملكه ، وكذلك لو رهنه رجلا ، أو غصبه إياه رجل فزكاة الفطر عليه ; لأنه في ملكه .

    ( قال الشافعي ) :
    وهكذا لو باع عبدا بالخيار فأهل شوال قبل أن يختار إنفاذ البيع ثم أنفذه كانت زكاة الفطر على المشتري ; لأنه ملكه بالعقد الأول ، وإن كان الخيار للمشتري وقفت زكاة الفطر ، فإن اختاره فهو على المشتري ، وإن رده فهو على البائع .

    ( قال أبو محمد ) : وفيه قول آخر ، أن زكاة الفطر على البائع من قبل أنه لا يتم ملكه عليه إلا بعد اختياره ، أو مضي أيام الخيار
    ( قال الشافعي ) :
    وإذا زوج الرجل أمته العبد فعليه أن يؤدي عنها زكاة الفطر
    ، وكذلك المكاتب ، فإن زوجها حرا فعلى الحر أداء زكاة الفطر عنها ، وإن كان محتاجا فعلى سيدها زكاة الفطر عنها ، لو زوجها حرا فلم يدخلها عليه ، أو منعها منه فزكاة الفطر على السيد
    وإذا وهب الرجل لولده الصغير عبدا ، أو أمة ولا مال للصغير فلا يبين أن على أبيه فيهم زكاة الفطر وليسوا ممن مؤنته عليه إلا أن تكون مرضعا ، أو ممن لا غنى للصغير عنه فتلزم أباه نفقتهم وزكاة الفطر عنهم ( قال ) : فإن حبسهم أبوه لخدمة نفسه ، فقد أساء ولا يبين أن عليه فيهم صدقة الفطر ; لأنهم ليسوا ممن تلزمه نفقتهم بكل حال إنما تلزمه بالحبس لهم ، وإن استأجر لابنه مرضعا فليس عليه فيها زكاة الفطر ولا يكون لمن ليس بولي أن يخرج من ماله زكاة الفطر ، وإن أخرجها ، أو زكاة غيرها بغير أمر حاكم ضمن ويرفع ذلك إلى الحاكم حتى يأمر من يخرجها عنه إن كانت الحنطة ، أو الذرة ، أو العلس ، أو الشعير ، أو التمر ، أو الزبيب وما أدى من هذا أدى صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم ليس له عندي أن ينقص من ذلك شيئا ، ولا تقوم الزكاة ، لو قومت كان لو أدى صاع زبيب ضروع أدى ثمان آصع حنطة ( قال الشافعي ) :
    ولا يؤدي من الحب غير الحب نفسه ولا يؤدي دقيقا ولا سويقا ولا قيمته وأحب لأهل البادية أن لا يؤدوا أقطا ; لأنه إن كان لهم قوتا فأدوا من قوت فالفث قوت ، وكذلك لو يقتاتون الحنظل والذي لا شك فيه أن يتكلفوا أداء قوت أقرب أهل البلدان بهم ; لأنهم يقتاتون من ثمرة لا زكاة فيها فيؤدون من ثمرة فيها زكاة صاعا عن كل إنسان وأهل البادية والقرية في هذا سواء ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص أحدا من المسلمين دون أحد ، لو أدوا أقطا لم يبن لي أن [ ص: 73 ] أرى عليهم إعادة ، وما أدوا ، أو غيرهم من قوت ليس في أصله زكاة غير الأقط فعليهم الإعادة ( قال الشافعي ) : ولا أعلم من يقتات القطنية ، وإن لم تكن تقتات فلا تجزي زكاة ، وإن كان قوم يقتاتونها أجزأت عنهم زكاة ; لأن في أصلها الزكاة
    قال ) : ولا يجوز أن يخرج الرجل نصف صاع حنطة ونصف صاع شعير ، وإن كان قوته الشعير ولا يجوز أن يخرج زكاة واحدة إلا من صنف واحد ويجوز إذا كان قوته الشعير أن يخرج عن واحد وأكثر شعيرا وعن واحد وأكثر حنطة ; لأنها أفضل كما يجوز أن يعطي في الصدقة السن التي هي أعلى ولا يقال جاء بعدل من شعير إنما يقال لهذا جعل له أن يؤدي شعيرا إذا كان قوته لا بأن الزكاة في شعير دون حنطة ، وإن كان قوته حنطة فأراد أن يخرج شعيرا لم يكن له ; لأنه أدنى مما يقتات كما لا يكون له أن يخرج تمرا رديئا وتمرا طيبا ولا سنا دون سن وجبت عليه وله أن يخرج نصف صاع تمر رديء إن كان قوته ، وإن تكلف نصف صاع جيد فأخرجه معه أجزأه ; لأن هذا صنف واحد والحنطة والشعير صنفان ، فلا يجوز أن يضم صنفا إلى غيره في الزكاة ، وإذا كانت له حنطة أخرج من أيها شاء زكاة الفطر .

    ( قال الشافعي ) :
    وإذا كان له تمر أخرج من وسطه الذي تجب فيه الزكاة ، فإن أخرج من أعلاه كان أحب إلي ، ولا يكون له أن يخرج من تمر ولا حنطة ولا غيرها إذا كان مسوسا ، أو معيبا ، لا يخرجه إلا سالما . ويجوز له أن يخرجه قديما سالما ما لم يتغير طعمه ، أو لونه فيكون ذلك عيبا فيه .
    باب مكيلة زكاة الفطر الثاني
    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله بن سعد أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول { كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من زبيب ، أو صاعا من أقط } وأخبرنا أنس بن عياض عن داود بن قيس أنه سمع عياض بن عبد الله بن سعد يقول : إن أبا سعيد الخدري قال : { كنا نخرج في زمان النبي صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام ، أو صاعا من أقط ، أو صاعا من زبيب ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير فلم نزل نخرجه كذلك حتى قدم معاوية حاجا ، أو معتمرا فخطب الناس فكان فيما كلم الناس به أن قال : إني أرى المدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر فأخذ الناس بذلك } .

    ( قال الشافعي ) :
    فيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم نأخذ ( قال الشافعي ) : ويؤدي الرجل من أي قوت كان الأغلب عليه من الحنطة ، أو الذرة ، أو العلس ، أو الشعير ، أو التمر ، أو الزبيب وما أدى من هذا أدى صاعا بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يؤدي ما يخرجه من الحب لا يؤدي إلا الحب نفسه لا يؤدي سويقا ولا دقيقا ولا يؤدي قيمته ولا يؤدي أهل البادية من شيء يقتاتونه من الفث والحنظل وغيره ، أو ثمره لا تجوز في الزكاة ويكلفون أن يؤدوا من قوت أقرب البلاد إليهم ممن يقتات الحنطة والذرة والعلس والشعير والتمر والزبيب لا غيره ، وإن أدوا أقطا أجزأ عنهم وما أدوا ، أو غيرهم من شيء ليس في أصله الزكاة غير الأقط أعادوا .

    ( قال الشافعي ) : ولا أعلم أحدا يقتات القطنية ، فإن كان أحد يقتاتها أجزأت عنه ; لأن في أصلها الزكاة ، وإن لم يقتتها لم تجز عنه ولا يجوز أن يخرج رجل نصف صاع حنطة ونصفها شعيرا ، وإن كان قوته الشعير ، لا يجوز أن يخرج زكاة إلا من صنف واحد ويجوز أن يخرج عن نفسه وعن بعض من يمون حنطة [ ص: 74 ] ويخرج عن بعض من يمون شعيرا كما يجوز أن يعطي في الصدقة السن الأعلى ، وإن كان قوته حنطة فأراد أن يؤدي شعيرا لم يكن له ; لأنه أدنى مما يقوت ولا يكون له أن يخرج تمرا طيبا وتمرا رديئا ولا شيئا دون شيء وجب عليه ، وإن أخرج تمرا رديئا ، هو قوته أجزأه ، وإن كان له تمر أخرج من وسطه الزكاة ، فلا يجوز أن يخرج من تمر ، أو حنطة ولا غيرهما إذا كان مسوسا ولا معيبا ، لا يخرجه إلا سالما .
    باب ضيعة زكاة الفطر قبل قسمها

    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي :
    ومن أخرج زكاة الفطر عند محلها ، أو قبله ، أو بعده ليقسمها فضاعت منه وكان ممن يجد زكاة الفطر فعليه أن يخرجها حتى يقسمها ، أو يدفعها إلى الوالي ، وكذلك كل حق وجب عليه فلا يبرئه منه إلا أداؤه ما كان من أهل الأداء الذين يجب عليهم ( قال الشافعي ) : وتقسم زكاة الفطر على من تقسم عليه زكاة المال لا يجزئ فيها غير ذلك ، فإن تولاها رجل قسمها على ستة أسهم ; لأن سهم العاملين وسهم المؤلفة ساقطان ( قال ) : ويسقط سهم العاملين ; لأنه تولاها بنفسه فليس له أن يأخذ عليها أجرا ويقسمها على الفقراء والمساكين وفي الرقاب وهم المكاتبون والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فأي صنف من هؤلاء لم يجده فعليه ضمان حقه منها
    ( قال الشافعي ) : ويعطي الرجل زكاة ماله ذوي رحمه إذا كانوا من أهلها ، وأقربهم به أحبهم إلي أن يعطيه إياها إذا كان ممن لا تلزمه نفقته بكل حال ، لو أنفق عليه متطوعا أعطاه منها ; لأنه متطوع بنفقته لا أنها لازمة له .

    ( قال الشافعي ) :
    وأختار قسم زكاة الفطر بنفسي على طرحها عند من تجمع عنده ، أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا عبد الله بن المؤمل قال سمعت ابن أبي مليكة ورجل يقول له : إن عطاء أمرني أن أطرح زكاة الفطر في المسجد فقال ابن أبي مليكة : أفتاك العلج بغير رأيه ؟ اقسمها ، فإنما يعطيها ابن هشام أحراسه ومن شاء ، أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا أنس بن عياض عن أسامة بن زيد الليثي أنه سأل سالم بن عبد الله عن الزكاة فقال : أعطها أنت فقلت : ألم يكن ابن عمر يقول ادفعها إلى السلطان ؟ قال : بلى . ولكني لا أرى أن تدفعها إلى السلطان أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر التي تجمع عنده قبل الفطر بيومين ، أو ثلاثة .
    باب ضيعة زكاة الفطر قبل قسمها الثاني
    ( قال الشافعي ) :
    فمن أخرج زكاة الفطر عند محلها ، أو قبله ، أو بعده ليقسمها فضاعت منه وكان ممن يجد فعليه أن يخرجها حتى يقسمها ، أو يدفعها إلى الوالي كذلك كل حق وجب عليه فلا يبرأ منه إلا بأدائه ، وتقسم زكاة الفطر على من تقسم عليه زكاة المال لا يجزئ فيها غير ذلك ، وإذا تولاها الرجل ، فقسمها قسمها على ستة أسهم ; لأن سهم العاملين والمؤلفة قلوبهم ساقطان ويقسمها على الفقراء [ ص: 75 ] والمساكين وفي الرقاب وهم المكاتبون والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ، فأي صنف من هؤلاء لم يعطه ، هو يجده فعليه ضمان حقه منها وللرجل إذا أخرج زكاة الفطر أن يعطيها ذوي رحمه إذا كانوا من أهلها وأقربهم به أحقهم أن يعطيه إذا كانوا ممن لا تلزمهم نفقتهم . وقسم الرجل زكاة الفطر حسن وطرحها عند من تجمع عنده يجزئه إن شاء الله . كان ابن عمر وعطاء بن أبي رباح يدفعانها إلى الذي تجمع عنده ( قال الربيع ) : سئل الشافعي عن زكاة الفطر فقال :
    تليها أنت بيديك أحب إلي من أن تطرحها من قبل أنك على يقين إذا أعطيتها بنفسك ، وأنت إذا طرحتها لم تتيقن أنها وضعت في حقها .
    باب الرجل يختلف قوته

    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال :
    وإذا كان الرجل يقتات حبوبا مختلفة شعيرا وحنطة وتمرا وزبيبا فالاختيار له أن يخرج زكاة الفطر من الحنطة ومن أيها أخرج أجزأه إن شاء الله تعالى ( قال ) : فإن كان يقتات حنطة فأراد أن يخرج زبيبا ، أو تمرا ، أو شعيرا كرهت له ذلك وأحببت لو أخرجه أن يعيد فيخرجه حنطة ; لأن الأغلب من القوت كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة التمر وكان من يقتات الشعير قليلا ، ولعله لم يكن بها أحد يقتات حنطة ولعل الحنطة كانت بها شبيها بالطرفة ففرض النبي صلى الله عليه وسلم أن عليهم زكاة الفطر من قوتهم ، ولا أحب إذا اقتات رجل حنطة أن يخرج غيرها وأحب لو اقتات شعيرا أن يخرج حنطة ; لأنها أفضل . أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يخرج في زكاة الفطر إلا التمر إلا مرة واحدة ، فإنه أخرج شعيرا .

    ( قال الشافعي ) :
    وأحسب نافعا كان مع عبد الله بن عمر ، هو يقتات الحنطة وأحب إلي ما وصفت من إخراج الحنطة .

    ( قال الشافعي ) :
    وإن اقتات قوم ذرة ، أو دخنا ، أو سلتا ، أو أرزا ، أو أي حبة ما كانت مما فيه الزكاة فلهم إخراج الزكاة منها ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فرض زكاة الفطر من الطعام وسمى شعيرا وتمرا ، فقد عقلنا عنه أنه أراد من القوت فكان ما سمى من القوت ما فيه الزكاة ، فإذا اقتاتوا طعاما فيه الزكاة فأخرجوا منه أجزأ عنهم إن شاء الله تعالى ، وأحب إلي في هذا أن يخرجوا حنطة إلا أن يقتاتوا تمرا ، أو شعيرا فيخرجوا أيهما اقتاتوا .
    باب الرجل يختلف قوته الثاني

    ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى :
    إذا كان الرجل يقتات حبوبا شعيرا وحنطة وزبيبا وتمرا فأحب إلي أن يؤدي من الحنطة ومن أيها أخرج أجزأه ، فإن كان يقتات حنطة فأراد أن يخرج زبيبا ، أو تمرا ، أو شعيرا كرهته وأحببت أن يعيد ، وإن اقتات قوم ذرة ، أو دخنا ، أو أرزا ، أو سلتا ، أو أي حبة ما كانت مما فيه الزكاة فلهم إخراج الزكاة منها ، وكذلك إن اقتاتوا القطنية .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب قسم الصدقات
    الحلقة (65)
    صــــــــــ 76 الى صـــــــــــ80

    باب من أعسر بزكاة الفطر

    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال :
    ومن أهل عليه شوال ، هو معسر بزكاة الفطر ثم أيسر من يوم الفطر ، أو بعده فليس عليه زكاة الفطر وأحب إلي أن يؤدي زكاة الفطر متى أيسر في شهرها ، أو غيره ( قال ) : وإنما قلت وقت زكاة الفطر هلال شوال ; لأنه خروج الصوم ودخول أول شهور الفطر كما لو كان لرجل على رجل حق في انسلاخ شهر رمضان حل إذا رأى هلال شوال لا إذا طلع الفجر من ليلة هلال شوال ، لو جاز هذا في كل يوم من شوال بعد يوم وعشر وأكثر ما لم ينسلخ شوال .

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى ولا بأس أن يؤدي زكاة الفطر ويأخذها إذا كان محتاجا وغيرها من الصدقات المفروضات وغيرها ، وكل مسلم في الزكاة سواء .

    ( قال الشافعي ) :
    وليس على من لا عرض له ولا نقد ولا يجد قوت يومه أن يستسلف زكاة .
    باب جماع فرض الزكاة

    أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا الشافعي قال : فرض الله عز وجل الزكاة في غير موضع من كتابه قد كتبناه في آخر الزكاة فقال في غير آية من كتابه { أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } يعني أعطوا الزكاة وقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } الآية .

    ( قال الشافعي ) :
    ففرض الله عز وجل على من له مال تجب فيه الزكاة أن يؤدي الزكاة إلى من جعلت له وفرض على من ولي الأمر أن يؤديها إلى الوالي إذا لم يؤدها وعلى الوالي إذا أداها أن لا يأخذها منه ; لأنه سماها زكاة واحدة لا زكاتين وفرض الزكاة مما أحكم الله عز وجل وفرضه في كتابه ثم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وبين في أي المال الزكاة وفي أي المال تسقط وكم الوقت الذي إذا بلغه المال حلت فيه الزكاة ، وإذا لم يبلغه لم تكن فيه زكاة ومواقيت الزكاة وما قدرها فمنها خمس ومنها عشر ومنها نصف عشر ومنها ربع عشر ومنها بعدد يختلف .

    ( قال الشافعي ) :
    وهذا بيان الموضع الذي وضع الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من الإبانة عنه ( قال ) : وكل ما وجب على مسلم في ماله بلا جناية جناها ، أو جناها من يكون عليه العقل ولا تطوع تطوع به ولا شيء أوجبه هو في ماله فهو زكاة والزكاة صدقة كلاهما لها اسم ، فإذا ولي الرجل صدقة ماله ، أو ولي ذلك الوالي فعلى كل واحد منهما أن يقسمها حيث قسمها الله ليس له خلاف ذلك وقد بينا ذلك في مواضعه ونسأل الله التوفيق .
    كتاب قسم الصدقات
    ( قال الشافعي ) : قال الله تبارك وتعالى

    { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة [ ص: 77 ] قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل } فأحكم الله عز وجل فرض الصدقات في كتابه ثم أكدها فقال { فريضة من الله } ( قال ) : وليس لأحد أن يقسمها على غير ما قسمها الله عز وجل عليه ذلك ما كانت الأصناف موجودة ; لأنه إنما يعطي من وجد { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } وكقوله { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } وكقوله { ولهن الربع مما تركتم } ومعقول عن الله عز وجل أنه فرض هذا لمن كان موجودا يوم يموت الميت وكان معقولا عنه أن هذه السهمان لمن كان موجودا يوم تؤخذ الصدقة وتقسم ( قال ) : وإذا أخذت الصدقة من قوم قسمت على من معهم في دراهم من أهل السهمان ولم تخرج من جيرانهم إلى أحد حتى لا يبقى منهم أحد يستحقها ( أخبرنا ) مطرف عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن معاذ بن جبل أن قضى : أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته فعشره وصدقته إلى مخلاف عشيرته .

    ( قال الشافعي ) :
    هو ما وصفت من أنه جعل العشر والصدقة إلى جيران المال ولم يجعلها على جيران مالك المال إذا ما نأى عن موضع المال ، أخبرنا وكيع بن الجراح ، أو ثقة غيره ، أو هما عن زكريا بن إسحاق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن ، فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم الصدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم } ( قال ) : وهذا مما وصفت من أنه جعل العشر والصدقة إلى جيران المال ولم يجعلها إلى جيران مالك المال إذا نأى عن موضع المال ، أخبرنا الثقة ، هو يحيى بن حسان عن الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك { أن رجلا قال : يا رسول الله ، ناشدتك الله آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا وتردها على فقرائنا ؟ فقال اللهم نعم } ( قال ) : ولا تنقل الصدقة من موضع حتى لا يبقى فيه أحد يستحق منها شيئا .
    جماع بيان أهل الصدقات

    ( قال الشافعي ) رحمه الله :
    الفقير والله أعلم من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعا زمنا كان أو غير زمن سائلا كان أو متعففا والمسكين من له مال أو حرفة لا تقع منه موقعا ولا تغنيه سائلا كان أو غير سائل قال وإذا كان فقيرا أو مسكينا فأغناه وعياله كسبه أو حرفته فلا يعطى في واحد من الوجهين شيئا لأنه غني بوجه والعاملون عليها المتولون لقبضها من أهلها من السعاة ومن أعانهم من عريف لا يقدر على أخذها إلا بمعرفته فأما الخليفة ووالي الإقليم العظيم الذي تولى أخذها عامل دونه فليس له فيها حق وكذلك من أعان واليا على قبضها ممن به الغنى عن معونته فليس له في سهم العاملين حق وسواء كان العاملون عليها أغنياء أو فقراء من أهلها كانوا أو غرباء إذا ولوها فهم العاملون ويعطى أعوان إدارة والي الصدقة بقدر معوناتهم عليها ومنفعتهم فيها والمؤلفة قلوبهم من دخل في الإسلام ولا يعطى من الصدقة مشرك يتألف على الإسلام فإن قال قائل أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عام حنين بعض المشركين من المؤلفة قلوبهم العطايا من الفيء ومن مال النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لا من مال الصدقة ومباح له أن يعطي من ماله وقد خول الله تعالى المسلمين أموال المشركين لا المشركين أموالهم وجعل صدقات المسلمين مردودة فيهم كما سمى لا على من خالف دينهم قال والرقاب المكاتبون من جيران الصدقة فإن اتسع لهم السهم أعطوا حتى يعتقوا وإن دفع ذلك الوالي إلى من يعتقهم فحسن وإن دفع إليهم أجزأه وإن ضاقت السهمان دفع ذلك إلى المكاتبين فاستعانوا بها في [ ص: 78 ] كتابتهم

    والغارمون صنفان صنف ادانوا في مصلحتهم أو معروف وغير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد فيعطون في غرمهم لعجزهم فإن كان لهم عروض أو نقد يقضون منه ديونهم فهم أغنياء لا يعطيهم منها شيئا ويقضون من عروضهم أو من نقدهم ديونهم وإن قضوها فكان قسم الصدقة ولهم ما يكونون به أغنياء لم يعطوا شيئا وإن كان وهم فقراء أو مساكين فسألوا بأي الأصناف كانوا أعطوا لأنهم من ذلك الصنف ولم يعطوا من صدقة غيره قال وإذا بقي في أيديهم من أموالهم ما يكونون به أغنياء وإن كان عليهم فيه دين يحيط به لم يعطوا من السهمان شيئا لأنهم من أهل الغنى وأنهم قد يبرءون من الدين فلا يعطوا حتى لا يبقى لهم ما يكونون به أغنياء قال وصنف ادانوا في حمالات وإصلاح ذات بين ومعروف ولهم عروض تحمل حمالاتهم أو عامتها إن بيعت أضر ذلك بهم وإن لم يفتقروا فيعطى هؤلاء ما يوفر عروضهم كما يعطى أهل الحاجة من الغارمين حتى يقضوا غرمهم أخبرنا سفيان بن عيينة عن هارون بن رئاب عن كنانة بن نعيم { عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال تحملت بحمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فقال نؤديها أو نخرجها عنك غدا إذا قدم نعم الصدقة يا قبيصة المسألة حرمت إلا في ثلاث رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك ورجل أصابته فاقة أو حاجة حتى شهد له أو تكلم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أن به حاجة أو فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش ثم يمسك ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش ثم يمسك وما سوى ذلك من المسألة فهو سحت } قال الشافعي وبهذا نأخذ هو معنى ما قلت في الغارمين وقول النبي صلى الله عليه وسلم { تحل المسألة في الفاقة والحاجة } يعني والله أعلم من سهم الفقراء والمساكين لا الغارمين وقوله صلى الله عليه وسلم { حتى يصيب سدادا من عيش } يعني والله أعلم أقل من اسم الغنى وبذلك نقول وذلك حين يخرج من الفقر أو المسكنة ويعطى من سهم سبيل الله جل وعز من غزا من جيران الصدقة فقيرا كان أو غنيا ولا يعطى منهم غيرهم إلا أن يحتاج إلى الدفع عنهم فيعطاه من دفع عنهم المشركين وابن السبيل من جيران الصدقة الذين يريدون السفر في غير معصية فيعجزون عن بلوغ سفرهم إلا بمعونة على سفرهم وأما ابن السبيل يقدر على بلوغ سفره بلا معونة فلا يعطى لأنه ممن دخل في جملة من لا تحل له الصدقة وليس ممن استثني أنها تحل له ومخالف للغازي في دفع الغازي بالصدقة عن جماعة أهل الإسلام ومخالف للغارم الذي ادان في منفعة أهل الإسلام وإصلاح ذات البين والعامل الغني بصلاح أهل الصدقة هو مخالف للغني يهدي له المسلمون لأن الهدية تطوع من المسلمين لا أن الغني أخذها بسبب الصدقة وهذا يدل على أن الصدقة والعطايا غير المفروضة تحل لمن لا تحل له الصدقة من آل محمد صلى الله عليه وسلم وهم أهل الخمس ومن الأغنياء من الناس وغيرهم
    باب من طلب من أهل السهمان

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى : الأغلب من أمور الناس أنهم غير أغنياء حتى يعرف غناهم ومن طلب من جيران الصدقة باسم فقر ، أو مسكنة أعطي ما لم يعلم منه غيره ، أخبرنا سفيان عن [ ص: 79 ] هشام بن عروة عن أبيه { عن عبد الله بن عدي بن الخيار قال حدثني رجلان أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه من الصدقة فصعد فيهما النظر وصوب ثم قال : إن شئتما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب } .

    ( قال الشافعي ) :
    رأى النبي صلى الله عليه وسلم جلدا ظاهرا يشبه الاكتساب الذي يستغنى به وغاب عنه العلم في المال وعلم أن قد يكون الجلد فلا يغني صاحبه مكسبه به إما لكثرة عيال وإما لضعف حرفة فأعلمهما أنهما إن ذكرا أنهما لا غنى لهما بمال ولا كسب أعطاهما ، فإن قيل : أين أعلمهما ؟ قيل حيث قال { لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب } أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ريحان بن يزيد قال سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : لا تصلح الصدقة لغني ولا لذي مرة ، أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا تحل الصدقة إلا لغاز في سبيل الله ، أو لعامل عليها ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني }

    ( قال الشافعي ) :
    وبهذا قلنا يعطى الغازي والعامل ، وإن كانا غنيين والغارم في الحمالة على ما أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا غارم غيره إلا غارما لا مال له يقضي منه فيعطى في غرمه ، ومن طلب سهم ابن السبيل وذكر أنه عاجز عن البلد الذي يريد إلا بالمعونة أعطي على مثل معنى ما قلت من أنه غير قوي حتى تعلم قوته بالمال ومن طلب بأنه يغزو أعطي غنيا كان ، أو فقيرا ، ومن طلب بأنه غارم ، أو عبد بأنه مكاتب لم يعط إلا ببينة تقوم على ما ذكر ; لأن أصل أمر الناس أنهم غير غارمين حتى يعلم غرمهم والعبيد أنهم غير مكاتبين حتى تعلم كتابتهم ، ومن طلب بأنه من المؤلفة قلوبهم لم يعط إلا أن يعلم ذلك ، وما وصفته يستحق به أن يعطى من سهم المؤلفة .
    باب علم قاسم الصدقة بعدما أعطى غير ما علم
    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى إذا أعطى الوالي القاسم الصدقة من وصفنا أن عليه أن يعطيه بقوله ، أو بينة تقوم له ثم علم بعد إعطائهم أنهم غير مستحقين لما أعطاهم نزع ذلك منهم وأعطاه غيرهم ممن يستحقه ( قال ) : وإن أفلسوا به ، أو فاتوه فلم يقدر لهم على مال ولا عين فلا ضمان على الوالي ; لأنه أمين لمن يعطيه ويأخذ منه لا لبعضهم دون بعض ، وإن أخطأ ، وإنما كلف فيه الظاهر مثل الحكم فلا يضمن الأمرين معا ، ومتى ما قدر على ما فات من ذلك ، أو قدر على غيره أغرمهموه وأعطاه الذين استحقوه يوم كان قسمه

    ( قال الشافعي ) :
    وإن كانوا ماتوا دفعه إلى ورثته إن كانوا فقراء ، أو أغنياء دفعه إليهم ; لأنهم استحقوه في اليوم الذي أعطاه غيرهم وهم يومئذ من أهله ، وإن كان المتولي القسم رب المال دون الوالي فعلم أن بعض من أعطاه ليس من أهل السهمان أما ما أعطاهم على مسكنة وفقر وغرم ، أو ابن سبيل ، فإذا هم مماليك ، أو ليسوا على الحال التي أعطاهم لها رجع عليهم فأخذه منهم فقسمه على أهله ، فإن ماتوا ، أو أفلسوا ففيها قولان : أحدهما أن عليه ضمانه وأداءه إلى أهله ومن قال هذا قال على صاحب الزكاة أن يوفيها أهلها ولا يبرئه منها إلا أن يدفعها إلى أهلها كما لا يبرئه ذلك من شيء لزمه ، فأما الوالي فهو أمين في أخذها وإعطائها ألا ترى أنه لا يضمن صاحب الصدقة الدافع إلى الوالي وأنه يبرأ بدفعه إليه الصدقة ; لأنه أمر بدفعها إليه ، والقول الثاني : أنه لا ضمان على صاحب الصدقة إذا قسمها [ ص: 80 ] على الاجتهاد كما لا يضمن الوالي ( قال ) : وإن أعطاها رجلا على أن يغزو ، أو رجلا على أن يسير من بلد إلى بلد ، فأقاما نزع منهما الذي أعطاهما وأعطاه غيرهما ممن يخرج إلى مثل مخرجهما .





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب قسم الصدقات
    الحلقة (66)
    صــــــــــ 81 الى صـــــــــــ85


    باب جماع تفريع السهمان ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى ينبغي لوالي الصدقة أن يبدأ فيأمر بأن يكتب أهل السهمان ويوضعون مواضعهم ويحصى كل أهل صنف منهم على حدتهم فيحصى أسماء الفقراء والمساكين ويعرف كم يخرجهم من الفقر ، أو المسكنة إلى أدنى اسم الغنى وأسماء الغارمين ومبلغ غرم كل واحد منهم وابن السبيل وكم يبلغ كل واحد منهم البلد الذي يريد والمكاتبين وكم يؤدي كل واحد منهم حتى يعتقوا وأسماء الغزاة وكم يكفيهم على غاية مغازيهم ويعرف المؤلفة قلوبهم والعاملين عليها وما يستحقون بعملهم يكون قبضه الصدقات مع فراغه من معرفة ما وصفت من معرفة أهل السهمان ، أو بعدها ثم يجزئ الصدقة ثمانية أجزاء ثم يفرقها كما أصف إن شاء الله تعالى وقد مثلت لك مثالا كان المال ثمانية آلاف فلكل صنف ألف لا يخرج عن صنف منهم من الألف شيء وفيهم أحد يستحقه فأحصينا الفقراء فوجدناهم ثلاثة والمساكين فوجدناهم مائة والغارمين فوجدناهم عشرة ثم ميزنا الفقراء فوجدناهم يخرج واحد منهم من الفقر بمائة وآخر من الفقر بثلثمائة وآخر من الفقر بستمائة فأعطينا كل واحد ما يخرجه من الفقر إلى الغنى وميزنا المساكين هكذا فوجدنا الألف يخرج المائة من المسكنة إلى الغنى فأعطيناهموها على قدر مسكنتهم كما وصفت في الفقراء لا على العدد ولا وقت فيما يعطى الفقراء والمساكين إلى ما يصيرهم إلى أن يكونوا ممن يقع عليهم اسم أغنياء لا غنى سنة ولا وقت ولكن ما يعقل أنهم خارجون به من الفقر ، أو المسكنة داخلون في أول منازل الغنى إن أغنى أحدهم درهم مع كسبه ، أو ماله لم يزد عليه ، وإن لم يغنه الألف أعطيها إذا اتسعت الأسهم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا حظ فيها لغني } والغني إذا كان غنيا بالمال { ولا لقوي مكتسب } يعني والله تعالى أعلم ولا فقير استغنى بكسبه ; لأنه أحد الغناءين ولكنه صلى الله عليه وسلم فرق الكلامين لافتراق سبب الغناءين فالغنى الأول الغنى بالمال الذي لا يضر معه ترك الكسب ويزيد فيه الكسب ، هو الغنى الأعظم ، والغنى الثاني الغنى بالكسب ، فإن قيل : قد يذهب الكسب بالمرض ، قيل : ويذهب المال بالتلف ، وإنما ينظر إليه بالحال التي يكون فيها القسم لا في حال قبلها ولا بعدها ; لأن ما قبلها ماض وما بعدها لا يعرف ما هو كائن فيه ، وإنما الأحكام على يوم يكون فيه القسم والقسم يوم يكون الاستحقاق ووجدنا الغارمين فنظرنا في غرمهم فوجدنا الألف تخرجهم معا من الغرم على اختلاف ما يخرج كل واحد منهم فأعطيناهم الألف كلها على مثال ما أعطينا الفقراء والمساكين ثم فعلنا هذا في المكاتبين كما فعلناه في الفقراء والمساكين والغارمين ثم نظرنا في أبناء السبيل فميزناهم ونظرنا البلدان التي يريدون ، فإن كانت بعيدة أعطيناهم الحملان والنفقة ، وإن كانوا يريدون البداءة فالبداءة وحدها ، وإن كانوا يريدون البداءة والرجعة فالبداءة والرجعة والنفقة مبلغ الطعام والشراب والكراء ، وإن لم يكن لهم ملبس فالملبس بأقل ما يكفي من كان من أهل صنف من هذا وأقصده ، وإن كان المكان قريبا وابن السبيل ضعيفا فهكذا .

    وإن كان قريبا [ ص: 81 ] وابن السبيل قويا ، فالنفقة دون الحمولة إذا كان بلادا يمشي مثلها مأهولة متصلة المياه مأمونة ، فإن انتاطت مياهها ، أو أخافت ، أو أوحشت أعطوا الحمولة ثم صنع بهم فيها كما وصفت في أهل السهمان قبلهم يعطون على المؤنة لا على العدد
    ويعطى الغزاة الحمولة والرحل والسلاح والنفقة والكسوة ، فإن اتسع المال زيدوا الخيل ، وإن لم يتسع فحمولة الأبدان بالكراء ويعطون الحمولة بادئين وراجعين ، وإن كانوا يريدون المقام أعطوا المؤنة بادئين وقوة على المقام بقدر ما يريدون منه قدر مغازيهم ومؤناتهم فيها لا على العدد وما أعطوا من هذا ففضل في أيديهم لم يضيق عليهم أن يتمولوه ولم يكن للوالي أخذه منهم بعد أن يغزوا ، وكذلك ابن السبيل
    ( قال ) : ولا يعطى أحد من المؤلفة قلوبهم على الإسلام ولا إن كان مسلما إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة لا تكون الطاعة للوالي فيها قائمة ولا أهل الصدقة المولون أقوياء على استخراجها إلا بالمؤلفة لها وتكون بلاد أهل الصدقات ممتنعة بالبعد ، أو كثرة الأهل ، أو منعهم من الأداء ، أو يكون قوم لا يوثق بثباتهم فيعطون منها الشيء على قدر ما يرى الإمام على اجتهاد الإمام لا يبلغ اجتهاده في حال أن يزيدهم على سهم المؤلفة وينقصهم منه إن قدر حتى يقوى بهم على أخذ الصدقات من أهلها ، وقد روي أن عدي بن حاتم أتى أبا بكر بنحو ثلثمائة بعير صدقة قومه فأعطاه منها ثلاثين بعيرا وأمره بالجهاد مع خالد فجاهد معه بنحو من ألف رجل ، ولعل أبا بكر أعطاه من سهم المؤلفة إن كان هذا ثابتا ، فإني لا أعرفه من وجه يثبته أهل الحديث ، هو من حديث من ينسب إلى بعض أهل العلم بالردة
    ( قال ) : ويعطى العاملون عليها بقدر أجور مثلهم فيما تكلفوا من السفر وقاموا به من الكفاية لا يزادون عليه شيئا وينبغي للوالي أن يستأجرهم أجرة ، فإن أغفل ذلك أعطاهم أجر أمثالهم ، فإن ترك ذلك لم يسعهم أن يأخذوا إلا قدر أجور أمثالهم وسواء كان ذلك سهما من أسهم العاملين ، أو سهم العاملين كله إنما لهم فيه أجور أمثالهم ، فإن جاوز ذلك سهم العاملين ولم يوجد أحد من أهل الأمانة والكفاية يلي إلا بمجاوزة العاملين رأيت أن يعطيهم الوالي سهم العاملين تاما ويزيدهم قدر أجور أمثالهم من سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الفيء والغنيمة ، لو أعطاهم من السهمان معه حتى يوفيهم أجور أمثالهم ما رأيت ذلك والله أعلم ضيقا عليه ولا على العامل أن يأخذه ; لأنه إن لم يأخذه ضاعت الصدقة ألا ترى أن مال اليتيم يكون بالموضع فيستأجر عليه إذا خيف ضيعته من يحفظه ، وإن أتى ذلك على كثير منه وقلما يكون أن يعجز سهم العاملين عن مبلغ أجرة العامل وقد يوجد من أهل الصدقة أمين يرضى بسهم العامل وأقل منه فيولاه أحب إلي .
    باب جماع بيان قسم السهمان ( قال الشافعي ) رحمه الله :
    وجماع ما قسمنا على السهمان على استحقاق كل من سمي لا على العدد ولا على أن يعطى كل صنف سهما ، وإن لم يعرفوه بالحاجة إليه ولا يمنعهم أن يستوفوا سهمانهم أن يأخذوا من غيرها إذا فضل عن غيرهم ; لأن الله عز وجل أعطى كل صنف منهم سهما مؤقتا فأعطيناه بالوجهين [ ص: 82 ] معا فكان معقولا أن الفقراء والمساكين والغارمين إذا أعطوا حتى يخرجوا من الفقر والمسكنة إلى الغنى والغرم إلى أن لا يكونوا غارمين لم يكن لهم في السهمان شيء وصاروا أغنياء كما لم يكن للأغنياء على الابتداء معها شيء وكان الذي يخرجهم من اسم الفقر والمسكنة والغرم يخرجهم من معنى أسمائهم ، وهكذا المكاتبون وكان ابن السبيل والغازي يعطون مما وصفت من كفايتهم مؤنة سبيلهم وغزوهم وأجرة الوالي العامل على الصدقة ولم يخرجهم من اسم أن يكونوا بني سبيل ولا غزاة ولا عاملين ما كانوا مسافرين وغزاة وعمالا ، فلم يعطوا إلا بالمعنى دون جماع الاسم ، وهكذا المؤلفة قلوبهم لا يزول هذا الاسم عنهم ، لو أعطي كل صنف من هؤلاء كل السهمان ( قال ) : فهم يجتمعون في المعاني التي يعطون بها ، وإن تفرقت بهم الأسماء .
    باب اتساع السهمان حتى تفضل عن بعض أهلها

    أخبرنا الربيع قال : ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى فإذا اتسعت السهمان ، فقد مثلت لها مثالا كانت السهمان ثمانية آلاف فوجدنا الفقراء ثلاثة يخرجهم من الفقر مائة والمساكين خمسة يخرجهم من المسكنة مائتان والغارمين أربعة يخرجهم من الغرم ألف ، فيفضل عن الفقراء تسعمائة ، وعن المساكين ثمانمائة واستغرق الغارمون سهمهم ، فوقفنا الألف وسبعمائة التي فضلت عن الفقراء والمساكين ، فضممناها إلى السهمان الخمسة الباقية سهم الغارمين وسهم المؤلفة وسهم الرقاب وسهم سبيل الله وسهم ابن السبيل ، ثم ابتدأنا بالقسم بين هؤلاء الباقين كابتدائنا لو كانوا هم أهل السهمان ليس لأحد من غير أهل السهمان معهم ، فأعطيناهم سهمانهم ، والفضل عمن استغنى من أهل السهمان منهم ، فإذا استغنى صنف منهم بأقل من سهمه جعل في جملة الأصل ، هو الثمن وما رد عليهم من الفضل عن أهل السهمان ، وأرد الفضل عنه على أهل السهمان معا ، كما أرد عليه وعلى أهل السهمان معه الفضل عن غيره .
    باب اتساع السهمان عن بعض وعجزها عن بعض

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى فإذا كانت السهمان ثمانية آلاف فكان كل سهم ألفا فأحصينا الفقراء فوجدناهم خمسة يخرجهم من الفقر خمسمائة ووجدنا المساكين عشرة يخرجهم من المسكنة خمسمائة ووجدنا الغارمين عشرة يخرجهم من الغرم خمسة آلاف فسأل الغارمون أن يبدأ بالقسم بينهم فوضى على قدر استحقاقهم بالحاجة فليس ذلك لهم ويعطى كل صنف منهم سهمه حتى يستغني عنه ، فإذا استغنى عنه رد على أهل السهمان معه ولم يكن أحد منهم بأحق به من جميع أهل السهمان ثم هكذا يصنع في جميع أهل السهمان وفي كل صنف منهم سهمه ولا يدخل عليه غيره حتى يستغني ثم لا يكون أحد أحق بالفضل عنه من أهل السهمان من غيره ، فإن اختلف غرم الغارمين فكان عدتهم عشرة [ ص: 83 ] وغرم أحدهم مائة وغرم الآخر ألف وغرم الآخر خمسمائة فسألوا أن يعطوا على العدد لم يكن ذلك لهم وجمع غرم كل واحد منهم فكان غرمهم عشرة آلاف وسهمهم ألفا فيعطى كل واحد منهم عشر غرمه بالغا ما بلغ ، فيعطى الذي غرمه مائة عشرة ، والذي غرمه ألف مائة ، والذي غرمه خمسمائة خمسين فيكونون قد سوي بينهم على قدر غرمهم لا على عددهم ولا يزاد عليه ، فإن فضل فضل عن أحد من أهل السهمان معهم عيد به عليهم وعلى غيرهم فأعطي كل واحد منهم ما يصيبه لعشر غرمه ، فإذا لم تكن رقاب ولا مؤلفة ولا غارمون ابتدأ القسم على خمسة أسهم ففضت الثمانية أسهم عليه أخماسا ، وهكذا كل صنف منهم لا يوجد ، وكل صنف استغنى عيد بفضله على من معه من أهل السهمان ، ولا يخرج من الصدقة شيء عن بلده الذي أخذت به ، قل ولا كثر ، حتى لا يبقى واحد من أهل السهمان إلا أعطي حقه ، لو فقد أهل السهمان كلهم إلا الفقراء والعاملين ، قسمت الثمانية عليهم ، حتى يوفى الفقراء ما يخرجهم من الفقر ، ويعطى العاملون بقدر إجزائهم .
    باب ضيق السهمان عن بعض أهلها دون بعض

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى لو كانت السهمان ثمانية وأهل السهمان وافرون فجمعنا الفقراء فوجدناهم ووجدنا المساكين مائة يخرجهم من المسكنة ألف والغارمين فوجدناهم ثلاثة يخرجهم من الغرم ألف فسأل الفقراء والمساكين أن يجعل المال كله بينهم فوضى على قدر استحقاقهم منه لم يكن ذلك لهم ، وأعطي كل صنف منهم كاملا وقسم بين أهل كل صنف على قدر استحقاقهم ، فإن أغناهم فذاك ، وإن لم يغنهم لم يعطوا شيئا إلا ما فضل عن غيرهم من أهل السهمان ، وإن لم يفضل عن غيرهم شيء لم يزادوا على سهمهم ، لو كانت المسألة بحالها فضاقت السهمان عنهم كلهم فلم يكن منهم صنف يستغني بسهمه ، أو في كل صنف منهم سهمه ، لم يزد عليه ; لأنه ليس في المال فضل يعاد به عليه ، لو كان أهل صنف منهم متماسكين لو تركوا ولم يعطوا في علمهم ذلك لما شكوا وأهل كل صنف منهم يخاف هلاكهم لكثرتهم وشدة حاجتهم وضيق سهمهم لم يكن للوالي أن يزيدهم على سهمهم من سهم غيرهم حتى يستغني غيرهم ثم يرد فضلا إن كان عليهم مع غيرهم ولم يجعلهم أولى بالفضل من غيرهم ، وإن كانوا أشد حاجة ، كما لا يجعل ما قسم لقوم على قوم بمعنى لغيرهم لشدة حاجة ولا علة ، ولكن يوفى كل ما جعل له ، وهكذا يصنع بجميع السهمان ، لو أجدب أهل بلد وهلكت مواشيهم حتى يخاف تلفهم وأهل بلد آخر مخصبون لا يخاف عليهم لم يجز نقل صدقاتهم عن جيرتهم حتى يستغنوا فلا ينقل شيء جعل لقوم إلى غيرهم أحوج منهم ; لأن الحاجة لا تحق لأحد أن يأخذ مال غيره .
    باب قسم المال على ما يوجد ( قال الشافعي ) :
    وأي مال أخذت منه الصدقة قسم المال على وجهه ولم يبدل بغيره ولم يبع
    ، فإن اجتمع حق أهل السهمان في بعير ، أو بقرة ، أو شاة ، أو دينار ، أو درهم ، أو اجتمع فيه اثنان من أهل السهمان وأكثر أعطوه وأشرك بينهم فيه كما يعطى الذي وهب لهم وأوصي لهم به وأقر لهم به واشتروه بأموالهم ، وكذلك إن استحق أحدهم عشره وآخر نصفه وآخر ما بقي منه أعطوه على قدر ما استحقوا منه ، وهكذا يصنع في جميع أصناف الصدقات لا يختلف فيه في الماشية كلها والدنانير والدراهم حتى يشرك بين النفر في الدرهم والدينار لا يباع عليهم بغيره ولا تباع الدنانير بدراهم ولا الدراهم بفلوس ولا بحنطة ثم يفرق بينهم ، وأما التمر والزبيب وما أخرجت الأرض ، فإنه يكال لكل حقه .
    باب جماع قسم المال من الوالي ورب المال ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى وجميع ما أخذ من مسلم من صدقة فطر وخمس ركاز وزكاة معدن وصدقة ماشية وزكاة مال وعشر زرع وأي أصناف الصدقات أخذ من مسلم فقسمه واحد على الآية التي في براءة { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية لا يختلف ، وسواء قليله وكثيره على ما وصفت ، فإذا قسمه الوالي ففيه سهم العاملين منه ساقط ; لأنه لا عامل عليه يأخذه فيكون له أجره فيه والعاملون فيه عدم ، فإن قال رب المال : فأنا إلي أخذه من نفسي وجمعه وقسمه فآخذ أجر مثلي قيل إنه لا يقال لك عامل نفسك ولا يجوز لك إذا كانت الزكاة فرضا عليك أن يعود إليك منها شيء ، فإن أديت ما كان عليك أن تؤديه وإلا كنت عاصيا لو منعته ، فإن قال : فإن وليتها غيري ؟ قيل إذا كنت لا تكون عاملا على غيرك لم يكن غيرك عاملا إذا استعملته أنت ، ولا يكون وكيلك فيها إلا في معناك ، أو أقل ; لأن عليك تفريقها ، فإذا تحقق منك فليس لك الانتقاص منها لما تحققت بقيامه بها ( قال ) : ولا أحب لأحد من الناس يولي زكاة ماله غيره ; لأن المحاسب بها المسئول عنها هو ، فهو أولى بالاجتهاد في وضعها مواضعها من غيره وأنه على يقين من فعل نفسه في أدائها ، وفي شك من فعل غيره لا يدري أداها عنه ، أو لم يؤدها ، فإن قال : أخاف حبائي ، فهو يخاف من غيره مثل ما يخاف من نفسه ، ويستيقن فعل نفسه في الأداء ويشك في فعل غيره .
    باب فضل السهمان عن جماعة أهلها ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى ويعطي الولاة جميع زكاة الأموال الظاهرة ، الثمرة ، والزرع ، والمعادن ، والماشية

    . فإن لم يأت الولاة بعد حلولها لم يسع أهلها إلا قسمها ، فإن جاء الولاة بعد قسم [ ص: 85 ] أهلها لم يأخذوها منهم ثانية ، فإن ارتابوا بأحد وخافوا دعواه الباطل في قسمها فلا بأس أن يحلفوه بالله لقد قسمها كاملة في أهلها ، وإن أعطوهم زكاة التجارات أجزأهم ذلك إن شاء الله تعالى ، وإن قسموها دونهم فلا بأس ، وهكذا زكاة الفطر والركاز .
    باب تدارك الصدقتين ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى لا ينبغي للوالي أن يؤخر الصدقة عن محلها عاما واحدا ، فإن أخرها لم ينبغ لرب المال أن يؤخر ، فإن فعلا معا قسماها معا في ساعة يمكنهما قسمها لا يؤخرانها بحال ، فإن كان قوم في العام الماضي من أهلها وهم العام من أهلها وكان بقوم حاجة في عامهم هذا وكانوا من أهلها ولم يكونوا في العام الماضي أعطي الذين كانوا في العام الماضي من أهلها صدقة العام الماضي ، فإن استغنوا به ، لم يعطوا منه في هذا العام شيئا ، وكذلك لو أخذت الصدقة ورجل من أهلها فلم تقسم حتى أيسر ، لم يعط منها شيئا ، ولا يعطى منها حتى يكون من أهلها يوم تقسم ، وإن لم يستغنوا بصدقة العام الماضي كانوا شركاء في صدقة عامهم هذا مع الذين استحقوا في عامهم هذا بأن يكونوا من أهلها ولا يدفعهم عن الصدقة العام وهم من أهلها بأن يكونوا استوجبوها في العام الماضي قبله على قوم لم يكونوا من أهلها ، وإنما يستحقها في العامين معا الفقراء والمساكين والغارمون والرقاب ، فأما من سواهم من أهل السهمان فلا يؤتى لعام أول ، وذلك أن العاملين إنما يعطون على العمل فهم لم يعملوا عام أول ، وأن ابن السبيل والغزاة إنما يعطون على الشخوص وهم لم يشخصوا عام أول ، أو شخصوا فاستغنوا عنها وأن المؤلفة قلوبهم لا يعطون إلا بالتأليف في قومهم للعون على أخذها وهي في عام أول لم تؤخذ فيعينون عليها .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب قسم الصدقات
    الحلقة (67)
    صــــــــــ 86 الى صـــــــــــ90

    باب جيران الصدقة ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله : كانت العرب أهل الصدقات وكانت تجاور بالقرابة ليمتنع بعضها على بعض لمن أرادها ، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤخذ الصدقة من أغنيائهم وترد على فقرائهم كان بينا في أمره أنها ترد على الفقراء الجيران للمأخوذة منه الصدقة ، وكانت الأخبار بذلك متظاهرة على رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصدقات أن أحدهم يأخذها من أهل هذا البيت ويدفعها إلى أهل هذا البيت بجنبهم إذا كانوا من أهلها ، وكذلك قضى معاذ بن جبل حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه { أيما رجل انتقل عن مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته فصدقته وعشره إلى مخلاف عشيرته } يعني إلى جار المال الذي تؤخذ منه الصدقة دون جار رب المال فبهذا نقول إذا كان للرجل مال ببلد وكان ساكنا ببلد غيره قسطت صدقته على أهل البلد الذي به ماله الذي فيه الصدقة [ ص: 86 ] كانوا أهل قرابة له ، أو غير قرابة ، وأما أهل الزرع والثمرة التي فيها الصدقة فأمرهم بين ، يقسم الزرع والثمرة على جيرانها ، فإن لم يكن لها جيران فأقرب الناس بها جوارا ; لأنهم أولى الناس باسم جوارها ، وكذلك أهل المواشي الخصبة والأوارك والإبل التي لا ينتجع بها ، فأما أهل النجع الذين يتتبعون مواقع القطر ، فإن كانت لهم ديار ، بها مياههم وأكثر مقامهم لا يؤثرون عليها إذا أخصبت شيئا فأهل تلك الدار من المساكين الذين يلزمهم أن تكون الأغلب عليهم أولى كما كان جيران أهل الأموال المقيمين أولى بها ، فإن كان فيهم من ينتجع بنجعتهم ، كان أقرب جوارا ممن يقيم في ديارهم إلى أن يقدم عليهم ، وتقسم الصدقة على الناجعة المقيمة بنجعتهم ومقامهم دون من انتجع معهم من غير أهل دارهم . ودون من انتجعوا إليه في داره ، أو لقيهم في النجعة ممن لا يجاورهم ، وإذا تخلف عنهم أهل دارهم ولم يكن معهم منتجع من أهلها يستحق السهمان جعلت السهمان في أهل دارهم دون من انتجعوا إليه . ولقيهم في النجعة من أهلها ، لو انتقلوا بأموالهم وصدقاتهم بجيران أموالهم التي فروا بها ، وإن بعدت نجعتهم حتى لا يعودوا إلى بلادهم إلا فيما تقصر فيه الصلاة ، قسمت الصدقة على جيران أموالهم ، ولم تحمل إلى أهل دارهم إذا صاروا منهم سفرا تقصر فيه الصلاة .
    باب فضل السهمان عن أهل الصدقة ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله : وإذا لم يبق من أهل الصدقة إلا صنف واحد قسمت الصدقة كلها في ذلك الصنف حتى يستغنوا ، فإذا فضل فضل عن إغنائهم نقلت إلى أقرب الناس بهم دارا ( قال ) : وإذا استوى في القرب أهل نسبهم وعدى قسمت على أهل نسبهم دون العدى ، وإن كان العدى أقرب الناس بهم دارا وكان أهل نسبهم منهم على سفر تقصر الصلاة فيه قسمت الصدقة على العدى إذا كان دون ما تقصر فيه الصلاة ; لأنهم أولى باسم حضرتهم ، ومن كان أولى باسم حضرتهم كان أولى بجوارهم ، وإن كان أهل نسبهم دون ما تقصر فيه الصلاة والعدى أقرب منهم ، قسمت على أهل نسبهم ; لأنهم بالبادية غير خارجين من اسم الجوار ، ولذلك هم في المتعة حاضرو المسجد الحرام .
    باب ميسم الصدقة ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله ينبغي لوالي الصدقة أن يسم كل ما يأخذ منها من إبل ، أو بقر ، أو غنم ، يسم الإبل والبقر في أفخاذها والغنم في أصول آذانها ويجعل ميسم الصدقة مكتوبا لله ويجعل ميسم الغنم ألطف من ميسم الإبل والبقر ، وإنما قلت ينبغي له لما بلغنا أن عمال النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسمون ، وكذلك بلغنا أن عمال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كانوا يسمون ، أخبرنا مالك عن [ ص: 87 ] زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال لعمر بن الخطاب : إن في الظهر ناقة عمياء فقال عمر " ندفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها " قال : فقلت وهي عمياء ؟ فقال " يقطرونها بالإبل " قلت : فكيف تأكل من الأرض ؟ فقال عمر " أمن نعم الجزية أم من نعم الصدقة ؟ " فقلت : لا . بل من نعم الجزية فقال عمر " أردتم والله أكلها " فقلت : إن عليها وسم الجزية قال فأمر بها عمر فأتي بها فنحرت وكانت عنده صحاف تسع فلا تكون فاكهة ولا طرفة إلا جعل منها في تلك الصحاف فبعث بها إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون الذي يبعث به إلى حفصة من آخر ذلك ، فإن كان فيه نقصان كان في حظ حفصة ، قال فجعل في تلك الصحاف من لحم تلك الجزور فبعث بها إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بما بقي من اللحم فصنع فدعا المهاجرين والأنصار .

    ( قال الشافعي ) :
    فلم تزل السعاة يبلغني عنهم أنهم يسمون كما وصفت ، ولا أعلم في الميسم علة إلا أن يكون ما أخذ من الصدقة معلوما فلا يشتريه الذي أعطاه ; لأنه شيء خرج منه لله عز وجل كما { أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب في فرس حمل عليه في سبيل الله فرآه يباع أن لا يشتريه } وكما ترك المهاجرون نزول منازلهم بمكة ; لأنهم تركوها لله عز وجل .
    باب العلة في القسم ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى : إذا تولى الرجل قسم الصدقة قسمها على ستة أسهم أسقط منها سهم المؤلفة قلوبهم إلا أن يجدهم في الحال التي وصفت يشخصون لمعونة على أخذ الصدقة فيعطيهم ، ولا سهم للعاملين فيها ، وأحب له ما أمرت به الوالي من تفريقها في أهل السهمان من أهل مصره كلهم ما كانوا موجودين ، فإن لم يوجد من صنف منهم إلا واحد أعطاه سهم ذلك الصنف كله إن استحقه ، وذلك أني إن لم أعطه إياه ، فإنما أخرجه إلى غيره ممن له معه قسم فلم أجز أن أخرج عن صنف سموا شيئا ومنهم محتاج إليه ( قال ) : وإن وجد من كل صنف منهم جماعة كثيرة وضاقت زكاته أحببت أن يفرقها في عامتهم بالغة ما بلغت ، فإن لم يفعل فأقل ما يكفيه أن يعطي منهم ثلاثة ; لأن أقل جماع أهل سهم ثلاثة إنما ذكرهم الله عز وجل بجماع فقراء ومساكين ، وكذلك ذكر من معهم ، فإن قسمه على اثنين ، هو يجد ثالثا ضمن ثلث السهم ، وإن أعطاه واحدا ضمن ثلثي السهم ; لأنه لو ترك أهل صنف وهم موجودون ضمن سهمهم ، وهكذا هذا من أهل كل صنف ، فإن أخرجه من بلد إلى بلد غيره كرهت ذلك له ، ولم يبن لي أن أجعل عليه الإعادة من قبل أنه قد أعطاه أهله بالاسم ، وإن ترك موضع الجوار ، وإن كانت له قرابة من أهل السهمان ممن لا تلزمه النفقة عليه أعطاه منها وكان أحق بها من البعيد منه ، وذلك أنه يعلم من قرابته أكثر مما يعلم من غيرهم ، وكذلك خاصته ومن لا تلزمه نفقته من قرابته ما عدا أولاده ووالديه ، ولا يعطي ولد الولد صغيرا ولا كبيرا ولا زمنا ولا أبا ولا أما ولا جدا ولا جدة زمنى ( قال الربيع ) : لا يعطي الرجل من زكاة ماله لا أبا ولا أما ولا ابنا ولا جدا ولا جدة ولا أعلى منهم إذا كانوا فقراء من قبل أن نفقتهم تلزمه وهم أغنياء به ، وكذلك إن كانوا غير زمنى لا يغنيهم كسبهم فهم في حد الفقر لا يعطيهم من زكاته ، وتلزمه نفقتهم ، وإن كانوا غير زمنى مستغنين بحرفتهم لم تلزمه نفقتهم وكانوا في حد الأغنياء الذين لا يجوز أن يأخذوا من زكاة المال ، ولا يجوز له ولا لغيره أن [ ص: 88 ] يعطيهم من زكاة ماله شيئا ، وهذا عندي أشبه بمذهب الشافعي .

    ( قال الشافعي ) :
    ولا يعطي زوجته ; لأن نفقتها تلزمه ، وإنما قلت : لا يعطي من تلزمه نفقتهم ; لأنهم أغنياء به في نفقاتهم ( قال الشافعي ) : وإن كانت امرأته ، أو ابن له بلغ فادان ثم زمن واحتاج ، أو أب له دائنا ، أعطاهم من سهم الغارمين ، وكذلك من سهم ابن السبيل ، ويعطيهم بما عدا الفقر والمسكنة ; لأنه لا يلزمه قضاء الدين عنهم ولا حملهم إلى بلد أرادوه ، فلا يكونون أغنياء عن هذا كما كانوا أغنياء عن الفقر والمسكنة بإنفاقه عليهم ( قال ) : ويعطي أباه وجده وأمه وجدته وولده بالغين غير زمنى من صدقته إذا أرادوا سفرا ; لأنه لا تلزمه نفقتهم في حالاتهم تلك .

    ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى ويعطي رجالهم أغنياء وفقراء إذا غزوا ، وهذا كله إذا كانوا من غير آل محمد صلى الله عليه وسلم ( قال الشافعي ) : فأما آل محمد الذين جعل لهم الخمس عوضا من الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات شيئا ، قل ، أو كثر ، لا يحل لهم أن يأخذوها ولا يجزئ عمن يعطيهموها إذا عرفهم ، وإن كانوا محتاجين وغارمين ومن أهل السهمان ، وإن حبس عنهم الخمس وليس منعهم حقهم في الخمس ، يحل لهم ما حرم عليهم من الصدقة ( قال ) : وآل محمد الذين تحرم عليهم الصدقة المفروضة أهل الخمس ، وهم أهل الشعب ، وهم صلبية بني هاشم وبني المطلب ، ولا يحرم على آل محمد صدقة التطوع إنما يحرم عليهم الصدقة المفروضة ، أخبرنا إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات الناس بمكة والمدينة فقلت له : أتشرب من الصدقة وهي لا تحل لك ؟ فقال : إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة ( قال الشافعي ) :
    وتصدق علي وفاطمة على بني هاشم وبني المطلب بأموالهما ، وذلك أن هذا تطوع ، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم الهدية من صدقة تصدق بها على بريرة ، وذلك أنها من بريرة تطوع لا صدقة ( قال ) : وإذا تولى العامل قسم الصدقات قسمها على ما وصفت وكان الأمر فيها عليه واسعا ; لأنه يجمع صدقات عامة فتكثر فلا يحل له أن يؤثر فيها أحدا على أحد علم مكانه ، فإن فعل على غير الاجتهاد خشيت عليه المأثم ، ولم يبن لي أن أضمنه إذا أعطاها أهلها ، وكذلك لو نقلها من بلد إلى بلد فيه أهل الأصناف لم يتبين لي أن أضمنه في الحالين ( قال ) : ولو ضمنه رجل كان مذهبا ، والله أعلم ( قال ) : فأما لو ترك العامل أهل صنف موجودين حيث يقسمها ، هو يعرفهم وأعطى حظهم غيرهم ضمن ; لأن سهم هؤلاء بين في كتاب الله تبارك وتعالى ، وليس أن يعمهم بينا في النص ، وكذلك إذا قسمها الوالي لها فترك أهل سهم موجودين ضمن لما وصفت .

    ( قال الشافعي ) :
    الفقير الذي لا حرفة له ولا مال ، والمسكين الذي له الشيء ولا يقوم به .
    باب العلة في اجتماع أهل الصدقة ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى :
    وإذا كانت الصدقة ثمانية آلاف وأهل السهمان موجودين فكان فيهم فقير واحد يستغرق سهمه ومسكين واحد يستغرق سهمه وغارمون مائة يعجز السهم كله عن واحد منهم فسأل الغارمون أن يعطى الفقراء والمساكين ثلث سهم ; لأنه واحد وأقل ما يجزي عليه أن يعطى إذا وجدوا ثلاثة ، قيل ليس ذلك لكم ; لأنكم لا تستحقون من سهم الفقراء والمساكين شيئا أبدا ما كان منهم محتاج إليه والسهم مجموع مقتصر به عليهم ما احتاج إليه أحد منهم ، فإذا فضل منه فضل كنتم وغيركم من أهل السهمان فيه سواء وأنتم لا تستحقون إلا بما يستحق به واحد منهم ، وكذلك هذا في [ ص: 89 ] جميع أهل السهمان ، وإذا كان فيهم غارمون لا أموال لهم عليهم ديون فأعطوا مبلغ غرمهم ، أو أقل منه فقالوا : نحن فقراء غارمون ، فقد أعطينا بالغرم وأنتم ترونا أهل فقر ، قيل لهم : إنما نعطيكم بأحد المعنيين ، لو كان هذا على الابتداء فقال : أنا فقير غارم ، قيل له : اختر بأي المعنيين شئت أعطيناك ، فإن شئت بمعنى الفقر ، وإن شئت بمعنى الغرم . فأيهما اختار هو أكثر له أعطيناه ، وإن اختار الذي هو أقل لعطائه أعطيناه وأيهما قال هو الأكثر أعطيناه به ولم نعطه بالآخر ، فإذا أعطيناه باسم الفقر فلغرمائه أن يأخذوا مما في يده حقوقهم كما لهم أن يأخذوا مالا لو كان له ، وكذلك إن أعطيناه بمعنى الغرم ، فإذا أعطيناه بمعنى الغرم أحببت أن يتولى دفعه عنه ، فإن لم يفعل فأعطاه جاز كما يجوز في المكاتب أن يعطي من سهمه ، فإن قال : ولم لا أعطى بمعنيين إذا كنت من أهلهما معا ؟ قيل الفقير المسكين والمسكين فقير بحال يجمعهما اسم ويفترق بهما اسم وقد فرق الله تعالى بينهما فلا يجوز أن يعطى ذلك المسكين فيعطى الفقير بالمسكنة مع الفقر والمسكين بالفقر والمسكنة ، ولا يجوز أن يعطى أحدهما إلا بأحد المعنيين ، وكذلك لا يجوز أن يعطى رجل ذو سهم إلا بأحد المعنيين ، لو جاز هذا ، جاز أن يعطى رجل بفقر وغرم وبأنه ابن سبيل ، وغاز ومؤلف وعامل ، فيعطى بهذه المعاني كلها ، فإن قال قائل : فهل من دلالة تدل على أن اسم الفقر يلزم المسكين ؟ والمسكنة تلزم الفقير ؟ قيل : نعم . معنى الفقر معنى المسكنة ، ومعنى المسكنة معنى الفقر ، فإذا جمعا معا ، لم يجز إلا بأن يفرق بين حاليهما بأن يكون الفقير الذي بدئ به أشدهما ، وكذلك هو في اللسان ، والعرب تقول للرجل فقير مسكين ومسكين فقير ، وإنما المسكنة والفقر لا يكونان بحرفة ولا مال .
    قسم الصدقات الثاني

    أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا الشافعي قال : فرض الله عز وجل على أهل دينه المسلمين في أموالهم حقا لغيرهم من أهل دينه المسلمين المحتاجين إليه لا يسع أهل الأموال حبسه عمن أمروا بدفعه إليه من أهله ، أو ولاته ، ولا يسع الولاة تركه لأهل الأموال ; لأنهم أمناء على أخذه لأهله منهم ، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } . ففي هذه الآية دلالة على ما وصفت من أن ليس لأهل الأموال منع ما جعل الله عز وجل عليهم ولا لمن وليهم ترك ذلك لهم ، ولا عليهم ( أخبرنا ) : إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب قال : لم يبلغنا أن أبا بكر وعمر أخذا الصدقة مثناة ولكن كانا يبعثان عليها في الخصب والجدب والسمن والعجف ولا يضمنانها أهلها ولا يؤخرانها عن كل عام ; لأن أخذها في كل عام سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى ولم نعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 90 ] أخرها عاما لا يأخذها فيه ، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : " لو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها لا تفرقوا بين ما جمع الله " .

    ( قال الشافعي ) :
    هذا إنما هو فيما أخذ من المسلمين خاصة ; لأن الزكاة والطهور إنما هو للمسلمين والدعاء بالأجر والبركة ( قال الشافعي ) : وإذا أخذ صدقة مسلم دعا له بالأجر والبركة كما قال الله عز وجل : { وصل عليهم } أي ادع لهم فما أخذ من مسلم فهو زكاة والزكاة صدقة والصدقة زكاة وطهور أمرهما ومعناهما واحد .

    وإن سميت مرة زكاة ومرة صدقة هما اسمان لها بمعنى واحد ، وقد تسمي العرب الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة ، وهذا بين في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي لسان العرب ، قال الله عز وجل : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } قال أبو بكر : " لو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه لا تفرقوا بين ما جمع الله " يعني والله أعلم قول الله عز وجل : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } واسم ما أخذ من الزكاة صدقة وقد سماها الله تعالى في القسم صدقة فقال : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية تقول : إذا جاء المصدق يعني الذي يأخذ الماشية وتقول إذا جاء الساعي ، وإذا جاء العامل .

    ( قال الشافعي ) :
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ليس فيما دون خمس ذود صدقة ولا فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة ولا فيما دون خمس أواق من الورق صدقة } ( قال الشافعي ) : والأغلب على أفواه العامة أن في التمر العشر وفي الماشية الصدقة وفي الورق الزكاة ، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كله صدقة ، والعرب تقول له صدقة وزكاة ومعناهما عندهم معنى واحد ، فما أخذ من مسلم من صدقة ماله ضأنا كان ، أو ماشية ، أو زرعا ، أو زكاة فطر ، أو خمس ركاز ، أو صدقة معدن ، أو غيره مما وجب عليه في ماله في كتاب ، أو سنة ، أو أمر أجمع عليه عوام المسلمين فمعناه واحد أنه زكاة ، والزكاة صدقة وقسمه واحد لا يختلف كما قسمه الله .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب قسم الصدقات
    الحلقة (68)
    صــــــــــ 91 الى صـــــــــــ95

    الصدقات ما فرض الله عز وجل على المسلمين فهي طهور ( قال الشافعي ) :
    وقسم الفيء خلاف قسم هذا والفيء ما أخذ من مشرك هو به لأهل دين الله هو موضوع في غير هذا الموضع ( قال ) : يقسم ما أخذ من حق مسلم وجب في ماله بقسم الله في الصدقات سواء قليل ما أخذ منه وكثيره ، وعشر ما كان ، أو خمس ، أو ربع عشر ، أو بعدد مختلف أن يستوي ; لأن اسم الصدقة يجمعه كله قال الله تبارك وتعالى : {إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية فبين الله عز وجل لمن الصدقات ثم وكدها وشددها فقال { فريضة من الله والله عليم حكيم } فقسم كل ما أخذ من مسلم على قسم الله عز وجل وهي سهمان ثمانية لا يصرف منها سهم ولا شيء منه عن أهله ما كان من أهله أحد يستحقه ولا تخرج صدقة قوم منهم عن بلدهم وفي بلدهم من يستحقها ، أخبرنا وكيع عن زكريا بن إسحاق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه ، فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم } أخبرنا يحيى بن حسان الثقة من أصحابنا عن الليث بن سعد عن سعيد المقبري عن شريك بن أبي نمر عن أنس بن مالك { أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : نشدتك الله آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتردها على فقرائنا ؟ قال : نعم } ( قال الشافعي ) : والفقراء ها هنا كل من لزمه اسم حاجة ممن سمى الله تعالى من الأصناف الثمانية ، وذلك أن كلهم إنما يعطى بموضع الحاجة إلا بالاسم فلو أن ابن السبيل كان غنيا لم يعط ، وإنما يعطى ابن السبيل [ ص: 91 ] المحتاج إلى السلاح في وقته الذي يعطى فيه ، فإن لم يوجد من أهل الصدقات الذين يوجد منهم أحد من أهل السهمان الذين سمى الله عز وجل ردت حصة من لم يوجد على من وجد ، كأن وجد فيهم فقراء ومساكين وغارمون ولم يوجد غيرهم ، فقسم الثمانية الأسهم على ثلاثة أسهم وبيان هذا في أسفل الكتاب فأهل السهمان يجمعهم أنهم أهل حاجة إلى مالهم منها كلهم وأسباب حاجاتهم مختلفة ، وكذلك أسباب استحقاقهم بمعان مختلفة يجمعها الحاجة ويفرق بينها صفاتها ، فإذا اجتمعوا فالفقراء الزمنى الضعفاء الذين لا حرفة لهم وأهل الحرفة الضعيفة الذين لا تقع حرفتهم موقعا من حاجتهم ولا يسألون الناس والمساكين السؤال ومن لا يسأل ممن له حرفة تقع منه موقعا ولا تغنيه ولا عياله ، فإن طلب الصدقة بالمسكنة رجل جلد فعلم الوالي أنه صحيح مكتسب يغني عياله بشيء إن كان له وبكسبه إذ لا عيال له فعلم الوالي أنه يغني نفسه بكسبه غنى معروفا لم يعطه شيئا ، فإن قال السائل لها يعني الصدقة الجلد لست مكتسبا ، أو أنا مكتسب لا يغنيني كسبي ، أو لا يغني عيالي ولي عيال وليس عند الوالي يقين من أن ما قال على غير ما قال ، فالقول قوله ويعطيه الوالي ، أخبرنا سفيان عن هشام عن أبيه عن { عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه من الصدقة فصعد فيهما وصوب وقال : إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب } ( قال الشافعي ) : رأى النبي صلى الله عليه وسلم جلدا وصحة يشبه الاكتساب وأعلمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلح لهما مع الاكتساب الذي يستغنيان به أن يأخذا منها ولا يعلم أمكتسبان أم لا ؟ فقال : إن شئتما بعد أن أعلمتكما أن لا حظ فيها لغني ولا مكتسب فعلت ، وذلك أنهما يقولان : أعطنا ، فإنا ذوا حظ ; لأنا لسنا غنيين ولا مكتسبين كسبا يغني ، أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ريحان بن يزيد قال : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : " لا تصلح الصدقة لغني ولا لذي مرة قوي " .

    ( قال الشافعي ) :
    ورفع هذا الحديث عن سعد عن أبيه . والعاملون عليها من ولاه الوالي قبضها وقسمها من أهلها كان ، أو غيرهم ممن أعان الوالي على جمعها وقبضها من العرفاء ومن لا غنى للوالي عنه ولا يصلحها إلا مكانه ، فأما رب الماشية يسوقها فليس من العاملين عليها ، وذلك يلزم رب الماشية ، وكذلك من أعان الوالي عليها ممن بالوالي الغنى عن معونته فليس من العاملين عليها الذين لهم فيها حق ، والخليفة ووالي الإقليم العظيم الذي يلي قبض الصدقة ، وإن كانا من العاملين عليها القائمين بالأمر بأخذها فليسا عندنا ممن له فيها حق من قبل أنهما لا يليان أخذها ، أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم أن عمر شرب لبنا فأعجبه فقال للذي سقاه : " من أين لك هذا اللبن ؟ " فأخبره أنه ورد على ماء قد سماه ، فإذا بنعم من نعم الصدقة وهم يستقون فحلبوا لي من لبنها فجعلته في سقائي فهو هذا ، فأدخل عمر إصبعه فاستقاءه أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة غاز في سبيل الله والعامل عليه ، أو الغارم ، أو الرجل اشتراها بماله ، أو الرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى [ ص: 92 ] المسكين للغني } .

    ( قال الشافعي ) :
    والعامل عليها يأخذ من الصدقة بقدر غنائه
    لا يزاد عليه ، وإن كان العامل موسرا إنما يأخذ على معنى الإجارة ، والمؤلفة قلوبهم في متقدم من الأخبار فضربان ضرب مسلمون مطاعون أشراف يجاهدون مع المسلمين فيقوى المسلمون بهم ولا يرون من نياتهم ما يرون من نيات غيرهم ، فإذا كانوا هكذا فجاهدوا المشركين فأرى أن يعطوا من سهم النبي صلى الله عليه وسلم هو خمس الخمس ما يتألفون به سوى سهمانهم مع المسلمين إن كانت نازلة في المسلمين ، وذلك أن الله عز وجل جعل هذا السهم خالصا لنبيه فرده النبي صلى الله عليه وسلم في مصلحة المسلمين وقال : صلى الله عليه وسلم { مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم } يعني بالخمس حقه من الخمس وقوله مردود فيكم يعني في مصلحتكم وأخبرني من لا أتهم عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم يوم حنين من الخمس } .

    ( قال الشافعي ) :
    وهم مثل عيينة والأقرع وأصحابهما ولم يعط النبي صلى الله عليه وسلم عباد بن مرداس وكان شريفا عظيم الغناء حتى استعتب فأعطاه .

    ( قال الشافعي ) : لما أراد ما أراد القوم واحتمل أن يكون دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء حين رغب عما صنع بالمهاجرين والأنصار فأعطاه على معنى ما أعطاهم واحتمل أن يكون رأى أن يعطيه من ماله حيث رأى ; لأنه له خالص ويحتمل أن يعطي على النفل وغير النفل ; لأنه له وقد أعطى صفوان بن أمية قبل أن يسلم ولكنه قد أعار رسول الله صلى الله عليه وسلم أداة وسلاحا وقال فيه عند الهزيمة أحسن مما قال فيه بعض من أسلم من أهل مكة عام الفتح ، وذلك أن الهزيمة كانت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين في أول النهار فقال له رجل : " غلبت هوازن وقتل محمد " فقال " صفوان بفيك الحجر فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب هوازن " وأسلم قومه من قريش وكان كأنه لا يشك في إسلامه والله أعلم " ، وهذا مثبت في كتاب قسم الفيء " ، فإذا كان مثل هذا رأيت أن يعطى من سهم النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أحب إلي للاقتداء بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    لو قال قائل : كان هذا السهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان له أن يضع سهمه حيث رأى ، فقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مرة وأعطى من سهمه بخيبر رجالا من المهاجرين والأنصار ; لأنه ماله يضعه حيث شاء فلا يعطى اليوم أحد على هذا من الغنيمة ولم يبلغنا أن أحدا من خلفائه أعطى أحدا بعده وليس للمؤلفة في قسم الغنيمة سهم مع أهل السهمان ، لو قال هذا أحد ، كان مذهبا والله أعلم ، وللمؤلفة قلوبهم في سهم الصدقات سهم ، والذي أحفظ فيه من متقدم الخبر أن عدي بن حاتم جاء أبا بكر الصديق - أحسبه - بثلثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا وأمره أن يلحق بخالد بن الوليد بمن أطاعه من قومه فجاءه بزهاء ألف رجل وأبلى بلاء حسنا وليس في الخبر في إعطائه إياها من أين أعطاه إياها غير أن الذي يكاد أن يعرف القلب بالاستدلال بالأخبار والله أعلم أنه أعطاه إياها من قسم [ ص: 93 ] المؤلفة فإما زاده ليرغبه فيما يصنع ، وإما أعطاه ليتألف به غيره من قومه ممن لا يثق منه بمثل ما يثق من عدي بن حاتم فأرى أن يعطى من سهم المؤلفة قلوبهم في مثل هذا المعنى إن نزلت بالمسلمين نازلة مما ينزل إن شاء الله تعالى ، وذلك أن يكون فيها العدو بموضع شاط لا تناله الجيوش إلا بمؤنة ويكون العدو بإزاء قوم من أهل الصدقات فأعان عليهم أهل الصدقات إما بنية فأرى أن يقوى بسهم سبيل الله من الصدقات ، وأما أن يكون لا يقاتلون إلا بأن يعطوا سهم المؤلفة ، أو ما يكفيهم منه ، وكذلك إن كان العرب أشرافا ممتنعين غير ذي نية إن أعطوا من صدقاتهم هذين السهمين ، أو أحدهما إذا كانوا إن أعطوا أعانوا على المشركين فيما أعانوا على الصدقة ، وإن لم يعطوا لم يوثق بمعونتهم رأيت أن يعطوا بهذا المعنى إذا انتاط العدو وكانوا أقوى عليه من قوم من أهل الفيء يوجهون إليه تبعد دارهم وتثقل مؤنتهم ويضعفون عنه ، فإن لم يكن مثل ما وصفت مما كان في زمان أبي بكر مع امتناع أكثر العرب بالصدقة على الردة وغيرها لم أر أن يعطى أحد منهم من سهم المؤلفة قلوبهم ، ورأيت أن يرد سهمهم على السهمان معه ، وذلك أنه لم يبلغني أن عمر ولا عثمان ولا عليا أعطوا أحدا تألفا على الإسلام وقد أعز الله - وله الحمد - الإسلام عن أن يتألف الرجال عليه ، وقوله وفي الرقاب يعني المكاتبين والله أعلم ، ولا يشترى عبد فيعتق .

    والغارمون كل من عليه دين كان له عرض يحتمل دينه ، أو لا يحتمله ، وإنما يعطى الغارمون إذا ادانوا في حمل دية ، أو أصابتهم جائحة ، أو كان دينهم في غير فسق ولا سرف ولا معصية ، فأما من ادان في معصية فلا أرى أن يعطى من سهم سبيل الله كما وصفت يعطى منه من أراد الغزو ، فلو امتنع قوم كما وصفت من أداء الصدقة فأعان عليهم قوم رأيت أن يعطى من أعان عليهم ، فإن لم يكن مما وصفت شيء ، رد سهم سبيل الله إلى السهمان معه ، وابن السبيل عندي ، ابن السبيل من أهل الصدقة الذي يريد البلد غير بلده ، لا من لزمه .
    كيف تفريق قسم الصدقات ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى : ينبغي للساعي على الصدقات أن يأمر بإحصاء أهل السهمان في عمله فيكون فراغه من قبض الصدقات بعد تناهي أسمائهم وأنسابهم وحالاتهم وما يحتاجون إليه ، ويحصي ما صار في يديه من الصدقات فيعزل من سهم العاملين بقدر ما يستحق بعمله ثم يقضي جميع ما بقي من السهمان كله عندهم كما أصف إن شاء الله تعالى ، إذا كان الفقراء عشرة ، والمساكين عشرين ، والغارمون خمسة . وهؤلاء ثلاثة أصناف من أهل الصدقة ، وكان سهمانهم الثلاثة من [ ص: 94 ] جميع المال ثلاثة آلاف ، فإن كان الفقراء يغترقون سهمهم هو ألف ، هو ثلث المال ، فيكون سهمهم كفافا يخرجون به من حد الفقر إلى حد الغنى أعطوه كله ، وإن كان يخرجهم من حد الفقر إلى حد الغنى ثلاثة ، أو أربعة ، أو أقل ، أو أكثر ، أعطوا منه ما يخرجهم من اسم الفقر ، ويصيرون به إلى اسم الغنى ويقف الوالي ما بقي منه ، ثم يقسم على المساكين سهمهم ، هو ألف هكذا ، وعلى الغارمين سهمهم هو ألف هكذا ، فإن قال قائل : كيف قلت لكل أهل صنف موجود سهمهم ثم استغنوا ببعض السهم ، فلم لا يسلم إليهم بقيته ؟ .

    ( قال الشافعي ) :
    قلته بأن الله تبارك وتعالى سماه لهم مع غيرهم بمعنى من المعاني ، هو الفقر والمسكنة والغرم ، فإذا خرجوا من الفقر والمسكنة فصاروا إلى الغنى ومن الغرم ، فبرئت ذمتهم وصاروا غير غارمين ، فلا يكونون من أهله ; لأنهم ليسوا ممن يلزمه اسم من قسم الله عز وجل له بهذا الاسم ومعناه ، وهم خارجون من تلك الحال ممن قسم الله له ، ألا ترى أن أهل الصدقة الأغنياء لو سألوا بالفقر والمسكنة في الابتداء أن يعطوا منها لم يعطوا ، وقيل لستم ممن قسم الله له ، وكذلك لو سألوا بالغرم وليسوا غارمين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تحل الصدقة لغني } إلا من استثنى ، فإذا أعطيت الفقراء والمساكين فصاروا أغنياء فهم ممن لا تحل لهم ، وإذا لم تحل لهم كنت لو أعطيتهم أعطيتهم ما لا يحل لهم ولا لي أن أعطيهم ، وإنما شرط الله عز وجل إعطاء أهل الفقر والمسكنة وليسوا منهم .

    ( قال ) : ويأخذ العاملون عليها بقدر أجورهم في مثل كفايتهم وقيامهم وأمانتهم والمؤنة عليهم ، فيأخذ الساعي نفسه لنفسه بهذا المعنى ، ويعطى العريف ومن يجمع الناس عليه بقدر كفايته وكلفته ، وذلك خفيف ; لأنه في بلاده ، ويعطى ابن السبيل منهم قدر ما يبلغه البلد الذي يريد في نفقته وحمولته إن كان البلد بعيدا وكان ضعيفا ، وإن كان البلد قريبا وكان جلدا الأغلب من مثله وكان غنيا بالمشي إليها أعطي مؤنته في نفقته بلا حمولة ، فإن كان يريد أن يذهب ويأتي أعطي ما يكفيه في ذهابه ورجوعه من النفقة ، فإن كان ذلك يأتي على السهم كله أعطيه كله إن لم يكن معه ابن سبيل غيره ، وإن كان يأتي على سهم من مائة سهم من سهم ابن السبيل لم يزد عليه .

    فإن قال قائل : لم أعطيت الفقراء والمساكين والغارمين حتى خرجوا من اسم الفقر والمسكنة والغرم ولم تعط العاملين وابن السبيل حتى يسقط عنهم الاسم الذي له أعطيتهم ويزول ؟ فليس للاسم أعطيتهم ولكن للمعنى ، وكان المعنى إذا زال زال الاسم ونسمي العاملين بمعنى الكفاية ، وكذلك ابن السبيل بمعنى البلاغ ، لو أني أعطيت العامل وابن السبيل جميع السهمان وأمثالها لم يسقط عن العامل اسم العامل ما لم يعزل ، ولم يسقط عن ابن السبيل اسم ابن السبيل ما دام مجتازا ، أو كان يريد الاجتياز فأعطيتهما ، والفقراء والمساكين والغارمين بمعنى واحد ، غير مختلف ، وإن اختلفت أسماؤه كما اختلفت أسماؤهم والعامل إنما هو مدخل عليهم صار له حق معهم بمعنى كفاية وصلاح للمأخوذ منه والمأخوذ له ، فأعطي أجر مثله وبهذا في العامل مضت الآثار وعليه من أدركت ممن سمعت منه ببلدنا ، ومعنى ابن السبيل في أن يعطى ما يبلغه ، إن كان عاجزا عن سفره إلا بالمعونة عليه بمعنى العامل في بعض أمره ويعطى المكاتب ما بينه وبين أن يعتق قل ذلك ، أو كثر ، حتى يغترق السهم ، فإن دفع إليه ، فالظاهر - عندنا - على أنه حريص على أن لا يعجز ، وإن دفع إلى مالكه كان أحب إلي وأقرب من الاحتياط .
    [ ص: 95 ] رد الفضل على أهل السهمان ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى إذا لم تكن مؤلفة ولا قوم من أهل الصدقة يريدون الجهاد فليس فيهم أهل سهم سبيل الله ولا سهم مؤلفة ، عزلت سهامهم ، وكذلك إن لم يكن ابن سبيل ولم يكن غارم ، وكذلك إن غابوا فأعطوا ما يبلغهم ويفضل عنهم ، أو عن أحد من أهل السهمان معهم شيء من المال عزل أيضا ما يفضل عن كلهم ثم أحصي ما بقي من أهل السهمان الذين لم يعطوا ، أو أعطوا فلم يستغنوا فابتدئ قسم هذا المال عليهم كما ابتدئ قسم الصدقات فجزئ على من بقي من أهل السهمان ، سواء كان بقي فقراء ومساكين لم يستغنوا ، وغارمون لم تقض كل ديونهم ولم يبق معهم من أهل السهمان الثمانية أحد غيرهم ، فيقسم جميع ما بقي من المال بينهم على ثلاثة أسهم ، فإن استغنى الغارمون بسهمهم ، هو ثلث جميع المال أعيد فضل سهمهم على الفقراء والمساكين فيقسم على أهل هذين القسمين حتى ينفد ، فإن قسم بينهم فاستغنى الفقراء ببعضه رد ما بقي على المساكين حتى يستغنوا ، فإن قال : كيف رددت ما يفضل من السهمان عن حاجة أهل الحاجة منهم ومنهم من لم يكن له سهم من أهل السهمان مثل المؤلفة وغيرهم إذا لم يكونوا على أهل السهمان معهم وأنت إذا اجتمعوا جعلت لأهل كل صنف منهم سهما ؟ .

    ( قال الشافعي ) :
    فإذا اجتمعوا كانوا شرعا في الحاجة وكل واحد منهم يطلب ما جعل الله له وهم ثمانية ، فلا يكون لي منع واحد منهم ما جعل الله له ، وذكر الله تبارك وتعالى لهم واحد لم يخصص أحدا منهم دون أحد فأقسم بينهم معا كما ذكرهم الله عز وجل معا ، وإنما منعني أن أعطي كل صنف منهم سهمه تاما ، وإن كان يغنيه أقل منه أن بينا والله تعالى أعلم أن في حكم الله عز وجل أنهم إنما يعطون بمعان سماها الله تعالى .

    فإذا ذهبت تلك المعاني وصار الفقير والمسكين غنيا والغارم غير غارم فليسوا ممن قسم له ، لو أعطيتهم كنت أعطيت من لم أؤمر به ، لو جاز أن يعطوا بعد أن يصيروا إلى حد الغنى والخروج من الغرم جاز أن يعطاها أهل دارهم ويسهم للأغنياء فأحيلت عمن جعلت له إلى من لم تجعل له ، وليس لأحد إحالتها عما جعلها الله تعالى له ولا إعطاؤها من لم يجعلها الله لها ، وإنما ردي ما فضل عن بعض أهل السهمان على من بقي ممن لم يستغن من أهل السهمان بأن الله تبارك وتعالى أوجب على أهل الغنى في أموالهم شيئا يؤخذ منهم لقوم بمعان ، فإذا ذهب بعض من سمى الله عز وجل له ، أو استغنى ، فهذا مال لا مالك له من الآدميين بعينه يرد إليه كما يرد عطايا الآدميين ووصاياهم لو أوصى رجل لرجل فمات الموصى له قبل الموصي كانت الوصية راجعة إلى وارث الموصي ، فلما كان هذا المال مخالفا للمال يورث ها هنا لم يكن أحد أولى عندنا به في قسم الله عز وجل ، وأقرب ممن سمى الله تبارك وتعالى له هذا المال وهؤلاء من جملة من سمى الله تبارك وتعالى له هذا المال ولم يبق مسلم يحتاج إلا وله حق سواه ، أما أهل الفيء فلا يدخلون على أهل الصدقة .

    وأما أهل صدقة أخرى فهو مقسوم لهم صدقتهم ، لو كثرت لم يدخل عليهم غيرهم وواحد منهم يستحقها [ ص: 96 ] فكما كانوا لا يدخلون عليهم غيرهم فكذلك لا يدخلون على غيرهم ما كان من غيرهم من يستحق منها شيئا ، لو استغنى أهل عمل ببعض ما قسم لهم ففضل عنهم فضل لرأيت أن ينقل الفضل عنهم إلى أقرب الناس بهم نسبا ودارا .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب قسم الصدقات
    الحلقة (69)
    صــــــــــ 96 الى صـــــــــــ100


    ضيق السهمان وما ينبغي فيه عند القسم أخبرنا الربيع قال : أخبرنا الشافعي قال : وإذا ضاقت السهمان فكان الفقراء ألفا وكان سهمهم ألفا والغارمون ثلاثة وكان غرمهم ألفا وسهمهم ألفا ، فقال الفقراء : إنما يغنينا مائة ألف ، وقد يخرج هؤلاء من الغرم ألف ، فاجمع سهمنا وسهمهم ثم اضرب لنا بمائة سهم من ألف ولهم سهم واحد كما يقسم هذا المال لو كان بيننا فوضى بمعنى واحد ، فليس ذلك لهم عندنا والله أعلم ; لأن الله عز وجل ذكر للغارمين سهما كما ذكر للفقراء سهما فنفض على الغارمين وإن اغترقوا السهم فهو لهم ولم يعطوا أكثر مما أعطوا ، وإن فضل عنهم فضل فلستم بأحق به من غيركم إن فضل معكم أهل سهمان ذكروا معكم ، ولكن ما فضل منهم أو من غيرهم يرد عليكم وعلى غيركم ممن لم يستغن من أهل السهمان معكم كما يبتدأ القسم بينكم .

    وكذلك لو كنتم المستغنين والغرماء غير مستغنين لم ندخلهم عليكم إلا بعد غناكم ولم نجعلهم يخاصمونكم ما اغترق كل واحد منكم سهمه ولا وقت فيما يعطي الفقراء إلا ما يخرجه من حد الفقر إلى الغنى ، قل ذلك أو كثر ، مما تجب فيه الزكاة أو لا تجب ; لأنه يوم يعطي لا زكاة عليه فيه ، وقد يكون الرجل غنيا وليس له مال تجب فيه الزكاة ، وقد يكون الرجل فقيرا بكثرة العيال وله مال تجب فيه الزكاة ، وإنما الغنى والفقر ما عرف الناس بقدر حال الرجل .

    والعرب قديما يتجاورون في بواديهم وقراهم بالنسب لخوفهم من غيرهم ، كان في الجاهلية يتجاورون ليمنع بعضهم بعضا ، فإذا كانوا هكذا يوم يصدقون قسمت صدقاتهم على فقرائهم بالقرابة والجوار معا .

    فإن كانوا أهل بادية وكان العامل الوالي يعمل فيهم على قبيلة أو قبيلتين ، وكان بعض أهل القبيلة يخالط القبيلة الأخرى التي ليس منها دون التي منها ، وجوارهم وخلطتهم أن يكونوا ينتجعون معا ويقيمون معا فضاقت السهمان ، قسمناها على الجوار دون النسب ، وكذلك إن خالطهم عجم غيرهم وهم معهم في القسم على الجوار ، فإن كانوا عند النجعة يفترقون مرة ويختلطون أخرى فأحب أن لو قسمها على النسب إذا استوت الحالات وكان النسب عندي أولى ، فإذا اختلفت الحالات فالجوار أولى من النسب ، وإن قال من تصدق : لنا فقراء على غير هذا الماء وهم كما وصفت يختلطون في النجعة ، أحصوا معا ثم فض ذلك على الغائب والحاضر ، وإن كانوا بأطراف من باديتهم متباعدة فكأن يكون بعضهم بالطرف وهو له ألزم قسم ذلك بينهم وكان الطرف الذي هو له ألزم كالدار لهم ، وهذا إذا كانوا معا أهل نجعة لا دار لهم يقرون بها ، فأما إن كانت لهم دار يكونون بها ألزم فإني أقسمها على الجوار أبدا ، وأهل الإراك والحمض من أهل البادية يلزمون منازلهم فأقسم بينهم على الجوار في المنازل ، وإن جاورهم في منازلهم من ليس منهم قسم على جيرانهم القسم على الجوار إذا كان جوار وعلى النسب والجوار إذا كانا معا ، ولو كان لأهل البادية معدن ، قسم ما يخرج من المعدن على من يلزم قرية المعدن ، وإن كانوا غرباء دون ذوي نسب أهل المعدن إذا كانوا منه بعيدا .

    وكذلك لو كان لهم زرع قسم زرعهم على جيران أهل الزرع دون ذوي النسب إذا كانوا بعيدا من موضع الزرع ، وزكاة أهل القرية تقسم على أهل السهمان [ ص: 97 ] من أهل القرية دون أهل النسب إذا لم يكن أهل النسب بالقرية وكانوا منها بعيدا ، وكذلك نخلهم وزكاة أموالهم ، ولا يخرج شيء من الصدقات من قرية إلى غيرها وفيها من يستحقها ، ولا من موضع إلى غيره ، وفيه من يستحقه ، وأولى الناس بالقسم أقربهم جوارا ممن أخذ المال منه ، وإن بعد نسبه إذا لم يكن معه ذو قرابة ، وإذا ولي الرجل إخراج زكاة ماله فكان له أهل قرابة ببلده الذي يقسمه به وجيران قسمه عليهم معا ، فإن ضاق فآثر قرابته فحسن عندي إذا كانوا من أهل السهمان معا .

    ( قال الشافعي ) : فأما أهل الفيء فلا يدخلون على أهل الصدقات ما كانوا يأخذون من الفيء ، فلو أن رجلا كان في العطاء فضرب عليه البعث في الغزو وهو بقرية فيها صدقات ، لم يكن له أن يأخذ من الصدقات شيئا ، فإن سقط من العطاء بأن قال لا أغزو واحتاج ، أعطي في الصدقة ، ومن كان من أهل الصدقات بالبادية والقرى ممن لا يغزو عدوا فليس من أهل الفيء ، فإن هاجر وأفرض وغزا صار من أهل الفيء وأخذ منه ، ولو احتاج وهو في الفيء ، لم يكن له أن يأخذ من الصدقات ، فإن خرج من الفيء وعاد إلى الصدقات فذلك له . الاختلاف

    ( قال الشافعي ) : رحمه الله قال بعض أصحابنا : لا مؤلفة فيجعل سهم المؤلفة وسهم سبيل الله في الكراع والسلاح في ثغر المسلمين حيث يراه الوالي ، وقال بعضهم : ابن السبيل من يقاسم الصدقات في البلد الذي به الصدقات من أهل الصدقات أو غيرهم وقال أيضا : إنما قسم الصدقات دلالات فحيث كانت الكثرة أو الحاجة فهي أسعد به ، كأنه يذهب إلى أن السهمان لو كانت ألفا وكان غارم غرمه ألف ومساكين يغنيهم عشرة آلاف ، وفقراء مثلهم يغنيهم ما يغنيهم ، وابن السبيل مثلهم يغنيهم ما يغنيهم ، جعل للغارم سهم واحد من هؤلاء ، فكان أكثر المال في الذين معه ، لأنهم أكثر منه عددا وحاجة ، كأنه يذهب إلى أن المال فوضى بينهم فيقتسمونه على العدد والحاجة لا لكل صنف منهم سهم ومن أصحابنا من قال : إذا أخذت صدقة قوم ببلد وكان آخرون ببلد مجدبين فكان أهل السهمان من أهل البلد الذين أخذت صدقاتهم إن تركوا تماسكوا ولم يجهدوا جهد المجدبين الذين لا صدقة ببلادهم ، أو لهم صدقة يسيرة لا تقع منهم موقعا ، نقلت إلى المجدبين إذا كانوا يخاف عليهم الموت هزلا إن لم ينقل إليهم ، كأنه يذهب أيضا إلى أن هذا المال مال من مال الله عز وجل قسمه لأهل السهمان لمعنى صلاح عباد الله فينظر إليهم الوالي فينقل هذه إلى هذه السهمان حيث كانوا على الاجتهاد ، قربوا أو بعدوا ، وأحسبه يقول : وتنقل سهمان أهل الصدقات إلى أهل الفيء إن جهدوا [ ص: 98 ] وضاق الفيء عليهم .

    وينقل الفيء إلى أهل الصدقات إن جهدوا وضاقت الصدقات ، على معنى إرادة صلاح عباد الله تعالى ، وإنما قلت بخلاف هذا القول ; لأن الله عز وجل جعل المال قسمين ، أحدهما قسم الصدقات التي هي طهور قسمها لثمانية أصناف ووكدها وجاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تؤخذ من أغنياء قوم وترد على فقرائهم لا فقراء غيرهم ولغيرهم فقراء ، فلم يجز عندي والله أعلم أن يكون فيها غير ما قلت من أن لا تنقل عن قوم إلى قوم وفيهم من يستحقها ، ولا يخرج سهم ذي سهم منهم إلى غيره وهو يستحقه ، وكيف يجوز أن يسمي الله عز وجل أصنافا فيكونوا موجودين معا فيعطى أحدهم سهمه وسهم غيره لو جاز هذا عندي جاز أن تجعل في سهم واحد فيمنع سبعة فرضا فرض لهم ويعطي واحدا ما لم يفرض له ، والذي يقول هذا القول لا يخالفنا في أن رجلا ولو قال : أوصى لفلان وفلان وفلان وأوصى بثلث ماله لفلان وفلان وفلان كانت الأرض أثلاثا بين فلان وفلان ، وفلان وكذلك الثلث ، ولا مخالف علمته في أن رجلا لو قال : ثلث مالي لفقراء بني فلان وغارم بني فلان رجل آخر وبني سبيل بني فلان رجل آخر أن كل صنف من هؤلاء يعطون من ثلثه وأن ليس أوصى ولا لوال أن يعطي أحد هؤلاء الثلث دون صاحبه .

    وكذلك لا يكون جميع المال للفقراء دون الغارمين ولا للغارمين دون بني السبيل ولا صنف ممن سمى دون صنف منهم أفقر وأحوج من صنف ثم يعطيهموه دون غيرهم ممن سمى الموصي ، لأن الموصي أو المتصدق قد سمى أصنافا فلا يصرف مال صنف إلى غيره ، ولا يترك من سمى له لمن لم يسم له معه ، لأن كلا ذو حق لما سمى له ، فلا يصرف حق واحد إلى غيره ولا يصرف حقهم إلى غيرهم ممن لم يسم له ، فإذا كان هذا عندنا وعند قائل هذا القول فما أعطى الآدميون لا يجوز أن يمضي إلا على ما أعطوا ، فعطاء الله عز وجل أحق أن يجوز وأن يمضي على ما أعطى ، ولو جاز في أحد العطاءين أن يصرف عمن أعطيه إلى من لم يعطه أو يصرف حق صنف أعطي إلى صنف أعطيه منهم كان في عطاء الآدميين أجوز ولكنه لا يجوز في واحد منهما ، وإذا قسم الله عز وجل الفيء فقال { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } الآية .

    وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أربعة أخماسه لمن أوجف على الغنيمة للفارس من ذلك ثلاثة أسهم وللراجل سهم ، فلم نعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الفارس ذا الغناء العظيم على الفارس الذي ليس مثله ، ولم نعلم المسلمين إلا سووا بين الفارسين ; حتى قالوا : لو كان فارس أعظم الناس غناء وآخر جبان سووا بينهما ، وكذلك قالوا في الرجالة ، أفرأيت لو عارضنا وإياهم معارض فقال : إذا جعلت أربعة أخماس الغنيمة لمن حضر ، وإنما معنى الحضور للغناء عن المسلمين والنكاية في المشركين فلا أخرج الأربعة أخماس لمن حضر ولكنني أحصي أهل الغناء ممن حضر ، فأعطي الرجل سهم مائة رجل أو أقل إذا كان يغنى مثل غنائهم أو أكثر ، وأترك الجبان وغير ذي النية الذي لم يغن فلا أعطيه أو أعطيه جزءا من مائة جزء من سهم رجل ذي غناء أو أكثر قليلا أو أقل قليلا بقدر غنائه هل الحجة عليه إلا أن يقال له : لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما ، فكان مخرج الخبر منه عاما ، ولم نعلمه خص أهل الغناء ، بل أعطى من حضر على الحضور والحرية [ ص: 99 ] والإسلام فقط ، دون الغناء .

    ومن خالفنا في قسم الصدقات لا يخالفنا في قسم ما أوجف عليه من الأربعة الأخماس . فكيف جاز له أن يخالفنا في الصدقات وقد قسم الله عز وجل لهم أبين القسم فيعطي بعضا دون بعض ؟ وإذا كان لا يجوز عندنا ولا عنده في الموجفين لو أوجفوا وهم أهل لا غناء لهم على أهل ضعف من المشركين لا غناء عندهم وكان بإزائهم أهل غناء يقاتلون عدوا أهل شوكة شديدة أن يعطوا مما أوجف عليه الضعفاء من المسلمين من الضعفاء من المشركين ولا يعطاه المسلمون ذوو الغناء الذين يقاتلون المشركين ذوي العدد والشوكة نظرا للإسلام وأهله حتى يعطى بالنظر ما أوجف عليه المسلمون الضعفاء على المشركين الضعفاء إلى المسلمين الأقوياء المقاتلين للشرك الأقوياء لأن عليه مؤنة عظيمة في قتالهم وهم أعظم غناء عن المسلمين ، ولكني أعطي كل موجف حقه ، فكيف جاز أن تنقل صدقات قوم يحتاجون إليها إلى غيرهم إن كانوا أحوج منهم أو يشركهم معهم ، أو ينقلها من صنف منهم إلى صنف ، والصنف الذين نقلها عنهم يحتاجون إلى حقهم ؟ أو رأيت لو قال قائل لقوم أهل يسر كثير أوجفوا على عدو : أنتم أغنياء فآخذ ما أوجفتم عليه فأقسمه على أهل الصدقات المحتاجين إذا كان عام سنة لأن أهل الصدقات مسلمون من عيال الله تعالى ، وهذا مال من مال الله تعالى ، وأخاف إن حبست هذا عنهم وليس يحضرني مال غيره أن يضر بهم ضررا شديدا ، وأخذه منكم لا يضر بكم هل تكون الحجة عليه إلا أن يقال له : من قسم له أحق بما قسم ممن لم يقسم له ، وإن كان من لم يقسم له أحوج ، وهكذا ينبغي أن يقال في أهل الصدقات : إنها بقسمة مقسومة لهم بينة القسم ، أو رأيت لو قال قائل في أهل المواريث الذين قسم الله تعالى لهم أو الذين جاء أثر بالقسم لهم أو فيهما معا ، إنما ورثوا بالقرابة والمصيبة بالميت .

    فإن كان منهم أحد خيرا للميت في حياته ولتركته بعد وفاته وأفقر إلى ما ترك أوثر بميراثه ; لأن كلا ذو حق في حال هل تكون الحجة عليه إلا أن يقال لا نعدو ما قسم الله تبارك وتعالى فهكذا الحجة في قسم الصدقات ( قال الشافعي ) : الحجة على من قال هذا القول أكثر من هذا وفيه كفاية وليست في قول من قال هذا شبهة ينبغي عندي أن يذهب إليها ذاهب ; لأنها عندي والله تعالى أعلم إبطال حق من جعل الله عز وجل له حقا وإباحة أن يأخذ الصدقات الوالي فينقلها إلى ذي قرابة له واحد أو صديق ببلد غير البلد الذي به الصدقات إذا كان من أهل السهمان .

    ( قال الشافعي ) : فاحتج محتج في نقل الصدقات بأن قال : إن بعض من يقتدى به قال : إن جعلت في صنف واحد أجزأ والذي قال هذا القول لا يكون قوله حجة تلزم وهو لو قال هذا لم يكن قال إن جعلت في صنف وأصناف موجودة ، ونحن نقول كما قال إذا لم يوجد من الأصناف إلا صنف أجزأ أن توضع فيه ، واحتج بأن قال : إن طاوسا روى أن معاذ بن جبل قال لبعض أهل اليمن : ائتوني بعرض ثياب آخذها منكم مكان الشعير والحنطة فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة .

    ( قال الشافعي ) : صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل ذمة اليمن على دينار على كل واحد كل سنة فكان في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ من الرجل دينار أو قيمته من المعافر كان ذلك إذا لم يوجد الدينار فلعل معاذا لو أعسروا بالدينار أخذ منهم الشعير والحنطة ; لأنه أكثر ما عندهم وإذا جاز أن يترك الدينار لغرض [ ص: 100 ] فلعله جاز عنده أن يأخذ منهم طعاما وغيره من العرض بقيمة الدنانير فأسرعوا إلى أن يعطوه من الطعام لكثرته عندهم يقول الثياب خير للمهاجرين بالمدينة وأهون عليكم ; لأنه لا مؤنة كثيرة في المحمل للثياب إلى المدينة والثياب بها أغلى ثمنا .

    فإن قال قائل : هذا تأويل لا يقبل إلا بدلالة عمن روى عنه فإنما قلناه بالدلائل عن معاذ وهو الذي رواه عنه هذا ، أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن معاذا قضى : { أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته فعشره وصدقته إلى مخلاف عشيرته } .

    ( قال الشافعي ) : فبين في قصة معاذ أن هذا في المسلمين خاصة وذلك أن العشر والصدقة لا تكون إلا للمسلمين .

    ( قال الشافعي ) : وإذا رأى معاذ في الرجل المأخوذ منه الصدقة ينتقل بنفسه وأهله عن مخلاف عشيرته أن تكون صدقته وعشره إلى مخلاف عشيرته وذلك ينتقل بصدقة ماله الناض والماشية فيجعل معاذ صدقته وعشره لأهل مخلاف عشيرته لا لمن ينتقل إليه بقرابته دون أهل المخلاف الذي انتقل عنه ، وإن كان الأكثر أن مخلاف عشيرته لعشيرته ، وإنما خلطهم غيرهم وكانت العشيرة أكثر ، والآخر أنه رأى أن الصدقة إذا ثبتت لأهل مخلاف عشيرته لم تحول عنهم صدقته وعشره بتحوله وكانت لهم كما تثبت بدءا .

    ( قال الشافعي ) : وهذا يحتمل أن يكون عشره وصدقته التي هي بين ظهراني مخلاف عشيرته لا تتحول عنهم دون الناض الذي يتحول ، ومعاذ إذ حكم بهذا كان من أن ينقل صدقة المسلمين من أهل اليمن الذين هم أهل الصدقة إلى أهل المدينة الذين أكثرهم أهل الفيء أبعد ، وفيما روينا من هذا عن معاذ ما يدل على قولنا : لا تنقل الصدقة من جيران المال المأخوذ منه الصدقة إلى غيرهم .

    ( قال الشافعي ) : وطاوس لو ثبت عن معاذ شيء لم يخالفه إن شاء الله تعالى ، وطاوس يحلف ما يحل بيع الصدقات قبل أن تقبض ولا بعد أن تقبض ولو كان ما ذهب إليه من احتج علينا بأن معاذا باع الحنطة والشعير الذي يؤخذ من المسلمين بالثياب كان بيع الصدقة قبل أن تقبض ولكنه عندنا إنما قال : ائتوني بعرض من الثياب ، فإن قال قائل : كان عدي بن حاتم جاء أبا بكر بصدقات والزبرقان بن بدر وهما ، وإن جاءا بما فضل عن أهله ما فقد نقلاها إلى المدينة فيحتمل أن يكون بالمدينة أقرب الناس نسبا ودارا ممن يحتاج إلى سعة من مضر وطيئ من اليمن ويحتمل أن يكون من حولهم ارتد فلم يكن لهم حق في الصدقة ويكون بالمدينة أهل حق هم أقرب من غيرهم ويحتمل أن يؤتى بها أبو بكر ثم يأمر بردها إلى غير أهل المدينة ، وليس في ذلك عن أبي بكر خبر نصير إليه ، فإن قال قائل : إنه بلغنا أن عمر كان يؤتى بنعم من نعم الصدقة .

    ( قال الشافعي ) : فبالمدينة صدقات النخل والزرع والناض والماشية وللمدينة ساكن من المهاجرين والأنصار وحلفائهما وأشجع وجهينة ومزينة بها وبأطرافها وغيرهم من قبائل العرب ، فعيال ساكن المدينة بالمدينة ، وعيال عشائرهم وجيرانهم وقد يكون عيال ساكن أطرافها بها وعيال جيرانهم وعشائرهم فيؤتون بها ويكونون مجمعا لأهل السهمان كما تكون المياه والقرى مجمعا لأهل السهمان من العرب ولعلهم استغنوا فنقلها إلى أقرب الناس بهم دارا ونسبا وكان أقرب الناس بالمدينة دارا ونسبا ، فإن قال قائل : فإن عمر كان يحمل على إبل كثيرة إلى الشام والعراق ، قيل له : ليست من نعم الصدقة والله أعلم ، وإنما هي من نعم الجزية ; لأنه إنما يحمل على ما يحتمل من الإبل ، وأكثر فرائض الإبل لا تحمل أحدا .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب قسم الصدقات
    الحلقة (70)
    صــــــــــ 101 الى صـــــــــــ105


    أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم أن عمر كان يؤتى بنعم كثيرة من نعم الجزية ، أخبرنا بعض أصحابنا عن محمد بن عبد الله بن مالك الدار عن يحيى بن عبد الله بن مالك عن أبيه أنه سأله : أرأيت الإبل التي كان يحمل عليها عمر الغزاة وعثمان بعده ؟ قال : أخبرني أبي أنها إبل الجزية التي كان يبعث بها معاوية وعمرو بن العاص ، قلت : وممن كانت تؤخذ ؟ [ ص: 101 ] قال : من أهل جزية أهل المدينة تؤخذ من بني تغلب على وجهها فبيعت فيبتاع بها إبل جلة فيبعث بها إلى عمر فيحمل عليها أخبرنا الثقة من أصحابنا عن عبد الله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي هند قال : بعث عبد الملك بعض الجماعة بعطاء أهل المدينة وكتب إلى والي اليمامة أن يحمل من اليمامة إلى المدينة ألف ألف درهم يتم بها عطاءهم فلما قدم المال إلى المدينة أبوا أن يأخذوه وقالوا : أيطعمنا أوساخ الناس وما لا يصلح لنا أن نأخذه لا نأخذه أبدا ، فبلغ ذلك عبد الملك فرده وقال : لا تزال في القوم بقية ما فعلوا هكذا ، قلت لسعيد بن أبي هند ؟ ومن كان يومئذ يتكلم : قال أولهم سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله في رجال كثيرة .

    ( قال الشافعي ) : وقولهم لا يصلح لنا أي لا يحل لنا أن نأخذ الصدقة ونحن أهل الفيء وليس لأهل الفيء في الصدقة حق ومن أن ينقل عن قوم إلى قوم غيرهم .

    ( قال الشافعي ) : وإذا أخذت الماشية في الصدقة ووسمت وأدخلت الحظير ، ووسم الإبل والبقر في أفخاذها والغنم في أصول آذانها وميسم الصدقة مكتوب لله عز وجل ، وتوسم الإبل التي تؤخذ في الجزية ميسما مخالفا لميسم الصدقة ، فإن قال قائل : ما دل على أن ميسم الصدقة مخالف لميسم الجزية ؟ قيل : فإن الصدقة أداها مالكها لله وكتبت لله عز وجل على أن مالكها أخرجها لله عز وجل ، وإبل الجزية أديت صغارا لا أجر لصاحبها فيها .

    أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال لعمر : إن في الظهر ناقة عمياء قال : " أمن نعم الجزية أم من نعم الصدقة ؟ " قال : بل من نعم الجزية وقال له : إن عليها ميسم الجزية ، وهذا يدل على فرق بين الميسمين أيضا
    وقال بعض الناس مثل قولنا أن كل ما أخذ من مسلم فسبيله سبيل الصدقات وقالوا : سبيل الركاز سبيل الصدقات ورووا مثل ما روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : في الركاز الخمس .

    ( قال الشافعي ) : والمعادن من الركاز وفي كل ما أصيب من دفن الجاهلية مما تجب فيه الزكاة أو لا تجب فهو ركاز ولو أصابه غني أو فقير كان ركازا فيه الخمس .

    ( قال الشافعي ) : ثم عاد لما شدد فيه كله فأبطله فزعم أن الرجل إذا وجد ركازا فواسع فيما بينه وبين الله عز وجل أن يكتمه الوالي وللوالي أن يرده عليه بعد ما يأخذه منه ويدعه له ( قال الشافعي ) : أو رأيت إذ زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل في الركاز الخمس وزعم أن كل ما أخذ من مسلم قسم على قسم الصدقات فقد أبطل الحق بالسنة في أخذه وحق الله عز وجل في قسمه .

    والخمس إنما يجب عندنا وعنده في ماله لمساكين جعله الله عز وجل لهم فكيف جاز للوالي أن يترك حقا أوجبه الله عز وجل في ماله ، وذلك الحق لمن قسمه الله عز وجل له ؟ أرأيت لو قال قائل : هذا في عشر الطعام أو زكاة الذهب أو زكاة التجارة أو غير ذلك مما يؤخذ من المسلمين ما الحجة [ ص: 102 ] عليه ؟ أليس أن يقال : إن الذي عليك في مالك إنما هو شيء وجب لغيرك فلا يحل للسلطان تركه لك ولا لك حبسه إن تركه لك السلطان عمن جعله الله تبارك وتعالى له ؟ .

    ( قال الشافعي ) : ولست أعلم من قال هذا في الركاز ولو جاز هذا في الركاز جاز في جميع من وجب عليه حق في ماله أن يحبسه وللسلطان أن يدعه له فيبطل حق من قسم الله عز وجل له من أهل السهمان الثمانية فقال : إنا روينا عن الشعبي أن رجلا وجد أربعة آلاف أو خمسة آلاف فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " لأقضين فيها قضاء بينا ، أما أربعة أخماس فلك وخمس للمسلمين " ثم قال : " والخمس مردود عليك " .

    ( قال الشافعي ) : وهذا الحديث ينقض بعضه بعضا إذ زعم أن عليا قال وخمس للمسلمين فكيف يجوز أن يكون الوالي يرى للمسلمين في مال رجل شيئا ثم يرده عليه أو يدعه له والواجب على الوالي أن لو منع رجل من المسلمين شيئا لهم في ماله أن يجاهده عليه .

    ( قال الشافعي ) : وهذا عن علي مستنكر ، وقد روي عن علي بإسناد موصول أنه قال " أربعة أخماس لك واقسم الخمس على فقراء أهلك " وهذا الحديث أشبه بعلي لعل عليا علمه أمينا وعلم في أهله فقراء من أهل السهمان فأمره أن يقسمه فيهم .

    ( قال الشافعي ) : وهم مخالفون ما روي عن الشعبي من وجهين : أحدهما : أنهم يزعمون أن من كانت له مائتا درهم فليس للوالي أن يعطيه ولا له أن يأخذ شيئا من السهمان المقسومة بين من سمى الله عز وجل ولا من الصدقة تطوعا والذي زعموا أن عليا ترك له خمس ركازه ، وهذا رجل له أربعة آلاف درهم ولعله أن يكون له مال سواها ويزعمون أن الوالي إذا أخذ منه واجبا في ماله لم يكن للوالي أن يعود بما أخذ منه عليه ولا على أحد ويزعمون أن لو وليها هو دون الوالي لم يكن له حبسها ولا دفعها إلى أحد يعوله .

    ( قال الشافعي ) : والذي روي عن علي رضي الله عنه إعادتها عليه بعد أن أخذها منه ، أو تركها له قبل أن يأخذها منه ، وهذا إبطالها بكل وجه وخلاف ما يقولون وإذا صار له أن يكتمها وللوالي أن يردها عليه فليست بواجبة عليه وتركها لا تؤخذ منه وأخذها سواء ، وقد أبطل بهذا القول السنة في أن في الركاز الخمس وأبطل به حق من قسم الله عز وجل له من أهل السهمان الثمانية .

    فإن قال لا يصلح هذا إلا في الركاز قيل ، فإذا قال قائل : فإذا صلح في الركاز وهو من الصدقات صلح في كلها ولو جاز لك أن تخص بعضها دون بعض قلت يصلح في العشور وصدقات الماشية ، وقال غيري وغيرك يصلح في صدقة الرقة ولا يصلح في هذا ، فإن قال : فإنما هو خمس وكذلك الحق فيه كما الحق في الزرع العشر ، وفي الرقة ربع العشر ، وفي الماشية مختلفة ، وهي مخالفة كل هذا ، وإنما يؤخذ من كل بقدر ما جعل فيه ويقسم كل حيث قسم الصدقات .

    ( قال الشافعي ) : ثم خالفنا بعض الناس فيما يعطى من الصدقات فقال : لا يأخذ منها أحد له مال تجب فيه الزكاة ولا يعطى منها أحد مائتي درهم ولا شيء تجب فيه الزكاة .

    ( قال الشافعي ) : وإذا كان الرجل لا يكون له مائتا درهم ولا شيء تجب فيه الزكاة فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا إذا لم يكن محتاجا بضعف حرفة أو كثرة عيال ، وكان الرجل يكون له أكثر منها فيكون محتاجا بضعف الحرفة أو بغلبة العيال فكانت الحاجة إنما هي ما عرف الناس على قدر حال الطالب للزكاة وماله لا على قدر المال فقط فكيف إذا كان الرجل له مائة من العيال ومائتا درهم لا يعطى ، وهذا المحتاج البين الحاجة ، وآخر إن لم يكن له مائتا درهم ولا عيال له وليس بالغنى أعطي والناس يعلمون أن هذا الذي أمر بإعطائه أقرب من الغنى والذي نهي عن إعطائه أبعد من الغنى ولم إذا كان الغارم يعطى ما يخرجه من الغرم لا يعطى الفقير ما يخرجه من الفقر وهو أن يقول [ ص: 103 ] إن أخرجه من الفقر إلى الغنى مائة درهم أو أقل لم يزد عليها فلم إذا لم يخرجه من الفقر إلى الغنى إلا مائتا درهم لا يعطاها وهو يوم يعطاها لا زكاة عليه فيها إنما الزكاة عليه فيها إذا حال عليها حول من يوم ملكها .
    كتاب الصيام الصغير أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { الشهر تسع وعشرون لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين } ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى وبهذا نقول ، فإن لم تر العامة هلال شهر رمضان ورآه رجل عدل رأيت أن أقبله للأثر والاحتياط ( قال الشافعي ) : أخبرنا الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت الحسين أن رجلا شهد عند علي رضي الله تعالى عنه على رؤية هلال رمضان فصام وأحسبه قال وأمر الناس أن يصوموا ، وقال : أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان .

    ( قال الشافعي ) : بعد لا يجوز على هلال رمضان إلا شاهدان .

    ( قال الشافعي ) : وقد قال بعض أصحابنا لا أقبل عليه إلا شاهدين ، وهذا القياس على كل معيب استدل عليه ببينة وقال بعضهم جماعة .

    ( قال الشافعي ) : ولا أقبل على رؤية هلال الفطر إلا شاهدين عدلين وأكثر ، فإن صام الناس بشهادة واحد أو اثنين أكملوا العدة ثلاثين إلا أن يروا الهلال أو تقوم بينة برؤيته فيفطروا ، وإن غم الشهران معا فصاموا ثلاثين فجاءتهم بينة بأن شعبان رئي قبل صومهم بيوم قضوا يوما لأنهم تركوا يوما من رمضان .

    وإن غما فجاءتهم البينة بأنهم صاموا يوم الفطر أفطروا أي ساعة جاءتهم البينة ، فإن جاءتهم البينة قبل الزوال صلوا صلاة العيد ، وإن كان بعد الزوال لم يصلوا صلاة العيد ، وهذا قول من أحفظ عنه من أصحابنا .

    ( قال الشافعي ) : فخالفه في هذا بعض الناس فقال فيه قبل الزوال قولنا وقال بعد الزوال يخرج بهم الإمام من الغد ولا يصلي بهم في يومهم ذلك .

    ( قال الشافعي ) : فقيل لبعض من يحتج بهذا القول : إذا كانت صلاة العيد عندنا وعندك سنة لا تقضى إن تركت وغمك وقت فكيف أمرت بها أن تعمل في غيره وأنت إذا مضى الوقت تعمل في وقت لم تؤمر بأن تعمل ، مثل المزدلفة إذا مرت ليلتها لم تؤمر بالمبيت فيها والجمار إذا مضت أيامها لم تؤمر برميها وأمرت بالفدية فيما فيه فدية من ذلك ومثل الرمل إذا مضت الأطواف الثلاثة فلا ينبغي أن تأمر به في الأربعة البواقي ; لأنه مضى وقته وليس منه بدل بكفارة وإذا أمرت بالعيد في غير وقته فكيف لم تأمر به بعد الظهر من يومه والصلاة تحل في يومه ؟ وأمرت بها من الغد ويوم الفطر أقرب من وقت الفطر من غده ؟ ( قال ) : فإنها من غد تصلى في مثل وقته ، قيل له : أو ليس تقول في كل ما فات مما يقضى من المكتوبات يقضى إذا ذكر فكيف [ ص: 104 ] خالفت بين هذا وبين ذلك ؟ ، فإن كانت علتك الوقت فما تقول فيه إن تركته من غده أتصليه بعد غده في ذلك الوقت ؟ قال : لا . قيل : فقد تركت علتك في أن تصلي في مثل ذلك الوقت فما حجتك فيه ؟ قال روينا فيه شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا : قد سمعناه ولكنه ليس مما يثبت عندنا والله أعلم ، وأنت تضعف ما هو أقوى منه : وإذا زعمت أنه ثابت فكيف يقضي في غده ولم تنهه أن يقضي بعده فينبغي أن تقول يقضي بعد أيام ، وإن طالت الأيام .

    ( قال الشافعي ) : وأنا أحب أن أذكر فيه شيئا ، وإن لم يكن ثابتا وكان يجوز أن يفعل تطوعا أن يفعل من الغد وبعد الغد إن لم يفعل من الغد ; لأنه تطوع وأن يفعل المرء ما ليس عليه أحب إلي من أن يدع ما عليه ، وإن لم يكن الحديث ثابتا ، فإذا كان يجوز أن يفعل بالتطوع فهذا خير أراده الله به أرجو أن يأجره الله عليه بالنية في عمله .

    ( قال الشافعي ) : بعد لا يصلي إذا زالت الشمس من يوم الفطر
    ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك أنه بلغه أن الهلال رئي في زمن عثمان بن عفان بعشي فلم يفطر عثمان حتى غابت الشمس .

    ( قال الشافعي ) : وهكذا نقول إذا لم ير الهلال ولم يشهد عليه أنه رئي ليلا لم يفطر الناس برؤية الهلال في النهار كان ذلك قبل الزوال أو بعده ، وهو والله أعلم هلال الليلة التي تستقبل وقال بعض الناس فيه : إذا رئي بعد الزوال قولنا وإذا رئي قبل الزوال أفطروا وقالوا : إنما اتبعنا فيه أثرا رويناه وليس بقياس ، فقلنا : الأثر أحق أن يتبع من القياس ، فإن كان ثابتا فهو أولى أن يؤخذ به
    ( قال الشافعي ) : إذا رأى الرجل هلال رمضان وحده يصوم لا يسعه غير ذلك ، وإن رأى هلال شوال فيفطر إلا أن يدخله شك أو يخاف أن يتهم على الاستخفاف بالصوم .
    باب الدخول في الصيام والخلاف عليه ( قال الشافعي ) : رحمه الله فقال بعض أصحابنا لا يجزي صوم رمضان إلا بنية كما لا تجزي الصلاة إلا بنية واحتج فيه بأن ابن عمر قال : لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر .

    ( قال الشافعي ) : وهكذا أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر .

    ( قال الشافعي ) : فكان هذا والله أعلم على شهر رمضان خاصة وعلى ما أوجب المرء على نفسه من نذر أو وجب عليه من صوم ، فأما التطوع فلا بأس أن ينوي الصوم قبل الزوال ما لم يأكل ولم يشرب ، فخالف في هذا القول بعض الناس فقال معنى قول ابن عمر هذا على النافلة فلا يجوز في النافلة من الصوم ويجوز في شهر رمضان وخالف في هذا الآثار .

    ( قال الشافعي ) : وقيل لقائل هذا القول : لم زعمت أن صوم رمضان يجزي بغير نية ولا يجزي صوم النذر ولا صوم الكفارات إلا بنية وكذلك عندك لا تجزي الصلاة المكتوبة ولا نذر الصلاة ولا التيمم إلا بنية ؟ ( قال ) : لأن صوم النذر والكفارات بغير وقت متى عمله أجزأ عنه والصلاة والنية للتيمم بوقت ، [ ص: 105 ] قيل له : ما تقول فيمن قال : لله علي أن أصوم شهرا من هذه السنة فأمهل حتى إذا كان آخر شهر منها فصامه لا ينوي به النذر ؟ قال لا يجزئه قيل : قد وقت السنة ولم يبق منها إلا هذا الشهر فصار إن لم يصمه يخرج من الوقت وقيل له ما تقول إن ترك الظهر حتى لا يبقى عليه من وقتها إلا ما يكملها فيه ثم صلى أربعا كفرض الصلاة لا ينوي الظهر ؟ قال لا يجزئه ; لأنه لم ينو الظهر قال الشافعي : لا أعلم بين رمضان وبين هذا فرقا وقد اعتل بالوقت فأوجدنا الوقت في المكتوبة محدودا ومحصورا يفوت إن ترك العمل فيه فأوجدناه ذلك في النذر ثم أوجدناه في الوقتين المحصورين كلاهما عملا كعمل المكتوبة وعمل النذر ، وليس في الوقتين فضل للمكتوبة والنذر ; لأنه لم يبق للمكتوبة والنذر موضع إلا هذا الوقت الذي عملهما فيه ; لأنه عملهما في آخر الوقت فزعم أنهما لا يجزيان إذا لم ينو بهما المكتوبة والنذر ، فلو كانت العلة أن الوقت محصور ، انبغى أن يزعم ها هنا أن المكتوبة والنذر يجزيان إذا كان وقتهما محصورا كما يجزي رمضان إذا كان وقته محصورا .
    باب صوم رمضان ( قال الشافعي ) : رحمه الله فمن قال : لا يجزي رمضان إلا بنية فلو اشتبهت عليه الشهور وهو أسير فصام شهر رمضان ينوي به التطوع لم يجزه وكان عليه أن يأتي بالبدل منه ومن قال يجزي بغير نية فقد أجزأ عنه غير أن قائل هذا القول قد أخطأ قوله عندي والله أعلم .

    فزعم أن رجلا لو أصبح يرى أنه يوم من شعبان فلم يأكل ولم يشرب ولم ينو الإفطار فعلم أنه من رمضان قبل نصف النهار فأمسك عن الطعام أجزأ عنه من شهر رمضان ، وهذا يشبه قوله الأول ، ثم قال : وإن علم بعد نصف النهار فأمسك ونوى الصيام لم يجزه وكان عليه أن يأتي بيوم مكانه وهذا خلاف قوله الأول .

    ( قال الشافعي ) : وإنما قال ذلك فيما علمت بالرأي وكذلك قال فيه أصحابنا والله أعلم بالرأي فيما علمت ، ولكن معهم قياس ، فصح فيه لمن خالفه قول أصحابنا والله أعلم وهذا - فيما أرى - أحسن وأولى أن يقال به إذا كان قياسا .
    باب ما يفطر الصائم والسحور والخلاف فيه ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى الوقت الذي يحرم فيه الطعام على الصائم حين يتبين الفجر الآخر معترضا في الأفق .

    ( قال الشافعي ) : وكذلك بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تغيب الشمس وكذلك قال الله عز وجل { ثم أتموا الصيام إلى الليل } .

    ( قال الشافعي ) : فإن أكل فيما بين هذين الوقتين أو شرب عامدا للأكل والشرب ذاكرا للصوم فعليه القضاء ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن أخيه خالد بن أسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفطر في رمضان في يوم ذي غيم ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس فجاءه رجل فقال : يا أمير المؤمنين قد طلعت الشمس فقال عمر " الخطب يسير " .

    ( قال الشافعي ) : كأنه يريد بذلك والله أعلم قضاء يوم مكانه


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب قسم الصدقات
    الحلقة (71)
    صــــــــــ 106 الى صـــــــــــ110

    ( قال الشافعي ) :
    واستحب التأني بالسحور ما لم يكن في وقت مقارب يخاف أن يكون الفجر طلع فإني أحب قطعه في ذلك الوقت ، فإن طلع الفجر وفي فيه شيء قد أدخله ومضغه لفظه ; لأن إدخاله فاه لا يصنع شيئا إنما يفطر بإدخاله جوفه ، فإن ازدرده بعد الفجر ، قضى يوما مكانه ، والذي لا يقضي فيه من ذلك [ ص: 106 ] الشيء يبقى بين أسنانه في بعض فيه مما يدخله الريق لا يمتنع منه ، فإن ذلك عندي خفيف فلا يقضي ، فأما كل ما عدا إدخاله مما يقدر على لفظه فيفطره عندي والله أعلم ( وقال بعد ) نفطره بما بين أسنانه ، إذا كان يقدر على طرحه .

    ( قال الربيع ) : إلا أن يغلبه ولا يقدر على دفعه فيكون مكرها فلا شيء عليه وهو معنى قول الشافعي

    ( قال الشافعي ) :
    وأحب تعجيل الفطر وترك تأخيره وإنما أكره تأخيره إذا عمد ذلك كأنه يرى الفضل فيه ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ولم يؤخروه } ( قال الشافعي ) :
    أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب حين ينظران الليل اسود ثم يفطران بعد الصلاة وذلك في رمضان .

    ( قال الشافعي ) :
    كأنهما يريان تأخير ذلك واسعا لا أنهما يعمدان الفضل لتركه بعد أن أبيح لهما وصارا مفطرين بغير أكل ولا شرب ; لأن الصوم لا يصلح في الليل ولا يكون به صاحبه صائما ، وإن نواه
    ( قال الشافعي ) :
    فقال بعض أصحابنا : لا بأس أن يحتجم الصائم ولا يفطره ذلك ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يحتجم وهو صائم ثم ترك ذلك ( قال الشافعي ) : وأخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه لم ير أباه قط احتجم وهو صائم .

    ( قال الشافعي ) :
    وهذا فتيا كثير ممن لقيت من الفقهاء وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { أفطر الحاجم والمحجوم } وروي عنه { أنه احتجم صائما } .

    ( قال الشافعي ) :
    ولا أعلم واحدا منهما ثابتا ولو ثبت واحد منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت به فكانت الحجة في قوله ، ولو ترك رجل الحجامة صائما للتوقي كان أحب إلي ، ولو احتجم لم أره يفطره
    ( قال الشافعي ) :
    من تقيأ وهو صائم وجب عليه القضاء ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه ، وبهذا أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر
    ( قال الشافعي ) :
    ومن أكل أو شرب ناسيا : فليتم صومه ولا قضاء عليه وكذلك بلغنا عن أبي هريرة وقد قيل : إن أبا هريرة قد رفعه من حديث رجل ليس بحافظ .

    ( قال الشافعي ) :
    وقد قال بعض أصحابنا يقضي ولسنا نأخذ بقوله ، وقال بعض الناس بمثل قولنا لا يقضي والحجة عليهم في الكلام في الصلاة ساهيا وتفريقه بين العمد والنسيان في الصوم حجة عليهم في الصلاة بل الكلام في الصلاة ناسيا أثبت وأولى ; لأنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف فرق بين العمد والنسيان في الصوم ؟ وإنما فرق بينهما بأن أبا هريرة لم ير على من أكل ناسيا لصومه قضاء فرأي أبي هريرة حجة فرق بها بين العمد والنسيان وهو عندنا حجة ثم ترك رواية أبي هريرة وابن عمر وعمران بن حصين وطلحة بن عبيد الله وغيرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث ذي اليدين وفيه ما دل على الفرق بين العمد والنسيان في الصلاة فهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب مما جاء عن غيره فترك الأوجب والأثبت وأخذ بالذي هو أضعف عنده وعاب غيره إذ زعم أن العمد في الصوم والنسيان سواء ثم قال بما عاب في الصلاة فزعم أن العمد والنسيان سواء ثم لم يقم بذلك
    ( قال الشافعي ) : من احتلم في رمضان اغتسل ولم يقض وكذلك من أصاب أهله ثم طلع الفجر قبل أن يغتسل اغتسل ثم أتم صومه .

    ( قال الشافعي ) :
    وإن طلع الفجر وهو مجامع فأخرجه من ساعته أتم صومه ; لأنه لا يقدر على الخروج من الجماع إلا بهذا ، وإن ثبت شيئا آخر أو [ ص: 107 ] حركه لغير إخراج وقد بان له الفجر كفر ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر عن أبي يونس مولى عائشة عن عائشة رضي الله عنها { أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تسمع : إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فأغتسل ثم أصوم ذلك اليوم فقال الرجل : إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي } .

    ( قال الشافعي ) :
    وقد جاء هذا من غير هذا الوجه وهو قول العامة عندنا وفي أكثر البلدان ، فإن ذهب ذاهب إلى أنه جنب من جماع في رمضان فإن الجماع كان وهو مباح والجنابة باقية بمعنى متقدم والغسل ليس من الصوم بسبيل ، وإن وجب بالجماع فهو غير الجماع ( قال الشافعي ) : وهذا حجة لنا على من قال في المطلقة لزوجها عليها الرجعة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وقد قال الله تبارك وتعالى { ثلاثة قروء } والقرء عنده الحيضة فما بال الغسل ؟ وإن وجب بالحيض فهو غير الحيض فلو كان حكمه إذا وجب به حكم الحيض كان حكم الغسل إذا وجب بالجماع حكم الجماع فأفطر وكفر من أصبح جنبا .

    ( قال الشافعي ) :
    فإن قال : فقد روي فيه شيء فهذا أثبت من تلك الرواية لعل تلك الرواية كانت بأن سمع صاحبها من أصبح جنبا أفطر على معنى إذا كان الجماع بعد الفجر أو عمل فيه بعد الفجر كما وصفنا
    ( قال الشافعي ) :
    ومن حركت القبلة شهوته كرهتها له ، وإن فعلها لم ينقض صومه ومن لم تحرك شهوته فلا بأس له بالقبلة ، وملك النفس في الحالين عنها أفضل ; لأنه منع شهوة يرجى من الله تعالى ثوابها ( قال الشافعي ) : وإنما قلنا لا ينقض صومه ; لأن القبلة لو كانت تنقض صومه لم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرخص ابن عباس وغيره فيها كما لا يرخصون فيما يفطر ولا ينظرون في ذلك إلى شهوة فعلها الصائم لها ولا غير شهوة ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت { : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه وهو صائم } ثم تضحك ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك أن عائشة كانت إذا ذكرت ذلك قالت وأيكم أملك لإربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    ( قال الشافعي ) :
    أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال : لم أر القبلة تدعو إلى خير ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن ابن عباس سئل عن القبلة للصائم فأرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب .

    ( قال الشافعي ) :
    وهذا عندي والله أعلم على ما وصفت ، ليس اختلافا منهم : ولكن على الاحتياط ، لئلا يشتهي فيجامع ، وبقدر ما يرى من السائل أو يظن به .
    باب الجماع في رمضان والخلاف فيه ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة { أن رجلا أفطر في شهر رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا قال : إني لا أجد فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق تمر فقال : خذ هذا فتصدق به فقال يا رسول الله ما أجد أحدا أحوج مني ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال كله } ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب قال : { أتى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم ينتف شعره ويضرب نحره ويقول هلك الأبعد [ ص: 108 ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وما ذاك ؟ قال : أصبت أهلي في رمضان وأنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تسطيع أن تعتق رقبة ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تهدي بدنة ؟ قال : لا ، قال : فاجلس فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق تمر فقال : خذ هذا فتصدق به فقال : ما أجد أحدا أحوج مني قال : فكله وصم يوما مكان ما أصبت } قال عطاء : فسألت سعيدا كم في ذلك العرق ؟ قال : ما بين خمسة عشر صاعا إلى عشرين ( قال الشافعي ) : وفي حديث غير هذا { فأطعمه أهلك } ( قال الشافعي ) : فبهذا كله نأخذ يعتق ، فإن لم يقدر صام شهرين متتابعين ، فإن لم يقدر أطعم ستين مسكينا .

    ( قال الشافعي ) :
    وقول النبي صلى الله عليه وسلم { كله وأطعمه أهلك } يحتمل معاني ، منها أنه لما كان في الوقت الذي أصاب أهله فيه ليس ممن يقدر على واحدة من الكفارات تطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه بأن قال له في شيء أتى به : كفر به ، فلما ذكر الحاجة ولم يكن الرجل قبضه قال : { كله وأطعمه أهلك } وجعل له التمليك حينئذ ويحتمل أن يكون ملكه فلما ملكه وهو محتاج كان إنما يكون عليه الكفارة إذا كان عنده فضل فلم يكن عنده فضل فكان له أكله هو وأهله ، ويحتمل في هذا أن تكون الكفارة دينا عليه متى أطاقها أو شيئا منها ، وإن كان ذلك ليس في الخبر ، وكان هذا أحب إلينا وأقرب من الاحتياط ، ويحتمل إن كان لا يقدر على شيء من الكفارات فكان لغيره أن يكفر عنه وأن يكون لغيره أن يضعه عليه وعلى أهله إن كانوا محتاجين ويجزي عنهم ويحتمل أن يكون إذا لم يقدر في حاله تلك على الكفارة أن تكون الكفارة ساقطة عنه إذا كان مغلوبا كما تسقط الصلاة عن المغمى عليه إذا كان مغلوبا والله أعلم ، ويحتمل إذا كفر أن تكون الكفارة بدلا من الصيام ويحتمل أن يكون الصيام مع الكفارة - ولكل وجهة ( قال ) : وأحب أن يكفر متى قدر وأن يصوم مع الكفارة ( قال الشافعي ) : وفي الحديث ما يبين أن الكفارة مد لا مدين .

    ( قال الشافعي )
    : وقال بعض الناس مدين وهذا خلاف الحديث والله أعلم
    ( قال الشافعي ) :
    وإن جامع يوما فكفر ثم جامع يوما فكفر وكذلك إن لم يكفر فلكل يوم كفارة ; لأن فرض كل يوم غير فرض الماضي .

    ( قال الشافعي ) :
    وقال بعض الناس : إن كفر ثم عاد بعد الكفارة كفر ، وإن لم يكفر حتى يعود فكفارة واحدة ورمضان كله واحد .

    ( قال الشافعي ) :
    فقيل لقائل هذا القول : ليس في هذا خبر بما قلت والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا مرة بكفارة ، وفي ذلك ما دل عندنا والله أعلم على أنه لو جامع يوما آخر أمر بكفارة ; لأن كل يوم مفروض عليه فإلى أي شيء ذهبت ؟ قال : ألا ترى أنه لو جامع في الحج مرارا كانت عليه كفارة واحدة ؟ قلنا : وأي شيء الحج من الصوم ؟ الحج شريعة ، والصوم أخرى ، قد يباح في الحج الأكل والشرب ويحرم في الصوم ويباح في الصوم اللبس والصيد والطيب ويحرم في الحج .

    ( قال الشافعي ) :
    والحج إحرام واحد ولا يخرج أحد منه إلا بكماله وكل يوم من شهر رمضان كماله بنفسه [ ص: 109 ] ونقصه فيه ، ألا ترى أنه يصوم اليوم من شهر رمضان ثم يفطر وقد كمل اليوم وخرج من صومه ثم يدخل في آخر فلو أفسده لم يفسد الذي قبله والحج متى أفسد عندهم قبل الزوال من يوم عرفة فسد كله ، وإن كان قد مضى كثير من عمله ، مع أن هذا القول خطأ من غير وجه ، الذي يقيسه بالحج يزعم أن المجامع في الحج تختلف أحكامه فيكون عليه شاة قبل عرفة ويفسد حجه ، وبدنة إذا جامع بعد الزوال ولا يفسد حجه .

    وهذا عنده في الصوم لا يختلف في أول النهار وآخره إنما عليه رقبة فيهما ويفسد صومه فيفرق بينهما في كل واحدة منهما ويفرق بينهما في الكفارتين ويزعم أنه لو جامع يوما ثم كفر ثم جامع يوما آخر ثم كفر وهو لو كفر عنده في الحج عن الجماع ثم عاد لجماع آخر لم يعد الكفارة ، فإذا قيل له : لم ذلك ؟ قال : الحج واحد وأيام رمضان متفرقة ، قلت : فكيف تقيس أحدهما بالآخر وهو يجامع في الحج فيفسده ثم يكون عليه أن يعمل عمل الحج وهو فاسد وليس هكذا الصوم ولا الصلاة ؟ .

    ( قال الشافعي ) :
    فإن قال قائل منهم فأقيسه بالكفارة قلنا : هو من الكفارة أبعد ، الحانث يحنث غير عامد للحنث فيكفر ويحنث عامدا فلا يكفر عندك وأنت إذا جامع عامدا كفر ، وإذا جامع غير عامد لم يكفر فكيف قسته بالكفارة والمكفر لا يفسد عملا يخرج منه ، ولا يعمل بعد الفساد شيئا يقضيه إنما يخرج به عندك من كذبة حلف عليها وهذا يخرج من صوم ويعود في مثل الذي خرج منه .

    ( قال الشافعي ) :
    ولو جامع صبية لم تبلغ أو أتى بهيمة فكفارة واحدة ولو جامع بالغة كانت كفارة لا يزاد عليها على الرجل ، وإذا كفر أجزأ عنه وعن امرأته ، وكذلك في الحج والعمرة وبهذا مضت السنة ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل تكفر المرأة وأنه لم يقل في الخبر في الذي جامع في الحج تكفر المرأة .

    ( قال الشافعي ) :
    فإن قال قائل : فما بال الحد عليها في الجماع ولا تكون الكفارة عليها ؟ قيل الحد لا يشبه الكفارة ، ألا ترى أن الحد يختلف في الحر والعبد والثيب والبكر ولا يختلف الجماع عامدا في رمضان مع افتراقهما في غير ذلك فإن مذهبنا وما ندعي إذا فرقت الأخبار بين الشيء أن يفرق بينه كما فرقت
    ( قال الشافعي ) :
    وإن جامع في قضاء رمضان أو صوم كفارة أو نذر فقد أفسد صومه ولا كفارة عليه ولكن يقضي يوما مكان يومه الذي جامع فيه .

    ( قال الشافعي ) :
    وهكذا قال بعض الناس وهذا كان عندنا أولى أن يكفر ; لأن البدل في رمضان يقوم مقامه ، فإذا اقتصر بالكفارة على رمضان ; لأنها جاءت فيه في الجماع ولم يقس عليه البدل منه فكيف قاس عليه الطعام والشراب ولم تأت فيه كفارة ؟
    ( قال الشافعي ) : وإن جامع ناسيا لصومه لم يكفر .

    وإن جامع على شبهة مثل أن يأكل ناسيا فيحسب أنه قد أفطر فيجامع على هذه الشبهة فلا كفارة عليه في مثل هذا .

    ( قال الشافعي ) :
    وهذا أيضا من الحجة عليهم في السهو في الصلاة إذ زعموا أن من جامع على شبهة سقطت عنه الكفارة فمن تكلم وهو يرى أن الكلام في الصلاة كان له مباحا أولى أن يسقط عنه فساد صلاته
    ( قال الشافعي ) :
    وإن نظر فأنزل ، من غير لمس ولا تلذذ بها : فصومه تام لا تجب الكفارة في رمضان إلا بما يجب به الحد أن يلتقي الختانان ، فأما [ ص: 110 ] ما دون ذلك فإنه لا يجب به الكفارة ، ولا تجب الكفارة في فطر في غير جماع ، ولا طعام ولا شراب ولا غيره ، وقال بعض الناس : تجب إن أكل أو شرب كما تجب بالجماع .

    ( قال الشافعي ) :
    فقيل لمن يقول هذا القول : السنة جاءت في المجامع ، فمن قال لكم في الطعام والشراب ؟ قال قلناه قياسا على الجماع فقلنا : أو يشبه الأكل والشرب الجماع فتقيسهما عليه ؟ قال : نعم . في وجه من أنهما محرمان يفطران فقيل لهم فكل ما وجدتموه محرما في الصوم يفطر قضيتم فيه بالكفارة ؟ قال نعم . قيل فما تقول فيمن أكل طيبا أو دواء ؟ قال : لا كفارة عليه قلنا : ولم ؟ قال : هذا لا يغذو الجسد قلنا : إنما قست هذا بالجماع ; لأنه محرم يفطر وهذا عندنا وعندك محرم يفطر . قال : هذا لا يغذو الجسد ، قلنا وما أدراك أن هذا لا يغذو البدن وأنت تقول إن ازدرد من الفاكهة شيئا صحيحا فطره ولم يكفر وقد يغذو هذا البدن فيما نرى وقلنا قد صرت من الفقه إلى الطب ، فإن كنت صرت إلى قياس ما يغذو فالجماع يقص البدن وهو إخراج شيء ينقص البدن وليس بإدخال شيء فكيف قسته بما يزيد في البدن والجماع ينقصه ؟ وما يشبعه والجماع يجيع ؟ فكيف زعمت أن الحقنة والسعوط يفطران وهما لا يغذوان ؟ ، وإن اعتلك بالغذاء ولا كفارة فيهما عندك كان يلزمك أن تنظر كل ما حكمت له بحكم الفطر أن تحكم فيه بالكفارة إن أردت القياس .

    ( قال الشافعي ) :
    قال منهم قائل إن هذا ليلزمنا كله ولكن لم لم تقسه بالجماع ؟ فقلت له : أخبرنا مالك بن أنس عن نافع عن عمر أنه قال : من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء عامدا فعليه القضاء .

    ( قال الشافعي ) :
    وهكذا نقول نحن وأنتم فقد وجدنا رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرى على رجل إن أفطر من أمر عمده القضاء ولا يرى عليه الكفارة فيه وبهذا قلت : لا كفارة إلا في جماع ورأيت الجماع لا يشبه شيئا سواه رأيت حده مباينا لحدود سواه ورأيت من رأيت من الفقهاء مجتمعين على أن المحرم إذا أصاب أهله أفسد حجه ومضى فيه وجاء بالبدل منه وقد يحرم عليه في الحج الصيد والطيب واللبس فأي ذلك فعله لم يفسد حجه غير الجماع ورأيت من جامع وجب عليه الغسل ، وليس كذلك من صنع ما هو أقذر منه ، فبهذا فرقنا بين الجماع وغيره
    ( قال الشافعي ) :
    إن تلذذ بامرأته حتى ينزل أفسد صومه وكان عليه قضاؤه وما تلذذ به دون ذلك كرهته ولا يفسد والله أعلم
    وإن أتى امرأته في دبرها فغيبه أو بهيمة أو تلوط أفسد وكفر مع الإثم بالله في المحرم الذي أتى مع إفساد الصوم ، وقال بعض الناس في هذا كله لا كفارة عليه ولا يعيد صوما إلا أن ينزل فيقضي ولا يكفر .

    ( قال الشافعي ) :
    فخالفه بعض أصحابه في اللوطي ومن أتى امرأته في دبرها فقال يفسد وقال هذا جماع ، وإن كان غير وجه الجماع المباح ووافقه في الآتي للبهيمة قال وكل جماع ، غير أن في هذا معصية لله عز وجل من وجهين فلو كان أحدهما يزاد عليه زيد على الآتي ما حرم الله من وجهين .
    ( قال الشافعي ) :
    ولا يفسد الكحل ، وإن تنخمه فالنخامة تجيء من الرأس باستنزال والعين متصلة بالرأس ولا يصل إلى الرأس والجوف علمي ولا أعلم أحدا كره الكحل على أنه يفطر



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب قسم الصدقات
    الحلقة (72)
    صــــــــــ 111 الى صـــــــــــ115

    ( قال الشافعي ) : ولا أكره الدهن ، وإن استنقع فيه أو في ماء فلا بأس وأكره العلك أنه يجلب الريق ، وإن مضغه فلا يفطره وبذلك إن تمضمض واستنشق ولا يستبلغ في الاستنشاق : لئلا يذهب في رأسه ، وإن ذهب في رأسه لم يفطره ، فإن استيقن أنه قد وصل إلى الرأس [ ص: 111 ] أو الجوف من المضمضة وهو عامد ذاكر لصومه فطره ( قال الربيع ) : وقد قال الشافعي مرة لا شيء عليه ( قال الربيع ) : وهو أحب إلي وذلك أنه مغلوب
    ( قال الشافعي ) : ولا أكره السواك بالعود الرطب واليابس وغيره : بكرة وأكرهه بالعشي لما أحب من خلوف فم الصائم ، وإن فعل لم يفطره وما داوى به قرحة من رطب أو يابس فخلص إلى جوفه فطره إذا داوى وهو ذاكر لصومه عامد لإدخاله في جوفه وقال بعض الناس يفطره الرطب ولا يفطره اليابس
    ( قال الشافعي ) : فإن كان أنزل الدواء إذا وصل إلى الجوف : بمنزلة المأكول أو المشروب فالرطب واليابس من المأكول عندهم سواء ، وإن كان لا ينزله إذا لم يكن من سبيل الأكل ولا الشرب بمنزلة واحد منهما فينبغي أن يقول لا يفطران ، فأما أن يقول يفطر أحدهما ولا يفطر الآخر فهذا خطأ
    ( قال الشافعي ) : وأحب له أن ينزه صيامه عن اللغط والمشاتمة ، وإن شوتم أن يقول : أنا صائم ، وإن شاتم : لم يفطره
    ( قال الشافعي ) : وإن قدم مسافر في بعض اليوم وقد كان فيه مفطرا وكانت امرأته حائضا فطهرت فجامعها لم أر بأسا وكذلك إن أكلا أو شربا وذلك أنهما غير صائمين ، وقال بعض الناس هما غير صائمين ولا كفارة عليهما إن فعلا وأكره ذلك ; لأن الناس في المصر صيام .

    ( قال الشافعي ) : إما أن يكونا صائمين فلا يجوز لهما أن يفعلا ، أو يكونا غير صائمين فإنما يحرم هذا على الصائم ( قال الشافعي ) : ولو توقى ذلك لئلا يراه أحد فيظن أنه أفطر في رمضان من غير علة كان أحب إلي
    ( قال الشافعي ) : ولو اشتبهت الشهور على أسير فتحرى شهر رمضان فوافقه أو ما بعده من الشهور فصام شهرا أو ثلاثين يوما أجزأه ، ولو صام ما قبله فقد قال قائل لا يجزيه إلا أن يصيبه أو شهرا بعده فيكون كالقضاء له وهذا مذهب . ولو ذهب ذاهب إلى أنه إذا لم يعرفه بعينه فتأخاه أجزأه قبل كان أو بعد ، كان هذا مذهبا وذلك أنه قد يتأخى القبلة ، فإذا علم بعد كمال الصلاة أنه قد أخطأها أجزأت عنه ويجزي ذلك عنه في خطأ عرفة والفطر ، وإنما كلف الناس في المغيب الظاهر ، والأسير إذا اشتبهت عليه الشهور فهو مثل المغيب عنه والله أعلم .

    ( قال الربيع ) : وآخر قول الشافعي أنه لا يجزيه إذا صامه على الشك حتى يصيبه بعينه أو شهرا بعده وآخر قوله في القبلة كذلك لا يجزيه وكذلك لا يجزيه إذا تأخى ، وإن أصاب القبلة فعليه الإعادة إذا كان تأخيه بلا دلالة وأما عرفة ويوم الفطر والأضحى فيجزيه ; لأن هذا أمر إنما يفعله باجتماع العامة عليه والصوم والصلاة شيء يفعله في ذات نفسه خاصة
    ( قال الشافعي ) : ولو أصبح يوم الشك لا ينوي الصوم ولم يأكل ولم يشرب حتى علم أنه من شهر رمضان فأتم صومه رأيت إعادة صومه ، وسواء رأى ذلك قبل الزوال أو بعده إذا أصبح لا ينوي صيامه من شهر رمضان .

    ( قال الشافعي ) : وأرى والله أعلم كذلك لو أصبح ينوي صومه تطوعا لم يجزه من رمضان ولا أرى رمضان يجزيه إلا بإرادته والله أعلم ، ولا أعلم بينه وبين نذر الصلاة وغير ذلك مما لا يجزي إلا بنية فرقا
    ( قال الشافعي ) : ولو أن مقيما نوى الصيام قبل الفجر ثم خرج بعد الفجر مسافرا لم يفطر يومه ذلك ; لأنه قد دخل في الصوم مقيما ( قال الربيع ) : وفي كتاب غير هذا من كتبه إلا أن يصح حديث { عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أفطر بالكديد أنه نوى صيام ذلك اليوم وهو مقيم } .

    ( قال الشافعي ) : ولو نواه من الليل ثم خرج قبل الفجر كان كأن لم يدخل في الصوم حتى سافر وكان له إن شاء أن يتم فيصوم ، وإن شاء أن يفطر
    ( قال الشافعي ) : وإذا تأخى الرجل القبلة بلا دلائل فلما أصبح علم أنه أصاب القبلة كانت عليه [ ص: 112 ] الإعادة ; لأنه صلى حين صلى على الشك
    ( قال الشافعي ) : وقد نهي عن صيام السفر وإنما نهي عنه عندنا والله أعلم على الرفق بالناس لا على التحريم ولا على أنه لا يجزي وقد يسمع بعض الناس النهي ولا يسمع ما يدل على معنى النهي فيقول بالنهي جملة .

    ( قال الشافعي ) : والدليل على ما قلت لك أنه رخصة في السفر أن مالكا أخبرنا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة { أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال : يا رسول الله أصوم في السفر وكان كثير الصوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت فصم ، وإن شئت فافطر } أخبرنا مالك عن حميد الطويل عن { أنس بن مالك قال سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم } .

    ( قال الشافعي ) : وهذا دليل على ما وصفت ، فإن قال إنسان فإنه قد سمى الذين صاموا العصاة فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصيام في السفر للتقوي للعدو ، وذلك أنه كان محاربا عام نهي عن الصيام في السفر فأبى قوم إلا الصيام فسمى بعض من سمع النهي العصاة إذ تركوا الفطر الذي أمروا به ، وقد يمكن أن يكون قد قيل لهم ذلك على أنهم تركوا قبول الرخصة ورغبوا عنها وهذا مكروه عندنا ، إنما نقول يفطر أو يصوم وهو يعلم أن ذلك واسع له ، فإذا جاز ذلك فالصوم أحب إلينا لمن قوي عليه .

    ( قال الشافعي ) : فإن قيل فقد روي { ليس من البر الصيام في السفر } قيل ليس هذا بخلاف حديث هشام بن عروة ولكنه كما وصفت إذا رأى الصيام برا والفطر مأثما وغير برغبة عن الرخصة في السفر
    ( قال الشافعي ) : وإذا أدرك المسافر الفجر قبل أن يصل إلى بلده أو البلد الذي ينوي المقام به وهو ينوي الصوم أجزأه ، وإن أزمع الفطر ثم أزمع الصوم بعد الفجر لم يجزه في حضر كان أو في سفر ، وإن سافر فلم يصم حتى مات فليس عليه قضاء ما أفطر ; لأنه كان له أن يفطر وإنما عليه القضاء إذا لزمه أن يصوم وهو مقيم فترك الصوم فهو حينئذ يلزم بالقضاء ويكفر عنه بعد موته وكذلك المريض لا يصح حتى يموت فلا صوم عليه ولا كفارة .
    باب صيام التطوع ( قال الشافعي ) : والمتطوع بالصوم مخالف للذي عليه الصوم من شهر رمضان وغيره الذين يجب عليهم الصوم لا يجزيهم عندي إلا إجماع الصوم قبل الفجر والذي يتطوع بالصوم ما لم يأكل ولم يشرب ، وإن أصبح يجزيه الصوم ، وإن أفطر المتطوع من غير عذر كرهته له ولا قضاء عليه ، وخالفنا في هذا بعض الناس فقال عليه القضاء ، وإذا دخل في شيء فقد أوجبه على نفسه واحتج بحديث الزهري { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة وحفصة أن يقضيا يوما مكان يومهما الذي أفطرتا فيه } .

    ( قال الشافعي ) : فقيل له ليس بثابت إنما حدثه الزهري عن رجل لا نعرفه ولو كان ثابتا كان يحتمل أن يكون إنما أمرهما على معنى إن شاءتا والله أعلم كما أمر عمر أن يقضي نذرا نذره في الجاهلية وهو على معنى إن شاء . قال فما دل على معنى ما قلت فإن الظاهر من الخبر ليس فيه ما قلت

    ( قال الشافعي ) : أخبرنا ابن عيينة عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة { عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إنا خبأنا لك حيسا فقال : أما إني كنت أريد الصوم ولكن قربيه }
    ( قال الشافعي ) : فقلت له لو كان على المتطوع القضاء إذا خرج من الصوم لم يكن له الخروج منه من غير عذر وذلك أن الخروج حينئذ منه لا [ ص: 113 ] يجوز ، وكيف يجوز لأحد أن يخرج من عمل عليه تمامه من غير عذر إذا كان عليه أن يعود فيه لم يكن له أن يخرج منه .

    ( قال الشافعي ) : والاعتكاف وكل عمل له قبل أن يدخل فيه أن لا يدخل فيه فله الخروج قبل إكماله وأحب إلي لو أتمه إلا الحج والعمرة فقط ، فإن قال قائل : فكيف أمرته إذا أفسد الحج والعمرة أن يعود فيهما فيقضيهما مرتين دون الأعمال ؟ قلنا : لا يشبه الحج والعمرة الصوم ولا الصلاة ولا ما سواهما . ألا ترى أنه لا يختلف أحد في أنه يمضي في الحج والعمرة على الفساد كما يمضي فيهما قبل الفساد ويكفر ويعود فيهما ؟ ولا يختلف أحد في أنه إذا أفسد الصلاة لم يمض فيها ولم يجز له أن يصليها فاسدة بلا وضوء وهكذا الصوم إذا أفسد لم يمض فيه . أو لا ترى أنه يكفر في الحج والعمرة متطوعا كان أو واجبا عليه كفارة واحدة ولا يكفر في الصلاة على كل حال ولا في الاعتكاف ولا في التطوع في الصوم ؟ وقد روى الذين يقولون بخلافنا في هذا عن ابن عمر أنه صلى ركعة وقال : إنما هو تطوع ، وروينا عن ابن عباس شبيها به في الطواف .
    باب أحكام من أفطر في رمضان ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى من أفطر أياما من رمضان من عذر مرض أو سفر قضاهن في أي وقت ما شاء في ذي الحجة أو غيرها وبينه وبين أن يأتي عليه رمضان آخر متفرقات أو مجتمعات ; وذلك أن الله عز وجل يقول { : فعدة من أيام أخر } ولم يذكرهن متتابعات وقد بلغنا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أحصيت العدة فصمهن كيف شئت ( قال ) : وصوم كفارة اليمين متتابع والله أعلم ، فإن مرض وسافر المفطر من رمضان فلم يصح ولم يقدر حتى يأتي عليه رمضان آخر قضاهن ولا كفارة ، وإن فرط وهو يمكنه أن يصوم حتى يأتي رمضان آخر صام الرمضان الذي جاء عليه وقضاهن . وكفر عن كل يوم بمد حنطة
    ( قال الشافعي ) : والحامل والمرضع إذا أطاقتا الصوم ولم تخافا على ولديهما .

    ( قال الشافعي ) : وإن كانتا لا تقدران على الصوم فهذا مثل المرض أفطرتا وقضتا بلا كفارة إنما ككفران بالأثر وبأنهما لم تفطرا لأنفسهما إنما أفطرتا لغيرهما فذلك فرق بينهما وبين المريض لا يكفر والشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ويقدر على الكفارة يتصدق عن كل يوم بمد حنطة خبرا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقياسا على من لم يطق الحج أن يحج عنه غيره وليس عمل غيره عنه عمله نفسه كما ليس الكفارة كعمله .

    ( قال الشافعي ) : والحال التي يترك بها الكبير الصوم أن يكون يجهده الجهد غير المحتمل وكذلك المريض والحامل : ( قال الشافعي ) : وإن زاد مرض المريض زيادة بينة أفطر ، وإن كانت زيادة محتملة لم يفطر والحامل إذا خافت على ولدها : أفطرت وكذلك المرضع إذا أضر بلبنها [ ص: 114 ] الإضرار البين ، فأما ما كان من ذلك محتملا فلا يفطر صاحبه ، والصوم قد يزيد عامة العلل ولكن زيادة محتملة وينتقص بعض اللبن ولكنه نقصان محتمل ، فإذا تفاحش أفطرتا ( قال الشافعي ) : فكأنه يتأول إذا لم يطق الصوم الفدية والله أعلم ، فإن قال قائل : فكيف يسقط عنه فرض الصلاة إذا لم يطقها ولا يسقط فرض الصوم ؟ قيل ليس يسقط فرض الصلاة في حال تفعل فيها الصلاة ولكنه يصلي كما يطيق قائما أو قاعدا أو مضطجعا فيكون بعض هذا بدلا من بعض ، وليس شيء غير الصلاة بدلا من الصلاة ، ولا الصلاة بدلا من شيء ، فالصوم لا يجزي فيه إلا إكماله ولا يتغير بتغير حال صاحبه ويزال عن وقته بالسفر والمرض ; لأنه لا نقص فيه كما يكون بعض الصلاة قصرا وبعضها قاعدا وقد يكون بدلا من الطعام في الكفارة ويكون الطعام بدلا منه
    ( قال الشافعي ) : ومن مرض فلم يصح حتى مات : فلا قضاء عليه إنما القضاء إذا صح ثم فرط ، ومن مات وقد فرط في القضاء أطعم عنه مكان كل يوم مسكين مدا من طعام
    ( قال الشافعي ) : ومن نذر أن يصوم سنة صامها وأفطر الأيام التي نهي عن صومها وهي يوم الفطر والأضحى وأيام منى وقضاها .
    ومن نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان صامه ، وإن قدم فلان وقد مضى من النهار شيء أو كان يوم فطر قضاه ، وإن قدم ليلا فأحب إلي أن يصوم الغد بالنية لصوم يوم النذر ، وإن لم يفعل لم أره واجبا
    ( قال الشافعي ) : ومن نذر أن يصوم يوم الجمعة فوافق يوم فطر أفطر وقضاه
    ومن نوى أن يصوم يوم الفطر لم يصمه ولم يقضه ; لأن ليس له صومه
    وكذلك لو أن امرأة نذرت أن تصوم أيام حيضها لم تصمه ولم تقضه ; لأنه ليس لها أن تصومها
    ( قال الربيع ) : وقد قال الشافعي مرة : من نذر صوم يوم يقدم فلان ، فوافق يوم عيد لم يكن عليه شيء ، ومن نذر صوم يوم يقدم فيه فلان فقدم في بعض النهار ، لم يكن عليه شيء .
    [ ص: 115 ] كتاب الاعتكاف أخبرنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي والاعتكاف سنة فمن أوجب على نفسه اعتكاف شهر فإنه يدخل في الاعتكاف قبل غروب الشمس ويخرج منه إذا غربت الشمس آخر الشهر ( قال ) : ولا بأس بالاشتراط في الاعتكاف الواجب وذلك أن يقول إن عرض لي عارض كان لي الخروج ولا بأس أن يعتكف ولا ينوي أياما ولا وجوب اعتكاف متى شاء انصرف والاعتكاف في المسجد الجامع أحب إلينا ، وإن اعتكف في غيره فمن الجمعة إلى الجمعة
    وإذا أوجب على نفسه اعتكافا في مسجد فانهدم المسجد اعتكف في موضع منه ، فإن لم يقدر خرج من الاعتكاف وإذا بني المسجد رجع فبنى على اعتكافه
    ويخرج المعتكف لحاجته إلى البول والغائط إلى بيته إن شاء أو غيره ولا يمكث بعد فراغه من حاجته ولا بأس أن يسأل عن المريض إذا دخل منزله ولا بأس أن يشتري ويبيع ويخيط ويجالس العلماء ويتحدث بما أحب ما لم يكن إثما ولا يفسد الاعتكاف سباب ولا جدال
    ( قال ) : ولا يعود : المريض ولا يشهد الجنازة إذا كان اعتكافا واجبا
    ولا بأس أن يعتكف المؤذن ويصعد المنارة كانت داخلة المسجد أو خارجة منه وأكره له الأذان للوالي بالصلاة ولا بأس أن يقضي
    وإن كانت عنده شهادة فدعي إليها فإنه يلزمه أن يجيب ، فإن أجاب يقضي الاعتكاف
    وإن أكل المعتكف في بيته فلا شيء عليه
    وإذا مرض الذي أوجب على نفسه الاعتكاف خرج ، فإذا برئ رجع فبنى على ما مضى من اعتكافه ، فإن مكث بعد برئه شيئا من غير عذر استقبل الاعتكاف وإذا خرج المعتكف لغير حاجة انتقض اعتكافه وإذا أفطر المعتكف أو وطئ استأنف اعتكافه إذا كان اعتكافا واجبا بصوم وكذلك المرأة إذا كانت معتكفة




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب قسم الصدقات
    الحلقة (73)
    صــــــــــ 116 الى صـــــــــــ120


    قال ) : وإذا جعل لله عليه شهرا ولم يسم شهرا بعينه ولم يقل متتابعا : اعتكف متى شاء وأحب إلي أن يكون متتابعا
    ولا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحد لا تفسده قبلة ولا مباشرة ولا نظرة أنزل أو لم ينزل وكذلك المرأة كان هذا في المسجد أو في غيره وإذا قال : لله علي أن أعتكف شهرا بالنهار فله أن يعتكف النهار دون الليل وكذلك لو قال لله علي أن لا أكلم فلانا شهرا بالنهار وإذا جعل لله عليه اعتكاف شهر بعينه فذهب الشهر وهو لا يعلم فعليه أن يعتكف شهرا سواه وإذا جعل لله عليه اعتكاف شهر فاعتكفه إلا يوما فعليه قضاء ذلك اليوم وإذا اعتكف الرجل اعتكافا واجبا فأخرجه السلطان أو غيره مكرها فلا شيء عليه متى خلا بنى على اعتكافه وكذلك إذا أخرجه بحد أو دين فحبسه ، فإذا خرج رجع فبنى وإذا سكر المعتكف ليلا أو نهارا أفسد اعتكافه وعليه أن يبتدئ إذا كان واجبا وإذا [ ص: 117 ] خرج المعتكف لحاجة فلقيه غريم له فلا بأس أن يوكل به واذا كان المعتكف الذي عليه الدين يحبسه الطالب عن الاعتكاف ، فإذا خلاه رجع فبنى وإذا خاف المعتكف من الوالي خرج ، فإذا أمن بنى والاعتكاف الواجب أن يقول لله علي أن أعتكف كذا وكذا والاعتكاف الذي ليس بواجب أن يعتكف ولا ينوي شيئا ، فإن نوى المعتكف يوما فدخل نصف النهار في الاعتكاف اعتكف إلى مثله ، وإذا جعل لله عليه اعتكاف يوم دخل قبل الفجر إلى غروب الشمس ، وإذا جعل لله عليه اعتكاف يومين دخل قبل الفجر فيعتكف يوما وليلة ويوما إلا أن يكون له نية النهار دون الليل وإذا جعل لله عليه اعتكاف شهر بصوم ثم مات قبل أن يقضيه فإنه يطعم عنه مكان كل يوم مدا ، فإن كان جعل على نفسه وهو مريض فمات قبل أن يصح فلا شيء عليه ، فإن كان صح أقل من شهر ثم مات أطعم عنه بعدد ما صح من الأيام كل [ ص: 118 ] يوم مدا ( قال الربيع ) : إذا مات : وقد كان عليه أن يعتكف ويصوم أطعم عنه ، وإذا لم يمكنه فلا شيء عليه ولا بأس أن يعتكف الرجل الليلة وكذلك لا بأس أن يعتكف يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق والاعتكاف يكون بغير صوم فإذا قال : لله علي أن أعتكف يوم يقدم فلان فقدم فلان في أول النهار أو آخره اعتكف ما بقي من النهار ، وإن قدم وهو مريض أو محبوس فإنه إذا صح أو خرج من الحبس قضاه ، وإن قدم ليلا فلا شيء عليه ، وإذا جعل لله عليه اعتكاف شهر سماه ، فإذا الشهر قد مضى فلا شيء عليه
    ( قال ) : وإذا أحرم المعتكف بالحج وهو معتكف أتم اعتكافه ، فإن خاف فوات الحج مضى لحجه ، فإن كان اعتكافه متتابعا ، فإذا قدم من الحج استأنف ، وإن كان غير متتابع بنى والاعتكاف في المسجد الحرام أفضل من الاعتكاف فيما سواه وكذلك مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وكل ما عظم من المساجد وكثر أهله فهو أفضل ، والمرأة والعبد والمسافر يعتكفون حيث شاءوا ; لأنهم لا جمعة عليهم وإذا جعلت المرأة على نفسها اعتكافا فلزوجها منعها منه وكذلك لسيد العبد والمدبر وأم الولد منعهم ، فإذا أذن لهم ثم أراد منعهم قبل تمام ذلك فذلك له وليس لسيد المكاتب منعهم من الاعتكاف
    وإذا جعل العبد المعتق نصفه عليه اعتكافا أياما فله أن يعتكف يوما ويخدم يوما حتى يتم اعتكافه وإذا جن المعتكف فأقام سنين ثم أفاق بنى .
    والأعمى والمقعد في الاعتكاف كالصحيح ، ولا بأس أن يلبس المعتكف والمعتكفة ما بدا لهما من الثياب ويأكلا ما بدا لهما من الطعام ويتطيبا بما بدا لهما من الطيب ولا بأس أن ينام في المسجد ولا بأس بوضع المائدة في المسجد وغسل اليدين في المسجد في الطست ولو نسي المعتكف فخرج ثم رجع لم يفسد اعتكافه ولا بأس أن يخرج المعتكف رأسه من المسجد إلى بعض أهله فيغسله - فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بأس أن ينكح المعتكف نفسه وينكح غيره وإذا مات عن المعتكفة زوجها خرجت ، وإذا قضت عدتها رجعت فبنت ، وقد قيل ليس لها أن تخرج ، فإن فعلت ابتدأت والله أعلم .
    [ ص: 119 ] كتاب الحج باب فرض الحج على من وجب عليه الحج أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي بمصر سنة سبع ومائتين قال أخبرنا محمد بن إدريس الشافعي قال : أصل إثبات فرض الحج خاصة في كتاب الله تعالى ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكر الله عز وجل الحج في غير موضع من كتابه فحكى أنه قال لإبراهيم عليه السلام { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } ، وقال تبارك وتعالى : { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام } مع ما ذكر به الحج .

    ( قال الشافعي ) : والآية التي فيها بيان فرض الحج على من فرض عليه قال الله جل ذكره { : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } وقال { : وأتموا الحج والعمرة لله } وهذه الآية موضوعة بتفسيرها في العمرة .

    ( قال الشافعي ) :
    أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن عكرمة قال لما نزلت { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } الآية قالت اليهود : فنحن مسلمون فقال الله تعالى لنبيه فحجهم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : حجوا فقالوا لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا قال الله جل ثناؤه : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } قال عكرمة : من كفر من أهل الملل فإن الله غني عن العالمين وما أشبه ما قال عكرمة بما قال والله أعلم ; لأن هذا كفر بفرض الحج وقد أنزله الله .

    والكفر بآية من كتاب الله كفر ( أخبرنا ) : مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج قال : قال مجاهد في قول الله عز وجل { ومن كفر } قال هو ما إن حج لم يره برا ، وإن جلس لم يره إثما [ ص: 120 ] كان سعيد بن سالم يذهب إلى أنه كفر بفرض الحج .

    ( قال الشافعي ) :
    ومن كفر بآية من كتاب الله كان كافرا وهذا إن شاء الله كما قال مجاهد : وما قال عكرمة فيه أوضح ، وإن كان هذا واضحا .

    ( قال الشافعي ) :
    فعم فرض الحج كل بالغ مستطيع إليه سبيلا ، فإن قال قائل : فلم لا يكون غير البالغ إذا وجد إليه سبيلا ممن عليه فرض الحج ؟ قيل : الاستدلال بالكتاب والسنة قال الله جل ذكره : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } يعني الذين أمرهم بالاستئذان من البالغين فأخبر أنهم إنما يثبت عليهم الفرض في إيذانهم في الاستئذان إذا بلغوا قال الله تعالى { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } فلم يأمر بدفع المال إليهم بالرشد حتى يجتمع البلوغ معه وفرض الله الجهاد في كتابه ثم أكد اليقين { فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن عمر حريصا على أن يجاهد وأبوه حريص على جهاده وهو ابن أربع عشرة سنة فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد ثم أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغ خمس عشرة سنة عام الخندق } ورسول الله صلى الله عليه وسلم المبين عن الله ما أنزل جملا من إرادته جل شأنه فاستدللنا بأن الفرائض والحدود إنما تجب على البالغين وصنع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد مع ابن عمر ببضعة عشر رجلا كلهم في مثل سنه

    ( قال الشافعي ) :
    فالحج واجب على البالغ العاقل والفرائض كلها ، وإن كان سفيها وكذلك الحدود ، فإذا حج بالغا عاقلا أجزأ عنه ولم يكن عليه أن يعود لحجة أخرى إذا صار رشيدا وكذلك المرأة البالغة ( قال ) : وفرض الحج زائل عمن بلغ مغلوبا على عقله ; لأن الفرائض على من عقلها وذلك أن الله عز وجل خاطب بالفرائض من فرضها عليه في غير آية من كتابه ولا يخاطب إلا من يعقل المخاطبة وكذلك الحدود ، ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك على ما دل عليه كتاب الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ } ، فإن كان يجن ويفيق فعليه الحج ، فإذا حج مفيقا أجزأ عنه ، وإن حج في حال جنونه لم يجز عنه الحج وعلى ولي السفيه البالغ أن يتكارى له ويمونه في حجه ; لأنه واجب عليه ولا يضيع السفيه من الفرائض شيئا وكذلك ولي السفيهة البالغة
    ( قال الشافعي ) :
    ولو حج غلام قبل بلوغ الحلم واستكمال خمس عشرة سنة ثم عاش بعدها بالغا لم يحج لم تقض الحجة التي حج قبل البلوغ عنه حجة الإسلام ; وذلك أنه حجها قبل أن تجب عليه وكان في معنى من صلى فريضة قبل وقتها الذي تجب عليه فيه في هذا الموضع فيكون بها متطوعا كما يكون بالصلاة متطوعا ولم يختلف المسلمون عليه فيما وصفت في الذين لم يبلغوا الحلم والمماليك لو حجوا وأن ليست على واحد منهم فريضة الحج ولو أذن للملوك بالحج أو أحجه سيده كان حجه تطوعا لا يجزي عنه من حجة الإسلام إن عتق ثم عاش مدة يمكنه فيها أن يحج بعدما ثبتت عليه فريضة الحج ( قال ) : ولو حج كافر بالغ ثم أسلم لم تجز عنه حجة الإسلام ; لأنه لا يكتب له عمل يؤدى فرضا في بدنه حتى يصير إلى الإيمان بالله ورسوله ، فإذا أسلم وجب عليه الحج



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب الحج
    الحلقة (74)
    صــــــــــ 121 الى صـــــــــــ125

    ( قال ) : وكان في الحج مؤنة في المال وكان العبد لا مال له ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين بقوله { من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع } فدل ذلك على [ ص: 121 ] أن لا مال للعبد وإن ما ملك فإنما هو ملك للسيد وكان المسلمون لا يورثون العبد من ولده ولا والده ولا غيرهم شيئا فكان هذا عندنا من أقاويلهم استدلالا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه لا يملك إلا لسيده وكان سيده غير الوارث وكان المسلمون لا يجعلون على سيده الإذن له إلى الحج فكان العبد ممن لا يستطيع إليه سبيلا فدل هذا على أن العبيد خارجون من فرض الحج بخروجهم من استطاعة الحج وخارج من الفرض لو أذن له سيده . ولو أذن له سيده وحج لم تجز عنه ، فإن قال قائل : فكيف لا تجزي عنه ؟ قلت ; لأنها لا تلزمه وأنها لا تجزي عمن لم تلزمه قال ومثل ماذا ؟ قلت مثل مصلي المكتوبة قبل وقتها وصائم شهر رمضان قبل إهلاله لا يجزئ عن واحد منهما إلا في وقته ; لأنه عمل على البدن والعمل على البدن لا يجزي إلا في الوقت ، والكبير الفاني القادر يلزمه ذلك في نفسه وفي غيره وليس هكذا المملوك ولا غيره البالغ من الأحرار ، فلو حجا لم تجز عنهما حجة الإسلام إذا بلغ هذا وعتق هذا وأمكنهما الحج .
    باب تفريع حج الصبي والمملوك

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى ليس على الصبي حج حتى يبلغ الغلام الحلم والجارية المحيض في أي سن ما بلغاها أو استكملا خمس عشرة سنة ، فإذا بلغا استكمال خمس عشرة سنة ، أو بلغا المحيض أو الحلم ، وجب عليهما الحج ( قال ) : وحسن أن يحجا صغيرين لا يعقلان ودون البالغين يعقلان يجردان للإحرام ويجتنبان ما يجتنب الكبير ، فإذا أطاقا عمل شيء أو كانا إذا أمرا به عملاه عن أنفسهما ما كان ، فإن لم يكونا يطيقانه عمل عنهما وسواء في ذلك الصلاة التي تجب بالطواف أو غيرها من عمل الحج ، فإن قال قائل أفتصلي عنهما المكتوبة ؟ قيل لا ، فإن قال فما فرق بين المكتوبة وبين الصلاة التي وجبت بالطواف ؟ قيل تلك عمل من عمل الحج وجبت به كوجوب الطواف والوقوف به والرمي وليست بفرض على غير حاج فتؤدى كما يؤدى غيرها .

    فإن قال قائل : فهل من فرق غير هذا ؟ قيل نعم ، الحائض تحج وتعتمر فتقضي ركعتي الطواف لا بد منهما ولا تقضي المكتوبة التي مرت في أيام حيضها ( قال ) : والحجة في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للمرء أن يحج عن غيره وفي ذلك أن عمله عنه يجزئ كما أجزأ عمله عن نفسه فمن علم هذا علم أنه مضطر إلى أن يقول لا يبقى من عمل الحج عنه شيء ، فلو جاز أن يبقى من عمل الحج صلاة جاز أن يبقى طواف ورمي ووقوف ولكنه يأتي بالكمال عمن عمل عنه كما كان على المعمول عنه أن يأتي بالكمال عن نفسه ( قال ) : ولا أعلم أحدا ممن سمعت منه في هذا شيئا خالف فيه ما وصفت . وقد حكي لي عن قائل أنه قال : يعمل عنه غير الصلاة ، وأصل قول القائل هذا أنه لا يحج أحد عن أحد إلا في بعض الأحوال دون بعض فكيف جاز أن يأمر بالحج في حال لم يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فيه ويتركها حيث أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وكيف إذا ترك أصل قوله في حال يحج المرء فيها عن غيره أو يعمل فيها شيئا من عمل الحج عن غيره لم يجعل الصلاة التي تجب بالحج مما أمر بعمله في الحج غير الصلاة ؟ .

    فإن قال قائل : فما الحجة أن للصبي حجا ولم يكتب عليه فرضه قيل : إن الله بفضل نعمته أناب الناس على الأعمال أضعافها ومن على المؤمنين بأن ألحق بهم ذرياتهم ووفر عليهم أعمالهم فقال { : ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء } فلما من على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل كان أن من عليهم بأن يكتب لهم عمل [ ص: 122 ] البر في الحج ، وإن لم يجب عليهم من ذلك المعنى ، فإن قال قائل ما دل على ما وصفت ؟ فقد جاءت الأحاديث في أطفال المسلمين أنهم يدخلون الجنة فالحجة فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    ( قال الشافعي ) :
    أخبرنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم قفل فلما كان بالروحاء لقي ركبا فسلم عليهم فقال : من القوم ؟ فقالوا : مسلمون ، فمن القوم قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت إليه امرأة صبيا لها من محفة فقالت : يا رسول الله ألهذا حج قال : نعم ، ولك أجر . }

    أخبرنا مالك عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بامرأة ، وهي في محفتها فقيل لها : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بعضد صبي كان معها فقالت : ألهذا حج ؟ قال : نعم . ولك أجر } ( قال الشافعي ) : أخبرنا سعيد بن سالم عن مالك بن مغول عن أبي السفر قال قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أيها الناس أسمعوني ما تقولون وافهموا ما أقول لكم أيما مملوك حج به أهله فمات قبل أن يعتق فقد قضى حجه ، وإن عتق قبل أن يموت فليحجج وأيما غلام حج به أهله فمات قبل أن يدرك فقد قضي عنه حجه ، وإن بلغ فليحجج " أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء قال ، وتقضى حجة العبد عنه حتى يعتق ، فإذا عتق وجبت عليه من غير أن تكون واجبة عليه .

    ( قال الشافعي ) :
    هذا كما قال عطاء في العبد إن شاء الله ومن لم يبلغ وقد بين معنى قوله ومعنى قول ابن عباس عندنا هكذا وقوله : فإذا عتق فليحجج يدل على أنها لو أجزأت عنه حجة الإسلام لم يأمره بأن يحج إذا عتق ويدل على أنه لا يراها واجبة عليه في عبوديته ; وذلك أنه وغيره من أهل الإسلام لا يرون فرض الحج على أحد إلا مرة ; لأن الله عز وجل يقول { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } فذكره مرة ، ولم يردد ذكره مرة أخرى

    ( قال الشافعي ) :
    أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج أنه قال لعطاء : أرأيت إن حج العبد تطوعا يأذن له سيده بحج لا أجر نفسه ولا حج به أهله يخدمهم ؟ قال : سمعنا أنه إذا عتق حج لا بد .

    أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج عن ابن طاوس أن أباه كان يقول : تقضى حجة الصغير عنه حتى يعقل ، فإذا عقل وجبت عليه حجة لا بد منها والعبد كذلك أيضا ( قالا ) : وأخبرنا ابن جريج أن قولهم هذا عن ابن عباس .

    ( قال الشافعي ) :
    وقولهم : إذا عقل الصبي ، إذا احتلم والله أعلم . ويروى عن عمر في الصبي والمملوك مثل معنى هذا القول ، فيجتمع المملوك وغير البالغين والعبد في هذا المعنى ، ويتفرقان فيما أصاب كل واحد منهما في حجه .
    الإذن للعبد

    ( قال الشافعي ) :
    إذا أذن الرجل لعبده بالحج فأحرم فليس له منعه أن يتم على إحرامه وله بيعه وليس لمبتاعه منعه أن يتم إحرامه ولمبتاعه الخيار إذا كان لم يعلم بإحرامه ; لأنه محول بينه وبين حبسه لمنفعته إلى أن ينقضي إحرامه وكذلك الأمة وكذلك الصبيان إذا أذن لهما أبوهما فأحرما لم يكن له حبسهما ( قال ) : ولو أصاب العبد امرأته فبطل حجه لم يكن لسيده حبسه وذلك ; لأنه مأمور بأن يمضي في حج فاسد مضيه في حج صحيح ولو أذن له في الحج فأحرم فمنعه مرض : لم يكن له حبسه إذا صح عن أن يحل بطواف ، وإن أذن له في حج فلم يحرم : كان له منعه ما لم يحرم ( قال ) : وإن أذن له أن يتمتع أو يقرن فأعطاه دما للمتعة أو القران : لم يجز عنه ; لأن العبد لا يملك شيئا ، فإذا ملكه شيئا فإنما ملكه للسيد فلا [ ص: 123 ] يجزي عنه ما لا يكون له مالكا بحال وعليه فيما لزمه الصوم ما كان مملوكا ، فإن لم يصم حتى عتق ووجد ففيها قولان : أحدهما أن يكفر كفارة الحر الواجد والثاني لا يكفر إلا بالصوم ; لأنه لم يكن له ولا عليه في الوقت الذي أصاب فيه شيء إلا الصوم لو أذن له في الحج فأفسده كان على سيده أن يدعه يتم عليه ولم يكن له على سيده أن يدعه يقضيه ، فإن قضاه أجزأ عنه من القضاء وعليه إذا عتق حجة الإسلام ولو لم يأذن للعبد سيده بالحج فأحرم به كان أحب إلي أن يدعه يتمه ، فإن لم يفعل فله حبسه وفيها قولان : أحدهما أن عليه إذا حبسه سيده عن إتمام حجه شاة يقومها دراهم ثم يقوم الدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما ثم يحل ، والقول الثاني يحل ولا شيء عليه حتى يعتق فيكون عليه شاة ، ولو أذن السيد لعبده فتمتع فمات العبد ، أخبرنا سعيد عن ابن جريج عن عطاء قال : إذا أذنت لعبدك فتمتع فمات فاغرم عنه ، فإن قال قائل فهل يجوز أن يفرق بين ما يجزي العبد حيا من إعطاء سيده عنه وما يجزيه ميتا ؟ فنعم ، أما ما أعطاه حيا فلا يكون له إخراجه من ملكه عنه حيا حتى يكون المعطى عنه مالكا له والعبد لا يكون مالكا ، وهكذا ما أعطي عن الحر بإذنه أو وهبه للحر فأعطاه الحر عن نفسه قد ملك الحر في الحالين ولو أعطى عن حر بعد موته أو عبد لم يكن الموتى يملكون شيئا أبدا ، ألا ترى أن من وهب لهم أو أوصى أو تصدق عليهم لم يجز وإنما أجزنا أن يتصدق عنهم بالخبر عن { رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر سعدا أن يتصدق عن أمه } ، ولولا ذلك لما جاز ما وصفت لك .
    باب كيف الاستطاعة إلى الحج

    ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى الاستطاعة وجهان :
    أحدهما أن يكون الرجل مستطيعا ببدنه واجدا من ماله ما يبلغه الحج فتكون استطاعته تامة ويكون عليه فرض الحج لا يجزيه ما كان بهذا الحال ، إلا أن يؤديه عن نفسه ، والاستطاعة الثانية أن يكون مضنوا في بدنه لا يقدر أن يثبت على مركب فيحج على المركب بحال وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بطاعته له أو قادر على مال يجد من يستأجره ببعضه فيحج عنه فيكون هذا ممن لزمته فريضة الحج كما قدر ، ومعروف في لسان العرب أن الاستطاعة تكون بالبدن وبمن يقوم مقام البدن ، وذلك أن الرجل يقول : أنا مستطيع لأن أبني داري يعني بيده ويعني بأن يأمر من يبنيها بإجارة أو يتطوع ببنائها له ، وكذلك مستطيع لأن أخيط ثوبي ، وغير ذلك مما يعمله هو بنفسه ويعمله له غيره .

    فإن قال قائل : الحج على البدن وأنت تقول في الأعمال على الأبدان إنما يؤديها عاملها بنفسه مثل الصلاة والصيام فيصلي المرء قائما ، فإن لم يقدر صلى جالسا أو مضطجعا ولا يصلي عنه غيره ، وإن لم يقدر على الصوم قضاه إذا قدر أو كفر ولم يصم عنه غيره وأجزأ عنه . قيل له إن شاء الله تعالى الشرائع تجتمع في معنى وتفترق في غيره بما فرق الله به عز وجل بينها في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو بما اجتمعت عليه عوام المسلمين الذين لم يكن فيهم أن يجهلوا أحكام الله تعالى ، فإن قال : فادللني على ما وصفت من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم قيل له : إن شاء الله أخبرنا سفيان قال سمعت الزهري يحدث عن سليمان بن يسار عن ابن عباس { أن امرأة من خثعم [ ص: 124 ] سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على راحلته فهل ترى أن أحج عنه ؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم نعم } قال سفيان هكذا حفظته عن الزهري وأخبرنيه عمرو بن دينار عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وزاد فقالت : يا رسول الله فهل ينفعه ذلك ؟ فقال : نعم مثل لو كان عليه دين فقضيته نفعه فكان فيما حفظ سفيان عن الزهري ما بين أن أباها إذا أدركته فريضة الحج ولا يستطيع أن يستمسك على راحلته أن جائزا لغيره أن يحج عنه ، ولد أو غيره ، وأن لغيره أن يؤدي عنه فرضا إن كان عليه في الحج إذا كان غير مطيق لتأديته ببدنه فالفرض لازم له ، ولو لم يلزمه لقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا فريضة على أبيك إذا كان إنما أسلم ولا يستطيع أن يستمسك على الراحلة إن شاء الله تعالى ، ولقال : لا يحج أحد عن أحد إنما يعمل المرء عن نفسه ثم بين سفيان عن عمرو عن الزهري في الحديث ما لم يدع بعده في قلب من ليس بالفهم شيئا فقال في الحديث { فقالت له : أينفعه ذلك يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم : كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه } وتأدية الدين عمن عليه حيا وميتا فرض من الله عز وجل في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وفي إجماع المسلمين ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة أن تأديتها عنه فريضة الحج نافعة له كما ينفعه تأديتها عنه دينا لو كان عليه ومنفعته إخراجه من المآثم وإيجاب أجر تأديته الفرض له كما يكون ذلك في الدين ، ولا شيء أولى أن يجمع بينهما مما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه ونحن نجمع بالقياس بين ما أشبه في وجه ، وإن خالفه في وجه غيره ، إذا لم يكن شيء أشد مجامعة له منه فيرى أن الحجة تلزم به العلماء ، فإذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين ، فالفرض أن يجمع بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه ، وفيه فرق آخر أن العاقل للصلاة لا تسقط عنه حتى يصليها جالسا إن لم يقدر على القيام أو مضطجعا أو موميا وكيفما قدر وأن الصوم إن لم يقدر عليه قضاه ، فإن لم يقدر على قضاء كفر ، والفرض على الأبدان مجتمع في أنه لازم في حال ثم يختلف بما خالف الله عز وجل بينه ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم يفرق بينه بما يفرق به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو بعض من هو دونهم ، فالذي يخالفنا ولا يجيز أن يحج أحد عن أحد يزعم أن من نسي فتكلم في صلاة لم تفسد عليه صلاته ، ومن نسي فأكل في شهر رمضان فسد صومه ويزعم أن من جامع في الحج أهدى . ومن جامع في شهر رمضان تصدق ومن جامع في الصلاة فلا شيء عليه ويفرق بين الفرائض فيما لا يحصى كثرة .

    وعلته في الفرق بينها خبر وإجماع ، فإذا كانت هذه علته فلم رد مثل الذي أخذ به ؟ قال الشافعي أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : { كان الفضل بن عباس رديف النبي صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه ، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت : يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه ؟ فقال : نعم } ، وذلك في حجة الوداع

    ( قال الشافعي ) :
    أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج قال قال ابن شهاب حدثني سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباس { أن امرأة من خثعم قالت : يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله عليه في الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره قال : فحجي عنه } ( قال الشافعي ) : أخبرنا عمرو بن أبي سلمة عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي عن زيد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { وكل منى منحر ثم جاءت امرأة [ ص: 125 ] من خثعم فقالت : يا رسول الله إن أبي شيخ كبير قد أفند وأدركته فريضة الله على عباده في الحج ولا يستطيع أداءها فهل يجزي عنه أن أؤديها عنه ؟ فقال : نعم } ( قال الشافعي ) : وفي حديث علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان أن عليه أداءها إن قدر ، وإن لم يقدر أداها عنه فأداؤها إياها عنه يجزيه ، والأداء لا يكون إلا لما لزم ( قال الشافعي ) : أخبرنا سعيد بن سالم عن حنظلة بن أبي سفيان قال : سمعت طاوسا يقول : { أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت : إن أمي ماتت وعليها حجة فقال حجي عن أمك } أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن عطاء قال { سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول : لبيك عن فلان فقال : إن كنت حججت فلب عنه وإلا فاحجج عنك } وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال لشيخ كبير لم يحجج " إن شئت فجهز رجلا يحج عنك " .

    ( قال الشافعي ) :
    ولو جهز من هو بهذه الحال رجلا فحج عنه ثم أتت له حال يقدر فيها على المركب للحج ويمكنه أن يحج لم تجز تلك الحجة عنه وكان عليه أن يحج عن نفسه ، فإن لم يفعل حتى مات أو صار إلى حال لا يقدر فيها على الحج وجب عليه أن يبعث من يحج عنه إذا بلغ تلك الحال أو مات ; لأنه إنما يجزي عنه حج غيره بعد أن لا يجد السبيل ، فإذا وجدها وجب عليه الحج وكان ممن فرض عليه ببدنه أن يحج عن نفسه إذا بلغ تلك الحال ، وما أوجب على نفسه من حج في نذر وتبرر فهو مثل حجة الإسلام وعمرته ، يلزمه أن يحج عن نفسه ويحجه عنه غيره ، إذا جاز أن يحج عنه حجة الإسلام وعمرته جاز ذلك فيما أوجب على نفسه .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب الحج
    الحلقة (75)
    صــــــــــ 126 الى صـــــــــــ130

    باب الخلاف في الحج عن الميت

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى لا أعلم أحدا نسب إلى علم ببلد يعرف أهله بالعلم خالفنا في أن يحج عن المرء إذا مات الحجة الواجبة عنه إلا بعض من أدركنا بالمدينة وأعلام أهل المدينة والأكابر من ماضي فقهائهم تأمر به مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر علي بن أبي طالب وابن عباس به وغير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وابن المسيب وربيعة والذي قال لا يحج أحد عن أحد قاله ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثة وجوه سوى ما روى الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذلك ، أنه أمر بعض من سأله أن يحج عن غيره ثم ترك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم واحتج له بعض من قال بقوله بأن ابن عمر قال لا يحج أحد عن أحد وهو يروي عن ابن عمر ثلاثة وستين حديثا يخالف ابن عمر فيها منها ما يدعه لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنها ما يدعه لما جاء عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يدعه لقول رجل من التابعين ومنها ما يدعه لرأي نفسه فكيف جاز لأحد نسب نفسه إلى علم أن يحل قول ابن عمر عنده في هذا المحل ثم يجعله حجة على السنة ولا يجعله حجة على قول نفسه ؟ وكان من حجة من قال بهذا القول أن قال كيف يجوز أن يعمل رجل عن غيره وليس في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اتباعها بفرض الله عز وجل كيف والمسألة في شيء قد ثبتت فيه السنة ما لا يسع عالما والله أعلم ، ولو جاز هذا لأحد جاز [ ص: 126 ] عليه مثله فقد يثبت الذي قال هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء بأضعف من إسناد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض الناس أن يحج عن بعض وله في هذا مخالفون كثير منها القطع في ربع دينار ومنها بيع العرايا ، ومنها النهي عن بيع اللحم بالحيوان وأضعاف هذه السنن ، فكيف جاز له على من خالفه أن يثبت الأضعف ويرد على غيره الأقوى ؟ وكيف جاز له أن يقول بالقسامة وهي مختلف فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وأكثر الخلق يخالفه فيها وأعطى فيها بأيمان المدعين الدم وعظيم المال ، وهو لا يعطي بها جرحا ولا درهما ولا أقل من المال في غيرها ، فإن قال ليس في السنة قياس ولا عرض على العقل فحديث حج الرجل عن غيره أثبت من جميع ما ذكرت وأحرى أن لا يبعد عن العقل بعدما وصفت من القسامة وغيرها ثم عاد فقال بما عاب من حج المرء عن غيره حيث لو تركه كان أجوز له وتركه حيث لا يجوز تركه فقال إذا أوصى الرجل أن يحج عنه حج عنه من ماله ، وأصل مذهبه أن لا يحج أحد عن أحد ، كما لا يصلي أحد عن أحد وقد سألت بعض من يذهب مذهبه فقلت : أرأيت لو أوصى الرجل أن يصلى أو يصام عنه بإجارة أو نفقة غير إجارة أو تطوع ، أيصام أو يصلى عنه ؟ قال : لا . والوصية باطلة فقلت له : فإذا كان إنما أبطل الحج ; لأنه كالصوم والصلاة فكيف أجاز أن يحج المرء عن غيره بماله له ولم يبطل الوصية فيه كما أبطلها ؟ قال أجازها الناس قلت : فالناس الذين أجازوها أجازوا أن يحج الرجل عن الرجل إذا أفند .

    وإن مات بكل حال وأنت لم تجزها على ما أجازوها عليه مما جاءت به السنة ولم تبطلها إبطالك الوصية بالصوم والصلاة فلم يكن عنده فيها سنة ولا أثر ولا قياس ولا معقول ، بل كان عنده خلاف هذا كله وخلاف ما احتج به عن ابن عمر ، فما علمته إذ قال لا يحج أحد عن أحد استقام عليه ، ولا أمر بالحج في الحال التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أصحابه وعامة الفقهاء وما علمت من رد الأحاديث من أهل الكلام تروحوا من الحجة علينا إلى شيء تروحهم إلى إبطال من أبطل أصحابنا أن يحج المرء عن الآخر حيث أبطلها وأشياء قد تركها من السنن ولا شغب فيه شغبه في هذا ، فقلنا لبعض من قال ذلك : لنا مذهبك في التروح إلى الحجة بهذا مذهب من لا علم له أو من له علم بلا نصفة فقال : وكيف ؟ قلت أرأيت ما تروحت إليه من هذا أهو قول أحد يلزم قوله فأنت تكبر خلافه أو قول آدمي قد يدخل عليه ما يدخل على الآدميين من الخطأ ؟ قال : بل قول من يدخل عليه الخطأ قلنا فتركه بأن يحج المرء عن غيره حيث تركه مرغوب عنه غير مقبول منه عندما قال فهو من أهل ناحيتكم قلنا ، وما زعمنا أن أحدا من أهل زماننا وناحيتنا برئ من أن يغفل ، وإنهم لكالناس وما يحتج منصف على امرئ بقول غيره إنما يحتج على المرء بقول نفسه .
    باب الحال التي يجب فيها الحج

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله ما أحب لأحد ترك الحج ماشيا إذا قدر عليه ولم يقدر على مركب رجل أو امرأة والرجل فيه أقل عذرا من المرأة ولا يبين لي أن أوجبه عليه لأني لم أحفظ عن أحد من المفتين أنه أوجب على أحد أن يحج ماشيا ، وقد روى أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن لا يجب المشي على أحد إلى الحج ، وإن أطاقه غير أن منها منقطعة ومنها ما يمتنع أهل العلم بالحديث من تثبيته ( قال الشافعي ) : أخبرنا سعيد بن سالم عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر قال قعدنا [ ص: 127 ] إلى عبد الله بن عمر فسمعته يقول { : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما الحاج ؟ فقال الشعث التفل فقام آخر فقال : يا رسول الله أي الحج أفضل ؟ قال العج والثج فقام آخر فقال يا رسول الله ما السبيل ؟ فقال : زاد وراحلة } ( قال ) : وروي عن شريك بن أبي نمر عمن سمع أنس بن مالك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { السبيل الزاد والراحلة } .
    باب الاستسلاف للحج

    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سعيد بن سالم عن سفيان الثوري عن طارق بن عبد الرحمن عن { عبد الله بن أبي أوفى صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سألته عن الرجل لم يحج أيستقرض للحج ؟ قال : لا }

    ( قال الشافعي ) :
    ومن لم يكن في ماله سعة يحج بها من غير أن يستقرض فهو لا يجد السبيل ولكن إن كان ذا عرض كثير فعليه أن يبيع بعض عرضه أو الاستدانة فيه حتى يحج ، فإن كان له مسكن وخادم وقوت أهله بقدر ما يرجع من الحج إن سلم فعليه الحج ، وإن كان له قوت أهله أو ما يركب به لم يجمعهما فقوت أهله ألزم له من الحج عندي والله أعلم ، ولا يجب عليه الحج حتى يضع لأهله قوتهم في قدر غيبته .
    ولو آجر رجل نفسه من رجل يخدمه ثم أهل بالحج معه أجزأت عنه من حجة الإسلام وذلك أنه لم ينتقض من عمل الحج بالإجارة شيء إذا جاء بالحج بكماله ولا يحرم عليه أن يقوم بأمر غيره بغير أن ينقض من عمل الحج شيئا كما يقوم بأمر نفسه إذا جاء بما عليه وكما يتطوع فيخدم غيره لثواب أو لغير ثواب ، أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رجلا سأله فقال أو آجر نفسي من هؤلاء القوم فأنسك معهم المناسك إلى أجر ؟ فقال ابن عباس نعم { أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } ، ولو حج رجل في حملان غيره ومؤنته أجزأت عنه حجة الإسلام ، وقد حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر حملهم فقسم بين عوامهم غنما من ماله فذبحوها عما وجب عليهم وأجزأت عنهم ، وذلك أنهم ملكوا ما أعطاهم من الغنم فذبحوا ما ملكوا ، ومن كفاه غيره مؤنته أجزأت عنه متطوعا أو بأجرة لم ينتقض حجه إذا أتى بما عليه من الحج ، ومباح له أن يأخذ الأجرة ويقبل الصلة ، غنيا كان أو فقيرا ، الصلة لا تحرم على أحد من الناس إنما تحرم الصدقة على بعض الناس ، وليس عليه إذا لم يجد مركبا أن يسأل ولا يؤاجر نفسه ، وإنما السبيل الذي يوجب الحج أن يجد المؤنة والمركب من شيء كان يملكه قبل الحج أو في وقته
    باب حج المرأة والعبد
    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى وإذا كان فيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن السبيل الزاد والراحلة وكانت المرأة تجدهما وكانت مع ثقة من النساء في طريق مأهولة آمنة فهي ممن عليه الحج عندي والله أعلم ، وإن لم يكن معها ذو محرم ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستثن فيما يوجب الحج إلا الزاد والراحلة ، وإن لم تكن مع حرة مسلمة ثقة من النساء فصاعدا لم تخرج مع رجال لا امرأة معهم ولا محرم لها منهم ، وقد بلغنا عن عائشة وابن عمر وابن الزبير مثل قولنا في أن تسافر المرأة للحج ، وإن لم يكن معها محرم ، أخبرنا مسلم عن ابن جريج قال سئل عطاء عن امرأة ليس [ ص: 128 ] معها ذو محرم ولا زوج معها ولكن معها ولائد وموليات يلين إنزالها وحفظها ورفعها ؟ قال : نعم . فلتحج

    ( قال الشافعي ) :
    فإن قال قائل : فهل من شيء يشبه غير ما ذكرت ؟ قيل : نعم . ما لا يخالفنا فيه أحد علمته من أن المرأة يلزمها الحق وتثبت عليها الدعوى ببلد لا قاضي به فتجلب من ذلك البلد ولعل الدعوى تبطل عنها أو تأتي بمخرج من حق لو ثبت عليها مسيرة أيام مع غير ذي محرم إذا كانت معها امرأة وأن الله تعالى قال في المعتدات { : ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } فقيل يقام عليها الحد ، فإذا كان هذا هكذا فقد بين الله عز وجل أنه لم يمنعها الخروج من حق لزمها ، وإن لم يكن هكذا وكان خروجها فاحشة فهي بالمعصية بالخروج إلى غير حق ألزم ، فإن قال قائل : ما دل على هذا ؟ قيل لم يختلف الناس فيما علمته أن المعتدة تخرج من بيتها لإقامة الحد عليها وكل حق لزمها ، والسنة تدل على أنها تخرج من بيتها للنداء كما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس ، فإذا كان الكتاب ثم السنة يدلان معا والإجماع في موضع على أن المرأة في الحال التي هي ممنوعة فيها من خروج إلى سفر أو خروج من بيتها في العدة إنما هو على أنها ممنوعة مما لا يلزمها ولا يكون سبيلا لما يلزمها وما لها تركه ، فالحج لازم وهي له مستطيعة بالمال والبدن ومعها امرأة فأكثر ثقة ، فإذا بلغت المرأة المحيض أو استكملت خمس عشرة سنة ولا مال لها تطيق به الحج يجبر أبواها ولا ولي لها ولا زوج المرأة على أن يعطيها من ماله ما يحجها به ( قال ) : ولو أراد رجل الحج ماشيا وكان ممن يطيق ذلك لم يكن لأبيه ولا لوليه منعه من ذلك ( قال ) ولو أرادت المرأة الحج ماشية كان لوليها منعها من المشي فيما لا يلزمها ( قال ) : وإذا بلغت المرأة قادرة بنفسها ومالها على الحج فأراد وليها منعها من الحج أو أراده زوجها ، منعها منه ما لم تهل بالحج ; لأنه فرض بغير وقت إلا في العمر كله ، فإن أهلت بالحج بإذنه لم يكن له منعها ، وإن أهلت بغير إذنه ففيها قولان ، أحدهما أن عليه تخليتها ، ومن قال هذا القول لزمه عندي أن يقول : لو تطوعت فأهلت بالحج : أن عليه تخليتها من قبل أن من دخل في الحج ممن قدر عليه لم يكن له الخروج منه ولزمه ، غير أنها إذا تنفلت بصوم لم يكن له منعها ولزمه عندي في قوله أن يقول ذلك في الاعتكاف والصلاة .

    والقول الثاني : أن تكون كمن أحصر فتذبح وتقصر وتحل ويكون ذلك لزوجها ( قال الشافعي ) : أخبرنا سعيد بن سالم ومسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء أنه قال في المرأة تهل بالحج فيمنعها زوجها : هي بمنزلة الحصر .

    ( قال الشافعي ) :
    وأحب لزوجها أن لا يمنعها ، فإن كان واجبا عليه أن لا يمنعها كان قد أدى ما عليه وأن له تركه إياها أداء الواجب ، وإن كان تطوعا أجر عليه إن شاء الله تعالى .
    الخلاف في هذا الباب : ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى :
    فذهب بعض أهل الكلام إلى معنى سأصف ما كلمني به ومن قال قوله ، فزعم أن فرض الحج على المستطيع إذا لزمه في وقت يمكنه أن يحج فيه فتركه في أول ما يمكنه كان آثما بتركه ، وكان كمن ترك الصلاة وهو يقدر على صلاتها حتى ذهب الوقت ، وكان إنما يجزئه حجه بعد أول سنة من مقدرته عليه قضاء كما تكون الصلاة بعد ذهاب الوقت قضاء ، ثم أعطانا [ ص: 129 ] بعضهم ذلك في الصلاة إذا دخل وقتها الأول فتركها ، فإن صلاها في الوقت ، وفيما نذر من صوم ، أو وجب عليه بكفارة أو قضاء ، فقال فيه كله متى أمكنه فأخره فهو عاص بتأخيره ثم قال في المرأة يجبر أبوها وزوجها على تركها لهذا المعنى وقاله معه غيره ممن يفتي ولا أعرف فيه حجة إلا ما وصفت من مذهب بعض أهل الكلام .

    ( قال الشافعي ) :
    وقال لي نفر منهم : نسألك من أين قلت في الحج للمرء أن يؤخره وقد أمكنه ؟ ، فإن جاز ذلك جاز لك ما قلت في المرأة ؟ قلت : استدلالا مع كتاب الله عز وجل بالحجة اللازمة ، قالوا فاذكرها ، قلت : نعم { نزلت فريضة الحج بعد الهجرة وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحاج وتخلف هو عن الحج بالمدينة بعد منصرفه من تبوك لا محاربا ولا مشغولا } ، وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا كما تقولون لم يتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرض عليه ; لأنه لم يصل إلى الحج بعد فرض الحج إلا في حجة الإسلام التي يقال لها حجة الوداع ، ولم يدع مسلما يتخلف عن فرض الله تعالى عليه وهو قادر عليه ومعهم ألوف كلهم قادر عليه لم يحج بعد فريضة الحج { وصلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم في وقتين وقال ما بين هذين وقت } وقد أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بالعتمة حتى نام الصبيان والنساء ، ولو كان كما تصفون صلاها حين غاب الشفق وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : إن كان ليكون علي الصوم من شهر رمضان فما أقدر على أن أقضيه حتى شعبان وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا يحل لامرأة أن تصوم يوما زوجها شاهد إلا بإذنه } .

    ( قال الشافعي ) :
    فقال لي بعضهم : فصف لي وقت الحج ، فقلت الحج ما بين أن يجب على من وجب عليه إلى أن يموت أو يقضيه ، فإذا مات علمنا أن وقته قد ذهب ، قال : ما الدلالة على ذلك ؟ قلت ما وصفت من تأخير النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وكثير ممن معه وقد أمكنهم الحج ، قال : فمتى يكون فائتا ؟ قلت إذا مات قبل أن يؤديها أو بلغ ما لا يقدر على أدائه من الإفناد ، قال فهل يقضى عنه ؟ قلت : نعم . قال : أفتوجدني مثل هذا ؟ قلت : نعم . يكون عليه الصوم في كل ما عدا شهر رمضان ، فإذا مات قبل أن يؤديه وقد أمكنه ، كفر عنه ; لأنه كان قد أمكنه فتركه ، وإن مات قبل أن يمكنه لم يكفر عنه ; لأنه لم يمكنه أن يدركه قال : أفرأيت الصلاة ؟ قلت : موافقة لهذا في معنى ، مخالفة له في آخر قال : وما المعنى الذي توافقه ؟ فيه قلت : إن للصلاة وقتين أول وآخر ، فإن أخرها عن الوقت الأول كان غير مفرط حتى يخرج الوقت الآخر ، فإذا خرج الوقت قبل أن يصلي كان آثما بتركه ذلك وقد أمكنه ، غير أنه لا يصلي أحد عن أحد قال : وكيف خالفت بينهما ؟ قلت : بما خالف الله ثم رسوله بينهما ، ألا ترى أن الحائض تقضي صوما ولا تقضي صلاة ولا تصلي وتحج وأن من أفسد صلاته بجماع أعاد بلا كفارة في شيء منها ، وأن من أفسد صومه بجماع كفر وأعاد وأن من أفسد حجه بجماع كفر غير كفارة الصيام وأعاد ؟ قال : قد أرى افتراقهما فدع ذكره .

    ( قال الشافعي ) :
    فإن قال قائل فكيف لم تقل في المرأة تهل بالحج فيمنعها وليها أنه لا حج عليها ولا دم إذ لم يكن لها ذلك ، وتقول ذلك في المملوك ؟ قلت إنما أقول لا حج عليها ولا دم على من كان لا يجوز له بحال أن يكون محرما في الوقت الذي يحرم فيه والإحرام لهذين جائز بأحوال أو حال ليسا ممنوعين منه بالوقت الذي أحرما فيه إنما كانا ممنوعين منه بأن لبعض [ ص: 130 ] الآدميين عليهما المنع ولو خلاهما كان إحراما صحيحا عنهما معا ، فإن قال : فكيف قلت ليهريقا الدم في موضعهما قلت : نحر النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في الحل إذ أحصر ، فإن قال : ويشبه هذا المحصر ؟ قيل : لا أحسب شيئا أولى أن يقاس عليه من المحصر ، وهو في بعض حالاته في أكثر من معنى المحصر ، وذلك أن المحصر مانع من الآدميين بخوف من الممنوع فجعل له الخروج من الإحرام ، وإن كان المانع من الآدميين متعديا بالمنع ، فإذا كان لهذه المرأة والمملوك مانع من الآدميين غير متعد كانا مجامعين له في منع بعض الآدميين وفي أكثر منه ، من أن الآدمي الذي منعهما ، له منعهما

    ( قال الشافعي ) :
    في العبد يهل بالحج من غير إذن سيده فأحب إلي أن يدعه سيده وله منعه ، وإذا منعه فالعبد كالمحصر لا يجوز فيه إلا قولان والله أعلم ، أحدهما : أن ليس عليه إلا دم لا يجزيه غيره فيحل إذا كان عبدا غير واجد للدم ومتى عتق ووجد ذبح ، ومن قال هذا في العبد قاله في الحر يحصر بالعدو وهو لا يجد شيئا يحلق ويحل ومتى أيسر أدى الدم . والقول الثاني : أن تقوم الشاة دراهم والدراهم طعاما ، فإن وجد الطعام تصدق به وإلا صام عن كل مد يوما والعبد بكل حال ليس بواجد فيصوم .

    ( قال الشافعي ) :
    ومن ذهب هذا المذهب قاسه على ما يلزمه من هدي المتعة فإن الله عز وجل يقول { فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } فلو لم يجد هديا ولم يصم لم يمنعه ذلك من أن يحل من عمرته وحجه ويكون عليه بعده الهدي أو الطعام ، فيقال : إذا كان للمحصر أن يحل بدم يذبحه فلم يجده حل وذبح متى وجد أو جاء بالبدل من الذبح إذا كان له بدل ولا يحبس للهدي حراما على أن يحل في الوقت الذي يؤمر فيه بالإحلال ، وقاسه من وجه آخر أيضا على ما يلزمه من جزاء الصيد فإن الله تعالى يقول : { يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } فيقول : إن الله عز وجل لما ذكر الهدي في هذا الموضع وجعل بدله غيره ، وجعل في الكفارات أبدالا ، ثم ذكر في المحصر الدم ولم يذكر غيره كان شرط الله جل ثناؤه الإبدال في غيره مما يلزم ولا يجوز للعالم أن يجعل ما أنزل مما يلزم في النسك مفسرا دليلا على ما أنزل مجملا فيحكم في المجمل حكم المفسر كما قلنا في ذكر رقبة مؤمنة في قتل ، مثلها رقبة في الظهار ، وإن لم يذكر مؤمنة فيه ، وكما قلنا في الشهود حين ذكروا عدولا وذكروا في موضع آخر فلم يشترط فيهم العدول : هم عدول في كل موضع على ما شرط الله تعالى في الغير حيث شرطه ، فاستدللنا والله أعلم على أن حكم المجمل حكم المفسر إذا كانا في معنى واحد ، والبدل ليس بزيادة وقد يأتي موضع من حكم الله تعالى لا نقول هذا فيه : هذا ليس بالبين أن لازما أن نقول هذا في دم الإحصار كل البيان وليس بالبين وهو مجمل والله أعلم .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #76
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب الحج
    الحلقة (76)
    صــــــــــ 131 الى صـــــــــــ135


    ( قال الشافعي ) :
    في المرأة المعتدة من زوج له عليها الرجعة ، تهل بالحج إن راجعها فله منعها ، وإن لم يراجعها منعها حتى تنقضي العدة ، فإذا انقضت العدة فهي مالكة لأمرها ويكون لها أن تتم على الحج ، وهكذا المالكة لأمرها الثيب تحرم يمنع وليها من حبسها ويقال لوليها : إن شئت فاخرج معها وإلا بعثنا بها مع نساء ثقات ، فإن لم تجد نساء ثقة لم يكن لها في سفر أن تخلو برجل ولا امرأة معها ، فإن قال قائل : كيف لم تبطل إحرامها إذا أحرمت في العدة ؟ قلت إذا كانت تجد السبيل إليه بحال لم أعجل بإبطاله حتى أعلم أن لا تجد السبيل إليه .

    وإن أهلت في عدة من وفاة أو هي قد أتى على طلاقها لزمها الإهلال ومنعها الخروج حتى تتم عدتها ، فإن انقضت خرجت ، فإن أدركت حجا وإلا حلت بعمل عمرة ، فإن قال قائل : فلم لا تجعلها محصرة بمانعها ؟ قلت : له منعها إلى مدة ، فإذا بلغتها لم يكن له منعها وبلوغها أيام يأتي عليها ليس منعها بشيء إلى غيرها ولا يجوز لها الخروج حتى [ ص: 131 ] قيل قد يعتق قبل عتقه شيء يحدثه غيره له أو لا يحدثه وليس كالمعتدة فيما لمانعها من منعها فلو أهل عبد بحج فمنعه سيده حل ، وإن عتق بعدما يحل فلا حج عليه إلا حجة الإسلام ، وإن عتق قبل أن يحل مضى في إحرامه ، كما يحصر الرجل بعدو فيكون له أن يحل ، فإن لم يحل حتى يأمن العدو ، لم يكن له أن يحل وكان عليه أن يمضي في إحرامه ، ولو أن امرأة مالكة لأمرها أهلت بحج ثم نكحت ، لم يكن لزوجها منعها من الحج ; لأنه لزمها قبل أن يكون له منعها ولا نفقة لها عليه في مضيها ولا في إحرامها في الحج ; لأنها مانعة لنفسها بغير إذنه ، كان معها في حجها أو لم يكن ، ولا يجوز نكاح المحرمة ولا المحرم .

    ( قال الربيع ) : هذه المسألة فيها غلط ; لأن الشافعي يقول لا يجوز نكاح المحرمة ولا المحرم فلما أهلت هذه بحج ثم نكحت كان نكاحها باطلا ، ولم يكن لها زوج يمنعها وتمضي في حجها وليس لها زوج تلزمه النفقة لها ; لأنها ليست في أحكام الزوجات ، ولعل الشافعي إنما حكى هذا القول في قول من يجيز نكاح المحرم ; فأما قوله : فإنه لا يجوز نكاح المحرم ولا المحرمة ، وهذا له في كتاب الشغار .

    ( قال الشافعي ) :
    وعلى ولي السفيهة البالغة إذا تطوع لها ذو محرم وكان لها مال أن يعطيها من مالها ما تحج به إذا شاءت ذلك ، وكان لها ذو محرم يحج بها أو خرجت مع نساء مسلمات .
    باب المدة التي يلزم فيها الحج ولا يلزم

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله وإذا احتلم الغلام أو حاضت الجارية ، وإن لم يستكملا خمس عشرة سنة أو استكملا خمس عشرة سنة قبل البلوغ وهما غير مغلوبين على عقولهما واجدان مركبا وبلاغا ، مطيقان المركب ، غير محبوسين عن الحج بمرض ولا سلطان ولا عدو ، وهما في الوقت الذي بلغا فيه قادران بموضع ، لو خرجا منه ، فسارا بسير الناس قدرا على الحج فقد وجب عليهما الحج ، فإن لم يفعلا حتى ماتا فقد لزمهما الحج ، وعليهما بأنهما قادران عليه في وقت يجزئ عنهما لو مضيا فيه حتى يقضى عنهما الحج ، وإن كانا بموضع يعلمان أن لو خرجا عند بلوغهما ، لم يدركا الحج لبعد دارهما أو دنو الحج ، فلم يخرجا للحج ولم يعيشا حتى أتى عليهما حج قابل ، فلا حج عليهما ، ومن لم يجب الحج عليه فيدعه وهو لو حج أجزأه ، لم يكن عليه قضاؤه .

    ولو كانا إذا بلغا فخرجا يسيران سيرا مباينا لسير الناس في السرعة حتى يسيرا مسيرة يومين في سير العامة في يوم ، ومسيرة ثلاث في يومين ، لم يلزمهما عندي والله أعلم أن يسيرا سيرا يخالف سير العامة ، فهذا كله لو فعلا كان حسنا ، ولو بلغا عاقلين ثم لم يأت عليهما مخرج أهل بلادهما حتى غلب على عقولهما ولم ترجع إليهما عقولهما في وقت لو خرجا فيه أدركا حجا ، لم يلزمهما أن يحج عنهما ، وإنما يلزمهما أن يحج عنهما إذا أتى عليهما وقت يعقلان فيه ثم لم تذهب عقولهما حتى يأتي عليهما وقت لو خرجا فيه إلى الحج بلغاه ، فإن قال قائل : ما فرق بين المغلوب على عقله وبين المغلوب بالمرض ؟ قيل الفرائض على المغلوب على عقله زائلة في مدتها كلها ، والفرائض على المغلوب بالمرض العاقل على بدنه غير زائلة في مدته ، ولوحج المغلوب على عقله لم يجز عنه لا يجزي عمل على البدن لا يعقل عامله قياسا على قول الله عز وجل { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ولو حج العاقل المغلوب بالمرض أجزأ عنه ، ولو كان بلوغهما في عام جدب الأغلب فيه على الناس خوف الهلكة بالعطش في سفر أهل ناحية هما فيها ، أو لم يكن ما لا بد لهم منه من علف موجود فيه ، أو في خوف من عدو [ ص: 132 ] لا يقوى جماعة حاج مصرهما عليه أو اللصوص كذلك ، أشبه هذا والله أعلم أن يكون من أراد فيه الحج غير مستطيع له ، فيكون غير لازم له بأنه غير مستطيع ، فإن مات قبل أن يمكنه الحج بتغير هذا ، لم يكن عليه حج ، وكذلك لو حج أول ما بلغ فأحصر بعدو فنحر وحل دون مكة ورجع فلم يمكنه الحج حتى يموت ، لم يكن عليه حج ، ولو كان ما وصفت من الحائل في البر ، وكان يقدر على الركوب في البحر ، فيكون له طريقا ، أحببت له ذلك ، ولا يبين لي أنه يجب عليه ركوب البحر للحج ; لأن الأغلب من ركوب البحر خوف الهلكة ، ولو بلغا مغلوبين على عقولهما فلم يفيقا فتأتي عليهما مدة يعقلان فيها ويمكنهما الحج لم يكن عليهما ، وإذا بلغا معا فمنعا الحج بعدو حائل بين أهل ناحيتهما معا وبين الحج ، ثم لم يأت عليهما مدة وقت الحج ، يقدران هما ولا غيرهما من أهل ناحيتهما فيه على الحج ، فلا حج عليهما يقضى عنهما إن ماتا قبل تمكنهما أو أحد من أهل ناحيتهما من الحج ، ولو حيل بينهما خاصة بحبس عدو أو سلطان أو غيره وكان غيرهما يقدر على الحج ثم ماتا ولم يحجا كان هذان ممن عليه الاستطاعة بغيرهما ويقضى الحج عنهما .

    وكذلك لو كان حبس ببلده أو في طريقه بمرض أو زمن لا بعلة غيره وعاش حتى الحج غير صحيح ثم مات قبل أن يصح وجب عليه الحج ، وجماع هذا أن يكون البالغان إذا لم يقدرا بأي وجه ما كانت القدرة بأبدانهما وهما قادران بأموالهما وفي ناحيتهما من يقدر على الحج غيرهما ثم ماتا قبل أن يحجا فقد لزمهما الحج ، إنما يكون غير لازم لهما إذا لم يقدر أحد من أهل ناحيتهما على الحج ببعض ما وصفت ، فإن قال قائل : ما خالف بين هذا وبين المحصر بما ذكرت من عدو وحدث ؟ قيل ذلك لا يجد السبيل بنفسه إلى الحج ولا إلى أن يحج عنه غيره من ناحيته ، من قبل أن غيره في معناه في خوف العدو والهلكة بالجدب والزمن والمرض ، وإن كان معذورا بنفسه فقد يمكنه أن يحج عنه صحيح غيره ، ومثل هذا أن يحبسه سلطان عن حج أو لصوص وحده ، وغيره يقدر على الحج فيموت ، فعليه أن يحج عنه ، والشيخ الفاني أقرب من العذر من هذين ، وقد وجب عليه أن يحج عنه إذا وجد من يحج عنه .
    باب الاستطاعة بنفسه وغيره ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى ولما { أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخثعمية بالحج عن أبيها } دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قول الله { من استطاع إليه سبيلا } على معنيين : أحدهما : أن يستطيعه بنفسه وماله والآخر أن يعجز عنه بنفسه بعارض كبر أو سقم أو فطرة خلقة ، لا يقدر معها على الثبوت على المركب ويكون من يطيعه إذا أمره بالحج عنه ، إما بشيء يعطيه إياه وهو واجد له ، وإما بغير شيء ، فيجب عليه أن يعطي إذا وجد ، أو يأمر إن أطيع ، وهذه إحدى الاستطاعتين ، وسواء في هذا الرجل يسلم ولا يقدر على الثبوت على المركب أو الصبي يبلغ كذلك أو العبد يعتق كذلك ، ويجب عليه إن قدر على الثبوت على المحمل بلا ضرر وكان واجدا له أو لمركب غيره ، وإن لم يثبت على غيره ، أن يركب المحمل أو ما أمكنه الثبوت عليه من المركب .

    وإن كان واحد من هؤلاء لا يجد مطيعا ولا مالا ، فهو ممن لا يستطيع بالبدن ولا بالطاعة فلا حج عليه ، وجماع الطاعة التي توجب الحج وتفريعها اثنان : أحدهما : أن يأمر فيطاع بلا مال ، والآخر أن يجد مالا يستأجر به من يطيعه ، فتكون إحدى الطاعتين ، ولو تحامل فحج أجزأت عنه ورجوت أن يكون أعظم أجرا ممن [ ص: 133 ] يخف ذلك عليه ، ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة أن تحج عن أبيها إذ أسلم وهو لا يستمسك على الراحلة فدل ذلك على أن عليه الفرض إذا كان مستطيعا بغيره ، إذا كان في هذه الحال ، والميت أولى أن يجوز الحج عنه ; لأنه في أكثر من معنى هذا الذي لو تكلف الحج بحال أجزأه ، والميت لا يكون فيه تكلف أبدا .
    باب الحال التي يجوز أن يحج فيها الرجل عن غيره ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج الواجب أن يحج المرء عن غيره فاحتمل القياس على هذا وجهين : أحدهما : أن الله تعالى فرض على خلقه فرضين ، أحدهما فرض على البدن ، والآخر فرض في المال ، فلما كان ما فرض الله على الأبدان عليها لا يتجاوزها ، مثل الصلاة والحدود والقصاص وغيرها ، ولا يصرف عنها إلى غيرها بحال ، وكان المريض يصلي كما رأى ، ويغلب على عقله فيرتفع عنه فرض الصلاة ، وتحيض المرأة فيرتفع عنها فرض الصلاة في وقت الغلبة على العقل والحيض ، ولا يجزي المغلوب على عقله صلاة صلاها وهو مغلوب على عقله ، وكذلك الحائض لا تجزيها صلاة صلتها وهي حائض ، ولا يجب عليهما أن يصلي عنهما غيرهما في حالهما تلك ، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء أن يحج عن غيره حجة الإسلام ، كان هذا كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الإسلام وعمرته ، وكل ما وجب على المرء بإيجابه على نفسه من حج وعمرة وكان ما سوى هذا من حج تطوع أو عمرة تطوع لا يجوز لأحد أن يحجه عن أحد ولا يعتمر في حياته ولا بعد موته ، ومن قال هذا ، كان وجها محتملا ولزمه أن يقول : لو أوصى رجلا أن يحج عنه تطوعا بطلت الوصية كما لو أوصى أن يصلي عنه بطلت الوصية ولزمه أن يقول : إن حج أحد عن أحد بوصية فهي في ثلثه والإجارة عليه فاسدة ، ثم يكون القول فيما أخذ من الإجارة على هذا واحدا من قولين : أحدهما : أن له أجر مثله ويرد الفضل مما أخذ عليه ويلحق بالفضل إن كان نقصه كما يقول في كل إجارة فاسدة ، والآخر أن لا أجرة له ; لأن عمله عن نفسه لا عن غيره .

    والقول الثاني أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر المرء أن يحج عن غيره في الواجب ، دل هذا على أن يكون الفرض على الأبدان من وجهين ، أحدهما ما لا يعمله المرء عن غيره ، مثل الصلاة ، ولا يحمله عنه غيره مثل الحدود وغيرها ، والآخر النسك من الحج والعمرة فيكون للمرء أن يعمله عن غيره متطوعا عنه أو واجبا عليه إذا صار في الحال التي لا يقدر فيها على الحج ، ولا يشبه أن يكون له أن يتطوع عنه ، والمتطوع عنه يقدر على الحج ; لأن الحال التي أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالحج عنه هي الحال التي لا يقدر فيها على أن يحج عن نفسه ولأنه لو تطوع عنه وهو يقدر على الحج لم يجز عنه من حجة الإسلام ، فلما كان هو لو تطوع عن نفسه كانت حجة الإسلام ، وإن لم ينوها فتطوع عنه غيره لم يجز عنه ، وقد ذهب عطاء مذهبا يشبه أن يكون أراد أنه يجزي عنه أن يتطوع عنه بكل نسك من حج أو عمرة إن عملهما مطيقا له أو غير مطيق ، وذلك أن سفيان أخبرنا عن يزيد مولى عطاء قال : ربما أمرني عطاء أن أطوف عنه .

    ( قال الشافعي ) :
    فكأنه ذهب إلى أن الطواف من النسك وأنه يجزي أن يعمله المرء عن غيره في أي حال ما كان ، وليس نقول بهذا ، وقولنا لا يعمل أحد عن أحد إلا والمعمول عنه غير مطيق العمل ، بكبر أو مرض لا يرجى أن يطيق بحال ، أو بعد موته ، وهذا أشبه بالسنة والمعقول ، لما [ ص: 134 ] وصفت من أنه لو تطوع عنه رجل والمتطوع عنه يقدر على الحج لم يجز المحجوج عنه ( قال ) : ومن ولد زمنا لا يستطيع أن يثبت على مركب ، محمل ولا غيره ، أو عرض ذلك له عند بلوغه ، أو كان عبدا فعتق ، أو كافرا فأسلم فلم تأت عليه مدة يمكنه فيها الحج حتى يصير بهذه الحال ، وجب عليه إن وجد من يحج عنه بإجارة أو غير إجارة ، وإذا أمكنه مركب محمل أو شجار أو غيره فعليه أن يحج ببدنه ، وإن لم يقدر على الثبوت على بعير أو دابة إلا في محمل أو شجار وكيفما قدر على المركب وأي مركب قدر عليه ، فعليه أن يحج بنفسه ، لا يجزيه غيره ( قال ) : ومن كان صحيحا يمكنه الحج فلم يحج حتى عرض له هذا كان له أن يبعث من يحج عنه ; لأنه قد صار إلى الحال التي أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج فيها عمن بلغها ( قال ) : ولو كان به مرض يرجى البرء منه ، لم أر له أن يبعث أحدا يحج عنه حتى يبرأ فيحج عن نفسه ، أو يهرم فيحج عنه أو يموت فيحج عنه بعد الموت ، فإن قال قائل : ما الفرق بين هذا المريض المضنى وبين الهرم أو الزمن ؟ قيل له لم يصر أحد علمته بعد هرم لا يخلطه سقم غيره إلى قوة يقدر فيها على المركب ، والأغلب من أهل الزمانة أنهم كالهرم ، وأما أهل السقم فنراهم كثيرا يعودون إلى الصحة ( قال ) ولو حج رجل عن زمن ثم ذهبت زمانته ، ثم عاش مدة يمكنه فيها أن يحج عن نفسه ، كان عليه أن يحج عن نفسه ; لأنا إنما أذنا له على ظاهر أنه لا يقدر ، فلما أمكنته المقدرة على الحج لم يكن له تركه وهو يقدر على أن يعمله ببدنه والله أعلم .

    ( قال ) : ولو بعث السقيم رجلا يحج عنه فحج عنه ثم برئ وعاش بعد البرء مدة يمكنه أن يحج فيها فلم يحج حتى ماتكان عليه الحج ، وكذلك الزمن والهرم ( قال ) : والزمن والزمانة التي لا يرجى البرء منها والهرم ، في هذا المعنى . ثم يفارقهم المريض ، فلا نأمره أن يبعث أحدا يحج عنه ونأمر الهرم والزمن أن يبعثا من يحج عنهما ، فإن بعث المريض من يحج عنه ثم لم يبرأ حتى مات ففيها قولان ، أحدهما أن لا يجزئ عنه ; لأنه قد بعث في الحال التي ليس له أن يبعث فيها ، وهذا أصح القولين وبه آخذ . والثاني أنها مجزية عنه ; لأنه قد حج عنه حر بالغ وهو لا يطيق ، ثم لم يصر إلى أن يقوى على الحج بعد أن حج عنه غيره ، فيحج عن نفسه .
    باب من ليس له أن يحج عن غيره أخبرنا الربيع قال : أخبرنا الشافعي رحمه الله تعالى قال أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء قال : { سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول لبيك عن فلان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن كنت حججت فلب عن فلان وإلا فاحجج عن نفسك ثم احجج عنه } أخبرنا سفيان عن أيوب عن أبي قلابة قال : سمع ابن عباس رجلا يقول " لبيك عن شبرمة " فقال ابن عباس " ويحك وما شبرمة ؟ " قال فذكر قرابة له فقال " أحججت عن نفسك " فقال : لا قال " فاحجج عن نفسك ثم احجج عن شبرمة " .

    ( قال الشافعي ) :
    وإذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الخثعمية بالحج عن أبيها ففي ذلك دلائل منها ما وصفنا من أنها إحدى الاستطاعتين ، وإذا أمرها بالحج عنه فكان في [ ص: 135 ] الحال التي أمر فيها بالحج عنه وكان كقضاء الدين عنه ، فأبان أن العمل عن بدنه في حاله تلك ، يجوز أن يعمله عنه غيره فيجزئ عنه ويخالف الصلاة في هذا المعنى . فسواء من حج عنه من ذي قرابة أو غيره ، وإذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة تحج عن رجل وهما مجتمعان في الإحرام كله إلا اللبوس ، فإنهما يختلفان في بعضه ، فالرجل أولى أن يجوز حجه عن الرجل والمرأة من المرأة عن الرجل وكل جائز مع ما روي عن طاوس وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم مما كتبنا مما يستغنى فيه بنص الخبر ، ولو أن امرأ لم يجب عليه الحج إلا وهو غير مطيق ببدنه لم يكن على أحد غيره واجبا أن يحج عنه ، وأحب إلي أن يحج عنه ذو رحمه ، وإن كان ليس عليه أو يستأجر من يحج عن من كان ، ولو كان فقيرا لا يقدر على زاد ومركب ، وإن كان بدنه صحيحا فلم يزل كذلك حتى أيسر قبل الحج بمدة لو خرج فيها لم يدرك الحج ثم مات قبل أن يأتي عليه حج آخر لم يجب عليه حج يقضى ، ولو أيسر في وقت لا يمكنه فيه الحج فأقام موسرا إلى أن يأتي عليه أشهر الحج ، ولم يدن الوقت الذي يخرج فيه أهل بلده لموافاة الحج حتى صار لا يجد زادا ولا مركبا ثم مات قبل حجه ذلك أو قبل حج آخر يوسر فيه ، لم يكن عليه حج ، إنما يكون عليه حج إذا أتى عليه وقت حج بعد بلوغ ومقدرة ، ثم لم يحج حتى يفوته الحج ، ولو كان موسرا محبوسا عن الحج وجب عليه أن يحج عن نفسه غيره ، أو يحج عنه بعد موته وهذا مكتوب في غير هذا الموضع .
    باب الإجارة على الحج

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى للرجل أن يستأجر الرجل يحج عنه إذا كان لا يقدر على المركب لضعفه وكان ذا مقدرة بماله ولوارثه بعده ، والإجارة على الحج جائزة جوازها على الأعمال سواه ، بل الإجارة إن شاء الله تعالى على البر خير منها على ما لا بر فيه ، ويأخذ من الإجارة ما أعطى ، وإن كثر كما يأخذها على غيره لا فرق بين ذلك ، ولو استأجر رجل رجلا يحج عنه فقرن عنه كان دم القران على الأجير وكان زاد المحجوج عنه خيرا ; لأنه قد جاء بحج وزاد معه عمرة ولو استأجر الرجل الرجل يحج عنه أو عن غيره فالإجارة جائزة ، والحج عنه من حيث شرط أن يحرم عنه ، ولا تجوز الإجارة على أن يقول تحج عنه من بلد كذا حتى يقول تحرم عنه من موضع كذا ; لأنه يجوز الإحرام من كل موضع .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #77
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله




    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب الحج
    الحلقة (77)
    صــــــــــ 136 الى صـــــــــــ140

    فإذا لم يقل هذا فالإجارة مجهولة ، وإذا وقت له موضعا يحرم منه فأحرم قبله ثم مات فلا إجارة له في شيء من سفره ، وتجعل الإجارة له من حين أحرم من الميقات الذي وقت له إلى أن يكمل الحج ، فإن أهل من وراء الميقات لم تحسب الإجارة إلا من الميقات ، وإن مر بالميقات غير محرم فمات قبل أن يحرم فلا إجارة له ; لأنه لم يعمل في الحج ، وإن مات بعدما أحرم من وراء الميقات حسبت له الإجارة من يوم أحرم من وراء الميقات ولم تحسب له من الميقات إذا لم يحرم منه ; لأنه ترك العمل فيه ، وإن خرج للحج فترك الإحرام والتلبية وعمل عمل الحج أو لم يعمله إذا قال لم أحرم بالحج أو قال اعتمرت ولم أحج أو قال استؤجرت على الحج فاعتمرت فلا شيء له ، وكذلك لو حج فأفسده ; لأنه تارك للإجارة مبطل لحق نفسه ، ولو استأجره ليحج عنه على أن يحرم من موضع فأحرم منه ثم مات في الطريق فله من الإجارة بقدر ما مضى من سفره أو استأجره على أن يهل من وراء الميقات ففعل فقد قضى بعض ما استأجره عليه ، وإذا استأجره ، فإنما عليه أن يحرم من الميقات ، وإحرامه قبل الميقات تطوع ، ولو استأجره على [ ص: 136 ] أن يحج عنه من اليمن فاعتمر عن نفسه ثم خرج إلى الميقات الذي استؤجر عليه فأهل بحج عن الذي استأجره ، فلا يجزيه إذا أهل بالعمرة عن نفسه إلا أن يخرج إلى ميقات المستأجر الذي شرط أن يهل منه فيهل عنه بالحج منه ، فإن لم يفعل وأهل بالحج من دون الميقات فكان عليه أن يهل فبلغ الميقات فأهل منه بالحج عنه أجزأ عنه وإلا أهراق دما ، وذلك من ماله دون مال المستأجر ، ويرد من الإجارة بقدر ما يصيب ما بين الميقات الموضع الذي أحرم منه ; لأنه شيء من عمله نقصه ، ولا يحسب الدم على المستأجر ; لأنه بعمله كان ويجزئه الحج على كل حال شرط عليه أن يهل من دون الميقات أو من وراء الميقات أو منه وكل شيء أحدثه الأجير في الحج لم يأمره به المستأجر مما يجب عليه فيه الفدية فالفدية عليه في ماله دون مال المستأجر ، ولو أهل بالحج بعد العمرة عن نفسه من ميقات المستأجر عن المستأجر ثم مات قبل أن يقضي الحج ، كان له من الإجارة بقدر ما عمل من الحج وقد قيل لا أجر له إلا أن يكمل الحج ، ومن قال هذا القول قاله في الحاج عن الرجل لا يستوجب من الإجارة شيئا إلا بكمال الحج وهذا قول يتوجه ، والقياس القول الأول ; لأن لكل حظا من الإجارة ولو استأجره يحج عنه فأفسد الحج كان عليه أن يرد جميع ما استأجره به ، وعليه أن يقضي عن نفسه من قابل من قبل أنه لا يكون حاجا عن غيره حجا فاسدا ، وإذا صار الحج الفاسد عن نفسه فعليه أن يقضيه عن نفسه ، فلو حجه عن غيره كان عن نفسه ، ولو أخذ الإجارة على قضاء الحج الفاسد ردها ; لأنها لا تكون عن غيره ، ولو كان إنما أصاب في الحج ما عليه فيه الفدية مما لا يفسد الحج كانت عليه الفدية فيما أصاب والإجارة له .
    ولو استأجره للحج فأحصر بعدو ففاته الحج ثم دخل فطاف وسعى وحلق أن له من الإجارة بقدر ما بين أن أهل من الميقات إلى بلوغه الموضع الذي حبس فيه في سفره ; لأن ذلك ما بلغ من سفره في حجه الذي له الإجارة حتى صار غير حاج ، وإنما أخذ الإجارة على الحج وصار يخرج من الإحرام بعمل ليس من عمل الحج ولو استأجر رجل رجلا على أن يحج عنه فاعتمر عن نفسه ثم أراد الحج عن المستأجر خرج إلى ميقات المحجوج عنه فأهل عنه منه لا يجزيه غير ذلك ، فإن لم يفعل أهراق دما ولو استأجر رجل رجلا يحج عن رجل فاعتمر عن نفسه ثم خرج إلى ميقات المحجوج عنه الذي شرط أن يهل عنه منه إن كان الميقات الذي وقت له بعينه فأهل بالحج عنه أجزأت عن المحجوج عنه ، فإن ترك ميقاته وأحرم منمكة أجزأه الحج ، وكان عليه دم لترك ميقاته من ماله ورجع عليه مما استؤجر به بقدر ما ترك مما بين الميقات ومكة ولو استأجره على أن يتمتع عنه فأفرد أجزأت الحجة عنه ورجع بقدر حصة العمرة من الإجارة ; لأنه استأجره على عملين فعمل أحدهما ولو استأجره على أن يفرد فقرن عنه كان زاده عمرة وعلى المستأجر دم القران وهو كرجل استؤجر أن يعمل عملا فعمله ، وزاد آخر معه فلا شيء له في زيادة العمرة ; لأنه متطوع بها ، ولو استأجره على أن يقرن عنه فأفرد الحج أجزأ عنه الحج وبعث غيره يعتمر عنه إن كانت العمرة الواجبة ورجع عليه بقدر حصة العمرة من الإجارة ; لأنه استأجره على [ ص: 137 ] عملين فعمل أحدهما ولو استأجره على أن يحج عنه فأهل بعمرة عن نفسه وحجة عن المستأجر رد جميع الإجارة من قبل أن سفرهما وعملهما واحد ، وأنه لا يخرج من العمرة إلى الحج ولا يأتي بعمل الحج دون العمرة ; لأنه لا يكون له أن ينوي جامعا بين عملين أحدهما عن نفسه والآخر عن غيره ولا يجوز أن يكونا معا عن المستأجر ; لأنه نوى أحدهما عن نفسه فصارا معا عن نفسه ; لأن عمل نفسه أولى به من عمل غيره إذا لم يتميز عمل نفسه من عمل غيره ، ولو استأجر رجل رجلا يحج عن ميت فأهل بحج عن ميت ثم نواه عن نفسه كان الحج عن الذي نوى الحج عنه وكان القول في الأجرة واحدا من قولين : أحدهما أنه مبطل لها لترك حقه فيها ، والآخر أنها له ; لأن الحج عن غيره .
    ولو استأجر رجلان رجلا يحج عن أبويهما ، فأهل بالحج عنهما معا كان مبطلا لإجارته ، وكان الحج عن نفسه ، لا عن واحد منهما ، ولو نوى الحج عن نفسه وعنهما أو عن أحدهما كان عن نفسه وبطلت إجارته .

    وإذا مات الرجل وقد وجبت عليه حجة الإسلام ولم يحج قط فتطوع متطوع قد حج حجة الإسلام بأن يحج عنه فحج عنه أجزأ عنه ثم لم يكن لوصيه أن يخرج من ماله شيئا ليحج عنه غيره ولا أن يعطي هذا شيئا لحجه عنه ; لأنه حج عنه متطوعا ، وإذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخثعمية أن تحج عن أبيها ورجلا أن يحج عن أمه ورجلا أن يحج عن أبيه لنذر نذره أبوه دل هذا دلالة بينة أنه يجوز أن تحرم المرأة عن الرجل ، ولو لم يكن فيه هذا كان أن يحرم الرجل عن الرجل والرجل عن المرأة أولى ، من قبل أن الرجل أكمل إحراما من المرأة وإحرامه كإحرام الرجل فأي رجل حج عن امرأة أو رجل أو امرأة حجت عن امرأة أو عن رجل أجزأ ذلك المحجوج عنه ، إذا كان الحاج قد حج حجة الإسلام .
    باب من أين نفقة من مات ولم يحج ؟ ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء وطاووس أنهما قالا : الحجة الواجبة من رأس المال .

    ( قال الشافعي ) :
    وقال غيرهما لا يحج عنه إلا أن يوصي ، فإن أوصى حج عنه من ثلثه إذا بلغ ذلك الثلث وبدئ على الوصايا ; لأنه لازم ، فإن لم يوص لم يحج عنه من ثلث ولا من غيره إذا أنزلت الحج عنه وصيه حاص أهل الوصايا ولم يبدأ غيره من الوصايا ، ومن قال هكذا فكان يبدأ بالعتق بدأ عليه ( قال ) : والقياس في هذا أن حجة الإسلام من رأس المال ، فمن قال هذا قضى أن يستأجر عنه بأقل ما يقدر عليه ، وذلك أن يستأجر رجل من أهل ميقاته أو قربه لتخف مؤنته ولا يستأجر رجل من بلده إذا كان بلده بعيدا إلا أن يبدل ذلك بما يوجد به رجل قريب ، ومن قال هذا القول قاله في الحج بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به ورآه دينا عليه وقاله في كل ما كان في معناه وقاله في كل ما أوجبه الله عز وجل عليه فلم يكن له مخرج منه إلا بأدائه ولم يكن له خيار فيه مثل زكاة المال وما كان ، لا يكون أبدا إلا واجبا عليه شاء أو كره بغير شيء أحدثه هو ; لأن حقوق الآدميين إنما وجبت لهم من رأس المال وهذا من حقوق الآدميين ، أمر أن يؤديه إلى صنف منهم بعينه فجمع أن وجب وجوب الحج بفرض الله عز وجل ، وإن كان كما وصفت للآدميين ، ومن قال هذا بدأ هذا على جميع ما معه من الوصايا والتدبير وحاص به أهل الدين قبل الورثة إذا جعله الله واجبا وجوب [ ص: 138 ] ما للآدميين ، وهذا قول يصح والله أعلم ، ومن قال هذا قاله في الحج إن لم يبلغ إلا مريضا ثم لم يصح حتى مات مريضا أنه واجب عليه لا وصية ; لأن الواجب على المريض والصحيح سواء فأما ما لزمه من كفارة يمين أو غيره .

    فإن أوصى به فقد قيل يكون في ثلثه كالوصايا وقيل بل لازم وما لزمه من شيء ألزمه نفسه من نذر أو كفارة قتل أو ظهار وهو واجد فقد يخالف ما لزمه بكل حال من قبل أنه قد كان ولم يجب عليه فإنما أوجبه على نفسه ، فيختلفان في هذا ، ويجتمعان في أنه قد أوجب كلا منهما فأوجب هذا وأوجب إقرار الآدمي فيحتمل أن يقال هما لازمان معا وأنا أستخير الله تعالى فيه .
    باب الحج بغير نية

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله أحب أن ينوي الرجل الحج والعمرة عند دخوله فيهما كما أحب له في كل واجب عليه غيرهما ، فإن أهل بالحج ولم يكن حج حجة الإسلام ينوي أن يكون تطوعا أو ينوي أن يكون عن غيره أو أحرم فقال : إحرامي كإحرام فلان لرجل غائب عنه فكان فلان مهلا بالحج كان في هذا كله حاجا وأجزأ عنه من حجة الإسلام ، فإن قال قائل ما دل على ما وصفت ؟ قلت فإن مسلم بن خالد وغيره أخبرنا عن ابن جريج قال أخبرنا عطاء أنه سمع جابرا يقول : { قدم علي رضي الله عنه من سعايته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بم أهللت يا علي ؟ قال : بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم قال فأهد وامكث حراما كما أنت قال : وأهدى له علي هديا } ( قال الشافعي ) : أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله وهو يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال { : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا أتى البيداء فنظرت مد بصري من بين راكب وراجل من بين يديه وعن يمينه وعن شماله ومن ورائه كلهم يريد أن يأتم به يلتمس أن يقول كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينوي إلا الحج ولا يعرف غيره ولا يعرف العمرة فلما طفنا فكنا عند المروة قال : أيها الناس من لم يكن معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت فحل من لم يكن معه هدي } ، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن منصور بن عبد الرحمن عن صفية بنت شيبة عن { أسماء بنت أبي بكر قالت : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من كان معه هدي فليقم على إحرامه ، ومن لم يكن معه هدي فليحلل ولم يكن معي هدي فحللت ، وكان مع الزبير هدي فلم يحلل } ، أخبرنا ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن { عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا أنه الحج فلما كنا بسرف أو قريبا منها أمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر فقلت ما هذا ؟ قالوا ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه } ، قال يحيى فحدثت به القاسم بن محمد فقال : جاءتك والله بالحديث على وجهه ، أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة والقاسم مثل معنى حديث سفيان لا يخالف معناه ، أخبرنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم بن حمد عن أبيه عن { عائشة أنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته لا نرى إلا الحج حتى إذا كنا بسرف أو قريبا منها حضت فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال مالك أنفست : فقلت : نعم فقال : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت قالت [ ص: 139 ] وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر } أخبرنا سفيان قال حدثنا ابن طاوس وإبراهيم بن ميسرة وهشام بن حجير سمعوا طاوسا يقول : { خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة ينتظر القضاء ، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة فأمر أصحابه من كان منهم أهل ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة ، وقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولكنني لبدت رأسي وسقت هديي فليس لي محل دون محل هديي فقام إليه سراقة بن مالك فقال يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم لأبد ؟ فقال : لا ، بل لأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة قال ودخل علي من اليمن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : بم أهللت ؟ فقال أحدهما عن طاووس : إهلال النبي صلى الله عليه وسلم وقال الآخر : لبيك حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال الشافعي : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مهلين ينتظرون القضاء فعقدوا الإحرام ليس على حج ولا عمرة ولا قران ينتظرون القضاء ، فنزل القضاء على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر من لا هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة ومن معه هدي أن يجعله حجا } .

    ( قال الشافعي ) :
    ولبى علي وأبو موسى الأشعري باليمن وقالا في تلبيتهما " إهلال كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما بالمقام على إحرامهما ، فدل هذا على الفرق بين الإحرام والصلاة ; لأن الصلاة لا تجزي عن أحد إلا بأن ينوي فريضة بعينها وكذلك الصوم ، ويجزئ بالسنة الإحرام ، فلما دلت السنة على أنه يجوز للمرء أن يهل ، وإن لم ينو حجا بعينه ويحرم بإحرام الرجل لا يعرفه دل على أنه إذا أهل متطوعا ولم يحج حجة الفريضة كانت حجة الفريضة ، ولما كان هذا كان إذا أهل بالحج عن غيره ولم يهلل بالحج عن نفسه كانت الحجة عن نفسه ، وكان هذا معقولا في السنة مكتفى به عن غيره ، وقد ذكرت فيه حديثا منقطعا عن النبي صلى الله عليه وسلم ورأيا لابن عباس رضي الله عنهما متصلا ( قال ) : ولا يجوز أن يحج رجل عن رجل إلا حر بالغ مسلم ، ولا يجوز أن يحج عنه عبد بالغ ولا حر غير بالغ إذا كان حجهما لأنفسهما لا يجزئ عنهما من حجة الإسلام لم يجز عن غيرهما والله أعلم ( قال ) : وأمر الحج والعمرة سواء ، فيعتمر عن الرجل كما يحج عنه ، ولا يجزيه أن يعتمر عنه إلا من اعتمر عن نفسه من بالغ حر مسلم ( قال ) : ولو أن رجلا اعتمر عن نفسه ولم يحج فأمره رجل يحج عنه ويعتمر فحج عنه واعتمر أجزأت المعتمر عنه العمرة ولم تجز عنه الحجة ، وهكذا لو حج عن نفسه ولم يعتمر فحج عن غيره واعتمر ، أجزأت المحجوج عنه الحجة ولم تجز عنه العمرة ، ويجزيه أي النسكين كان العامل عمله عن نفسه ثم عمله عنه ، ولا يجزيه النسك الذي لم يعمله العامل عن نفسه .

    وإذا كان ممن له أن يبعث من يحج عنه ويعتمر أجزأه أن يبعث رجلا واحدا يقرن عنه وأجزأه أن يبعث اثنين مفترقين يحج هذا عنه ويعتمر هذا عنه وكذلك امرأتين أو امرأة ورجلا ( قال ) : وهذا في فرض الحج والعمرة كما وصفت يجزي رجلا أن يحج عن رجل وقد قيل إذا أجزأ في الفرض أجزأ أن يتنفل بالحج عنه وقد قيل يحج الفرض فقط بالسنة ولا يحج عنه نافلة ولا يعتمر نافلة ( قال الشافعي ) : ومن قال يحج المرء عن المرء متطوعا قال : إذا كان أصل الحج مفارقا للصلاة والصوم ، وكان المرء يعمل عن المرء الحج فيجزي عنه بعد موته وفي الحال التي لا يطيق فيها الحج ، فكذلك يعمله عنه متطوعا ، وهكذا كل شيء من أمر النسك ، أخبرنا ابن عيينة عن يزيد مولى عطاء قال : ربما قال لي عطاء : طف عني .

    ( قال الشافعي ) :
    وقد يحتمل أن يقال لا يجوز أن يحج رجل عن رجل إلا حجة الإسلام وعمرته ، ومن قال هذا قال الدلالة عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالحج عن الرجل في الحال التي لا يقدر فيها المحجوج عنه أن يحج عن نفسه ، [ ص: 140 ] وإني لا أعلم مخالفا في أن رجلا لو حج عن رجل يقدر على الحج لا يجزي عنه من حجة الإسلام ، فإذا كان هذا عندهم هكذا دل على أنه إنما عذر في حال الضرورة بتأدية الفرض وما جاز في الضرورة دون غيرها ، لم يجز ، ما لم يكن ضرورة مثله ( قال الشافعي ) : ولو أهل رجل بحج ففاته فحل بطواف البيت وسعى بين الصفا والمروة لم يجز عنه من حجة الإسلام ; لأنه لم يدركها ولم تجز عنه من عمرة الإسلام ولا عمرة نذر عليه ; لأنها ليست بعمرة ، وإنما كان حجا لم يجز له أن يقيم عليه لوجهين : أحدهما : أنه حج سنة فلا يدخل في حج سنة غيرها ، والآخر أنه ليس له أن يقيم محرما بحج في غير أشهر الحج ، ولو أهل بالحج في غير أشهر الحج كان إهلاله عمرة يجزئ عنه من عمرة الإسلام ; لأنه لا وجه للإهلال إلا بحج أو عمرة ، فلما أهل في وقت كانت العمرة فيه مباحة والحج محظورا كان مهلا بعمرة وليس هذا كالمهل بالحج والحج مباح له فيفوته ; لأن ابتداء ذلك الحج كان حجا ، وابتداء هذا الحج كان عمرة ، وإذا أجزأت العمرة بلا نية لها أنها عمرة أجزأت إذا أهل بحج وكان إهلاله عمرة .

    ( قال الشافعي ) :
    والعمرة لا تفوت من قبل أنها تصلح في كل شهر والحج يفوت من قبل أنه لا يصلح إلا في وقت واحد من السنة ، فلو أن رجلا أهل بالعمرة في عام فحبسه مرض أو خطأ عدد أو غير ذلك ما خلا العدو أقام حراما حتى يحل متى حل ، ولم تفته العمرة متى وصل إلى البيت فعمل عملها ( قال ) : ولو حج رجل عن رجل بلا إجارة ثم أراد الإجارة لم يكن له وكان متطوعا عنه وأجزأت عنه حجته ( قال ) : ولو استأجر رجل رجلا يعتمر عنه في شهر فاعتمر في غيره أو على أن يحج عنه في سنة فحج في غيرها كانت له الإجارة وكان مسيئا بما فعل ( قال ) : ولا بأس بالإجارة على الحج وعلى العمرة وعلى الخير كله ، وهي على عمل الخير أجوز منها على ما ليس بخير ولا بر من المباح ، فإن قال قائل : ما الحجة في جواز الإجارة على تعليم القرآن والخير ؟ قيل أخبرنا مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج رجلا امرأة بسورة من القرآن } ( قال ) : والنكاح لا يجوز إلا بما له قيمة من الإجارات والأثمان .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #78
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله




    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب الحج
    الحلقة (78)
    صــــــــــ 141 الى صـــــــــــ145

    باب الوصية بالحج

    ( قال الشافعي ) :
    رحمه الله تعالى وإذا أوصى رجل لم يحج أن يحج عنه وارث ولم يسم شيئا أحج عنه الوارث بأقل ما يوجد به أحد يحج عنه ، فإن لم يقبل ذلك فلا يزاد عليه ، ويحج عنه غيره بأقل ما يوجد من يحج عنه به ممن هو أمين على الحج .

    ( قال الشافعي ) :
    ولا يرد عن الوارث وصية بهذا إنما هذه إجازة ، ولكن لو قال أحجوه بكذا أبطل كل ما زاد على أقل ما يوجد به من يحج عنه ، فإن قبل ذلك لم أحج عنه غيره ( قال ) : ولو أوصى لغير وارث بمائة دينار يحج بها عنه ، فإن حج فذلك له وما زاد على أجر مثله وصية ، فإن امتنع لم يحج عنه أحدا لا بأقل ما يوجد به من يحج عنه ، ولو قال أحجوا عني من رأي فلان بمائة دينار فرأى فلان أن يحج عنه وارث له لم يحج عنه الوارث إلا بأقل ما يوجد به من يحج عنه ، فإن أبى قيل لفلان رأي غير وارث ، فإن فعل أجزنا ذلك ، وإن لم يفعل أحججت عنه رجلا [ ص: 141 ] بأقل ما يوجد به من يحج عنه ( قال ) : ولو قال رجل : أول واحد يحج عني فله مائة دينار فحج عنه غير وارث فله مائة دينار ، وإن حج عنه وارث فله أقل ما يوجد به من يحج عنه وما زاد على ذلك مردود ; لأنها وصية لوارث ( قال ) : ولو استأجر رجل رجلا يحج عنه أو يعتمر بما شاء كان ذلك مالا من مال المستأجر إذا حج عنه أو اعتمر ، فإن استأجره على أن يحج عنه فأفسد الحج لم يقض ذلك من الرجل الحج وكان عليه أن يرد الإجارة كلها ، وكذلك لو أخطأ العدد ففاته الحج ، وكذلك الفساد في العمرة ( قال ) : ولو استأجر رجل رجلا يحج عنه أو يعتمر فاصطاد صيدا أو تطيب أو فعل في الحج أو العمرة شيئا تجب فيه الفدية فدى ذلك من ماله وكانت له الإجارة وانظر إلى كل ما كان يكون حجه لو حج عن نفسه قاضيا عنه وعليه فيه كفارة حج عن غيره جعلته قاضيا عن غيره وله الإجارة كاملة في ماله وعليه في ماله فدية كل ما أصاب ( قال ) : وهكذا ولي الميت إذا استأجر رجلا يحج عن الميت لا يختلفان في شيء ( قال ) : ولو استأجر رجل رجلا يحج عنه فقرن عنه كان زاده خيرا له ولم ينقصه وعليه في ماله دم القران ( قال ) : ولو استأجره يحج عنه فاعتمر أو يعتمر فحج رد الإجارة ; لأن الحاج إذا أمر أن يعتمر عمل عن نفسه غير ما أمر به والحج غير العمرة والعمرة غير الحج ( قال ) : ولو استأجره يحج عنه فاعتمر ثم عاد فحج عنه من ميقاته أجزأت عنه ( قال ) : ولو اعتمر عن نفسه ثم أراد الحج عن غيره ، لم تكن حجته كاملة عن غيره إلا بأن يخرج إلى ميقات المحجوج عنه ، يحج عنه من ميقاته ، فإن ترك ذلك وحج من دون ميقاته أهراق دما وأجزأت عنه ( قال ) : ولو خرج رجل حاجا عن رجل فسلك غير طريق المحجوج عنه وأتى على ميقات في طريقه غير ميقات الرجل فأهل منه ومضى على حجه أجزأت عنه حجة الإسلام إن شاء الله تعالى ( قال ) : ويجزي الحاج عن الرجل أن ينوي الحج عنه عند إحرامه ، وإن لم يتكلم به أجزأ عنه كما يجزئه ذلك في نفسه ، والمتطوع بالحج عن الرجل كالمستأجر في كل أمره يجزيه في كل ما أجزأه عنه كما يجزئه ذلك في نفسه كل ما أفسد عليه في كل إلا أن المتطوع لا يرد إجارة ; لأنه لم يأخذها ( قال ) : ولو استأجر رجل رجلا يحج عنه أو عن ميت فحج ولم يكن حج عن نفسه أجزأت عنه ولم تجز عنهما ورد الإجارة ( قال ) : ولا بأس أن يستأجر الوصي للميت إذا لم يحج الميت بعض ورثة الميت عنه أوصى بذلك الميت أو لم يوص ، والإجارة ليست بوصية منه ، وإن كان المستأجر وارثا أو غير وارث فسواء ويحج عن الميت الحجة والعمرة الواجبتان أوصى بهما أو لم يوص كما يؤدى عنه الواجب عليه من الدين ، وإن لم يوص به ( قال ) : ولو أوصى بثلثه للحاج اخترت أن يعطاه فقراء الحاج ولا أعلمه يحرم أن يعطاه غني منهم ( قال ) : ولو أوصى أن يحج عنه تطوعا ففيها قولان : أحدهما : أن ذلك جائز ، والآخر أن ذلك غير جائز كما لو أوصى أن يستأجر عنه من يصلي عنه لم يجز ، ومن قال لا يجوز رد وصيته فجعلها ميراثا ( قال ) : ولو قال رجل لرجل : حج عن فلان الميت بنفقتك ، دفع إليه النفقة أو لم يدفعها ، كان هذا غير جائز ; لأن هذه أجرة غير معلومة ، فإن حج أجزأت عنه وله أجرة مثله ، وسواء كان المستأجر وارثا أو غير وارث ، أوصى بذلك الميت أو لم يوص به ، غير أنه إن أوصى بذلك لوارث لم يجز أن يعطى من الإجارة ما زاد على أجرة مثله من الفضل ; لأن المحاباة وصية والوصية لا تجوز لوارث .
    [ ص: 142 ] باب ما يؤدى عن الرجل البالغ الحج ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى وإذا وصل الرجل المسلم الحر البالغ إلى أن يحج أجزأت عنه حجة الإسلام ، وإن كان ممن لا مقدرة له بذات يده فحج ماشيا فهو محسن بتكلفه شيئا له الرخصة في تركه وحج في حين يكون عمله مؤديا عنه ، وكذلك لو آجر نفسه من رجل يخدمه وحج ، أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح أن رجلا سأل ابن عباس فقال أؤاجر نفسي من هؤلاء القوم فأنسك معهم المناسك هل يجزئ عني ؟ فقال ابن عباس : نعم { أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } .

    ( قال ) : وكذلك لو حج وغيره يكفيه مؤنته ; لأنه حاج في هذه الحالات عن نفسه لا عن غيره ( قال ) : وكذلك لو حج في عام أخطأ الناس فيه يوم عرفة ; لأن حجهم يوم يحجون كما فطرهم يوم يفطرون وأضحاهم يوم يضحون ; لأنهم إنما كلفوا الظاهر فيما يغيب عنهم فيما بينهم وبين الله عز وجل ، وهكذا لو أصاب رجل أهله بعد الرمي والحلاق كانت عليه بدنة وكان حجه تاما ، وهكذا لو دخل عرفة بعد الزوال وخرج منها قبل مغيب الشمس أجزأت عنه حجته وأهراق دما ، وهكذا كل ما فعل مما ليس له في إحرامه غير الجماع كفر وأجزأت عنه من حجة الإسلام .
    باب حج الصبي يبلغ والمملوك يعتق والذمي يسلم أخبرنا الربيع قال : ( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى وإذا بلغ غلام أو عتق مملوك أو أسلم كافر بعرفة أو مزدلفة فأحرم أي هؤلاء صار إلى هذه الحال بالحج ثم وافى عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة المزدلفة ، واقفا بها أو غير واقف ، فقد أدرك الحج وأجزأ عنه من حجة الإسلام وعليه دم لترك الميقات ، ولو أحرم العبد والغلام الذي لم يبلغ بالحج ينويان بإحرامهما فرض الحج أو النافلة أو لا نية لهما ثم عتق هذا وبلغ هذا قبل عرفة أو بعرفة أو بمزدلفة أو أين كانا فرجعا إلى عرفة بعد البلوغ والعتق أجزأت عنهما من حجة الإسلام ، ولو احتاطا بأن يهريقا دما كان أحب إلي ، ولا يبين لي أن يكون ذلك عليهما ، وأما الكافر فلو أحرم من ميقاته ثم أسلم بعرفة لم يكن له بد من دم يهريقه ; لأن إحرامه ليس بإحرام ولو أذن الرجل لعبده فأهل بالحج ثم أفسده قبل عرفة ثم عتق فوافى عرفة لم تجز عنه من حجة الإسلام ; لأنه قد كان يجب عليه تمامها ; لأنه أحرم بإذن أهله وهي تجوز له ، وإن لم تجز عنه من حجة الإسلام ، فإذا أفسدها مضى فيها فاسدة وعليه قضاؤها ويهدي بدنة ، ثم إذا قضاها فالقضاء عنه يجزيه من حجة الإسلام ( قال الشافعي ) في الغلام المراهق لم يبلغ : يهل بالحج ثم يصيب امرأته قبل عرفة ثم يحتلم بعرفة يمضي في حجه ولا أرى هذه الحجة مجزئة عنه من حجة الإسلام من قبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جعل له حجا فالحاج إذا جامع أفسد وعليه البدل وبدنة ، فإذا جاء ببدل وبدنة أجزأت عنه من حجة الإسلام ( قال ) : ولو أهل ذمي أو كافر ما كان هذا بحج ثم جامع ثم أسلم قبل عرفة وبعد الجماع فجدد إحراما من الميقات أو دونه وأهراق دما لترك الميقات أجزأت عنه من حجة الإسلام ; لأنه لا يكون مفسدا في حال الشرك ; لأنه كان غير محرم ، فإن قال قائل : فإذا زعمت أنه كان في إحرامه غير محرم ، أفكان الفرض عنه موضوعا ؟ قيل : لا ، بل كان عليه وعلى كل أحد أن [ ص: 143 ] يؤمن بالله عز وجل وبرسوله ويؤدي الفرائض التي أنزلها الله تبارك وتعالى على نبيه ، غير أن السنة تدل وما لم أعلم المسلمين اختلفوا فيه أن كل كافر أسلم استأنف الفرائض من يوم أسلم ولم يؤمر بإعادة ما فرط فيه في الشرك منها وأن الإسلام يهدم ما قبله إذا أسلم ثم استقام ، فلما كان إنما يستأنف الأعمال ولا يكون عاملا عملا يكتب له إلا بعد الإسلام كان ما كان غير مكتوب له من إحرامه ليس إحراما والعمل يكتب للعبد البالغ ، وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصغير : له حج ، ففي ذلك دلالة على أنه حاج وأن حجه إن شاء الله تعالى مكتوب له .
    باب الرجل ينذر الحج أو العمرة

    ( قال الشافعي ) :
    فمن أوجب على نفسه حجا أو عمرة بنذر فحج أو اعتمر يريد قضاء حجته أو عمرته التي نذر ، كان حجته وعمرته التي نوى بها قضاء النذر حجة الإسلام وعمرته ثم كان عليه قضاء حجة النذر بعد ذلك ( قال الشافعي ) : فإذا مات ولم يقض النذر ولا الواجب قضي عنه الواجب أولا ، فإن كان في ماله سعة أو كان له من يحج عنه قضى النذر عنه بعده .

    ( قال الشافعي ) :
    وإن حج عنه رجل بإجارة أو تطوع ينوي عنه قضاء النذر كان الحج الواجب عليه ثم قضى عنه النذر بعده إذا كان إحرام غيره عنه ، إذا أراد تأدية الفرض عنه يقوم مقام إحرام نفسه عنه في الأداء عنه ، فكذلك هو في النذر عنه والله أعلم ، ولو حج عنه رجلان هذا الفرض وهذا النذر ، كان أحب إلي وأجزأ عنه .
    باب الخلاف في هذا الباب

    ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى :
    وقد خالفنا بعض الناس في هذا الباب فقال : نحن نوافقك على أن الرجل إذا حج تطوعا أو بغير نية كان ذلك عندنا حجة الإسلام للآثار والقياس فيه ولأن التطوع ليس بواجب عليه ، أفرأيت الواجب عليه من النذر إن كان واجبا وفرض الحج التطوع واجبا فكيف زعمت أنه إذا نوى النذر وهو واجب كان الحج الواجب كما قلته في التطوع والنذر غير تطوع ؟ فقلت له زعمته بأنه إذا كان مستطيعا من حين يبلغ إلى أن يموت فلم يكن وقت حج يأتي عليه إلا وفرض الحج لازم له بلا شيء ألزمه نفسه ولم يكن النذر لازما له إلا بعد إيجابه فكان في نفسه بمعنى من حج تطوعا وكان الواجب بكل حال أولى أن يكون المقدم من الذي لم يجب إلا بإيجابه على نفسه ، فإن قال ما يشبه النذر من النافلة ؟ قيل له إذا دخل فيه بعد حج الإسلام وجب عليه أن يتمه ولكنه لما كان إذا دخل فيه كان في حكمه في أنه يتمه كمبتدئ حج الإسلام ينويه كان دخوله فيه لم يوجبه عليه إنما أوجب على نفسه فرضا عليه وغيره لو أوجبه عليه فأمره بالخروج منه كما أمره بالخروج من الحج بالطواف وأمره بقضائه فقال : فإنك رويت أن ابن عباس وابن عمر سئلا فقال أحدهما : قضيتهما ورب الكعبة لمن نذر حجا فحجه قضاء النذر والحج المكتوب وقال الآخر هذه حجة الإسلام [ ص: 144 ] فليلتمس وفاء النذر ، فقلت فأنت تخالفهما جميعا فتزعم أن هذا النذر وعليه حجة الإسلام فكيف تحتج بما تخالف ؟ قال وأنت تخالف أحدهما ، فقلت إن خالفته خالفته بمعنى السنة وأوافق الآخر ، أخبرنا الربيع قال : أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سعيد بن سالم عن الثوري عن زيد بن جبير ، قال : إني لعند عبد الله بن عمر إذ سئل عن هذه فقال : هذه حجة الإسلام فليلتمس أن يقضي نذره .

    ( قال الشافعي ) ولم نر عملين وجبا عليه ، فلم يكن له ترك واحد منهما على الابتداء يجزي عنه أن يأتي بأحدهما فنقول هذا في الحج ينذره الرجل وعليه حجة الإسلام ، فإن كان قضى حجة الإسلام وبقي عليه حجة نذره فحج متطوعا فهي حجة النذر ولا يتطوع بحج وعليه حج واجب ، وإذا أجزأ التطوع من الحجة المكتوبة لأنا نجعل ما تطوع به هو الواجب عليه من الفرض ، فكذلك إذا تطوع وعليه واجب من نذر لا فرق بين ذلك .
    باب هل تجب العمرة وجوب الحج ؟

    ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : قال الله تبارك وتعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } فاختلف الناس في العمرة فقال بعض المشرقيين : العمرة تطوع وقاله سعيد بن سالم واحتج بأن سفيان الثوري أخبره عن معاوية بن إسحاق عن أبي صالح الحنفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { الحج جهاد والعمرة تطوع } فقلت له أثبت مثل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال هو منقطع وهو وإن لم تثبت به الحجة فإن حجتنا في أنها تطوع أن الله عز وجل يقول { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } ولم يذكر في الموضع الذي بين فيه إيجاب الحج إيجاب العمرة وأنا لم نعلم أحدا من المسلمين أمر بقضاء العمرة عن ميت فقلت له قد يحتمل قول الله عز وجل { وأتموا الحج والعمرة لله } أن يكون فرضها معا وفرضه إذا كان في موضع واحد يثبت ثبوته في مواضع كثيرة كقوله تعالى { أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ثم قال { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } فذكرها مرة مع الصلاة وأفرد الصلاة مرة أخرى دونها فلم يمنع ذلك الزكاة أن تثبت وليس لك حجة في قولك لا نعلم أحدا أمر بقضاء العمرة عن ميت إلا عليك مثلها لمن أوجب العمرة بأن يقول ولا نعلم من السلف أحدا ثبت عنه أنه قال لا تقضى عمرة عن ميت ولا هي تطوع كما قلت ، فإن كان لا نعلم لك حجة كان قول من أوجب العمرة لا نعلم أحدا من السلف ثبت عنه أنه قال هي تطوع وأن لا تقضى عن ميت حجة عليك .

    ( قال ) ومن ذهب هذا المذهب أشبه أن يتأول الآية { وأتموا الحج والعمرة لله } إذا دخلتم فيهما ، وقال بعض أصحابنا : العمرة سنة لا نعلم أحدا أرخص في تركها ( قال ) وهذا قول يحتمل إيجابها إن كان يريد أن الآية تحتمل إيجابها وأن ابن عباس ذهب إلى إيجابها ولم يخالفه غيره من الأئمة ويحتمل تأكيدها لا إيجابها .

    ( قال الشافعي ) والذي هو أشبه بظاهر القرآن وأولى بأهل العلم عندي وأسأل الله التوفيق أن تكون العمرة واجبة ، فإن الله عز وجل قرنها مع الحج فقال { وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } { وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر قبل أن يحج } وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن إحرامها والخروج منها بطواف وحلاق وميقات ، وفي الحج زيادة عمل على العمرة ، فظاهر القرآن أولى إذا لم يكن دلالة على أنه باطن دون ظاهر ، ومع ذلك قول ابن عباس وغيره ، أخبرنا ابن عيينة [ ص: 145 ] عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أنه قال : والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب الله { وأتموا الحج والعمرة لله } ، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء أنه قال : ليس من خلق الله تعالى أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان .

    ( قال الشافعي ) وقاله غيره من مكيينا وهو قول الأكثر منهم ( قال الشافعي ) قال الله تبارك وتعالى { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قران العمرة مع الحج هديا ولو كان أصل العمرة تطوعا أشبه أن لا يكون لأحد أن يقرن العمرة مع الحج لأن أحدا لا يدخل في نافلة فرضا حتى يخرج من أحدهما قبل الدخول في الآخر ، وقد يدخل في أربع ركعات وأكثر نافلة قبل أن يفصل بينهما بسلام ، وليس ذلك في مكتوبة ونافلة من الصلاة فأشبه أن لا يلزمه بالتمتع أو القران هدي إذا كان أصل العمرة تطوعا بكل حال ، لأن حكم ما لا يكون إلا تطوعا بحال غير حكم ما يكون فرضا في حال .

    ( قال الشافعي ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة } { وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسائله عن الطيب والثياب افعل في عمرتك ما كنت فاعلا في حجتك } ( أخبرنا ) مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي بكر أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أن العمرة هي الحج الأصغر ، قال ابن جريج : ولم يحدثني عبد الله بن أبي بكر عن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم شيئا إلا قلت : له أفي شك أنتم من أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : لا .

    ( قال الشافعي ) فإن قال قائل فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أن تقضي الحج عن أبيها ولم يحفظ عنه أن تقضي العمرة عنه ، قيل له إن شاء الله قد يكون في الحديث فيحفظ بعضه دون بعض ويحفظ كله فيؤدى بعضه دون بعض ، ويجيب عما يسأل عنه ويستغني أيضا بأن يعلم أن الحج إذا قضي عنه فسبيل العمرة سبيله فإن قال قائل وما يشبه ما قلت ؟ قيل روى عنه طلحة { أنه سئل عن الإسلام فقال خمس صلوات في اليوم والليلة . وذكر الصيام ولم يذكر حجا ولا عمرة من الإسلام وغير هذا ما يشبه هذا } ، والله أعلم .

    فإن قال قائل : ما وجه هذا ؟ قيل له : ما وصفت من أن يكون في الخبر فيؤدى بعضه دون بعض أو يحفظ بعضه دون بعض أو يكتفى بعلم السائل أو يكتفى بالجواب عن المسألة ثم يعلم السائل بعد ولا يؤدى ذلك في مسألة السائل ويؤدى في غيره ( قال ) وإذا أفرد العمرة فالميقات لها كالميقات في الحج ، والعمرة في كل شهر من السنة كلها إلا أنا ننهى المحرم بالحج أن يعتمر في أيام التشريق لأنه معكوف على عمل الحج ولا يخرج منه إلى الإحرام حتى يفرغ من جميع عمل الإحرام الذي أفرده .

    ( قال الشافعي ) ولو لم يحج رجل فتوقى العمرة حتى تمضي أيام التشريق كان وجها وإن لم يفعل فجائز له ، لأنه في غير إحرام نمنعه به من غيره لإحرام غيره .

    ( قال الشافعي ) ويجزيه أن يقرن الحج مع العمرة وتجزيه من العمرة الواجبة عليه ويهريق دما قياسا على قول الله عز وجل { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } فالقارن أخف حالا من المتمتع ، المتمتع إنما أدخل عمرة فوصل بها حجا فسقط عنه ميقات الحج وقد سقط عن هذا وأدخل العمرة في أيام الحج وقد أدخلها القارن ، وزاد المتمتع أن تمتع بالإحلال من العمرة إلى إحرام الحج ولا يكون المتمتع في أكثر من حال القارن فيما يجب عليه من الهدي ( قال ) وتجزئ العمرة قبل الحج والحج قبل العمرة من الواجبة عليه ( قال ) وإذا اعتمر قبل الحج ثم أقام بمكة حتى ينشئ الحج أنشأه من مكة لا من الميقات

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #79
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله




    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب الحج
    الحلقة (79)
    صــــــــــ 146 الى صـــــــــــ150


    ( قال ) وإن أفرد الحج فأراد العمرة بعد الحج خرج من الحرم ثم أهل من أين شاء وسقط عنه بإحرامه بالحج من الميقات ، فأحرم بها من أقرب المواضع من ميقاتها ، ولا ميقات [ ص: 146 ] لها دون الحل . كما يسقط ميقات الحج إذا قدم العمرة قبله لدخول أحدهما في الآخر وأحب إلى أن يعتمر من الجعرانة لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر منها ، فإن أخطأه ذلك اعتمر من التنعيم لأن { النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تعتمر منها وهي أقرب الحل إلى البيت } ، فإن أخطأه ذلك اعتمر من الحديبية لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بها وأراد المدخل لعمرته منها ، أخبرنا ابن عيينة أنه سمع عمرو بن دينار يقول سمعت عمرو بن أوس الثقفي يقول أخبرني { عبد الرحمن بن أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يردف عائشة فيعمرها من التنعيم قال الشافعي وعائشة كانت قارنة فقضت الحج والعمرة الواجبتين عليها ، وأحبت أن تنصرف بعمرة غير مقرونة بحج ، فسألت ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بإعمارها ، فكانت لها نافلة خيرا ، وقد كانت دخلت مكة بإحرام ، فلم يكن عليها رجوع إلى الميقات ، } أخبرنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية عن مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد عن محرش الكعبي أو محرش { أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا فاعتمر وأصبح بها كبائت } ، أخبرنا مسلم عن ابن جريج هذا الحديث بهذا الإسناد ، وقال ابن جريج هو محرش .

    ( قال الشافعي ) وأصاب ابن جريج لأن ولده عندنا يقول بنو محرش ، أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن عطاء { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك } ( أخبرنا ) سفيان عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وربما قال سفيان عن عطاء عن عائشة وربما قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة .

    ( قال الشافعي ) فعائشة كانت قارنة في ذي الحجة ثم اعتمرت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعمارها بعد الحج فكانت لها عمرتان في شهر ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر قبل الجعرانة عمرة القضية فكان متطوعا بعمرة الجعرانة ، فكان وإن دخل مكة عام الفتح بغير إحرام للحرب فليست عمرته من الجعرانة قضاء ولكنها تطوع ، والمتطوع يتطوع بالعمرة من حيث شاء خارجا من الحرم ( قال الشافعي ) ولو أهل رجل بحج ففاته خرج من حجه بعمل عمرة وكان عليه حج قابل والهدي ولم تجز هذه عنه من حجة ولا عمرة واجبة عليه لأنه إنما خرج من الحج بعمل العمرة ، لا أنه ابتدأ عمرة فتجزي عنه من عمرة واجبة عليه
    باب الوقت الذي تجوز فيه العمرة

    ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى :
    يجوز أن يهل الرجل بعمرة في السنة كلها يوم عرفة وأيام منى وغيرها من السنة إذا لم يكن حاجا ولم يطمع بإدراك الحج وإن طمع بإدراك الحج أحببت له أن يكون إهلاله بحج دون عمرة أو حج مع عمرة وإن لم يفعل واعتمر جازت العمرة وأجزأت عنه عمرة الإسلام وعمرة إن كان أوجبها على نفسه من نذر أو أوجبه تبرر أو اعتمر عن غيره .

    ( قال الشافعي ) فإن قال [ ص: 147 ] قائل وكيف يجوز أن تكون العمرة في أيام الحج ؟ قيل قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة فأدخلت الحج على العمرة فوافت عرفة ومنى حاجة معتمرة والعمرة لها متقدمة وقد أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه هبار بن الأسود وأبا أيوب الأنصاري في يوم النحر وكان مهلا بحج أن يطوف ويسعى ويحلق ويحل فهذا عمل عمرة إن فاته الحج فإن أعظم الأيام حرمة أولاها أن ينسك فيها لله تعالى .

    ( قال الشافعي ) ولا وجه لأن ينهى أحد أن يعتمر يوم عرفة ولا ليالي منى إلا أن يكون حاجا فلا يدخل العمرة على الحج ولا يعتمر حتى يكمل عمل الحج كله ، لأنه معكوف بمنى على عمل من عمل الحج من الرمي والإقامة بمنى طاف للزيارة أو لم يطف ، فإن اعتمر وهو في بقية من إحرام حجه أو خارجا من إحرام حجه وهو مقيم على عمل من عمل حجه فلا عمرة له ولا فدية عليه لأنه أهل بالعمرة في وقت لم يكن له أن يهل بها فيه ( قال الشافعي ) والعمرة في السنة كلها فلا بأس بأن يعتمر الرجل في السنة مرارا ، وهذا قول العامة من المكيين وأهل البلدان ، غير أن قائلا من الحجازيين كره العمرة في السنة إلا مرة واحدة ، وإذا كانت العمرة تصلح في كل شهر فلا تشبه الحج الذي لا يصلح إلا في يوم من شهر بعينه إن لم يدرك فيه الحج فات إلى قابل فلا يجوز أن تقاس عليه وهي تخالفه في هذا كله ، فإن قال قائل : ما دل على ما وصفت ؟ قيل له عائشة ممن لم يكن معه هدي وممن دخل في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون إحرامه عمرة فعركت فلم تقدر على الطواف للطمث فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تهل بالحج فكانت قارنة وكانت عمرتها في ذي الحجة ثم سألته أن يعمرها فأعمرها في ذي الحجة فكانت هذه عمرتين في شهر فكيف ينكر أحد بعد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعمرتين في شهر يزعم أن لا تكون في السنة إلا مرة ؟ أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي حسين عن بعض ولد أنس بن مالك قال كنا مع أنس بن مالك بمكة فكان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال في كل شهر عمرة ، أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب أن عائشة اعتمرت في سنة مرتين ، مرة من ذي الحليفة ومرة من الجحفة ، أخبرنا سفيان عن صدقة بن يسار عن القاسم بن محمد أن عائشة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم اعتمرت في سنة مرتين قال صدقة : فقلت هل عاب ذلك عليها أحد ؟ فقال سبحان الله أم المؤمنين فاستحييت ، أخبرنا أنس بن عياض عن موسى بن عقبة عن نافع قال اعتمر عبد الله بن عمر أعواما في عهد ابن الزبير مرتين في كل عام ، أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد عن حبيب المعلم قال سئل عطاء عن العمرة في كل شهر ؟ قال نعم ( قال الشافعي ) وفيما وصفت من عمرة عائشة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها في ذي الحجة وفي أنه اعتمر في أشهر الحج بيان أن العمرة تجوز في زمان الحج وغيره وإذا جازت في شهر مرتين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم زايلت معنى الحج الذي لا يكون في السنة إلا مرة واحدة وصلحت في كل شهر ، وحين أراده صاحبه [ ص: 148 ] إلا أن يكون محرما بغيرها من حج أو عمرة فلا يدخل إحراما بغيره عليه قبل أن يكمله
    ( قال الشافعي ) وإذا أهل رجل بعمرة كان له أن يدخل الحج على العمرة ما لم يدخل في الطواف بالبيت فإذا دخل فيه فليس له أن يدخل عليه الحج ولو فعل لم يلزمه حج لأنه يعمل في الخروج من عمرته في وقت ليس له إدخال الحج فيه على عمل العمرة ولو كان إهلاله بحج لم يكن له أن يدخل عليه العمرة ولو فعل لم يكن مهلا بعمرة ولا عليه فدية
    ( قال ) ومن لم يحج اعتمر في السنة كلها ومن حج لم يدخل العمرة على الحج حتى يكمل عمل الحج وهو آخر أيام التشريق إن أقام إلى آخرها وإن نفر النفر الأول فاعتمر يومئذ لزمته العمرة لأنه لم يبق عليه للحج عمل ولو أخره كان أحب إلي ولو أهل بالعمرة في يوم النفر الأول ولم ينفر كان إهلاله باطلا لأنه معكوف على عمل من عمل الحج فلا يخرج منه إلا بكماله والخروج منه ( قال ) وخالفنا بعض حجازيينا فقال لا يعتمر في السنة إلا مرة ، وهذا خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أعمر عائشة في شهر واحد من سنة واحدة مرتين وخلاف فعل عائشة نفسها وعلي بن أبي طالب وابن عمر وأنس رضي الله عنهم وعوام الناس وأصل قوله إن كان قوله : أن العمرة تصلح في كل السنة فكيف قاسها بالحج الذي لا يصلح إلا في يوم من السنة ؟ وأي وقت وقت للعمرة من الشهور ؟ فإن قال : أي وقت شاء ، فكيف لم يعتمر في أي وقت شاء مرارا ، وقول العامة على ما قلنا .
    باب من أهل بحجتين أو عمرتين

    ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى :
    من أهل بحجتين معا أو حج ثم أدخل عليه حجا آخر قبل أن يكمل الحج فهو مهل بحج واحد ولا شيء عليه في الثاني من فدية ولا قضاء ولا غيره ( قال ) وإكمال عمل الحج أن لا يبقى عليه طواف ولا حلاق ولا رمي ولا مقام بمنى ، فإن قال قائل فكيف قلت هذا ؟ قيل كان عليه في الحج أن يأتي بعمله على كماله فيدخل فيه حراما ويكون كماله أن يخرج منه حلالا من يوم النحر من بعضه دون بعض وبعد النحر من كله بكماله فلو ألزمناه الحجتين وقلنا : أكمل إحداهما أمرناه بالإحلال وهو محرم بحج ، ولو قلنا له لا تخرج من إحرام أحدهما إلا بخروجك من الآخر بكماله قلنا له ائت ببعض عمل الحج دون بعض فإن قال وما يبقى عليه من عمل الحج ؟ قيل الحلاق فأمرناه أن لا يكمل الحج انتظارا للذي بعده ولو جاز هذا جاز أن يقال له أقم في بلدك أو في مكة ولا تعمل لأحد حجيك حتى تعمل للآخر منهما كما يقال للقارن ، فيكون إنما عمل بحج واحد وبطل الآخر ولو قلنا بل يعمل لأحدهما ويبقى محرما بالآخر قلنا : فهو لم يكمل عمل أحدهما وأكمل عمل الآخر فكيف يجب عليه في أحدهما ما سقط عنه في الآخر ؟ فإن قلت بل يحل من أحدهما ، قيل فلم يلزمه أداء الآخر إذا جاز له أن يخرج من الأول لم يدخل في غيره إلا بتجديد دخول فيه .

    ( قال الشافعي ) وإذا كان عمر بن الخطاب وكثير ممن حفظنا عنه لم نعلم منهم اختلافا يقولون إذا أهل بحج ثم فاته عرفة لم يقم حراما وطاف وسعى وحلق ثم قضى الحج الفائت لم يجز أبدا في الذي لم يفته الحج أن يقيم حراما بعد الحج بحج وإذا لم يجز لم يجز إلا سقوط إحدى الحجتين والله أعلم وقد روي من وجه عن عطاء أنه قال إذا أهل بحجتين فهو مهل بحج وتابعه الحسن بن أبي الحسن ( قال ) والقول في العمرتين هكذا [ ص: 149 ] وكمال العمرة الطواف بالبيت وبالصفا والمروة والحلاق وأمرهم من فاته الحج أن يحل بطواف وسعي وحلاق ويقضي يدلان معا على أنه لا يجوز أن يهل بالحج في غير أشهر الحج لأن من فاته الحج قد يقدر أن يقيم حراما إلى قابل ولا أراهم أمروه بالخروج من إحرامه بالطواف ولا يقيم حراما لأنه لا يجوز له أن يقيم محرما بحج في غير أشهر الحج ويدل على أنه إذا خرج من حجه يعمل عمرة فليس أن حجه صار عمرة ولا يصير عمرة وقد ابتدأ حجا في وقت يجوز فيه الإهلال بالحج ولو جاز أن ينفسخ الحج عمرة جاز أن يكون من ابتدأ فأهل بحجتين مهلا بحج وعمرة لأنه يصلح أن يبتدأ حج وعمرة ولم يجز لمن قال يصير حجه عمرة إلا ما وصفت من أنه إذا ابتدأ فأهل بحجتين فهو مهل بحج وعمرة ، فأما من أهل بحج ثم أدخل عليه بعد إهلاله به حجا فبين في كل حال أن لا يكون مدخلا حجا على حج ولا تكون عمرة مع حج ، كما لو ابتدأ فأدخل عمرة على حج لم يدخل عليه ، ولو جاز أن يصرف الحج عمرة جاز أن تصرف العمرة حجا فيكون من أهل بعمرتين في أشهر الحج مهلا بحج وعمرة ، وصرفنا إحرامه إلى الذي يجوز له ، ولا يجوز شيء من هذا غير القول الأول من أن من أهل بحجتين فهو مهل بحج ومن أهل بعمرتين فهو مهل بعمرة ولا شيء عليه غير ذلك .
    باب الخلاف فيمن أهل بحجتين أو عمرتين

    ( قال الشافعي ) رحمه الله وخلافنا رجلان من الناس ، فقال أحدهما : من أهل بحجتين لزمتاه فإذا أخذ في عملهما فهو رافض للآخر ، وقال الآخر : هو رافض للآخر حين ابتدأ الإهلال وأحسبهما قالا : وعليه في الرفض دم وعليه القضاء .

    ( قال الشافعي ) قد حكي لي عنهما معا أنهما قالا : من أجمع صيام يومين فصام أحدهما فليس عليه الآخر لأنه لا يجوز أن يدخل في الآخر إلا بعد الخروج من الأول ، وهكذا من فاتته صلوات فكبر ينوي صلاتين لم يكن إلا صلاة واحدة ، ولم يلزمه صلاتان معا ، لأنه لا يدخل في الآخر إلا من بعد الخروج من الأولى ( قال ) وكذلك لو نوى صلاتين تطوعا مما يفصل بينهما بسلام ، فإذا كان هذا هكذا في الصوم والصلاة فكيف لم يكن عندهما هكذا في الحج ؟ مع أنه يلزمهما أن يدعا قولهما في الحج ، إن زعما أن الحج يصير عمرة إذا فاتتعرفة أشبه أن يلزمهما إذا كان الإحرام بحجتين لازما أن يقولا هو حج وعمرة قالا يقضي أحدهما أو لم يقولاه .

    ( قال الشافعي ) وبهذا قلنا لا يقرن بين عملين إلا بحج وعمرة يدخل الحج على العمرة ولا يدخل العمرة على الحج إذا بدأ بالحج لأن الأصل أن لا نجمع بين عملين ، فلما جمع بينهما في حال سلم للخبر في الجمع بينهما ، ولم يجمع بينهما إلا على ما جاء فيه الخبر لا يخالفه ولا يقيس عليه .
    [ ص: 150 ] في المواقيت ( قال الشافعي ) أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ويهل أهل الشام من الجحفة ويهل أهل نجد من قرن } قال ابن عمر : ويزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { ويهل أهل اليمن من يلملم } أخبرنا مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال { أمر أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن } . قال ابن عمر : أما هؤلاء الثلاث فسمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ويهل أهل اليمن من يلملم } أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال { : قام رجل من أهل المدينة في المسجد فقال : يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل ؟ قال يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ويهل أهل الشام من الجحفة ويهل أهل نجد من قرن } قال لي نافع : ويزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ويهل أهل اليمن من يلملم } ( قال ) وأخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج قال . أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل فقال سمعت ، ثم انتهى ، أراه يريد النبي صلى الله عليه وسلم يقول { يهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر من الجحفة وأهل المغرب ويهل أهل العراق من ذات عرق ويهل أهل نجد من قرن ويهل أهل اليمن من يلملم } .

    ( قال الشافعي ) ولم يسم جابر بن عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم .

    وقد يجوز أن يكون سمع عمر بن الخطاب ، قال ابن سيرين : يروى عن عمر بن الخطاب مرسلا أنه وقت لأهل المشرق ذات عرق ، ويجوز أن يكون سمع غير عمر بن الخطاب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا سعيد بن سالم قال : أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عطاء { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل المغرب الجحفة ولأهل المشرق ذات عرق ولأهل نجد قرنا ومن سلك نجدا من أهل اليمن وغيرهم قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم } أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج قال : فراجعت عطاء فقلت : أن النبي صلى الله عليه وسلم زعموا لم يوقت ذات عرق ولم يكن أهل المشرق حينئذ ، قال كذلك سمعنا أنه وقت ذات عرق أو العقيق لأهل المشرق قال : ولم يكن عراق ولكن لأهل المشرق ولم يعزه إلى أحد دون النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه يأبى إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم وقته ، أخبرنا مسلم بن خالد ، عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه قال : لم يوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات عرق ولم يكن حينئذ أهل مشرق ، فوقت الناس ذات عرق ( قال الشافعي ) ولا أحسبه إلا كما قال طاوس والله أعلم ، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء أنه قال : لم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق شيئا فاتخذ الناس بحيال قرن ذات عرق ، أخبرنا الثقة عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب وقت ذات عرق لأهل المشرق .

    ( قال الشافعي ) وهذا عن عمر بن الخطاب مرسلا ، وذات عرق شبيه بقرن في القرب وألملم .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #80
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,500

    افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله




    كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
    محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
    المجلد الثانى -كتاب الحج
    الحلقة (80)
    صــــــــــ 151 الى صـــــــــــ155

    ( قال الشافعي ) فإن أحرم منها أهل المشرق رجوت أن يجزيهم قياسا على قرن ويلملم ، ولو أهلوا من العقيق كان أحب إلي ، أخبرنا سفيان عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال : { وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرنا ولأهل اليمن يلملم ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المواقيت لأهلها ولكل آت أتى عليها من غير أهلها ممن أراد الحج والعمرة ومن كان أهله من دون [ ص: 151 ] الميقات فليهلل من حيث ينشئ حتى يأتي ذلك على أهل مكة } أخبرنا الثقة عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في المواقيت مثل معنى حديث سفيان في المواقيت ، أخبرنا سعيد بن سالم عن القاسم بن معن عن ليث عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس أنه قال : { وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل اليمن يلملم ولأهل نجد قرنا ومن كان دون ذلك فمن حيث يبدأ } . أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقت المواقيت قال ليستمتع المرء بأهله وثيابه حتى يأتي كذا وكذا للمواقيت } ، قلت : أفلم يبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا بلغوا كذا وكذا ؟ أهلوا ؟ قال : لا أدري .
    باب تفريع المواقيت

    أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس قال : قال " ولم يسم عمرو القائل إلا أنا نراه ابن عباس " الرجل يهل من أهله ومن بعدما يجاوز أين شاء ولا يجاوز الميقات إلا محرما ، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم .

    ( قال الشافعي ) وبهذا نأخذ ، وإذا أهل الرجل بالحج أو العمرة من دون ميقاته ثم رجع إلى ميقاته فهو محرم في رجوعه ذلك ، فإن قال قائل : فكيف أمرته بالرجوع وقد ألزمته إحراما قد ابتدأه من دون ميقاته ؟ أقلت ذلك اتباعا لابن عباس أم خبرا من غيره أو قياسا ؟ قلت : هو وإن كان اتباعا لابن عباس ففيه أنه في معنى السنة ، فإن قال : فاذكر السنة التي هو في معناها ، قلت : أرأيت إذ وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم المواقيت لمن أراد حجا أو عمرة ، أليس المريد لهما مأمورا أن يكون محرما من الميقات لا يحل إلا بإتيان البيت والطواف والعمل معه ؟ قال : بلى .

    قلت : افتراه مأذونا له قبل بلوغ الميقات أن يكون غير محرم ؟ قال : بلى . قلت : أفتراه أن يكون مأذونا له أن يكون بعض سفره حلالا وبعضه حراما ؟ قال : نعم . قلت أفرأيت إذا جاوز الميقات فأحرم أو لم يحرم ثم رجع إلى الميقات فأحرم منه ، أما أتى بما أمر به من أن يكون محرما من الميقات إلى أن يحل بالطواف بالبيت وعمل غيره ؟ قال : بلى . ولكنه إذا دخل في إحرام بعد الميقات فقد لزمه إحرامه وليس بمبتدئ إحراما من الميقات .

    ( قال الشافعي ) قلت إنه لا يضيق عليه أن يبتدئ الإحرام قبل الميقات كما لا يضيق عليه لو أحرم من أهله فلم يأت الميقات إلا وقد تقدم بإحرامه لأنه قد أتى بما أمر به من أن يكون محرما من الميقات إلى أن يحل بالطواف وعمل الحج ، وإذا كان هذا هكذا كان الذي جاوز الميقات ثم أحرم ثم رجع إليه في معنى هذا في أنه قد أتى على الميقات محرما ثم كان بعد محرما إلى أن يطوف ويعمل لإحرامه إلا أنه زاد على نفسه سفرا بالرجوع والزيادة لا تؤثمه ولا توجب عليه فدية إن شاء الله تعالى ، فإن قال : أفرأيت من كان أهله من دون الميقات أو كان من أهل الميقات ؟ قلت سفر ذلك كله إحرام وحاله إذا جاوز أهله حال من جاوز الميقات يفعل ما أمرنا به من جاوز الميقات .

    ( قال الشافعي ) أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج قال قال [ ص: 152 ] عمرو بن دينار عن طاوس : من شاء أهل من بيته ومن شاء استمتع بثيابه حتى يأتي ميقاته ولكن لا يجاوزه إلا محرما يعني ميقاته ، أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء قال : المواقيت في الحج والعمرة سواء ومن شاء أهل من ورائها ومن شاء أهل منها ولا يجاوزها إلا محرما وبهذا نأخذ ، أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج أن عطاء قال : ومن أخطأ أن يهل بالحج من ميقاته أو عمد ذلك فليرجع إلى ميقاته فليهلل منه إلا أن يحبسه أمر يعذر به من وجع أو غيره أو يخشى أن يفوته الحج إن رجع فليهرق دما ولا يرجع ، وأدنى ما يهريق من الدم في الحج أو غيره شاة ، أخبرنا مسلم عن ابن جريج أنه قال لعطاء أرأيت الذي يخطئ أن يهل بالحج من ميقاته ويأتي وقد أزف الحج فيهريق دما أيخرج مع ذلك من الحرم فيهل بالحج من الحل ؟ قال : لا . ولم يخرج خشية الدم الذي يهريق .

    ( قال الشافعي ) وبهذا نأخذ من أهل من دون ميقاته أمرناه بالرجوع إلى ميقاته ما بينه وبين أن يطوف بالبيت فإذا طاف بالبيت لم نأمره بالرجوع وأمرناه أن يهريق دما ، وإن لم يقدر على الرجوع إلى ميقاته بعذر أو تركه عامدا لم نأمره بأن يخرج إلى شيء دون ميقاته وأمرناه أن يهريق دما وهو مسيء في تركه أن يرجع إذا أمكنه عامدا ولو كان ميقات القوم قرية فأقل ما يلزمه في الإهلال أن لا يخرج من بيوتها حتى يحرم وأحب إلي إن كانت بيوتها مجتمعة أو متفرقة أن يتقصى فيحرم من أقصى بيوتها مما يلي بلده الذي هو أبعد من مكة وإن كان واديا فأحب إلى أن يحرم من أقصاه وأقربه ببلده وأبعده من مكة وإن كان ظهرا من الأرض فأقل ما يلزمه في ذلك أن يهل مما يقع عليه اسم الظهر أو الوادي أو الوضع أو القرية إلا أن يعلم موضعها فيهل منه وأحب إلي أن يحرم من أقصاه إلى بلده الذي هو أبعد من مكة ، فإنه إذا أتى بهذا فقد أحرم من الميقات يقينا أو زاد والزيادة لا تضر ، وإن علم أن القرية نقلت فيحرم من القرية الأولى ، وإن جاوز ما يقع عليه الاسم رجع أو أهراق دما ، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الكريم الجزري قال رأى سعيد بن جبير رجلا يريد أن يحرم من ميقات ذات عرق فأخذ بيده حتى أخرجه من البيوت وقطع به الوادي وأتى به المقابر ثم قال : هذه ذات عرق الأولى ( قال الشافعي ) ومن سلك بحرا أو برا من غير وجه المواقيت أهل بالحج إذا حاذى المواقيت متأخيا وأحب إلي أن يحتاط فيحرم من وراء ذلك ، فإن علم أنه أهل بعدما جاوز المواقيت كان كمن جاوزها فرجع أو أهراق دما أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء أنه قال : من سلك بحرا أو برا من غير جهة المواقيت أحرم إذا حاذى المواقيت .

    ( قال الشافعي ) وبهذا نأخذ ومن سلك كداء من أهل نجد والسراة أهل بالحج من قرن ، وذلك قبل أن يأتي ثنية كدى وذلك أرفع من قرن في نجد وأعلى وادي قرن وجماع ذلك ما قال عطاء أن يهل من جاء من غير جهة المواقيت ، إذا حاذى المواقيت وحديث طاوس في المواقيت عن النبي صلى الله عليه وسلم أوضحها معنى وأشدها غنى عما دونه ، وذلك أنه أتى على المواقيت ثم قال عن النبي صلى الله عليه وسلم { هن لأهلهن ولكل آت عليهن من غير أهلهن ممن أراد حجا أو عمرة } وكان بينا فيه أن عراقيا أو شاميا لو مر بالمدينة يريد حجا أو عمرة كان ميقاته ذا الحليفة وإن مدنيا لو جاء من اليمن كان ميقاته يلملم وأن قوله يهل أهل المدينة من ذي الحليفة إنما هو لأنهم يخرجون من بلادهم ويكون ذو الحليفة طريقهم وأول ميقات يمرون به وقوله وأهل الشام من الجحفة لأنهم يخرجون من بلادهم والجحفة طريقهم وأول ميقات يمرون به ليست المدينة ولا ذو الحليفة طريقهم إلا أن يعرجوا إليها وكذلك قوله في أهل نجد واليمن لأن كل واحد منهم خارج من بلده وكذلك أول ميقات يمرون به وفيه معنى آخر أن أهل نجد اليمن يمرون بقرن ، [ ص: 153 ] فلما كانت طريقهم لم يكلفوا أن يأتوا يلملم وإنما ميقات يلملم لأهل غور اليمن تهمها ممن هي طريقهم .

    ( قال الشافعي ) ولا يجوز في الحديث غير ما قلت والله أعلم وذلك أنه لو كان على أهل المدينة أين كانوا فأرادوا الحج أن يهلوا من ذي الحليفة رجعوا من اليمن إلى ذي الحليفة ورجع أهل اليمن من المدينة إن أرادوا منها الحج إلى يلملم ، ولكن معناه ما قلت والله أعلم وهو موجود في الحديث معقول فيه ومعقول في الحديث في قوله " ولكل آت أتى عليها " ما وصفت وقوله " ممن أراد حجا أو عمرة " أنهن مواقيت لمن أتى عليهم يريد حجا أو عمرة ، فمن أتى عليهن لا يريد حجا ولا عمرة فجاوز الميقات ثم بدا له أن يحج أو يعتمر أهل بالحج من حيث يبدو له وكان ذلك ميقاته كما يكون ميقات أهله الذين أنشئوا منه يريدون الحج أو العمرة حين أنشئوا منه ، وهذا معنى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ممن أراد حجا أو عمرة لأن هذا جاوز الميقات لا يريد حجا ولا عمرة ومعنى قوله { ولكل آت أتى عليهن ممن أراد حجا أو عمرة } فهذه إنما أراد الحج أو العمرة بعدما جاوز المواقيت فأراد وهو ممن دون المواقيت المنصوبة وأراده وهو داخل في جملة المواقيت لقول النبي صلى الله عليه وسلم { ومن كان أهله دون المواقيت فمن حيث ينشئ حتى يأتي ذلك على أهل مكة } فهذا جملة المواقيت ، أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه أهل من الفرع .

    ( قال الشافعي ) وهذا عندنا والله أعلم أنه مر بميقاته لم يرد حجا ولا عمرة ثم بدا له من الفرع فأهل منه أو جاء الفرع من مكة أو غيرها ثم بدا له الإهلال فأهل منها ولم يرجع إلى ذي الحليفة وهو روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في المواقيت ، فلو أن بعض أهل المدينة أتى الطائف لحاجته عامدا لا يريد حجا ولا عمرة ثم خرج منها كذلك لا يريد حجا ولا عمرة حتى قارب الحرم ثم بدا له أن يهل بالحج أو العمرة أهل من موضعه ذلك ولم يرجع ، أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه قال : إذا مر المكي بميقات أهل مصر فلا يجاوزه إلا محرما ، أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج قال قال طاوس : فإن مر المكي على المواقيت يريد مكة فلا يخلفها حتى يعتمر باب دخول مكة لغير إرادة حج ولا عمرة

    ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى قال الله عز وجل { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } إلى قوله { والركع السجود } .

    ( قال الشافعي ) المثابة في كلام العرب الموضع يثوب الناس إليه ويئوبون يعودون إليه بعد الذهاب منه ، وقد يقال ثاب إليه اجتمع إليه ، فالمثابة تجمع الاجتماع ويئوبون يجتمعون إليه راجعين بعد ذهابهم منه ومبتدئين قال ورقة بن نوفل يذكر البيت .


    مثابا لا فناء القبائل كلها تخب إليه اليعملات الذوامل
    وقال خداش بن زهير النصري : [ ص: 154 ]
    فما برحت بكر تثوب وتدعى ويلحق منهم أولون وآخر
    وقال الله عز وجل { أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم } يعني والله أعلم ، آمنا من صار إليه لا يتخطف اختطاف من حولهم وقال لإبراهيم خليله { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } .

    ( قال الشافعي ) فسمعت بعض من أرضى من أهل العلم يذكر أن الله تبارك وتعالى لما أمر بهذا إبراهيم عليه السلام ، وقف على المقام فصاح صيحة عباد الله أجيبوا داعي الله فاستجاب له حتى من في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، فمن حج البيت بعد دعوته فهو ممن أجاب دعوته ووقاه من وافاه يقولون لبيك داعي ربنا لبيك وقال الله عز وجل { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } الآية ، فكان ذلك دلالة كتاب الله عز وجل فينا وفي الأمم ، على أن الناس مندوبون إلى إتيان البيت بإحرام ، وقال الله عز وجل { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } وقال { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } .

    ( قال الشافعي ) فكان مما ندبوا به إلى إتيان الحرم بالإحرام قال : وروي عن ابن أبي لبيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال { لما أهبط الله تعالى آدم من الجنة طأطأه فشكا الوحشة إلى أصوات الملائكة فقال يا رب مالي لا أسمع حس الملائكة ؟ فقال خطيئتك ياآدم ولكن اذهب فإن لي بيتا بمكة فأته فافعل حوله نحو ما رأيت الملائكة يفعلون حول عرشي فأقبل يتخطى موضع كل قدم قرية وما بينهما مفازة فلقيته الملائكة بالردم فقالوا بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام } أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي لبيد عن محمد بن كعب القرظي أو غيره قال { : حج آدم فلقيته الملائكة فقالت بر نسكك يا آدم لقد حججنا قبلك بألفي عام } .

    ( قال الشافعي ) وهو إن شاء الله تعالى كما قال ، وروى عن أبي سلمة وسفيان بن عيينة كان يشك في إسناده .

    ( قال الشافعي ) ويحكى أن النبيين كانوا يحجون فإذا أتوا الحرم مشوا إعظاما له ومشوا حفاة ، ولم يحك لنا عن أحد من النبيين ولا الأمم الخالية أنه جاء أحد البيت قط إلا حراما ولم يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة علمناه إلا حراما إلا في حرب الفتح فبهذا قلنا إن سنة الله تعالى في عباده أن لا يدخل الحرم إلا حراما وبأن من سمعناه من علمائنا قالوا فمن نذر أن يأتي البيت يأتيه محرما بحج أو عمرة ( قال ) ولا أحسبهم قالوه إلا بما وصفت وأن الله تعالى ذكر وجه دخول الحرم فقال { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ، إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين } ( قال ) فدل على وجه دخوله للنسك وفي الأمن وعلى رخصة الله في الحرب وعفوه فيه عن النسك وأن فيه دلالة على الفرق بين من يدخل مكة وغيرها من البلدان وذلك أن جميع البلدان تستوي لأنها لا تدخل بإحرام وإن مكة تنفرد بأن من دخلها منتابا لها لم يدخلها إلا بإحرام .

    . ( قال الشافعي ) إلا أن من أصحابنا من رخص للحطابين ومن مدخله إياها لمنافع أهلها والكسب لنفسه ورأيت أحسن ما يحمل عليه هذا القول إلى أن انتياب هؤلاء مكة انتياب كسب لا انتياب تبرر ، وأن ذلك متتابع كثير متصل فكانوا يشبهون المقيمين فيها ، ولعل حطابيهم كانوا مماليك غير مأذون لهم بالتشاغل بالنسك ، فإذا كان فرض الحج على المملوك ساقطا سقط عنه ما ليس بفرض من النسك ، فإن كانوا عبيدا ففيهم هذا المعنى الذي ليس في غيرهم مثله ، وإن كانت الرخصة لهم لمعنى أن قصدهم في دخول مكة ليس قصد النسك ولا التبرر وأنهم يجمعون أن دخولهم شبيه بالدائم [ ص: 155 ] فمن كان هكذا كانت له الرخصة ، فأما المرء يأتي أهله بمكة من سفر فلا يدخل إلا محرما لأنه ليس في واحد من المعنيين ، فأما البريد يأتي برسالة أو زور أهله وليس بدائم الدخول فلو استأذن فدخل محرما كان أحب إلي ، وإن لم يفعل ففيه المعنى الذي وصفت أنه يسقط به عنه ذلك ، ومن دخل مكة خائفا الحرب فلا بأس أن يدخلها بغير إحرام ، فإن قال قائل : ما دل على ما وصفت ؟ قيل الكتاب والسنة ، فإن قال وأين ؟ قيل قال الله تبارك وتعالى { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } فأذن للمحرمين بحج أو عمرة أن يحلوا لخوف الحرب ، فكان من لم يحرم أولى إن خاف الحرب أن لا يحرم من محرم يخرج من إحرامه ، ودخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح غير محرم للحرب ، فإن قال قائل : فهل عليه إذا دخلها بغير إحرام لعدو وحرب أن يقضي إحرامه ؟ قيل : لا ، إنما يقضي ما وجب بكل وجه فاسد ، أو ترك فلم يعمل ، فأما دخوله مكة بغير إحرام فلما كان أصله أن من شاء لم يدخلها إذا قضى حجة الإسلام وعمرته كان أصله غير قرض فلما دخلها محلا فتركه كان تاركا لفضل وأمر لم يكن أصله فرضا بكل حال فلا يقضيه ، فأما إذا كان فرضا عليه إتيانها لحجة الإسلام أو نذر نذره فتركه إياه لا بد أن يقضيه أو يقضى عنه بعد موته أو في بلوغ الوقت الذي لا يستطيع أن يستمسك فيه على المركب ، ويجوز عندي لمن دخلها خائفا من سلطان أو أمر لا يقدر على دفعه ، ترك الإحرام إذا خافه في الطواف والسعي ، وإن لم يخفه فيهما لم يجز له والله أعلم ، ومن المدنيين من قال : لا بأس أن يدخل بغير إحرام واحتج بأن ابن عمر دخل مكة غير محرم .

    ( قال الشافعي ) وابن عباس يخالفه ومعه ما وصفنا واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها عام الفتح غير محرم وأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها كما وصفنا محاربا ، فإن قال أقيس على مدخل النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : أفتقيس على إحصار النبي صلى الله عليه وسلم بالحرب ؟ فإن قال : لا ، لأن الحرب مخالفة لغيرها ، قيل : وهكذا افعل في الحرب حيث كانت ، لا تفرق بينهما في موضع وتجمع بينهما في آخر .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •