قول الإمام أحمد: “يا عباد الله، دلوني على الطريق”.. تفهيم ودفع شبهة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قول الإمام أحمد: “يا عباد الله، دلوني على الطريق”.. تفهيم ودفع شبهة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    7,386

    افتراضي قول الإمام أحمد: “يا عباد الله، دلوني على الطريق”.. تفهيم ودفع شبهة

    قول الإمام أحمد: “يا عباد الله، دلوني على الطريق”.. تفهيم ودفع شبهة



    جميل أن يعترف المرء بعدم العلم؛ فيسأل عما لا يعلم؛ امتثالًا لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ»(
    [1])، وأجمل منه أن يُرشَد إلى الطريق؛ فيجاب بالحكمة والموعظة الحسنة؛ انقيادًا لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين َ} [النحل: 125].
    وقد أشكل على بعضهم([2]) فهم بعض ما نقل عن الإمام أحمد أنه فعله، فقد روى عنه ابنه عبد الله، قال: سمعت أبي يقول: “حججتُ خمس حجج، منها ثنتين راكبًا، وثلاثة ماشيًا -أو: ثنتين ماشيًا وثلاثة راكبًا-، فضللت الطريق في حجّة، وكنت ماشيًا، فجعلت أقول: يا عباد الله، دلونا على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقعتُ على الطريق”، أو كما قال أبي.
    كما حاول بعض الصوفية وغيرهم توظيفَها لإثبات جواز الاستغاثة والتوسل بما يسمونهم برجال الغيب من الأولياء والصالحين، سواء كانوا أحياءً أو أمواتًا([3]).
    مدى ثبوت هذه الحكاية عن الإمام أحمد:
    هذه الحكاية صحيحة ثابتة عن الإمام أحمد في “مسائل ابنه عبد الله”([4])، كما رواها البيهقي في “شعب الإيمان” بسنده إلى عبد الله ابن الإمام أحمد([5])، وكذا الحافظ ابن عساكر في “تاريخ دمشق”([6]).
    ونظرًا لما اشتهر عن الإمام أحمد من تحريه للسنة واتباعها، وتركه للبدعة واجتنابها، فقد روى المرُّوذي عن الإمام أحمد أنه قال: “ما كتبت حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد عملتُ به، حتى مر بي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت”([7]).
    مستند الإمام أحمد فيما فعل:
    لعل الإمام أحمد اعتمد في فعله هذا على ما جاء من أحاديث وآثار في هذا الباب، ومن أشهرها:
    1- عن عتبة بن غزوان رضي الله عنه، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أضل أحدكم شيئًا، أو أراد أحدكم عونًا، وهو بأرض ليس بها أنيس، فليقل: يا عباد الله، أغيثوني، يا عباد الله، أغيثوني، فإن لله عبادًا لا نراهم»([8]).
    قال الطبراني: “وقد جُرِّب ذلك”([9]).
    2- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله ملائكةً في الأرض سوى الحفظة، يكتبون ما سقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة، فليناد: أعينوا عباد الله»([10]).
    قال البزار: “وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد”([11]).
    3- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “إن لله ملائكةً في الأرض يكتبون ما يقع في الأرض من ورق الشجر، فإن أصابت أحدًا منكم عرجة، أو احتاج إلى عون بفلاة من الأرض، فليقل: أعينوا عباد الله رحمكم الله، فإنه يعان إن شاء الله”([12]).
    قال البيهقي: “هذا موقوف على ابن عباس، مستعملٌ عند الصالحين من أهل العلم؛ لوجود صدقه عندهم فيما جربوا”([13]).
    4- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا انفلتت دابَّة أحدكم بأرض فلاةٍ فليناد: يا عباد الله، احبسوا، يا عباد الله، احبسوا، فإن لله حاضرًا في الأرض سيحبسه»([14]).
    قال النووي: “حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم أنه أفلتت له دابّة -أظنُّها بغلة- وكان يَعرفُ هذا الحديث، فقاله، فحبسَها الله عليهم في الحال، وكنتُ أنا مرّةً مع جماعة، فانفلتت منها بهيمةٌ وعجزوا عنها، فقلتُه، فوقفت في الحال بغيرِ سببٍ سوى هذا الكلام”([15]).
    وقد ربط ابن مفلح بين هذا الحديث -أعني: حديث ابن مسعود- وبين فعل الإمام أحمد لما ضلَّ الطريق، فقال: “يا عباد الله، دلونا على الطريق…”([16]).
    الخلاصة:
    نخلص مما سبق: أن من ذهب إلى تقوية هذه الأحاديث والآثار قال بها، خاصة رواية ابن عباس المرفوعة؛ فقد حسَّنها الحافظان: ابن حجر والسخاوي، كما تقدم في تخريجها.
    وكذا الرواية الموقوفة على ابن عباس، ولها حكم الرفع؛ إذ لا يقال مثل هذا الكلام من قِبَل الرأي؛ وهذه الرواية حسنها الشيخ الألباني([17]).
    والأقرب أن الإمام أحمد كان يذهب إلى تقوية بعض هذه الأحاديث؛ لذا يقول الشيخ الألباني: “ويبدو أن حديث ابن عباس الذي حسنه الحافظ كان الإمام أحمد يقوِّيه؛ لأنه قد عمل به“([18]).
    وأما من ذهب إلى تضعيف تلك الأحاديث أو توقف فيها، فإنه لم يعمل بها: كما هو الحال مع الإمام ابن المبارك؛ فقد أسند الهروي عنه -رحمه الله- أنه ضلَّ في بعض أسفاره في طريق، وكان قد بلغه أن من اضطرّ في مفازة، فنادى: عباد الله أعينوني، أُعِين، قال [يعني: ابن المبارك]: “فجعلتُ أطلب الجزء أنظر إسناده”. ثم قال الهروي معقِّبًا عليه: “فلم يستجز أن يدعو بدعاء لا يرضى إسناده”([19]).
    ما يستفاد من هذه الأحاديث والآثار إجمالًا:
    1- أن المراد بعباد الله: نوع من الملائكة في الأرض سوى الحفظة، يكتبون ما سقط من ورق الشجر، كما يقومون بإعانة من أصابه العرج، أو احتاج إلى مساعدة في طريقه، ولا يجوز أن يلحق بهم غيرهم من الجنّ أو الإنس الغائبين.
    2- أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أبان لنا أن هذا الصنف من الملائكة خلقهم الله تعالى لوظيفة إعانة من أصابه العرج أو احتاج إلى العون والمساعدة، كما شرع لنا صلى الله عليه وسلم طلب المساعدة منهم حينئذٍ.
    3- أن من طلب من هؤلاء الملائكة ما خلقوا من أجله -من الإعانة ونحوها- فقد طلب من مخلوق شيئًا مقدورًا عليه، وقد خلقه الله تعالى لأداء تلك المهمة والوظيفة، وتلك استغاثة واستعانة مشروعة، وفيما يأتي بيان معناها وشروطها.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -في تقرير معنى الاستغاثة والاستعانة المشروعة والممنوعة-: “والاستغاثة: طلب الغوث: وهو إزالة الشدة؛ كالاستنصار: طلب النصر، والاستعانة: طلب العون، والمخلوق يُطلَب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها، كما قال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُم ْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال: 72]، وكما قال: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15]، وكما قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]”([20]).
    وقال أيضًا: “فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فلا يجوز أن يطلب إلا من الله سبحانه، لا يطلب ذلك لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم، ولا يجوز أن يقال لغير الله: اغفر لي، واسقنا الغيث، وانصرنا على القوم الكافرين، أو اهد قلوبنا، ونحو ذلك”([21]).
    وبهذا يتضح أن فعل الإمام أحمد لم يخرج عن الاستغاثة والاستعانة المشروعة، وهو متبع في هذا لما جاءت به الأحاديث والآثار.
    والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه.

    تابع المراجع:

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    7,386

    افتراضي رد: قول الإمام أحمد: “يا عباد الله، دلوني على الطريق”.. تفهيم ودفع شبهة

    (المراجع)
    ([1]) أخرجه أبو داود (336)، وابن ماجه (572)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. قال الحافظ في التلخيص (1/ 395): “صححه ابن السكن”، وحسنه الألباني في تمام المنة في التعليق على فقه السنة (ص: 131).([2]) ورد سؤال إلى موقع “الإسلام سؤال وجواب” بهذا المعنى؛ ودونك رابطه، والجواب عنه:https://islamqa.info/ar/answers/1812...84%D9%84%D9%87

    ([3])

    ينظر بعض كلامهم في هذا الرابط:
    http://www.souhnoun.com/%D9%85%D8%AE...7%D8%AB%D8%A9/([4]) مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله (ص: 245).([5]) شعب الإيمان (10/ 141).([6]) تاريخ دمشق (5/ 298).([7]) ينظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 144)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص: 246).([8]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (17/ 117)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 132): “رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم، إلا أن زيد بن علي لم يدرك عتبة”، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (2/ 110).([9]) المعجم الكبير (17/ 117).([10]) أخرجه البزار (4922)، وقال الهيثمي في المجمع (10/ 132): “رجاله ثقات”، وقال الحافظ -كما في الفتوحات الربانية لابن علان (5/ 151)-: “هذا حديث حسن الإسناد، غريب جدًّا”، وحسَّنه الحافظ السخاوي في “الابتهاج بأذكار المسافر والحاج” (ص: 39)، ورجح الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (2/ 112) وقفه على ابن عباس.([11]) مسند البزار (11/ 181).([12]) أخرجه البيهقي في الآداب (ص: 269)، وفي شعب الإيمان (10/ 140-141).([13]) الآداب (ص: 269).([14]) أخرجه أبو يعلى (5269)، والطبراني في المعجم الكبير (10/ 217)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (508)، وقال الهيثمي في المجمع (10/ 132): “فيه معروف بن حسان، وهو ضعيف”، وقال الحافظ السخاوي في “الابتهاج بأذكار المسافر والحاج” (ص 39): “وسنده ضعيف”، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (2/ 108).([15]) الأذكار (ص: 224).([16]) الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 429).([17]) سلسلة الأحاديث الضعيفة (2/ 112).([18]) المرجع نفسه (2/ 111).([19]) ذم الكلام وأهله (4/ 14-16).([20]) مجموع الفتاوى (1/ 103-104).([21]) المرجع نفسه (1/ 329).


    https://salafcenter.org/3873/

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    7,386

    افتراضي رد: قول الإمام أحمد: “يا عباد الله، دلوني على الطريق”.. تفهيم ودفع شبهة

    الاستدلال على جواز الاستغاثة بحديث : " إذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله ".

    181206

    السؤال

    يدعي الصوفية أن الإمام أحمد يعتقد في التوسل والاستغاثة . شعب الإيمان – ح 7697 (ج 6 / ص 128( - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سمعت أبي يقول : حججت خمس حجج اثنتين راكب و ثلاث ماشي أو ثلاث راكب و اثنتين ماشي فضللت الطريق في حجة و كنت ماشيا فجعلت أقول يا عباد الله دلوني على الطريق قال : فلم أزل ذلك حتى وقفت على الطريق أو كما قال أبي . و يدعمون قولهم عن الإمام أحمد برواية في شعب الإيمان وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله عز و جل ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما سقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله يرحمكم الله تعالى ). رواه البزار من طريق حاتم بن إسماعيل عن أسامة بن زيد حدثني أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن عباس.
    وبناء على هذا فيستحب التوسل بالنبي صلى الله عليه و سلم في الدعاء بناء على قول الإمام أحمد . من فضلكم أرجو الرد في أقرب وقت ممكن .
    نص الجواب


    الحمد لله.

    أولاً :
    روى البزار (4922) من طريق أسامة بن زيد الليثي ، عن أبان بن صالح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس مرفوعاً : ( إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ سِوَى الْحَفَظَةِ ، يَكْتُبُونَ مَا سَقَطَ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ عَرْجَةٌ بِأَرْضٍ فَلاةٍ فَلْيُنَادِ : أَعِينُوا عِبَادَ اللَّهِ ).
    قال البزار : " وَهَذَا الْكَلامُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم بِهَذَا اللَّفْظِ إلاَّ مِن هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ " انتهى من "مسند البزار" (11/ 181) .
    وقد أعل هذا الحديث بعلتين :
    الأولى : أن مداره على أسامة بن زيد الليثي.
    وهو من الرواة المختلف فيهم عند علماء الجرح والتعديل ، فمنهم من وثقه ، ومنهم من ضعفه ، وعلى كل حال ففي حفظه وضبطه كلام .
    قال الإمام أحمد : " إن تدبرت حديثه ستعرف النكرة فيها ". انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (2/ 76).
    وقال الحافظ الذهبي عنه : " صَدُوق يهم ، اخْتلف قَول يحيى الْقطَّان فِيهِ ، وَقَالَ أحْمَد: لَيْسَ بِشَيْء ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقَالَ ابْن عدي : لَيْسَ بِهِ بَأْس ".
    انتهى من "المغني في الضعفاء " (1/ 66).
    وكذلك قال فيه الحافظ في التقريب : " صدوق يهم ". انتهى من " تقريب التهذيب " (ص: 98).
    الثانية : أن الرواة عن أسامة بن زيد اختلفوا عليه في هذا الحديث ، فمنهم من رواه عنه مرفوعاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من رواه موقوفاً على ابن عباس من قوله .
    وقد تفرد بروايته مرفوعاً : حاتم بن إسماعيل ، وأخرج روايته البزار في "مسنده" (4922).
    وخالفه أربعة من الرواة وهم :
    1=عبد الله بن فروخ ، وأخرج روايته البيهقي في "شعب الإيمان" (1/325).
    2= وروح بن عبادة ، وأخرج روايته البيهقي في "شعب الإيمان" (10/140).
    3= وجعفر بن عون ، وأخرج روايته البيهقي في "شعب الإيمان" (10/140).
    4= وأبو خالد الأحمر ، وأخرج روايته ابن أبي شيبة في " المصنف " (6/ 91).
    فرووه كلهم عن أسامة بن زيد الليثي ، فجعلوه من قول ابن عباس .
    ولا شك أن رواية الوقف أرجح ؛ لأن رواتها أكثر عدداً ، وأشد ضبطاً ، فهم أبعد عن الخطأ والوهم .
    قال الإمام الشافعي : " وَالْعَدَدُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنَ الْوَاحِدِ" انتهى من "اختلاف الحديث" صـ 177.
    وقال الحافظ شمس الدين الذَّهبي : " وإن كان الحديثُ قد رواه الثَّبتُ بإسنادٍ ، أو وَقَفَهُ ، أو أرسلَهُ ، ورفقاؤه الأثباتُ يخالفونه ، فالعبرةُ بما اجتمع عليه الثقات ، فإنَّ الواحد قد يَغلَط ، وهنا قد ترجَّح ظهور غلطه فلا تعليل ، والعبرةُ بالجماعة ". الموقظة صـ52.
    فالراجح في هذا الحديث - إن حكمنا بقبوله - أنه من قول ابن عباس ، وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم .
    قال البيهقي: " هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ الصَّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لِوُجُودِ صِدْقِهِ عِنْدَهُمْ فِيمَا جَرَّبُوا ". انتهى من " الآداب " (ص: 269).
    وممن عمل بهذا الحديث : الإمام أحمد بن حنبل .
    قال عبد الله بن الإمام أحمد : " سمعت أبي يقول : حججْت خمس حجج ، منها ثنتين راكبًا ، وثلاثة ماشياً أو ثِنْتَيْنِ ماشياً وثلاثة راكبًا ، فضللت الطَّرِيق في حجَّة ، وكنت مَاشِيا ، فجعلت أقول : يا عباد الله دلوني على الطَّرِيق ، فلم أزل أقول ذلك حتى وقفتُ على الطريق ".
    انتهى من "مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله" (ص: 245) ، وينظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (5/ 298).ثانياً :
    من الأمور المهمة التي ينبغي التنبه لها أن ضابط الاستغاثة التي تكون شركاً هو : " سؤال غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله ".
    أما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه فليست من الشرك في شيء .
    والأثر المذكور فيه إخبار عن وجود صنف من الملائكة ، وهم أحياء ، حياتهم الطبيعية الملائمة لهم ؛ جعلهم الله في الأرض لإعانة التائهين وإرشادهم ودلالتهم على الطريق ، فمن طلب منهم الإعانة فقد طلب من مخلوقٍ شيئاً يقدر عليه ، وأرصده الله له .
    وشتان بين هذا وبين أن يطلب من مخلوق ميت ، أو غائب أن يشفي مريضه ، وأن يرزقه مولودا ، وأن ييسر ولادة زوجته ، أو أن يرحمه ويعافيه ، ونحو ذلك من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " وَالِاسْتِغَاثَ ةُ : طَلَبُ الْغَوْثِ ، وَهُوَ إزَالَةُ الشِّدَّةِ ، كَالِاسْتِنْصَا رِ طَلَبُ النَّصْرِ ، وَالِاسْتِعَانَ ةِ طَلَبُ الْعَوْنِ ، وَالْمَخْلُوقُ يُطْلَبُ مِنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُم ْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) ، وَكَمَا قَالَ: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى).
    وَأَمَّا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ ؛ فَلَا يُطْلَبُ إلَّا مِنْ اللَّهِ ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (1/103).
    وقال : " فَأَمَّا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَبَ إلَّا مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، لَا يُطْلَبُ ذَلِكَ لَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، وَلَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِغَيْرِ اللَّهِ: اغْفِرْ لِي ، وَاسْقِنَا الْغَيْثَ ، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ، أَوْ اهْدِ قُلُوبَنَا ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ... فَأَمَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْبَشَرُ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (1/329).
    وقال: " وَقَدْ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْحَيَّ يُطْلَبُ مِنْهُ الدُّعَاءُ كَمَا يُطْلَبُ مِنْهُ سَائِرُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْمَخْلُوقُ الْغَائِبُ وَالْمَيِّتُ ، فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ شَيْءٌ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (1/344) .
    وقال : " الْأُمُورَ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُ اللَّهِ لَا تُطْلَبُ مِنْ غَيْرِهِ مِثْلُ: إنْزَالِ الْمَطَرِ ، وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ ، وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ ، وَالْهُدَى مِنْ الضَّلَالَاتِ ، وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ". انتهى من " مجموع الفتاوى" (1/370).
    وقد أكثرنا من النقول عن شيخ الإسلام في هذه النقطة لكثرة اللبس فيها والتلبيس عند أهل الأهواء والبدع .
    وقال الشيخ صالح آل الشيخ : " والحديث لا يدل على ما يدعيه المبطلة من سؤال الموتى ونحوهم ، بل إنه صريح في أن من يخاطبه ضالُّ الطريق هم : الملائكة ، وهم يسمعون مخاطبته لهم ، ويقدرون على الإجابة بإذن ربهم ؛ لأنهم أحياء ممكَّنون من دلالة الضال ، فهم عباد لله ، أحياء يسمعون ، ويجيبون بما أقدرهم عليه ربهم ، وهو إرشاد ضالي الطريق في الفلاة ، ومن استدل بهذه الآثار على نداءِ شخص معين باسمه ، فقد كذب على رسول الله ، ولم يلاحظ ويتدبر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وذاك سيما أهل الأهواء .
    إذا تبين هذا : فالأثر من الأذكار التي قد يتساهل في العمل بها مع ضعفها ؛ لأنها جارية على الأصول الشرعية ، ولم تخالف النصوص القرآنية ، والأحاديث النبوية، ثم هو مخصوص بما ورد به الدليل؛ لأن هذا مما لا يجوز فيه القياس لأن العقائد مبناها على التوقيف". هذه مفاهيمنا (ص: 56) ، بتصرف يسير .
    والحاصل :
    أن ما لا يقدر عليه إلا الله ، وما هو من خصائص ربوبيته ، كالإحياء والإماتة ، والرزق ... كل هذا لا يسأل من غيره سبحانه ، ومن استغاث بغير الله في شيء من ذلك ، فقد أشرك .
    وأما ما يقدر عليه الخلق ، فلا حرج في سؤاله من يقدر على ذلك الشيء منهم ، والاستغاثة بهم فيه ؛ بشرطين : أن يكون المستغاث به : حيا ، حاضرا ، قادرا على ذلك الشيء .
    وللاستزادة ينظر جواب السؤال :(132642) .
    والله أعلم .

    المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •