علم مصطلح الحديث عند الشيعة.
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3
2اعجابات
  • 1 Post By حسن يوسف حسن
  • 1 Post By محمدالمطيري

الموضوع: علم مصطلح الحديث عند الشيعة.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2012
    المشاركات
    119

    Post علم مصطلح الحديث عند الشيعة.

    علم مصطلح الحديث عند الشيعة.

    المقدمة:

    الحمد لله على نعمه، وأعوذ به من عقوباته ونقمه، وأشهد أن لا إلاه إلا الله، وحده لا شريك له، وأقر له بجلاله وعِظَمه، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، الذي أعطاه ربه جوامع كلمه، وانتجب له ثلةً من الصالحين لحراسة حديث نبيهم من الدس والوضع، فمايزوا بين صحيحه وسقمه، وبعد:
    فقد ابتنى المسلمون صرحًا شامخًا وجبلًا راسخًا كي يدفعوا به عن دينهم من تعديات الجاهلين والغالين والمبطلين، وكان ذلك بعد يقينهم الجازم وإيمانهم القاطع بأن القرآن الكريم قد تكفل الله –عز وجل- بحفظه.
    فحفظته الصدور، وحوته السطور، ووعته العقول، وترجمته الأحوال والفُعُول.
    وكان من أمر القرآن المجيد أن تناقله الناس بالتواتر، فحمله جيلٌ عن جيلٍ دون زيادةٍ في متنه أو نقصانٍ أو تبديلٍ أو تقديمٍ أو تأخير.
    وبقي أمر السنة المشرفة، تلك الأحاديث المروية عن النبي –صلى الله عليه وسلم- من الصحابة –رضي الله عنهم.
    فاحتيج إلى التثبت من صحتها لما فُقِدَ فيها شرط التواتر الموجود في القرآن الكريم.
    وبالأخص لما ركب الناس الصعب والذلول، وكَثُرَ أهل البدع والأهواء.
    فانبرى العلماء من لدن الصحابة –رضوان الله عنهم- مرورًا بالتابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا: فامتحنوا الرواة، وجمعوا الطرق، وقارنوا الأسانيد والمتون، واستخلصوا القواعد والأصول، وميزوا بين المرفوع والموقوف والمقطوع، وغير ذلك الكثير من الجهود، كل ذلك حتى تبقى السنة النبوية نقية وغضة طرية، كأنك تسمع من النبي –صلى الله عليه وسلم- كفاحًا.
    ولم يأخذهم في الله مخافة لائم، ولا كانوا يبالون بشيء في ذات الله –سبحانه-.
    قال الخطيب البغدادي –رحمه الله-: "فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ يُحَابِي فِي الْحَدِيثِ أَبَاهُ، وَلَا أَخَاهُ، وَلَا وَلَدَهُ. وَهَذَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ، وَهُوَ إِمَامُ الْحَدِيثِ فِي عَصْرِهِ، لَا يُرْوَى عَنْهُ حَرْفٌ فِي تَقْوِيَةِ أَبِيهِ بَلْ يُرْوَى عَنْهُ ضِدُّ ذَلِكَ"([1]).
    وقال ابن حبان –رحمه الله- : وَقد سُئِلَ عَليّ ابن الْمَدِينِيّ عَن أَبِيه فَقَالَ: "اسألوا غَيْرِي"، فَقَالَ: "سألناك"، فَأَطْرَقَ، ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ: "هَذَا هُوَ الدين، أبي ضَعِيف"([2]).
    وكذلك، لم يحابوا أصحابهم المحبين لهم، فهذا يحيى بن معين، ينقل عنه الحسين بن حبان قوله في صاحبه محمد بن سليم البغدادي: "وأما ابن سليم، فهو والله صاحبنا، وهو لنا محب، ولكن ليس فيه حيلة البتة، وما رأيت أحدا قط يشير بالكتاب عنه، ولا يرشد إليه".،،
    وفي موضع آخر: قلت لأبي زكريا: محمد بن سليم؟ فقال: "قد والله سمع سماعا كثيرا، وهو معروف، ولكنه لا يقصر على ما سمع، يتناول ما لم يسمع"، قلت له: يُكْتَب عنه؟ قَالَ: "لا"([3]).
    ومن عجائب هذا الشأن أيضًا: كلام جرير بن عبد الحميد في أخيه أنس، حيث قال: "لا يكتب عنه، فإنه يكذب في كلام الناس"([4]).
    وهذا أبو داود السجستاني، يتكلم في ولده عبد الله([5])، –إن صحت الحكاية عنه في ذلك-.
    ومن إنصافهم، قبولهم وروايتهم عن خصومهم.
    فالإمام البخاري –رحمه الله- يروي في صحيحه عن شيخه محمد بن يحيى الذهلي، على ما كان بينهما من الجفاء والشحناء، وذلك بسبب اتهام الذهلي للبخاري في خلق القرآن([6]).
    ثم بالإمكان أن نتتبع عشرات الأمثلة، بل المئات منها، تنبئ عن دقة هذا العلم الجليل الذي أقاموا قواعده، وغرسوا أصوله، وثبتوا أركانه، واحتاطوا فيه من القريب قبل الغريب.
    وكان هذا العلم، (أعني قانون الرواية) محطَّ إعجاب بعض المستشرقين المنصفين، الذين أشادوا بهذا العلم المتين، يقول المستشرق الألماني سبرنجر Sprenger: (إن الدنيا لم ترَ ولن ترى أمة مثل المسلمين، فقد درس بفضل علم الرجال الذي أوجدوه حياة نصف مليون رجل([7]).
    حتى القس المستشرق الإنجليزي (دافيد صموئيل مرجليوث) رغم عدائه الشهير للإسلام إلا أنه لم يتمالك نفسه أمام توثيق المسلمين للرواية إلا أن يقول: (ليفتخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم([8]).
    هذه الشهادات وغيرها تدل على أن المسلمين جاءوا بعلمٍ فريدٍ لم يسبقهم إليه أحدٌ ممن سبقهم من الأمم.

    موقف الشيعة من السنة والإسناد:

    وهنا وقفة، وهي أن الشيعة هم أعظم الأسباب التي دعت إلى التثبت من أحاديث الرجال، وإن كان هذا الأمر موجود عند الصحابة من قبل ظهور الشيعة وغيرهم، لكنه اشتدَّ وعظم بعد بروز تلك الطوائف الضالة في الميدان.
    وذلك لأن الشيعة كانوا أكثر الطوائف وضعًا للحديث، وخاصة ما كان في إثبات عقائدهم الفاسدة، مثل الإمامة، والتقية، والرجعة، والغلو في آل البيت، الخ.
    قال الشافعي –رحمه الله- : "لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ الأَهْوَاءِ، أَشْهَدُ بِالزُّورِ مِنَ الرَّافِضَةِ"([9]).
    لذلك: يلزم أن يكون الشيعة هم أحرص الناس على معادات الأسانيد، ومحاربة أهل التحقيق والتدقيق.
    ولما لم يجدوا بُدَّا من مجارات الواقع حولهم، ومسايرة أحوال غالب المسلمين في أيامهم: عمدوا إلى تركيب الأسانيد لتلك المتون التي صنعوها ونحلوها إلى أهل البيت، مثل الصادق والباقر وزين العابدين والحسن والحسين وعلي بن أبي طالب، -رضي الله عنهم أجمعين-.
    وإن من العجب العجاب: أن القوم بلغ من شنآنهم على أهل السنة أن يقلدوهم من قبيل المكايدة والمزايدة عليهم في علم مصطلح الحديث، مع أن أمر الإسناد لا يعنيهم في شيء، بل إن عامة الشيعة اليوم وهم من الأصوليين، لا يعبأون بالروايات والأخبار المخجلة التي قامت مدرسة الإخباريين بفضح الشيعة بروايتها.
    يقول محمد حسين آل كاشف الغطا: "إن الشيعة لا يعتبرون من السنة (يقصد الأحاديث النبوية) إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت، أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب ومروان بن الحكم وعمران بن حطان الخارجي وعمرو بن العاص ونظائرهم: فليس لهم عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة([10]).
    هذا مع الأخذ بعين الاعتبار عدم اتفاق الشيعة مع أهل السنة والجماعة في موضوع السنة، والذي هو عند أهل السنة أحاديث النبي –صلى الله عليه وسلم- ، أما عند الشيعة فهي ما ينسب إلى المعصوم، والمراد بالمعصوم هو واحد من الأئمة الاثني عشر.
    يقول جعفر السبحاني: "الحديث : هو كلام يحكي قول المعصوم أو فعله أو تقريره"([11]).
    ويقول في الحديث الصحيح: "الحديث الصحيح: هي الرواية التي اتصلت فيها سلسلة الرواة بالمعصوم، وكانوا ثقاة في الحديث، مع كونهم إمامية اثني عشرية"([12]).
    إذًا: الشيعة تشترط العصمة في من ينقل عنه الخبر، ولكن من هو المعصوم في اصطلاح القوم؟
    قال ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق: "اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة -عليهم السلام- أنهم معصومون مطهرون من كل دنس , وأنهم لا يذنبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا , ولا يعصون ما أمرهم , ويفعلون ما يؤمرون , ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم , ومن جهلهم فهو كافر، واعتقادنا فيهم أنهم معصومون موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم وأواخرها، لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا عصيان ولا جهل"([13]).
    لكن العصمة عند أهل السنة تعني عصمة الأنبياء والملائكة فقط، ولا تتعداهم إلى غيرهم من عباد الله، مهما كانت مكانتهم، وإنما معناها إذا ما أضيفت إلى الأنبياء: أنها تكون في التبليغ وأدائ الوحي كما أنزل عليهم.
    هذا ما أجمع عليه المسلمون، وقد اختلفوا في العصمة، هل تشمل عدم اقترافهم للذنوب بنوعيها من الكبائر والصغائر؟ ، أم هي تتعلق بالصغائر فقط؟ ، على قولين:
    والقول الأول قد تأولوا الآيات والأحاديث الواردة في أن الأنبياء قد يتعطون بعض الذنوب الصغيرة، فهم يمنعون من وقوع هذا من الأنبياء.
    والقول الثاني (وهو قول الجمهور) وهو أنه يجوز في حق الأنبياء الإتيان بصغائر الذنوب دون إصرارٍ عليها، وهم في التوبة منها قدوة لغيرهم([14]).
    نعم، أهل السنة تروي الأحاديث عن الصحابة والتابعين، ولكنهم لا يطلقون وصف العصمة على كلامهم كما تصنع الشيعة.
    يقول الحسن الصدر: "ما لا ينتهي إلى المعصوم ليس حديثا عندنا إجماعا"([15]).
    فكما هو واضح، أن الشيعة يتحدثون عن سنة أخرى بخلاف معناها عند أهل السنة والجماعة، وأنهم ليس لهم كبير عناية بالأسانيد ولا ضبطها.

    أهم السمات التي يتميز بها منهج الشيعة في علوم الحديث:

    سيأتي بيان منهج الشيعة في علوم الحديث، وسيظهر من خلال ما سنورده فيما يلي من السطور أن القوم ليس لهم منهج بالمعناى المفهوم في اصطلاح الدارسين، وقد حاولت أن أقف على بعض معالم وملامح هذا المنهج عند الشيعة، ولم أقصد استعابه لطول ذلك، مستفيدًا من بعض البحوث والدراسات السابقة في هذا الشأن، مثل: مقدمة الشيخ محمد مال الله على كتاب "أخبار الشيعة وأحوال رواتها" للألوسي، و "علوم الحديث بين أهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية الاثني عشرية" للدكتور سردار دميرل ، وكتاب "علم الحديث بين أصالة أهل السنة وانتحال الشيعة" لأشرف الجيزاوي،وكتاب "مشكلة الحديث" ليحيى محمد، وهذه بعض المعالم الرئيسة في بيان ذلك:

    1 - رخاوة المنهج واضطرابهم فيه:

    وذلك لفصلهم بين التقعيد والتطبيق، وقد أوقعهم هذا في التناقض والتضارب.
    وحتى تتضح السورة: فإن الحديث الصحيح عند الشيعة هو: (كل ما اتصل رواته بالمعصوم بواسطة عدل إمامي).
    فالتعريف يشترط الاتصال كما هو ظاهر، ولكنهم تناقضوا مع أنفسهم كثيرًا في هذا الأمر.
    فإذا نظرنا في رواياتهم عن محمد ابن أبي عمير([16]): فإنهم يصححون ما جاء من طريقه وإن كان مرسلًا.
    فإن قيل: من الأئمة عند أهل السنة من يقال في حقه: "لا يروي إلا عن ثقة" ، ومنهم من حكم عليه العلماء بصحة مراسيله كالشعبي؟
    فيُجَابُ عليه بأن هذا ليس بمجمع عليه عند عامة العلماء، كما اتفقت الشيعة على تصحيح جميع مراسيل ابن أبي عمير([17])، ولكن إذا قيل مثل هذا في أحد التابعين: فإنما يحمل على المعنى الغالب، ويبقى سبر مرويات الواحد منهم وعرضها على غيرها هو الحَكَم والقول الفصل.
    كذلك ينبغي تفقد جميع روايات المحدث، حتى نتبين من صحة هذا الزعم بأنه لا يروي إلا عن ثقة.
    والذي أدَّى بالشيعة إلى هذا الاختلال في المنهج: هو طريقتهم العاطفية في قبول الروايات، فتعظيمهم لابن عميرٍ هذا جعلهم على التسليم والتصحيح لما أرسل وأسند على حدٍ سواء.
    ينقل النجاشي في كتابه الرجال عن الجاحظ أنه قال في كتابه (البيان والتبيين) حدثني إبراهيم بن داحة عن ابن أبي عمير، وكان وجها من وجوه الرافضة، وكان حبس في أيام الرشيد فقيل: "لِيَلِي القضاء". وقيل: "إنه ولي بعد ذلك". وقيل: "بل ليدل على مواضع الشيعة وأصحاب موسى بن جعفر عليه السلام"، وروي أنه ضرب أسواطا بلغت منه، فكاد أن يقر لعظم الألم، فسمع محمد بن يونس بن عبد الرحمن وهو يقول: اتق الله يا محمد بن أبي عمير، فصبر ففرج الله، وروي أنه حبسه المأمون حتى ولاه قضاء بعض البلاد، وقيل: "إن أخته دَفنت كتبه في حال استتارها وكونه في الحبس أربع سنين، فهلكت الكتب". وقيل: "بل تركتها في غرفة، فسال عليها المطر، فهلكت، فحدث من حفظه". ومما كان سلف له في أيدي الناس، فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله وقد صنف كتبا كثيرة([18]).
    وقد تمرد بعض الشيعة على هذه المُسَلَّمَة عند جماهيرهم، ومن أمثال هؤلاء الخوئي في موسوعته، فقد أطال البحث في الرد على زعمهم هذا([19])، ولا يستغرب هذا منه، فقد أكثر من شذوذاته عنهم، وهو الذي خالف في ولاية الفقيه، وأنكر كون رقية وزينب وأم كلثوم ربائب للنبي –صلى الله عليه وسلم- ، وأثبت أن هن بناته، وأنكر كذلك النص على أسماء الأئمة الاثني عشر.
    فإن قال بعض القوم: "إن لنا استثناءات على قاعدتنا في تضعيف المراسيل".
    قيل: وما هي؟
    فقالوا: "مراسيل الأجلاء، وهم: ابن أبي عمير، وصفوان، والبزنطي، ومراسيل أصحاب الإجماع، والمراسيل المؤيدة بغيرها، والتي لم يعارضها مسند صحيح، ومراسيل الثقة الذي شهد بصحتها واعتمادها، كمراسيل الصدوق في كتابه (من لا يحضره الفقيه) وهي من أهم المراسيل عند الإمامية، ومراسيل الجليل الثقة الذي لم يتقيد بالرواية عن الثقات([20])، كل هذه المراسيل مقبولة عند الشيعة.
    فيجاب عليهم بأن كل هذه الاستثناءات تفسد القاعدة، فقد استغرقت تقريبًا كل ما تصدق عليه، وبخاصة تلك المشار إليها (مراسيل الثقة الذي شهد بصحتها واعتمادها) ثم مثل لها بمراسيل الشيخ الصدوق في كتابه (من لا يحضره الفقيه).
    وابن بابويه القمي (الصدوق) هو مسندهم، أعني أن جل رواياتهم المسندة وغيرها تأتي من جهته، فهذا يستلزم صحة أكثر هذه المراسيل، وهذا مسلك غير منضبط ولا متزن، فهو باب فوضة مفتوح على مصرعيه.
    وأفحش من الاستثناء الأول الذي ذكرناه: هذا الاستثناء الأخير الوارد في كلامهم، وهو: (مراسيل الجليل الثقة الذي لم يتقيد بالرواية عن الثقات) فهذا مطلوبٌ منا أن نأخذ بروايته دون تقصي ولا بحث، مع معرفتنا أنه قد يروي عن ضعيف أو كذاب، فهو لم يتقيد بالرواية عن ثقة مثله!
    فالقوم يحتالون ويتحيلون بكل سبيل لتمرير أحاديثهم الموضوعة والمكذوبة بدون قواعد ولا قيود، ولكن يلبسون كلامهم حُلَّة التقعيد والتأصيل، وهم أبعد الناس عن هذا كله.

    2 - تقليد أهل السنة في علم مصطلح الحديث.

    وكان مبتدأ هذا في القرن السابع الهجري، حيث أنه كان رَدَّة فعل على تعيير أهل السنة لهم بانعدام المنهج في تصحيح الروايات أو تضعيفها.
    ينقل الحُرُّ العاملي عن شيخهم محمد بن الشيخ حسن بن الشهيد الثاني في بعض تحقيقاته وهو يذكر الفائدة من روايتهم للأخبار بالأسانيد فيقول: والفائدة في ذكره مجرد التبرك باتصال سلسلة المخاطبة اللسانية ودفع تعيير العامةِ([21]) الشيعة بأن أحاديثهم غير معنعنة، بل منقولة من أصول قدمائهم، وأن طريقة المتقدمين مباينة لطريقة العامة، والاصطلاح الجديد موافق لاعتقاد العامة واصطلاحهم، بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر بالتتبع وكما يفهم من كلامهم الشيخ حسن وغيره، وقد أمرنا الأئمة -عليهم السلام- باجتناب طريقة العامة وقد تقدم بعض ما يدل على ذلك في القضاء في أحاديث ترجيح الحديثين المختلفين وغيرها([22]).
    فهذا يَرُدُّنا إلى مسألة المكايدة التي تحدثنا عنها في أول البحث، وقد تبين للكافة أن الأمور التي أساسها المكايدة لا تأتِ بخير في غالب الأحوال، لأنها حينئذٍ سيعتريها أنموذج المثال المشوه من الأصل النقي، فتصبح شيءً ممسوخًا بلا قيمة.
    يقول الألوسي –رحمه الله-: "ومن مكائدهم أن جماعة من علمائهم اشتغلوا بعلم الحديث أولا وسمعوا من ثقات المحدثين من أهل السنة -فضلا عن العوام-، ولكن الله -سبحانه وتعالى- قد تفضل على أهل السنة فأقام لهم من يميز بين الطيب والخبيث، وصحيح الحديث وموضوعه، حتى إنهم لم يخفَ عليهم وضع كلمة واحدة من الحديث الطويل، ومن مكائدهم أنهم ينظرون في أسماء الرجال المعتبرين عند أهل السنة، فمن وجدوه موافقا لأحد منهم في الاسم واللقب أسندوا رواية حديث ذلك الشيعي إليه، فمن لا وقوف له من أهل السنة يعتقد أنه إمام من أئمتهم فيعتبر بقوله ويعتد بروايته، كالسدي فإنهما رجلان أحدهما السدي الكبير، والثاني السدي الصغير، فالكبير من ثقات أهل السنة، والصغير من الوضاعين الكذابين وهو رافضي غال، وعبد الله بن قتيبة رافضي غالٍ، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة من ثقات أهل السنة، وقد صنف كتابا سماه بالمعارف، فصنف ذلك الرافضي كتابا وسماه بالمعارف أيضا قصدا للإضلال"([23]).
    ويبدو أن الذهنية أو النفسية الشيعية تشعر بالخلل والنقص مما جره عليها منابذتها لكل أصول الدين وفروعه، ولم تستفق من هذه المنابذة إلا بعد فوات الأوان، فقد استطاع عامة المسلمين من تطوير علومهم، وتجديد أفكارهم، وعملوا على جعلها أكثر قوة وثباتًا وتحضرًا.
    وتلك المجاراة لأهل السنة التي حاولها بعض الشيعة، قد قاومها آخرون مقاومةً عنيفةً، فلم يرضوا أن يصطبغ مذهبهم بالصبغة العلمية التي فيها تقسيم وتقعيد الخ.
    يقول يوسف البحراني في رده على من حاول من الشيعة تنويع الحديث وتقسيمه والأخذ بقواعد علم المصطلح: "لنا على بطلان هذا الاصطلاح وصحة أخبارنا وجوه، الأول) ما قد عرفت في المقدمة الأولى من أن منشأ الاختلاف في أخبارنا إنما هو التقية من ذوي الخلاف لا من دس الأخبار المكذوبة حتى يحتاج إلى هذا الاصطلاح، على أنه متى كان السبب الداعي إنما هو دس الأحاديث المكذوبة كما توهموه، ففيه أنه لا ضرورة تلجئ إلى اصطلاحهم"([24]).
    فعلم الحديث واصطلاحاته وتقاسيمه من الأمور الدخيلة على معارف الشيعة، وإذا اشتغلوا به كان هذا العلم بمثابة مِعْوَلِ هدم لعقائدهم وجميع علومهم.
    قال الأعلمي الحائري: "ومن المعلومات التي لا يشك فيها أحد أنه لم يصنف في دراية الحديث من علمائنا قبل الشهيد الثاني، وإنما هو من علوم العامة"([25]).
    ويقول الحُرُّ العاملي في معرض رده على من تمسك بالاصطلاح الجديد –وهو علم الحديث عندهم- : "إن الأخذ بالاصطلاح الجديد يستلزم ضعف أكثر الأحاديث التي قد علم نقلها من الأصول المجمع عليها لأجل ضعف بعض رواتها أو جهالتهم أو عدم توثيقهم، فيكون تدوينها عبثا بل محرما، وشهادتهم بصحتها زورا وكذبا، ويلزم بطلان الاجماع الذي علم دخول المعصوم فيه أيضا كما تقدم، واللوازم باطلة وكذا الملزوم، بل يستلزم ضعف الأحاديث كلها عند التحقيق لأن الصحيح عندهم ما رواه العدل الامامي الضابط في جميع الطبقات، ولم ينصوا على عدالة أحد من الرواة إلا نادرًا، وإنما نصوا على التوثيق، وهو لا يستلزم العدالة قطعا بل بينهما عموم من وجه كما صرح به الشهيد الثاني وغيره، ودعوى بعض المتأخرين أن الثقة بمعنى العدل الضابط ممنوعة، وهو مطالب بدليلها، وكيف؟ وهم مصرحون بخلافها حيث يوثقون من يعتقدون فسقه وكفره وفساد مذهبه"([26]).

    3 - التوقيعات والخطوط والرقاع.

    هذه من أعاجيب طرق التحمل للروايات عن الأئمة عند الشيعة!
    بل هي أثبت في قوة النقل مما يُرْوى بالأسانيد الصحيحة.
    والتوقيعات والخطوط هي رسائل الأئمة المعصومين التي يجيبون بها أتباعهم من الشيعة، في سورة أجوبة على سؤالات شيعتهم، كمن أراد الاستئذان للزواج أو الحج، أو ختان ولده، أو من كان يشتكي من الفقر أو عدم الولد، أو من رزق ببنت وهو كاره لذلك، كل هذا وغيره لأئمتهم عليه جواب وتوجيه.
    والذي يستخرج هذه التوقيعات عن الأئمة: هم نوابهم، لأن الأئمة في غيبة طبعًا، ولا يسمح لأحدٍ أن يراهم أو يحتك بهم سوى هؤلاء النواب.
    وهي على هذه السورة أصح وأقوى ثبوتًا من أي وسيلة أخرى لتحمل الروايات.
    قال الحُرُّ العاملي: "إن خط المعصوم أقوى من النقل بوسائط"([27])، فكما هو واضح، أن الشيعة يتخذون من هذه الرقاع أو التوقيعات المصدر الأساس في ديانتهم وعقيدتهم وسائر شؤون حياتهم.
    ومن أمثلة هذه الخطوط أو التوقيعات: رقاع أبي العباس جعفر بن عبد الله بن جعفر الحميري القمي، ومنها: رقاع أخيه الحسين، ورقاع أخيه أحمد، فهؤلاء كلهم كانوا يزعمون أنهم يكاتبون صاحب الأمر، ويسألونه مسائل في أحكام الشرع، وأنه يكتب جواب أسئلتهم، كما ذكره النجاشي وغيره، قال الألوسي –رحمه الله- : "إنهم أخذوا مذهبهم من الرقاع المزورة التي لا يشك عاقل أنها افتراء على الله –تعالى-، ولا يصدق بها إلا من أعمى الله بصره وبصيرته، والعجب من الرافضة أنهم سموا صاحب الرقاع بالصدوق، ولا يخفاك أن هذا من قبيل تسمية الشيء باسم ضده، وهو وإن كان يظهر الإسلام؛ غير أنه كافر في نفس الأمر، وكان يزعم أنه يكتب مسألة في رقعة فيضعها في ثقب شجرة ليلا فيكتب الجواب عنها صاحب الزمان، وهذه الرقاع عند الرافضة من أقوى دلائلهم وأوثق حججهم، فتبا لقوم أثبتوا أحكام دينهم بمثل هذه الترهات، واستنبطوا الحرام والحلال من نظائر هذه الخزعبلات، ومع ذلك يقولون: نحن أتباع أهل البيت، كلا، بل هم أتباع الشياطين"([28]).
    وحاصل اعتقاد الشيعة في التوقيعات والخطوط عن الأئمة أن هؤلاء النقلة عنهم صاروا إلى محل العصمة مثل الأئمة سواءًا بسواء، لأنهم استحفظوا على شيءٍ لم يمكن لغيرهم من الاطلاع عليه سواهم، مع كوننا نقطع بجهالتهم لدى أتباعهم، وأيضًا مع تشكيكنا في ديانتهم وأمانتهم، ونحن لم ننتهي من المناقشة حول عصمة الأئمة، حتى يداهمونا بعدها بعصمة أُلَائِكَ الرواة عنهم، لأننا مطالبون –حتى نكون من الشيعة المخلصين- بتصديقهم في كل ما أخذوه عن المعصومين دون قيد أو شرط، وهذه والله هي عين العماوة وحق الغباوة والله المستعان.

    4 - تضخم المادة الحديثية عند الشيعة.

    وهذا يعني كثرة الكذب بينهم بل استفحاله، وهم الذين يشنعون على بعض أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- بهذا مثل أبي هريرة، وهم بهذا التشنيع والطعن أولى([29]).
    إن أقصى ما رواه المسلمون عن أبي هريرة –رضي الله عنه- من الحديث خمسة آلافٍ وثلاثمئة وأربعةٍ وسبعين حديثًا، ولسنا نقطع بصحة جميعها، وهذا العدد المحصور قد ذكره أبو محمد ابن حزم([30]) –رحمه الله- والأحاديث الحاضرة بين أيدينا الآن نردها إلى قواعد علم الحديث المعروفة والثابتة والمستقرة عندنا، فمن هذا القدر ما صح لدينا، ومنها ما لم يصح.
    أمَّا هؤلاء الخاصة، -هكذا يحبون أن يسموا أنفسهم- فقد يروي الواحد منهم عن إمام واحد ثلاثين ألف رواية، ومن هؤلاء: أبان بن تغلب([31])، ومنهم: محمد بن مسلم، ذاك الذي روى عن محمد بن علي الباقر ثلاثين ألف حديث، وروى عن جعفر بن محمد الصادق ستة عشر ألف حديث([32])، وهذا جابر بن يزيد الجعفي الذي زعم أنه سمع من أبي جعفر الباقر سبعين ألف حديث([33])، وعن بقية الأئمة مئة وأربعين ألف حديث([34])، كل هذا يرويه واحد منهم عن واحد أو أكثر من الأئمة، وبعد هذا ينكرون عدة ما رواه أبو هريرة –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-! ، مع أنها أحديث منخولة ومحفوظة بالأسانيد والمتون المضبوطة بالحرف والحركة.
    ومما لا ينقضي به العجب: أن مع هذا التضخم في المادة الحديثية عند الشيعة، إلا أن كبار رواتهم مثل جابر الجعفي السابق ذكره، قد زعم أنه لم يحدث بكل ما سمع من الأئمة([35])، فكيف به لو فعلها!
    فلو قال قائل: "إن أبا هريرة وغيره من الرواة عند أهل السنة مثل جابر الجعفي وغيره عند الشيعة في كثرة الروايات وكتمانها أيضًا".
    والجواب هذا من أربعة وجوه:
    الأول: إن القدر الذي سكت عنه أبو هريرة من الأحاديث كان أقل بكثير من القدر الذي حدث به([36])، وهذا بخلاف ما عليه الحال عند جابر الجعفي، فقد سكت عن أكثر ما سمعه عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر.
    الثاني: إن أبا هريرة –رضي الله عنه- لم يذع تلك الأخبار حرصًا على سلامته من أن تتناوله بعض الأيادي بالسوء، لما عنده من أحاديث فيها أشراط الساعة، وأن بعض الغلمان من قريش يفسدون أحوال الناس([37])، ومع هذا، فإن تلك الأخبار قد بلغنا أكثرها أيضًا، عن أبي هريرة نفسه وغيره من الصحابة –رضوان الله عنهم أجمعين- ، ومنها: ما قاله أبو هريرة –رضي الله عنه- "إِذَا رَأَيْتُمْ سِتًّا، فَإِنْ كَانَتْ نَفْسُ أَحَدِكُمْ فِي يَدِهِ فَلْيُرْسِلْهَا ، فَلِذَلِكَ أَتَمَنَّى الْمَوْتَ أَخَافُ أَنْ تُدْرِكَنِي: إِذَا أُمِّرَتِ السُّفَهَاءُ، وَبِيعَ الْحُكْمُ، وَتُهُوِّنَ بِالدَّمِ، وَقُطِّعَتِ الْأَرْحَامُ، وَقَطَعَتِ الْجَلَاوِزَةُ، وَنَشَأَ نَشْءٌ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ"([38]).
    وأما جابر الجعفي وأشباهه قد عملوا بالتقية، وكتموا جملة من الأخبار –وذلك في زعمهم- حتى لا يصيبهم الناس بالعقوبات التي يستحقونها، هذا لأنهم خافوا من الإفصاح عن عقائدهم التي لا يرضاها شرع ولا عقل ولا غيره.
    هذا، والنبي –صلى الله عليه وسلم- لم يأمر أبا هريرة بكتمان شيء من العلم مما سمعه منه أبو هريرة –رضي الله عنه- ، وأمَّا الأئمة عند الشيعة فقد شددوا في كلامهم أن يكتم عنهم شيعتهم ما سمعوه منهم، وأن يعملوا بالتقية.
    قال جابر الجعفي: حدثني أبو جعفر -عليه السلام- بسبعين ألف حديث لم أحدث بها أحدا قط، ولا أحدث بها أحدا أبدا، قال جابر: فقلت لأبي جعفر -عليه السلام- جعلت فداك، إنك قد حملتني وِقرا([39]) عظيما بما حدثتني به من سركم الذي لا أحدث به أحدا، فربما جاش في صدري حتى يأخذني منه شبه الجنون، قال: "يا جابر، فإذا كان ذلك، فاخرج إلى الجبان([40])، فاحفر حفيرة، ودل رأسك فيها، ثم قل: حدثني محمد بن علي بكذا وكذا"([41]).
    الثالث: قد اختص أئمة أهل البيت –وذلك في زعم الشيعة- جملة من الرواة ببعض الأحاديث، لا يرويها أحد من الناس غير هؤلاء الرواة.
    وقد تقدم الكلام بانفراد بعضهم مثل جابر الجعفي بآلاف الروايات وذلك في زعمهم، وأمَّا عند أهل السنة، فإن انفراد أحد الرواة بعدد كبير من الروايات –وإن كان أقل بكثير مما يدحدث به الشيعة- يعد من مسالك الجنون والهلوسة، تستدعي التثبت من حاله ومن سلامة قواه العقلية.
    قال الإمام علي ابن المديني: سَمِعت معاذ بْن هِشَام بمكة يَقُول وَقَالَ لَهُ كم عندك؟ قَالَ: "عندي عشرة آلاف"، فأنكرنا عَلَيْهِ، وسخرنا بِهِ، فلما جئنا إِلَى البصرة: أخرج إلينا من الكتب نحوا مما قَالَ، يعني، عن أَبِيهِ فَقَالَ: "هذا سَمِعت، وهذا لم أسمعه"، فجعل يميزها([42])، هذا منهج أهل السنة، لا يقطعون بشيء إلا بعد البينة والدليل المُبِين.
    الرابع: لا أحد من أهل السنة يروي هذا الكم الوافر من الأحاديث عن واحدٍ فقط من الأئمة، بل رواية بعضهم إن كثرت: فإنها تكون عن كثيرين، فشتان بين هذا وبين ما يتناقله الشيعة من كثرة الروايات عن شخصٍ واحدٍ.

    5 - جميع أحاديث الشيعة صحيحة.

    وكما مرَّ: فإن الشيعة لديهم مادة حديثية واسعة، منها ما هو ظاهرٌ بين أيادينا، ومنها ما ادعاه بعض رواتهم من توجيه الأئمة بإخفائها، ومع هذا القدر الغزير من الروايات: فإن الشيعة تقطع بصحة جميعها، كذلك وتفتخر بكثرتها وزيادتها على ما عندنا في كتبنا.
    قال البهائي العاملي: جميع أحاديثنا إلا ما ندر ينتهي إلى أئمتنا الاثني عشر -سلام الله عليهم أجمعين- ، وهم ينتهون فيها إلى النبي -صلى الله عليه وآله- ، فإن علومهم مقتبسة من تلك المشكاة، وما تضمنه كتب الخاصة -رضوان الله عليهم- من الأحاديث المروية عنهم يزيد على ما في الصحاح الست للعامة بكثير -كما يظهر لمن تتبع أحاديث الفريقين- وقد روى راو واحد -وهو أبان بن تغلب- عن إمامٍ واحدٍ -أعني الإمام أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع)- ثلاثين ألف حديث -كما ذكره علماء الرجال- ، وكان قد جمع قدماء محدثينا -رضي الله عنهم- ما وصل إليهم من أحاديث أئمتنا -سلام الله عليهم- في أربعمئة كتاب يسمى "الأصول" ، ثم تصدى جماعة من المتأخرين -شكر الله سعيهم- لجمع تلك الكتب وترتيبها تقليلا للانتشار، وتسهيلا على طالبي تلك الأخبار، فألفوا كتبا مبسوطة مبوبة، وأصولا مضبوطة مهذبة مشتملة على الأسانيد المتصلة بأصحاب العصمة -سلام الله عليهم- كالكافي وكتاب "من لا يحضره الفقيه" و "التهذيب" و "الاستبصار" و "مدينة العلم" و "الخصال" و "الأمالي" و "عيون الأخبار الرضا" وغيرها، والأصول الأربعة الأُوَل: هي التي عليها المدار في هذه الأعصار، أما "الكافي" -وهو تأليف ثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي- الفه في مدة عشرين سنة، وتوفي ببغداد سنة ثمان أو تسع وعشرين وثلاثمئة، وأما كتاب "من لا يحضره الفقيه"-: فهو تأليف رئيس المحدثين، حجة الإسلام أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي- وله مؤلفات أخرى سواه يقارب ثلاثمئة كتاب، توفي بالري سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة، وأما "التهذيب" و "الاستبصار": فهما من تأليفات شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، وله تأليفات أخرى سواهما في التفسير والأصول والفروع وغيرها، توفي سنة ستين وأربعمئة، فهؤلاء المحمدون الثلاثة هم أئمة أصحاب الحديث من متأخري علماء الفرقة الناجية الإمامية([43]).
    وينقل الحُرُّ العاملي في "الوسائل" عن الشهيد الثاني قوله: قد كان استقر أمر المتقدمين على أربعمائة مصنف، سموها أصولا، فكان عليها اعتمادهم، ثم تداعت الحال إلى ذهاب معظم تلك الأصول، ولخصها جماعة في كتب خاصة تقريبا على المتناول، وأحسن ما جمع منها: "الكافي"، و "التهذيب"، و "الاستبصار" و "من لا يحضره الفقيه"، ثم قال الحُرُّ العاملي تعليقًا على هذا: وكلام الشهيد الثاني، والشيخ بهاء الدين، كما ترى صريح في الشهادة بصحة تلك الأصول والكتب المعتمدة وعرض كثير منها على الأئمة عليهم السلام، وفي الشهادة بأن الكتب الأربعة وأمثالها، من الكتب المعتمدة منقولة من تلك الأصول، أنها كلها محفوفة بالقرائن المتعددة([44]).
    وإذا ما أردنا أن نلتمس إبرة من ضابطٍ أو قاعدةٍ في معرفة الحديث الصحيح عند الشيعة في كومة قَشٍّ: فبعد عناء نجد البهائي العاملي يقدم محاولة ساذجة لتمييز ذلك عند الشيعة –وذلك بعد ذكره لأنواع الحديث المتكلفة عندهم([45])- فيقول: وهذا الاصطلاح لم يكن معروفا بين قدمائنا كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم بل المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على ما اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه أو اقترن بما يوجب الوثوق به والركون إليه وذلك بأمور:
    أ - منها وجوده في كثير من الأصول الأربعمائة التي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتصلة بأصحاب العصمة، وكانت متداولة في تلك الأعصار مشتهرة بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار.
    ب - ومنها تكرره في أصل أو أصلين منها فصاعدا بطرق مختلفة وأسانيد عديدة معتبرة.
    ج - ومنها وجوده في أصل معروف والانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصديقهم كزرارة ومحمد بن مسلم والفضيل بن يسار، أو على تصحيح ما يصح عنهم كصفوان بن يحيى ويونس بن عبد الرحمان وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، أو على العمل برواياتهم كعمار الساباطي وغيرهم ممن عدهم شيخ الطائفة في العدة.
    د - ومنها اندراجه في أحد الكتب التي عرضت على الأئمة -عليهم السلام- فأثنوا على مصنفيها ككتاب عبيد الله بن علي الحلبي الذي عرضه على الصادق -عليه السلام-، وكتابي يونس بن عبد الرحمان والفضل بن شاذان المعروضين على العسكري -عليه السلام-.
    ه - ومنها كونه مأخوذا من الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها، وسواء كان مؤلفوها من الفرقة الناجية المحقة ككتاب "الصلاة" لحريز بن عبد الله وكتب ابني سعيد وعلي بن مهزيار، أو من غير الإمامية ككتاب حفص بن غياث القاضي، وكتب الحسين بن عبد الله السعدي، وكتاب "القبلة" لعلي بن الحسن الطاطري.
    وقد جرى رئيس المحدثين على متعارف القدماء فحكم بصحة جميع أحاديثه وقد سلك ذلك المنوال جماعة من أعلام علماء الرجال لما لاح لهم من القرائن الموجبة للوثوق والاعتماد([46]).
    أقول: كل هذا حتى ينفي الإخبارية ذاك المنهج الذي سلكه ابن المطهر الحلي في تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وموثق أو قوي وضعيف جريًا على طريقة أهل السنة، فالإخبارية أرادت أن تستقل بمنهجٍ آخر خاص بالشيعة، دون أية تقليد لأهل السنة، وبعيدًا عما سلكته الأصولية.



    الخاتمة:

    يتبين مما سبق بالنظر إلى منهج الشيعة ما يلي:

    1 - إن الشيعة ليس لديهم منهج يمكن أن يطلق عليه وصف المنهجية المحكمة والتي يحصل معها إمكان المدارسة لأحاديثهم المدونة في كتبهم، والأمر مرده للتشهي والهوى المحض.
    2 - ليس من قبيل الإنصاف أن يوضع منهج أهل السنة في علوم الحديث في مقابل منهج الشيعة لأجل المقارنة والموازنة، فهناك فارقٌ بين الجد والهزل، والعلم والجهل، ومن اهتدى ومن زل وضل.
    3 - قد حاول بعض المشتغلين من القوم بالعلوم الشرعية أن يخوضوا في هذا البحر الخضم، وينتجوا –عبثًا- منهجًا لعلهم يرفعون به خسيستهم بين الناس، بعد أن كانوا يعيرون ببدائيتهم في أبواب العلوم شتى، فتعاورهم أمواج هذا البحر الهادرة، وتلقفتهم رياحه العاتية، فلم يهتدوا إلى سبيل، ولم يبلغوا بر النجاة، وما كان هذا إلا أنهم أرادوا إحياء ميتةٍ قد أرم لحمها وبلي عظامها، فما أنتجوا إلا وجها ممسوخا ليس له في العلم نصيب، ولا دخل له في الحق من بعيدٍ أو قريب.
    4 - كل ما يدور عليه مقاصد الشيعة: هو أنهم أرادوا أن يحيلوا إلى ما لا يمكن تتبعهم فيه، ولا البحث وراءهم لأجل إثبات حقيقته من عدمه، فعليك أن تسمع ما يقال لك دون تفهم، وأن تأخذ ما يقدم لك دون تعقل، فالأئمة لهم خطوط وتوقيعات وكتب، لسنا ندري عن رواتها عنهم شيءًا، ولكن هي أصح شيءٍ في دين الشيعة.
    وبعد، فإن هذه مساهمة محدودة مني في هذا الأمر العظيم، والخطر الجسيم، أتقرب به إلى الله –عز وجل- ، لعلي أنتفع به، وأنفع به إخواني، وصلي اللهم وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


    ([1]) شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي، ص 41، الناشر: دار إحياء السنة النبوية - أنقرة، المحقق: د. محمد سعيد خطي اوغلي.

    ([2]) المجروحون لابن حبان، ج 2، ص 15، الناشر: دار الوعي - حلب، الطبعة: الأولى، 1396هـ، المحقق: محمود إبراهيم زايد.

    ([3]) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج 3، ص 274، ترجمة 870، الناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى، 1422هـ - 2002 م، المحقق: الدكتور بشار عواد معروف.

    ([4]) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، ج 2، ص 289، ترجمة 1056، الناشر: طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - بحيدر آباد الدكن - الهند، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، 1271 هـ 1952 م.

    ([5]) انظر: الكامل لابن عدي، ج 5، ص 436، ترجمة 1101، الناشر: الكتب العلمية - بيروت-لبنان، الطبعة: الأولى، 1418هـ1997م، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود-علي محمد معوض.

    ([6]) قال أبو نصر الكلاباذي: رَوَى عَنهُ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ فِي (الصَّوْم) و (الطِّبّ) و (الْجَنَائِز) و (الْعتْق) وَغير مَوضِع فَقَالَ مرّة (نَا مُحَمَّد) لم يزدْ عَلَيْهِ، وَقَالَ ثَانِيَة (حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله) -نسبه إِلَى آخِره- ، وَقَالَ ثَالِثَة (نَا مُحَمَّد بن خَالِد) -نسبه إِلَى جد أَبِيه- وَلم يقل فِي مَوضِع من الْجَامِع (ثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي) مُصَرحًا. الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد، ج 2، ص 687، ترجمة 1122، الناشر: دار المعرفة - بيروت،، الطبعة: الأولى، 1407، المحقق: عبد الله الليثي.

    ([7]) نقلًا عن: الإسناد من الدين وصفحة مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين لعبد الفتاح أبو غدة، ص 8، دار البشائر الإسلامية, 1992.

    ([8]) المقالات العلمية، ص 234، 253.

    ([9]) آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم، ص 144، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2003 م، قدم له وحقق أصله وعلق عليه: عبد الغني عبد الخالق.

    ([10]) أصل الشيعة وأصولها لمحمد حسين آل كاشف الغطا، ص 121، مكتبة العرفان،, 1960.

    ([11]) أصول الحديث وأحكامه في علم الدراية لجعفر السبحاني، ص 19، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع, 2004.

    ([12]) أصول الحديث وأحكامه في علم الدراية لجعفر السبحاني، ص 49 و ص 50.

    ([13]) الاعتقادات لابن بابويه القمي، ص 108، ط إيران.

    ([14]) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد لصالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، ص 193 و 194، الناشر: دار ابن الجوزي، الطبعة: الرابعة 1420هـ - 1999م.

    ([15]) نهاية الدراية لحسن الصدر، ص 81، الناشر: نشر المشعر تنضيد الحروف، كامبيوتايب، المطبعة: اعتماد، تحقيق: ماجد الغرباوي.

    ([16]) هو محمد بن أبي عمير، واسم أبي عمير زياد بن عيسى، ويكنى محمد أبا احمد، مولى الأزد، من موالي المهلب بن أبي صفرة، وقيل: مولى بني أمية، بغدادي الأصل والمقام، لقي الرضا، والكاظم، والجواد، وهو معظم عند الشيعة. انظر ترجمته في: خلاصة الأقوال للحلي، ص 239، مؤسسة نشر الفقاهة، معجم رجال الحديث للخوئي، ج 15، ص 298، الطبعة: الخامسة، سنة الطبع: ١٤١٣ - ١٩٩٢ م.

    ([17]) انظر: رجال الكشي، ج 2، ص 830، الناشر: مؤسسة آل البيت، المحقق: مهدي الرجائي.

    ([18]) رجال النجاشي، ص 326، الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بِقُمَّ، إيران، المحقق: موسى الشبيري الزنجاني.

    ([19]) انظر: موسوعة الخوئي، ج 18، ص 364، الناشر: دار إحياء آثار الخوئي، المطبعة: نينوى، الطبعة: الرابعة، تاريخ الطبع : 1430 ه – 2009 م.

    ([20]) مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت، العدد 51، ص 118.

    ([21]) يريد بالعامة هم أهل السنة، وهذا هو اصطلاحهم في أهل السنة، وقد يطلقون على أهل السنة أيضًا وصف النواصب.

    ([22]) وسائل الشيعة للحر العاملي، ج 20، ص 100، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، المحقق: محمد الرازي.

    ([23]) مختصر التحفة الاثني عشرية لشاه عبد العزيز غلام حكيم الدهلوي، وعربه من الفارسية: الشيخ الحافظ غلام محمد بن محيي الدين بن عمر الأسلمي، اختصره وهذبه: محمود شكري الألوسي، ص 32، الناشر: المطبعة السلفية، القاهرة، عام النشر: 1373 هـ، تحقيق: محب الدين الخطيب.

    ([24]) الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ليوسف البحراني، ج 1، ص 15 و 16، قام بنشره: علي الآخوندي، مؤسسة النشر الاسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين. بقم.

    ([25]) مقتبس الأثر للحائري الأعلمي، ج 3، ص 73، الناشر: مكتبة الحكمة، 1945م.

    ([26]) وسائل الشيعة للحر العاملي، ج 20، ص 101.

    ([27]) وسائل الشيعة للحر العاملي، ج 20، ص 108.

    ([28]) صب العذاب على من سب الأصحاب للألوسي، من ص 300، إلى ص 304، الناشر: أضواء السلف، الرياض، الطبعة: الأولى، 1417 هـ - 1997 م، دراسة وتحقيق: عبد الله البخاري.

    ([29]) انظر على سبيل المثال: أضواء على السنة لمحمود أبو رية، ص 200 و ص 201، الطبعة: الخامسة.

    ([30]) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ج 4، ص 109، الناشر: مكتبة الخانجي – القاهرة.

    ([31]) انظر: وسائل الشيعة للحر العاملي، ج 20، ص 67.

    ([32]) انظر: معجم رجال الحديث لأبي القاسم الخوئي، ج 18، ص 263.

    ([33]) انظر: الاختصاص للمفيد، ص 66، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: ١٤١٤ - ١٩٩٣ م، المحقق: علي أكبر الغفاري ، السيد محمود الزرندي.

    ([34]) انظر: وسائل الشيعة للحر العاملي، ج 20، ص 151.

    ([35]) انظر: رجال الكشي، ج 2، ص 442.

    ([36]) انظر: فتح الباري لابن حجر، ج 1، ص 216، الناشر: دار المعرفة - بيروت، 1379.

    ([37]) انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن، ج 3، ص 607، الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا، الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008 م، المحقق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث.

    ([38]) إسناده صحيح، رجاله ثقات، أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء، ج 1، ص 384، الناشر: السعادة - بجوار محافظة مصر، 1394هـ - 1974م.

    ([39]) الوِقْرُ بالكسر: الحِمْلُ. يقال: جاء يحمل وِقْرَهُ. وقد أَوْقَرَ بعيره وأكثر ما يستعمل الوقر في حِمْلِ البغلِ والحمارِ، انظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري، ج 2، ص 848، مادة: وقر، الناشر: دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة: الرابعة 1407 هـ* - 1987 م، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار.

    ([40]) الجَبَّان والجَبَّانة، بِالتَّشْدِيدِ: الصَّحْرَاءُ، وَتُسَمَّى بِهِمَا الْمَقَابِرُ لأَنها تَكُونُ فِي الصَّحْرَاءِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِمَوْضِعِهِ، انظر: لسان العرب لابن منظور، ج 13، ص 85، مادة: جبن، الناشر: دار صادر - بيروت، الطبعة: الثالثة - 1414 هـ.

    ([41]) أخرجه الكشي في رجاله، ج 2، ص 441 و 442.

    ([42]) أسنده ابن عدي في الكامل، ج 8، ص 183، ترجمة 1913.

    ([43]) الوجيزة = الحبل المتين للبهائي العاملي، ص 6 و 7، انتشارات بصيرتي قم - خيابان ارم چاپ مهر قم.

    ([44]) وسائل الشيعة للحر العاملي، ج 20، ص 67.

    ([45]) وهي: الصحيح والحسن والموثق والضعيف.

    ([46]) مشرق الشمسين للبهائي العاملي، ص 269.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة عبد الرحمن هاشم بيومي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2020
    المشاركات
    68

    افتراضي رد: علم مصطلح الحديث عند الشيعة.

    بارك الله فيك ونفع بك الاسلام والمسلمين بحث في غاية الاهمية
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة حسن يوسف حسن

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2012
    المشاركات
    119

    افتراضي رد: علم مصطلح الحديث عند الشيعة.

    وفيك بارك الله أخي الفاضل، وجزاك الله خيرًا.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •