المعجم التاريخي للغة العربية بين مسارين
المعجم التاريخي فكرة ظهرت في بعض اللغات الأوروبيةكالألمانية، والإنجليزية، والفرنسية، وغيرها، ويعتبر المستشرق الألماني فيشر (1865- 1949م) عضو المجمع اللغوي المصري ممن كانت له فكرة جمع معجم لتاريخ المعاني في اللغة العربية وتطورها عبر العصور، لكنه مات قبل أن يتم عمله ويرى معجمهُ النور. وقد توالت المحاولات لإنجاز هذا المشروع تبلورت فيما بعد في مسارين كبيرين.
المسار الأول تاريخي : و المقصود بالتاريخي، كون الفكرة تاريخيا بدأت معه،نذكر أبرز معالمه في الآتي:
مجهودات مجمع اللغة العربية بالقاهرة
، الذي يعتبر إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية أحد الأهداف الرئيسية التي نص عليها قانونه منذ تأسيسه عام 1932م، وقد شرع في معجم شبيه بمعجم فيشر لكنه تعثر، وللإشارة فيشر بدأ في التفكير في وضع خطته وتأليفه للمعجم التاريخي اللغوي سنة 1907م، وتوالت محطات تلو المحطات في هذا المسار. وفي سنة 1971م تأسس اتحاد المجامع اللغوية العربية، واختار أعضاؤه رئيس المجمع اللغوي المصري رئيسا له، وأمينه أمينا له، ومقره مقرا له. وفي سنة 2004م أنشأ مؤسسة تابعة له وهي: "هيئة المعجم التاريخي للغة العربية". ومن أهم المصادر التي أنتجها هذا المسار نذكر: "المعجم التاريخي للغة العربية وثائق ونماذج" للدكتور محمد حسن عبد العزيز، أستاذ علم اللغة بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة، عضو لجنة المعجم التاريخي باتحاد المجامع، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة. طبعته دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى سنة 2008م. "صناعة المعجم التاريخي للغة العربية" للدكتور علي القاسمي، طبعته مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الأولى سنة 2014م، وهذا الكتاب تفصيل للخطة العملية التي وضعها المؤلف تلبية لطلب اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية، لاستخدامها في مشروعه الخاص بتأليف المعجم التاريخي للغة العربية.
المسار الثاني واقعي : و المقصود بالواقعي، كونه تشكل متأخرا في الواقع، و من مكوناته:
أولا: مجهودات جمعية المعجمية العربية بتونس، من خلال اهتمام الجمعية بالمعجم التاريخي والدعوة إلى أنيكون للعربيّة معجم تاريخي. لأجل ذلك عقدت له ندوة خاصّةعنونتها بــ: "المعجم العربيّ التاريخي: قضاياه ووسائل إنجازه" بتاريخ 14-17نوفمبر1989م، ناقشت فيها أهمّ قضاياالمعجم التاريخي، ونشرت بحوث الندوة في جزء خاص به من المجلة التي تصدرها "جمعيةالمعجمية"في 517 صفحة، وهيمجلة علمية متخصصة في الدراساتالمعجمية،ويذكر أن الجمعية أصدرت كتاباً خاصاً ببحوث الندوة، سمّته "المعجم العربيّ التاريخي" طبعته بيت الحكمة بقرطاج.
ثانيا:مجهودات معهد الدراسات المصطلحية بفاس، منـذ تأسيسه سنـة 1993م حتى 2006م، وجهوده المتعلقة بإنجاز المعجم التاريخي يعرفها المتتبع لهدا الشأن وموجودة في منشوراته ووثائقه. ثم بعده تبنت هذا المشروع وريثته "مؤسسة البحوث والدراسات العلمية" التي تعرف اختصارا بـ (مبدع) والتي تأسست سنة 2007م. ومن إنجازاتها ندوة دولية سنة 2010م طبعت أعمالها في كتاب: "المعجم التاريخي للغة العربية - قضاياه النظرية والمنهجية والتطبيقية"في جزئين سنة 2011م، من 908 صفحة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة/القاهرة. هذا المسار استوعب الفكرة، ومعه وبناء على مبادراته تمخض واقع جديد أكثر تطورا توحدت فيه الجهود وأصبحت أكثر قدرة على الفاعلية والإنتاج، وعنه نتج مسارين جديدين:
الأول "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" بقطر، ابتدأ هدا النموذج العمل سنة 2011م، وأعلن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة القطرية، عن إطلاق مشروع "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية"، في خطوة هي الأولى من نوعها، وذلك بمناسبة انعقاد الجلسة الأولى للمجلس العلمي للمعجم التي ترأسها الدكتور عزمي بشارة مدير المركز، بعد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية، واللقاءات العلمية ــــ لمدة تقرب من السنتين ــــ ضمت نخبة من الخبراء اللغويين والمعجميين والحاسوبيين، من مختلف الدول العربية، ودلك في يوم السبت 15 رجب 1334هـ الموافق لـ 25 أيار/ مايو 2013م. وقد تكفل ولي عهد قطر آنذاك الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بتوفير الدعم المادي للمعجم، بينما يعمل على إعداده وفق تصور أكاديمي دقيق من قبل نخبة تضم 300 عضو من أساتذة اللغة العربية، وبإشراف لجنة تضم خبراء في وضع المعاجم. ويستغرق إعداد المعجم التاريخي المنشود، الذي يؤرخ لألفاظ اللغة العربية على مدى عشرين قرنًا، قرابة 15 سنة، وذلك على مراحل يجري عرض إنجازاتها كل ثلاث سنوات. وفي أبريل 2014م أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب "نحو معجم تاريخي للغة العربية" أسهم فيه مجموعة مؤلفين، يشتمل على مختلف القضايا الخاصة بالمعجم.
وفي يوم الإثنين 10 كانون الأول/ ديسمبر 2018، أطلق المركز البوابة الإلكترونيّة لمعجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة. معلنا عن انتهاء المرحلة الأولى من المشروع وانطلاق المرحلة الثانية. هذا التوجه استوعب التاريخ واستجاب للحظة بعقلية جديدة استفادت من الموجود، وما يميزه أيضا أنه قال وفعل، وعد ونفذ، خطط وأنجز بعدما سئم المتتبعون والمهتمون من طول الانتظار، وفشل المحاولات المتكررة.
الثاني : مجمع اللغة العربية بالشارقة: في المدة ما بين 17 - 19 دجنبرعام 2006م نظم مؤتمر علمي لإتحاد المجامع العربية حول المعجم التاريخي للغة العربية بالتعاون معجامعة الشارقة، ودائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة، وجمعية حماية اللغة العربيةبالشارقة، وكانت جامعة الشارقة هي المستضيفة.ولقد قام الشيخ سلطان القاسمي بالتعهد برعاية المعجم التاريخي والإنفاق عليه في كل مراحله وإقامة مقر له في القاهرة. وبعد عشر سنين أسس مجمع الشارقة سنة 2016م الذى أصبح يتولى الإشراف والتخطيط والرّعاية المادّيّة لإنجاز المعجم التاريخي للغة العربيّة لاتحاد المجامع اللغوية العربية، وبذلك جدد السلطان القاسمي طريقة عمل ومسار هذا التوجه، وبدأ يتحرك بموازاة مع معجم الدوحة التاريخي.
ثالثا: مجهودات دار التأصيل، و من المشاريع العلمية التي تهتم بفكرة المعجم التاريخي للغة العربية، مشروع: (دار التأصيل مركز البحوث وتقنية المعلومات) التي أسست بتاريخ: 1408هـ الموافق 1987م، بإشراف عبد الرحمن بن عبد الله بن عقيل، حيث تذكر الدار في موقعها على الشابكة، بالقائمة الرئيسية محور "رؤية الدار للغة العربية" المؤرخ بتاريخ: الأحد 22/04/1441هـ الموافق 19/12/2019م أن مما تطمح إلى إنجازه من مشروعات ضخمة: بناء مدونة للغة العربية والاستفادة منها في بناء المعجم التاريخي لألفاظ اللغة العربية، وهذه المدونة تشتمل الآن على ثلاثة وعشرين ألف ومائتي مرجع والعمل جار للوصول بالمراجع إلى خمسين ألف مرجع، وقد تم الفراغ من إنجاز هذه المدونة بصيغة مرضية وبلغت كلماتها مليارين ومائتي مليون كلمة، ومن المخطط له أن تبلغ كلماتها ثلاثة مليارات كلمة، وأن الدار من خلال مركز البحوث وتقنية المعلومات تملك أهم الأدوات لإنجاز هذا المعجم المنشود. وهذه المبادرة يبدو من خلال تصورها ومنجزاتها أنها رائدة ولها مميزات عن التجارب الأخرى الموجودة، وتحتاج إلى التعريف بجهودها من طرف الباحثين والمهتمين إلى جانب الجهود السابقة، فهي لبنة تنضاف إلى اللبنات الأولى، وهي دليل آخر على مسيس الحاجة لمعجم تاريخي للغة الضاد، وأيضا الحاجة الملحة لمعاجم علمية متخصصة، تعيد للغة العربية رسالتها وحضورها في ذاتنا الحضارية المنشودة. هذا المشروع لدار التأصيل له مميزات كما سبقت الإشارة حسب فهمي منها: أنه يسير في خطين متوازيين، الأول يتمثل في بناء مدونة المعجم وقد قطع أشواطا مهمة في البناء العام، والثاني إعداد معاجم متخصصة منها: معجم غريب القرآن الكريم، معجم غريب ألفاظ الحديث، المعجم التاريخي لألفاظ الجرح والتعديل.
وختاما: هذه بعض المعلومات الهدف منها الإسهام في النقاش الدائر حول هذا المشروع الضخم الذي هو بحق مشروع الأمة، والذي كان حلما يزيد عن قرن من الزمن، نعم قرن من الزمن.
والحمد لله الحلم أصبح واقعا.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
والحمد لله أن ينجز في مسارين خير من ألا ينجز، لأن لغة الضاد تستوعب الجميع، وتستحق أكثر من جهد، وتستحق أكثر من معجم، وقادرة على توحيد الأمة لاستئناف سيرها الحضاري.