الرضا بالقضاء والقدر


أبو البراء محمد بن عبدالمنعم آل عِلاوة





السؤال

الملخص:
سائل يسأل عن كيفية الوصول إلى الرضا بقضاء الله وقدره في ظل ما يعانيه المسلمون من حولنا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أقرأ كثيرًا عن الفرق بين الصبر والرضا، وأسعى لأن أكون راضيًا عن كل ما يكتُبه الله، إلا أني إذا رأيت مآسي المسلمين يَخفق قلبي بقوة، وأغضب وأحزن عليهم كثيرًا، خاصة عندما يُكرَه مسلمٌ على الكفر أو أي أمر لا يريده، وأرى أني بعد قراءتي عن الرضا أني بعيد عن الرضا، وربما أكون معترضًا بتفكيري.
سؤالي: في هذه الحالة المتقلبة والمشاعر المضطربة كيف أصل إلى الرضا؟ أو كيف أعرف أني راضٍ عما قدَّره الله؟

الجواب
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد:
فأولًا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
نحمَد لك غيرتك على إخوانك وعلى أحوالهم، ونسأل الله أن يعزَّ المسلمين ويكتُب لهم النصر على أعدائهم، لكن ينبغي أن يُترجَمَ هذا الحزن لعملٍ نافع يعود عليك وعلى مَن حولك بالخير والنفع، فترجِمْ حزنك لتعلُّمِ العلم النافع ونشره بين الناس، ترجمْ حزنك للقيام على حوائج الفقراء والمساكين والمحتاجين، فلا صلاح لهذه الأمة إلا بعودة أبنائها لمصدر عزتها، كما كان عليه الرعيل الأول من الصحابة والتابعين.
ثانيًا: الفرق بين الصبر والرضا:
يختلف الصبر عن الرضا من حيث التعريف، والحكم، والثمرة.
أما التعريف:
فالصبر: هو حبس النفس ومنعها من قول أو فعل يدل على كراهة ما قدره الله عليه من مصائب وبلاءات.
والرضا: هو عدم التألم من المصيبة ظاهرًا وباطنًا، فالرضا صبر وزيادة.
والفرق بين الرضا والصبر:
أن الراضي لم يتألم قلبه بذلك أبدًا، فهو يسير مع القضاء، إن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، ولا يرى الفرق بين هذا وهذا بالنسبة لتقبُّله ما قدَّره الله عز وجل؛ أي: إن الراضي تكون المصيبة وعدمها عنده سواء، وليس هذا لكون قلبه ميتًا، بل لأنه وصل لتمام الرضا عن الله وعن قضائه، فهو يتقلب في نِعَمِ الله، ويدور بين عبادتي الصبر والشكر، فالصبر على الضراء والشكر على السراء.
أما حكمها:
فالصبر واجب، والرضا مستحب، والرضا درجة أعلى من درجة الصبر، فهي درجة السابقين.
أما الثمرة:
فالذي لم يصبر على ما أصابه يأثم ومعرَّضٌ للعقاب من الله، أما الذي لا يرضى فليس بآثمٍ، وليس معرضًا للعقوبة؛ قال ابن تيمية: "الرضا بالمصائب كالفقر والمرض والذل، مستحب في أحد قولي العلماء وليس بواجب، وقد قيل: إنه واجب، والصحيح أن الواجب هو الصبر"؛ [مجموع الفتاوى: (10/ 682)]
وقال الشيخ ابن عثيمين: "فما يقع من المصائب يستحب الرضا به عند أكثر أهل العلم ولا يجب، لكن يجب الصبر عليه"؛ [مجموع فتاوى ابن عثيمين: (2/ 92)].
وكون المرء يتألم لِما يحدث للمسلمين في بقاع الأرض لا ينافي الصبر، إلا إذا تلفظ أو فَعَلَ ما يدل على التسخط وعدم الرضا.
وتوجد مرتبة أعلى من الرضا وهي الشكر على كل ما يأتي به الله، وكي يحصِّلَ المرء هذه الدرجات في سيره إلى الله لا بد له:
1- أن ينظر إلى اختيار الله تعالى له، وأن الله لن يختارَ له إلا الخير؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له))؛ [مسلم (2999)].
2- أن يتأمل فيما أصابه، فإنه سببٌ لتكفير ذنوبه، حتى يلقى الله تعالى طاهرًا من الخطايا؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة))؛ [الترمذي، وصححه الألباني في سنن صحيح الترمذي].
3- أن ينظر إلى ما أصابه، وأن الله تعالى رفَق به فيه، فكم من الناس أُصيب بما هو أشد من ذلك وأعظم، قال ابن القيم بعد أن ذكر الصبر والرضا: "عبودية العبد لربه في قضاء المصائب الصبرُ عليها، ثم الرضا بها وهو أعلى منه، ثم الشكر عليها وهو أعلى من الرضا، وهذا إنما يتأتى منه، إذا تمكن حبُّه من قلبه، وعلِم حسنَ اختياره له وبره به، ولطفه به وإحسانه إليه بالمصيبة، وإن كرِه المصيبة"؛ [الفوائد: (1/ 112، 113)].
4- أن ينظر إلى عواقب الابتلاء والشدة، وأن الله يسوقه إليه بهذه الشدة التي تجعله يُكثِرُ من ذكر الله تعالى، ودعائه والتضرع إليه. أن ينظر إلى ثواب الصبر والرضا؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضيَ فله الرضا، ومن سخِط فله السخط))؛ [الترمذي، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي].
ورضا الله تعالى عن العبد أعظم من دخول الجنة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 72].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تُعطِ أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا))؛ [البخاري: (6549)، ومسلم: (2829)].
قال ابن القيم بعد أن ذكر الأسباب التي تعين العبد على الرضا بقضاء الله تعالى: "فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر"؛ [طريق الهجرتين: (1/ 417)].
هذا، وصلى الله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


رابط الموضوع: https://www.alukah.net/fatawa_counse...#ixzz6TnUvLPsd