بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثانى
الحلقة (120)

سُورَةُ يُونُسَ (1)
صـ 151 إلى صـ 155


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ يُونُسَ


قوله تعالى : والذين كفروا لهم شراب من حميم الآية .

ذكر في هذه الآية الكريمة : أن الذين كفروا يعذبون يوم القيامة بشرب الحميم ، وبالعذاب الأليم ، والحميم : الماء الحار ، وذكر أوصاف هذا الحميم في آيات أخر ، كقوله : يطوفون بينها وبين حميم آن [ 55 \ 44 ] ، وقوله : وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم [ 47 \ 15 ] ، وقوله : يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود [ 22 \ 19 ، 20 ] ، وقوله : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه الآية [ 18 \ 29 ] ، وقوله : فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم [ 56 \ 54 ، 55 ] .

وذكر في موضع آخر أن الماء الذي يسقون صديد ، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من ذلك بفضله ورحمته ، وذلك في قوله تعالى : من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه الآية [ 14 \ 16 ] :

وذكر في موضع آخر أنهم يسقون مع الحميم الغساق ، كقوله : هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج [ 38 \ 57 ، 58 ] ، وقوله : لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا [ 78 \ 24 ، 25 ] ، والغساق : صديد أهل النار - أعاذنا الله والمسلمين منها - وأصله من غسقت العين : سال دمعها ، وقيل : هو لغة : البارد المنتن ، والحميم الآني : الماء البالغ غاية الحرارة ، والمهل : دردي الزيت ، أو المذاب من النحاس ، والرصاص ونحو ذلك ، والآيات المبينة لأنواع عذاب أهل النار كثيرة جدا .
قوله تعالى : وتحيتهم فيها سلام .

ذكر تعالى في هذه الآية : أن تحية أهل الجنة في الجنة سلام ، أي يسلم بعضهم على بعض بذلك ، ويسلمون على الملائكة ، وتسلم عليهم الملائكة بذلك ، وقد بين تعالى هذا في مواضع أخر ، كقوله : تحيتهم يوم يلقونه سلام الآية [ 33 \ 44 ] ، وقوله : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم الآية [ 13 \ 23 ، 24 ] ، وقوله : لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما الآية [ ص: 152 ] [ 19 \ 6 ] ، وقوله : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما الآية [ 65 \ 25 ، 26 ] وقوله : سلام قولا من رب رحيم [ 36 \ 58 ] إلى غير ذلك من الآيات .

ومعنى السلام : الدعاء بالسلامة من الآفات .

والتحية : مصدر حياك الله ، بمعنى أطال حياتك .
قوله تعالى : وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه .

ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الإنسان في وقت الكرب يبتهل إلى ربه بالدعاء في جميع أحواله ، فإذا فرج الله كربه أعرض عن ذكر ربه ، ونسي ما كان فيه كأنه لم يكن فيه قط .

وبين هذا في مواضع أخر كقوله : وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل الآية [ 39 \ 8 ] ، وقوله : فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم الآية [ 39 \ 49 ] ، وقوله : وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض [ 41 \ 51 ] والآيات في مثل ذلك كثيرة .

إلا أن الله استثنى من هذه الصفات الذميمة عباده المؤمنين بقوله في سورة هود : ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير [ 10 ، 11 ] ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له ، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن " .
قوله تعالى : قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي .

أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول : إنه ما يكون له أن يبدل شيئا من القرآن من تلقاء نفسه ، ويفهم من قوله : من تلقاء نفسي أن الله تعالى يبدل منه ما شاء بما شاء .

وصرح بهذا المفهوم في مواضع أخر كقوله : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل الآية [ 16 \ 101 ] ، وقوله : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها الآية [ 2 \ 106 ] ، وقوله : سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى [ 87 \ 6 ، 7 ] .
[ ص: 153 ] قوله تعالى : فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون .

في هذه الآية الكريمة حجة واضحة على كفار مكة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث إليهم رسولا حتى لبث فيهم عمرا من الزمن ، وقدر ذلك أربعون سنة ، فعرفوا صدقه ، وأمانته ، وعدله ، وأنه بعيد كل البعد من أن يكون كاذبا على الله تعالى ، وكانوا في الجاهلية يسمونه الأمين ، وقد ألقمهم الله حجرا بهذه الحجة في موضع آخر ، وهو قوله : أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون [ 23 \ 69 ] ولذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ، ومن معه عن صفاته صلى الله عليه وسلم ، قال هرقل لأبي سفيان : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال أبو سفيان : فقلت : لا ، وكان أبو سفيان في ذلك الوقت زعيم الكفار ، ورأس المشركين ومع ذلك اعترف بالحق ، والحق ما شهدت به الأعداء .

فقال له هرقل : فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ، ثم يذهب فيكذب على الله . اهـ .

ولذلك وبخهم الله تعالى بقوله هنا : أفلا تعقلون [ 10 \ 16 ] .
قوله تعالى : إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء إلى قوله : لقوم يتفكرون .

ضرب الله تعالى في هذه الآية الكريمة المثل للدنيا بالنبات الناعم المختلط بعضه ببعض ، وعما قليل ييبس ، ويكون حصيدا يابسا كأنه لم يكن قط ، وضرب لها أيضا المثل المذكور في " الكهف " في قوله : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء [ 18 \ 45 ] إلى قوله : وكان الله على كل شيء مقتدرا ، وأشار لهذا المثل بقوله في " الزمر " : ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب [ 21 ] ، وقوله في " الحديد " : كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما الآية [ 20 ] .

تنبيه

التشبيه في الآيات المذكورة عند البلاغيين من التشبيه المركب ; لأن وجه الشبه صورة منتزعة من أشياء ، وهو كون كل من المشبه والمشبه به يمكث ما شاء الله ، وهو في إقبال وكمال ، ثم عما قليل يضمحل ويزول ، والعلم عند الله تعالى :
قوله تعالى : ويوم نحشرهم جميعا الآية .

ذكر في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة يجمع الناس جميعا ، والآيات بمثل ذلك كثيرة .

[ ص: 154 ] وصرح في " الكهف " بأنه لا يترك منهم أحدا ، بقوله : وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا [ 47 ] .
قوله تعالى : هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت الآية .

صرح في هذه الآية الكريمة ، بأن كل نفس يوم القيامة تبلو ، أي : تخبر وتعلم ما أسلفت ، أي قدمت من خير وشر ، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله : ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر [ 75 \ 13 ] ، وقوله : يوم تبلى السرائر [ 86 \ 9 ] ، وقوله : ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [ 17 \ 13 ، 14 ] ، وقوله : ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا الآية [ 18 \ 49 ] .

وأما على قراءة " تتلو " بتاءين ففي معنى الآية وجهان :

أحدهما : أنها تتلو بمعنى تقرأ في كتاب أعمالها جميع ما قدمت ، فيرجع إلى الأولى .

والثاني : أن كل أمة تتبع عملها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " لتتبع كل أمة ما كانت تعبده فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس " الحديث .
قوله تعالى : قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت إلى قوله : فقل أفلا تتقون .

صرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة ، بأن الكفار يقرون بأنه جل وعلا ، هو ربهم الرزاق المدبر للأمور المتصرف في ملكه بما يشاء ، وهو صريح في اعترافهم بربوبيته ، ومع هذا أشركوا به جل وعلا .

والآيات الدالة على أن المشركين مقرون بربوبيته جل وعلا ولم ينفعهم ذلك لإشراكهم معه غيره في حقوقه جل وعلا - كثيرة ، كقوله : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله [ 43 \ 87 ] ، وقوله : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم [ 43 \ 9 ] ، وقوله : قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله [ 23 \ 84 ، 85 ] إلى قوله : فأنى تسحرون إلى غير ذلك من الآيات ، ولذا قال تعالى : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [ 12 \ 106 ] .

والآيات المذكورة صريحة في أن الاعتراف بربوبيته جل وعلا لا يكفي في الدخول في دين الإسلام إلا بتحقيق معنى لا إله إلا الله نفيا وإثباتا ، وقد أوضحناه في سورة [ ص: 155 ] " الفاتحة " في الكلام على قوله تعالى : إياك نعبد [ 1 \ 5 ] .

أما تجاهل فرعون - لعنه الله - لربوبيته جل وعلا ، في قوله : قال فرعون وما رب العالمين [ 26 \ 23 ] فإنه تجاهل عارف ; لأنه عبد مربوب ، كما دل عليه قوله تعالى : قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر الآية [ 17 \ 102 ] ، وقوله : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [ 27 \ 14 ] .
قوله تعالى : قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق إلى قوله : فأنى تؤفكون .

ألقم الله تعالى المشركين في هذه الآيات حجرا ، بأن الشركاء التي يعبدونها من دونه لا قدرة لها على فعل شيء ، وأنه هو وحده جل وعلا الذي يبدأ الخلق ثم يعيده بالإحياء مرة أخرى ، وأنه يهدي من يشاء .

وصرح بمثل هذا في آيات كثيرة ، كقوله : الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون [ 30 \ 40 ] ، وقوله تعالى : واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا [ 25 \ 3 ] ، وقوله : ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض الآية [ 35 \ 3 ] ، وقوله : أفمن يخلق كمن لا يخلق الآية [ 16 \ 17 ] .

وقوله : أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه [ 13 \ 16 ] وقوله : قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره الآية [ 39 \ 38 ] ، وقوله : أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه الآية [ 67 \ 21 ] ، وقوله : إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق الآية [ 29 \ 17 ] .

والآيات في مثل ذلك كثيرة ، ومعلوم أن تسوية ما لا يضر ، ولا ينفع ، ولا يقدر على شيء مع من بيده الخير كله المتصرف بكل ما شاء - لا تصدر إلا ممن لا عقل له ، كما قال تعالى عن أصحاب ذلك : وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [ 67 \ 10 ] .