تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ - الصفحة 6
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 6 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 101 إلى 120 من 141

الموضوع: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

  1. #101
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (100)

    سُورَةُ الْأَنْفَالِ (2)
    صـ 51 إلى صـ 55


    قَوْلُهُ تَعَالَى : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ .

    ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ أَلْقَى النُّعَاسَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لِيَجْعَلَ قُلُوبَهُمْ آمِنَةً غَيْرَ خَائِفَةٍ مِنْ عَدُوِّهَا ; لِأَنَّ الْخَائِفَ الْفَزِعَ لَا يَغْشَاهُ النُّعَاسُ ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ هَذَا النُّعَاسَ أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ [ ص: 51 ] هُنَا فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ ، كَمَا لَا يَخْفَى .

    وَذَكَرَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ أَنَّ النُّعَاسَ غَشِيَهُمْ أَيْضًا يَوْمَ أُحُدٍ ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا الْآيَةَ [ 154 ] .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ .

    الْمُرَادُ بِالْفَتْحِ هُنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ : الْحُكْمُ وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ إِلَى غَزْوَةِ بَدْرٍ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قُطَّانُ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، وَأَنَّهُمْ يَسْقُونَ الْحَجِيجَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ الْجَمَاعَةَ ، وَقَطَعَ الرَّحِمَ ، وَسَفَّهَ الْآبَاءَ ، وَعَابَ الدِّينَ ، ثُمَّ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِأَنْ يُهْلِكَ الظَّالِمَ مِنْهُمْ ، وَيَنْصُرَ الْمُحِقَّ ، فَحَكَمَ اللَّهُ بِذَلِكَ وَأَهْلَكَهُمْ ، وَنَصَرَهُ ، وَأَنْزَلَ الْآيَةَ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَتْحِ هُنَا الْحُكْمُ أَنَّهُ تَعَالَى أَتْبَعَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ لِكُفَّارِ مَكَّةَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ [ 8 \ 19 ] ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ إِطْلَاقُ الْفَتْحِ بِمَعْنَى الْحُكْمِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ عَنْ شُعَيْبٍ وَقَوْمِهِ : عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [ 7 \ 87 ] ، أَيِ احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : عَنْ شُعَيْبٍ فِي نَفْسِ الْقِصَّةِ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [ 7 \ 87 ] ، وَهَذِهِ لُغَةُ حِمْيَرَ ؛ لِأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الْقَاضِيَ فَتَّاحًا وَالْحُكُومَةَ فَتَّاحَةً .

    وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : [ الْوَافِرُ ]
    أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولًا بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيٌّ
    أَيْ عَنْ حُكُومَتِكُمْ وَقَضَائِكُمْ ، أَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا لِلْمُؤْمِنِينَ ، أَيْ : تَطْلُبُوا الْفَتْحَ وَالنَّصْرَ مِنَ اللَّهِ ، وَأَنَّ الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ : وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِلْكَافِرِينَ ، فَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ ، كَمَا تَرَى .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ .

    أَمَرَ تَعَالَى النَّاسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنْ يَعْلَمُوا : أَنَّ أَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ فِتْنَةٌ يُخْتَبَرُونَ بِهَا ، هَلْ يَكُونُ الْمَالُ وَالْوَلَدُ سَبَبًا لِلْوُقُوعِ فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ ؟ وَزَادَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الْأَزْوَاجَ فِتْنَةٌ أَيْضًا ، كَالْمَالِ وَالْوَلَدِ ، فَأَمَرَ الْإِنْسَانَ بِالْحَذَرِ مِنْهُمْ أَنْ يُوقِعُوهُ فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ إِنِ اطَّلَعَ عَلَى مَا يَكْرَهُ مِنْ أُولَئِكَ الْأَعْدَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ لَهُ وَأَخَصُّهُمْ بِهِ وَهُمُ الْأَوْلَادُ وَالْأَزْوَاجُ - أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَيَصْفَحَ وَلَا يُؤَاخِذَهُمْ فَيَحَذَرَ مِنْهُمْ أَوَّلًا وَيَصْفَحَ [ ص: 52 ] عَنْهُمْ إِنْ وَقَعَ مِنْهُمْ بَعْضُ الشَّيْءِ ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي " التَّغَابُنِ " : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [ 64 \ 14 ، 15 ] .

    وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِنَهْيِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ تُلْهِيَهُمُ الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ عَنْ ذِكْرِهِ جَلَّ وَعَلَا ، وَأَنَّ مَنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ الْخَاسِرُ الْمَغْبُونُ فِي حُظُوظِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [ 63 \ 9 ] ، وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ فِي الْآيَاتِ : الِاخْتِبَارُ وَالِابْتِلَاءُ ، وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِي الْفِتْنَةِ فِي الْقُرْآنِ .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .

    قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالضَّحَاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ : فُرْقَانًا : مَخْرَجًا ، زَادَ مُجَاهِدٌ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فُرْقَانًا : نَجَاةً ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : نَصْرًا . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : فُرْقَانًا أَيْ : فَصْلًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : قَوْلُ الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورَةِ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالْفُرْقَانِ : الْمَخْرَجُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا الْآيَةَ [ 65 \ 2 ] ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ النَّجَاةُ أَوِ النَّصْرُ ، رَاجِعٌ فِي الْمَعْنَى إِلَى هَذَا ; لِأَنَّ مَنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا أَنْجَاهُ وَنَصَرَهُ ، لَكِنَّ الَّذِي يَدُلُّ الْقُرْآنُ وَاللُّغَةُ عَلَى صِحَّتِهِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ ; لِأَنَّ الْفُرْقَانَ مَصْدَرٌ زِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَالنُّونُ ، وَأُرِيدَ بِهِ الْوَصْفُ أَيِ الْفَارِقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ [ 25 \ 1 ] ، أَيِ الْكِتَابَ الْفَارِقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَقَوْلِهِ : وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [ 3 \ 4 ] ، وَقَوْلِهِ : وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ [ 2 \ 53 ] ، وَقَوْلِهِ : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ [ 21 \ 48 ] ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفُرْقَانِ هُنَا : الْعِلْمُ الْفَارِقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْحَدِيدِ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ الْآيَةَ [ 57 \ 28 ] .

    لِأَنَّ قَوْلَهُ هُنَا : وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ، يَعْنِي : عِلْمًا وَهُدًى تُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنُّورِ هُنَا الْهُدَى ، وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ قَوْلُهُ تَعَالَى فِيمَنْ كَانَ [ ص: 53 ] كَافِرًا فَهَدَاهُ اللَّهُ : لَمُشْرِكُونَ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ الْآيَةَ [ 6 \ 122 ] ، فَجَعَلَ النُّورَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيدِ : هُوَ مَعْنَى الْفُرْقَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَنْفَالِ كَمَا تَرَى ، وَتَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ ، وَالْغُفْرَانَ الْمُرَتَّبَ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ فِي آيَةِ الْأَنْفَالِ ، كَذَلِكَ جَاءَ مُرَتَّبًا أَيْضًا عَلَيْهَا فِي آيَةِ الْحَدِيدِ ، وَهُوَ بَيَانٌ وَاضِحٌ كَمَا تَرَى .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا الْآيَةَ .

    قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُصَرِّحَةَ بِكَذِبِهِمْ ، وَتَعْجِيزِ اللَّهِ لَهُمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهَا هُنَا ، وَقَوْلُهُ هُنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَنْهُمْ : إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ 8 \ 31 ] ، رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَذِبَهُمْ وَافْتِرَاءَهُم ْ هَذَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [ 25 \ 5 ، 6 ] ، وَمَا أَنْزَلَهُ عَالِمُ السِّرِّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا مِنْ أَنْ يَكُونَ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ ، وَكَقَوْلِهِ : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [ 16 \ 103 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ :
    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .

    ذَكَرَ هُنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ حَيْثُ قَالُوا : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا الْآيَةَ [ 8 \ 32 ] ، وَلَمْ يَقُولُوا فَاهْدِنَا إِلَيْهِ ، وَجَاءَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا كَقَوْلِهِ عَنْهُمْ : وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ 38 \ 16 ] ، وَقَوْلِهِ : وَيَسْتَعْجِلُو نَكَ بِالْعَذَابِ الْآيَةَ [ 22 \ 47 ] ، وَقَوْلِهِ : وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ [ 11 \ 8 ] ، وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ شِبْهَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ فِي قَوْمِ شُعَيْبٍ : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ 26 \ 187 ] ، وَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ : يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ 7 \ 77 ] ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ زِيَادَةُ إِيضَاحٍ فِي سُورَةِ " سَأَلَ سَائِلٌ " [ 70 \ 1 ]
    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ .

    صَرَّحَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِنَفْيِ وِلَايَةِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَأَثْبَتَهَا لِخُصُوصِ الْمُتَّقِينَ ، وَأَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [ ص: 54 ] أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [ 9 \ 17 ، 18 ] .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً .

    الْمُكَاءُ : الصَّفِيرُ ، وَالتَّصْدِيَةُ : التَّصْفِيقُ ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : وَالْمَقْصُودُ عِنْدَهُمْ بِالصَّفِيرِ وَالتَّصْفِيقِ التَّخْلِيطُ حَتَّى لَا يَسْمَعَ النَّاسُ الْقُرْآنَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ 41 \ 26 ] .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ .

    ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَوَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ حَسْبَمَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ ، سَوَاءً أَوْجَفُوا عَلَيْهِ الْخَيْلَ وَالرِّكَابَ أَوْ لَا ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي سُورَةِ " الْحَشْرِ " أَنَّ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ غَيْرِ إِيجَافِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ الْخَيْلَ وَالرِّكَابَ ، أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ وَمَصَارِفُهُ الَّتِي بَيَّنَ أَنَّهُ يُصْرَفُ فِيهَا كَمَصَارِفِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فِي فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ الْآيَةَ [ 6 ] ، ثُمَّ بَيَّنَ شُمُولَ الْحُكْمِ لِكُلِّ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ جَمِيعِ الْقُرَى بِقَوْلِهِ : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الْآيَةَ [ 7 ] .

    اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ : فَرَّقُوا بَيْنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ فَقَالُوا : الْفَيْءُ : هُوَ مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ انْتِزَاعِهِ مِنْهُمْ بِالْقَهْرِ ، كَفَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَكَّنُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَفْعَلُ فِيهَا مَا يَشَاءُ لِشِدَّةِ الرُّعْبِ الَّذِي أَلْقَاهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَرَضِيَ لَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْتَحِلُوا بِمَا يَحْمِلُونَ عَلَى الْإِبِلِ غَيْرَ السِّلَاحِ ، وَأَمَّا الْغَنِيمَةُ : فَهِيَ مَا انْتَزَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْكَفَّارِ بِالْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ ، وَهَذَا التَّفْرِيقُ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ الْآيَةَ ، مَعَ قَوْلِهِ : فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ الْآيَةَ ، ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا أَوْجَفُوا عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهِ كَمَا تَرَى ، وَالْفَرْقُ الْمَذْكُورُ بَيْنَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ عَقَدَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الْبَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ فِي نَظْمِهِ لِلْمَغَازِي بِقَوْلِهِ فِي غَزْوَةِ بَنِيَ النَّضِيرِ : [ الرَّجَزُ ]


    وَفَيْئُهُمْ وَالْفَيْءُ فِي الْأَنْفَالِ مَا لَمْ يَكُنْ أُخِذَ عَنْ قِتَالِ [ ص: 55 ] أَمَّا الْغَنِيمَةُ فَعَنْ زِحَافٍ
    وَالْأَخْذُ عَنْوَةً لَدَى الزِّحَافِ
    لِخَيْرِ مُرْسَلٍ إِلَخْ .

    وَقَوْلُهُ : وَفَيْئُهُمْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لِخَيْرِ مُرْسَلٍ ، وَقَوْلُهُ : وَالْفَيْءُ فِي الْأَنْفَالِ . . . إِلَخْ ، كَلَامٌ اعْتِرَاضِيٌّ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ بَيَّنَ بِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَاتِ ; لِأَنَّ آيَةَ : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ، ذُكِرَ فِيهَا حُكْمُ الْغَنِيمَةِ ، وَآيَةَ : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ذُكِرَ فِيهَا حُكْمُ الْفَيْءِ وَأُشِيرَ لِوَجْهِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْ نِ بِقَوْلِهِ : فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ أَيْ فَكَيْفَ يَكُونُ غَنِيمَةً لَكُمْ ، وَأَنْتُمْ لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ وَلَمْ تَنْتَزِعُوهُ بِالْقُوَّةِ مِنْ مَالِكِيهِ .

    وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إِنَّ الْغَنِيمَةَ وَالْفَيْءَ وَاحِدٌ ، فَجَمِيعُ مَا أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ غَنِيمَةً وَفَيْئًا ، وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ ، فَالْعَرَبُ تُطْلِقُ اسْمَ الْفَيْءِ عَلَى الْغَنِيمَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ مُهَلْهِلِ بْنِ رَبِيعَةَ التَّغْلِبِيِّ : [ الْوَافِرُ ]


    فَلَا وَأَبِي جَلِيلَةَ مَا أَفَأْنَا مِنَ النَّعَمِ الْمُؤَبَّلِ مِنْ بَعِيرِ
    وَلَكِنَّا نَهَكْنَا الْقَوْمَ ضَرْبًا عَلَى الْأَثْبَاجِ مِنْهُمْ وَالنُّحُورِ




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #102
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (101)

    سُورَةُ الْأَنْفَالِ (3)
    صـ 56 إلى صـ 60

    فَلَا وَأَبِي جَلِيلَةَ مَا أَفَأْنَا مِنَ النَّعَمِ الْمُؤَبَّلِ مِنْ بَعِيرِ
    وَلَكِنَّا نَهَكْنَا الْقَوْمَ ضَرْبًا عَلَى الْأَثْبَاجِ مِنْهُمْ وَالنُّحُورِ
    يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَغِلُوا بِسَوْقِ الْغَنَائِمِ وَلَكِنْ بِقَتْلِ الرِّجَالِ فَقَوْلُهُ :

    أَفَأْنَا : يَعْنِي غَنِمْنَا ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ [ 33 \ 50 ] ; لِأَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ شُمُولُ ذَلِكَ لِجَمِيعِ الْمَسْبِيَّاتِ وَلَوْ كُنَّ مُنْتَزَعَاتٍ قَهْرًا ، وَلَكِنَّ الِاصْطِلَاحَ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، وَتَدُلُّ لَهُ آيَةُ الْحَشْرِ الْمُتَقَدِّمَة ُ ، وَعَلَى قَوْلِ قَتَادَةَ فَآيَةُ الْحَشْرِ مُشْكِلَةٌ مَعَ آيَةِ الْأَنْفَالِ هَذِهِ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ الْإِشْكَالِ قَالَ قَتَادَةُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : إِنَّ آيَةَ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ الْآيَةَ ، نَاسِخَةٌ لِآيَةِ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ الْآيَةَ ، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ ، وَلَمْ يُلْجِئْ قَتَادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ إِلَّا دَعْوَاهُ اتِّحَادَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ ، فَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ لَعُلِمَ أَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ فِي الْغَنِيمَةِ ، وَآيَةَ الْحَشْرِ فِي الْفَيْءِ ، وَلَا إِشْكَالَ . وَوَجْهُ بُطْلَانِ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ : أَنَّ آيَةَ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ الْآيَةَ ، نَزَلَتْ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ، قَبْلَ قَسْمِ غَنِيمَةِ بَدْرٍ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَلِيٍّ الثَّابِتِ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " ، الدَّالِّ عَلَى أَنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ خُمِّسَتْ ، وَآيَةُ التَّخْمِيسِ الَّتِي شَرَعَهُ اللَّهُ بِهَا هِيَ هَذِهِ ، وَأَمَّا آيَةُ الْحَشْرِ فَهِيَ نَازِلَةٌ فِي غَزْوَةِ بَنِيَ النَّضِيرِ بِإِطْبَاقِ الْعُلَمَاءِ ، وَغَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ بِإِجْمَاعِ [ ص: 56 ] الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا مُنَازَعَةَ فِيهِ الْبَتَّةَ ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا عَدَمُ صِحَّةِ قَوْلِ قَتَادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ ظَهَرَ لَكَ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ لَا إِشْكَالَ فِي الْآيَاتِ ، وَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَمْرَ الْغَنَائِمِ وَالْفَيْءِ رَاجِعًا إِلَى نَظَرِ الْإِمَامِ ، فَلَا مُنَافَاةَ عَلَى قَوْلِهِ بَيْنَ آيَةِ " الْحَشْرِ " ، وَآيَةِ التَّخْمِيسِ إِذَا رَآهُ الْإِمَامُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
    مَسَائِلُ مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ

    الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اعْلَمْ أَنَّ جَمَاهِيرَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لِلْغُزَاةِ الَّذِينَ غَنِمُوهَا ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ تِلْكَ الْغَنِيمَةَ لِغَيْرِهِمْ ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : غَنِمْتُمْ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا غَنِيمَةٌ لَهُمْ فَلَمَّا قَالَ : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ، عَلِمْنَا أَنَّ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ الْبَاقِيَةَ لَهُمْ لَا لِغَيْرِهِمْ ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، أَيْ : وَلِأَبِيهِ الثُّلْثَانِ الْبَاقِيَانِ إِجْمَاعًا ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ، أَيْ : وَلِلْغَانِمِين َ مَا بَقِيَ ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ ، وَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَمِمَّنْ حَكَى إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالدَّاوُدِيُّ ، وَالْمَازِرِيُّ ، وَالْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَالْأَخْبَارُ بِهَذَا الْمَعْنَى مُتَظَاهِرَةٌ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَنَقَلَهُ عَنْهُمُ الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا ، قَالُوا : لِلْإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَ الْغَنِيمَةَ فِيمَا يَشَاءُ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَمْنَعَ مِنْهَا الْغُزَاةَ الْغَانِمِينَ .

    وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الْآيَةَ [ 18 \ 1 ] قَالُوا : الْأَنْفَالُ : الْغَنَائِمُ كُلُّهَا ، وَالْآيَةُ مُحْكَمَةٌ لَا مَنْسُوخَةٌ ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ أَيْضًا بِمَا وَقَعَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ ، وَقِصَّةِ حُنَيْنٍ قَالُوا : إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً بِعَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ ، وَمَنَّ عَلَى أَهْلِهَا فَرَدَّهَا عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا غَنِيمَةً وَلَمْ يُقَسِّمْهَا عَلَى الْجَيْشِ ، فَلَوْ كَانَ قَسْمُ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى الْجَيْشِ وَاجِبًا لَفَعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ ، قَالُوا : وَكَذَلِكَ غَنَائِمُ هَوَازِنَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ ، أَعْطَى مِنْهَا عَطَايَا عَظِيمَةً جِدًّا ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ مِنْهَا مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ خِيَارِ الْمُجَاهِدِينَ الْغَازِينَ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ أَشَارَ لِعَطَايَاهُ مِنْ غَنَائِمِ هَوَازِنَ فِي وَقْعَةِ حُنَيْنٍ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الْبَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ فِي نَظْمِهِ لِلْمَغَازِي فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ بِقَوْلِهِ : [ الرَّجَزُ ]

    [ ص: 57 ]
    أَعْطَى عَطَايَا شَهِدَتْ بِالْكَرَمِ يَوْمَئِذٍ لَهُ وَلَمْ تُجَمْجَمِ أَعْطَى عَطَايَا أَخْجَلَتْ دَلْحَ الدِّيَمْ
    إِذْ مَلَأَتْ رَحْبَ الْغَضَا مِنَ النَّعَمْ زُهَاءَ أَلْفَيْ نَاقَةٍ مِنْهَا وَمَا
    مَلَأَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ غَنَمَا لِرَجُلٍ وَبَلِهٍ مَا لِحَلْقِهِ
    مِنْهَا وَمِنْ رَقِيقِهِ وَوَرْقِهِ
    إِلَخْ . . .

    قَالُوا : لَوْ كَانَ يَجِبُ قَسْمُ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِي غَنِمَهَا ، لَمَا أَعْطَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْفَيْ نَاقَةٍ مِنْ غَنَائِمِ هَوَازِنَ لِغَيْرِ الْغُزَاةِ ، وَلَمَا أَعْطَى مَا مَلَأَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنَ الْغَنَمِ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ التَّمِيمِيَّ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ ، وَكَذَلِكَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ ، حَتَّى غَارَ مِنْ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ شِعْرَهُ الْمَشْهُورَ : [ الْمُتَقَارِبُ ]


    أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعَبِيدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ
    فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ
    وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ
    وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَإٍ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ
    إِلَّا أَبَاعِيرَ أُعْطِيتُهَا عَدِيدَ قَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ
    وَكَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتُهَا بِكَرِّي عَلَى الْمُهْرِ فِي الْأَجْرَعِ
    وَإِيقَاظِيَ الْقَوْمَ إِنْ يَرْقُدُوا إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَعِ
    قَالُوا : فَلَوْ كَانَ قَسْمُ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى الْجَيْشِ الْغَانِمِينَ وَاجِبًا ، لَمَا فُضِّلَ الْأَقْرَعُ وَعُيَيْنَةُ فِي الْعَطَاءِ مِنَ الْغَنِيمَةِ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ شِعْرَهُ الْمَذْكُورَ ، وَأُجِيبَ مِنْ جِهَةِ الْجُمْهُورِ عَنْ هَذِهِ الِاحْتِجَاجَات ِ : فَالْجَوَابُ عَنْ آيَةِ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ الْآيَةَ [ 8 \ 41 ] ، وَنَسَبَهُ الْقُرْطُبِيُّ لِجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَالْجَوَابُ عَمَّا وَقَعَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ مِنْ أَوْجُهٍ :

    الْأَوَّلُ : أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ زَعَمُوا أَنَّ مَكَّةَ لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً ، وَلَكِنَّ أَهْلَهَا أَخَذُوا الْأَمَانَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ .

    وَاسْتَدَلَّ قَائِلُوا هَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ " ، وَهُوَ [ ص: 58 ] ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي مَكَّةَ هَلْ أَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْوَةً ؟ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، أَوْ أَخَذَ لَهَا الْأَمَانَ ; وَالْأَمَانُ شِبْهُ الصُّلْحِ ، عَقَدَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الْبَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ فِي مَغَازِيهِ بِقَوْلِهِ : فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ يَعْنِي مَكَّةَ : [ الرَّجَزُ ]

    وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَقِيلَ أَمِنَتْ وَقِيلَ عَنْوَةً وَكَرْهًا أُخِذَتْ وَالْحَقُّ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَمِنْ أَظْهَرِ الْأَجْوِبَةِ عَمَّا وَقَعَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ ، أَنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ ; لِأَنَّهَا حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ ، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ ، فَلَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْبِلَادِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا هَذِهِ الْحُرْمَةُ الْعَظِيمَةُ .

    وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ فَالْجَوَابُ عَنْهُ ظَاهِرٌ ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَطَابَ نُفُوسَ الْغُزَاةِ عَنِ الْغَنِيمَةِ ; لِيُؤَلِّفَ بِهَا قُلُوبَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِين َ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَمِعَ أَنَّ بَعْضَ الْأَنْصَارِ قَالَ : يَمْنَعُنَا وَيُعْطِي قُرَيْشًا ، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ ، جَمَعَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَلَّمَهُمْ كَلَامَهُ الْمَشْهُورَ الْبَالِغَ فِي الْحُسْنِ ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : " أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رِحَالِكُمْ " ، إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ ، وَطَابَتْ نُفُوسُهُمْ ، وَقَالُوا : رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِسْمًا وَحَظًّا ، وَهَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ ، وَنَوَّهَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الْبَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ فِي مَغَازِيهِ بِحُسْنِ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ : [ الرَّجَزُ ]


    وَوَكَّلَ الْأَنْصَارَ خَيْرَ الْعَالَمِينَ لِدِينِهِمْ إِذْ أَلَّفَ الْمُؤَلَّفِينَ
    فَوَجَدُوا عَلَيْهِ أَنْ مَنَعَهُمْ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ مَنْ جَمَعَهُمْ
    وَقَالَ قَوْلًا كَالْفَرِيدِ الْمُؤْنَقِ عَنْ نَظْمِهِ ضَعُفَ سِلْكُ مَنْطِقِي
    فَالْحَاصِلُ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ الَّتِي أَوْجَفَ الْجَيْشُ عَلَيْهَا الْخَيْلَ وَالرِّكَابَ لِلْغُزَاةِ الْغَانِمِينَ عَلَى التَّحْقِيقِ ، الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ .

    وَقَدْ عَلِمْتَ الْجَوَابَ عَنْ حُجَجِ الْمُخَالِفِينَ فِي ذَلِكَ ; وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ : لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنْفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ ; لِأَنَّهَا مِلْكٌ لِلْغَانِمِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .

    [ ص: 59 ] وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنْفِّلَ مِنْهَا بَعْضَ الشَّيْءِ بِاجْتِهَادِهِ ، وَهُوَ أَظْهَرُ دَلِيلًا ، وَسَيَأْتِي لَهُ زِيَادَةُ إِيضَاحٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
    الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هِيَ تَحْقِيقُ الْمَقَامِ فِي مَصَارِفِ الْخُمُسِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ; فَظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ يُجْعَلُ سِتَّةَ أَنْصِبَاءَ : نُصِيبٍ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا ، وَنَصِيبٍ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَصِيبٍ لِذِي الْقُرْبَى ، وَنَصِيبٍ لِلْيَتَامَى ، وَنَصِيبٍ لِلْمَسَاكِينِ ، وَنَصِيبٍ لِابْنِ السَّبِيلِ .

    وَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ ، قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالْغَنِيمَةِ فَيُخَمِّسُهَا عَلَى خَمْسَةٍ تَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ مِنْهَا لِمَنْ شَهِدَهَا ، ثُمَّ يُؤْخَذُ الْخُمُسُ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فِيهِ ، فَيَأْخُذُ الَّذِي قَبَضَ كَفَّهُ ، فَيَجْعَلُهُ لِلْكَعْبَةِ وَهُوَ سَهْمُ اللَّهِ ، ثُمَّ يُقَسِّمُ مَا بَقِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ ، فَيَكُونُ سَهْمٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَهْمٌ لِذِي الْقُرْبَى ، وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى ، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ ، وَسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ .

    وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَنَصِيبُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا يُجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْقَوْلِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ .

    وَقَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ : إِنَّ نَصِيبَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا يُرَدُّ عَلَى ذَوِي الْحَاجَةِ .

    وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ نَصِيبَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا ، وَنَصِيبَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدٌ ، وَذِكْرُ اسْمِهِ جَلَّ وَعَلَا اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ لِلتَّعْظِيمِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الضَّحَّاكُ . وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، وَقَتَادَةَ ، وَمُغِيرَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ .

    وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى ، وَهُوَ يَعْرِضُ فَرَسًا ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي الْغَنِيمَةِ ؟ فَقَالَ : " لِلَّهِ خُمُسُهَا ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْجَيْشِ " ، قُلْتُ : فَمَا أَحَدٌ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالَ : " لَا وَلَا السَّهْمُ تَسْتَخْرِجُهُ مِنْ جَيْبِكَ لَسْتَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ " ، وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .

    وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ الْكِنْدِيِّ ، أَنَّهُ جَلَسَ مَعَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَالْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْكِنْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَتَذَاكَرُوا [ ص: 60 ] حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِعُبَادَةَ : يَا عُبَادَةُ : يَا عُبَادَةُ كَلِمَاتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا فِي شَأْنِ الْأَخْمَاسِ ، فَقَالَ عُبَادَةُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ فِي غَزْوَةٍ إِلَى بَعِيرٍ مِنَ الْمَغْنَمِ ; فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَنَاوَلَ وَبَرَةً بَيْنَ أُنْمُلَتَيْهِ ، فَقَالَ : " إِنَّ هَذِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ ، وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي فِيهَا إِلَّا نَصِيبِي مَعَكُمُ الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ ، فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ وَأَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْغَرَ ، وَلَا تَغُلُّوا فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَجَاهِدُوا النَّاسَ فِي اللَّهِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ ، وَلَا تُبَالُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، وَأَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ عَظِيمٌ يُنْجِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ " .

    قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أَنْ سَاقَ حَدِيثَ أَحْمَدَ هَذَا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَظِيمٌ ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَكِنْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ فِي قِصَّةِ الْخُمُسِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْغُلُولِ .

    وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ إِلَى بَعِيرٍ مِنَ الْمَغْنَمِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ هَذَا الْبَعِيرِ ، ثُمَّ قَالَ : " وَلَا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذِهِ إِلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ .

    فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْخُمُسَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ ; لِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ ذُكِرَ لِلتَّعْظِيمِ وَافْتِتَاحِ الْكَلَامِ بِهِ ، مَعَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَمْلُوكٌ لَهُ جَلَّ وَعَلَا ، فَاعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصْرِفُ نَصِيبَهُ ، الَّذِي هُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ ، فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ . بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا : " وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ " ، وَهُوَ الْحَقُّ .

    وَيَدُلُّ لَهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ قُوتَ سَنَتِهِ مِنْ فَيْءِ بَنِيَ النَّضِيرِ ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

    وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ ، وَانْتِقَالِهِ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ; فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ بِسُقُوطِ نَصِيبِهِ بِوَفَاتِهِ .

    وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ : أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .

    وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ سُقُوطَ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى أَيْضًا بِوَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #103
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (102)

    سُورَةُ الْأَنْفَالِ (4)
    صـ 61 إلى صـ 65


    وَالصَّحِيحُ أَنَّ نَصِيبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاقٍ ، وَأَنَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ يَصْرِفُهُ فِيمَا كَانَ يَصْرِفُهُ فِيهِ [ ص: 61 ] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ .

    وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَكُونُ نَصِيبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ يَلِي الْأَمْرَ بَعْدَهُ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَلِيٍّ ، وَقَتَادَةَ ، وَجَمَاعَةٍ ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ رَاجِعٌ فِي الْمَعْنَى إِلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ الصَّحِيحُ ، وَأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ لِمَنْ يَلِي الْأَمْرَ بَعْدَهُ ، أَنَّهُ يَصْرِفُهُ فِيمَا كَانَ يَصْرِفُهُ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالنَّبِيُّ قَالَ : " الْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ " وَهُوَ وَاضِحٌ كَمَا تَرَى .

    وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ الْأَقْوَالِ فِي نَصِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ رَاجِعَةٌ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ ; وَهُوَ صَرْفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ .

    وَقَدْ كَانَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَصْرِفُونَهُ فِيمَا كَانَ يَصْرِفُهُ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

    وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَصْرِفَانِهِ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ .

    وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ ذَوِي الْقُرْبَى بَاقٍ ، وَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

    وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ :

    الْأُولَى : هَلْ يَسْقُطُ بِوَفَاتِهِ أَوْ لَا ؟

    وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ السُّقُوطِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ .

    الثَّانِيَةُ : فِي الْمُرَادِ بِذِي الْقُرْبَى .

    الثَّالِثَةُ : هَلْ يُفَضَّلُ ذَكَرُهُمْ عَلَى أُنْثَاهُمْ أَوْ لَا ؟

    أَمَّا ذَوُو الْقُرْبَى : فَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ; عَلَى أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ .

    قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، فِي كِتَابِ " فَرْضِ الْخُمُسِ " .

    حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، قَالَ : مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا ، وَنَحْنُ وَهَمَ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَقَالَ [ ص: 62 ] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ ، وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ " .

    قَالَ اللَّيْثَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ وَزَادَ قَالَ جُبَيْرٌ : وَلَمْ يُقَسِّمِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ . اهـ .

    وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الْمَغَازِي : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ ، قَالَ : مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْنَا : أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ ، وَتَرَكْتَنَا ، وَنَحْنُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْكَ ، فَقَالَ : " إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ " ، قَالَ جُبَيْرٌ : لَمْ يُقَسِّمِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا اهـ .

    وَإِيضَاحُ كَوْنِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ : أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ .

    فَأَوْلَادُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ أَرْبَعَةٌ :

    هَاشِمٌ ، وَالْمُطَّلِبُ ، وَعَبْدُ شَمْسٍ .

    وَهُمْ : أَشِقَّاءُ أُمِّهِمْ : عَاتِكَةَ ، بِنْتِ مُرَّةَ بْنِ هِلَالٍ السُّلَمِيَّةَ ، إِحْدَى عَوَاتِكِ سُلَيْمٍ ; اللَّاتِي هُنَّ جَدَّاتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُنَّ ثَلَاثٌ :

    هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا .

    وَالثَّانِيَةُ : عَمَّتُهَا ; وَهِيَ : عَاتِكَةُ بِنْتُ هِلَالٍ الَّتِي هِيَ أُمُّ عَبْدِ مَنَافٍ .

    وَالثَّالِثَةُ : بِنْتُ أَخِي الْأُولَى ; وَهِيَ عَاتِكَةُ بِنْتُ الْأَوْقَصِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هِلَالٍ ، وَهِيَ أُمُّ وَهْبٍ ، وَالِدِ آمِنَةَ ، أُمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

    وَرَابِعُ أَوْلَادِ عَبْدِ مَنَافٍ : نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَأُمُّهُ : وَاقِدَةُ بِنْتُ أَبِي عَدِيٍّ ، وَاسْمُهُ نَوْفَلُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ صَعْصَعَةَ .

    قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الْبَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ فِي نَظْمِهِ عَمُودِ النَّسَبِ : [ الرَّجَزُ ]


    عَبْدُ مَنَافٍ قَمَرُ الْبَطْحَاءِ

    أَرْبَعَةٌ بَنُوهُ هَؤُلَاءِ

    مُطَّلِبٌ ، وَهَاشِمٌ ، وَنَوْفَلُ

    وَعَبْدُ شَمْسٍ ، هَاشِمٌ لَا يُجْهَلُ
    وَقَالَ فِي بَيَانِ عَوَاتِكِ سُلَيْمٍ اللَّاتِي هُنَّ جَدَّاتٌ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ الرَّجَزُ ]


    عَوَاتِكُ النَّبِيِّ : أُمُّ وَهْبِ

    وَأُمُّ هَاشِمٍ ، وَأُمُّ النَّدْبِ

    عَبْدِ مَنَافٍ ، وَذِهِ الْأَخِيرِهْ

    عَمَّةُ عَمَّةِ الْأُولَى الصَّغِيرَهْ
    [ ص: 63 ]
    وَهُنَّ بِالتَّرْتِيبِ ذَا لِذِي الرِّجَالِ

    الْأَوْقَصِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هِلَالِ
    فَبِهَذَا الَّذِي بَيَّنَّا يَتَّضِحُ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذِي الْقُرْبَى فِي الْآيَةِ : بَنُو هَاشِمٍ ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، وَبَنِي نَوْفَلٍ .

    وَوَجْهُهُ أَنَّ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، وَبَنِي نَوْفَلٍ عَادَوُا الْهَاشِمِيِّين َ ، وَظَاهَرُوا عَلَيْهِمْ قُرَيْشًا ، فَصَارُوا كَالْأَبَاعِدِ مِنْهُمْ ; لِلْعَدَاوَةِ ، وَعَدَمِ النُّصْرَةِ .

    وَلِذَا قَالَ فِيهِمْ أَبُو طَالِبٍ ; فِي لَامِيَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ : [ الطَّوِيلُ ]


    جَزَى اللَّهُ عَنَّا عَبَدَ شَمْسٍ ، وَنَوْفَلًا

    عُقُوبَةَ شَرٍّ ، عَاجِلٍ ، غَيْرِ آجِلِ

    بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يَخِيسُ شَعِيرَةً

    لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ ، غَيْرُ عَائِلِ

    لَقَدْ سَفِهَتْ أَحْلَامُ قَوْمٍ تَبَدَّلُوا

    بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا بِنَا ، وَالْغَيَاطِلِ

    وَنَحْنُ الصَّمِيمُ مِنْ ذُؤَابَةِ هَاشِمٍ

    وَآلِ قُصَيٍّ فِي الْخُطُوبِ الْأَوَائِلِ
    بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرْنَا : يَتَّضِحُ عَدَمُ صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : بِأَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ فَقَطْ ، وَقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُمْ قُرَيْشٌ كُلُّهُمْ .

    وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ فَقَطْ : عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، وَالْأَوْزَاعِي ُّ ، وَغَيْرُهُمْ .

    وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَمُسْلِمٌ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَالْبَيْهَقِيّ ُ فِي سُنَنِهِ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ نَجْدَةَ الْحَرُورِيَّ كَتَبَ إِلَيْهِ : يَسْأَلُهُ عَنْ ذَوِي الْقُرْبَى الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : إِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّا هُمْ ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا ، وَقَالُوا : قُرَيْشٌ كُلُّهَا ذَوُو قُرْبَى .

    وَزِيَادَةُ قَوْلِهِ : وَقَالُوا : " قُرَيْشٌ كُلُّهَا " تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو مَعْشَرٍ ، وَفِيهِ ضَعْفٌ .

    وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِعْلِهِ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ : يُعَيِّنُ أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ ، وَالْمُطَّلِبِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .

    فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِخُمُسِ الْخُمُسِ مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ لِبَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ ، وَأَنَّهُمْ هُمْ ذَوُو الْقُرْبَى الْمَذْكُورُونَ فِي الْآيَةِ .

    فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا : هَلْ يُفَضَّلُ ذَكَرُهُمْ عَلَى أُنْثَاهُمْ ، أَوْ يُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ ؟

    فَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ كَالْمِيرَاثِ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ; وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ [ ص: 64 ] أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْن ِ .

    قَالَ صَاحِبُ " الْإِنْصَافِ " : هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ ، وَصَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " ، وَ " الْمُذْهَبِ " ، وَ " مَسْبُوكِ الذَّهَبِ " ، وَ " الْعُمْدَةِ " ، وَ " الْوَجِيزِ " ، وَغَيْرِهِمْ ; وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْن ِ " ، وَ " الْحَاوِيَيْنِ " ، وَغَيْرِهِمْ ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْبُلْغَةِ " ، وَ " النَّظْمِ " ، وَغَيْرِهِمَا .

    وَعَنْهُ : الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ; سَوَاءٌ . قَدَّمَهُ ابْنُ رُزَيْنٍ فِي شَرْحِهِ ; وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُغْنِي " ، وَ " الشَّرْحِ " ، وَ " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " ، اهـ مِنْ " الْإِنْصَافِ " .

    وَتَفْضِيلُ ذَكَرِهِمْ عَلَى أُنْثَاهُمُ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا .

    وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ : أَنَّهُ سَهْمٌ اسْتُحِقَّ بِقَرَابَةِ الْأَبِ شَرْعًا ; بِدَلِيلِ أَنَّ أَوْلَادَ عَمَّاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ; لَمْ يَقْسِمْ لَهُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ ، وَكَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا بِقَرَابَةِ الْأَبِ خَاصَّةً يَجْعَلُهُ كَالْمِيرَاثِ ; فَيُفَضَّلُ فِيهِ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى .

    وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ سَوَاءٌ .

    وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْمُزَنِيُّ : وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ عِنْدِي ; لِأَنَّ تَفْضِيلَ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ فَضَّلَ ذَكَرَهُمْ عَلَى أُنْثَاهُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ .

    وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَالْمِيرَاثِ : أَنَّ الِابْنَ مِنْهُمْ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ مَعَ وُجُودِ أَبِيهِ ، وَجَدِّهِ اهـ .

    وَصَغِيرُهُمْ ، وَكَبِيرُهُمْ سَوَاءٌ ; وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِنَصِيبِ الْقَرَابَةِ عَلَى أَنَّهُ يُقَسَّمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ ; وَلَمْ يُتْرَكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ خِلَافًا لِقَوْمٍ .

    وَالظَّاهِرُ شُمُولُ غَنِيِّهِمْ ، خِلَافًا لِمَنْ خَصَّصَ بِهِ فُقَرَاءَهُمْ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُخَصِّصْ بِهِ فُقَرَاءَهُمْ ، بِخِلَافِ نَصِيبِ الْيَتَامَى ، وَالْمَسَاكِينِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ .

    فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُخَصَّصُ بِهِ فُقَرَاؤُهُمْ ، وَلَا شَيْءَ لِأَغْنِيَائِهِ مْ ، فَقَدْ بَانَ لَكَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : أَنَّ سَهْمَ اللَّهِ ، وَسَهْمَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدٌ ; وَأَنَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ; وَأَنَّ سَهْمَ الْقَرَابَةِ لِبَنِي [ ص: 65 ] هَاشِمٍ ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ; لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَأَنَّهُ لِجَمِيعِهِمْ : غَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ ، قَاتَلُوا أَمْ لَمْ يُقَاتِلُوا ، وَأَنَّ لِلذَّكَرِ مِنْهُمْ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَأَنَّ الْأَنْصِبَاءَ الثَّلَاثَةَ الْبَاقِيَةَ لِخُصُوصِ الْفُقَرَاءِ مِنَ الْيَتَامَى ، وَالْمَسَاكِينِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ .

    وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ : سُقُوطُ سَهْمِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَهْمِ قَرَابَتِهِ بِمَوْتِهِ ، وَأَنَّ الْخُمُسَ يُقَسَّمُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ : الَّتِي هِيَ الْيَتَامَى ، وَالْمَسَاكِينُ ، وَابْنُ السَّبِيلِ .

    قَالَ : وَيَبْدَأُ مِنَ الْخُمُسِ بِإِصْلَاحِ الْقَنَاطِرِ ، وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ ، وَالْجُنْدِ ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا .

    وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ أَمْرَ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ مَوْكُولٌ إِلَى نَظَرِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ ; فِيمَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ ، وَيُعْطِي الْقَرَابَةَ بِاجْتِهَادِهِ ، وَيَصْرِفُ الْبَاقِي فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ .

    قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا : وَبِقَوْلِ مَالِكٍ هَذَا : قَالَ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ ، وَبِهِ عَمِلُوا ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَالِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسَ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ " ، فَإِنَّهُ لَمْ يُقَسِّمْهُ أَخْمَاسًا ، وَلَا أَثْلَاثًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِي الْآيَةِ مَنْ ذَكَرَ عَلَى وَجْهِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهَمِّ مَنْ يُدْفَعُ إِلَيْهِ .

    قَالَ الزَّجَّاجُ : مُحْتَجًّا لِمَالِكٍ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْ نِ وَالْأَقْرَبِين َ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ 2 \ 215 ] .

    وَلِلرَّجُلِ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ يُنْفِقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ ، إِذَا رَأَى ذَلِكَ ، وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : " خُمُسُ اللَّهِ ، وَخُمُسُ رَسُولِهِ وَاحِدٌ ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ مِنْهُ ، وَيُعْطِي مِنْهُ ، وَيَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ " اهـ مِنَ الْقُرْطُبِيِّ .

    وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَا نَصُّهُ : " وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّ الْخُمُسَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ ، كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ الْفَيْءِ .

    وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ تَيْمِيَةَ : رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَكْثَرُ السَّلَفِ ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ اهـ مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ .

    وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ رَأْيُ الْبُخَارِيِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ، يَعْنِي لِلرَّسُولِ قَسْمُ ذَلِكَ .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #104
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (103)

    سُورَةُ الْأَنْفَالِ (5)
    صـ 66 إلى صـ 70

    وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ ، وَخَازِنٌ ، وَاللَّهُ يُعْطِي " ، ثُمَّ سَاقَ الْبُخَارِيُّ أَحَادِيثَ الْبَابِ ، فِي كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاسِمًا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : وَهَذَا الْقَوْلُ قَوِيٌّ ، وَسَتَأْتِي لَهُ أَدِلَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذَا ، وَلَكِنَّ أَقْرَبَ الْأَقْوَالِ لِلسَّلَامَةِ هُوَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ خُمُسَ مَا غَنِمْنَا لِهَذِهِ الْمَصَارِفِ الْمَذْكُورَةِ ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ، وَهُوَ وَاضِحٌ جِدًّا ، كَمَا تَرَى .

    وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ ; كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : بِأَنَّ الْخُمُسَ كُلَّهُ لَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَتَامَى ، وَالْمَسَاكِينِ : يَتَامَاهُمْ ، وَمَسَاكِينُهُم ْ ، وَقَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَكُونُ لِقَرَابَةِ الْخَلِيفَةِ الَّذِي يُوَلِّيهِ الْمُسْلِمُونَ ، فَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُمَا ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
    الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ ، وَالْفِضَّةَ ، وَسَائِرَ الْأَمْتِعَةِ ; كُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ الْآيَةِ : يُخَمَّسُ ، وَيُقْسَّمُ الْبَاقِي عَلَى الْغَانِمِينَ ، كَمَا ذَكَرْنَا .

    الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : أَمَّا أَرْضُهُمُ الْمَأْخُوذَةُ عَنْوَةً ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : يُخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ قِسْمَتِهَا ، كَمَا يُفْعَلُ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَلَا خَرَاجَ عَلَيْهَا ، بَلْ هِيَ أَرْضُ عُشْرٍ مَمْلُوكَةٌ لِلْغَانِمِينَ ، وَبَيْنَ وَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِصِيغَةٍ .

    وَقِيلَ : بِغَيْرِ صِيغَةٍ ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ تَرْكُهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِخَرَاجٍ مُسْتَمِرٍّ يُؤْخَذُ مِمَّنْ تَقَرُّ بِيَدِهِ ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ .

    وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ : إِذَا قَسَّمَهَا الْإِمَامُ ، فَقِيلَ : تُخَمَّسُ ، وَهُوَ أَظْهَرُ ، وَقِيلَ : لَا ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَجِلَّاءِ الْعُلَمَاءِ قَائِلًا : إِنَّ أَرْضَ خَيْبَرَ لَمْ يُخَمَّسْ مَا قُسِّمَ مِنْهَا .

    وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَرْضَ خَيْبَرَ خُمِّسَتْ ، كَمَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ .

    وَهَذَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْقَسْمِ ، وَإِبْقَائِهَا لِلْمُسْلِمِينَ ، الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - هُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ .

    وَأَمَّا مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ ، بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا .

    وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا غَنِيمَةٌ يَجِبُ قَسْمُهَا عَلَى الْمُجَاهِدِينَ ، بَعْدَ [ ص: 67 ] إِخْرَاجِ الْخُمُسِ ، وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ حُجَجَ الْجَمِيعِ ، وَمَا يَظْهَرُ لَنَا رُجْحَانُهُ بِالدَّلِيلِ .

    أَمَّا حُجَّةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهِيَ بِكِتَابٍ وَسُنَّةٍ .

    أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ الْآيَةَ ، فَهُوَ يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ شُمُولَ الْأَرْضِ الْمَغْنُومَةِ .

    وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَسَّمَ أَرْضَ قُرَيْظَةَ ، بَعْدَ أَنْ خَمَّسَهَا ، وَبَنِي النَّضِيرِ ، وَنَصَّفَ أَرْضَ خَيْبَرَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ .

    قَالَ : فَلَوْ جَازَ أَنْ يَدَّعِيَ إِخْرَاجَ الْأَرْضِ ، جَازَ أَنْ يَدَّعِيَ إِخْرَاجَ غَيْرِهَا ، فَيَبْطُلُ حُكْمُ الْآيَةِ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ ، الِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ : ظَاهِرٌ ، وَبِالسُّنَّةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِالتَّخْيِيرِ ; لِأَنَّهُ يَقُولُ : كَانَ مُخَيَّرًا فَاخْتَارَ الْقَسْمَ ، فَلَيْسَ الْقَسْمُ وَاجِبًا ، وَهُوَ وَاضِحٌ كَمَا تَرَى .

    وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَسَمَ نِصْفَ أَرْضِ خَيْبَرَ ، وَتَرَكَ نِصْفَهَا ، وَقَسَمَ أَرْضَ قُرَيْظَةَ ، وَتَرَكَ قَسْمَ مَكَّةَ ، فَدَلَّ قَسَمُهُ تَارَةً ، وَتَرْكُهُ الْقَسْمَ أُخْرَى ، عَلَى التَّخْيِيرِ .

    فَفِي " السُّنَنِ " وَ " الْمُسْتَدْرَكِ " : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ، جَمْعُ كُلِّ سَهْمٍ مِائَةُ سَهْمٍ ، فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِلْمُسْلِمِي نَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ ، وَعَزَلَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ لِمَنْ يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الْوُفُودِ ، وَالْأُمُورِ ، وَنَوَائِبِ النَّاسِ " ، هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ .

    وَفِي لَفْظٍ : " عَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَهُوَ الشَّطْرُ لِنَوَائِبِهِ ، وَمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ ذَلِكَ : الْوَطِيحَ ، وَالْكُتَيْبَةَ ، وَالسُّلَالِمَ ، وَتَوَابِعَهَا " .

    وَفِي لَفْظٍ أَيْضًا : " عَزَلَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ ، وَمَا يَنْزِلُ بِهِ ; الْوَطِيحَةَ ، وَالْكُتَيْبَةَ ، وَمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا ، وَعَزَلَ النِّصْفَ الْآخَرَ : فَقَسَّمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، الشَّقَّ ، وَالنَّطَاةَ ، وَمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا ، وَكَانَ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا " .

    وَرَدَّ الْمُخَالِفُ هَذَا الِاحْتِجَاجَ ، بِأَنَّ النِّصْفَ الْمَقْسُومَ مِنْ خَيْبَرَ : مَأْخُوذٌ عَنْوَةً ، وَالنِّصْفَ الَّذِي لَمْ يُقَسَّمْ مِنْهَا : مَأْخُوذٌ صُلْحًا ، وَجَزَمَ بِهَذَا ابْنُ حَجَرٍ فِي " فَتْحِ الْبَارِيِّ " .

    وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَأَصَبْنَاهَا [ ص: 68 ] عَنْوَةً ، مَا نَصُّهُ قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الْمَازِرِيُّ : ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا كُلَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ عَنْوَةً ، وَبَعْضُهَا صُلْحًا ، قَالَ : وَقَدْ يَشْكُلُ مَا رُوِيَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، أَنَّهُ قَسَمَهَا نِصْفَيْنِ : نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ ، وَحَاجَتِهِ ، وَنِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : وَجَوَابُهُ ، مَا قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُ كَانَ حَوْلَهَا ضِيَاعٌ وَقُرًى أُجْلِيَ عَنْهَا أَهْلُهَا ، فَكَانَتْ خَالِصَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا سِوَاهَا لِلْغَانِمِينَ ، فَكَانَ قَدْرُ الَّذِي جَلَوْا عَنْهُ النِّصْفَ ، فَلِهَذَا قُسِمَ نِصْفَيْنِ . اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ .

    وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ ، ثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ آدَمَ - ثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَبَعْضِ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، قَالُوا : بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ تَحَصَّنُوا ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْ يَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ ، وَيُسَيِّرَهُمْ ، فَفَعَلَ ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ فَدَكَ ، فَنَزَلُوا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ; لِأَنَّهَا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ .

    حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، افْتَتَحَ بَعْضَ خَيْبَرَ عَنْوَةً " .

    قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ ، وَأَنَا شَاهِدٌ ، أَخْبَرَهُمُ ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا عَنْوَةً ، وَبَعْضُهَا صُلْحًا ، وَالْكُتَيْبَةُ أَكْثَرُهَا عَنْوَةً ، وَفِيهَا صُلْحٌ ; قُلْتُ لِمَالِكٍ : وَمَا الْكُتَيْبَةُ ؟ قَالَ : أَرْضُ خَيْبَرَ ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَذْقٍ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا : يَقْدَحُ فِي الِاحْتِجَاجِ لِتَخْيِيرِ الْإِمَامِ فِي الْقَسْمِ ، وَالْوَقْفِيَّة ُ بِقَضِيَّةِ خَيْبَرَ كَمَا تَرَى وَحُجَّةُ قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي أَنَّ أَرْضَ الْعَدُوِّ الْمَفْتُوحَةَ عَنْوَةً تَكُونُ وَقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ ، بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا - أُمُورٌ :

    مِنْهَا : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتُ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " مُنِعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا ، وَمُنِعَتِ الشَّامُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا ، وَمُنِعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ ، شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ ، لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ " .

    وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ عِنْدَهُمْ بِالْحَدِيثِ : أَنَّ : " مُنِعَتِ الْعِرَاقُ . . . إِلَخْ " بِمَعْنَى [ ص: 69 ] سَتُمْنَعُ ; وَعَبَّرَ بِالْمَاضِي إِيذَانًا بِتَحَقُّقِ الْوُقُوعِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ الْآيَةَ [ 18 \ 99 ] وَ [ 36 \ 51 ] وَ [ 39 ، 68 ] [ 50 \ 20 ] ، وَقَوْلِهِ : أَتَى أَمْرُ اللَّهِ الْآيَةَ [ 16 \ 1 ] .

    قَالُوا : فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ لِلْغَانِمِينَ ; لِأَنَّ مَا مَلَكَهُ الْغَانِمُونَ لَا يَكُونُ فِيهِ قَفِيزٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، وَلِحَدِيثِ مُسْلِمٍ هَذَا شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ .

    وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " فَتْحِ الْبَارِيِّ " فِي كِتَابِ " فَرْضِ الْخُمُسِ " مَا نَصُّهُ : وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ : أَنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : " مُنِعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا " الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ الْمَغْنُومَةَ : لَا تُبَاعُ ، وَلَا تُقَسَّمُ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَنْعِ : مَنْعُ الْخَرَاجِ ، وَرَدُّهُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْإِنْذَارِ بِمَا يَكُونُ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيُمْنَعُونَ حُقُوقَهُمْ فِي آخِرِ الْأَمْرِ ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ .

    وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فُتِحَتْ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا ، كَمَا قَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ " .

    وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ : " أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا ، كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ ، وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَ ا " .

    وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا : بِأَنَّ الْأَرْضَ الْمَغْنُومَةَ لَوْ كَانَتْ تُقَسَّمُ ، لَمْ يَبْقَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ الْغَانِمِينَ شَيْءٌ ، وَاللَّهُ أَثْبَتَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ شَرِكَةً بِقَوْلِهِ : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا الْآيَةَ [ 59 \ 10 ] ، فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا [ 59 \ 8 ] ، وَقَوْلِهِ : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ [ 59 \ 9 ] ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ، مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ : يَقُولُونَ ، غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ يَقُولُ : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الْآيَةَ .

    وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ يَسُبُّونَ الصَّحَابَةَ وَيَلْعَنُونَهُ مْ ، وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَهُ : وَالَّذِينَ جَاءُوا ، مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ ، وَجُمْلَةَ يَقُولُونَ ، حَالٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي " آلِ عِمْرَانَ " ، وَهِيَ قَيْدٌ لِعَامِلِهَا وَصْفٌ لِصَاحِبِهَا .

    [ ص: 70 ] قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : هَذِهِ الْأَدِلَّةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا الْمَالِكِيَّةُ ، لَا تَنْهَضُ فِيمَا يَظْهَرُ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ لَا يَتَعَيَّنُ وَجْهُ الدَّلَالَةِ فِيهَا ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا ، فَاخْتَارَ إِبْقَاءَهَا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، كَمَا قَدَّمْنَا .

    وَالِاسْتِدْلَا لُ بِآيَةِ الْحَشْرِ الْمَذْكُورَةِ وَاضِحُ السُّقُوطِ ; لِأَنَّهَا فِي الْفَيْءِ ، وَالْكَلَامُ فِي الْغَنِيمَةِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَعْلُومٌ كَمَا قَدَّمْنَا .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ عُمَرَ فِي الْأَثَرِ الْمَارِّ آنِفًا ، وَبِهِ تَنْتَظِمُ الْأَدِلَّةُ ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا تَعَارُضٌ ، وَالْجَمْعُ وَاجِبٌ مَتَى مَا أَمْكَنَ .

    وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ : أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ دَلَّتْ عَلَى تَخْصِيصٍ وَاقِعٍ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ الْآيَةَ .

    وَتَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ كَثِيرٌ .

    قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَوْلَ بِالتَّخْيِيرِ ، مَا نَصُّهُ : " قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَكَأَنَّ هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ ، وَوَسَطٌ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ ، وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَطْعًا .

    وَلِذَلِكَ قَالَ : " لَوْلَا آخِرُ النَّاسِ " ، فَلَمْ يُخْبِرْ بِنَسْخِ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَلَا بِتَخْصِيصِهِ بِهِمْ .

    فَإِنْ قِيلَ : لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ مَا وَقَعَ فِيهِ الْقَسْمُ مِنْ خَيْبَرَ مَأْخُوذٌ عَنْوَةً ، وَمَا لَمْ يُقَسَّمْ مِنْهَا مَأْخُوذٌ صُلْحًا ، وَالنَّضِيرُ فَيْءٌ ، وَقُرَيْظَةُ قُسِّمَتْ .

    وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّهَا فَيْءٌ أَيْضًا ; لِنُزُولِهِمْ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَبْلَ أَنْ يُحَكِّمَ فِيهِمْ سَعْدًا ، لَكَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ ، وَلَكِنْ يَرُدُّهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَّسَهَا ، كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ .

    وَمَكَّةُ مَأْخُوذَةٌ صُلْحًا ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ " .

    هَذَا ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ .

    فَالْجَوَابُ : أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَلِذَلِكَ أَدِلَّةٌ وَاضِحَةٌ .





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #105
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (104)

    سُورَةُ الْأَنْفَالِ (6)
    صـ 71 إلى صـ 75


    مِنْهَا : أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَالَحَ أَهْلَهَا زَمَنَ الْفَتْحِ ، وَلَا جَاءَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَصَالَحَهُ عَلَى الْبَلَدِ ، وَإِنَّمَا جَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ لِمَنْ دَخَلَ دَارَهُ ، أَوْ أَغْلَقَ بَابَهُ ، [ ص: 71 ] أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، أَوْ أَلْقَى سِلَاحَهُ .

    وَلَوْ كَانَتْ قَدْ فُتِحَتْ صُلْحًا لَمْ يَقُلْ : " مَنْ دَخَلَ دَارَهُ ، أَوْ أَغْلَقَ بَابَهُ ، أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ - فَهُوَ آمِنٌ " ، فَإِنَّ الصُّلْحَ يَقْتَضِي الْأَمَانَ الْعَامَّ .

    وَمِنْهَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِين َ ، وَإِنَّهُ أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ " .

    وَفِي لَفْظِ : " إِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ " .

    وَفِي لَفْظٍ : " فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُولُوا : إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ " ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا فُتِحْتَ عَنْوَةً .

    وَمِنْهَا : أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، " أَنَّهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ جَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى ، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى ، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ ، فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي ، ثُمَّ قَالَ : " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ " ، فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ ، فَقَالَ : " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، هَلْ تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ ؟ " قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : " انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصِدُوهُمْ حَصْدًا " ، وَأَخْفَى بِيَدِهِ ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ ، وَقَالَ : " مَوْعِدُكُمُ الصَّفَا " ، وَجَاءَتِ الْأَنْصَارُ ، فَأَطَافُوا بِالصَّفَا ، قَالَ : فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ ، وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفَا ، وَجَاءَتِ الْأَنْصَارُ ، فَأَطَافُوا بِالصَّفَا ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ " .

    أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .

    وَذَكَرَ أَهْلُ الْمَغَازِي تَفْصِيلَ مَا أُجْمِلَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ هَذَا ، فَبَيَّنُوا أَنَّهُ قُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ اثْنَا عَشَرَ ، وَقِيلَ : قُتِلَ مِنْ قُرَيْشٍ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَمِنْ هُذَيْلٍ أَرْبَعَةٌ ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ ، وَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ الْمُيَلَاءِ الْجُهَنِيُّ ، وَكُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْمُحَارِبِيُّ نِسْبَةً إِلَى مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ ، وَخُنَيْسُ بْنُ خَالِدٍ الْخُزَاعِيُّ ، أَخُو أُمِّ مَعْبَدٍ ، وَقَالَ كُرْزٌ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ فِي دِفَاعِهِ عَنْ خُنَيْسٍ : [ الرَّجَزُ ]

    [ ص: 72 ]
    قَدْ عَلِمَتْ بَيْضَاءُ مِنْ بَنِي فِهْرِ

    نَقِيَّةُ اللَّوْنِ نَقِيَّةُ الصَّدْرِ

    لَأَضْرِبَنَّ الْيَوْمَ عَنْ أَبِي صَخْرِ
    وَفِيهِ نَقْلُ الْحَرَكَةِ فِي الْوَقْفِ ، وَرَجَزُ حَمَاسِ بْنِ قَيْسٍ الْمَشْهُورِ يَدُلُّ عَلَى الْقِتَالِ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَذَكَرَهُ الشِّنْقِيطِيُّ فِي مَغَازِيهِ بِقَوْلِهِ : [ الرَّجَزُ ]


    وَزَعَمَ ابْنُ قَيْسٍ أَنْ سَيَحْفِدَا

    نِسَاءَهُمْ خِلْتَهُ وَأَنْشَدَا

    إِنْ يُقْبِلُوا الْيَوْمَ فَمَالِيَ عِلَّهْ

    هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وَأَلَّهْ

    وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ السَّلَّهْ

    وَشَهِدَ الْمَأْزَقَ فِيهِ حُطَمَا

    مُرَبَّبٌ مِنْ قَوْمِهِ فَانْهَزَمَا

    وَجَاءَ فَاسْتَغْلَقَ بَابَهَا الْبَتُولْ

    فَاسْتَفْهَمَتْ هُ أَيْنَمَا كُنْتَ تَقُولْ

    فَقَالَ وَالْفَزَعُ زَعْفَرَ دَمَهْ

    إِنَّكَ لَوْ شَهِدْتَ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ

    إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ

    وَبُو يَزِيدَ قَائِمٌ كَالْمُؤْتَمَهْ

    وَاسْتَقْبَلَتْ نَا بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ

    لَهُمْ نَهِيتٌ خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ

    يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ

    ضَرْبًا فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَهْ

    لَمْ تَنْطِقِي بِاللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ
    وَهَذَا الرَّجَزُ صَرِيحٌ فِي وُقُوعِ الْقِتَالِ وَالْقَتْلِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَمِصْدَاقُهُ فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ .

    وَمِنْهَا أَيْضًا : أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ ، بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَجَارَتْ رَجُلًا ، فَأَرَادَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَتْلَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ " ، وَفِي لَفْظٍ عَنْهَا : " لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ ، أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي ، فَأَدْخَلْتُهُم َا بَيْتًا ، وَأَغْلَقْتُ عَلَيْهِمَا بَابًا ، فَجَاءَ ابْنُ أُمِّي عَلَيَّ ، فَتَفَلْتُ عَلَيْهِمَا بِالسَّيْفِ " فَذَكَرْتُ حَدِيثَ الْأَمَانِ وَقَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ " ، وَذَلِكَ ضُحًى بِبَطْنِ مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَقِصَّتُهَا ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحِ .

    فَإِجَارَتُهَا لَهُ ، وَإِرَادَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَتْلَهُ ، وَإِمْضَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِجَارَتَهَا - صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا فُتِحْتَ عَنْوَةً .

    وَمِنْهَا : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَمَرَ بِقَتْلِ مِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ ، وَابْنِ خَطَلٍ ، وَجَارِيَتَيْنِ .

    وَلَوْ كَانَتْ فُتِحَتْ صُلْحًا ، لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلَكَانَ ذِكْرُ هَؤُلَاءِ مُسْتَثْنًى مِنْ [ ص: 73 ] عَقْدِ الصُّلْحِ .

    وَأَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ مَنْ ذَكَرَ ، ثَابِتٌ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . \ 5 وَفِي السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ ، قَالَ : أَمِّنُوا النَّاسَ إِلَّا امْرَأَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ ; اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ " ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ .

    فَهَذِهِ أَدِلَّةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ - حَرَسَهَا اللَّهُ - فُتِحَتْ عَنْوَةً .

    وَكَوْنُهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً : يَقْدَحُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ وُجُوبِ قَسْمِ الْأَرْضِ الْمَغْنُومَةِ عَنْوَةً .

    فَالَّذِي يَتَّفِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَدِلَّةِ ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَهَا أَيُّ تَعَارُضٍ : هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْقَوْلِ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ قَسْمِ الْأَرْضِ ، وَإِبْقَائِهَا لِلْمُسْلِمِينَ ، مَعَ مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْحُجَجِ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .

    وَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي رِبَاعِ مَكَّةَ : هَلْ يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا ، وَبَيْعُهَا ، وَإِيجَارُهَا ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ :

    أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِي ُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَالْحَسَنُ ، وَإِسْحَاقُ . وَغَيْرُهُمْ .

    وَكَرِهَهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ .

    وَأَجَازَ جَمِيعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ .

    وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ .

    وَتَوَسَّطَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : تُمَلَّكُ ، وَتُوَرَّثُ ، وَلَا تُؤَجَّرُ ، وَلَا تُبَاعُ ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن ِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
    وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ : تَنَاظَرَ فِيهَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَاضِرٌ ، فَأَسْكَتَ الشَّافِعِيُّ إِسْحَاقَ بِالْأَدِلَّةِ ، بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ : مَا أَحْوَجَنِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُكَ فِي مَوْضِعِكَ ، فَكُنْتُ آمُرُ بِفَرْكِ أُذُنَيْهِ ، أَنَا أَقُولُ لَكَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْتَ تَقُولُ : قَالَ طَاوُسٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَهَلْ لِأَحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةٌ ؟ فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ .

    وَنَحْنُ نَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَدِلَّةَ الْجَمِيعِ ، وَمَا يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحَانَهُ مِنْهَا .

    [ ص: 74 ] فَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأُمُورٍ :

    الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أُسَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَأَلَهُ : أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ ؟ " ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " مِنْ مَنْزِلٍ " ، وَفِي بَعْضِهَا " مَنْزِلًا " ، أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " الْحَجِّ " فِي بَابِ " تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ ، وَشِرَائِهَا " إِلَخْ ، وَفِي كِتَابِ " الْمَغَازِي " فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فِي بَابِ : " أَيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ " ، وَفِي كِتَابِ " الْجِهَادِ " فِي بَابِ : " إِذَا أَسْلَمَ قَوْمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَلَهُمْ مَالٌ وَأَرْضُونَ فَهِيَ لَهُمْ " ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ " الْحَجِّ " فِي بَابِ : " النُّزُولِ بِمَكَّةَ لِلْحَاجِّ وَتَوْرِيثِ دُورِهَا " ، بِثَلَاثِ رِوَايَاتٍ هِيَ مِثْلُ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ .

    فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ " ، صَرِيحٌ فِي إِمْضَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تِلْكَ الرِّبَاعَ .

    وَلَوْ كَانَ بَيْعُهَا ، وَتَمَلُّكُهَا لَا يَصِحُّ لَمَا أَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ .

    الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَضَافَ لِلْمُهَاجِرِين َ مِنْ مَكَّةَ دِيَارَهُمْ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِلْكُهُمْ فِي قَوْلِهِ : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [ 59 \ 8 ] .

    قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " : فَإِنْ قِيلَ : قَدْ تَكُونُ الْإِضَافَةُ لِلْيَدِ وَالسُّكْنَى ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [ 33 \ 33 ] .

    فَالْجَوَابُ : أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي الْمِلْكَ ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ : هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ حَكَمَ بِمِلْكِهَا لِزَيْدٍ ، وَلَوْ قَالَ : أَرَدْتُ بِهِ السُّكْنَى وَالْيَدَ ، لَمْ يُقْبَلْ .

    وَنَظِيرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : مَا احْتُجَّ بِهِ أَيْضًا مِنَ الْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ : " مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ " الْحَدِيثَ . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " .

    الثَّالِثُ : الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِ : " أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ ، اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، دَارَ السِّجْنِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بِأَرْبَعِمِائَ ةٍ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : " بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ " ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ .

    وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَالْبَيْهَقِيّ ُ : أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بَاعَ دَارَ النَّدْوَةِ بِمَكَّةَ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بِمِائَةِ أَلْفٍ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : يَا أَبَا خَالِدٍ بِعْتَ مَأْثَرَةَ [ ص: 75 ] قُرَيْشٍ وَكَرِيمَتَهَا ، فَقَالَ : هَيْهَاتَ ذَهَبَتِ الْمَكَارِمُ فَلَا مَكْرُمَةَ الْيَوْمَ إِلَّا الْإِسْلَامُ ، فَقَالَ : اشْهَدُوا أَنَّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ يَعْنِي الدَّرَاهِمَ الَّتِي بَاعَهَا بِهَا .

    وَعَقَدَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الْبَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ فِي نَظْمِهِ عَمُودِ النَّسَبِ بِقَوْلِهِ يَعْنِي قُصَيًّا : [ الرَّجَزُ ]


    وَاتَّخَذَ النَّدْوَةَ لَا يُخْتَرَعُ

    فِي غَيْرِهَا أَمْرٌ وَلَا تُدَّرَعُ

    جَارِيَةٌ أَوْ يُعْذَرُ الْغُلَامُ

    إِلَّا بِأَمْرِهِ بِهَا يُرَامُ

    وَبَاعَهَا بَعْدُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامْ

    وَأَنَّبُوهُ وَتَصَدَّقَ الْهُمَامْ

    سَيِّدُ نَادِيهِ بِكُلِّ الثَّمَنِ

    إِذِ الْعُلَى بِالدِّينِ لَا بِالدِّمَنِ
    الرَّابِعُ : أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا ، فَبَقِيَتْ عَلَى مِلْكِ أَهْلِهَا ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ضَعْفَ هَذَا الْوَجْهِ .

    الْخَامِسُ : الْقِيَاسُ ; لِأَنَّ أَرْضَ مَكَّةَ أَرْضٌ حَيَّةٌ لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً ، فَيَجُوزُ بَيْعُهَا قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَرْضِ .

    وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : بِأَنَّ رِبَاعَ مَكَّةَ لَا تُمَلَّكُ وَلَا تُبَاعُ بِأَدِلَّةٍ :

    مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي [ 22 \ 25 ] ، قَالُوا : وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ : جَمِيعُ الْحَرَمِ كُلِّهِ لِكَثْرَةِ إِطْلَاقِهِ عَلَيْهِ فِي النُّصُوصِ ، كَقَوْلِهِ : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْآيَةَ [ 17 \ 1 ] ، وَقَوْلِهِ : إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْآيَةَ [ 9 \ 7 ] ، وَقَوْلِهِ : هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [ 5 \ 95 ] ، مَعَ أَنَّ الْمَنْحَرَ الْأَكْبَرَ مِنَ الْحَرَمِ " مِنًى " .

    وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا [ 27 \ 91 ] قَالُوا : وَالْمُحَرَّمُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ .

    وَمِنْهَا : مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَكَّةُ مُنَاخٌ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا ، وَلَا تُؤَاجَرُ بُيُوتُهَا " .

    وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَكَّةُ حَرَامٌ ، وَحَرَامٌ بَيْعُ رِبَاعِهَا ، وَحَرَامٌ أَجْرُ بُيُوتِهَا " .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #106
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (105)

    سُورَةُ الْأَنْفَالِ (7)
    صـ 76 إلى صـ 80


    وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَبْنِي لَكَ بَيْتًا أَوْ بِنَاءً يُظِلُّكَ مِنَ الشَّمْسِ ؟ قَالَ : " لَا ، إِنَّمَا هُوَ مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ " ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ .

    وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ الْكِنَانِيِّ ، قَالَ : كَانَتْ بُيُوتُ مَكَّةَ تُدْعَى السَّوَائِبَ ، لَمْ تُبَعْ رِبَاعُهَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا أَبِي بَكْرٍ ، وَلَا عُمَرَ ، مَنِ احْتَاجَ سَكَنَ ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ .

    وَمِنْهَا : مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مِنًى مُنَاخٌ لِمَنْ سَبَقَ " .

    قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " فِي الْجَنَائِزِ ، فِي " بَابِ الدَّفْنِ " فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيّ ُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمْ ، بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .

    قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ .

    وَذَكَرَ فِي الْبُيُوعِ ، فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَرْضِ الْحَرَمِ : أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحٌ .

    وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : كَانَ عَطَاءٌ يَنْهَى عَنِ الْكِرَاءِ فِي الْحَرَمِ ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، كَانَ يَنْهَى عَنْ تَبْوِيبِ دُورِ مَكَّةَ لِأَنْ يَنْزِلَ الْحَاجُّ فِي عَرَصَاتِهَا ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَوَّبَ دَارَهُ ، سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَنْظِرْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي كُنْتُ امْرَءًا تَاجِرًا ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّخِذَ بَابَيْنِ يَحْبِسَانِ لِي ظَهْرِي ، فَقَالَ : ذَلِكَ لَكَ إِذَنْ .

    وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، قَالَ : يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَتَّخِذُوا لِدُورِكُمْ أَبْوَابًا ، لِيَنْزِلِ الْبَادِي حَيْثُ يَشَاءُ . اهـ ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ : إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : أَقْوَى الْأَقْوَالِ دَلِيلًا فِيمَا يَظْهَرُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ ، لِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ، كَمَا قَدَّمْنَا ، وَلِلْأَدِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَا غَيْرُهُ ، وَلِأَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ مَكَّةَ بَقِيَتْ لَهُمْ دِيَارُهُمْ بَعْدَ الْفَتْحِ يَفْعَلُونَ بِهَا مَا شَاءُوا مِنْ بَيْعٍ ، وَإِجَارَةٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .

    وَأَجَابَ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ الصَّحِيحِ عَنْ أَدِلَّةِ الْمُخَالِفِينَ ; فَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِ : [ ص: 77 ] سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي [ 22 \ 25 ] ، بِأَنَّ الْمُرَادَ خُصُوصُ الْمَسْجِدِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَرَمِ ، بِدَلِيلِ التَّصْرِيحِ بِنَفْسِ الْمَسْجِدِ فِي قَوْلِهِ : وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْآيَةَ [ 22 \ 25 ] ، وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا [ 27 \ 91 ] ، بِأَنَّ الْمُرَادَ : حَرَّمَ صَيْدَهَا ، وَشَجَرَهَا ، وَخَلَاهَا ، وَالْقِتَالَ فِيهَا ، كَمَا بَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَعَ كَثْرَتِهَا النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ دُورِهَا ، وَعَنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ أَبِيهِ : بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " : هُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِ إِسْمَاعِيلَ ، وَأَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ . اهـ .

    وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى : إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ضَعِيفٌ ، وَأَبُوهُ غَيْرُ قَوِيٍّ ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَرُوِيَ عَنْهُ هَكَذَا ، وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا بِبَعْضِ مَعْنَاهُ ، وَعَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَوَاتِ مِنَ الْحَرَمِ .

    قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ .

    وَعَنْ حَدِيثِ أَبِي حَنِيفَةَ : بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ :

    أَحَدُهُمَا : تَضْعِيفُ إِسْنَادِهِ بِابْنِ أَبِي زِيَادٍ الْمَذْكُورِ فِيهِ .

    وَالثَّانِي : أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ عِنْدَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَقَالُوا : رَفْعُهُ وَهْمٌ ، قَالَهُ : الدَّارَقُطْنِي ُّ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ُ .

    وَعَنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بِجَوَابَيْنِ :

    أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ ، كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ .

    الثَّانِي : مَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَغَيْرُهُمْ : أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْحَدِيثِ : الْإِخْبَارُ عَنْ عَادَتِهِمُ الْكَرِيمَةِ فِي إِسْكَانِهِمْ مَا اسْتَغْنَوْا عَنْهُ مِنْ بُيُوتِهِمْ بِالْإِعَارَةِ تَبَرُّعًا ، وَجُودًا .

    وَقَدْ أَخْبَرَ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ بِشَأْنِ مَكَّةَ مِنْهُ عَنْ جَرَيَانِ الْإِرْثِ ، وَالْبَيْعِ فِيهَا .

    وَعَنْ حَدِيثِ " مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ " ، بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَوَاتِهَا ، وَمَوَاضِعِ نُزُولِ الْحَجِيجِ مِنْهَا ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ اهـ .

    وَاعْلَمْ أَنَّ تَضْعِيفَ الْبَيْهَقِيِّ لِحَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، وَحَدِيثِ [ ص: 78 ] عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ تَعَقَّبَهُ عَلَيْهِ مُحَشِّيهِ صَاحِبُ " الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ " ، بِمَا نَصُّهُ : " ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثًا فِي سَنَدِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، فَضَعَّفَ إِسْمَاعِيلَ ، وَقَالَ عَنْ أَبِيهِ غَيْرُ قَوِيٍّ ، ثُمَّ أَسْنَدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، ثُمَّ قَالَ : رَفْعُهُ وَهْمٌ ، وَالصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ ، قُلْتُ : أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ ، ثُمَّ صَحَّحَ الْأَوَّلَ ، وَجَعَلَ الثَّانِيَ شَاهِدًا عَلَيْهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي آخِرِهِ حَدِيثًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا مُنْقَطِعٌ .

    قُلْتُ : هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِي ُّ وَغَيْرُهُ ، وَعَلْقَمَةُ هَذَا صَحَابِيٌّ ، كَذَا ذَكَرَهُ عُلَمَاءُ هَذَا الشَّأْنِ ، وَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ ، كَانَ مَرْفُوعًا عَلَى مَا عُرِفَ بِهِ ، وَفِيهِ تَصْرِيحُ عُثْمَانَ بِالسَّمَاعِ عَنْ عَلْقَمَةَ ، فَمِنْ أَيْنَ الِانْقِطَاعُ ؟ اهـ كَلَامُ صَاحِبِ " الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ " .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَخْفَى سُقُوطُ اعْتِرَاضِ ابْنِ التُّرْكُمَانِي ِّ هَذَا عَلَى الْحَافِظِ الْبَيْهَقِيِّ ، فِي تَضْعِيفِهِ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْن ِ .

    أَمَّا فِي الْأَوَّلِ : فَلِأَنَّ تَصْحِيحَ الْحَاكِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ لِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ لَا يُصَيِّرُهُ صَحِيحًا .

    وَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ ضَعِيفٍ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَتَسَاهُلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي التَّصْحِيحِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرِ بْنِ جَابِرٍ الْبَجَلِيُّ قَدْ يَكُونُ لِلْمُنَاقَشَةِ فِي تَضْعِيفِ الْحَدِيثِ بِهِ وَجْهٌ ; لِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ بِالرِّجَالِ وَثَّقَهُ وَهُوَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ .

    وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ ، فِي " التَّقْرِيبِ " : " صَدُوقٌ لَيِّنُ الْحِفْظِ " ، أَمَّا ابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَتَضْعِيفُ الْحَدِيثِ بِهِ ظَاهِرٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ .

    وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي " التَّقْرِيبِ " : ضَعِيفٌ ، فَتَصْحِيحُ هَذَا الْحَدِيثِ لَا وَجْهَ لَهُ .

    وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي اعْتِرَاضِهِ تَضْعِيفَ الْبَيْهَقِيِّ لِحَدِيثِ الثَّانِي ، فَمِنْ أَيْنَ الِانْقِطَاعُ - فَجَوَابُهُ : أَنَّ الِانْقِطَاعَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ نَضْلَةَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَزَعْمُ الشَّيْخِ ابْنِ التُّرْكُمَانِي ِّ ، أَنَّهُ صَحَابِيٌّ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي " التَّقْرِيبِ " : عَلْقَمَةُ بْنُ نَضْلَةَ - بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ - الْمَكِّيُّ كِنَانِيٌّ .

    وَقِيلَ : كِنْدِيٌّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مَقْبُولٌ ، أَخْطَأَ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَةِ ، وَإِذَنْ فَوَجْهُ انْقِطَاعِهِ ظَاهِرٌ ، فَظَهَرَ أَنَّ الصَّوَابَ مَعَ الْحَافِظِ الْبَيْهَقِيِّ ، وَالنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِمَا فِي تَضْعِيفِ [ ص: 79 ] الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْن ِ .

    وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ تَوَرَّعَ عَنْ بَيْعِ رِبَاعِ مَكَّةَ ، وَإِيجَارِهَا خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ ، أَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ ; لِأَنَّ مَنِ اتَّقَى الشُّبَهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ .
    تَنْبِيهٌ

    أَجْمَعَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَوَاضِعَ النُّسُكِ مِنَ الْحَرَمِ كَمَوْضِعِ السَّعْيِ ، وَمَوْضِعِ رَمْيِ الْجِمَارِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَسَاجِدِ ، وَالْمُسْلِمُون َ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ فِيهَا .

    وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْحَجِيجُ مِنْ مِنًى ، وَمُزْدَلِفَةَ كَذَلِكَ ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُضَيِّقَهُمَا بِالْبِنَاءِ الْمَمْلُوكِ حَتَّى تَضِيقَا بِالْحَجِيجِ ، وَيَبْقَى بَعْضُهُمْ لَمْ يَجِدْ مَنْزِلًا ; لِأَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ ، وَبِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ .

    فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُضَيِّقَ مَحَلِّ الْمَنَاسِكِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، حَتَّى لَا يَبْقَى مَا يَسَعُ الْحَجِيجَ كُلَّهُ ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ : " مِنًى مُنَاخٌ لِمَنْ سَبَقَ " كَمَا تَقَدَّمَ .
    الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي تَحْقِيقِ الْمَقَامِ فِيمَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفُلَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَسَنَذْكُرُ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَأَدِلَّتَهُمْ ، وَمَا يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحَانَهُ .

    اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، كَمَا أَشَرْنَا لَهُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ ، وَوَعَدْنَا بِإِيضَاحِهِ هُنَا ، فَذَهَبَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا إِلَّا مِنَ الْخُمُسِ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ; لِأَنَّ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ مِلْكٌ لِلْغَانِمِينَ الْمُوجِفِينَ عَلَيْهَا بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، هَذَا مَشْهُورُ مَذْهَبِهِ ، وَعَنْهُ قَوْلٌ آخَرُ : أَنَّهَا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ .

    وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ : أَنَّ أَخْمَاسَ الْخُمُسِ الْأَرْبَعَةِ ، غَيْرُ خُمُسِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَصَارِفَ مُعَيَّنَةٍ فِي قَوْلِهِ : وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، وَأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ الْبَاقِيَةِ مِلْكٌ لِلْغَانِمِينَ .

    وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ عَنِ الشَّافِعِيِّ : أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُنَفِّلُ إِلَّا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ، وَدَلِيلُهُ : مَا ذَكَرْنَا آنِفًا .

    وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا نَفْلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي " : وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى :

    يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [ ص: 80 ]

    وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي بَدْأَتِهِ ، وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي رَجْعَتِهِ .

    وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ . أَنَّ لِلْإِمَامِ قَبْلَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ أَنْ يُنَفِّلَ الرُّبُعَ ، أَوِ الثُّلُثَ ، أَوْ أَكْثَرَ ، أَوْ أَقَلَّ بَعْدَ الْخُمُسِ ، وَبَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّنْفِيلُ إِلَّا مِنَ الْخُمُسِ .

    وَقَدْ قَدَّمْنَا جُمْلَةَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ ، وَنَحْنُ الْآنُ نَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحَانَهُ .

    اعْلَمْ أَوَّلًا : أَنَّ التَّنْفِيلَ الَّذِي اقْتَضَى الدَّلِيلُ جَوَازَهُ أَقْسَامٌ :

    الْأَوَّلُ : أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ : إِنْ غَنِمْتُمْ مِنَ الْكُفَّارِ شَيْئًا ، فَلَكُمْ مِنْهُ كَذَا بَعْدَ إِخْرَاجِ خُمُسِهِ ، فَهَذَا جَائِزٌ ، وَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَهُمْ فِي حَالَةِ إِقْبَالِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْكُفَّارِ الرُّبُعَ ، وَفِي حَالَةِ رُجُوعِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَوْطَانِهِمُ الثُّلُثَ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ .

    وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ يَقُولُونَ : إِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي إِفْسَادِ نِيَّاتِ الْمُجَاهِدِينَ ; لِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ مُقَاتِلِينَ مِنْ أَجْلِ الْمَالِ الَّذِي وَعَدَهُمُ الْإِمَامُ تَنْفِيلَهُ .

    وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازٍ ذَلِكَ : مَا رَوَاهُ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ مَالِكٍ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرِيُّ : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَّلَ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي بَدْأَتِهِ ، وَنَفَّلَ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي رَجْعَتِهِ " ، أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَابْنُ الْجَارُودِ .

    وَاعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ فِي حَبِيبٍ الْمَذْكُورِ : أَنَّهُ صَحَابِيٌّ ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي " التَّقْرِيبِ " : مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ ، وَالرَّاجِحُ ثُبُوتُهَا لَكِنَّهُ كَانَ صَغِيرًا ، وَلَهُ ذِكْرٌ فِي " الصَّحِيحِ " ، فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ اهـ .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #107
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (106)

    سُورَةُ الْأَنْفَالِ (8)
    صـ 81 إلى صـ 85


    وقد روى عنه أبو داود هذا الحديث من ثلاثة أوجه :

    منها : عن مكحول بن عبد الله الشامي ، قال : كنت عبدا بمصر لامرأة من بني هذيل ، فأعتقتني فما خرجت من مصر وبها علم إلا حويت عليه ، فيما أرى ، ثم أتيت الحجاز ، فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى ، ثم أتيت العراق فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى ، ثم أتيت الشام فغربلتها ، كل ذلك : أسأل عن النفل فلم أجد أحدا يخبرني فيه بشيء ، حتى لقيت شيخا يقال له : زياد بن [ ص: 81 ] جارية التميمي ، فقلت له : هل سمعت في النفل شيئا ؟ قال : نعم ، سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول : شهدت النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع في البدأة ، والثلث في الرجعة اهـ .

    وقد علمت أن الصحيح أنه صحابي ، وقد صرح في هذه الرواية بأنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع إلى آخر الحديث .

    ومما يدل على ذلك أيضا : ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربع ، وفي الرجعة الثلث " أخرجه الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه ، وصححه ابن حبان .

    وفي رواية عند الإمام أحمد : كان إذا غاب في أرض العدو نفل الربع ، وإذا أقبل راجعا وكل الناس نفل الثلث ، وكان يكره الأنفال ، ويقول : ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم .

    وهذه النصوص تدل على ثبوت التنفيل من غير الخمس .

    ويدل لذلك أيضا : ما رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، عن معن بن يزيد ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا نفل إلا بعد الخمس " ، قال الشوكاني : في " نيل الأوطار " : هذا الحديث صححه الطحاوي اهـ .

    والفرق بين البدأة والرجعة : أن المسلمين في البدأة : متوجهون إلى بلاد العدو ، والعدو في غفلة ، وأما في الرجعة : فالمسلمون راجعون إلى أوطانهم من أرض العدو ، والعدو في حذر ويقظة ، وبين الأمرين فرق ظاهر .

    والأحاديث المذكورة تدل على أن السرية من العسكر إذا خرجت ، فغنمت ، أن سائر الجيش شركاؤهم ، ولا خلاف في ذلك بين العلماء ، كما قاله القرطبي .

    الثاني : من الأقسام التي اقتضى الدليل جوازها : تنفيل بعض الجيش ، لشدة بأسه ، وعنائه ، وتحمله ما لم يتحمله غيره ، والدليل على ذلك ما ثبت في " صحيح مسلم " ، ورواه الإمام أحمد ، وأبو داود عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، في قصة إغارة عبد الرحمن الفزاري ، على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستنقاذه منه ، قال سلمة : فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير فرساننا اليوم ، أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة " ، قال : ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين : سهم الفارس ، وسهم الراجل فجمعهما لي [ ص: 82 ] جميعا ، الحديث . هذا لفظ مسلم في صحيحه من حديث طويل .

    وقد قدمنا أن هذه غزوة " ذي قرد " في سورة " النساء " ، ويدل لهذا أيضا : حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم في أول السورة ، فإن فيه : أن سعدا رضي الله عنه قال : لعله يعطي هذا السيف لرجل لم يبل بلائي ، ثم أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم لسعد رضي الله عنه لحسن بلائه وقتله صاحب السيف كما تقدم .

    الثالث : من أقسام التنفيل التي اقتضى الدليل جوازها : أن يقول الإمام : " من قتل قتيلا فله سلبه " .

    ومن الأدلة على ذلك : ما رواه الشيخان في صحيحيهما ، عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة ، قال : فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين ، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه ، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ، ثم أدركه الموت فأرسلني ، فلحقت عمر بن الخطاب ، فقال : ما للناس ؟ فقلت : أمر الله ، ثم إن الناس رجعوا ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " ، قال : فقمت ، ثم قلت : من يشهد لي ؟ ثم جلست ، ثم قال مثل ذلك ، قال : فقمت ، فقلت : من يشهد لي ؟ ، ثم جلست ، ثم قال ذلك الثالثة ، فقمت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما لك يا أبا قتادة ؟ " فقصصت عليه القصة ، فقال رجل من القوم ، صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي ; فأرضه من حقه ، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لا ها الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله ، فيعطيك سلبه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صدق فأعطه إياه " ، فأعطاني ، قال : فبعت الدرع فابتعت بها مخرفا في بني سلمة ، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام . والأحاديث بذلك كثيرة .

    وروى أبو داود ، وأحمد ، عن أنس : أن أبا طلحة يوم حنين قتل عشرين رجلا ، وأخذ أسلابهم ، وفي رواية عنه عند أحمد ، أحدا وعشرين ، وذكر أصحاب المغازي : أن أبا طلحة قال في قتله من ذكر : [ الرجز ]



    أنا أبو طلحة واسمي زيد


    وكل يوم في سلاحي صيد
    والحق أنه لا يشترط في ذلك أن يكون في مبارزة ، ولا أن يكون الكافر المقتول [ ص: 83 ] مقبلا .

    أما الدليل على عدم اشتراط المبارزة : فحديث أبي قتادة هذا المتفق عليه .

    وأما الدليل على عدم اشتراط كونه قتله مقبلا إليه : فحديث سلمة بن الأكوع ، قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن ، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ، ثم انتزع طلقا من حقوه فقيد به الجمل ، ثم تقدم يتغدى مع القوم ، وجعل ينظر ، وفينا ضعفة ورقة في الظهر ، وبعضنا مشاة إذ خرج يشتد فأتى جمله ، فأطلق قيده ثم أناخه ، وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل ، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء ، قال سلمة : وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته ، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي ، فضربت به رأس الرجل فندر ، ثم جئت بالجمل أقوده وعليه رحله وسلاحه ، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس معه ، فقال : " من قتل الرجل ؟ " ، قالوا : ابن الأكوع ، قال : " له سلبه أجمع " ، متفق عليه ، واللفظ المذكور لمسلم في " كتاب الجهاد والسير " في باب : " استحقاق القاتل سلب القتيل " ، وأخرجه البخاري بمعناه " في كتاب الجهاد " في باب : " الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان " وهو صريح في عدم اشتراط المبارزة ، وعدم اشتراط قتله مقبلا لا مدبرا كما ترى .

    ولا يستحق القاتل سلب المقتول ، إلا أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتالهم .

    فأما إن قتل امرأة ، أو صبيا ، أو شيخا فانيا ، أو ضعيفا مهينا ، أو مثخنا بالجراح لم تبق فيه منفعة ، فليس له سلبه .

    ولا خلاف بين العلماء : في أن من قتل صبيا ، أو امرأة ، أو شيخا فانيا ، لا يستحق سلبهم ، إلا قولا ضعيفا جدا يروى عن أبي ثور ، وابن المنذر : في استحقاق سلب المرأة .

    والدليل على أن من قتل مثخنا بالجراح لا يستحق سلبه ، أن عبد الله بن مسعود ، هو الذي ذفف على أبي جهل يوم بدر ، وحز رأسه ، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح الذي أثبته ، ولم يعط ابن مسعود شيئا .

    وهذا هو الحق الذي جاء به الحديث المتفق عليه ، فلا يعارض بما رواه الإمام [ ص: 84 ] أحمد ، وأبو داود عن ابن مسعود : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفله سيف أبي جهل يوم بدر " ; لأنه من رواية ابنه أبي عبيدة ، ولم يسمع منه ، وكذلك المقدم للقتل صبرا لا يستحق قاتله سلبه ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر بقتل النضر بن الحارث العبدري ، وعقبة بن أبي معيط الأموي صبرا يوم بدر ولم يعط من قتلهما شيئا من سلبهما .

    واختلفوا فيمن أسر أسيرا : هل يستحق سلبه إلحاقا للأسر بالقتل أو لا ؟ والظاهر أنه لا يستحقه ، لعدم الدليل ، فيجب استصحاب عموم واعلموا أنما غنمتم الآية ، حتى يرد مخصص من كتاب أو سنة صحيحة ، وقد أسر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، أسارى بدر ، وقتل بعضهم صبرا كما ذكرنا ، ولم يعط أحدا من الذين أسروهم شيئا من أسلابهم ، ولا من فدائهم بل جعل فداءهم غنيمة .

    أما إذا قاتلت المرأة أو الصبي المسلمين : فالظاهر أن لمن قتل أحدهما سلبه ; لأنه حينئذ ممن يجوز قتله ، فيدخل في عموم " من قتل قتيلا " الحديث ، وبهذا جزم غير واحد ، والعلم عند الله تعالى .

    واعلم أن العلماء اختلفوا في استحقاق القاتل السلب ، هل يشترط فيه قول الإمام : " من قتل قتيلا فله سلبه " أو يستحقه مطلقا ، قال الإمام ذلك أو لم يقله ؟

    وممن قال بهذا الأخير : الإمام أحمد ، والشافعي ، والأوزاعي ، والليث ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، والطبري ، وابن المنذر .

    وممن قال بالأول : الذي هو أنه لا يستحقه إلا بقول الإمام : " من قتل قتيلا " إلخ ، الإمام أبو حنيفة ، ومالك ، والثوري .

    وقد قدمنا عن مالك وأصحابه : أن قول الإمام ذلك : لا يجوز قبل القتال ، لئلا يؤدي إلى فساد النية ، ولكن بعد وقوع الواقع ، يقول الإمام : من قتل قتيلا . . . إلخ .

    واحتج من قال : باستحقاق القاتل سلب المقتول مطلقا بعموم الأدلة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بأن من قتل قتيلا فله سلبه ، ولم يخصص بشيء ، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ، كما علم في الأصول .

    واحتج مالك ، وأبو حنيفة ، ومن وافقهما بأدلة :

    منها : قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة بن الأكوع ، المتفق عليه السابق ذكره ، له سلبه [ ص: 85 ] أجمع ، قالوا : فلو كان السلب مستحقا له بمجرد قتله لما احتاج إلى تكرير هذا القول .

    ومنها : حديث عبد الرحمن بن عوف ، المتفق عليه في قصة قتل معاذ بن عمرو بن الجموح ، ومعاذ بن عفراء الأنصاريين لأبي جهل يوم بدر ، فإن فيه : " ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبراه ، فقال : " أيكما قتله ؟ ! " ، فقال كل واحد منهما : أنا قتلته ، فقال : " هل مسحتما سيفيكما ؟ " قالا : لا ، فنظر في السيفين ، فقال : " كلاكما قتله " ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح اهـ .

    قالوا : فتصريحه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ، المتفق عليه ، بأن كليهما قتله ، ثم تخصيص أحدهما بسلبه ، دون الآخر ، صريح في أن القاتل لا يستحق السلب ، إلا بقول الإمام : إنه له ، إذ لو كان استحقاقه له بمجرد القتل لما كان لمنع معاذ بن عفراء وجه ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بأنه قتله مع معاذ بن عمرو ، ولجعله بينهما .

    ومنها : ما رواه الإمام أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، عن عوف بن مالك قال : قتل رجل من حمير ، رجلا من العدو ، فأراد سلبه ، فمنعه خالد بن الوليد ، وكان واليا عليهم ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عوف بن مالك فأخبره . فقال لخالد : " ما منعك أن تعطيه سلبه ؟ " ، قال : استكثرته يا رسول الله ، قال : " ادفعه إليه " ، فمر خالد بعوف فجر بردائه ، ثم قال : هل أنجزت ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فاستغضب ، فقال : لا تعطه يا خالد ، لا تعطه يا خالد ، هل أنتم تاركون لي أمرائي ، إنما مثلكم ومثلهم ، كمثل رجل استرعى إبلا ، أو غنما فرعاها ، ثم تحين سقيها فأوردها حوضا فشرعت فيه ، فشربت صفوه ، وتركت كدره ، فصفوه لكم وكدره عليهم .

    وفي رواية عند مسلم أيضا : عن عوف بن مالك الأشجعي ، قال : خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة ، في غزوة مؤتة ، ورافقني مددي من اليمن ، وساق الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، غير أنه قال في الحديث : قال عوف بن مالك : فقلت : يا خالد ، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ، قال بلى ، ولكني استكثرته ، هذا لفظ مسلم في صحيحه .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #108
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (107)

    سُورَةُ الْأَنْفَالِ (9)
    صـ 86 إلى صـ 90

    وفي رواية عن عوف أيضا ، عند الإمام أحمد وأبي داود قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ، ورافقني مددي من أهل اليمن ، ومضينا فلقينا جموع الروم ، وفيهم رجل على فرس له ، أشقر ، عليه سرج مذهب ، وسلاح مذهب ، فجعل الرومي يفري في [ ص: 86 ] المسلمين ، فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه ، فخر وعلاه فقتله . وحاز فرسه وسلاحه ، فلما فتح الله عز وجل للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد ، فأخذ السلب ، قال عوف : فأتيته ، فقلت : يا خالد ، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ، قال : بلى ، ولكن استكثرته ، قلت : لتردنه إليه ، أو لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى أن يرد عليه ، قال عوف : فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقصصت عليه قصة المددي ، وما فعل خالد ، وذكر بقية الحديث بمعنى ما تقدم اهـ .

    فقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح : " لا تعطه يا خالد " دليل على أنه لم يستحق السلب بمجرد القتل ، إذ لو استحقه به ، لما منعه منه النبي صلى الله عليه وسلم .

    ومنها : ما ذكره ابن أبي شيبة ، قال : حدثنا أبو الأحوص ، عن الأسود بن قيس ، عن بشر بن علقمة ، قال : بارزت رجلا يوم القادسية ، فقتلته ، وأخذت سلبه ، فأتيت سعدا ، فخطب سعد أصحابه ، ثم قال : هذا سلب بشر بن علقمة فهو خير من اثني عشر ألف درهم ، وإنا قد نفلناه إياه .

    فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي صلى الله عليه وسلم ، لما أضاف الأمراء ذلك التنفيل إلى أنفسهم باجتهادهم ، ولأخذه القاتل دون أمرهم ، قاله القرطبي .

    قال مقيده عفا الله عنه : أظهر القولين عندي دليلا ، أن القاتل لا يستحق السلب إلا بإعطاء الإمام ; لهذه الأدلة الصحيحة ، التي ذكرنا فإن قيل : هي شاهدة لقول إسحاق : إن كان السلب يسيرا فهو للقاتل ، وإن كان كثيرا خمس .

    فالجواب : أن ظاهرها العموم مع أن سلب أبي جهل لم يكن فيه كثرة زائدة ، وقد منع منه النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن عفراء .
    تنبيه

    جعل بعض العلماء منشأ الخلاف في سلب القاتل ، هل يحتاج إلى تنفيذ الإمام أو لا ؟ هو الاختلاف في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من قتل قتيلا " الحديث ، هل هو حكم ؟ وعليه فلا يعم بل يحتاج دائما إلى تنفيذ الإمام ، أو هو فتوى ؟ فيكون حكما عاما غير محتاج إلى تنفيذ الإمام .

    قال صاحب " نشر البنود شرح مراقي السعود " في شرح قوله : [ الرجز ]

    [ ص: 87 ]
    وسائر حكاية الفعل بما

    منه العموم ظاهرا قد علما
    ما نصه : تنبيه : حكى ابن رشيد خلافا بين العلماء ، في قوله صلى الله عليه وسلم : " من قتل قتيلا له عليه بينة ، فله سلبه " ، هل يحتاج سلب القتيل إلى تنفيذ الإمام ، بناء على أن الحديث حكم فلا يعم ، أو لا يحتاج إليه بناء على أنه فتوى ؟ وكذا قوله لهند : " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " فيه خلاف ، هل هو حكم فلا يعم ، أو فتوى فيعم .

    قال ميارة في " التكميل " : [ الرجز ]


    وفي حديث هند الخلاف : هل

    حكم يخصها أو افتاء شمل
    واعلم أن العلماء اختلفوا في السلب ، هل يخمس أو لا ؟ على ثلاثة أقوال :

    الأول : لا يخمس .

    الثاني : يخمس .

    الثالث : إن كان كثيرا خمس ، وإلا فلا .

    وممن قال : إنه لا يخمس : الشافعي ، وأحمد ، وابن المنذر ، وابن جرير ، ويروى عن سعد بن أبي وقاص .

    وممن روي عنه أنه يخمس : ابن عباس ، والأوزاعي ، ومكحول .

    وممن فرق بين القليل والكثير : إسحاق ، واحتج من قال : لا يخمس بما رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن حبان ، والطبراني ، عن عوف بن مالك ، وخالد بن الوليد رضي الله عنهما ; أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب .

    وقال القرطبي في " تفسيره " ، بعد أن ساق حديث عوف بن مالك الذي قدمنا عند مسلم ما نصه : " وأخرجه أبو بكر البرقاني بإسناده ، الذي أخرجه به مسلم ، وزاد بيانا أن عوف بن مالك ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخمس السلب " اهـ .

    وقال ابن حجر في " التلخيص " في حديث خالد وعوف المتقدم ، ما لفظه : " وهو ثابت في " صحيح مسلم " في حديث طويل فيه قصة لعوف مع خالد بن الوليد ، وتعقبه الشوكاني في " نيل الأوطار " بما نصه : وفيه نظر ؛ فإن هذا اللفظ الذي هو محل الحجة لم يكن في صحيح مسلم ، بل الذي فيه هو ما سيأتي قريبا ، وفي إسناد هذا الحديث إسماعيل بن عياش ، وفيه كلام معروف قد تقدم ذكره مرارا " ، اهـ .

    [ ص: 88 ] قال مقيده عفا الله عنه : وقد قدمنا حديث عوف المذكور بلفظ مسلم في صحيحه ، وليس فيه ما ذكره الحافظ بن حجر ، فهو وهم منه ، كما نبه عليه الشوكاني رحمهما الله تعالى .

    والتحقيق في إسماعيل بن عياش أن روايته عن غير الشاميين ضعيفة ، وهو قوي في الشاميين ، دون غيرهم .

    قال مقيده عفا الله عنه : وهذا الحديث من رواية إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه ، عن عوف بن مالك ، وإسماعيل ، وشيخه في هذا الحديث ، الذي هو صفوان بن عمرو ، كلاهما حمصي ، فهو بلدي له :

    وبه تعلم صحة الاحتجاج بالحديث المذكور ، مع قوة شاهده ، الذي قدمنا عن أبي بكر البرقاني ، بسند على شرط مسلم .

    واحتج من قال بأن السلب يخمس : بعموم قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الآية .

    واحتج من قال : يخمس الكثير دون اليسير : بما رواه أنس ، عن البراء بن مالك أنه قتل من المشركين مائة رجل ، إلا رجلا مبارزة ، وأنهم لما غزوا الزارة ، خرج دهقان الزارة ، فقال : رجل ورجل ، فبرز البراء فاختلفا بسيفيهما ، ثم اعتنقا فتوركه البراء فقعد على كبده ، ثم أخذ السيف فذبحه ، وأخذ سلاحه ومنطقته ، وأتى به عمر ، فنفله السلاح ، وقوم المنطقة بثلاثين ألفا ، فخمسها ، وقال : إنها مال . اهـ بنقل القرطبي .

    وقال قبل هذا : وفعله عمر بن الخطاب مع البراء بن مالك ، حين بارز " المرزبان " فقتله ، فكانت قيمة منطقته ، وسواريه ثلاثين ألفا ، فخمس ذلك اهـ .

    وقال ابن قدامة في " المغني " : وقال إسحاق : إن استكثر الإمام السلب ، فذلك إليه ، لما روى ابن سيرين أن البراء بن مالك بارز " مرزبان " الزارة بالبحرين فطعنه ، فدق صلبه ، وأخذ سواريه ، وسلبه ، فلما صلى عمر الظهر أتى أبا طلحة في داره ، فقال : إنا كنا لا نخمس السلب ، وإن سلب البراء قد بلغ مالا ، وأنا خامسه ، فكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء ، رواه سعيد في السنن .

    وفيها أن سلب البراء بلغ ثلاثين ألفا .

    [ ص: 89 ] قال مقيده عفا الله عنه : أظهر الأقوال دليلا عندي أن السلب لا يخمس لحديث عوف وخالد المتقدم ، ويجاب عن أخذ الخمس من سلب البراء بن مالك ، بأن الذي تدل عليه القصة أن السلب لا يخمس ; لأن قول عمر : إنا كنا لا نخمس السلب ، وقول الراوي كان أول سلب خمس في الإسلام : يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر ، وعمر صدرا من خلافته لم يخمسوا سلبا ، واتباع ذلك أولى .

    قال الجوزجاني : لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق فيه من الرسول صلى الله عليه وسلم شيء إلا اتباعه ، ولا حجة في قول أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن قدامة في " المغني " ، والأدلة التي ذكرنا يخصص بها عموم قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم الآية [ 8 \ 41 ] .

    واختلف العلماء فيما إذا ادعى أنه قتله ، ولم يقم على ذلك بينة ، فقال الأوزاعي : يعطاه بمجرد دعواه ، وجمهور العلماء على أنه لا بد من بينة على أنه قتله ، قال مقيده عفا الله عنه : لا ينبغي أن يختلف في اشتراط البينة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح " من قتل قتيلا له عليه بينة " الحديث ، فهو يدل بإيضاح على أنه لا بد من البينة ، فإن قيل : فأين البينة التي أعطى بها النبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة سلب قتيله السابق ذكره .

    فالجواب من وجهين : الأول : ما ذكره القرطبي في " تفسيره " ، قال : سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبد العظيم ، يقول : إنما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة الأسود بن خزاعي ، وعبد الله بن أنيس ، وعلى هذا يندفع النزاع ، ويزول الإشكال ، ويطرد الحكم . اهـ .

    الثاني : أنه أعطاه إياه بشهادة الرجل الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " صدق ، سلب ذلك القتيل عندي " ، الحديث ، فإن قوله " صدق " شهادة صريحة لأبي قتادة أنه هو الذي قتله ، والاكتفاء بواحد في باب الخبر ، والأمور التي لم يقع فيها ترافع قال به كثير من العلماء ، وعقده ابن عاصم المالكي في تحفته بقوله : [ الرجز ]


    وواحد يجزئ في باب الخبر

    واثنان أولى عند كل ذي نظر
    وقال القرطبي في " تفسيره " :

    إن أكثر العلماء على إجزاء شهادة واحد ، وقيل : يثبت ذلك بشاهد ويمين ، والله أعلم .

    وأما على قول من قال : إن السلب موكول إلى نظر الإمام ، فللإمام أن يعطيه إياه ، [ ص: 90 ] ولو لم تقم بينة ، وإن اشترطها فذلك له ، قاله القرطبي ، والظاهر عندي أنه لا بد من بينة لورود النص الصحيح بذلك .

    واختلف العلماء في السلب ما هو ؟

    قال مقيده عفا الله عنه : لهذه المسألة طرفان ، وواسطة :

    طرف أجمع العلماء على أنه من السلب : وهو سلاحه ، كسيفه ، ودرعه ، ونحو ذلك ، وكذلك ثيابه .

    وطرف أجمع العلماء على أنه ليس من السلب : وهو ما لو وجد في هميانه ، أو منطقته دنانير . أو جواهر ، أو نحو ذلك .

    وواسطة اختلف العلماء فيها : منها فرسه الذي مات وهو يقاتل عليه ، ففيه للعلماء قولان : وهما روايتان عن الإمام أحمد ، أصحهما أنه منه ، ومنها ما يتزين به للحرب ، فقال الأوزاعي : ذلك كله من السلب ، وقالت : فرقة ليس منه ، وهذا مروي عن سحنون إلا المنطقة ، فإنها عنده من السلب ، وقال ابن حبيب في الواضحة ، والسواران من السلب ، والله أعلم .

    واعلم أن حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد ، وفيهم ابن عمر ، وأن سهمانهم بلغت اثني عشر بعيرا ، ونفلوا بعيرا بعيرا - دليل واضح على بطلان قول من قال : " لا تنفيل إلا من خمس الخمس " ; لأن الحديث صريح في أنه نفلهم نصف السدس .

    ولا شك أن نصف السدس أكثر من خمس الخمس ، فكيف يصح تنفيل الأكثر من الأقل ، وهو واضح كما ترى ، وأما غير ذلك من الأقوال ، فالحديث محتمل له .

    والذي يسبق إلى الذهن ، أن ما ثبت في " صحيح مسلم " من حديث ابن عمر بلفظ : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش ، والخمس في ذلك واجب كله اهـ .

    يدل على أن ذلك التنفيل من الغنيمة بعد إخراج الخمس ، وهو ما دل عليه حديث حبيب بن سلمة المتقدم ، وهو الظاهر المتبادر خلافا لما قاله ابن حجر في " الفتح " من أنه محتمل لكل الأقوال المذكورة ، والله تعالى أعلم . \


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #109
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (108)

    سُورَةُ الْأَنْفَالِ (10)
    صـ 91 إلى صـ 95

    [ ص: 91 ] المسألة السادسة : الحق الذي لا شك فيه أن الفارس يعطى من الغنيمة ثلاثة أسهم : سهمان لفرسه ، وسهم لنفسه ، وأن الراجل يعطى سهما واحدا ، والنصوص الصحيحة مصرحة بذلك ، فمن ذلك حديث ابن عمر المتفق عليه ، ولفظ البخاري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : جعل للفرس سهمين ، ولصاحبه سهما " .

    ولفظ مسلم ، حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر ، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل للفرس سهمين ، وللرجل سهما " اهـ .

    وأكثر الروايات بلفظ : " وللرجل " ، فرواية الشيخين صريحة فيما ذكرنا ، وبذلك فسره راويه نافع ، قال البخاري في " صحيحه " في غزوة خيبر : قال : فسره نافع ، فقال : إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم ، فإن لم يكن له فرس فله سهم اهـ . وذلك هو معناه الذي لا يحتمل غيره في رواية الصحيحين المذكورة .

    ومنها ما رواه أبو داود ، حدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم : سهما له ، وسهمين لفرسه " .

    حدثنا أحمد بن حنبل ، ثنا أبو معاوية ، ثنا عبد الله بن يزيد ، حدثني المسعودي ، حدثني أبو عمرة عن أبيه ، قال : " أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة نفر ، ومعنا فرس ، فأعطى كل واحد منا سهما ، وأعطى الفرس سهمين " .

    وممن قال بهذا الأئمة الثلاثة : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وهو قول ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وابن سيرين ، وعمر بن عبد العزيز ، والأوزاعي ، والثوري ، والليث ، وحسين بن ثابت ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وابن جرير ، وأبي ثور .

    وخالف أبو حنيفة - رحمه الله - الجمهور ، فقال : للفارس سهمان ، وللراجل سهم ; محتجا بما جاء في بعض الروايات : " أنه صلى الله عليه وسلم ، قسم يوم خيبر للفارس سهمين ، وللراجل سهما " رواه أبو داود من حديث مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله عنه ، وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن ، ويجاب عنه من وجهين :

    الأول : أن المراد بسهمي الفارس خصوص السهمين اللذين استحقهما بفرسه ، كما يشعر به لفظ الفارس .

    [ ص: 92 ] الثاني : أن النصوص المتقدمة أصح منه ، وأولى بالتقديم ، وقد قال أبو داود : حديث أبي معاوية أصح ، والعمل عليه ، وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال : ثلاثمائة فارس ، وكانوا مائتي فارس اهـ .

    وقال النووي في " شرح مسلم " : لم يقل بقول أبي حنيفة هذا أحد ، إلا ما روي عن علي ، وأبي موسى اهـ .

    وإن كان عند بعض الغزاة خيل فلا يسهم إلا لفرس واحد ، وهذا مذهب الجمهور منهم مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، والحسن ، ومحمد بن الحسن ، وغيرهم .

    واحتجوا بأنه لا يمكنه أن يقاتل إلا على فرس واحد ، وقال الأوزاعي والثوري ، والليث ، وأبو يوسف : يسهم لفرسين دون ما زاد عليهما ، وهو مذهب الإمام أحمد ، ويروى عن الحسن ، ومكحول ، ويحيى الأنصاري ، وابن وهب ، وغيره من المالكيين .

    واحتج أهل هذا القول بما روي عن الأوزاعي : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسهم للخيل ، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس " ، وبما روي عن أزهر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ، أن يسهم للفرس من سهمين ، وللفرسين أربعة أسهم ، ولصاحبهما سهم ، فذلك خمسة أسهم ، وما كان فوق الفرسين فهي جنائب ، رواهما سعيد بن منصور ، قاله ابن قدامة في " المغني " .

    واحتجوا أيضا بأنه محتاج إلى الفرس الثاني ; لأن إدامة ركوب واحد تضعفه ، وتمنع القتال عليه فيسهم للثاني ; لأنه محتاج إليه كالأول ، بخلاف الثالث فإنه مستغن عنه ، ولم يقل أحد إنه يسهم لأكثر من فرسين ، إلا شيئا روي عن سليمان بن موسى ، قاله النووي في " شرح مسلم " ، وغيره .

    واختلف العلماء في البراذين والهجن على أربعة أقوال :

    الأول : أنها يسهم لها كسهم الخيل العراب ، وممن قال به مالك ، والشافعي ، وعمر بن عبد العزيز ، والثوري ، ونسبه الزرقاني في " شرح الموطأ " للجمهور ، واختاره الخلال ، وقال : رواه ثلاثة متيقظون عن أحمد ، وحجة هذا القول ما ذكره مالك في الموطأ ، قال : لا أرى البراذين والهجن ، إلا من الخيل ; لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة [ 16 \ 8 ] .

    وقال عز وجل : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم [ 8 \ 60 ] [ ص: 93 ] فأنا أرى البراذين والهجن من الخيل إذا أجازها الوالي .

    وقد قال سعيد بن المسيب ، وسئل عن البراذين : هل فيها من صدقة ؟ قال : وهل في الخيل من صدقة ؟ اهـ .

    وحاصل هذا الاستدلال أن اسم الخيل في الآيتين المذكورتين يشمل البراذين والهجن فهما داخلان في عمومه ; لأنهما ليسا في البغال ولا الحمير بل من الخيل .

    القول الثاني : أنه يسهم للبرذون والهجين سهم واحد قدر نصف سهم الفرس ، واحتج أهل هذا القول بما رواه الشافعي في " الأم " وسعيد بن منصور من طريق علي بن الأقمر الوادعي ، قال : أغارت الخيل فأدركت العراب ، وتأخرت البراذين ، فقام ابن المنذر الوادعي ، فقال : لا أجعل ما أدرك كما لم يدرك ، فبلغ ذلك عمر فقال : هبلت الوادعي أمه لقد أذكرت به ! أمضوها على ما قال ، فكان أول من أسهم للبراذين دون سهام العراب ، وفي ذلك يقول شاعرهم : [ الطويل ]


    ومنا الذي قد سن في الخيل سنة وكانت سواء قبل ذاك سهامها
    وهذا منقطع كما ترى .

    واحتجوا أيضا بما رواه أبو داود في المراسيل ، وسعيد بن منصور ، عن مكحول : " أن النبي صلى الله عليه وسلم هجن الهجين يوم خيبر ، وعرب العربي ، فجعل للعربي سهمين ، وللهجين سهما " ، وهو منقطع أيضا كما ترى ، وبه أخذ الإمام أحمد في أشهر الروايات عنه .

    واحتجوا أيضا بأن أثر الخيل العراب في الحرب أفضل من أثر البراذين وذلك يقتضي تفضيلها عليها في السهام .

    القول الثالث : التفصيل بين ما يدرك من البراذين إدراك العراب ، فيسهم له كسهامها ، وبين ما لا يدرك إدراكها فلا يسهم له ، وبه قال ابن أبي شيبة ، وابن أبي خيثمة ، وأبو أيوب ، والجوزجاني .

    ووجهه أنها من الخيل ، وقد عملت عملها فوجب جعلها منها .

    القول الرابع : لا يسهم لها مطلقا ، وهو قول مالك بن عبد الله الخثعمي ووجهه أنها حيوان لا يعمل عمل الخيل فأشبه البغال .

    قال ابن قدامة في " المغني " : ويحتمل أن تكون هذه الرواية فيما لا يقارب العتاق [ ص: 94 ] منها ، لما روى الجوزجاني بإسناده عن أبي موسى ، أنه كتب إلى عمر بن الخطاب : إنا وجدنا بالعراق خيلا عراضا دكنا ، فما ترى يا أمير المؤمنين في سهمانها ، فكتب إليه : تلك البراذين فما قارب العتاق منها ، فاجعل له سهما واحدا ، وألغ ما سوى ذلك . اهـ .

    والبراذين : جمع برذون ، بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح المعجمة ، والمراد : الجفاة الخلقة من الخيل ، وأكثر ما تجلب من بلاد الروم ، ولها جلد على السير في الشعاب والجبال والوعر بخلاف الخيل العربية .

    والهجين : هو ما أحد أبويه عربي ، وقيل : هو الذي أبوه عربي ، وأما الذي أمه عربية فيسمى المقرف ، وعن أحمد : الهجين البرذون ، ويحتمل أنه أراد في الحكم .

    ومن إطلاق الإقراف على كون الأم عربية قول هند بنت النعمان بن بشير : [ الطويل ]


    وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تحللها بغل
    فإن ولدت مهرا كريما فبالحرى وإن يك إقراف فما أنجب الفحل
    وقول جرير : [ الوافر ]

    إذا آباؤنا وأبوك عدوا أبان المقرفات من العراب واختلف العلماء فيمن غزا على بعير ، هل يسهم لبعيره ؟ فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يسهم للإبل ، قال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل ، كذلك قال الحسن ، ومكحول ، والثوري ، والشافعي ، وأصحاب الرأي ، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة .

    قال ابن قدامة في " المغني " : وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم وقد كان معه يوم " بدر " سبعون بعيرا ، ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل ، هي كانت غالب دوابهم فلم ينقل عنه أنه أسهم لها ، ولو أسهم لها لنقل ، وكذلك من بعد النبي صلى الله عليه وسلم من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير ، ولو أسهم لبعير لم يخف ذلك ، ولأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر ، فلم يسهم له كالبغل والحمار ، اهـ .

    وقال الإمام أحمد : من غزا على بعير ، وهو لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان ، وظاهره أنه لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو على فرس ، وعن أحمد : أنه يسهم [ ص: 95 ] للبعير سهم ، ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره ، وحكي نحو هذا عن الحسن ، قاله ابن قدامة في " المغني " .

    واحتج أهل هذا القول بقوله تعالى : فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب [ 59 \ 6 ] ، قالوا : فذكر الركاب وهي الإبل مع الخيل ، وبأنه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض فيسهم له كالفرس ; لأن تجويز المسابقة بعوض إنما هو في ثلاثة أشياء ، هي : النصل ، والخف ، والحافر ، دون غيرها ; لأنها آلات الجهاد ، فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها ، تحريضا على رياضتها ، وتعلم الإتقان فيها .

    قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر لي - والله أعلم - أنه لا يسهم للإبل لما قدمنا آنفا ، وأما غير الخيل والإبل ، من البغال والحمير والفيلة ونحوها ، فلا يسهم لشيء منه ، وإن عظم غناؤها وقامت مقام الخيل .

    قال ابن قدامة : ولا خلاف في ذلك ; لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقسم لشيء من ذلك ، ولأنها مما لا تجوز المسابقة عليه بعوض فلم يسهم لها كالبقر .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #110
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (109)

    سُورَةُ الْأَنْفَالِ (11)
    صـ 96 إلى صـ 100

    المسألة السابعة : اختلف العلماء في حرق رحل الغال من الغنيمة ، والمراد بالغال من يكتم شيئا من الغنيمة ، فلا يطلع عليه الإمام ، ولا يضعه مع الغنيمة .

    قال بعض العلماء : يحرق رحله كله إلا المصحف وما فيه روح ، وهو مذهب الإمام أحمد ، وبه قال الحسن وفقهاء الشام ، منهم مكحول ، والأوزاعي ، والوليد بن هشام ، ويزيد بن يزيد بن جابر ، وأتى سعيد بن عبد الملك بغال فجمع ماله وأحرقه ، وعمر بن عبد العزيز حاضر ذلك فلم يعبه .

    وقال يزيد بن يزيد بن جابر : السنة في الذي يغل أن يحرق رحله ، رواهما سعيد في سنته ، قاله ابن قدامة في " المغني " .

    ومن حجج أهل هذا القول : ما رواه أبو داود في سننه ، عن صالح بن محمد بن زائدة قال أبو داود وصالح هذا أبو واقد قال : دخلت مع مسلمة أرض الروم ، فأتى برجل قد غل ، فسأل سالما عنه فقال : سمعت أبي يحدث ، عن عمر بن الخطاب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه " ، قال : فوجدنا في متاعه مصحفا فسأل سالما عنه ، فقال : بعه وتصدق بثمنه . اهـ بلفظه من أبي داود .

    وذكر ابن قدامة أنه رواه أيضا الأثرم ، وسعيد ، وقال أبو داود أيضا : حدثنا أبو صالح [ ص: 96 ] محبوب بن موسى الأنطاكي ، قال : أخبرنا أبو إسحاق عن صالح بن محمد ، قال : غزونا مع الوليد بن هشام ، ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر ، وعمر بن عبد العزيز ، فغل رجل متاعا ، فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به ، ولم يعطه سهمه ، قال أبو داود : وهذا أصح الحديثين رواه غير واحد : أن الوليد بن هشام أحرق رحل زياد بن سعد ، وكان قد غل ، وضربه .

    حدثنا محمد بن عوف ، قال : ثنا موسى بن أيوب ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : ثنا زهير بن محمد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر ، وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه " .

    قال أبو داود : وزاد فيه علي بن بحر : عن الوليد ، ولم أسمعه منه ، ومنعوه سهمه ، قال أبو داود : وحدثنا به الوليد بن عتبة ، وعبد الوهاب بن نجدة ، قالا : ثنا الوليد ، عن زهير بن محمد ، عن عمرو بن شعيب قوله ، ولم يذكر عبد الوهاب بن نجدة الحوطي منع سهمه ، اهـ من أبي داود بلفظه ، وحديث صالح بن محمد الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضا الترمذي ، والحاكم ، والبيهقي .

    قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وقال : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة ، الذي يقال له أبو واقد الليثي ، وهو منكر الحديث .

    قال المنذري : وصالح بن محمد بن زائدة : تكلم فيه غير واحد من الأئمة ، وقد قيل : إنه تفرد به ، وقال البخاري : عامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول ، وهو باطل ليس بشيء ، وقال الدارقطني : أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد ، قال : وهذا حديث لم يتابع عليه ، ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    والمحفوظ أن سالما أمر بذلك ، وصحح أبو داود وقفه ، فرواه موقوفا من وجه آخر ، وقال : هذا أصح كما قدمنا ، وحديث عمرو بن شعيب الذي ذكرنا عند أبي داود ، أخرجه أيضا الحاكم ، والبيهقي ، وزهير بن محمد الذي ذكرنا في إسناده الظاهر أنه هو الخراساني ، وقد قال فيه ابن حجر في " التقريب " : رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة ، فضعف بسببها ، وقال البخاري عن أحمد : كان زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر ، وقال أبو حاتم : حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه . اهـ .

    وقال البيهقي : ويقال إنه غير الخراساني ، وإنه مجهول . اهـ ، وقد علمت فيما قدمنا [ ص: 97 ] عن أبي داود ، أنه رواه من وجه آخر موقوفا على عمرو بن شعيب وقال ابن حجر : إن وقفه هو الراجح .

    وذهب الأئمة الثلاثة ، مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة : إلى أنه لا يحرق رحله ، واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يحرق رحل غال ، و بما رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، عن عبد الله بن عمرو ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس ، فيجيئون بغنائمهم ، فيخمسه ، ويقسمه ، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر ، فقال : يا رسول الله ، هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة ، فقال : " أسمعت بلالا ينادي ثلاثا " ، قال : نعم ، قال : " فما منعك أن تجيء به ؟ " فاعتذر إليه ، فقال : " كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك " ، هذا لفظ أبي داود ، وهذا الحديث سكت عنه أبو داود ، والمنذري ، وأخرجه الحاكم وصححه .

    وقال البخاري : قد روي في غير حديث عن الغال ، ولم يؤمر بحرق متاعه ، فقد علمت أن أدلة القائلين بعدم حرق رحل الغال أقوى ، وهم أكثر العلماء .

    قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة : هو ما اختاره ابن القيم ، قال في " زاد المعاد " بعد أن ذكر الخلاف المذكور في المسألة : والصواب أن هذا من باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة ، فإنه حرق وترك ، وكذلك خلفاؤه من بعده ، ونظير هذا قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة ، فليس بحد ، ولا منسوخ ، وإنما هو تعزير يتعلق باجتهاد الإمام . اهـ .

    وإنما قلنا : إن هذا القول أرجح عندنا ; لأن الجمع واجب إذا أمكن ، وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة ، كما علم في الأصول ، والعلم عند الله تعالى .

    أما لو سرق واحد من الغانمين من الغنيمة قبل القسم ، أو وطئ جارية منها قبل القسم ، فقال مالك وجل أصحابه : يحد حد الزنى والسرقة في ذلك ; لأن تقرر الملك لا يكون بإحراز الغنيمة ، بل بالقسم .

    وذهب الجمهور - منهم الأئمة الثلاثة - إلى أنه لا يحد للزنى ولا للسرقة ; لأن استحقاقه بعض الغنيمة شبهة تدرأ عنه الحد ، وبعض من قال بهذا يقول : إن ولدت فالولد حر يلحق نسبه به ، وهو قول أحمد ، والشافعي ، خلافا لأبي حنيفة ، وفرق بعض المالكية بين السرقة والزنى ، فقال : لا يحد للزنى ، ويقطع إن سرق أكثر من نصيبه بثلاثة دراهم .

    [ ص: 98 ] وبهذا قال عبد الملك من المالكية ، كما نقله عنه ابن المواز .

    واختلف العلماء فيما إذا مات أحد المجاهدين قبل قسم الغنيمة ، هل يورث عنه نصيبه ؟

    فقال مالك في أشهر الأقوال ، والشافعي : إن حضر القتال : ورث عنه نصيبه وإن مات قبل إحراز الغنيمة ، وإن لم يحضر القتال فلا سهم له .

    وقال أبو حنيفة : إن مات قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام خاصة ، أو قسمها في دار الحرب فلا شيء له ; لأن ملك المسلمين لا يتم عليها عنده إلا بذلك .

    وقال الأوزاعي : إن مات بعد ما يدرب قاصدا في سبيل الله ، قبل أو بعد ، أسهم له .

    وقال الإمام أحمد : إن مات قبل حيازة الغنيمة فلا سهم له ; لأنه مات قبل ثبوت ملك المسلمين عليها ، وسواء مات حال القتال أو قبله ، وإن مات بعد إحراز الغنيمة فسهمه لورثته .

    قال مقيده عفا الله عنه : وهذا أظهر الأقوال عندي ، والله تعالى أعلم .

    ولا يخفى أن مذهب الإمام مالك رحمه الله في هذه المسألة مشكل ; لأن حكمه بحد الزاني والسارق ، يدل على أنه لا شبهة للغانمين في الغنيمة قبل القسم ، وحكمه بإرث نصيب من مات قبل إحراز الغنيمة إن حضر القتال يدل على تقرر الملك بمجرد حضور القتال ، وهو كما ترى ، والعلم عند الله تعالى .
    المسألة الثامنة : أصح الأقوال دليلا : أنه لا يقسم للنساء والصبيان الذين لا قدرة لهم على القتال ، وما جرى مجراهم ، ولكن يرضخ لهم من الغنيمة باجتهاد الإمام ، ودليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه : عن ابن عباس ، لما سأله نجدة عن خمس خلال .

    منها : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء ؟ وهل كان يضرب لهم بسهم ؟ فيكتب إليه ابن عباس : كتبت تسألني : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء ، وقد كان يغزو بهن ، فيداوين الجرحى ، ويحذين من الغنيمة ، وأما بسهم فلم يضرب لهن
    . الحديث .

    وهو صريح فيما ذكرنا ، فيجب حمل ما ورد في غيره من أن النساء يسهم لهن على الرضخ المذكور في هذا الحديث المعبر عنه بقوله : " يحذين من الغنيمة " .

    قال النووي : قوله " يحذين " ، هو بضم الياء وإسكان الحاء المهملة ، وفتح الذال المعجمة ، أي يعطين تلك العطية ، وتسمى الرضخ ، وفي هذا أن المرأة تستحق الرضخ ، [ ص: 99 ] ولا تستحق السهم ، وبهذا قال أبو حنيفة ، والثوري ، والليث ، والشافعي ، وجماهير العلماء .

    وقال الأوزاعي : تستحق السهم إن كانت تقاتل ، أو تداوي الجرحى ، وقال مالك : لا رضخ لها ، وهذان المذهبان مردودان بهذا الحديث الصحيح الصريح اهـ .
    المسألة التاسعة : اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ نفقة سنته من فيء بني النضير ، لا من المغانم .

    ودليل ذلك : حديث مالك بن أوس بن الحدثان المتفق عليه ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : دخلت على عمر ، فأتاه حاجبه يرفأ ، فقال : هل لك في عثمان ، وعبد الرحمن ، والزبير ، وسعد ؟ قال : نعم ، فأذن لهم ، ثم قال : هل لك في علي ، وعباس ؟ قال : نعم ، قال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا ، قال : أنشدكم بالله ، الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " ، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ؟ فقال : الرهط ، قد قال ذلك ، فأقبل على علي ، وعباس ، فقال : هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك ؟ قالا : قد قال ذلك ، قال عمر : فإني أحدثكم عن هذا الأمر ، إن الله كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ، فقال عز وجل : وما أفاء الله على رسوله إلى قوله : قدير [ 59 \ 6 ] ، فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ما احتازها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، لقد أعطاكموه ، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله ، فعمل بذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته ، أنشدكم بالله ، هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم قال لعلي ، وعباس : أنشدكما بالله ، هل تعلمان ذلك ؟ قالا : نعم ، قال عمر : فتوفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم توفى الله أبا بكر ، فقلت : أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقبضتها سنتين أعمل فيها ما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، ثم جئتماني ، وكلمتكما واحدة ، وأمركما جميع : جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وأتاني هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها ، فقلت : إن شئتما دفعتها إليكما بذلك فتلتمسان مني قضاء غير ذلك ، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما فادفعاها إلي اهـ .

    هذا لفظ البخاري في " الصحيح " في بعض رواياته ، ومحل الشاهد من الحديث [ ص: 100 ] تصريح عمر بأنه صلى الله عليه وسلم كان ينفق على أهله نفقة سنته من فيء بني النضير ، وتصديق الجماعة المذكورة له في ذلك ، وهذا الحديث مخرج في " الصحيحين " وغيرهما من طرق متعددة بألفاظ متقاربة المعنى ، وهو نص في أن نفقة أهله صلى الله عليه وسلم كانت من الفيء ، لا من الغنيمة .

    ويدل له أيضا الحديث المتقدم " مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم " ، فإن قيل ما وجه الجمع بين ما ذكرتم ، وبين ما أخرجه أبو داود من طريق أسامة بن زيد ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا : بنو النضير ، وخيبر ، وفدك ; فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه ، وأما فدك فكانت حبسا لأبناء السبيل ، وأما خيبر فجزأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء : جزئين بين المسلمين ، وجزءا نفقة لأهله ، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين .

    فالجواب - والله تعالى أعلم - أنه لا تعارض بين الروايتين ; لأن " فدك " ونصيبه صلى الله عليه وسلم من " خيبر " كلاهما فيء كما قدمنا عليه الأدلة الواضحة ، وكذلك " بنو النضير " ، فالجميع فيء كما تقدم إيضاحه ، فحكم الكل واحد .

    وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : وكانت فاطمة رضي الله عنها تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ، وفدك ، وصدقته بالمدينة ، فأبى أبو بكر عليها ذلك ، وقال : لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به ، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ .

    فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي ، وعباس ، وأما خيبر ، وفدك فأمسكهما عمر ، وقال : هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه ، وأمرهما إلى من ولي الأمر ، قال : فهما على ذلك إلى اليوم . و هذا لفظ البخاري في صحيحه .





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #111
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (110)

    سُورَةُ الْأَنْفَالِ (12)
    صـ 101 إلى صـ 105

    وقال ابن حجر في " الفتح " : وقد ظهر بهذا أن صدقة النبي صلى الله عليه وسلم تختص بما كان من بني النضير ، وأما سهمه من خيبر ، وفدك فكان حكمه إلى من يقوم بالأمر بعده ، وكان أبو بكر يقدم نفقة نساء النبي صلى الله عليه وسلم مما كان يصرفه فيصرفه من خيبر ، وفدك ، وما فضل من ذلك جعله في المصالح ، وعمل عمر بعده بذلك ، فلما كان عثمان تصرف في فدك بحسب ما رآه ، فروى أبو داود من طريق مغيرة بن مقسم ، قال : جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان ، فقال : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفق من فدك على بني هاشم ، ويزوج أيمهم ، [ ص: 101 ] وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى ، وكانت كذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر ، ثم أقطعها مروان ؛ يعني في أيام عثمان .

    قال الخطابي : إنما أقطع عثمان " فدك " لمروان ; لأنه تأول أن الذي يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون للخليفة بعده ، فاستغنى عثمان عنها بأمواله ، فوصل بها بعض قرابته ، ويشهد لصنيع أبي بكر حديث أبي هريرة المرفوع الثابت في الصحيح بلفظ : " ما تركت بعد نفقة نسائي ، ومئونة عاملي فهو صدقة " .

    فقد عمل أبو بكر وعمر بتفصيل ذلك بالدليل الذي قام لهما . اهـ .

    واعلم أن فيء " بني النضير " تدخل فيه أموال " مخيريق " رضي الله عنه ، وكان يهوديا من " بني قينقاع " مقيما في بني النضير ، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد ، قال لليهود : " ألا تنصرون محمدا صلى الله عليه وسلم ، والله إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم " ، فقالوا : اليوم يوم السبت ، فقال : لا سبت ، وأخذ سيفه ومضى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقاتل حتى أثبتته الجراحة ، فلما حضره الموت قال : أموالي إلى محمد صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء ، وكان له سبع حوائط ببني النضير وهي " الميثب " ، " والصائفة " ، " والدلال " ، " وحسنى " ، " وبرقة " ، " والأعواف " ، " ومشربة أم إبراهيم " .

    وفي رواية الزبير بن بكار " الميثر " بدل " الميثب " ، " والمعوان " عوض " الأعواف " وزاد " مشربة أم إبراهيم " الذي يقال له " مهروز " .

    وسميت " مشربة أم إبراهيم " ; لأنها كانت تسكنها " مارية " ، قاله بعض أصحاب المغازي ، وعد الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي " مخيريق " المذكور من شهداء أحد ، حيث قال في سردهم : [ الرجز ]


    وذو الوصايا الجم للبشير وهو مخيريق بني النضير
    ولنكتف بما ذكرنا من الأحكام التي لها تعلق بهذه الآية الكريمة ، خوف الإطالة المملة .
    قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون .

    أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة بالثبات عند لقاء العدو ، وذكر الله كثيرا مشيرا إلى أن ذلك سبب للفلاح ، والأمر بالشيء نهي عن ضده ، أو مستلزم للنهي عن ضده ، كما علم في الأصول ، فتدل الآية الكريمة على النهي عن عدم الثبات [ ص: 102 ] أمام الكفار ، وقد صرح تعالى بهذا المدلول في قوله : ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار [ 8 \ 15 ] ، إلى قوله : وبئس المصير [ 8 \ 16 ] ، وفي الأمر بالإكثار من ذكر الله تعالى في أضيق الأوقات وهو وقت التحام القتال دليل واضح على أن المسلم ينبغي له الإكثار من ذكر الله على كل حال ، ولا سيما في وقت الضيق ، والمحب الصادق في حبه لا ينسى محبوبه عند نزول الشدائد .

    قال عنترة في معلقته : [ الكامل ]


    ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
    وقال الآخر :


    ذكرتك والخطي يخطر بيننا وقد نهلت فينا المثقفة السمر تنبيه


    قال بعض العلماء : كل " لعل " في القرآن فهي للتعليل إلا التي في سورة الشعراء : وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون [ 129 ] ، فهي بمعنى " كأنكم تخلدون " .

    قال مقيده عفا الله عنه : لفظة " لعل " قد ترد في كلام العرب مرادا بها التعليل ، ومنه قوله : [ الطويل ]

    فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كشبه سراب بالملا متألق فقوله " لعلنا نكف " يعني : " لأجل أن نكف " ، وكونها للتعليل لا ينافي " معنى الترجي " ; لأن وجود المعلول يرجى عند وجود علته .
    قوله تعالى : ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم الآية .

    نهى الله جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التنازع ، مبينا أنه سبب الفشل ، وذهاب القوة ، ونهى عن الفرقة أيضا في مواضع أخر ، كقوله : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [ 3 \ 103 ] ، ونحوها من الآيات ، وقوله في هذه الآية : وتذهب ريحكم [ 8 \ 46 ] ، أي : قوتكم .

    وقال بعض العلماء : نصركم ، كما تقول العرب : الريح لفلان ؛ إذا كان غالبا ، ومنه قوله : [ الوافر ]

    [ ص: 103 ]
    إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل عاصفة سكون
    واسم " إن " ضمير الشأن .

    وقال صاحب الكشاف : الريح : الدولة ، شبهت في نفوذ أمرها ، وتمشيه بالريح في هبوبها ، فقيل : هبت رياح فلان ، إذا دالت له الدولة ، ونفذ أمره ، ومنه قوله : [ البسيط ]


    يا صاحبي ألا لا حي بالوادي إلا عبيد قعود بين أذوادي
    أتنظران قليلا ريث غفلتهم أم تعدوان فإن الريح للعادي
    قوله تعالى : وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ، إلى قوله : إني بريء منكم .

    ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان غر الكفار ، وخدعهم ، وقال لهم : لا غالب لكم وأنا جار لكم .

    وذكر المفسرون : أنه تمثل لهم في صورة " سراقة بن مالك بن جعشم " سيد بني مدلج بن بكر بن كنانة ، وقال لهم ما ذكر الله عنه ، وأنه مجيرهم من بني كنانة ، وكانت بينهم عداوة ، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه [ 8 \ 48 ] ، عندما رأى الملائكة وقال لهم : إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ، فكان حاصل أمره أنه غرهم ، وخدعهم حتى أوردهم الهلاك ، ثم تبرأ منهم .

    وهذه هي عادة الشيطان مع الإنسان كما بينه تعالى في آيات كثيرة ، كقوله : كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك الآية [ 59 \ 16 ] . وقوله : وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم [ 14 \ 22 ] ، إلى قوله : إني كفرت بما أشركتموني من قبل . وكقوله : يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا [ 4 \ 120 ] ، وقد قال حسان بن ثابت رضي الله عنه : [ البسيط ]

    سرنا وساروا إلى بدر لحينهم لو يعلمون يقين الأمر ما ساروا دلاهم بغرور ثم أسلمهم إن الخبيث لمن ولاه غرار
    [ ص: 104 ] قوله تعالى : ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم .

    ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه ، وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال [ 13 \ 11 ] ، وقوله : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [ 42 \ 30 ] ، وقوله : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك [ 4 \ 79 ] إلى غير ذلك من الآيات .
    قوله تعالى : يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين .

    قال بعض العلماء : إن قوله : ومن اتبعك [ 8 \ 64 ] ، في محل رفع بالعطف على اسم الجلالة ، أي حسبك الله ، وحسبك أيضا من اتبعك من المؤمنين .

    وممن قال بهذا : الحسن ، واختاره النحاس وغيره ، كما نقله القرطبي ، وقال بعض العلماء : هو في محل خفض بالعطف على الضمير الذي هو الكاف في قوله : حسبك ، وعليه فالمعنى : حسبك الله أي : كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين ، وبهذا قال الشعبي ، وابن زيد وغيرهما ، وصدر به صاحب " الكشاف " ، واقتصر عليه ابن كثير وغيره ، والآيات القرآنية تدل على تعيين الوجه الأخير ، وأن المعنى كافيك الله ، وكافي من اتبعك من المؤمنين لدلالة الاستقراء في القرآن على أن الحسب والكفاية لله وحده ، كقوله تعالى : ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون [ 9 \ 59 ] ، فجعل الإيتاء لله ورسوله ، كما قال : وما آتاكم الرسول فخذوه [ 59 \ 7 ] ، وجعل الحسب له وحده ، فلم يقل : وقالوا حسبنا الله ورسوله ، بل جعل الحسب مختصا به وقال : أليس الله بكاف عبده [ 39 \ 36 ] ؟ فخص الكفاية التي هي الحسب به وحده ، وتمدح تعالى بذلك في قوله : ومن يتوكل على الله فهو حسبه [ 65 \ 3 ] ، وقال تعالى : وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين [ 8 \ 62 ] ، ففرق بين الحسب والتأييد ، فجعل الحسب له وحده ، وجعل التأييد له بنصره وبعباده .

    وقد أثنى سبحانه وتعالى على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه [ ص: 105 ] بالحسب ، فقال تعالى : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل [ 3 \ 173 ] وقال تعالى : فإن تولوا فقل حسبي الله الآية [ 9 \ 129 ] ، إلى غير ذلك من الآيات ، فإن قيل : هذا الوجه الذي دل عليه القرآن ، فيه أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ، ضعفه غير واحد من علماء العربية ، قال ابن مالك في " الخلاصة " : [ الرجز ]

    وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازما قد جعلا فالجواب من أربعة أوجه :

    الأول : أن جماعة من علماء العربية صححوا جواز العطف من غير إعادة الخافض ، قال ابن مالك في " الخلاصة " : [ الرجز ]


    وليس عندي لازما إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا
    وقد قدمنا في " سورة النساء " في الكلام على قوله : وما يتلى عليكم في الكتاب [ 127 ] شواهده العربية ، ودلالة قراءة حمزة عليه ، في قوله تعالى : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام [ 4 \ 1 ] .

    الوجه الثاني : أنه من العطف على المحل ; لأن الكاف مخفوض في محل نصب ; إذ معنى حسبك : يكفيك ، قال في " الخلاصة " : [ الرجز ]


    وجر ما يتبع ما جر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن
    الوجه الثالث : نصبه بكونه مفعولا معه ، على تقدير ضعف وجه العطف ، كما قال في " الخلاصة " : [ الرجز ]

    والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق الوجه الرابع : أن يكون ومن مبتدأ خبره محذوف ، أي ومن اتبعك من المؤمنين ، فحسبهم الله أيضا ، فيكون من عطف الجملة ، والعلم عند الله تعالى .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #112
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (111)

    سُورَةُ الْأَنْفَالِ (13)
    صـ 106 إلى صـ 110

    قوله تعالى : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم .

    لم يعين تعالى في هذه الآية [ ص: 106 ] الكريمة المراد بأولي الأرحام ، واختلف العلماء في هذه الآية ، هل جاء في القرآن ما يبين المراد منها أو لا ، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها بينتها آيات المواريث ، كما قدمنا نظيره في قوله : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون [ 4 \ 7 ] .

    قالوا : فلا إرث لأحد من أولي الأرحام غير من عينت لهم حقوقهم في آيات المواريث .

    وممن قال بهذا زيد بن ثابت ، ومالك ، والشافعي ، والأوزاعي ، وأبو ثور ، وداود ، وابن جرير وغيرهم ، وقالوا : الباقي عن نصيب الورثة المنصوص على إرثهم لبيت مال المسلمين ، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث " رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه ، والنسائي ، وابن ماجه ، والدارقطني ، والبيهقي ، من حديث عمرو بن خارجة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

    ورواه أيضا الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وحسنه الترمذي وابن حجر ، ولا يضعف بأن في إسناده إسماعيل بن عياش ، لما قدمنا مرارا أن روايته عن الشاميين قوية ، وشيخه في حديث أبي أمامة هذا شرحبيل بن مسلم ، وهو شامي ثقة ، وقد صرح في روايته بالتحديث .

    وقال فيه ابن حجر في " التقريب " : صدوق فيه لين ، فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي صححه الترمذي ، من رواية عمرو بن خارجة ، وحسنه الترمذي ، وابن حجر من رواية أبي أمامة : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه " يدل بعمومه على أنه لم يبق في التركة حق لغير من عينت لهم أنصباؤهم في آيات المواريث .

    وقد قال بعض أهل هذا القول : المراد بذوي الأرحام العصبة خاصة ، قالوا : ومنه قول العرب : وصلتك رحم ، يعنون قرابة الأب دون قرابة الأم ، ومنه قول قتيلة بن الحارث ، أو بنت النضر بنت الحارث : [ الكامل ]


    ظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشقق
    فأطلقت الأرحام على قرابة بني أبيه ، والأظهر على القول بعدم التوريث ، أن المراد بذوي الأرحام القرباء ، الذين بينت حقوقهم بالنص مطلقا . واحتج أيضا من قال : لا يرث ذوو الأرحام ، بما روي عن عطاء بن يسار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب إلى قباء يستخير في ميراث العمة والخالة فأنزل عليه : " لا ميراث لهما " ، أخرجه أبو داود ، في المراسيل والدارقطني ، والبيهقي ، من طريق زيد بن أسلم ، عن عطاء ، مرسلا ، وأخرجه النسائي في [ ص: 107 ] " سننه " ، وعبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، من مرسل زيد بن أسلم ، ليس فيه ذكر عطاء ، ورد المخالف هذا بأنه مرسل .

    وأجيب بأن مشهور مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد : الاحتجاج بالمرسل ، وبأنه رواه البيهقي ، والحاكم ، والطبراني ، موصولا من حديث أبي سعيد ، وما ذكره البيهقي من وصله من طريقين .

    إحداهما : من رواية ضرار بن صرد أبي نعيم .

    والثانية : من رواية شريك بن أبي نمر ، عن الحارث بن عبد ، مرفوعا .

    وقال محشيه ، صاحب " الجوهر النقي " في ضرار المذكور : إنه متروك ، وعزا ذلك للنسائي ، وعزا تكذيبه ليحيى بن معين .

    وقال في ابن أبي نمر : فيه كلام يسير ، وفي الحارث بن عبد : إنه لا يعرفه ، ولا ذكر له إلا عند الحاكم في " المستدرك " في هذا الحديث .

    قال مقيده عفا الله عنه : ما ذكره من أن ضرار بن صرد متروك غير صحيح ; لأنه صدوق له بعض أوهام لا توجب تركه .

    وقال فيه ابن حجر في " التقريب " : صدوق له أوهام وخطأ ، ورمي بالتشيع ، وكان عارفا بالفرائض .

    وأما ابن أبي نمر : فهو من رجال البخاري ، ومسلم .

    وأما إسناد الحاكم : فقال فيه الشوكاني ، في " نيل الأوطار " : إنه ضعيف وقال في إسناد الطبراني : فيه محمد بن الحارث المخزومي ، قلت : قال فيه ابن حجر في " التقريب " : مقبول ، وقال الشوكاني أيضا ، قالوا : وصله أيضا الطبراني من حديث أبي هريرة .

    ويجاب : بأنه ضعفه بمسعدة بن اليسع الباهلي .

    قالوا : وصله الحاكم أيضا من حديث ابن عمر ، وصححه .

    ويجاب : بأن في إسناده عبد الله بن جعفر المدني ، وهو ضعيف .

    قالوا : روى له الحاكم شاهدا من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن الحارث بن عبد ، مرفوعا .

    [ ص: 108 ] ويجاب : بأن في إسناده سليمان بن داود الشاذكوني ، وهو متروك .

    قالوا : أخرجه الدارقطني من وجه آخر عن شريك .

    ويجاب : بأنه مرسل . اهـ .

    قال مقيده عفا الله عنه : وهذه الطرق الموصولة والمرسلة يشد بعضها بعضا ، فيصلح مجموعها للاحتجاج ، ولا سيما أن منها ما صححه بعض العلماء ، كالطريق التي صححها الحاكم ، وتضعيفها بعبد الله بن جعفر المدني : فيه أنه من رجال مسلم ، وأخرج له البخاري تعليقا ، وقال فيه ابن حجر في " التقريب " : ليس به بأس . اهـ .

    واحتجوا أيضا بما رواه مالك في " الموطأ " ، والبيهقي ، عن محمد بن أبي بكر بن حزم ، عن عبد الرحمن بن حنظلة الزرقي : أنه أخبره عن مولى لقريش كان قديما يقال له ابن موسى ، أنه قال : كنت جالسا عند عمر بن الخطاب ، فلما صلى الظهر ، قال : " يا يرفأ " ، هلم ذلك الكتاب - لكتاب كتبه في شأن العمة - فنسأل عنها ، ونستخبر عنها ، فأتاه به " يرفأ " فدعا بتور أو قدح فيه ماء ، فمحا ذلك الكتاب فيه ، ثم قال : لو رضيك الله أقرك ، لو رضيك الله أقرك .

    وقال مالك في " الموطأ " عن محمد بن أبي بكر بن حزم : أنه سمع أباه : كثيرا يقول : كان عمر بن الخطاب يقول : عجبا للعمة ترث ولا تورث ، والجميع فيه مقال ، وقال جماعة من أهل العلم : لا بيان للآية من القرآن ، بل هي باقية على عمومها ، فأوجبوا الميراث لذوي الأرحام .

    وضابطهم : أنهم الأقارب الذين لا فرض لهم ولا تعصيب .

    وهم أحد عشر حيزا :

    1 - أولاد البنات .

    2 - وأولاد الأخوات .

    3 - وبنات الإخوة .

    4 - وأولاد الإخوة من الأم .

    5 - والعمات من جميع الجهات .

    6 - والعم من الأم .

    [ ص: 109 ] 7 - والأخوال .

    8 - والخالات .

    9 - وبنات الأعمام .

    10 - والجد أبو الأم .

    11 - وكل جدة أدلت بأب بين أمين ، أو بأب أعلى من الجد .

    فهؤلاء ، ومن أدلى لهم يسمون ذوي الأرحام ، وممن قال بتوريثهم إذا لم يوجد وارث بفرض أو تعصيب إلا الزوج والزوجة الإمام أحمد .

    ويروى هذا القول ، عن عمر ، وعلي ، وعبد الله ، وأبي عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، وأبي الدرداء رضي الله عنهم ، وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز ، وعطاء ، وطاوس ، وعلقمة ، ومسروق ، وأهل الكوفة ، وغيرهم .

    نقله ابن قدامة في " المغني " ، واحتجوا بعموم قوله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض [ 8 \ 75 ] ، وعموم قوله تعالى : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون الآية ، ومن السنة بحديث المقدام بن معديكرب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " من ترك مالا فلورثته ، وأنا وارث من لا وارث له ، أعقل عنه ، وأرثه ، والخال وارث من لا وارث له ، يعقل عنه ويرثه " أخرجه الإمام أحمد وأبو داود ، والنسائي وابن ماجه ، وابن حبان ، والحاكم وصححاه ، وحسنه أبو زرعة الرازي ، وأعله البيهقي بالاضطراب ، ونقل عن يحيى بن معين ، أنه كان يقول : ليس فيه حديث قوي ، قاله في " نيل الأوطار " .

    واحتجوا أيضا بما رواه أبو أمامة بن سهل ، أن رجلا رمى رجلا بسهم فقتله ، وليس له وارث إلا خال ، فكتب في ذلك أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر ، فكتب إليه عمر : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الله ورسوله مولى من لا مولى له ، والخال وارث من لا وارث له " رواه أحمد ، وابن ماجه ، وروى الترمذي المرفوع منه ، وقال : حديث حسن .

    قال الشوكاني رحمه الله : وفي الباب عن عائشة عند الترمذي والنسائي ، والدارقطني ، من رواية طاوس ، عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الخال وارث من لا وارث له " ، قال الترمذي : حسن غريب ، وأعله النسائي بالاضطراب ، ورجح الدارقطني ، [ ص: 110 ] والبيهقي وقفه .

    قال الترمذي : وقد أرسله بعضهم ولم يذكر فيه عائشة .

    وقال البزار : أحسن إسناد فيه حديث أبي أمامة بن سهل ، وأخرجه عبد الرزاق عن رجل من أهل المدينة ، والعقيلي وابن عساكر عن أبي الدرداء ، وابن النجار عن أبي هريرة ، كلها مرفوعة . اهـ .

    قال الترمذي : وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام ، واحتجوا أيضا بما رواه أبو داود ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها : وفيه ابن لهيعة .

    قال مقيده عفا الله عنه : أظهر الأقوال دليلا عندي ، أن الخال يرث من لا وارث له ، دون غيره من ذوي الأرحام ; لثبوت ذلك فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديثين المذكورين دون غيره ; لأن الميراث لا يثبت إلا بدليل ، وعموم الآيتين المذكورتين لا ينهض دليلا ; لقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه " كما تقدم .

    فإذا علمت أقوال العلماء ، وحججهم في إرث ذوي الأرحام وعدمه ، فاعلم أن القائلين بالتوريث : اختلفوا في كيفيته ، فذهب المعروفون منهم بأهل التنزيل إلى تنزيل كل واحد منهم منزلة من يدلي به من الورثة ، فيجعل له نصيبه ، فإن بعدوا نزلوا درجة درجة ، إلى أن يصلوا من يدلون به ، فيأخذون ميراثه ، فإن كان واحدا أخذ المال كله ، وإن كانوا جماعة ، قسم المال بين من يدلون به ، فما حصل لكل وارث جعل لمن يدلي به ، فإن بقي من سهام المسألة شيء ، رد عليهم على قدر سهامهم .

    وهذا هو مذهب الإمام أحمد ، وهو قول علقمة ، ومسروق ، والشعبي ، والنخعي ، وحماد ، ونعيم ، وشريك ، وابن أبي ليلى ، والثوري ، وغيرهم ; كما نقله عنهم ابن قدامة في " المغني " .

    وقال أيضا : قد روي عن علي ، وعبد الله رضي الله عنهما : أنهما نزلا بنت البنت منزلة البنت ، وبنت الأخ منزلة الأخ ، وبنت الأخت منزلة الأخت ، والعمة منزلة الأب ، والخالة منزلة الأم ، وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه في العمة ، والخالة .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #113
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (112)

    سُورَةُ التَّوْبَةِ(1)
    صـ 111 إلى صـ 115

    وعن علي أيضا : أنه نزل العمة منزلة العم ، وروي ذلك عن علقمة ، ومسروق ، وهي الرواية الثانية عن أحمد ، وعن الثوري وأبي عبيد : أنهما نزلاها منزلة الجد مع ولد [ ص: 111 ] الإخوة والأخوات ، ونزلها آخرون منزلة الجدة .

    وإنما صار هذا الخلاف في العمة ; لأنها أدلت بأربع جهات وارثات : فالأب والعم أخواها ، والجد والجدة أبواها ، ونزل قوم الخالة منزلة جدة ; لأن الجدة أمها ، والصحيح من ذلك تنزيل العمة أبا ، والخالة أما . اهـ . من " المغني " .

    وذهبت جماعة أخرى ممن قال بالتوريث منهم أبو حنيفة ، وأصحابه إلى أنهم يورثون على ترتيب العصبات ، فقالوا : يقدم أولاد الميت وإن سفلوا ، ثم أولاد أبويه أو أحدهما وإن سفلوا ، ثم أولاد أبوي أبويه وإن سفلوا ، وهكذا أبدا لا يرث بنو أب أعلى وهناك بنو أب أقرب منه ، وإن نزلت درجتهم .

    وعن أبي حنيفة : أنه جعل أبا الأم ، وإن علا أولى من ولد البنات ، ويسمى مذهب هؤلاء : مذهب أهل القرابة .

    و العلم عند الله تعالى
    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    سُورَةُ التَّوْبَةِ

    اعلم أولا أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم في سورة " براءة " ، هذه في المصاحف العثمانية ، واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة منها على أقوال :

    منها : أن البسملة رحمة وأمان و " براءة " نزلت بالسيف ، فليس فيها أمان ، وهذا القول مروي عن علي رضي الله عنه ، وسفيان بن عيينة .

    ومنها : أن ذلك على عادة العرب إذا كتبوا كتابا فيه نقض عهد أسقطوا منه البسملة ، فلما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه ليقرأها عليهم في الموسم ، قرأها ، ولم يبسمل على عادة العرب في شأن نقض العهد ، نقل هذا القول بعض أهل العلم ، ولا يخفى ضعفه .

    ومنها : أن الصحابة لما اختلفوا : هل " براءة " و " الأنفال " سورة واحدة أو سورتان ، تركوا بينهما فرجة لقول من قال : إنهما سورتان ، وتركوا البسملة لقول من قال : هما سورة واحدة ، فرضي الفريقان وثبتت حجتاهما في المصحف .

    ومنها : أن سورة " براءة " نسخ أولها فسقطت معه البسملة ، وهذا القول رواه ابن وهب ، وابن القاسم ، وابن عبد الحكم ، عن مالك ، كما نقله القرطبي .

    وعن ابن عجلان ، وسعيد بن جبير ، أنها كانت تعدل سورة " البقرة " .

    وقال القرطبي : والصحيح أن البسملة لم تكتب في هذه السورة ; لأن جبريل لم ينزل بها فيها . قاله القشيري . اهـ .

    قال مقيده عفا الله عنه : أظهر الأقوال عندي في هذه المسألة : أن سبب سقوط البسملة في هذه السورة ، هو ما قاله عثمان رضي الله عنه لابن عباس .

    فقد أخرج النسائي ، والترمذي ، وأبو داود ، والإمام أحمد ، وابن حبان ، في " صحيحه " والحاكم في " المستدرك " وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قلت لعثمان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي [ ص: 113 ] من المثاني وإلى براءة وهي من المائين فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم [ 1 \ 1 ] ووضعتموهما في السبع الطول فما حملكم على ذلك ؟

    فقال عثمان رضي الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان إذا أنزل عليه شيء يدعو بعض من يكتب عنده ، فيقول : " ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا " ، وتنزل عليه الآيات فيقول : " ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " ، وكانت " الأنفال " من أوائل ما أنزل بالمدينة ، و " براءة " من آخر ما أنزل من القرآن ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها ، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم [ 1 \ 1 ] ، ووضعتها في السبع الطول . اهـ .

    تنبيهان

    الأول : يؤخذ من هذا الحديث أن ترتيب آيات القرآن بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو كذلك بلا شك ، كما يفهم منه أيضا : أن ترتيب سوره بتوقيف أيضا ، فيما عدا سورة " براءة " ، وهو أظهر الأقوال ، ودلالة الحديث عليه ظاهرة .

    التنبيه الثاني : قال أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله تعالى : في هذا الحديث دليل على أن القياس أصل في الدين : ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص ، ورأوا أن قصة " براءة " شبيهة بقصة " الأنفال " فألحقوها بها ، فإذا كان القياس يدخل في تأليف القرآن ، فما ظنك بسائر الأحكام .
    قوله تعالى : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم إلى قوله تعالى : أربعة أشهر .

    ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الكفار المعاهدين ، وأنه بعد انقضاء أشهر الإمهال الأربعة المذكورة في قوله : في الأرض أربعة أشهر [ 9 \ 2 ] ، لا عهد لكافر .

    وفي هذا اختلاف كثير بين العلماء ، والذي يبينه القرآن ، ويشهد له من تلك الأقوال ، هو أن محل ذلك إنما هو في أصحاب العهود المطلقة غير الموقتة بوقت معين ، أو من كانت مدة عهده الموقت أقل من أربعة أشهر ، فتكمل له أربعة أشهر ، أما أصحاب العهود الموقتة الباقي من مدتها أكثر من أربعة أشهر ، فإنه يجب لهم إتمام مدتهم ، ودليله المبين له من القرآن ، هو قوله تعالى : إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين [ ص: 114 ] [ 9 \ 4 ] ، وهو اختيار ابن جرير ، وروي عن الكلبي ، ومحمد بن كعب القرظي ، وغير واحد ، قاله ابن كثير ويؤيده حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ، بعثه حين أنزلت " براءة " بأربع : ألا يطوف بالبيت عريان . \ 5 ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا .

    ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته .

    ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة
    .
    قوله تعالى : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر .

    قال بعض العلماء : كان ابتداء التأجيل بالأشهر الأربعة المذكورة من شوال ، وآخره سلخ المحرم ، وبه قال الزهري رحمه الله تعالى ولكن القرآن يدل على أن ابتداءها من يوم النحر على الأصح من أنه يوم الحج الأكبر ، أو يوم عرفة على القول بأنه هو يوم الحج الأكبر ، وذلك في قوله تعالى : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر . وهو صريح في أن ابتداء الإعلام المذكور من يوم الحج الأكبر ، وهو يوم النحر ، ولا يخفى انتهاؤها في العشر من ربيع الثاني .

    قال ابن كثير : في تفسير هذه الآية وقال الزهري : كان ابتداء التأجيل من شوال ، وآخره سلخ المحرم ، وهذا القول غريب ، وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها ، وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر ، حين نادى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، ولهذا قال تعالى : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر .
    قوله تعالى : إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم .

    يفهم من مفهوم مخالفة هذه الآية : أن المشركين إذا نقضوا العهد جاز قتالهم ، ونظير ذلك أيضا قوله تعالى : فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم [ 9 \ 7 ] ، وهذا المفهوم في الآيتين صرح به جل وعلا في قوله : وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون [ 9 \ 12 ] .
    قوله تعالى : فإذا انسلخ الأشهر الحرم الآية .

    اختلف العلماء في المراد بالأشهر الحرم في هذه الآية .

    [ ص: 115 ] فقال ابن جرير : إنها المذكورة في قوله تعالى . منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم [ 9 \ 36 ] ، قال أبو جعفر الباقر .

    ولكن قال ابن جرير : آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم ، وحكى نحو قوله هذا علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وإليه ذهب الضحاك .

    ولكن السياق يدل على أن المراد بها أشهر الإمهال المذكورة في قوله : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر .

    قال ابن كثير : في تفسير هذه الآية : والذي يظهر من حيث السياق ، ما ذهب إليه ابن عباس ، في رواية العوفي عنه ، وبه قال مجاهد ، وعمرو بن شعيب ، ومحمد بن إسحاق ، وقتادة ، والسدي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أن المراد بها الأشهر الأربعة المنصوص عليها بقوله : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، ثم قال : فإذا انسلخ الأشهر الحرم [ 9 \ 5 ] ، أي : إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم قتالهم فيها ، وأجلناهم فيها ، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم ; لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر ، مع أن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى اهـ .
    قوله تعالى : وهموا بإخراج الرسول .

    ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة : أن كفار مكة هموا بإخراجه صلى الله عليه وسلم من مكة ، وصرح في مواضع أخر بأنهم أخرجوه بالفعل ، كقوله : يخرجون الرسول وإياكم الآية [ 60 \ 1 ] ، وقوله : وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك [ 47 \ 13 ] ، وقوله : إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا الآية [ 9 \ 40 ] ، وذكر في مواضع أخر : محاولتهم لإخراجه قبل أن يخرجوه ، كقوله : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك [ 8 \ 30 ] ، وقوله : وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها .
    قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان الآية .

    نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن موالاة الكفار ، ولو كانوا قرباء ، وصرح في موضع آخر : بأن الاتصاف بوصف الإيمان مانع من موادة الكفار ولو كانوا قرباء ، وهو قوله : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم الآية [ 58 \ 22 ] .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #114
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (113)

    سُورَةُ التَّوْبَةِ(2)
    صـ 116 إلى صـ 120

    قوله تعالى : ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين .

    [ ص: 116 ] ذكر تعالى ما أصاب المسلمين يوم حنين في هذه الآية الكريمة ، وذكر ما أصابهم يوم أحد بقوله : إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم [ 3 \ 153 ] ، وصرح بأنه تاب على من تولى يوم أحد بقوله : إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم [ 3 \ 155 ] ، وأشار هنا إلى توبته على من تولى يوم حنين بقوله : ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم [ 9 \ 26 ] كما أشار بعض العلماء إليه .
    قوله تعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله أظهر الأقوال وأقربها للصواب في معنى : يكنزون [ 9 \ 34 ] في هذه الآية الكريمة ، أن المراد بكنزهم الذهب والفضة وعدم إنفاقهم لها في سبيل الله ، أنهم لا يؤدون زكاتهما .

    قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : وأما الكنز ؟ فقال مالك : عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : هو المال الذي لا تؤدى زكاته .

    وروى الثوري ، وغيره ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وما كان ظاهرا لا تؤدى زكاته فهو كنز ، وقد روي هذا عن ابن عباس ، وجابر ، وأبي هريرة ، موقوفا ومرفوعا .

    وقال عمر بن الخطاب نحوه : أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض ، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه ، وإن كان على وجه الأرض اهـ .

    وممن روي عنه هذا القول عكرمة ، والسدي ، ولا شك أن هذا القول أصوب الأقوال ; لأن من أدى الحق الواجب في المال الذي هو الزكاة لا يكوى بالباقي إذا أمسكه ; لأن الزكاة تطهره كما قال تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [ 9 \ 103 ] ، ولأن المواريث ما جعلت إلا في أموال تبقى بعد مالكيها .

    ومن أصرح الأدلة في ذلك ، حديث طلحة بن عبيد الله وغيره في قصة الأعرابي أخي بني سعد ، من هوازن ، وهو ضمام بن ثعلبة لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم : بأن الله فرض عليه الزكاة ، وقال : هل علي غيرها ، فإن النبي قال له : " لا ، إلا أن تطوع " : وقوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو [ 2 \ 219 ] ، وقد قدمنا في " البقرة " تحقيقا أنه ما زاد [ ص: 117 ] على الحاجة التي لا بد منها ، وقوله : " ليس فيما دون خمسة أوسق " الحديث ; لأن صدقة نكرة في سياق النفي فهي تعم نفي كل صدقة .

    وفي الآية أقوال أخر :

    منها : أنها منسوخة بآيات الزكاة كقوله : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم الآية .

    وذكر البخاري هذا القول بالنسخ عن ابن عمر أيضا ، وبه قال عمر بن عبد العزيز ، وعراك بن مالك . اهـ .

    وعن علي أنه قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة ، وما كان أكثر من ذلك فهو كنز ، ومذهب أبي ذر رضي الله عنه في هذه الآية معروف ، وهو أنه يحرم على الإنسان أن يدخر شيئا فاضلا عن نفقة عياله . اهـ . ولا يخفى أن ادخار ما أديت حقوقه الواجبة لا بأس به ، وهو كالضروري عند عامة المسلمين .

    فإن قيل : ما الجواب عما رواه الإمام أحمد ، عن علي رضي الله عنه ، قال : مات رجل من أهل الصفة ، وترك دينارين أو درهمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيتان ، صلوا على صاحبكم " اهـ . وما رواه قتادة عن شهر بن حوشب ، عن أبي أمامة ، صدي بن عجلان ، قال : مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كية " ، ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيتان " ، وما روى عبد الرزاق وغيره ، عن علي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تبا للذهب ، تبا للفضة " يقولها ثلاثا ، فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : فأي مال نتخذ ؟ فقال عمر رضي الله عنه : أنا أعلم لكم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله : إن أصحابك قد شق عليهم ، وقالوا : فأي المال نتخذ ؟ فقال : " لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة تعين أحدكم على دينه " . ونحو ذلك من الأحاديث .

    فالجواب - والله تعالى أعلم - أن هذا التغليظ كان أولا ثم نسخ بفرض الزكاة ، كما ذكره البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما .

    وقال ابن حجر في " فتح الباري " : قال ابن عبد البر : وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش ، فهو كنز يذم فاعله ، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك .

    وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم ، وحملوا الوعيد على مانع الزكاة ، إلى أن [ ص: 118 ] قال : فكان ذلك واجبا في أول الأمر ، ثم نسخ ، ثم ذكر عن شداد بن أوس أنه قال : كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدة ، ثم يخرج إلى قومه ، ثم يرخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمع الرخصة ، ويتعلق بالأمر الأول . اهـ .

    وقال بعض العلماء : هي في خصوص أهل الكتاب ، بدليل اقترانها مع قوله : إن كثيرا من الأحبار والرهبان الآية [ 9 \ 34 ] .

    فإذا علمت أن التحقيق أن الآية عامة ، وأنها في من لا يؤدي الزكاة ، فاعلم أن المراد بها هو المشار إليه في آيات الزكاة ، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ، أن البيان بالقرآن إذا كان غير واف بالمقصود نتمم البيان من السنة ، من حيث إنها بيان للقرآن المبين به ، وآيات الزكاة كقوله : خذ من أموالهم صدقة الآية ، وقوله : وآتوا الزكاة [ 2 \ 43 ] وقوله : أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض [ 2 \ 267 ] ، لا تفي بالبيان فتبينه بالسنة ، وقد قال ابن خويز منداد المالكي ، تضمنت هذه الآية : زكاة العين ، وهي تجب بأربعة شروط ، حرية ، وإسلام ، وحول ، ونصاب سليم من الدين . اهـ وفي بعض هذه الشروط خلاف .
    مسائل من أحكام هذه الآية الكريمة

    المسألة الأولى : في قدر نصاب الذهب والفضة ، وفي القدر الواجب إخراجه منهما .

    أما نصاب الفضة ، فقد أجمع جميع العلماء على أنه مائتا درهم شرعي ، ووزن الدرهم الشرعي ستة دوانق ، وكل عشرة دراهم شرعية فهي سبعة مثاقيل ، والأوقية أربعون درهما شرعيا .

    وكل هذا أجمع عليه المسلمون فلا عبرة بقول المريسي ، الذي خرق به الإجماع ، وهو اعتبار العدد في الدراهم لا الوزن ، ولا بما انفرد به السرخسي من الشافعية ، زاعما أنه وجه في المذهب ، من أن الدارهم المغشوشة إذا بلغت قدرا لو ضم إليه قيمة الغش من نحاس مثلا لبلغ نصابا أن الزكاة تجب فيه ، كما نقل عن أبي حنيفة ، ولا بقول ابن حبيب الأندلسي ، إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم ، ولا بما ذكره ابن عبد البر من اختلاف الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد ; لأن النصوص الصحيحة [ ص: 119 ] الصريحة التي أجمع عليها المسلمون مبينة أن نصاب الفضة مائتا درهم شرعي بالوزن الذي كان معروفا في مكة . اهـ .

    إلى ص 435 وكل سبعة مثاقيل فهي عشرة دراهم ، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس فيما دون خمس أواق صدقة " ، ورواه مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه ، وقد أجمع جميع المسلمين ، وجمهور أهل اللسان العربي ، على أن الأوقية أربعون درهما ، وما ذكره أبو عبيد وغيره - من أن الدرهم كان مجهولا قدره حتى جاء عبد الملك بن مروان ، فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل - لا يخفى سقوطه ، وأنه لا يمكن أن يكون نصاب الزكاة وقطع السرقة مجهولا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم ، حتى يحققه عبد الملك ، والظاهر أن معنى ما نقل من ذلك : أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام ، وكانت مختلفة الوزن بالنسبة إلى العدد : فعشرة مثلا وزن عشرة ، وعشرة وزن ثمانية ، فاتفق الرأي على أن تنقش بكتابة عربية ويصيرونها وزنا واحدا .

    وقد ذكرنا تحقيق وزن الدرهم في الأنعام ، وقال بعض العلماء : يغتفر في نصاب الفضة النقص اليسير الذي تروج معه الدراهم رواج الكاملة .

    وظاهر النصوص أنه لا زكاة إلا في نصاب كامل ; لأن الناقص ولو بقليل يصدق عليه أنه دون خمس أواق ، والنبي صلى الله عليه وسلم : " صرح بأن ما دونها ليس فيه صدقة " .

    فإذا حققت النص والإجماع : على أن نصاب الفضة مائتا درهم شرعي ، وهي وزن مائة وأربعين مثقالا من الفضة الخالصة ، فاعلم أن القدر الواجب إخراجه منها ربع العشر بإجماع المسلمين ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " وفي الرقة ربع العشر " والرقة : الفضة .

    قال البخاري في صحيحه في باب " زكاة الغنم " : حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس ، أن أنسا حدثه ، أن أبا بكر رضي الله عنه ، كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين " بسم الله الرحمن الرحيم ، هذه فريضة الصدقة ، التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ، والتي أمر الله بها رسوله " الحديث : وفيه ، وفي الرقة : ربع العشر ، وهو نص صريح صحيح [ ص: 120 ] أجمع عليه جميع المسلمين .

    فتحصل أنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب الزكاة في الفضة ، ولا خلاف بينهم في أن نصابها مائتا درهم شرعي ، ولا خلاف بينهم في أن اللازم فيها ربع العشر .

    وجمهور العلماء : على أنها لا وقص فيها خلافا لأبي حنيفة ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وطاوس ، والحسن البصري ، والشعبي ، ومكحول ، وعمرو بن دينار ، والزهري ، القائلين : بأنه لا شيء في الزيادة على المائتين حتى تبلغ أربعين ، ففيها درهم .

    وأما الذهب : فجماهير علماء المسلمين ، على أن نصابه عشرون دينارا ، والدينار : هو المثقال ، فلا عبرة بقول من شذ وخالف جماهير علماء المسلمين ، كما روي عن الحسن في أحد قوليه : أن نصاب الذهب أربعون دينارا ، وكقول طاوس ، إن نصاب الذهب معتبر بالتقويم بالفضة ، فما بلغ منه قيمة مائتي درهم وجبت فيه الزكاة ، وجماهير علماء المسلمين أيضا ، على أن الواجب فيه ربع العشر .

    والدليل على ما ذكرنا عن جمهور علماء الأمة ، أن نصاب الذهب عشرون دينارا ، والواجب فيه ربع العشر ، ما أخرجه أبو داود ، في سننه ، حدثنا سليمان بن داود المهري ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني جرير بن حازم ، وسمي آخر ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، والحارث الأعور ، عن علي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم ، وليس عليك شيء " يعني في الذهب " حتى يكون لك عشرون دينارا ، فإذا كان لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ، ففيها نصف دينار ، فما زاد فبحساب ذلك " ، قال : فلا أدري أعلي يقول فبحساب ذلك ، أو رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول ، إلا أن جريرا قال : ابن وهب ، يزيد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول " اهـ .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #115
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (114)

    سُورَةُ التَّوْبَةِ(3)
    صـ 121 إلى صـ 125

    فإن قيل : هذا الحديث مضعف بالحارث الأعور ، وعاصم بن ضمرة ; لأنهما ضعيفان ، وبأن الدارقطني ، قال : الصواب وقفه على علي ، وبأن ابن المواق قال : إن فيه علة خفية وهي : أن جرير بن حازم ، لم يسمعه من أبي إسحاق ، فقد رواه حفاظ أصحاب ابن وهب : سحنون ، وحرملة ، ويونس ، وبحر بن نصر ، وغيرهم ، عن ابن وهب ، عن جرير بن حازم ، والحارث بن نبهان ، عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق ، فذكره ، قال ابن المواق : الحمل فيه على سليمان ، شيخ أبي داود ، فإنه وهم في إسقاط [ ص: 121 ] رجل اهـ .

    وبأن الشافعي رحمه الله قال : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الورق صدقة ، وأخذ المسلمون بعده في الذهب صدقة ، إما بخبر عنه لم يبلغنا ، وإما قياسا ، اهـ : وهو صريح عن الشافعي : بأنه يرى أن الذهب لم يثبت فيه شيء في علمه ، وبأن ابن عبد البر ، قال : لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في زكاة الذهب شيء من جهة نقل الآحاد الثقات .

    لكن روى الحسن بن عمارة ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم ، والحارث ، عن علي ، فذكره ، وكذا رواه أبو حنيفة : ولو صح عنه لم يكن فيه حجة ; لأن الحسن بن عمارة متروك .

    وبأن ابن حزم قال : لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في نصاب الذهب ، ولا في القدر الواجب فيه شيء .

    وذكر : أن الحديث المذكور ، من رواية الحارث الأعور مرفوع ، والحارث ضعيف لا يحتج به ، وكذبه غير واحد ، قال : وأما رواية عاصم بن ضمرة ، فهي موقوفة على علي رضي الله عنه ، قال : وكذلك رواه شعبة ، وسفيان ، ومعمر عن أبي إسحاق ، عن عاصم ، موقوفا : وكذا كل ثقة رواه عن عاصم .

    فالجواب من أوجه :

    الأول : أن بعض العلماء قال : إن هذا الحديث ثابت ، قال الترمذي : وقد روى طرفا من هذا الحديث : وروى هذا الحديث الأعمش ، وأبو عوانة ، وغيرهما ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، ورواه سفيان الثوري ، وابن عيينة ، وغير واحد ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث عن علي ، وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث ، فقال : كلاهما عندي صحيح ، اهـ .

    فترى الترمذي نقل عن البخاري ، تصحيح هذا الحديث ، وقال النووي في " شرح المهذب " : وأما حديث عاصم عن علي رضي الله عنه ، فرواه أبو داود وغيره بإسناد حسن ، أو صحيح ، عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، اهـ .

    وقال الشوكاني في " نيل الأوطار " : وحديث علي هو من حديث أبي إسحاق ، عن الحارث الأعور ، وعاصم بن ضمرة ، وقد تقدم أن البخاري قال : كلاهما عنده صحيح ، وقد حسنه الحافظ ، اهـ محل الغرض من كلام الشوكاني .

    [ ص: 122 ] الوجه الثاني : أنه يعتضد بما رواه الدارقطني ، من حديث محمد بن عبد الله بن جحش ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه أمر معاذا ، حين بعثه إلى اليمن ، أن يأخذ من كل أربعين دينارا دينارا ، الحديث ذكره ابن حجر ، في " التلخيص " وسكت عليه ، وبما رواه عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " ولا في أقل من عشرين مثقالا من الذهب شيء " ، قال النووي : غريب ، اهـ .

    الوجه الثالث : المناقشة بحسب صناعة علم الحديث والأصول ، فنقول :

    سلمنا أن الحارث الأعور ضعيف كما تقدم في المائدة ، وإن وثقه ابن معين ، فيبقى عاصم بن ضمرة ، الذي روى معه الحديث ، فإن حديثه حجة ، وقد وثقه ابن المديني .

    وقال : النسائي : ليس به بأس .

    وقال فيه ابن حجر في " التقريب " : عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي ، صدوق وتعتضد روايته برواية الحارث ، وإن كان ضعيفا . وبما ذكرنا عن محمد بن عبد الله بن جحش ، وعمرو بن شعيب .

    فبهذا تعلم أن تضعيف الحديث بضعف سنده مردود .

    وقد قدمنا عن الترمذي ، أن البخاري قال : كلاهما صحيح .

    وقد قدمنا أن النووي قال فيه : حسن أو صحيح .

    ونقل الشوكاني ، عن ابن حجر : أنه حسنه .

    أما ما أعله به ابن المواق ، من أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق ; لأن بينهما الحسن بن عمارة وهو متروك ، فهو مردود ; لأن الحديث ثابت من طرق متعددة صحيحة إلى أبي إسحاق ، وقد قدمنا أن الترمذي قال ، وذكر طرفا منه ، هذا الحديث رواه الأعمش ، وأبو عوانة وغيرهما ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، ورواه سفيان ، الثوري ، وابن عيينة ، وغير واحد ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي . اهـ .

    فترى : أن أبا عوانة ، والأعمش ، والسفيانين ، وغيرهم ، كلهم رووه عن أبي إسحاق .

    وبه تعلم بأن إعلال ابن المواق له بأن راويه عن أبي إسحاق الحسن بن عمارة ، وهو متروك - إعلال ساقط ; لصحة الحديث إلى أبي إسحاق ، فإذا حققت رد تضعيفه بأن عاصما صدوق ، ورد إعلال ابن المواق له ، فاعلم أن إعلال ابن حزم له بأن المرفوع رواية [ ص: 123 ] الحارث ، وهو ضعيف : وأن رواية عاصم بن ضمرة ، موقوفة على علي ، مردود من وجهين :

    الأول : أن قدر نصاب الزكاة ، وقدر الواجب فيه ، كلاهما أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه والاجتهاد ، والموقوف إن كان كذلك فله حكم الرفع ، كما علم في علم الحديث والأصول .

    قال العلوي الشنقيطي في " طلعة الأنوار " :

    وما أتى عن صاحب مما منع فيه مجال الرأي عندهم رفع وقال العراقي في ألفيته : [ الرجز ]

    وما أتى عن صاحب بحيث لا يقال رأيا حكمه الرفع على ما قال في المحصول نحو من أتى فالحاكم الرفع لهذا أثبتا الثاني : أن سند أبي داود الذي رواه به حسن ، أو صحيح ، كما قاله النووي ، وغيره ، والرفع من زيادات العدول ، وهي مقبولة ، قال في " مراقي السعود " : [ الرجز ]

    والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ إلخ . . .

    الوجه الرابع : اعتضاد الحديث المذكور بإجماع الحجة من علماء المسلمين إلا من شذ عن السواد الأعظم على العمل بمقتضاه ، وإجماع المسلمين إذا وافق خبر آحاد ، فبعض العلماء يقول : يصير بمواقفة الإجماع له قطعيا كالمتواتر .

    وأكثر الأصوليين يقولون : لا يصير قطعيا بذلك .

    وفرق قوم ، فقالوا : إن صرحوا بأن معتمدهم في إجماعهم هو ذلك الخبر - أفاد القطع ، وإلا فلا ، وأشار إلى ذلك في " مراقي السعود " بقوله : [ الرجز ]

    ولا يفيد القطع ما يوافق الإجماع والبعض بقطع ينطق وبعضهم يفيد حيث عولا عليه . . . . . . إلخ وعلى كل حال ، فلا يخفى أنه يعتضد بعمل المسلمين به .

    الخامس : دلالة الكتاب ، والإجماع ، على أن الزكاة واجبة في الذهب .

    أما الكتاب : فقوله تعالى : [ ص: 124 ] والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون [ 9 \ 34 ، 35 ] .

    وأما السنة : فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها ، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار ، فأحمي عليها في نار جهنم ، فيكوى بها جنبه ، ووجهه ، وظهره ، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد ، فيرى سبيله إما إلى الجنة ، وإما إلى النار " ، الحديث . هذا لفظ مسلم في صحيحه ، وهو صريح في وجوب الحق في الذهب ، كالفضة ، وقد أجمع على ذلك جميع العلماء ، وإذن يكون الحديث المذكور بيانا لشيء ثابت قطعا ، وقد تقرر في الأصول أن البيان يجوز بما هو دون المبين دلالة وسندا ، كما أوضحناه في ترجمة هذا الكتاب .

    فتحصل أن نصاب الذهب عشرون مثقالا ، وما زاد فبحسابه ، وأن الواجب فيه ربع العشر ، كالفضة ، وأن الذهب والفضة ليس فيهما وقص ، بل كل ما زاد على النصاب فبحسابه ، خلافا لمن شذ فخالف في بعض ذلك ، والعلم عند الله تعالى .

    تنبيه يجب اعتبار الوزن في نصاب الفضة والذهب بالوزن الذي كان معروفا عند أهل مكة ، كما يجب اعتبار الكيل في خمسة الأوسق التي هي نصاب الحبوب والثمار بالكيل الذي كان معروفا عند أهل المدينة .

    قال النسائي في " سننه " في " كتاب الزكاة " : أخبرنا أحمد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن حنظلة ، عن طاوس عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المكيال مكيال أهل المدينة ، والوزن وزن أهل مكة " .

    وقال أبو داود في " سننه " في " كتاب البيوع " : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا ابن دكين عن حنظلة ، عن طاوس ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الوزن وزن أهل مكة ، والمكيال مكيال أهل المدينة " ، وقال النووي في " شرح المهذب " : وأما حديث " الميزان ميزان أهل مكة " إلى آخره فرواه أبو داود ، والنسائي بأسانيد صحيحة على شرط البخاري ومسلم ، من رواية ابن عمر ، رضي الله عنهما .

    وقال أبو داود : روي من رواية ابن عباس ، رضي الله عنهما ، اهـ .

    [ ص: 125 ] قال الخطابي : معنى هذا الحديث أن الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة وزن أهل مكة ، وهي دار الإسلام ، قال ابن حزم : وبحثت عنه غاية البحث من كل من وثقت بتمييزه : وكل اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبة ، وثلاثة أعشار حبة من حب الشعير المطلق ، والدرهم سبعة أعشار المثقال ، فوزن الدرهم : سبع وخمسون وستة أعشار حبة ، وعشر عشر حبة ، فالرطل مائة وواحد وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المذكور . اهـ .

    وفي القاموس في مادة " م ك ك " ، والمثقال : درهم وثلاثة أسباع ، والدرهم : ستة دوانق ، والدانق : قيراطان ، والقيراط : طسوجان ، والطسوج : حبتان ، والحبة : سدس ثمن درهم ، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءا من الدرهم . اهـ .

    وقد قدمنا الكلام على قدر خمسة الأوسق في سورة " الأنعام " .
    المسألة الثانية : هل يضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في الزكاة أو لا ؟ لم أر في ذلك نصا صريحا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والعلماء مختلفون فيه ، وقد توقف الإمام أحمد - رحمه الله - عن ضم أحدهما إلى الآخر في رواية الأثرم ، وجماعة ، وقطع في رواية حنبل بأنه لا زكاة عليه حتى يبلغ كل واحد منهما نصابا .

    وممن قال بأن الذهب والفضة لا يضم بعضهما إلى بعض : الشافعي ، وأبو ثور ، وأبو عبيد وابن أبي ليلى ، والحسن بن صالح ، وشريك ، قال ابن قدامة : في " المغني " : واختاره أبو بكر عبد العزيز .

    وممن قال : إن الذهب والفضة يضم بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب : مالك ، والأوزاعي ، والحسن ، وقتادة ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه .

    قال مقيده عفا الله عنه : والذي يظهر لي رجحانه بالدليل من القولين أن الذهب والفضة لا يضم أحدهما إلى الآخر لما ثبت في بعض الروايات الصحيحة ، كما رواه مسلم في " صحيحه " عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة " الحديث .

    فلو كان عنده أربع أواق من الورق الذي هو : الفضة ، وما يكمل النصاب من الذهب فإنه يصدق عليه بدلالة المطابقة أنه ليس عنده خمس أواق من الورق .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #116
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (115)

    سُورَةُ التَّوْبَةِ(4)
    صـ 126 إلى صـ 130

    وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح أنه لا صدقة في أقل من خمس أواق [ ص: 126 ] من الورق ، وظاهر نص الحديث على اسم الورق يدل على أنه : لا زكاة في أقل من خمس أواق من الفضة ، ولو كان عنده ذهب كثير ، ولا دليل من النصوص يصرف عن هذا الظاهر ، والعلم عند الله تعالى .
    المسألة الثالثة : اختلف العلماء في زكاة الحلي المباح ، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا زكاة فيه ، وممن قال به : مالك ، والشافعي ، وأحمد في أصح قوليهما ، وبه قال عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وعائشة ، وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم ، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وعطاء بن أبي رباح ، ومجاهد ، والشعبي ، ومحمد بن علي ، والقاسم بن محمد ، وابن سيرين ، والزهري ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وابن المنذر .

    وممن قال بأن الحلي المباح تجب فيه الزكاة : أبو حنيفة رحمه الله ، وروي عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وبه قال ابن مسعود ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وميمون بن مهران ، وجابر بن زيد ، والحسن بن صالح ، وسفيان الثوري ، وداود ، وحكاه ابن المنذر أيضا عن ابن المسيب ، وابن جبير ، وعطاء ، ومجاهد ، وابن سيرين ، وعبد الله بن شداد ، والزهري .

    وسنذكر إن شاء الله تعالى حجج الفريقين ، ومناقشة أدلتهما على الطرق المعروفة في الأصول ، وعلم الحديث ; ليتبين للناظر الراجح من الخلاف .

    اعلم أن من قال بأن الحلي المباح لا زكاة فيه ، تنحصر حجته في أربعة أمور :

    الأول : حديث جاء بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .

    الثاني : آثار صحيحة عن بعض الصحابة يعتضد بها الحديث المذكور .

    الثالث : القياس .

    الرابع : وضع اللغة .

    أما الحديث : فهو ما رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار من طريق عافية بن أيوب ، عن الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا زكاة في الحلي " .

    قال البيهقي : وهذا الحديث لا أصل له ، إنما روي عن جابر من قوله غير مرفوع ، والذي يروى عن عافية بن أيوب ، عن الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر مرفوعا لا أصل له ، وعافية بن أيوب مجهول : فمن احتج به مرفوعا ، كان مغررا بدينه ، داخلا [ ص: 127 ] فيما نعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين ، والله يعصمنا من أمثال هذا .

    قال مقيده عفا الله عنه : ما قاله الحافظ البيهقي - رحمه الله تعالى - من أن الحكم برواية عافية المذكور لهذا الحديث مرفوعا من جنس الاحتجاج برواية الكذابين فيه نظر ; لأن عافية المذكور لم يقل فيه أحد إنه كذاب ، وغاية ما في الباب أن البيهقي ظن أنه مجهول ; لأنه لم يطلع على كونه ثقة ، وقد اطلع غيره على أنه ثقة فوثقه ، فقد نقل ابن أبي حاتم توثيقه ، عن أبي زرعة ، قال ابن حجر في " التلخيص " : عافية بن أيوب ، قيل : ضعيف ، وقال ابن الجوزي : ما نعلم فيه جرحا ، وقال البيهقي ، مجهول ، ونقل ابن أبي حاتم توثيقه عن أبي زرعة .

    ولا يخفى أن من قال إنه مجهول يقدم عليه من قال إنه ثقة ; لأنه اطلع على ما لم يطلع عليه مدعي أنه مجهول ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، والتجريح لا يقبل مع الإجمال ، فعافية هذا وثقه أبو زرعة ، والتعديل والتجريح يكفي فيهما واحد على الصحيح في الرواية دون الشهادة ، قال العراقي في ألفيته : [ الرجز ]


    وصححوا اكتفاءهم بالواحد جرحا وتعديلا خلاف الشاهد والتعديل يقبل مجملا
    بخلاف الجرح للاختلاف في أسبابه


    قال العراقي في ألفيته : [ الرجز ]


    وصححوا قبول تعديل بلا ذكر لأسباب له أن تثقلا
    ولم يروا قبول جرح أبهما للخلف في أسبابه وربما استفسر
    الجرح فلم يقدح كما فسره شعبة بالركض فما هذا الذي عليه حفاظ الأثر كشيخي الصحيح مع أهل النظر إلخ . . .

    وهذا هو الصحيح ، فلا شك أن قول البيهقي في عافية : إنه مجهول أولى منه بالتقديم قول أبي زرعة : إنه ثقة ; لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ ، وإذا ثبت الاستدلال بالحديث المذكور ، فهو نص في محل النزاع .

    ويؤيد ما ذكر من توثيق عافية المذكور أن ابن الجوزي مع سعة اطلاعه ، وشدة بحثه عن الرجال ، قال : إنه لا يعلم فيه جرحا .

    وأما الآثار الدالة على ذلك : فمنها ما رواه الإمام مالك في " الموطأ " ، عن [ ص: 128 ] عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه : " أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي ، فلا تخرج من حليهن الزكاة " ، وهذا الإسناد عن عائشة في غاية الصحة ، كما ترى .

    ومنها ما رواه مالك في " الموطأ " أيضا ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أنه كان يحلي بناته وجواريه الذهب ، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة ، وهذا الإسناد عن ابن عمر رضي الله عنهما في غاية الصحة كما ترى .

    وما قاله بعض أهل العلم من أن المانع من الزكاة في الأول أنه مال يتيمة ، وأنه لا تجب الزكاة على الصبي ، كما لا تجب عليه الصلاة ، مردود بأن عائشة ترى وجوب الزكاة في أموال اليتامى ، فالمانع من إخراجها الزكاة ، كونه حليا مباحا على التحقيق ، لا كونه مال يتيمة ، وكذلك دعوى أن المانع لابن عمر من زكاة الحلي أنه لجوار مملوكات ، وأن المملوك لا زكاة عليه ، مردود أيضا بأنه كان لا يزكي حلي بناته مع أنه كان يزوج البنت له على ألف دينار يحليها منها بأربعمائة ، ولا يزكي ذلك الحلي ، وتركه لزكاته لكونه حليا مباحا على التحقيق .

    ومن الآثار الواردة في ذلك ما رواه الشافعي ، أنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، سمعت رجلا يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي ، فقال " زكاته عاريته " ، ذكره البيهقي في " السنن الكبرى " ، وابن حجر في " التلخيص " وزاد البيهقي ، فقال : وإن كان يبلغ ألف دينار فقال جابر : كثير .

    ومنها ما رواه البيهقي عن علي بن سليم قال : سألت أنس بن مالك عن الحلي ، فقال : ليس فيه زكاة .

    ومنها ما رواه البيهقي ، عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه نحوا من خمسين ألفا .

    وأما القياس فمن وجهين :

    الأول : أن الحلي لما كان لمجرد الاستعمال لا للتجارة والتنمية ، ألحق بغيره من الأحجار النفيسة كاللؤلؤ والمرجان ، بجامع أن كلا معد للاستعمال لا للتنمية ، وقد أشار إلى هذا الإلحاق مالك رحمه الله في " الموطأ " بقوله : فأما التبر والحلي المكسور الذي يريد أهله إصلاحه ولبسه ، فإنما هو بمنزلة المتاع الذي يكون عند أهله ، [ ص: 129 ] فليس على أهله فيه زكاة ، قال مالك : ليس في اللؤلؤ ، ولا في المسك ، والعنبر زكاة .

    الثاني من وجهي القياس : هو النوع المعروف بقياس العكس ، وأشار له في " مراقي السعود " بقوله في كتاب الاستدلال : [ الرجز ]


    منه قياس المنطقي والعكس ومنه فقد الشرط دون لبس
    وخالف بعض العلماء في قبول هذا النوع من القياس ، وضابطه : هو إثبات عكس حكم شيء لشيء آخر لتعاكسهما في العلة ، ومثاله حديث مسلم : أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر ؟ ! قال : " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ " الحديث ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : أثبت في الجماع المباح أجرا ، وهو حكم عكس حكم الجماع الحرام ; لأن فيه الوزر ; لتعاكسهما في العلة ; لأن علة الأجر في الأول إعفاف امرأته ونفسه ، وعلة الوزر في الثاني كونه زنى .

    ومن أمثلة هذا النوع من القياس عند المالكية : احتجاجهم على أن الوضوء لا يجب من كثير القيء ، بأنه لما لم يجب من قليله لم يجب من كثيره عكس البول لما وجب من قليله وجب من كثيره .

    ومن أمثلته عند الحنفية ، قولهم : لما لم يجب القصاص من صغير المثقل ، لم يجب من كبيره عكس المحدد لما وجب من صغيره وجب من كبيره .

    ووجه هذا النوع من القياس في هذه المسألة التي نحن بصددها ، هو أن العروض لا تجب في عينها الزكاة ، فإذا كانت للتجارة والنماء ، وجبت فيها الزكاة عكس العين ، فإن الزكاة واجبة في عينها ، فإذا صيغت حليا مباحا للاستعمال ، وانقطع عنها قصد التنمية بالتجارة ، صارت لا زكاة فيها ، فتعاكست أحكامها لتعاكسهما في العلة ، ومنع هذا النوع من القياس بعض الشافعية ، وقال ابن محرز : إنه أضعف من قياس الشبه ، ولا يخفى أن القياس يعتضد به ما سبق من الحديث المرفوع ، والآثار الثابتة عن بعض الصحابة ، لما تقرر في الأصول ، من أن موافقة النص للقياس من المرجحات ، وأما وضع اللغة ، فإن بعض العلماء يقول : الألفاظ الواردة في الصحيح في زكاة العين لا تشمل الحلي في لسان العرب .

    قال أبو عبيد : الرقة عند العرب : الورق المنقوشة ذات السكة السائرة بين الناس ، ولا تطلقها العرب على المصوغ ، وكذلك قيل في الأوقية .

    [ ص: 130 ] قال مقيده عفا الله عنه : ما قاله أبو عبيد هو المعروف في كلام العرب ، قال الجوهري في " صحاحه " : الورق الدراهم المضروبة ، وكذلك الرقة ، والهاء عوض عن الواو ، وفي " القاموس " : الورق - مثلثة - وككتف : الدراهم المضروبة ، وجمعه أوراق ووراق كالرقة .

    هذا هو حاصل حجة من قال : لا زكاة في الحلي .

    وما ادعاه بعض أهل العلم من الاحتجاج لذلك بعمل أهل المدينة ، فيه أن بعض أهل المدينة مخالف في ذلك ، والحجة بعمل أهل المدينة عند من يقول بذلك - مالك - إنما هي في إجماعهم على أمر لا مجال للرأي فيه ، لا إن اختلفوا ، أو كان من مسائل الاجتهاد ، كما أشار له في " مراقي السعود " ، بقوله : [ الرجز ]


    وأوجبن حجية للمدني فيما على التوقيف أمره بني
    وقيل : مطلقا . . إلخ .

    لأن مراده بالمدني : الإجماع المدني الواقع من الصحابة أو التابعين ، لا ما اختلفوا فيه كهذه المسألة ، وقيده بما بني على التوقيف دون مسائل الاجتهاد في القول الصحيح .

    وأما حجة القائلين بأن الحلي تجب فيه الزكاة : فهي منحصرة في أربعة أمور أيضا :

    الأول : أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوجب الزكاة في الحلي .

    الثاني : آثار وردت بذلك عن بعض الصحابة .

    الثالث : وضع اللغة .

    الرابع : القياس .

    أما الأحاديث الواردة بذلك ، فمنها ما رواه أبو داود في " سننه " ، حدثنا أبو كامل ، وحميد بن مسعدة " المعنى " أن خالد بن الحارث حدثهم : ثنا حسين ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : " أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعها ابنة لها ، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب ، فقال لها : " أتعطين زكاة هذا ؟ " قالت : لا ، قال : " أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار ؟ ! " قال : فخلعتهما ، فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : هما لله عز وجل ولرسوله " .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #117
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (116)

    سُورَةُ التَّوْبَةِ(5)
    صـ 131 إلى صـ 135

    أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت حسينا ، قال : حدثني عمرو بن شعيب ، قال : جاءت امرأة ، ومعها بنت لها ، وفي يد ابنتها مسكتان ، نحوه ، مرسل . قال أبو عبد الرحمن : خالد أثبت من المعتمر . اهـ .

    وهذا الحديث الذي أخرجه أبو داود ، والنسائي من طريق حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب أقل درجاته الحسن ، وبه تعلم أن قول الترمذي رحمه الله : لا يصح في الباب شيء غير صحيح ; لأنه لم يعلم برواية حسين المعلم له عن عمرو بن شعيب ، بل جزم بأنه لم يرو عن عمرو بن شعيب إلا من طريق ابن لهيعة ، والمثنى بن الصباح ، وقد تابعهما حجاج بن أرطاة والجميع ضعاف .

    ومنها ما رواه أبو داود أيضا ، حدثنا محمد بن عيسى ، ثنا عتاب يعني ابن بشير ، عن ثابت بن عجلان ، عن عطاء ، عن أم سلمة ، قالت : كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت : يا رسول الله أكنز هو ؟ فقال : " ما بلغ أن تؤدي زكاته ، فزكي فليس بكنز " ، وأخرج نحوه الحاكم ، والدارقطني ، والبيهقي . اهـ .

    ومنها ما رواه أبو داود أيضا ، حدثنا محمد بن إدريس الرازي ، ثنا عمرو بن الربيع بن طارق ، ثنا يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن أبي جعفر : أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال : دخلنا على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق ، فقال : " ما هذا يا عائشة ؟ ! " ، فقلت : صنعتهن أتزين لك يا رسول الله ، قال : " أتؤدين زكاتهن ؟ " قلت : لا ، أو ما شاء الله ، قال : " هو حسبك من النار " .

    حدثنا صفوان بن صالح ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا سفيان ، عن عمر بن يعلى ، فذكر الحديث نحو حديث الخاتم ، قيل لسفيان : كيف تزكيه ؟ قال : تضمه إلى غيره . اهـ .

    وحديث عائشة هذا أخرج نحوه أيضا الحاكم ، والدارقطني ، والبيهقي . اهـ .

    وأخرج الدارقطني ، عن عائشة ، من طريق عمرو بن شعيب ، عن عروة عنها ، قالت : لا بأس بلبس الحلي إذا أعطي زكاته . اهـ .

    [ ص: 132 ] قال البيهقي رحمه الله :

    وقد انضم إلى حديث عمرو بن شعيب حديث أم سلمة ، وحديث عائشة ، وساقهما .

    ومنها ما رواه الإمام أحمد ، عن أسماء بنت يزيد بلفظ : قالت : " دخلت أنا وخالتي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلينا أساور من ذهب فقال لنا : " أتعطيان زكاته ؟ " ، فقلنا : لا ، قال : " أما تخافان أن يسوركما الله بسوار من نار ؟ ! أديا زكاته " . اهـ .

    وروى الدارقطني نحوه من حديث فاطمة بنت قيس ، وفي سنده أبو بكر الهذلي ، وهو متروك ، اهـ . قاله ابن حجر في " التلخيص " .

    وأما الآثار : فمنها ما رواه ابن أبي شيبة ، والبيهقي من طريق شعيب بن يسار قال : كتب عمر إلى أبي موسى : أن مر من قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهن . اهـ .

    قال البيهقي : هذا مرسل ، شعيب بن يسار لم يدرك عمر . اهـ .

    وقال ابن حجر في " التلخيص " : وهو مرسل ، قاله البخاري ، وقد أنكر الحسن ذلك فيما رواه ابن أبي شيبة قال : لا نعلم أحدا من الخلفاء قال : " في الحلي زكاة " .

    ومنها ما رواه الطبراني ، والبيهقي ، عن ابن مسعود : أن امرأته سألته ، عن حلي لها ، فقال : إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة ، قالت : أضعها في بني أخ لي في حجري ؟ قال : نعم .

    قال البيهقي : وقد روي هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس بشيء ، وقال : قال البخاري : مرسل ، ورواه الدارقطني من حديث ابن مسعود مرفوعا ، وقال : هذا وهم والصواب موقوف . قاله ابن حجر في " التلخيص " .

    ومنها ما رواه البيهقي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أنه كان يكتب إلى خازنه سالم ، أن يخرج زكاة حلي بناته كل سنة ، وما روي من ذلك عن ابن عباس ، قال الشافعي : لا أدري أيثبت عنه أم لا ؟ وحكاه ابن المنذر ، والبيهقي ، عن ابن عباس ، وابن عمر ، وغيرهما . قاله في " التلخيص " أيضا .

    وأما القياس : فإنهم قاسوا الحلي على المسكوك والمسبوك بجامع أن الجميع نقد .

    وأما وضع اللغة : فزعموا أن لفظ الرقة ، ولفظ الأوقية الثابت في الصحيح يشمل [ ص: 133 ] المصوغ كما يشمل المسكوك ، وقد قدمنا أن التحقيق خلافه .

    فإذا علمت حجج الفريقين ، فسنذكر لك ما يمكن أن يرجع به كل واحد منهما .

    أما القول بوجوب زكاة الحلي ، فله مرجحات :

    منها : أن من رواه من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ، كما قدمنا روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وعائشة ، وأم سلمة ، وأسماء بنت يزيد ، رضي الله عنهم .

    أما القول بعدم وجوب الزكاة فيه ، فلم يرو مرفوعا إلا من حديث جابر ، كما تقدم .

    وكثرة الرواة من المرجحات على التحقيق ، كما قدمنا في سورة " البقرة " في الكلام على آية الربا .

    ومنها : أن أحاديثه كحديث عمرو بن شعيب ، ومن ذكر معه أقوى سندا من حديث سقوط الزكاة الذي رواه عافية بن أيوب .

    ومنها : أن ما دل على الوجوب مقدم على ما دل على الإباحة ; للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب كما تقرر في الأصول ، وإليه الإشارة بقول صاحب " مراقي السعود " في مبحث الترجيح باعتبار المدلول : [ الرجز ]


    وناقل ومثبت والآمر بعد النواهي ثم هذا الآخر
    على إباحة . . . إلخ .

    ومعنى قوله : "
    ثم هذا الآخر على إباحة
    " أن ما دل على الأمر مقدم على ما دل على الإباحة كما ذكرنا .

    ومنها : دلالة النصوص الصريحة على وجوب الزكاة في أصل الفضة ، والذهب ، وهي دليل على أن الحلي من نوع ما وجبت الزكاة في عينه ، هذا حاصل ما يمكن أن يرجح به هذا القول .

    وأما القول بعدم وجوب الزكاة في الحلي المباح ، فيرجح بأن الأحاديث الواردة في التحريم إنما كانت في الزمن الذي كان فيه التحلي بالذهب محرما على النساء ، والحلي المحرم تجب فيه الزكاة اتفاقا .

    وأما أدلة عدم الزكاة فيه ، فبعد أن صار التحلي بالذهب مباحا .

    والتحقيق : أن التحلي بالذهب كان في أول الأمر محرما على النساء ، ثم أبيح ، كما يدل له ما ساقه البيهقي من أدلة تحريمه أولا وتحليله ثانيا ، وبهذا يحصل الجمع بين [ ص: 134 ] الأدلة ، والجمع واجب إن أمكن كما تقرر في الأصول وعلوم الحديث ، وإليه الإشارة بقول صاحب " مراقي السعود " : [ الرجز ]


    والجمع واجب متى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بينا
    ووجهه ظاهر ; لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، ومعلوم أن الجمع إذا أمكن أولى من جميع الترجيحات .

    فإن قيل : هذا الجمع يقدح فيه حديث عائشة المتقدم ، فإن فيه " فرأى في يدي فتخات من ورق " الحديث .

    والورق : الفضة ، والفضة لم يسبق لها تحريم ، فالتحلي بها لم يمتنع يوما ما .

    فالجواب ما قاله الحافظ البيهقي - رحمه الله تعالى - قال : من قال : لا زكاة في الحلي ، زعم أن الأحاديث والآثار الواردة في وجوب زكاته كانت حين كان التحلي بالذهب حراما على النساء ، فلما أبيح لهن سقطت زكاته .

    قال : وكيف يصح هذا القول مع حديث عائشة ، إن كان ذكر الورق فيه محفوظا ، غير أن رواية القاسم ، وابن أبي مليكة ، عن عائشة في تركها إخراج زكاة الحلي مع ما ثبت من مذهبها من إخراج زكاة أموال اليتامى - يوقع ريبة في هذه الرواية المرفوعة ، فهي لا تخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه ، إلا فيما علمته منسوخا . اهـ .

    وقد قدمنا في سورة " البقرة " الكلام على مخالفة الصحابي لما روي في آية الطلاق ، وبالجملة فلا يخفى أنه يبعد أن تعلم عائشة أن عدم زكاة الحلي فيه الوعيد من النبي لها بأنه حسبها من النار ، ثم تترك إخراجها بعد ذلك عمن في حجرها ، مع أنها معروف عنها القول بوجوب الزكاة في أموال اليتامى .

    ومن أجوبة أهل هذا القول : أن المراد بزكاة الحلي عاريته ، ورواه البيهقي ، عن ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، والشعبي ، في إحدى الروايتين عنه .

    هذا حاصل الكلام في هذه المسألة .

    وأقوى الوجوه بحسب المقرر في الأصول وعلم الحديث : الجمع إذا أمكن ، وقد أمكن هنا .

    قال مقيده عفا الله عنه : وإخراج زكاة الحلي أحوط ; لأن " من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " - " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " ، والعلم عند الله تعالى .
    [ ص: 135 ] المسألة الرابعة : اعلم أن جماهير علماء المسلمين من الصحابة ومن بعدهم على وجوب الزكاة في عروض التجارة ، فتقوم عند الحول ، ويخرج ربع عشرها كزكاة العين ، قال ابن المنذر : أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة ، قال : رويناه عن عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وابن عباس ، والفقهاء السبعة : سعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ، وعروة بن الزبير ، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، وخارجة بن زيد ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وسليمان بن يسار ، والحسن البصري ، وطاوس ، وجابر بن زيد ، وميمون بن مهران ، والنخعي ، ومالك ، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، والنعمان ، وأصحابه ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأبي عبيد ، اهـ ، بواسطة نقل النووي في " شرح المهذب " ، وابن قدامة في " المغني " ، ولمالك - رحمه الله - تفصيل في عروض التجارة ; لأن عروض التجارة عنده تنقسم إلى عرض تاجر مدير ، وعرض تاجر محتكر ، فالمدير هو الذي يبيع ويشتري دائما ، والمحتكر هو الذي يشتري السلع ويتربص بها حتى يرتفع سعرها فيبيعها ، وإن لم يرتفع سعرها لم يبعها ولو مكثت سنين .

    فعروض المدير عنده وديونه التي يطالب بها الناس إن كانت مرجوة يزكيها عند كل حول ، والدين الحال يزكيه بالعدد ، والمؤجل بالقيمة .

    أما عرض المحتكر فلا يقوم عنده ولا زكاة فيه حتى يباع بعين فيزكي العين على حول أصل العرض ، وإلى هذا أشار ابن عاشر ، في " المرشد المعين " بقوله : [ الرجز ]


    والعرض ذو التجر ودين من أدار قيمتها كالعين ثم ذو احتكار زكى لقبض ثمن أو دين
    عينا بشرط الحول للأصلين
    زاد مالك في مشهور مذهبه شرطا ، وهو أنه يشترط في وجوب تقويم عروض المدير أن يصل يده شيء ناض من ذات الذهب أو الفضة ، ولو كان ربع درهم أو أقل ، وخالفه ابن حبيب من أهل مذهبه ، فوافق الجمهور في عدم اشتراط ذلك .

    ولا يخفى أن مذهب الجمهور هو الظاهر ، ولم نعلم بأحد من أهل العلم خالف في وجوب زكاة عروض التجارة ، إلا ما يروى عن داود الظاهري ، وبعض أتباعه .

    ودليل الجمهور آية ، وأحاديث ، وآثار وردت بذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم ، ولم يعلم أن أحدا منهم خالف في ذلك ، فهو إجماع سكوتي .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #118
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (117)

    سُورَةُ التَّوْبَةِ(6)
    صـ 136 إلى صـ 140

    فمن الأحاديث الدالة على ذلك : ما رواه أبو ذر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه [ ص: 136 ] قال : " في الإبل صدقتها ، وفي الغنم صدقتها ، وفي البز صدقته " الحديث . أخرجه الحاكم ، والدارقطني ، والبيهقي .

    وقال النووي في " شرح المهذب " : هذا الحديث رواه الدارقطني ، في " سننه " ، والحاكم أبو عبد الله في " المستدرك " ، والبيهقي ، بأسانيدهم ، ذكره الحاكم بإسنادين ، ثم قال : هذان الإسنادان صحيحان على شرط البخاري ، ومسلم ، اهـ .

    ثم قال : قوله : " وفي البز صدقته " ، هو بفتح الباء وبالزاي ، هكذا رواه جميع الرواة ، وصرح بالزاي الدارقطني ، والبيهقي ، وقال ابن حجر في " التلخيص " : حديث أبي ذر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " في الإبل صدقتها وفي البز صدقته " ، أخرجه الدارقطني ، عن أبي ذر من طريقين ، وقال في آخره : " وفي البز صدقته " ، قالها بالزاي ، وإسناده غير صحيح ، مداره على موسى بن عبيدة الربذي ، وله عنده طريق ثالث من رواية ابن جريج ، عن عمران بن أبي أنس ، عن مالك بن أوس ، عن أبي ذر وهو معلول ; لأن ابن جريج ، رواه عن عمران : أنه بلغه عنه ، ورواه الترمذي في العلل من هذا الوجه ، وقال : سألت البخاري عنه فقال : لم يسمعه ابن جريج من عمران ، وله طريقة رابعة ، رواه الدارقطني أيضا ، والحاكم ، من طريق سعيد بن سلمة بن أبي الحسام ، عن عمران ، ولفظه : " في الإبل صدقتها ، وفي الغنم صدقتها ، وفي البقر صدقتها ، وفي البز صدقته ، ومن رفع دراهم أو دنانير لا يعدها لغريم ، ولا ينفقها في سبيل الله ، فهو كنز يكوى به يوم القيامة ، وهذا إسناد لا بأس به ، اهـ .

    فترى ابن حجر قال : إن هذا الإسناد لا بأس به مع ما قدمنا عن الحاكم من صحة الإسنادين المذكورين ، وتصحيح النووي لذلك والذي رأيته في سنن البيهقي : أن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام يروي الحديث عن موسى المذكور ، عن عمران ، لا عن عمران مباشرة فانظره .

    فإن قيل : قال ابن دقيق العيد : الذي رأيته في نسخة من " المستدرك " في هذا الحديث : " البر " بضم الموحدة وبالراء المهملة ، ورواية الدارقطني التي صرح فيها بالزاي في لفظة البز في الحديث ضعيفة ، وإذن فلا دليل في الحديث على تقرير صحته على وجوب زكاة عروض التجارة .

    فالجواب هو ما قدمنا عن النووي ، من أن جميع رواته رووه بالزاي ، وصرح بأنه بالزاي البيهقي ، والدارقطني ، كما تقدم .

    [ ص: 137 ] ومن الأحاديث الدالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة ما أخرجه أبو داود في " سننه " عن سمرة بن جندب الفزاري رضي الله عنه ، قال : " أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع " ، وهذا الحديث سكت عليه أبو داود رحمه الله ، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج عنده . وقد قال ابن حجر في " التلخيص " في هذا الحديث : رواه أبو داود ، والدارقطني ، والبزار ، من حديث سليمان بن سمرة عن أبيه وفي إسناده جهالة ، اهـ .

    قال مقيده ، عفا الله عنه : في إسناد هذا الحديث عند أبي داود حبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب ، وهو مجهول ، وفيه جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب ، وهو ليس بالقوي ، وفيه سليمان بن موسى الزهري أبو داود ، وفيه لين ، ولكنه يعتضد بما قدمنا من حديث أبي ذر ، ويعتضد أيضا بما ثبت عن أبي عمرو بن حماس ، أن أباه حماسا قال : مررت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعلى عنقي أدم أحملها ، فقال : ألا تؤدي زكاتك يا حماس ؟ فقال : ما لي غير هذا ، وأهب في القرظ قال : ذلك مال فضع ، فوضعها بين يديه ، فحسبها فوجدت قد وجبت فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة ، قال ابن حجر في " التلخيص " في هذا الأثر : رواه الشافعي ، عن سفيان ، حدثنا يحيى ، عن عبد الله بن أبي سلمة ، عن أبي عمرو بن حماس أن أباه قال : مررت بعمر بن الخطاب ، فذكره ، ورواه أحمد ، وابن أبي شيبة ، وعبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، عن يحيى بن سعيد به ، ورواه الدارقطني ، من حديث حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي عمرو بن حماس ، عن أبيه ، نحوه ، ورواه الشافعي أيضا عن سفيان ، عن ابن عجلان ، عن أبي الزناد ، عن أبي عمرو بن حماس ، عن أبيه ، اهـ .

    وحماس بكسر الحاء وتخفيف الميم وآخره سين مهملة ، فقد رأيت ثبوت أخذ الزكاة من عروض التجارة عن عمر ، ولم يعلم له مخالف من الصحابة ، وهذا النوع يسمى إجماعا سكوتيا ، وهو حجة عند أكثر العلماء ، ويؤيده أيضا ما رواه البيهقي عن ابن عمر : " أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة ، من كتابه أنبأ أبو الحسن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدة ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي ، حدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا حفص بن غياث ، حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة . اهـ .

    [ ص: 138 ] قال : وهذا قول عامة أهل العلم ، فالذي روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال : لا زكاة في العرض ، قال فيه الشافعي في كتاب القديم : إسناد الحديث عن ابن عباس ضعيف ، فكان اتباع حديث ابن عمر لصحته ، والاحتياط في الزكاة أحب إلي ، والله أعلم ، قال : وقد حكى ابن المنذر ، عن عائشة ، وابن عباس مثل ما روينا عن ابن عمر ، ولم يحك خلافهم عن أحد فيحتمل أن يكون معنى قوله - إن صح - لا زكاة في العرض إذا لم يرد به التجارة " اهـ من سنن البيهقي ، ويؤيده ما رواه مالك في " الموطإ " ، عن يحيى بن سعيد ، عن زريق بن حيان ، وكان زريق على جواز مصر في زمان الوليد بن عبد الملك ، وسليمان ، وعمر بن عبد العزيز ، فذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه أن انظر من يمر بك من المسلمين ، فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون من التجارات من كل أربعين دينارا دينارا ، فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرين دينارا فإن نقصت ثلث دينار فدعها ، ولا تأخذ منها شيئا .

    وأما الآية : فهي قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم [ 2 \ 267 ] ، على ما فسرها به مجاهد رحمه الله تعالى ، قال البيهقي في " سننه " باب : " زكاة التجارة " قال الله تعالى وجل ثناؤه : ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم الآية ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر بن الحسن القاضي ، وأبو سعيد بن أبي عمرو ، قالوا : ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا الحسن بن علي بن عفان ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا ورقاء ، عن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله تعالى : أنفقوا من طيبات ما كسبتم ، قال : التجارة ، ومما أخرجنا لكم من الأرض ، قال : النخل ، وقال البخاري في " صحيحه " ، " باب صدقة الكسب والتجارة " لقوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ، إلى قوله : أن الله غني حميد ، قال ابن حجر في " الفتح " : هكذا أورد هذه الترجمة مقتصرا على الآية بغير حديث .

    وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد في هذه الآية : ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ، قال : من التجارة الحلال ، أخرجه الطبري ، وابن أبي حاتم من طريق آدم عنه ، وأخرجه الطبري من طريق هشيم ، عن شعبة ، ولفظه : من طيبات ما كسبتم قال : من التجارة ومما أخرجنا لكم من الأرض ، قال : [ ص: 139 ] من الثمار .

    ولا شك أن ما ذكره مجاهد داخل في عموم الآية ، فتحصل أن جميع ما ذكرناه من طرق حديث أبي ذر ، وحديث سمرة بن جندب المرفوعين وما صح من أخذ عمر زكاة الجلود من حماس ، وما روي عن أبي عمر ، وعمر بن عبد العزيز ، وظاهر عموم الآية الكريمة ، وما فسرها به مجاهد ، وإجماع عامة أهل العلم إلا من شذ عن السواد الأعظم - يكفي في الدلالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة ، والعلم عند الله تعالى .
    المسألة الخامسة : في زكاة الدين ، وهل الدين مسقط للزكاة عن المدين أو لا ؟ !

    اختلف العلماء في ذلك ، ومذهب مالك - رحمه الله - أن الدين الذي للإنسان على غيره يجري مجرى عروض التجارة في الفرق بين المدير وبين المحتكر ، وقد أوضحنا ذلك في المسألة التي قبل هذا .

    ومذهبه رحمه الله : أن الدين مانع من الزكاة في العين وعروض التجارة إن لم يفضل عن وفائه قدر ما تجب فيه الزكاة ، قال في " موطئه " : الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل يكون عليه دين وعنده من العروض ما فيه وفاء لما عليه من الدين ، ويكون عنده من الناض سوى ذلك ما تجب فيه الزكاة فإنه يزكي ما بيده من ناض تجب فيه الزكاة ، وإن لم يكن عنده من العروض والنقد إلا وفاء دينه فلا زكاة عليه ، حتى يكون عنده من الناض فضل عن دينه ما تجب فيه الزكاة ، فعليه أن يزكيه .

    وأما الماشية ، والزروع ، والثمار ، فلا يسقط الدين وجوب زكاتها عنده . ومذهب الإمام الشافعي رحمه الله أن الدين إذا كان حالا على موسر مقر ، أو منكر وعليه بينة ، فزكاته واجبة إن كان عينا أو عرض تجارة ، وهذا قوله الجديد ، وأما القديم : فهو أن الزكاة لا تجب في الدين بحال .

    أما إن كان الغريم معسرا ، أو جاحدا ولا بينة ، أو مماطلا ، أو غائبا ، فهو عنده كالمغصوب ، وفي وجوب الزكاة فيه خلاف ، والصحيح الوجوب ، ولكن لا تؤخذ منه بالفعل إلا بعد حصوله في اليد .

    وإن كان الدين مؤجلا ففيه وجهان :

    أحدهما لأبي إسحاق : أنه كالدين الحال على فقير أو على جاحد . فيكون على الخلاف الذي ذكرناه آنفا .

    [ ص: 140 ] والثاني : لأبي علي بن أبي هريرة : لا تجب فيه الزكاة ، فإذا قبضه استقبل به الحول ، والأول أصح ، قاله صاحب المهذب .

    أما إذا كان الدين ماشية ، كأربعين من الغنم ، أو غير لازم كدين الكتابة ، فلا تجب فيه الزكاة اتفاقا عندهم ، وإن كان عليه دين مستغرق ، أو لم يبق بعده كمال النصاب فقال الشافعي في " القديم " : يسقط الدين المستغرق ، أو الذي ينقص به المال عن النصاب وجوب الزكاة ; لأن الملك فيه غير مستقر ; لأنه ربما أخذه الحاكم لحق الغرماء ، وقال في " الجديد " : تجب الزكاة ولا يسقطها الدين لاختلاف جهتهما ; لأن الزكاة تتعلق بعين المال والدين يتعلق بالذمة ، وإن حجر عليه ففيه خلاف كثير .

    أصحه عند الشافعية : أنه يجري على حكم زكاة المغصوب ، وقد قدمنا حكمه ، وللشافعية قول ثالث ، وهو أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة وهي الذهب والفضة ، وعروض التجارة ، ولا يمنعها في الظاهرة وهي الزروع ، والثمار ، والمواشي ، والمعادن .

    والفرق أن الأموال الظاهرة نامية بنفسها بخلاف الباطنة ، وهذا هو مذهب مالك كما تقدم ، ودين الآدمي ، ودين الله عندهم سواء في منع وجوب الزكاة ، ومذهب الإمام أحمد رحمه الله : أن من كان له دين على مليء مقر به غير مماطل ، فليس عليه إخراج زكاته حتى يقبضه ، فإن قبضه أدى زكاته فيما مضى من السنين .

    وروي نحوه عن علي رضي الله عنه ، وبه قال الثوري ، وأبو ثور ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، وقال : عثمان ، وابن عمر ، وجابر ، رضي الله عنهم ، وطاوس ، والنخعي ، وجابر بن زيد ، والحسن ، وميمون بن مهران ، والزهري ، وقتادة ، وحماد بن أبي سليمان ، وإسحاق ، وأبو عبيد : عليه إخراج زكاته في الحال ; لأنه قادر على قبضه .

    وقد قدمنا أنه قول مالك ، والشافعي ، فإن كان الدين على معسر ، أو جاحد ، أو مماطل ، فروايتان :

    إحداهما : لا تجب فيه الزكاة ، وهو قول قتادة ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأهل العراق ; لأنه غير مقدور على الانتفاع به .

    والثانية : يزكيه إذا قبضه لما مضى ، وهو قول الثوري ، وأبي عبيد ، وعن عمر بن عبد العزيز ، والحسن ، والليث ، والأوزاعي : يزكيه إذا قبضه لعام واحد ، وهذا هو قول مالك .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #119
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (118)

    سُورَةُ التَّوْبَةِ(7)
    صـ 141 إلى صـ 145

    [ ص: 141 ] ومذهب أحمد رحمه الله : أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة ، التي هي الذهب والفضة ، وعروض التجارة ، وهذا لا خلاف فيه عنه ، وهو قول عطاء ، وسليمان بن يسار ، وميمون بن مهران ، والحسن ، والنخعي ، والليث ، والثوري ، والأوزاعي ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأصحاب الرأي ، وقد قدمنا نحوه عن مالك رحمه الله .

    وقال ربيعة ، وحماد بن أبي سليمان : لا يمنع الدين الزكاة في الأموال الباطنة ، وقد قدمناه عن الشافعي ، في جديد قوليه .

    وأما الأموال الظاهرة ، وهي السائمة ، والثمار ، والحبوب ، فقد اختلفت فيها الرواية ، عن أحمد رحمه الله ، فروي عنه أن الدين يمنع الزكاة فيها أيضا كالأموال الباطنة ، وعنه في رواية إسحاق بن إبراهيم : يبتدئ بالدين فيقضيه ، ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة ، فيزكي ما بقي .

    ولا يكون على أحد دينه أكثر من ماله صدقة في إبل ، أو بقر ، أو غنم ، أو زرع ، ولا زكاة ، وبهذا قال عطاء ، والحسن ، وسليمان ، وميمون بن مهران ، والنخعي ، والثوري ، والليث ، وإسحاق .

    وروي أن الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة ، وبه قال الأوزاعي ، وقد قدمناه عن الشافعي في " الجديد " وهو قول مالك .

    إذا عرفت أقوال العلماء في زكاة الدين ، وهل هو مانع من الزكاة ، فاعلم أن اختلافهم في الدين ، هل يزكى قبل القبض ، وهل إذا لم يزكه قبل القبض يكفي زكاة سنة واحدة ؟ ! أو لا بد من زكاته لما مضى من السنين ؟ !

    الظاهر فيه أنه من الاختلاف في تحقيق المناط ، هل القدرة على التحصيل كالحصول بالفعل ، أو لا ؟ ! ولا نعلم في زكاة الدين نصا من كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع ، ولا كون الدين مانعا من وجوب الزكاة على المدين إن كان يستغرق ، أو ينقص النصاب ، إلا آثارا وردت عن بعض السلف .

    منها ما رواه مالك في " الموطإ " عن ابن شهاب ، عن السائب بن يزيد ، عن عثمان بن عفان : أنه كان يقول : هذا شهر زكاتكم ، فمن كان عليه دين فليؤد دينه ، حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة .

    ومنها ما رواه مالك في " الموطإ " أيضا عن أيوب بن أبي ثميمة السختياني ، عن [ ص: 142 ] عمر بن عبد العزيز : أنه كتب في مال قبضه بعض الولاة ظلما ، يأمر برده إلى أهله ، ويؤخذ زكاته لما مضى من السنين ، ثم عقب بعد ذلك بكتاب ألا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة ، فإنه كان ضمارا . اهـ . وهو بكسر الضاد ، أي : غائبا عن ربه لا يقدر على أخذه ولا يعرف موضعه .
    المسألة السادسة : في زكاة المعادن والركاز .

    اعلم أن العلماء أجمعوا على وجوب إخراج حق شرعي من المعادن في الجملة ، لكن وقع بينهم الاختلاف في بعض الصور لذلك ، فقال قوم : لا يجب في شيء من المعادن الزكاة ، إلا الذهب والفضة خاصة ، فإذا أخرج من المعدن عشرين مثقالا من الذهب ، أو مائتي درهم من الفضة ، وجب عليه إخراج ربع العشر من ذلك من حين إخراجه ، ولا يستقبل به حولا .

    وممن قال بهذا : مالك ، والشافعي ، ومذهب الإمام أحمد كمذهبهما . إلا أنه يوجب الزكاة في جميع المعادن من ذهب ، وفضة ، وزئبق ، ورصاص ، وصفر ، وحديد ، وياقوت ، وزبرجد ، ولؤلؤ ، وعقيق ، وسبج ، وكحل ، وزجاج ، وزرنيخ ، ومغرة ، ونحو ذلك ، وكذلك المعادن الجارية ، كالقار ، والنفط ، ونحوهما ، ويقوم بمائتي درهم ، أو عشرين مثقالا ، ما عدا الذهب والفضة ، فجميع المعادن عنده تزكى ، واللازم فيها ربع العشر .

    وذهب أبو حنيفة رحمه الله ، إلى أن المعدن من جملة الركاز ، ففيه عنده الخمس ، وهو عنده الذهب والفضة ، وما ينطبع كالحديد والصفر والرصاص في أشهر الروايتين ، ولا يشترط عنده النصاب في المعدن والركاز .

    وممن قال بلزوم العشر في المعدن : عمر بن عبد العزيز ، وحجة من قال بوجوب الزكاة في جميع المعادن ، عموم قوله تعالى ومما أخرجنا لكم من الأرض .

    وحجة من قال بوجوبها في معدن الذهب والفضة فقط : أن الأصل عدم وجوب الزكاة ، فلم تجب في غير الذهب والفضة للنص عليهما دون غيرهما ، واحتجوا أيضا بحديث : " لا زكاة في حجر " ، وهو حديث ضعيف ، قال فيه ابن حجر في " التلخيص " رواه ابن عدي ، من حديث عمر بن أبي عمر الكلاعي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، ورواه البيهقي ، من طريقه ، وتابعه عثمان الوقاصي ، ومحمد بن عبيد الله العرزمي ، كلاهما عن عمرو بن شعيب ، وهما متروكان . اهـ . وعمر بن أبي عمر الكلاعي ضعيف ، من [ ص: 143 ] شيوخ بقية المجهولين ، قاله في " التقريب " واحتج لوجوب الزكاة في المعدن بما رواه مالك في " الموطإ " عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن غير واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية ، وهي من ناحية الفرع . فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة . وقال ابن حجر في " التلخيص " : ورواه أبو داود ، والطبراني ، والحاكم ، والبيهقي موصولا ، ليست فيه زيادة : وهي من ناحية الفرع ، إلخ .

    وقال الشافعي : بعد أن روى حديث مالك : ليس هذا ما يثبته أهل الحديث ولم يثبتوه ولم يكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا إقطاعه ، وأما الزكاة دون الخمس فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم .

    وقال البيهقي : وهو كما قال الشافعي في رواية مالك ، وقد روي عن الدراوردي ، عن ربيعة ، موصولا ، ثم أخرجه عن الحاكم ، والحاكم أخرجه في " المستدرك " وكذا ذكره ابن عبد البر من رواية الدراوردي ، قال : ورواه أبو سبرة المديني ، عن مطرف ، عن مالك ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن ابن عباس قلت : أخرجه أبو داود ، من الوجهين . اهـ .

    قال مقيده عفا الله عنه : الاستدلال بهذه الزيادة على الحديث المرفوع التي ذكرها مالك في " الموطإ " ، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم - من نوع الاستدلال بالاستصحاب المقلوب ، وهو حجة عند جماعة من العلماء من المالكية ، والشافعية .

    والاستصحاب المقلوب : هو الاستدلال بثبوت الأمر في الزمن الحاضر على ثبوته في الزمن الماضي ، لعدم ما يصلح للتغيير من الأول إلى الثاني .

    قال صاحب " جمع الجوامع " : أما ثبوته في الأول لثبوته في الثاني فمقلوب ، وقد يقال فيه : لو لم يكن الثابت اليوم ثابتا أمس لكان غير ثابت ، فيقتضي استصحاب أمس أنه الآن غير ثابت ، وليس كذلك ، فدل على أنه ثابت .

    وقال : في " نشر البنود " : وقد يقال في الاستصحاب المقلوب ليظهر الاستدلال به : لو لم يكن الثابت اليوم ثابتا أمس لكان غير ثابت أمس ; إذ لا واسطة بين الثبوت وعدمه ، فيقتضي استصحاب أمس الخالي عن الثبوت فيه ، أنه الآن غير ثابت ، وليس كذلك لأنه مفروض الثبوت الآن ، فدل ذلك على أنه ثابت أمس أيضا ، ومثل له بعض المالكية بالوقف ، إذا جهل مصرفه ووجد على حالة فإنه يجري عليها ; لأن وجوده على تلك الحالة [ ص: 144 ] دليل على أنه كان كذلك في عقد الوقف ، ومثل له " المحلى " ، بأن يقال في المكيال الموجود : كان على عهده صلى الله عليه وسلم ، باستصحاب الحال في الماضي ، ووجهه في المسألة التي نحن بصددها ; أن لفظ : فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم يدل بالاستصحاب المقلوب أنها كانت كذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لعدم ما يصلح للتغيير كما ذكرنا .

    وقد أشار في " مراقي السعود " إلى مسألة الاستصحاب المذكور في " كتاب الاستدلال " بقوله : [ الرجز ]


    ورجحن كون الاستصحاب للعدم الأصلي من ذا الباب بعد قصارى البحث عن نص فلم يلف وهذا
    البحث وفقا منحتم
    إلى أن قال ، وهو محل الشاهد : [ الرجز ]


    وما بماض مثبت للحال فهو مقلوب وعكس الخالي
    كجري ما جهل فيه المصرف على الذي الآن لذاك يعرف
    وأما الركاز : ففيه الخمس بلا نزاع ; لقوله صلى الله عليه وسلم " وفي الركاز الخمس " أخرجه الشيخان ، وأصحاب السنن ، والإمام أحمد ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، إلا أنهم اختلفوا في المراد بالركاز .

    فذهب جمهور ، منهم مالك ، والشافعي ، وأحمد ، إلى أن الركاز هو دفن الجاهلية ، وأنه لا يصدق على المعادن اسم الركاز .

    واحتجوا بما جاء في حديث أبي هريرة المتفق عليه الذي ذكرنا بعضا منه آنفا ; فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والمعدن جبار ، وفي الركاز الخمس " ، ففرق بين المعدن والركاز بالعطف المقتضي للمغايرة .

    وذهب أبو حنيفة ، والثوري ، وغيرهما إلى أن المعدن ركاز ، واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وفي الركاز الخمس ، قيل يا رسول الله ، وما الركاز ؟ قال : الذهب والفضة المخلوقان في الأرض يوم خلق الله السماوات والأرض " ، ورده الجمهور بأن الحديث ضعيف ، قال ابن حجر في " التلخيص " : رواه : البيهقي من حديث أبي يوسف ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي هريرة مرفوعا ، وتابعه حبان بن علي ، عن عبد الله بن سعيد ، [ ص: 145 ] وعبد الله متروك الحديث ، وحبان ضعيف .

    وأصل الحديث ثابت في " الصحاح " ، وغيرها بدون الزيادة المذكورة . وقال الشافعي في " الجديد " : يشترط في وجوب الخمس في الركاز أن يكون ذهبا ، أو فضة دون غيرهما ، وخالفه جمهور أهل العلم ، وقال بعض العلماء : إذا كان في تحصيل المعدن مشقة ففيه ربع العشر ، وإن كان لا مشقة فيه فالواجب فيه الخمس ، وله وجه من النظر ، والعلم عند الله تعالى .
    قوله تعالى : انفروا خفافا وثقالا الآية .

    لا يخفى ما في هذه الآية الكريمة من التشديد في الخروج إلى الجهاد على كل حال ، ولكنه تعالى بين رفع هذا التشديد بقوله : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج الآية [ 9 \ 91 ] ، فهي ناسخة لها .
    قوله تعالى : وفي الرقاب .

    قال الشافعي ، والليث : إن المراد بالرقاب : المكاتبون .

    وروي نحوه عن أبي موسى الأشعري ، والحسن البصري ، ومقاتل بن حيان ، وعمر بن عبد العزيز ، وسعيد بن جبير ، والنخعي ، والزهري ، وابن زيد ، ويدل لهذا القول قوله تعالى في المكاتبين : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم [ 24 \ 33 ] ، وقال ابن عباس : الرقاب أعم من المكاتبين ، فلا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة ، وهو مذهب مالك ، وأحمد ، وإسحاق .
    قوله تعالى : والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم .

    صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن من يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم له العذاب الأليم .

    وذكر في " الأحزاب " أنه ملعون في الدنيا والآخرة ، وأن له العذاب المهين ، وذلك في قوله : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا [ 33 \ 57 ] .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #120
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,241

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    المجلد الثانى
    الحلقة (119)

    سُورَةُ التَّوْبَةِ(8)
    صـ 146 إلى صـ 150


    قوله تعالى : يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة إلى قوله : ما تحذرون .

    صرح في هذه الآية الكريمة بأن المنافقين يحذرون أن ينزل الله سورة تفضحهم ، وتبين ما تنطوي عليه ضمائرهم من الخبث ، ثم بين أنه مخرج ما كانوا يحذرونه ، وذكر في موضع آخر أنه فاعل ذلك ، وهو قوله تعالى : أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم [ ص: 146 ] [ 47 \ 29 ] إلى قوله : ولتعرفنهم في لحن القول [ 47 \ 30 ] ، وبين في موضع آخر شدة خوفهم ، وهو قوله : يحسبون كل صيحة عليهم [ 63 \ 4 ] .
    قوله تعالى : لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله .

    صرح في هذه الآية الكريمة : أن المنافقين ما وجدوا شيئا ينقمونه ، أي : يعيبونه وينتقدونه ، إلا أن الله تفضل عليهم فأغناهم بما فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم من الخير والبركة .

    والمعنى أنه لا يوجد شيء يحتمل أن يعاب أو ينقم بوجه من الوجوه ، والآية كقوله : وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد [ 85 \ 8 ] ، وقوله : وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا [ 7 \ 126 ] ، وقوله : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [ 22 \ 40 ] .

    ونظير ذلك من كلام العرب : قول نابغة ذبيان : [ الطويل ]


    ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
    وقول الآخر : [ المنسرح ]
    ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يضربون إن غضبوا
    وقول الآخر : [ الوافر ]


    فما يك في من عيب فإني جبان الكلب مهزول الفصيل


    قوله تعالى : قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون .

    ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة شدة حر نار جهنم أعاذنا الله والمسلمين منها ، وبين ذلك في مواضع أخر كقوله : نارا وقودها الناس والحجارة [ 66 \ 6 ] ، وقوله : كلا إنها لظى نزاعة للشوى [ 7 \ 15 ، 16 ] ، وقوله : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها [ 4 \ 56 ] ، وقوله : يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد [ 22 \ 19 - 21 ] ، وقوله : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه الآية [ 18 \ 29 ] ، وقوله : وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم [ 47 \ 15 ] إلى غير ذلك من الآيات .

    تنبيه

    اختلف العلماء في وزن جهنم بالميزان الصرفي ، فذهب بعض علماء العربية إلى أن [ ص: 147 ] وزنه " فعنل " فالنون المضعفة زائدة ، وأصل المادة : الجيم والهاء والميم ، من : تجهم : إذا عبس وجهه ; لأنها تلقاهم بوجه متجهم عابس ، وتتجهم وجوههم وتعبس فيها لما يلاقون من ألم العذاب .

    ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري : [ الطويل ]


    شكوت إليها حبها فتبسمت ولم أر شمسا قبلها تتبسم فقلت لها جودي فأبدت تجهما
    لتقتلني يا حسنها إذ تجهم
    وتقول العرب : جهمه : إذا استقبله بوجه كريه مجتمع ، ومنه قول عمرو بن الفضفاض الجهني : [ الطويل ]


    ولا تجهمينا أم عمرو فإنما بنا داء ظبي لم تخنه عوامله
    وقال بعض العلماء : جهنم فارسي معرب ، والأصل " كهنام " وهو بلسانهم " النار " ، فعربته العرب وأبدلوا الكاف جيما .
    قوله تعالى : فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ، إلى قوله : الخالفين ، عاقب الله في هذه الآية الكريمة المتخلفين عن غزوة تبوك بأنهم لا يؤذن لهم في الخروج مع نبيه ، ولا القتال معه صلى الله عليه وسلم ; لأن شؤم المخالفة يؤدي إلى فوات الخير الكثير .

    وقد جاء مثل هذا في آيات أخر كقوله : سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم [ 48 \ 15 ] إلى قوله : كذلكم قال الله من قبل ، وقوله : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة الآية [ 6 \ 110 ] ، إلى غير ذلك من الآيات ، والخالف هو الذي يتخلف عن الرجال في الغزو فيبقى مع النساء والصبيان ، ومنه قول الشنفرى : [ الطويل ]

    ولا خالف دارية متربب يروح ويغدو داهنا يتكحل
    قوله تعالى : وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين .

    ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة : أنه إذا أنزل سورة فيها الأمر بالإيمان ، والجهاد مع نبيه صلى الله عليه وسلم استأذن الأغنياء من المنافقين في التخلف عن الجهاد مع القدرة عليه ، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتركهم مع القاعدين المتخلفين عن الغزو .

    وبين في موضع آخر أن هذا ليس من صفات المؤمنين ، وأنه من صفات الشاكين [ ص: 148 ] الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ، وذلك في قوله : لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون [ 9 \ 44 ، 45 ] ، وبين أن السبيل عليهم بذلك ، وأنهم مطبوع على قلوبهم ، بقوله : إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم الآية [ 9 \ 93 ] ، وبين في مواضع أخر شدة جزعهم من الخروج إلى الجهاد ، كقوله : فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت الآية [ 47 \ 20 ] ، وقوله : فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد [ 33 \ 19 ] إلى غير ذلك من الآيات
    قوله تعالى : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه .

    صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان ، أنهم داخلون معهم في رضوان الله تعالى ، والوعد بالخلود في الجنات ، والفوز العظيم ، وبين في مواضع أخر ، أن الذين اتبعوا السابقين بإحسان يشاركونهم في الخير كقوله جل وعلا : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم الآية [ 62 \ 3 ] ، وقوله : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الآية [ 59 \ 10 ] ، وقوله : والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم [ 8 \ 75 ] .

    ولا يخفى أنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة ، أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان ، وهو دليل قرآني صريح في أن من يسبهم ويبغضهم ، أنه ضال مخالف لله جل وعلا ; حيث أبغض من رضي الله عنه ، ولا شك أن بغض من رضي الله عنه مضادة له جل وعلا ، وتمرد وطغيان .
    قوله تعالى : ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم الآية .

    صرح في هذه الآية الكريمة أن من الأعراب ، ومن أهل المدينة منافقين لا يعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر تعالى نظير ذلك عن نوح في قوله عنه : قال وما علمي بما كانوا يعملون الآية [ 26 \ 112 ] .

    [ ص: 149 ] وذكر نظيره عن شعيب عليهم كلهم صلوات الله وسلامه في قوله : بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ اهـ .

    وقد أطلع الله نبيه على بعض المنافقين كما تقدم في الآيات الماضية ، وقد أخبر صاحبه حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ، بشيء من ذلك ، كما هو معلوم .
    قوله تعالى : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه .

    لم يبين هنا هذه الموعدة التي وعدها إياه ، ولكنه بينها في سورة " مريم " بقوله : قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا .
    قوله تعالى : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم .

    هذه الآية الكريمة تدل على أن بعث هذا الرسول الذي هو من أنفسنا الذي هو متصف بهذه الصفات المشعرة بغاية الكمال ، وغاية شفقته علينا - هو أعظم منن الله تعالى ، وأجزل نعمه علينا ، وقد بين ذلك في مواضع أخر ، كقوله تعالى : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم الآية [ 3 \ 164 ] ، وقوله : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار [ 14 \ 28 ] وقوله : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ 21 \ 107 ] إلى غير ذلك من الآيات .
    قوله تعالى : عليه توكلت وهو رب العرش العظيم .

    أمر تعالى في هذه الآية الكريمة نبيه صلى الله عليه وسلم بالتوكل عليه جل وعلا .

    ولا شك أنه ممتثل ذلك ، فهو سيد المتوكلين عليه صلوات الله وسلامه ، والتوكل على الله تعالى ، هو شأن إخوانه من المرسلين صلوات الله عليهم وسلامه .

    كما بين تعالى ذلك في آيات أخر ، كقوله عن هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظروني إني توكلت على الله ربي وربكم الآية [ 11 \ 54 - 56 ] وقوله تعالى عن نوح : واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه ياقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون وقوله تعالى عن جملة الرسل : وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا [ ص: 150 ] سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا :

    ومن أوضح الأدلة على عظم توكل نبينا صلى الله عليه وسلم على الله قوله يوم حنين ، وهو على بغلة في ذلك الموقف العظيم :
    أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 6 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •